كتاب الوديعة
قال 1 الشافعي رحمه الله: "وإذا أودع رجل وديعة فأراد سفراً فلم يثق بأحد يجعلها عنده فسافر بها براً أو بحراً ضمن".
قال في الحاوي: أما استيداع الودائع فمن التعاون المأمور به، والإرفاق المناوب إليه، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:2].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:58].
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:283]﴾.
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ [آل عمران:75].
وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنه، ولا تخن من خانك" 2.
وروى أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تقبلوا إلي بست أتقبل بالجنة" قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا اؤتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم وكفوا أيديكم" 3.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" 4 وقد استودع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودائع القوم، وكان يسمى في الجاهلية لقيامة بها محمد الأمين، فلما أراد الهجرة إلى المدينة تركها عند أم أيمن- رضي الله عنها، وخلف علياً- عليه السلام- لردها على أهلها، ولأن بالناس إلى التعاون بها حاجة ماسة وضرورة داعية لعوارض الزمان المانعة من القيام على الأموال، فلو تمانع الناس فيها لاستضروا وتقاطعوا.
الجزء: 6 - الصفحة: 189
فصل
فإذا ثبت أن ذلك من التعاون المأمور به لم يحل حال من استودع وديعة من ثلاث أحوال:
أحدها: أن يكون ممن يعجز عنها، ولا يثق بأمانته نفسه فيها، فهذا لا يجوز له أن يقبلها.
والثانية: أن يكون أميناً عليها قادراً على القيام بها وليس غيره ممن يقوم بها فهذا ممن قد تعين عليه قبولها، ولزمه استيداعها، كمن تعين الشهادة على الشاهد إذا لم يوجد من يتحملها سواه، وكما يلزم الإنسان خلاص نفس يقدر على إحيائها إذا لم يوجد غيره، لأن حرمة المال كحرمة النفس.
والثالثة: أن يكون أمينا عليها، وقادراً على حفظها، وقد يوجد غيره من الأمناء عليها، فهذا مندوب إليه، وإن لم تجب عليه.
فصل
فإذا قبل الوديعة كان قبولها من العقود الجائزة له المقام عليها والرجوع فيها، وليس عليه إذا قبلها معرفة ما فيها، بل يجوز أن يستودعها وهو لا يعلم ما فيها، بخلاف اللقطة التي يلزمه معرفتها لما يلزمه من تعريفها، ثم عليه القيام بحفظها من حرز مثلها، فإن فرط كان ضامناً وإن لم يفرط فلا ضمان عليه، وحكي عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أن المستودع إن اتهم في الوديعة ضمنها، استدلالاً بما روي أن رجلاً أودع عند أنس بن مالك ستة آلاف درهم، فسرقت من بين ماله، فتخاصما إلى عمر فقال: هل أخذ معها من ثيابك شيء؟ قال: عليك الغرامة 5. فروي أن أنس بن مالك قال لابن سيرين وقد حمل معه رجل متاعاً إلى البصرة: يا أنس، احفظه كيلا تغرمه كما غرمني عمر، وهذا قول شاذ واضح الفساد، لرواية المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ليس على المستودع ضمان" 6. وروي أن رجلاً أودع عند جابر وديعة، فتلفت، فتحاكما إلى أبي بكر فقال: ليس على المؤتمن ضمان 7، وهو قول منتشر من الصحابة لا يعرف بينهم فيه تنازع، ولأن تضمين الوديعة يخرج عن حكم التعاون وعقود الإرفاق، فأما أنس فإنما ضمنه عمر لتفريطه، فقد قيل: إنه دفعها إلى خادمه، وإلا فقد حرم الله تعالى صحابة نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن أن تتوجه إليهم تهمة.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا، فصورة مسألة الكتاب في رجل استودع وديعة فأراد سفراً،
الجزء: 6 - الصفحة: 190
فالوديعة لا تحبسه عن السفر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمتنع عن الهجرة لأجل ما كان عنده من الودائع، ولأن استدامة الوديعة غير لازم، وردها على مالكها متى شاء المستودع جائز، وإذا كان ذلك فعليه إذا أراد سفراً ومالكها حاضر أن يردها عليه.
فلو قال لمالكها: لست أدفعها إليك إلا أن تشهد على نفسك بقبضها ففي وجوب الإشهاد عليه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجب، لأن قوله في الرد مقبول، فعلى هذا يكون المنع منها لأجل الإشهاد متعدياً، وهذا أصح الوجوه.
والثاني: أن إشهاد المالك على نفسه واجب، لأن يتوجه على المستودع يمين أو نوزع في الرد، فعلى هذا لا يكون بالمنع منها لأجل الإشهاد متعدياً.
والثالث: أن ينظر، فإن كان المالك قد أشهد على المستودع عند دفعها إليه لزمه الإشهاد على نفسه عند ردها عليه، وإن لم يشهد عند الدفع لم يلزمه الإشهاد على نفسه عند الرد، وإن لم يردها على مالكها مع حضوره فلا يخلو حاله فيها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يسافر بها معه.
والثاني: أن يدفعها إلى غيره.
والثالث: أن يخلفها في حرزه.
فإن سافر بها ضمن، سواء كان سفره مأموناً أو غير مأمون.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه إذا كان سفره مأموناً، استدلالاً بأن الذي عليه في الوديعة حفظها، فإذا حفظها في أي مكان كان من حضر أو سفر كان مؤدياً لحق الأمانة فيها، قال: ولأنه لما جاز أن يحفظها في أي موضع شاء من البلاد إذا كان مأموناً كان له ذلك في غير البلد إذا كان مأموناً.
والدليل على تعديه إذا سافر بها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن المسافر وماله على قلت إلا ما وقى الله" 8 يعني على خطر، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ورقاده" 9 ولان السفر مخوف في الغالب، وأمنه نادر لا يوثق به.
ولذلك يمنع السيد مكاتبه من السفر، ويمنع ولي اليتيم من السفر بماله، ولأن في السفر بالوديعة من التغرير بها إحالة بينها وبين مالكها بإبعادها عنه، وهذا عدوان، ولأن العرف في حفظ الودائع وإحرازها جاز في الأمصار دون الأسفار، فكان الخروج عن العرف فيها عدواناً، وليس بما استدل به من أن المقصود هو لحفظ الوجه، لأنه يلزمه مع الحفظ أن لا يخاطر بها ولا يغرر،
الجزء: 6 - الصفحة: 191
وهو بالسفر مغرر ومخاطر.
وقوله: "إنه لما لم يختص حفظها بمكان من المصر دوم مكان فكذلك في السفر" فلا وجه له، لأن المصر يتساوى حكم أماكنه المأمونة، والسفر مخالف للمصر.
فصل
وإن دفعها مع حضور مالكها إلى غيره، لم يخل حال من دفعها إليه من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يدفعها إلى وكيل مالكها.
والثاني: أن يدفعها إلى الحاكم.
والثالث: أن يدفعها إلى أجنبي يستودعها إياها، فإن دفعها إلى وكيل مالكها لم يخل حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون وكيلاً خاصاً في قبض ودائعه، فله دفعها إليه مع حضور المالك لأن يد الوكيل كيد الموكل.
والثاني: أن يكون وكيلاً خاصاً في غير قبض الوديعة، فهذا في حق الوديعة كالأجانب لا يجوز دفعها إليه، لأن الوكيل في شيء لا يكون وكيلاً في غيره.
والثالث: أن يكون وكيلاً عاماً في كل شيء، ففي جواز ردها عليه وجهان بناء على اختلاف الوجهين في صحة الوكالة العام:
أحدهما: أنها لا تصح، فعلى هذا لا يجوز ردها عليه.
والثاني: تصح، فعلى هذا يجوز ردها عليه، فإن طالب المستودع الوكيل أن يشهد له على نفسه بقبض الوديعة منه لزم الوكيل الإشهاد بذلك على نفسه وجهاً واحداً، لأن قول المستودع مقبول على المودع فجاز أن لا يلزم الإشهاد، وقوله غير مقبول على وكيله، فلذلك لزمه الإشهاد، وسواء كان المستودع قد قبضها من المودع أو من وكيله في لزوم الإشهاد، وسواء كان الوكيل عدلاً أو فاسقاً في جواز دفعها إليه، لأن للمودع أن يوكل من شاء من عدل أو فاسق بخلاف الوصي.
فصل
وإن دفعها إلى الحاكم مع وجود المالك ففي ضمانه وجهان:
أحدهما: يضمن، لأن مالكها رشيد لا يولى عليه.
والثاني: لا ضمان عليه، لأن يد الحاكم نائبه عن كل مالك، فعلى هذا إن دعاه المستودع إلى الإشهاد على نفسه بالقبض قبل الحاكم أنت بالخيار في الإشهاد على نفسك، أو في إعلام مالكها بالاسترجاع فإن أخذها واجب عليك، وأنت مخير في أيهما شئت.
الجزء: 6 - الصفحة: 192
فصل
وإن دفعها مع حضور مالكها إلى أجنبي ائتمنه عليها فاستودع إياها ضمنها، لأمرين:
أحدهما: أنه لا ضرورة مع حضور المالك إلى دفعها إلى غيره، فصار كالسفر بالمال.
والثاني: أن المالك رضي بأمانته دون أمانة غيره، فصارت يد من ائتمنه عليها يد غير مأذون فيها، فصارت متعدية، ولزم الضمان وكان مالكها مخير بين مطالبة المستودع الأول إن تلفت أو مطالبة الثاني.
وقال أبو حنيفة: له مطالبة الأول دون الثاني، ووافق في الغاصب إذا أودع أن للمالك مطالبة أيهما شاء، وهو دليل عليه في الوديعة لأنه ليس للمستودع أن يودع، كما ليس للغاصب أن يودع، فصار المستودع منها جميعاً يده غير محقة فلزمه الضمان، وسواء علم بالحال أو لم يعلم، لأن العمد والخطأ في ضمان الأموال سواء، فإذا ثبت أن له مطالبة أيهما شاء بغرمها، فإن أغرمها الثاني نظر، فإن علم بالحال لم يرجع بما غرمه على الأول، وإن لم يعلم ففي رجوعه عليه بغرمها وجهان.
وإن أغرمها الأول نظر فإن كان الثاني عالماً بالحال رجع الأول عليه بما غرم، وإن لم يعلم ففي رجوعه عليه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في الغاصب إذا وهب ما غصبه ثم غرمه هل يرجع بالغرم على الموهوب له أم لا؟ على قولين:
وعلى مالك الوديعة أن يشهد على نفسه بقبض الهبة، لأنها مضمونة بخلاف قبض الوديعة التي هي غير مضمونة.
فصل
وإن لم يدفعها إلى أحد مع حضور مالكها وخلفها وسافر ضمنها وقال: إن خلفها مع أمواله لم يضمن، وهذا فاسد، لأن الحرز بغير حافظ لا يكون حرزاً، وتغريره بماله لا يكون في الوديعة عذراً، فهذا حكم الوديعة إذا كان المودع حاضراً، والله أعلم.
فصل
فأما إذا كان المودع غائباً عند إرادة المستودع فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون له وكيل في قبضها.
والثاني: أن لا يكون له.
فإن كان له وكيل فوكيله هو المستحق بقبضها، لأن يد الوكيل كيد الموكل ويكون الحكم في عدول المستودع إلى غيره كالحكم من عدوله عن المودع مع حضوره على ما ذكرنا من التقسيم والجواب، وإن لم يكن له وكيل فالمستحق لقبضها هو الحاكم، فإن دفعها إليه لزمه الإشهاد على نفسه بالقبض، فإن عدل عن الحاكم مع كونه مأموناً فدفعها
الجزء: 6 - الصفحة: 193
إلى أمين ثقة ففي ضمانه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: لا ضمان عليه، وهو ظاهر كلام الشافعي، لأن الأمين عليها يمكن أن يحاكمه المودع منها إلى الحاكم ويقيم البينة بما عنده ولا يمكن أن يفعل ذلك مع الحاكم.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري، وأبي علي بن خيران، وابن أبي هريرة يضمن، لأن اختيار الحاكم واختيار الأمين اجتهاد ولأن نظر الحاكم عام ونظر الأمين خاص، فإن لم يجد حاكماً، أو كان إلا أنه غير مأمون جاز أن يختار لها أميناً ثقة يستودعه إياها؛ لأنه لا يقدر على غير ذلك في حفظها، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أودع ما خلفه من الودائع عند أم أيمن حين هاجر واستخلف علياً في الرد رضي الله عنه وهل يلزمه الإشهاد عند دفعها إليه أم لا:
أحدهما: يلزمه الإشهاد عليه خوفاً من تغير حاله وحدوث جحوده، فعلى هذا إن لم يشهد عليه ضمنها.
والثاني: لا يلزمه الإشهاد عليه، لأنه ينوب عن المالك، ولأن قول الأمين في الرد مقبول، فعلى هذا إن لم يشهد عليه لم يضمنها فإن لم يجدا ثقة يستودعه إياها لم يخل حينئذ حال المصر والسفر من أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون المصر مخوفآ بغارةء أو حريقء والسفر مأمونآء فعليه أن يسافر بالمال معه، لأنها حال ضرورة هي أحفظ وأحرز، فإن تركها وسافر كان ضامناً، وإن سافر بها لم يضمنها.
والثاني: أن يكون المصر مأموناً والسفر مخوفاً، فعليه تركها في المصر على ما سنذكره، ولا يجوز أن يسافر بها، فإن سافر بها ضمن.
والثالث: أن يكون المصر مخوفاً والسفر مخوفاً، فلا يجوز أن يسافر بها لأنه إذا استوي الخوفان كان خوف السفر أعم.
والرابع: أن يكون المصر مأموناً والسفر مأموناً، ففي جواز السفر بها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي، والظاهر من كلام الشافعي: لا يجوز أن يسافر بها، فإن سافر بها ضمن، لأن السفر أخطر.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: يجوز أن يسافر بها، ولا ضمان عليه، لاستواء الأمن في الحالين، وفضل حفظه لها بنفسه في السفر، والله أعلم.
مسالة 10:
قال الشافعي: "وإن دفنها في منزله ولم يعلم بها أحداً يأتمنه على ماله فهلكت
الجزء: 6 - الصفحة: 194
ضمن وإذا أودعها غيره وصاحبها حاضر عنه سفره ضمن فإن لم يكن حاضراً فأودعها أميناً يودعه ماله لم يضمن".
قال في الحاوي: وهذا صحيح متى ما لم يجد حاكماً ولا ثقة يستودعها إياه فدفنها في الأرض فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الموضع المدفونة فيه سابلاً لا تحجير عليه يمنع من الوصول، فدفنها في مثله عدوان يوجب الضمان، سوا، أعلم بها أحداً أو لم يعلمه، لأن ما تصل إليه الأيدي معرض للتلف.
والثاني: أن يكون الموضع حصياً حريزاً كالمنازل المسكونة التي لا تصل اليد إليها إلا من أراد، فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يعلم بها أحداً أو لا يعلم بها أحداً، فإن لم يعلم بها أحداً ضمنها، لأنه قد ربما أدركته منيته فلم يوصل إليها، فصار ذلك تغريراً، وإن أعلم بها ثقة مؤتمناً صح، وهل يراعى في الإعلام بها حكم الشهادة أو حكم الائتمان؟ على وجهين:
أحدهما: حكم الشهادة فعلى هذا لا يجزئه أقل من شاهدين عدلين، أو شاهد وامرأتين ويرى الشاهدان ذلك عند دفنه ليصح تحملها لذلك، فإذا فعل ذلك خرج عن التعدي، وسقط الضمان عنه ولم يلزمه أن يأذن للشاهدين من نقلها عند الخوف.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يراعى فيه حكم الائتمان، فعلى هذا يجوز أن يعلم بها واحداً ثقة، سواء كان رجلاً أو امرأة، ويجوز أن لا يراها، وهل يلزمه أن يأذن له في نقلها إن حدث بمكانها خوف أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمه ذلك لما فيه من فضل الاستظهار، فإن لم يفعل ضمن.
والثاني: لا يلزمه، لما في نقلها من التعريض للأخطار، فإن نقلها المؤتمن عليها على هذا الوجه عند حدوث الخوف بمكانها ففي ضمانه وجهان من اختلافهم على هذا الوجه، هل يكون إعلامه بها يجري مجرى الخبر أو مجرى الأمانة؟ فأحد الوجهين: أنه يجري مجرى الخبر، فعلى هذا لا يجوز له نقلها، فإن نقلها ضمن، ويجوز أن يكون عبداً، وأن يكون بعيداً عنها، وليس له يد عليها.
والثاني: أن يجري مجرى الأمانة، فعلى هذا يجوز له نقلها، ولا يجوز أن يكون عبداً ولا أن يبعد عنها، وتكون يده عليها، فأما إذا دفنها على ما وصفنا مع وجود حاكم مأمون، أو عدل موثوق به يودعها عنده ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز ويضمن إن فعل.
والثاني: يجوز ولا ضمان عليه.
فصل
فأما إذا ترك الوديعة في بيت المال فقد قال الشافعي: "يضمن وليس هذا الجواب
الجزء: 6 - الصفحة: 195
على الإطلاق؛ واختلف أصحابنا من تأويله، فقال بعضهم: أراد به إذا كان مالكها حاضراً، ولو كان غائباً لم يضمن، وهذا تأويل من قال: لا يجوز دفع الوديعة إلى الحاكم مع وجود صاحبها وقال آخرون: إنما أراد به إذا لم يعلم صاحب بيت المال بها ولمن هي، فإن أعلمه بها ولمن هي لم يضمن، وهذا قول من لا يجوز دفعها إلى الحاكم مع حضور صاحبها.
مسألة 11
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن تعدى فيها ثم ردها في موضعها فهلكت ضمن لخروجه بالتعدي من الأمانة".
قال في الحاوي: أعلم أن التعدي الذي يجب به ضمان الوديعة فعلى سبعة أقسام:
أحدها: التفريط في الحرز، ذلك مثل أن يضعها في غير حرز أو يكون قد وضعها في حرز، ثم أخرجها إلى ما ليس بحرز، أو يكون قد أعلم بمكانها من أهله من لا يؤمن عليها، فهذا وما أشبهه من التفريط عدوان يجب به الضمان.
والثاني: الاستعمال، مثل أنه يستودعه ثوباً فيلبسه أو دابة فيركبها أو بساطاً فيفترشه فهذا وما شاكله عدوان يجب به الضمان.
والثالث: خلطها بغيرها، وذلك ضربان:
أحدهما: أن يخلطها بمال نفسه، كما لو أودع دراهم فخلطها بدراهم حتى لم تتميز، فهذا عدوان يوجب الضمان، وكذلك لو خلطها بدراهم غير المودع أيضاً.
والثاني: أن يخلطها بمال المودع، كأنه أودع وديعتين من جنس واحد فخلط إحداهما بالأخرى، ففي تعديه وضمانه بذلك وجهان:
أصحهما يضمنها، لأن مالكها لما ميزها لم يرض بخلطها، ولكن لو خلطها بما يتميز منها مثل أن يخلط دراهم بدنانير لم يضمن، إلا أن يكون خلط الدراهم بالدنانير قد نقص قيمته من الدنانير فيضمن قدر النقصان.
والرابع: الخيانة، وهو أن يخرجها ليبيعها، أو لينفقها، فهذا عدوان يجب به الضمان وكذلك لو جحدها.
والخامس: التعرف لها، مثل أن تكون دراهم فيزنها، أو يعدها، أو ثياباً فيعرف طولها وعرضها، ففي تعديه وضمانه بذلك وجهان:
أحدهما: يضمن، لأنه نوع من التصرف.
والثاني: لا يضمن، لأنه قد ربما أراد به فضل الاحتياط.
والسادس: التصرف من بعض ما استظهر به المودع من حرزها وذلك ضربان:
الجزء: 6 - الصفحة: 196
أحدها: أن يكون منيعاً بالقفل الذي يفتحه، فهذا عدوان يجب به الضمان.
والثاني: أن يكون غير منيع كالختم يكسره، والشداد يحله، ففي ضمانه بذلك وجهان أصحهما يضمن، لما فيه من هتك الحرز، ولذلك قال عمر رضي الله عنه لشريح: طينة خير من طينة يعني أن طينة الختم تنفي التهمة.
والسابع: أن ينوي الخيانة والتعدي، فقد كان أبو العباس بن سريج يرى أن ذلك موجب لضمانها ويجعل النية فيها، كالفعل من وجوب الضمان، استدلالاً بأن النية من تملك اللقطة يقوم مقام التصرف من ثبوت المالك، فكذلك ضمان الوديعة، والذي عليه جمهور أصحابنا أنه لا يضمنها بالنية، لأن النية إنما تراعى في حقوق الله تعالى لا من حقوق الآدميين، ولو جاز أن يصير متعدياً بالنية لجاز أن يصير خائناً وسارقاً بالنية، ولأن النية ما أثرت في حرزها فلم تؤثر في ضمانها، غير أنه يأثم بها، فأما اللقطة فمع النية من تملكها علم ظاهر وهو انقضاء حق التعريف، إن كان من أصحابنا من لم يجعله مالكاً مع النية إلا بالتصرف.
وقال أبو حامد المروزي: يجعله مالكاً مع النية إلا بالتصرف فإن نوى حبسها لنفسه، وإن لم يرده علي ربما ضمنها، وإن نوى أن يخرجها من حرزها إخراج عدوان لم يضمنها، وهذا أصح.
والفرق بينهما: أنه إذا نوى أن لا يردها أمسكها لنفسه فضمنها، وإذا نوى أن يخرجها فقد أمسكها لمالكها فلم يضمنها.
فصل
فإذا استقر ضمان الوديعة من أحد هذه الأقسام بالتعدي ثم كف عن تعديه وأعادها إلى حرزها لم يسقط عنه الضمان.
وقال أبو حنيفة ومالك: قد سقط عنه الضمان، استدلالاً بأن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها كالشدة المطربة في الخمر، والردة الموجبة للقتل، قالوا: ولأنه قد يضمن الوديعة بالإخراج كما يضمن المحرم الصيد بالإمساك، فلما كان إرسال المحرم للصيد بعد إمساكه مسقطاً للضمان وجب أن يكون إعادة المستودع لها بعد الإخراج مسقطاً للضمان، قالوا: ولأنه لما كان لو أخرجها من حرز المستودع سارق فضمنها سقط عنه الضمان بردها كان أولى إذا أخرجها المستودع فضمنها أن يسقط عنه الضمان بردها.
ودليلنا هو أنه ما ضمنت به الوديعة لم يسقط بارتفاع سببه كالجحود، ولأن من ضمن باليد لم ينفرد بإسقاط الضمان كالغاضب، ولأن الضمان إذا وجب بالإخراج من الحرز لم يخرج بالرد إلى الحرز كالسارق، ولأنه قد خرج بالتعدي في الأمانة، فلم يعد إليها باستئناف أمانة وإلا كان أمين نفسه، ولأن الضمان إذا تعلق بذمته لم يكن له سبيل إلا إبراء نفسه بنفسه فأما استدلالهم بأن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها فالعلة لم تزل، لأن التعدي الأول انقطع ولم يرتفع، وأما إرسال المحرم للصيد فإنما سقط عنه الضمان، لأنه قد أعاده إلى حقه.
ومثاله من الوديعة أن يعيدها إلى مالكها، وأما السارق من المستودع فقد اختلف
الجزء: 6 - الصفحة: 197
أصحابنا في سقوط الضمان عنه إذا رده المستودع على وجهين:
أحدهما: لا يسقط الضمان عنه لأنه غير مالكه.
والثاني: قد سقط عنه الضمان، لأن المستودع على أمانته فصار عودها إلى يده كعودها إلى المالك، وليس كذلك إذا كان المستودع هو الضامن له، لأنه قد خرج من الأمانة.
فصل
فإذا ثبت أن ضمان التعدي باق وإن كف عنه فسقوطه عنه يكون بردها على مالكها أو وكيل مالكها في قبضها، فأما إبراء المودع له من ضمانها فإن كان بعد تلفها واستقرار عزمها في ذمته صح الإبراء إذا كان بعد تلفها، وإن كان مع بقائها ففي سقوط ضمانها وجهان:
أحدهما: وهو قول المروروزي قد سقط الضمان، لأن الإبراء استئمان.
والثاني: أن الضمان لا يسقط عن الغاصب بالإبراء قبل الرد، ولأن الإبراء إنما يتوجبه إلى ما استقر من الديون في الذمم لا إلى ما في الأيدي من الأعيان، وإنما هبات الأعيان لا تسقط ضمانها، فعلى هذا لو أعادها المستودع إلى حرزها بإذن مالكها كان سقوط الضمان عنه على هذين الوجهين، والله أعلم.
مسالة 12
قال الشافعي: "ولو أودع عشرة دراهم فأنفق منها درهما ثم رده فيها ولو ضمن الدرهم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن من وجوب الضمان بكسر الختم وحل الشداد وجهان:
فأما إذا أودع دراهم غير مختومة ولا مشدودة فأخرج منها درهماً لينفقه قد ضمنه وحده ولا يضمن غيره، فإن رده بعينه ولم ينفقه لم يسقط عنه ضمانه، فإن خلطه بالدراهم، نظر فإن تميز عنها ضمنه وحده ولم يضمن جمع الدراهم وإن لم يتميز عنها ففي ضمان جميعها وجهان:
أحدهما: يضمن جميعها، لأنه قد خلط مضموناً بغير مضمون فصار بذلك متعدياً فضمن الجميع وهذا مذهب أبي حامد المروروزي، والبصريين.
والثاني: لا يضمن، لأن كل ذلك مال واحد قد آثر مالكه خلطه فلم يكن في خلطه خلاف غرضه، وهذا مذهب أبي علي بن أبي هريرة، والبغداديين، وإن أنفق ذلك الدرهم ورد بدله وخلطه بالدراهم فلا يخلو حال ذلك الدرهم الذي رده بدلاً من ثلاثة أقسام:
الجزء: 6 - الصفحة: 198
أحدها: أن لا يتميز من جميع الدراهم، فيصير بخلطه متعدياً في الجميع، لأنه قد خلط الوديعة بمال نفسه، فصار ضامناً بجميعها.
والثاني: أن يتميز ذلك الدرهم دون غيره مما يتميز ويصير كمن خلط دراهم الوديعة بدنانير نفسه عن جميع الدراهم فليس عليه، إلا ضمان ذلك الدرهم دون غيره.
والثالث: أن يكون مما يتميز عن بعض الدراهم ولا يتميز عن بعضها، مثل أن تكون بعض الدراهم بيضاء وبعضها سوداء، والدراهم المردودة فيها أبيض أو أسود، فيضمن من ذلك ما لا يتميز عن الدرهم المردود بدلاً ولا يضمن ما تميز عنه.
مسألة 13
قال الشافعي: "ولو أودعه دابة وأمره بعلفها وسقيها فأمر من فعل ذلك بها في داره كما يفعل بدوابه لم يضمن وإن بعثها إلى غير داره وهي تسقى في داره ضمن وإن لم يأمره بعلفها ولا بسقيها ولم ينهه فحبسها مدة إذا أتت على مثلها لم تأكل ولم تشرب هلكت ضمن وإن لم تكن كذلك فتلفت لم يضمن وينبغي أن يأتي الحاكم حتى يؤكل من يقبض منه النفقة عليها ويكون ديناً على ربها أو يبيعها فإن أنفق على غير ذلك فهو متطوع".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل أودع رجلاً دابة فلا يخلو حاله عند إيداعها عنده من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يأمره بعلفها.
والثاني: أن ينهاه عن علفها.
والثالث: أن لا يأمره ولا ينهاه.
فأما القسم الأول: وهو أن يأمره بعلفها فعليه أن يربطها في حرز مثلها ويعلفها ويسقط عند حاجتها وقدر كفايتها، فإن علفها مع دوابه في منزله وكان حرزاً جاز وإن لم يكن حرزاً ضمن، وإن علفها مع دوابه وفي غير منزله فإن لم يكن حرزاً أو كان إلا أن القيم بها إذا لم يشاهده قصر في علفها ضمن، وإن كان حرزاً والقيم بها إذا أفرده بعلفها مع غير دوابه لم يقصر في علفها لم يضمن، ومراد الشافعي رضي الله عنه بإطلاق الضمان ما ذكرنا، وهو قول جمهور أصحابنا.
وقال أبو سعيد الإصطخري: متى عزلها عن دوابه وعلفها وفي غير إصطبله ضمنها بكل حال، لأن الظاهر من فعل نظيره لنفسه أن اصطبله أحرز، وعلفها مع دوابه أحوط، فإذا ثبت ما وصفنا من مال حرزها وعلفها فلا يخلو حاله في الإذن من أحد أمرين: إما أن يشترط له الرجوع أو لا يشترط له الرجوع، فإن شرط له الرجوع فقال: أنفق عليها
الجزء: 6 - الصفحة: 199
لترجع علي، أو أنفق علي ففي وجوب تقديره للنفقة وجهان:
أحدهما: يجب تقديرها لتنتفي الجهالة عن ضمانها، وليزول الخلف بينهما في قدرها، فعلى هذا إن أنفق عليها من غير تقدير المودع كان متطوعاً لا يرجع بنفقته، وإن قدر له قد أرجع به، وإن زاد عليه كان متطوعاً.
والثاني: لا يجب تقديرها لأن لنفقتها حداً يراعى فيه كفايتها فلم يحتج إلى التقدير، فعلى هذا يجوز إذا كان المالك هو الآذن في النفقة أن يتولاها المستودع بنفسه، ويقبل قوله في قدرها إذا لم يدع سرفاً، وإن لم يشترط له الرجوع بالنفقة حين أذن فيها ففي جواز رجوعه بها وجهان:
أحدهما: يرجع اعتباراً بالأغلب من حال الإذن.
والثاني: لا يرجع لاحتمال الإذن.
فصل
وأما القسم الثاني: وهو أن ينهاه عن علفها فلا يجوز له في حق الله تعالى أن يدع علفها، لأنها ذات نفس يحرم تعذيبها، ونهى - صلى الله عليه وسلم - عن ذبح البهائم 14 إلا لمأكلة، وقال: "في كل ذات كبد حرى أجر" 15 وعليه أن يأتي الحاكم حتى يجبر المالك على علفها إن كان حاضراً أو يأذن له من علفها ليرجع به إن كان غائباً، فإن علفها من غير حكم حاكم لم يرجع، وإن تركها فلم يعلفها حتى هلكت فالمحكي عن جمهور أصحابنا أنه لا يضمن، وهذا قول أبي العباس بن سريج وأبي إسحاق المروزي، وغيرهما، لأن نهيه عن النفقة إبراء من ضمان الذمة.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يضمن، وهو الأصح عندي، لأنه شرط قد منع الشرع منه فكان مطرحاً، وعلى كلا الوجهين لا يسقط عنه المأثم، وإنما الوجهان في الغرم، وعلى هذين الوجهين لو أذن له السيد في قتل عبده كان في سقوط الغرم عن قاتله وجهان، وقد حكاهما ابن أبي هريرة، وزعم أنهما مخرجان من اختلاف قوليه في الرهن إذا أذن للمرتهن في وطء الجارية المرهونة: هل يسقط عنه المهر بالإذن أم لا؟ على قولين فأما إن أمر بقطع يده أو جلده لم يضمن وجهاً واحداً، لاحتمال أن يكون الأمر بقطعه حداً في سرقة والجلد حداً في زنا، والله أعلم.
فصل
وأما القسم الثالث: وهو أن لا يأمره بعلفها ولا ينهاه فعليه علفها، لما يلزمه في الشرع من حرمة نفسها، فإن لم يعلفها حتى هلكت في مدة إن لم تأكل فيه تلفت فعليه غرمها.
الجزء: 6 - الصفحة: 200
وقال أبو حنيفة: لا غرم عليه، استدلالاً بأن الأمر إنما يضمن الحفظ دون العلف فلم يكن منه تقصير فيما تضمنه المر فلم يضمن، وتعلقاً بأنه لو رأى بهيمة تتلف جوعاً فلم يطعمها لما ضمن، فكذلك هذه وهذا فاسد، لأن ما وجب بالشرع فهو كالمقترن بالأمر، وقد "نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تتخذ الروح غرضاً" 16 وذكر في صاحبة الهرة التي دخلت بها النار ما يدل على أنه لا يجوز ترك البهيمة بلا علف، ولأن علفها من شروط حفظها، فلما كان حفظها واجباً وإن جاز أن تبقى بغير حافظ فأولى إن يكون علفها واجباً غذ ليس يجوز أن تبقى بغير غلف وبهذا بطل استدلاله.
فأما من رأى بهيمة غيره تموت جوعاً فلم يطعمها فإنما لم يضمنها، لأنه لم يتعين عليه حفظها، وليست كالوديعة التي تعين عليه حفظها، فإذا ثبت وجوب علفها عليه وأنه يضمنها إن لم تعلف فالطريق إلى رجوعه بعلفها أن يأتي الحاكم حتى ينظر حال مالكها، فإن كان حاضراً ألزمه علفها، وإن كان غائباً نظر أولى الأمرين له من بيعها إن خاف أن يذهب في علفها أكثر منها أو النفقة عليها إن رأى ذلك قليلاً، فإن رأى الحاكم أن يأذن للمستودع في النفقة عليها، فهل يلزمه تقديرها له أم لا؛ على ما ذكرنا من الوجهين في المالك لو كان هو الأذن، وهل يجوز أن يتولى النفقة عليها بنفسه أو ينصب له أميناً يأخذها منه؛ على وجهين ذكرناهما في "اللقطة" فإن اتفق المستودع عليها من غير حكم حاكم، فإن قدر على استئذان الحاكم كان متطوعاً بالنفقة، ومن لم يقدر على استئذانه ففي رجوعه بالنفقة ثلاثة أوجه:
أحدهما: يرجع بها أشهد أو لم يشهد، لوجوبها عليه، وعدم من يحكم بها له.
والثاني: لا يرجع بها أشهد، أو لم يشهد، لأن لا يكون حاكم نفسه.
والثالث: أنه أمر اشهد رجع وإن لم يشهد لم يرجع، لأن الإشهاد غاية إمكانه.
مسألة 17
قَاَلَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَوْصَى المُودِعُ إِلَى أَمِينٍ لَمْ يَضْمَنْ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ ضَمِنَ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا حضر المستودع الموت، فإذا كان مالكها حاضراً، أو وكيله لم يجز أنه يوصي بها، كما لا يجوز إذا أراد السفر مع حضور مالكها أن يودعها، إن كان مالكها غائباً وليس له وكيل حاضر فإن لم يقدر على حاكم جاز أن يوصي بها إلى أمين وإن قدر على الحاكم ففي جواز الوصية بها غيره وجهان على ما ذكرنا في السفر، فإذا جاز له الوصية بها مع عدم الحاكم ومع وجوده في أحد الوجهين اختار
الجزء: 6 - الصفحة: 201
لها أميناً، فإن اختار لها أميناً قد اختاره لوصية نفسه كان أولى ولا ضمان عليه، وفي وجوب الإشهاد عليه بها وجهان، وإن اختار لها أميناً غير من اختاره لوصية نفسه، ففي ضمانه وجهان:
أحدهما: لا يضمن، وهو قول الأكثرين من أصحابنا، كما لو أوصى ببعض ماله إلى رجل وبعضه إلى غيره.
والثاني: وهو قياس أبي سعيد الإصطخري في علف الدابة في غير منزله أنه يضمن، لأن الظاهر ممن اختاره بنفسه أنه أظهر أمانة قلنا إن أوصى بها إلى غير أمين لم يجز، سواء جعله وصي نفسه أم لا؛ وسواء علم فسقه أم لا؛ لأن العمد والخطأ في ضمان الأموال سواء فإن فعل، نظر فإن سلمها إليه ضمنها لتفريطه فيها، وإن لم يسلمها إليه عند الوصية حتى هلكت ففي ضمانه لها وجهان:
أحدهما: أنه لا يضمنها، لأنه ما أحدث فيها فعلاٌ.
والثاني: يضمنها، لأنه قد سلط عليها، وإن لم يقبضها فصار ذلك عدواناً فوجب الضمان، فأما إن لم يوص بها حتى مات نظر، فإن لم يقدر على الوصية لمفاجأة الموت لم يضمن، وإن قدر عليها ضمن وبالله التوفيق.
مسألة 18
قَاَلَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ قَرْيَةٍ آهِلّةٍ إِلَى غَيْرِ آهِلّةٍ ضَمِنَ".
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في نقل هذا اللفظ، فذهب أبو إسحاق المروزي إلى أن الرواية فيه: "ولو انتقل من قرية أهله" يعني: كثير الأهل "إلى غير أهله" يعني: قليلة الأهل.
وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلى أن المراد بقوله: "ولو انتقل من قرية أهله" يعني: وطن أهله إلى غير وطن أهله.
وجملة ذلك: أن لا يخلو حال القرية التي انتقل إليها من أن تكون آمنة أو غير آمنة، فإن كانت عبر آمنة كان ضامناً ينقل الوديعة إليها، وإن كانت آمنة لم يخل حاله من أن تكون قريبة أو بعيدة فإن كانت بعيدة ضمن لما في نقلها من إبعادها عن مالكها، فإن كانت قريبة لم يخل حال الطريق من أن يكون آمناً أو مخوفاً، فإن كان مخوفاً ضمن وإن كان آمناً لم يخل حال القرية التي انتقل عنها من أن تكون مخوفة أو آمنة، فإن كانت مخوفة لا يأمن على الوديعة فيها من غارة أو حريق، أو غرق لم يضمن، وإن كانت آمنة ففي ضمانه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنه لا يضمن على ما قدمته من رواية
الجزء: 6 - الصفحة: 202
اللقطة، وكما لو نقلها من محلة إلى أخرى.
والثاني: وهو الأصح عندي، أنه يضمن، لأن من إخراج المال عن القرية تغرير لم تدع إليه ضرورة.
مسألة 19
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لاَ يُخْرِجَهَا مِنْ هَذَا المَوْضِعَ فَأَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةِ فَإٍنْ كَانَ ضَرُورَةٍ وَأَخْرَجَهَا إِلَى حَرْزٍ لَمْ يَضْمَنْ".ٍ
قال في الحاوي: وجملة حال المودع أنه لا يخلو من أن يعين للمستودع على حرز أو لا يعين، فإن لم يعين على حرز فعليه أن يحرزها حزر مثلها ويجوز له نقلها من ذلك الحرز إلى حرز مثله أو آخر لضرورة أو غير ضرورة إذا لم يكن النقل مخوفاً، لأنه قد كان له في الابتداء أن يحرزها حيث شاء فلذلك يجوز أن ينقلها حيث شاء وسواء أحرزها مع ماله أو نقلها مع غير ماله، وعلى قياس قول أبي سعيد الإصطخري متى أحرزها مع غير ماله أو نقلها مع غير ماله ضمن كالدابة.
فصل
فإن عين على حرز يحرزها فلا يخلو حاله من أن ينهاه عن إخراجها من ذلك الحرز أو لا ينهاه، فإن لم ينهاه عن إخراجها من الحرز الذي عينه جاز إحرازها فيه، سواء كان حرزاً لمثلها أو لم يكن، لأن مالكها باليقين قد قطع اجتهاده في الاختيار، فإن أخرجها من ذلك الحرز فذلك ضربان:
أحدهما: لضرورة أمن غشيان نار، أو حدوث غارة، فلا ضمان عليه بإخراجها منه إذا كان الطريق في إخراجها مأموناً، ولو تركها مع حدث هذه الضرورة لكان لها ضامناً لأنه فرط بتركها.
والثاني: أن ينقلها من ذلك الحرز إلى غيره من غير ضرورة حدثت، فلا يحلو حال الحرز الذي كانت فيه، والحرز الذي نقلت إليه من أربعة أقسام:
أحدهما: أن يكون المعين غير حريز والمنقول إليه حريزاً، فلا ضمان عليه.
والثاني: أن يكون المعين حريزاً، والمنقول غير حريز، فعليه الضمان.
والثالث: أن يكون المعين غير حريز والمنقول غير حريز، فعليه الضمان، لأنه قد عدل عن التعيين إلى غيره اختياراً.
والرابع: أن يكون المعين حريزاً والمنقول إليه حريزاً في الحرز المعين فإن لم يكن لرب الوديعة جاز نقلها ولم يضمن، لأن حقه في الإحراز دون الحرز، وإن كان ملكاً لرب
الجزء: 6 - الصفحة: 203
الوديعة ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز نقلها ولا يضمنها تغليباً لحكم الحفظ المعتبر مع الإطلاق، ويضمنها اعتباراً بالتعيين القاطع للاختيار.
والثاني: لا يجوز له نقلها اعتباراً بالتعيين القاطع للاختيار.
فصل
وإن نهاه مع التعيين على الحرز عن إخراجها منه فلا يخلو حال الحرز من أن يكون للمودع أو المستودع، فإن كان للمودع فسواء كان مالكاً أو مستأجراً شرطه واجب، وليس للمستودع نقلها من غير ضرورة، فإن نقلها مع ارتفاع الضرورة ضمنها، سواء نقلها من دار إلى دار، ضمن أو نقلها من بيت إلى بيت ضمن.
وقال أبو حنيفة: إن نقلها من دار إلى دار ضمن وإن نقلها من بيت إلى بيت أو من صندوق إلى صندوق لم يضمن احتجاجاً بأن الدور المختلفة قد تتباين في الإحراز والبيوت في الدار الواحدة لا تتباين، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن البيوت من الدار الواحدة قد تختلف في الحرز كاختلاف الدور.
والثاني: أن في نقلها مع التعيين تصرفاً غير مأذون فيه، فصار به متعدياً وجملة ذلك أن له في نقلها من بلد إلى بلد.
والثاني: من دار إلى دار.
والثالث: من بيت إلى بيت.
والرابع: من صندوق إلى صندوق، فعندنا يضمن إذا نقلها في هذه الأحوال الأربعة مع التعيين، وعند أبي حنيفة يضمن في حالتين في البلد والدار ولا يضمن في حالتين في البيت والصندوق، وغن كان الحرز للمستودع ففي لزوم ما شرطه للمودع عليه من أن لا يحرزها منه وجهان:
أحدهما: قول ابن أبي إسحاق المروزي، أنه شرط واجب، ومتى أخرجها منه لغير ضرورة ضمن، لأن المودع لم يرض لإحراز ماله إلا ما عينه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه شرط لا يجب، وإن أخرجها من غير ضرورة له لا يضمن، لأنه لا يملك الحرز وليس يستحق إلا الحفظ.
فصل
فأما إذا دعت الضرورة إلى إخراجها من الحرز الذي عينه لحفظ الوديعة فيه من غشيان نار أو حدوث حريق فهذا على ضربين:
أحدهما: أن ينص المودع على أن لا يخرجها منه في هذه الأحوال.
والثاني: أن لا ينص، فإن لم ينص على ذلك بل نهي عن إخراجها منه على
الجزء: 6 - الصفحة: 204
الإطلاق جاز مع حدوث هذه الضرورات المتجددة إحراجها، لأن نهيه عن إخراجها، إنما هو لفرط الاحتياط في حفظها، فلم يجز تكرها في مكان يفضي إلى تلفها، فإن تركها ولم ينقلها حتى تلفت فعليه الضمان، لتفريطه بالترك وإن نص على أن لا تخرج منه، وإن غشيت نار، أو حديث غارة، فإن كان حيواناً يخاف على نفسه من غشيان النار كان هذا فيه شرطاً باطلاً ولزم إخراجه مع النهي عنه، كما يلزم علفه، وإن نهي عنه، فإن أخرجه لم يضمنه، وإن تركه ففي ضمانه وجهان كالدابة إذا شرط عليه أن لا يعلفها، وإن لم يكن حيواناً يخاف تلف نفسه ففي لزوم شرطه وجهان بناء على اختلاف الوجهين المحكيين عن أبي إسحاق المروزي في الوكيل إذا وكل من شراء عبد بعينه بعشرة فاشتراه بأقل منها، فإن لم ينهه الموكل عن شرائه بأقل من عشرة صح الشراء، وإن نهاه ففي لزوم شرط وصحة عقده وجهان:
أحدهما: الشرط باطل، والشراء صحيح.
والثاني: أن الشرط اللازم، والشراء الباطل كذلك هذا الشرط، وهذا الموضع يخرج على هذين الوجهين:
أحدهما: يلزم لقطع الاجتهاد بالنص، فعلى هذا إن أخرجه ضمن وإن تركه لم يضمن.
والثاني: لا يلزم تغليباً لحكم الاحتياط في نصه، فعلى هذا إن أخرجه لم يضمن، وإن تركه ففي ضمانه وجهان على ما ذكرنا في الدابة المنهي عن علفها إذا لم يعلفها، فأما مؤنة إخراجها ونقلها فإن منع كان متطوعاً به، وكذلك لو كان له ولم يجب عليه كان متطوعاً به، وإن وجب عليه كان كالعلف على ما مضى.
مسألة 20
قّالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ المُودِعُ أَخْرَجْتُهَا لَمَّا غَشِيتَنْي النَّارُ، فَاِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ نَارٌ، أَوْ أَثَرٌ، يَدُلُّ فَلقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيِنِه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أخرج الوديعة من حرز شرط عليه أن لا يخرجها منه فقد ذكرنا أنه إن كان لضرورة لم يضمن، إن كان بغير ضرورة ضمن، فلو اختلف المودع والمستودع، فقال المستودع: أخرجتها لنار غشيت أو لغارة حدثت فلا ضمان علي، وقال المودع: بل أخرجتها بغير سبب فعليك الضمان فلا يخلو حال هذه الدعوى في غشيان النار وحدوث الغارة من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يعلمه عياناً أو خيراً أو يرى لذلك أثراً، فالقول قول المستودع مع يمينه بالله تعالى أنه أخرجها لذلك، وإنما يلزمه اليمين وإن علمنا حال العذر، لجواز أن يكون
الجزء: 6 - الصفحة: 205
إخراجه لها لغير هذا العذر، وسواء كان حدوث ذلك من داره أو من جواره.
والثاني: أن يعلم كذب ما ادعاه من حدوث والغارة فدعواه مردودة بيقين كذبه، ولا يمين على المودع لاستحالة الدعوى.
والثالث: أن يكون ما ادعاه ممكناً لجواز أن يكون قد حدث، ويجوز أن لا يكون فيقال للمستودع ألا علمت من الحال السلامة، والظاهر من إخراجك التعدي، فإن أقمت البينة بحدوث الخوف ينتقل بها عن الظاهر جعلنا حينئذٍ القول قولك مع يمينك بأنك أخرجتها بغليان النار وحدوث الغارة، وإن لم تقم بينة تنقلها عن الظاهر غلبنا حكم الظاهر وجعلنا القول قول المودع مع يمنيه بالله بأنه لم يحدث من الناحية ناراً ولا غارة، لأن الظاهر معه، ويصير ضامناً للوديعة، فأما إن نقلها خوفاً من حدوث غارة أو نار فلم تحدث غارة ولم تغشى نار فإن كانت أمارات صدق دعواه ظاهرة ودواعيه غالبة لم يضمن، وإن كان ظناً وتوهماً ضمن.
مسألة 21
قال الشافعي: "ولو قال دفعتها إلى فلان يأمرك فالقول قول المودع ولو قال: دفعتها إليك فالقول قول المودع".
قال في الحاوي: وهما مسألتان:
أحدهما: أن يدعي المستودع رد الوديعة على مالكها.
والثانية: أن يدعي دفعها إلى غير مالكها بإذنه، فالقول قوله في الرد مع يمينه، سواء كان المودع قد أشهد عليه عند الدفع للوديعة إليه أو لم يشهد.
وقال مالك: إن المودع قد أشهد عليه عند الدفع لم يقبل قول المستودع في الرد، وإن لم يشهد عليه فقبل قوله استدلالاً بأنه إذا لم يشهد عليه فقد رضي بأمانته قبل قوله عليه، فإذا أشهد عليه لم يرض بأمانته فلم يقبل قوله عليه، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لما كان قوله من التلف مقبولاً مع الشهادة وعدمها، وجب أن يكون قوله من الرد مقبولاً مع الشهادة وعدمها.
والثاني: أنه لما كان قول الوكيل مقبولاً في الحالتين، وقول المقرض والمستعير في الرد غير مقبول في الحالتين، كان المستودع ملحقاً بأحد الأصلين في أن يكون قوله في الرد مقبولاً في الحالتين أو مردوداً في الحالين فلما كان في أحد الحالين مقبولاً وجب أن يكون من الآخر تقرر.
فإذا تقرر مقبول القول في الرد فإنما يقبل قوله ما كان على أمانته فلو ضمنها بتفريط أو عدوان لم يقبل قوله في الرد، وكان القول قول المودع يمينه، وله الغرم، وهكذا لو
الجزء: 6 - الصفحة: 206
مات المودع فادعى المستودع رد الوديعة على وارثه لم يقبل قوله؛ لأنه إن لم يصر بموت المودع ضامناً فقد صار بموته خارجاً من عقد الوديعة وولاية النظر، ولأنه يصير مدعياً للرد على غير من ائتمنه فصار كالوصي الذي لا يقبل قوله في رد مال اليتيم عليه وهكذا لو مات المستودع فادعى وارثه رد الوديعة على المودع لم يقبل قوله عليه، لما ذكرنا مع المعنيين: ارتفاع العقد بالموت، وعدم الائتمان في الوارث.
فصل
وأما المسألة الثانية: وهو أن يدعي رد الوديعة على غير المودع بأمر المودع فقوله غير مقبول فيما ادّعاه على المودع من الأمر والدفع.
وقال أبو حنيفة: قول في ذلك مقبول، كما لو ادعى ردها عليه، لأنه على أمانته، وهذا فاسد لأمرين:
أحدهما: أنه لما لم يقبل قوله على المدفوع إليه فأولى أن لا يقبل على المودع الذي ليس بمدفوع إليه.
والثاني: هو قرينة ودليل أنه قد ادعى على المدفوع إذناً لم يتضمنه عقد الوديعة فلم يقبل قوله فيه، وفي ادعاء الرد يكون مدعياً لما تضمنه عقد الوديعة فقبل قوله فيه، والله أعلم.
فصل
فإذا ثبت أنه غير مقبول القول، فيما ادعاه من الإذن والدفع فلا يخلو حال المودع من أحد أمرين: إما أن يقر بالإذن أو ينكره، فإن أنكر الإذن فالقول قوله مع يمينه، والمستودع ضامن للوديعة بما ادعاه من دفعها إلى غير مالكها، ثم لا يخلو حال الوديعة من أن تكون باقية في يد المدفوع إليه أو تالفة، فإن كانت باقية فعلى المستودع استرجاعها من المدفوع إليه وردها على المودع المالك، وللمودع مطالبة أيهما شاء بالرد، وإن لزم من الرد مؤنة التزمها المستودع لأن بعدو أنه لزمت.
وإن كانت الوديعة تالفة فلا يخلو حال المدفوعة إليه من أن يكون مقراً بقبضها أو منكراً، فإن كان منكراً فالقول قوله ولا يمين عليه، وهو من المطالبة، وإنما لم يجب عليه يمين لأن المالك لا يدعيها عليه، والدافع مقر له بالإبراء إلا أن يدعي دفعها إليه قرضاً أو غارية ولا وديعة فيكون له عليه الثمن، ثم للمودع الرجوع بغرمها على المستودع.
فصل
وإن كان المدفوع إليه مقراً بقبضها منه فالمودع بالخيار في الرجوع بغرمها على أيهما شاء، فإن رجع بها على المستودع كان له، لعدوانه بالدفع، وإن رجع بها على المدفوع إليه كان له، لعدوانه بالقبض، فإذا رجع بهما على أحدهما وأراد الغارم لهما
الجزء: 6 - الصفحة: 207
الرجوع بها على صاحبه نظر في سبب الدفع فستجده على خمسة أقسام:
أحدهما: أن يقول أمرني بدفعها قرضاً.
والثاني: عارية.
والثالث: قضاء من دين.
والرابع: هبة.
والخامس: وديعة، فإن قال: أمرني بدفعها قرضاً، أو عارية فالحكم فيهما سواء لاشتراكهما في الضمان، فإن كان المالك قد رجع بالعزم على الدافع به على الآخذ، وإن كان قد رجع بالغرم على الآخذ لم يرجع بالآخذ به على الدافع، وإن قال: أمرني أن أدفعها قضاء من دين فإن كان المودع معترفاً بالدين وحلوله، وكانت الوديعة من جنسه فلا رجوع له بالغرم علة واحد منها، لأنها مستحقة في دينه، وإن لم يأذن بها، وإن كان منكراً للدين كان له الرجوع بالغرم على أيهما شاء، فإن رجع به على الدافع نظر فإن صدق الأخذ من الدين لم يرجع الدافع عليه بالغرم وإن لم يصدقه رجع به عليه، وإن رجع به على الآخذ لم يرجع الآخذ به على الدافع بكل حال، سواء صدقه على دينه أو كذبه، وإن قال الدافع: أمرني بدفعها هبه، نظر فإن رجع المودع الغرم على الدافع لم يرجع على الآخذ، وإن رجع بالغرم على الآخذ لم يرجع الآخذ على الدافع وإن قال الدافع: أمرني بدفعها وديعة نظر فإن رجع المودع على الدافع لم يرجع الدافع على الآخذ، وإن رجع بالغرم على الآخذ ففي رجوع الأخذ به على الدافع وجهان:
أحدهما: أن لا رجوع له، لأنه مقر أنه مظلوم به.
والثاني: يرجع به لن الدافع ألجأه إلى الغرم بائتمانه له ودفعه إليه فهذا حكم المودع إذا أنكر الإذن.
فصل
وإن أقر المودع أنه قد أذن له في الدفع فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون المدفوع إليه مقراً بالقبض، فالدافع يتبرئ من الضمان ولا غرم عليه، سواء صدقه المودع على الدفع أو كذبه، لأن المراعي من جهة المودع الإذن وقد أقر به، والمراعي من جهة المدفوع إليه القبض وقد أقر به.
والثاني: أن يكون المدفوع إليه منكراً للقبض، فلا يخلو حال المودع المقر بالإذن من أن يكون مصداقاَ للدافع أو مكذباً، فإن كان مكذباً له فالدافع ضامن، وادعاؤه للدفع غير مقبول على المودع لتكذيبه ولا على المدفوع إليه لإنكاره.
وإن كان المودع مصدقاً له على الدفع فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون حاضراً عند الدفع.
والثاني: أن يكون غائباً، فإن كان حاضراً عند الدفع فلا ضمان على الدافع، لأن
الجزء: 6 - الصفحة: 208
التوثق بالإشهاد مع حضور الإذن إنما يتوجه إليه دون الدافع على الصحيح من المذاهب فلم يكن من الدافع تفريط بترك الإشهاد، ولذلك لم يضمن.
فصل
والضرب الثاني: أن يكون المودع المصدق على الدفع والآذن غائباً عن الدفع، فلا يخلو حال الدفع المأذون فيه من ستة أقسام:
أحدهما: أن يكون قرضاً.
والثاني: أن يكون عارية والحكم في هذين القسمين سواء، والدافع ضامن لما دفع وأنه صدقه الآذن على الدفع، لأنه قد كان يجب عليه أن يشهد على الدفع ليتمكن الآذن بالشهادة أن يرجع ببدل القرض وقيمة العارية، فصار بترك الإشهاد مفرطاً، فلزمه الغرم وإن كان مصدقاً فلو كان قد أشهد شاهدين عدلين فماتا لم يضمن، لأن ما يلزمه من الإشهاد قد فعله، ولكن لو كان قد أشهد عبدين، أو كافرين لزمه الضمان، ولو أشهد شاهدين فاسقين، فإن كان فسقهما ظاهراً وإن كان باطناً ففي ضمانه وجهان:
أحدهما: يضمن كالفسق الظاهر، لأنه الشهادة بردهما.
والثاني: يضمن، لأن من الحكام من لا يحكم بها فصار ذلك تقريراً.
فصل
والقسم الثالث: أن لا يكون الأمر بالدفع قضاء لدين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون على المودع فيه شهادة فيضمن الدافع، لأنه لم يشهد بالدفع فيبرأ المودع من المطالبة بالدين، وإن لم يكن على المودع فيه شهادة ففي ضمان الدافع فيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن، لأن للمودع أن يحلف على الدين إن طولب به فيبرأ المودع من المطالبة بالدين، وإن لم يكن على المودع فيه شهادة ففي ضمان الدافع فيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن، لأن للمودع أن يحلف على الدين إن طولب به فيبرأ.
والثاني: أنه ضامن، لأن إذنه يضمن دفعاً لا يتعقبه مطالبة ولا يتوجه فيه يمين، فصار بمخالفة من ترك الشهادة مفرطًا والله أعلم.
فصل
والقسم الرابع: أن يكون الأمر بالدفع هبة.
فإن قيل: إنه المكافأة فيها لا تستحق لم يضمن الدافع بترك الإشهاد.
وإن قيل: إن المكافأة مستحقة ضمن، لأن الأمر لا يصل إليها بترك الإشهاد.
الجزء: 6 - الصفحة: 209
فصل
والقسم الخامس: أن يكون المر بالدفع استيداعاً لها عند المدفوع إليه، ففي ضمانه وجهان بناء على اختلاف الوجهين في وجوب الإشهاد فيمن أودع لغيره مالاً:
أحدهما: يجب عليه أن يشهد، فعلى هذا يضمن.
والثاني: لا يجب عليه أنه يشهد، فعلى هذا لا يضمن.
فصل
والقسم السادس: أن يكون الأمر بالدفع، لأنها وديعة للمدفوع إليه أمره المودع بردها عليه، فلا يخلو حال المودع الأمر بالرد من أحد أقسام:
أحدها: أن يردها على يد هذا المستودع من غير أمر ولا عار، فيكون الآمر متعدياً ضامناً، وقول الدافع غير مقبول في الرد على المالك، وهل يكون للأمر الرجوع إذا أغرمها على الدافع إذا لم يشهد عند الدفع على الوجهين.
والثاني: أن يردها بغير أمر لكن بعذر، فلا ضمان على الآمر على ما ذكرنا من حال عذره بسفر أو غيره، ولا يقبل قول الدافع المأمور في الرد على المالك.
وقال أبو حنيفة: قول مقبول عليه كما يقبل قول الآمر عليه، وهذا فاسد لأن المالك قد ائتمن الآمر على نفسه فجاز أن يقبل قوله عليه، ولم يأتمن المأمور فلم يقبل قوله عليه.
والثالث: أن يكون قد ردها بأمر مالكها لكن لم يعين له من يردها معه فلا ضمان على الآمر إذا صدقه المالك في الرد، لأنه لم يأتمنه على نفسه وإذا كان كذلك صار المأمور له يعمل ضامناً لها من حق المالك لا من حق الآمر على الدافع إلى المأمور، وقول المأمور غير مقبول على المالك من حق المالك.
والرابع: أن يكون قد ردها بأمر مالكها وتعيينه له على المأمور أن يردها معه، فقول المأمور هاهنا مقبول في الرد على المالك، لأن المالك قد ائتمنه على نفسه بالتعيين عليه إن كان المالك مصدقاً للآمر في الدفع إلى المأمور، وان لم يصدقه فالآمر ضامن، وقوله في الدفع إلى المأمور غير مقبول.
مسألة 22
قال الشافعي: "ولو حولها من خريطة إلى أحرز أو مثل حرزها لم يضمن فإن لم يكن حرزاً لها ضمن".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
الجزء: 6 - الصفحة: 210
والحكم في نقل الوديعة من خريطة إلى أخرى، أو من صندوق إلى صندوق، كنقلها من بيت إلى بيت، ومن دار إلى دار وان خالفنا أبو حنيفة خلافاً تقدم الكلام معه فيه، وإذا كان هذا هكذا فلا يخلو أن تكون الخريطة مختومة مشدودة أم لا، فإن كانت مشدودة مختومة فكسر ختمها وحل شدها ونقلها إلى غيرها فعليه الضمان، ولو لم ينقلها بعد كسر الختم وحل الشداد ففي ضمانه وجهان، وإن كانت الخريطة غير مشدودة ولا مختومة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون الخريطة للمستودع؛ لأن الدراهم كانت مرسلة فأحرزها المستودع في خريطة فله نقلها إلى مثلها أو أحرز، فإن فعل فلا ضمان لعذر كان أو غير عذر، وإن نقلها إلى أدون منها مما لا يكون حرزاً لها ضمن.
والثاني: أن تكون الخريطة للمالك، فليس له نقلها من تلك الخريطة إلى غيرها إلا من عذر، فإن نقلها من غير عذر ضمن، سواء نقلها إلى أحرز منها أم لا، وإن نقلها من عذر فلا ضمان عليه، فلو اختلفا في صفة النقل هل هو لعذر أو غير عذر فالقول قول المالك مع يمينه، لأن الظاهر إخراجها عدوان إلا أن يكون من عذر.
مسألة 23
قال الشافعي: "ولو أكرهه رجل على أخذها لم يضمن".
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في مراد الشافعي بهذه المسألة في الإكراه على أخذ الوديعة.
فقال أبو علي بن أبي هريرة: هي مصورة في مالك مال أراد أن يودعه عند رجل فامتنع عليه فأكرهه على أن دفعها إليه، فأخذها المستودع منه كرهاً فلا ضمان عليه وإن كان مكرهاً في الأخذ، لأنه مؤتمن إلا أن يكون منه عدوان أو تفريط، فيضمن، لأنه وإن كان مكرهاً، فقد صار حفظها عليه بعد حصولها في يده واجب، فإذا خالفه ضمن، فإن لم يحسن التزام حفظها سلمها إلى الحاكم، فسقط الحفظ والضمان عنه بتسليمها إليه إذا كان المالك ممتنعاً من استرجاعها.
فصل
وقال أبو إسحاق المروزي: هي مصورة في رجل تبل وديعة طوعاً، ثم تغلب عليه متغلب فأكرهه على أخذها منه، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يأخذها المتغلب بنفسه من غير أن يدفعها المستودع ولا دلالة عليها، فهذا غير ضامن لها، لأنه لا يقدر على دفع الأيدي الغالبة.
والثاني: أن يدفعها بنفسه مكرهاً ففي ضمانه وجهان:
الجزء: 6 - الصفحة: 211
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري، لا ضمان عليه، لأنه لا يلزمه أن يقي مال غيره بنفسه، كما لو صال عليه فحل فغلبه.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنه ضامن لها، لأنه ليس له أن يقي نفسه بمال غيره، كما لو ألقى في البحر مال غيره، وقد جعل هذان الوجهان بنا، على الوجهين من الصائم إذا أكره على الفطر فأكل بنفسه وتخريجاً من القولين في المكره على القتل، فعلى هذين الوجهين لو امتنع من دفعهما وحلف إنكاراً لها فإن جعلناه ضامناً للدفع كانت يمينه يمين مكره لا يتعلق بها حنث، وإن لم نجعله ضامناً بالدفع حنث.
والثالث: أنه لا يدفعها بنفسه ولكن يدل عليها فتؤخذ بدلالته فمذهب الشافعي لا ضمان عليه، لأن الدلالة سبب والأخذ مباشرة، فصار كالمحرم إذا دل على صيد لم يضمنه، وقال بعض أصحابنا البصريين: يضمن لأنه في الوديعة ممنوع من العدوان والتفريط والدلالة واحد منهما، فضمن بها وإن كان معذوراً.
مسألة 24
قال الشافعي: "ولو شرط أن لا يرقد على صندوق هي فيه فرقد عليه كان قد زاده حرزاً".
قال في الحاوي: أما نومه على الصندوق من غير أن ينهاه المالك عنه فهو زيادة حرز لا يضمن به إجماعاً، فأما إذا نهاه عن النوم عليه فذلك ضربان:
أحدهما: أن لا يقصد بنهيه التخفيف عنه والترفيه عليه، فمتى نام عليه لم يضمنه.
والثاني: أن يقصد بالنهي عن النوم عليه الكراهة خوفاً من التنبيه عليه، ففي ضمانه إذا نام عليه وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي وقول الأكثرين من أصحابنا أنه لا يضمن لأنه قد زاده حرزاً، فصار كمن أودع خريطة فجعلها من خريطة ثانية.
والثاني: وهو قول مالك، يضمن لما فيه التنبيه عليها والإغراء بها، وهكذا لو أمره أن يقفلها بقفل واحد فقفلها بقفلين كان ضمانه على هذين الوجهين، وهكذا لو أمره أن يدفنها في أرض ليس عليها حائط.
فدفنها فيها وبني عليها حائط كان على هذين الوجهين، وهكذا لو أمره أن يتركها في بيت لا يحفظه أحد فأقام فيه من يحفظه فسرقت فإن كان الحافظ لها سرقها ضمن، وان سرقها غيره فضمانه على وجهين.
مسألة 25
قال الشافعي: "ولو قال: لم تودعني شيئاً ثم قال: قد كنت استودعتنيه فهلك ضمن".
الجزء: 6 - الصفحة: 212
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل أوع رجلاً وديعة ثم طالبه بها فجحدها وقال: لم تودعني شيئاً، ثم عاد فاعترف بها وقال: قد كنت استودعتها وتلفت، أو قامت بها البينة عليه، فادعى بتلفها لم يقبل منه لأمرين:
أحدهما: أنه قد صار بالجحد متعدياً فضمنها، ومن ضمن وديعة لم تسقط عنه الغرم بتلفها.
والثاني: أنه بالإنكار الأول قد أكذب نفه بادعاء التلف، فعلى هذا لو أقام بينة على تلفها فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تشهد له البينة بتلفها بعد الجحود، فلا تسمع، والغرم واجب عليه، لأنها تلفت بعد الضمان ولو سأل إحلاف المودع أنه لا يعلم بتلفها لم يكن ذلك له.
والثاني: أن تشهد له البينة بتلفها قبل الجحود، ففي استماعها والحكم بها وجهان:
أحدهما: يسمح ويحكم بها، ويسقط عنه الغرم، لأنها تلفت قبل ضمانها بالجحود.
والثاني: وهو اختيار أبي علي بن أبي هريرةء أنها لا تسمع ولا تسقط عنه الغرم، لأنه قد كذب لها بالجحود المتقدم.
فصل
ولو قال حين طولب الوديعة: ليس لك معي وديعة، أو لا حق لك في يدي، ثم أقر بها وادعى تلفها قبل منه، لأنه ليس في القولين تكاذب، ومن تلفت الوديعة منه فلا وديعة معه ولا يده، وخالف حال المنكر لها لما فيه من تكاذب القولين، والله أعلم.
مسألة 26
قال الشافعي: "وإن شرط أن يربطها في كمهء فأمسكها بيد، فتلفت لم يضمن ويده أحرز".
قال في الحاوي: هكذا روى المزني أنه لا يضمن ويده أحرز، وروى الربيع في الأم أنه يضمن وكمه أحرز، فاختلف أصحابنا وكان بعضهم يحمل اختلاف الروايتين على اختلاف قولين:
أحدهما: وهو ما رواه المزني هاهنا أنه لا يضمن، ويده أحرز من كمه، لأنها قد تسرق من كمه ولا تسرق من يده.
والثاني: وهو ما رواه الربيع في "الأم" 27 أنه يضمن وكمه أحرز من يده لأن اليد حرز مع الذكر دون النسيان والكم حرز مع الذكر والنسيان وامتنع أبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة، وكثير من أصحابنا من تخريج ذلك على قولين، وحملوا رواية
الجزء: 6 - الصفحة: 213
المزني في سقوط الضمان على أنه ربطها في كمه ثم أمسكها بيده فلا يضمن، لأن يده مع كمه، وحملوا رواية الربيع في وجوب الضمان على أنه تركها في يده ولم يربطها في كمه فيضمن، لأن كمه أحرز من يده.
فصل
فأما إذا شرط عليه أن يمسكها في يده فربطها في كمه فمن جعل يده أحرز ضمنه، ومن جعل كمه أحرز خرج ضمانه على وجهين من اختلاف الوجهين في نص المودع هل يقطع اجتهاد المستودع، ولو أمره أن يحرزها في جيبه فأحرزها في كمه ضمن لأن جيبه أحرز ولو أمره أن يحرزها في كمه فأحرزها في جيبه كان ضمانه على هذين الوجهين.
فصل
ولو دفع إليه وديعة ولم يشترط عليه أن يضعها في كمه ولا في جيبه ولا في يده فإن وضعها في كمه وربطها كان حرزاً سواء ربطها من داخل كمه أو من خارجة.
وقال أبو حنيفة: إن جعلها من ظاهر كمه وربطها من داخله لم يضمن؛ لأنها تصير بعد الربط داخله في كمه، وإن جعلها داخل كمه وربطها من خارجه ضمن، لأنها تصير بعد الربط خارجة من كمه، وهذا القول لا وجه له؛ لأن الكم به يصير حرزاً لا بانفراده فاستوي الأمران، فأما إن تركها في كمه ولم يربطها، نظر فإن كان ذلك خفيفاً قد ربما يسقط منه، وهو لا يعلم به ضمن، وإن كان ثقيلاً، ولا يخفي عليه حال سقوطه لم يضمن ولو ترك الوديعة في جيبه، فإن لم يزره عليها فمن، وان زره عليه لم يضمن، لأن الجيب أحفظ لها إذا أمن سقوطها منه لبعده من السارق، فلو كان الجيب مثقوباً وهو لا يعلم به فسقطت أو حصلت بين قميصه وهو لا يشعر بها فسقطت ضمنها، ولو تركها في يده، فإن كان منزله قريباً كانت يده أحرز، وإن كان منزله بعيداً فإن كانت خفيفة لا يأمن السهو عنها ضمن ولم تكن يده حرزاً، وان كانت ثقيلة يأمن السهو فيها لم يضمن، فأما الخاتم إذا لبسه من أصبعه كانت حرزاً، وان كانت ثقيلة يأمن السهو فيها لم يضمن، فأما الخاتم إذا لبه من أصبعه كانت حرزاً إذا كان متماسكاً في خنصره، ولو كان واسعاً لم يكن حرزاً، ولو لبس الخاتم المستقر فيه خنصره ففي البنصر من أصابعه لم يضمن، لأنها أغلظ، ولو لبسه في الإبهام ضمنه، لأنه لا يستقر فيها وان غلظت، ولو لبس الخاتم في إحدى يديه ثم نقله إلى اليد الأخرى فإن كان ذلك لعمل أراد أن يعمله بتلك اليد لم يضمن وان كان بغير سبب ضمن.
فصل
وإذا حمل ما ني كمه أو جيبه أو يده إلى منزله من الوديعة فعليه إحرازه فيه، ولا يكون كمه ولا جيبه ولا يده حرزاً له بعد حصوله في منزله، فإذ منزله أحرز له فلو خرج
الجزء: 6 - الصفحة: 214
بها في جيبه أو كمه أو يده من منزلة ضمن.
فصل
ولو أودع وديعة وهو في دكانه فحملها إلى منزله فإن كان الدكان حرزاً لمثلها ضمن، وان لم يكن حرزاً لم يضمن إذا حملها إلى منزله، وهكذا لو أودع وديعة وهو في منزله فحملها إلى دكانه، فإن كان منزله حرزاً لمثلها ضمن، وإن لم يكن حرزاً لمثلها وكان الدكان أحرز فلا ضمان عليه ولو أودع وديعة وهو في دكانه فوضعها بين يديه فسرقت فإن كان وضعه لها ارتياداً لموضع من دكانه يحرزها فيه لم يضمن لعدم تفريطه، وإن كان استرسالاً وإمهالاً ضمن.
فصل
ولو أودع وديعة وهو في منزله فأحرزها فيه، ثم دخل من سرقها منه فإن دخل بغير إذنه لم يضمن، وإن دخل بإذنه ضمن إذا نالتها يده ولو سرقها بعض أهل منزله من زوجة، أو خادم، أو ولد نظر في سارقها فإن كان مشهوراً بالرقة ضمن، لأن تمكين مثله من منزل فيه وديعة لغيره أو ترك الوديعة في منزل تركها في مثله تفريط، وإن كان غير مشهور بذلك نظر فإن كان أخذها من وراء حرز في المنزل كباب وقفل ولم يضمن، لأنه لا ينسب إلى التفريط، وإن كانت بارزة تمتد إليها يده في المنزل نظر فإن كانت الوديعة دراهم أو حلياً أو ثياباً جرت العادة أن يكون حرزها من المنازل مفرداً عن مواضع ساكنيه ضمن، وان كان خافياً لا يحرز مثله إلا فيه ظواهر المنازل لم يضمن، والله أعلم بالصواب.
مسألة 28
"وإذا هلك وعنده وديعته بعينها فهي لربها وإن كانت بغير عينها مثل دنانير أو ما لا يعرف بعينه خاص رب الوديعة الغرماء".
قال في الحاوي: وأما موت المستودع فمبطل لعقد الوديعة، لأنه مالكها لم يأتمن وارثه عليها، فإن كان مالكها حاضراً وجب على الوارث ردها عليه فإن لم يفعل ضمن، وإن كان مالكها غائباً لزم الوارث إعلام الحاكم بها حتى يأمره فيها بما يراه حظاً لمالكها من إحرازها في يد الوارث أو نقلها إلى غيره، فإن لم يعلم الحاكم بها ويستأذنه فيها ضمن، وهكذا لو مات رب الوديعة بطل العقد، ولزم المستودع ردها على وارثه، لأنها صارت بالموت ملكاً للوارث والوارث لم يأتمنه عليها، فإن لم يفعل ضمن إلا أن يستأنف الوارث إيداعها عنده فتصير وديعة مبتدأه، ولو أن المالك المودع جن، أو حجر عليه بالسفه لبطل الوديعة، وكان على المستودع ردها على وليه، لأنه خرج بالجنون والسفه أن يكون ذا نظر في ماله، فإن لم يفعل المستودع ذلك ضمن، ولو جن المستودع أو حجر
الجزء: 6 - الصفحة: 215
عليه بالسفه كان على وليه رد الوديعة على ربها، فإن لم يفعل ضمنها الولي، لزوال الائتمان بطروء الجنون والسفه والله أعلم.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا ومات المستودع فلا يخلو حال الوديعة من أحد أمرين: إما أن تكون موجودة بعينها أو غير موجودة، فإن كانت موجودة وعينها باقية لزم الوارث تسليمها إلى مالكها وذلك بأحد ثلاثة أمور.
إما بوصية الميت، وإما بإقرار الوارث، وإما ببينة يضمنها المودع، فإن لم تكن بينة ولا وصية وأنكر الوارث وادعاها مالكاً، فالقول فيها قوله مع يمينه، هذا إذا كانت الوديعة موجودة بعينها فأما إذا لم توجد الوديعة بعينها فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يعلم تلفها بغير تفريط إما بوصية الميت أو ببينة تشهد بذلك فلا ضمان من تركة البيت، فإن أكذب المالك الميت في وصيته بتلفها فله إحلاف الورثة ثم هم براء.
والثاني: أن يعلم أنها تفلت بتفريطه وتعديه إما بوصية أو ببينة تشهد له بذلك، فهي مضمونة من ماله ويحاص المالك بها جميع الغرماء،.
والثالث: أن يجهل حالها فقد قال الشافعي 29: ويحاص رب الوديعة الغرماء، فاختلف أصحابنا في ذلك على أربعة مذاهب:
أحدهما: وهو ظاهر كلام الشافعي: أنها مضمونة من تركة الميت، وهو قول أبي حنيفة، لأن الظاهر من ثبوت يده عليها أنها تلفت بفعله.
والثاني: أنها غير مضمونة من تركته وهو قول ابن أبي ليلى، لأن الأصل بقاؤه على أمانته.
والثالث: أنه إن وجد في تركته من جنسها كانت مضمونة فيها، وان لم يوجد من جنسها شيء في تركته لم يضمن، وهذا قول أبي حامد المروروزي لأن الظاهر من وجود جنسها أنها فيه أو منه.
والرابع: أنه إن ذكر في وصيته عند موته أن عنده وديعة كانت مضمونة في تركته، وإن لم يذكر ذلك لم يضمن، لأنه لا يوصي بالوديعة إلا وهي عنده أو عليه، ثم إذا صارت على ما ذكرنا من هذه الوجوه مضمونة من تركته، فإن لم يكن في التركة من جنسها شيء حاص رب الوديعة بها جميع الغرماء، وان كان في التركة شيء من جنسها فيها وجهان:
أحدهما: يتقدم بها على الغرماء اعتباراً بالظاهر من الجنس أنه منها.
والثاني: يكون أسوتهم ولا يتقدم عليهم اعتباراً باليقين في الاشتراك.
الجزء: 6 - الصفحة: 216
مسألة 30
قال الشافعي: "ولو ادعى رجلان الوديعة مثل عبد أو بعير فقال هي لأحدكما ولا أدري أيكما هو قيل لهما هل تدعيان شيئاً غير هذا بعينه؟ فإن قالا: لا أحلف المودع بالله ما يدري أيهما هو ووقف ذلك لهما جميعاً حتى يصطلحا فيه أيقيم أحدهما بينه وأيهما حلف مع نكول صاحبه كان له".
قال في الحاوي: وصورتها: من رجل بيده عبد أو بغير ادعاه كل واحد من رجلين أنه أودعه إياه، فلا يخلو حال صاحب اليد في جوابه لهما من ستة أحوال:
أحدهما: أنه ينكرهما ويدعيه ملكا لنفسه.
والثاني: أن ينكرهما ويقر بأنه وديعة لغيرهما.
والثالث: أن يقر بأنه وديعة لأحدهما يعرفه بعينه.
والرابع: أن يقر بأنه وديعة لهما معاً.
والخامس: أن يقر بأنه وديعة لأحدهما لا يعرفه بعينه.
والسادس: أن يقر أنه وديعة ليس يعرف مودعها هل هما أو أحدهما؟ أو غيرهما؟.
فأما القسم الأول: وهو أن ينكرهما ويدعيه مالكاً لنفسه فالقول قوله مع يمينه ما لم يكن لواحد من المدعين بينة، فإن حلف بالله أنها له بريء من مطالبتها وتصرف فيما بيده تصرف المالكين، فإن نكل عن اليمين ردت عليهما، إن لم يكن لهما بينة، فإنه سبق أحدهما بالدعوة بريء بإحلافه، وإن ادعيا معاً ففيه وجهان:
أحدهما: يقدم بالقرعة من قرع منهما.
والثاني: يقدم باجتهاده من رأى منهما، فإن حلف أحدهما دون الآخر قضى بها للحالف دونه الناكل، وان نكلا معاً، فلا حق فيهما لواحد منهما، وكانت في يد المدعى عليه ملكاً وإن حلفا معاً نزعت من يده ثم فيها وجهان:
أحدهما: تقسم بينهما ملكاً.
والثاني: توقف بينهما حتى يصطلحا.
فصل
وأما القسم الثاني: وهو أن ينكرهما ويقر بأنها وديعة لغيرهما فللمدعين حالتان:
أحداهما: أن يسألاه عن مالكها.
والثاني: أن لا يسألاه، فإن لم يسألاه عن مالكها جاز، ولم يكن للحاكم أن يسأله، وكان القول فيها قوله مع يمينه أنه لا حق فيهما لهما، ولا لواحد منهما، ولا
الجزء: 6 - الصفحة: 217
يحلفه أنهما لغيرهما، فإن حلف أقرت في يده وديعة لمن يقر له بها، فإن نكل ردت اليمين عليهما، فإن نكلا أقرت في يده وديعة لمن هي له، وإن نكل حلف أحدهما ونكل الآخر سلمت إلى الحالف منهما، ثم نظر الحاكم فمان كانت الوديعة مما لا تنقل لم يطالب المدفوعة إليه بكفيل، وإن كانت مما تنقل طالبه بكفيل إن كان غير أمين، لأنه قد سمع أنها ملك الغائب لم يكن منه إقرار ولا قامت عليه بينة وإن حلفا معاً ففيه وجهان:
أحدهما: تنزع من يده ويقسم بينهما، ويطالبه الحاكم بكفيل لمالكها.
والثاني: أنها توقف في يد صاحب اليد ولا تتنزع من يده، فإن قالا المدعيان: لا نرضى بأمانته ضم الحاكم إليه أميناً يرضيان بهء وإن سأل المدعيان صاحب اليد عن مالكها حين أقر بها لغيرهما وجب عليه إن كان حاضراً أن يذكره، ولم يجب عليه إن كان غائباً، لأن ذكر الحاضر يفيد، وذكر الغائب لا يفيد وإذا كان هذا سأله الحاكم أحاضر مالكها أم غائب؟ فإن قال: غائب لم يسأله عنه، وكان على ما مضى، وإن قال: حاضر، سأله عنه، فإن ذكره صار هو الخصم في الوديعة، وإن لم يذكره حبسه الحاكم حتى يذكره لامتناعه من بيان ما لزمه.
فصل
وأما القسم الثالث: وهو أن يقر بأنها وديعة لأحدهما بعينه فالقول قوله وفي وجوب اليمين عليه قولان:
أحدهما: عليه اليمين، لإنكاره الآخر.
والثاني: أنه لا يمين عليه، لأنه لو رجع لم يقبل، فإذا قلنا: لا يمين عليه أو عليه اليمين فحلف فهي للمصدق منهما، فإن استأنف المكذب الدعوى على المصدق سمعت منه، وإن قلنا: عليه اليمين فنكل عنها ردت على المكذب، فإن نكل عنها استقرت الوديعة مع المصدق، وإن حلف ففيها ثلاثة أوجه حكاها أبو القاسم بن كج _ رحمه الله _:
أحدهما: أنها تقسم بينهما، لأن يمين المكذب بعد النكول تساوي الإقرار للمصدق فاستويا.
والثاني: أنها تنتزع من يد صاحب اليد وتوقف بينهما حتى يصطلحا.
والثالث: أنه يحكم بها للأول ويغرم للمكذب الحالف بعد نكوله قيمتها، لأنه قد صار بالإقرار المتقدم كالمتلف لها.
فصل
وأما القسم الرابع: وهو أن يقر بأنها وديعة لهما معاً فالقول في ذلك قوله، وقد صار مصدقاً لكل واحد على النصف مكذباً له على النصف الآخر فهل يحلف من تكذيبه على النصف الأخر يمين أم لا؟ على ما ذكرنا من القولين، ثم الجواب إن حلف أو نكل
الجزء: 6 - الصفحة: 218
على ما مضى، فإذا جعل ذلك بينهما واستأنف كل واحل منهما الدعوى على صاحبه في النصف الذي بيده سمعت.
فصل
وأما القسم الخامس: وهو أن يقر بأنها وديعة لأحدهما لا يعرفه بعينه فهي مسألة الكتاب، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يدعيا علمه.
والثاني: أن لا يدعياه، فإن لم يدعيا علمه فلا يمين عليه، ويتحالف عليه المدعيان، فإن نكلا أقر في يد صاحب اليد حتى يصطلحا وإن حلف أحدهما حكم به للحالف منهما، وإن حلفا معاً ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يقسم بينهما.
والثاني: أنها توقف في يا صاحب اليد حتى يصطلحا، وإن ادعيا علمه أحلف بالله تعالى أنه لا يعلم لمن هي منهما، فإن حلف بريء وتحالف المدعيان فإن نكل فقد حكي عن أبي حنيفة أنه قال: أقسم الوديعة بين المدعيين وأغرمه القيمة فتكون بينهما، وعند الشافعي: لا غرم عليه إن نكل، ولذلك قال الشافعي 31: قيل لهما هل تدعيان شيئاً غير هذا بعينه؟ فإن قالا: لا أحلف، ووقف ذلك لهما رداً على من زعم أنه يغرم القيمة لهما، لأنهما ما ادعيا إلا وديعة عينها باقية ولم يستهلكها على أحدهما بالإقرار بها لغيره، وكيف يغرم قيمة لا يدعيانها وما ادعياه كان لهما.
فإن قيل: فإحلاف المستودع لا يفيد على هذا القول شيئاً الاستواء الحكم فيه إن نكل؟ قيل: قد كان بعض أصحابنا يذهب لأجل هذا إلى أن اليمين غير واجبة، وذهب جمهورهم إلى وجوبها، لأنها موضوعة للزجر وإن لم يتعلق بها غرم، وقد يجوز إذا عرضت عليه اليمين أن ينزجر بها فيبين علماً قد كتمه، فعلم به، فلذلك وجبت، وإذا كان كذلك ولم يكن في يد المستودع بيان تحالف المدعيان، فإن نكلا أقرت الوديعة في يد المستودع، فإن حلف أحدهما قضي بها للحالف منهما، وإن حلفا معاً فعلى وجهين أحدهما، يقسم بينهما بأثمانهما.
والثاني: يكون موقوفاً بينهما، وهو ظاهر، قاله الشافعي - رضي الله عنه - حتى يصطلحا عليها وأين توقف على وجهين:
أحدهما: في يد المستودع على ما كانت من قبل.
والثاني: ينتزع من يده ويقرها الحاكم في يد من يرضيانهء لأن المستودع قد صار بالنكول والإنكار خصماً.
الجزء: 6 - الصفحة: 219
فصل
وأما القسم السادس: وهو أن يقر أنها وديعة في يدع وليس يعلم هل هي لهما أو لغيرهما، فالقول قوله مع يمينه، ثم يتحالف المتداعيان فإن نكلا أقرمته في يده، وإن حلف أحدهما دفعت إليه، وهل يأخذه الحاكم بكفيل المالك لها لو حضر على وجهين من اختلاف قوليه في الوارث إذا دفعت إليه التركة ولم يقم بينة بعد طول الكشف بأن لا وارث سواه، وان حلف معاً فعلى وجهين:
أحدهما: أنها تقسم بينهما، وفي أخذ الكفيل من كل واحد منهما وجهان.
والثاني: أنهما توقف، وفي الموقوفة على يده وجهان:
فصل
وإذا أودع رجلاً دابة ثم أذن له في ركوبها جاز أن يركبها، ثم هو قبل الركوب مستودع لا يضمن، فإذا ركب صار مستعيراً ضامناً، فإن ترك الركوب لن يسقط عنه الضمان إلا بالرد، فإن أذن له المودع بعد الكف عن الركوب أن يؤجرها لم يسقط عنه ضمانها قبل تسليمها إلى المستأجر، وفي سقوطه عنه بعد تسليمها وجهان من عدوان المستودع إذا أبرئ منه، والله أعلم.
فصل
وإذا أذن المودع للمستودع في إجارة الدابة التي أودعها إياه فهو على أمانته في يده، فإذا أخرجها وسلمها فقد ارتفعت يده، فإذا انقضت مدة الإجارة لم يجز أن يسترجعها إلا بإذن، ولو أعادها بإذنه جاز أن يسترجعها من المستغير بغير إذنه.
والفرق بينهما: أنها في الإجارة منتزعة من يده بعقد واجب، وفي العارية بعقد جائز
فصل
وإذا دفع الرجل وديعة إلى صبي استودعه إياها كام مغرراً بماله، لأن الصبي لا يباشر حفاظ ماله فكيف مال غيره، فإن تلفت في يد الصبي لم يخل تلفها من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن تتلف بغير تفريط ولا جناية فلا ضمان عليه فيها، لأن البالغ لا يضمنها.
والثاني: أن تتلف بتفريط منه فلا ضمان عليه، وإن ضمنها البالغ، لأن حفظها لا يلزمه لأن صاحبها هو المفرط دونه.
والثالث: أن تتلف بجنايته، ففي وجوب ضمانها في ماله وجهان:
أحدهما: أنها غير مضمونة عليه، لأن مالكها هو الذي سلطه على استهلاكها فصار كما لو باعه شيئاً فاستهلكه لم يضمنه.
الجزء: 6 - الصفحة: 220
والثاني: أنها مضمونة في ماله، لأن الائتمان عليها ليس بإذن في استهلاكها، فصار كمن أباح صبياً شرب ماء في داره وأكل طعامه فدخل واستهلك عليه في منزله شيئاً من ماله كان مضموناً عليه.
فصل
وإذا أودع صبي رجلاً وديعة لم يكن للرجل أن يقبلها منه، لأن الصبي لا نظر له في مال نفسه، فإن قبلها الرجل منه ضمنها حتى يلمها إلى وليه، أو الحاكم فإن ردها على الصبي لم يسقط الضمان عنه، فلو كان عند أخذ الوديعة من الصبي خائفاً عليها من أن يستهلكها فأخذها ليدفعها إلى وليه أو إلى الحاكم فهلكت في يده ففي ضمانه لها وجهان:
أحدهما: لا يضمنها، لأنه قصد خلاصها.
والثاني: يضمنها، لأن يده عليها بغير حق، وهو أن الوجهان من اختلاف قوليه في المحرم، إذا خلص طائراً في جارح أو حية فتلف، ففي ضمانه بالجزاء، قولان، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 6 - الصفحة: 221