بحر المذهب للرويانيصفحات 298-337

فَرْعٌ آخرُ إذا كان الإمام في بعض الأحوال يرفع رأسه من الركوع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده عند الاعتدال، أو إذا قرب منه فأدرك رجل هذا الإمام في الركوع وركع ورفع حين سمع قوله، فلا يدري هل اجتمع معه في الركوع بأن لا يكون عمل على ما ذكرنا أم لا يجتمع؟ فإن كان منه على ما وصفناه ولم يكن شاهده عند الركوع والرفع عياناً [22 أ/3] هل يكون مدركاً للركعة الأولى؟ فيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يكون أغلب أحواله ما ذكرناه، وإنما يفعل ما هو السنة نادراً فهذا لا يكون مدركاً للركعة؛ لأن الأصل بقاء فرض القراءة وقيامها عليه فلا يسقط إلا بيقين، والظاهر هاهنا عدم الإدراك لعادته التي ذكرنا.
والثانية: أن تكون أحواله مختلفة فيه ولا يمكن جعل أحد الأمرين أصلاً في حقه وعادة لاختلاف أحواله واضطرابها وتلونه في أوقاته، فلا يصير مدركاً أيضاً لعدم اليقين، ولا ظاهر يدل على الإدراك.
والثالثة: أن تكون عادته إتباع السنة في ذلك أيضاً، وإنما يقع منه ما ذكرنا نادراً هل يصير مدركاً للركعة؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يكون مدركاً لعدم اليقين ولا اعتبار بالغلبة في فرائض الصلاة: لأن مبناها على الاحتياط.
والثاني: يكون مدركاً وهو أوضح، لأن أمر الإتباع هو مبني على استعمال الظاهر وحسن الظن بالإمام.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا نذر أن يسجد سجدة في أثناء صلاة يصليها لم يصح النذر في أحد الوجهين، وفي الوجه الثاني يصح النذر ويبطل الشرط، ولا يحتمل أن يقال لصحة الشرط؛ لأن [22 ب/3] سجود النذر لا يجوز فعله في الصلاة بحال.
فَرْعٌ آخرُ قال: ولو نذر أن يقرأ القرآن غير الفاتحة في صلاته هل يصح الشرط؟ وجهان: أحدهما: أنه لا يصح كالسجود، والثاني: يصح لأن القراءة التي هي غير مشروعة في الصلاة لا تبطلها كالقراءة في حال الركوع والسجود وكالقراءة للعبادة فيها ثانياً وثالثاً ويخالف السجود في هذا المعنى، ولهذا جازت القراءة المنذورة مطلقاً في الصلاة دون السجود المنذور مطلقاً.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو نذر أن يسجد سجود السهو إذا سها في صلاته، فإن نذر فعله قبل السلام لم يصح النذر لامتناع سجود النذر في أثناء الصلاة، وإن نذر فعله بعد السلام ففي

صحة النذر وجهان: أحدهما: يجوز كما يجوز نذر سجود لو لم ينذره كان تطوعاً.
والثاني: لا يجوز لأن من حق سجود السهو أن يصح فعله قبل السلام؛ وقد أجمع أصحابنا على أن السجود المنذور لا يجوز فعله قبل السلام، فإذا كان كذلك وجب امتناع هذا النذر.
فَرْعٌ آخرُ قال: هل يؤذن المؤذن للعشاء ويصلي العشاء في وقت واحد في الشتاء والصيف أم يختلف [23 أ/3] الأمر فيه؟ الأصل في هذا أن العبرة بغروب الشفق وهو الحمرة، إلا أن غروبه في الليل الطويل أبعد، وفي الليل القصير أقرب، فينبغي إذا كان لا يشاهد الشفق وأراد الاجتهاد في غروبه أن يراعي هذا المعنى، وهذا كما أن طلوع الشمس وزوالها يختلفان بقصر النهار وطوله في القرب والبعد، وهذا ظاهر.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا فاتته صلاة الظهر وأراد قضاءها في وقت العصر، فنوى أنه يصلي صلاة ظهر يومه فريضة، أو لم ينو الفائتة، يحتمل أن يقال: لا يجوز لأن ظهر اليوم قد يكون أداء، وقد يكون قضاء في الجملة، فلا بد من نية الفائتة للتمييز، ويحتمل أن يقال: يجوز لأن ظهر اليوم بالإضافة إلى هذا الزمان لا يكون إلا فائتة فوجب التمييز، وهكذا لو نوى في صلاة الصبح أنه يصلي صلاة فريضة شرع في أدائها التثويب، أو ينسى فيها القنوت في عموم الأحوال ولم ينو الصبح على هذا الخلاف.
وهذا لأن هذه الصلاة معروفة باسم الصبح ولا يعلم بهذه النية أن المراد بها الصبح إلا الخواص من الناس، فلا يكتفي به للتمييز، وهكذا لو لم يكن [23 ب/3] عليه فائتة غيرها من الصبح أو لا فائتة عليه أصلاً سوى هذه فأحرم بها، ولم ينو الفائتة، فإن كان عليه صبح الوقت لم يجز لعدم التمييز، وإن لم يكن عليه صبح الوقت أيضاً فيحتمل أن يقال: لا يجوز؛ لأن الصبح في الجملة هو ينقسم إلى أداء وفائت فيحتاج إلى التمييز، ويحتمل أن يقال يجوز؛ لأن الصبح الذي عليه الآن ليس إلا الفائتة الواحدة، فإذا نوى صلاة الصبح فريضة، والحالة هذه انصرفت هذه النية ضرورة إلى ما عليه، إذ الغرض من التمييز قد حصل.
وهكذا لو فاتته صلاة العشاء، وأراد أن يقضيها في النهار، فنوى أنه يصلي العشاء الذي هو للبارحة فريضة، ولم ينو الفائتة على هذين الوجهين، والأشبه الجواز هاهنا؛ لأن عشاء البارحة لا تكون إلا قضاء، فإن الأداء منها لا يسمى بهذا الاسم، وهذه التسمية يقتضي دخول النهار وذهاب الليل فتقوم هذه النية مقام نية القضاء في الجواز، بل هذا أولى لأن هذه النية هي أخص من نية القضاء الذي قد يكون عشاء البارحة، وقد يكون عشاء غيرها من الليالي فكانت أولى بالجواز ويشبه بما [24 أ/3] ذكرنا من الوجهين في هذه المسائل الوجهين في نية الفرض.
هل يلزم في صلاة الظهر؟ أحدهما:

لا يلزم لأن نية الظهر تقتضي نية الفرض، والثاني: يلزم لأن الظهر في الجملة ينقسم إلى نفل وفرض وهو في حق الصبي والبالغ.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا سلم على رجل مرتين في مجلس واحد، هل يلزم الجواب مرة أو مرتين؟ ينبغي أن يلزم الجواب مرة ويكون جواباً لهما، كما لو سها مرتين في صلاة واحدة فإنه يكفيه جبران واحد، فإن أجاب ونوى به الإجابة عن السلام الأول دون الثاني أو عن الثاني دون الأول فيحتمل أن يقال: يبقى عليه فرض آخر، ويحتمل أن يقال: لا يبقى فرض آخر، ويحتمل الفصل بين أن ينوي الرد الأول دون الثاني، فلا يلزمه للثاني شيء وبين أن ينوي الرد للثاني دون الأول، فيبقى عليه فرض الأول.
ومثل هذا إذا أحدث أحداثاً ثم نوى في الوضوء رفع حدث واحد منهما دون غيره هل يصح وضوءه؟ فيه أوجه على ما ذكرنا، والوجه الثالث: منها الفصل بين نية رفع الحدث الأول أو رفع ما بعده، ولكن على هذا الوجه الأول [24 ب/3] أو رفع ما بعده في السلام يصح عما أجاب عنه، وفي الوضوء لا يصح عما نواه أيضاً، والفرق أن الوضوء لا يصح مع مجامعة الحدث له من غير ضرورة، ورد السلام يصح مع وجوب فرض الرد عليه لأمر آخر لحق سلام آخر عليه فظهر الفرق.
وهكذا لو سها في صلاته مرتين ثم سجد بنية جبران أحدهما دون الآخر يجيء أن يقال: لا يجوز، وهذا على الوجه الثالث في الطهارة، فعلى هذا يجب بطلان الصلاة لزيادة السجود فيها عمداً، ولا يمكن على هذا الوجه تجويز السجود عما نواه فقط كما قلنا في السلام: لأن هذا يوجب بقاء السجود عليه للسهو الثاني، فيؤدي ذلك إلى اجتماع أربع سجدات لسهوين تقدماها، وهذا غير جائز.
ويحتمل أن يقال: يجوز عنهما وهذا على الوجه الأول في الطهارة، ويجيء الفصل بين الأول والثاني، وهذا على الوجه الثاني فحصل ثلاثة أوجه في هذا أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو سلم رجل على رجل فرد عليه الجواب، ثم سلم ثانياً في ذلك المجلس هل يلزم رد الجواب؟ الأقرب أنه لا يلزم، لأن السلام الثاني [25 أ/3] هو غير مشروع، فإن حق السلام يؤدى بالمرة الواحدة إذا كان المجلس واحداً، كما يؤتى بتحية المسجد والحالة هذه مرة واحدة.
فَرْعٌ آخرُ قال: لا شك أن الجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب صحيح، فإن قيل: كيف يصح ووقت المغرب ينقضي قبل الفراغ من العشاء؟ فإنه إذا صلى ركعتين منه فقد مضى الوقت الذي للمغرب في سائر الأوقات، قلنا: هذا لا يضر؛ لأن افتتاحه كان في وقت المغرب والاعتبار بوقت الافتتاح، ألا ترى أنه لو افتتح في الوقت، ثم خرج الوقت في الأثناء يجوز إتمامها من غير نية الفائتة؛ لأن الافتتاح كان في الوقت، وهذا

يمكن أن يجعل دليلاً على قوله.
قال: يجوز استدامة المغرب إلى الشفق، ولو أراد الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، فأخر الظهر إلى وقت لم يبق من وقته إلا مقدار فعله وركعة من العصر جاز الجمع قياساً على ما ذكرنا، ولو أراد الجمع بين المغرب والعشاء فأخر المغرب إلى وقت لم يبق من وقته إلا مقدار فعله ففعله ليس له أن يصلي العشاء ما لم يدخل وقته وزال الجمع [25 ب / 3]؛ لأنه لو صلى العشاء الآن لم يكن جامعاً بين الصلاتين في وقت العشاء ولا في وقت المغرب، ومن شرط الجمع افتتاحهما في وقت إحداهما لا محالة، فإن كان قد بقي من وقت المغرب مقدار فعله، ومن العشاء أقل من ركعة، فيحتمل أن يقال: لا يصلي العشاء الآن؛ لأن المفعول في الوقت إذا كان أقل من ركعة، فإن الصلاة قضاء، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح"، فإذا صح هذا والجمع لا يدخل في القضاء، فوجب القول بامتناع الجمع هاهنا.
قلت: وعندي أنه يجوز الجمع في هذه المسألة والتي قبلها، لأن وقت المغرب يمتد إلى طلوع الفجر الثاني عند العذر، فإن جمع بينهما لا في الوقت المعهود للمغرب ولا في وقت العشاء المعهود جاز، ومتى جاز المغرب في الجمع بعد دخول وقت العشاء فلا يجوز قبل دخول وقت العشاء أولى، وتقديم العشاء إذا جاز إلى وقت المغرب المعهود يجوز إلى ما بعده أيضا وهذا ظاهر.
فَرْعٌ آخرُ وجل جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، فلما قعد في التشهد في العصر تيقن أنه [26 أ / 3] ترك سجدة ولا يدري تركها من الظهر أو العصر، ينبغي أن يقال: تصرف بنية إلى الظهر، فيعيا ركعة منه، ثم يعيد العصر في وقته لا على جهة الجمع.
ووجهه: أن السجدة إن كانت متروكة من العصر فالظهر صحيح إذا امتثل ما قلناه في الحالين، ولو بنى على أن الترك من العصر فأعاد ركعة أخرى منه لم يجز لجواز أن تكون السجدة متروكة من الظهر، فلا يصح العصر، أو شرط هذا الجمع تقديم الظهر على العصر.
وإنما قلنا: لا يجمع لأن السجود قد يكون متروكا من العصر، فإذا أعاد العصر الآن كان الفصل الطويل واقعاً بين الصلاتين، وشرط هذا الجمع الاتصال فلا يجوز مع فقد الشرط.
قال: وهذا الجواب كنت أقوله ثم ظهر لي الآن فساد هذا القول، وذلك أن السجدة قد تكون متروكة من الظهر فلا يصح البناء عليها مع وقوع الفصل الطويل بركعات العصر، والبناء على الصلاة من شرط الاتصال كما أنه من شرط الجمع فكما منع من

الجمع وخوف الانفصال.
فكذلك البناء، بل هذا أولى؛ لأن البناء إن احتيج إليه فوقوع الانفصال بركعات [26 ب / 3] العصر متيقن لا محالة.
فإن قيل: أليس إذا كان في الظهر فأدى الركعة الثانية والثالثة والرابعة، وعناه أنه في العصر، ثم تبين له في التشهد له أن يقوم ويعيد ثلاث ركعات ويبني على صلاته مع طول الفصل، فهلا جاز مثله في هذا الموضع؟.
قلنا: هناك لم يقصد الخروج من الظهر بل اعتقا وقه ع الإحرام عن العصر في الابتداء، فصارت الركعات الثلاث سهواً في الصلاة من جنسها، فلا يؤثر التطويل والقصر منه فيها، وهاهنا قصا الخروج من الظهر فلا سبيل له إلى البناء عليه مع طول الفصل، كمن سلم، ثم ذكر بعد طول الفصل أنه نسي فرضاً لا يبني، فإذا صح هذا فالجواب الصحيح أن يقال: يلزمه إعادة الصلاتين في وقتهما بلا جمع؛ لأن صلاة الظهر صحيحة في حال باطلة في حال وصلاة العصر باطلة في حال ومنقوصة في حال، فإذا لم يتعين الباطل منهما مع تيقن وجوب فرض الإعادة عليه في الجملة وجبت إعادتهما جميعاً، فإن كانت المسألة بحالها والجمع كان في وقت العصر فعليه أن يقوم ويصلي ركعة أخرى للعصر ويصح عصره وعليه إعادة الظهر [27 أ / 3] ويكون جامعاً: لأن السجود إن كان متروكا من الظهر فعصره صحيح، وإن كان من العصر فقد صح بأداء هذه الركعة، ويسوغ له أداء ركعات العصر، لا محالة، والشاك في أعداد الركعات للصلاة التي هو فيها يلزمه البناء على اليقين، وإنما لزمته إعادة الظهر، لأنه يجوز أن تكون السجدة متروكة منهء وهو قا تيقن عند وجود هذا الشك وجوب فرض ما عليه، ولا يتيقن زوال هذا الغرض إلا بإعادة الظهر مع ما فعله من البناء على العصر، فلزمه ذلك لنزول الفرض عنه بيقين.
وإنما قلنا: إنه يكون جامعاً لأن الجامع بين الصلاتين في وقت الأخيرة منهما يجوز له تقديم الصلاة الثانية، ولا يضره أيضا وتدع الفصل الطويل بين الظهر والعصر، والمسألة بحالها فعليه إعادة الظهر والعصر أيضا، ولا يجوز له البناء الذي ذكرناه؛ لأن السجدة قد تكون متروكة من الظهر فلا يمح افتتاحه للعصر، لأنه بعد في الظهر، إلى أن يقع الفصل الطويل.
ألا ترى أنه لو ذكر في الحال جاز له البناء على الظهر، [27 ب / 3] فإذا كان كذلك فهو لا يتيقن سقوط الغرض الذي لزمه عند الشك إلا بإعادة الصلاتين فوجب إعادتهما، فإذا أعادهما وقت العصر كان جامعا قاضيا لما ذكرناه فيما مضى.
فَرْعٌ آخرُ قال: رجل فاتته صلاة الظهر فأدرك الإمام في العصر في وقت العصر سعة، هل يصلي العصر خلف إمام الظهر؟ يحتمل أن يقال: يصلي العصر، ثم يقضي الظهر، ثم يستحب له إعادة العمر ولا يلزمه؛ لأن إعادة كل واحدة منهما واجبة عليه، والاتباع في فعل العصر هو أظهر، وموضوع الجماعة على اعتبار ذلك، وإنما سنت إعادة العصر للخروج من الخلاف، ولا يمكن أن يقال: يصلي الظهر خلفه للخروج من هذا

الخلاف؛ لأن هذا يعارضه خلاف آخر، وهو فعل الظهر خلف من يؤدي العصر، والقضاء خلف من يصلي الأداء.
فيتعادل القولان من هذا الوجه، ووجب الأخذ بما ذكرناه، ولا ينقلب علينا هذا مما ذكرنا من السنون من جهة وقوع الخلاف في إعادة العصر مرتين؛ لأنا إنما أمرناه بإعادة العصر خوفاً من فساد الأول، ولو تحقق ذلك كانت هذه الإعادة شرعاً [28 أ / 3] لا محالة بالإجماع، ومثل هذا الإجماع لا يجده ذلك القائل فافتقروا والقولان.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا نوى في الفر قبل دخول وقت الظهر الجمع بينه وبين العصر هل يكتفي بهذه النية أم يلزم تحديد النية في وقت الظهر؟ يحتمل أن يقال: لا يكتفي بها، لأن الوقت لا يصلح للظهر فلا يصلح لنية الجمع، ويحتمل أن يقال يجوز كنية الصوم يتقدمه، والأول أشبه؛ لأن هذه النية تدل على فعل الظهر في وقته المعهود والإتيان بالبال الذي هو عمل البدن لا يجوز قبل وجوب المبدل، كالتيمم قبل دخول وتته الصلاة، وهكذا لو نوى في اليوم الأول أنه يجمع في كل يوم بين الظهر والعصر في وقت العصر، هل يلزمه إعادة النية في كل يوم في وقت الظهر؟.
الأشبه أنه يلزمه ولو دخل بعليه وقت الظهر في الحضر فنوى الجمع بينه وبين العصر في وقت العصر في السفر، ثم سافر في الحال قبل خروج وقت الظهر، هل تجب إعادة النية؟ يحتمل أن يقال لا يلزم الإعادة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما لكل امرئ ما نوى"، وهذا عام ويجوز أن يقال [28 ب / 3] يلزم، لأن تلك النية وقعت في حالة لا تصلح للجمع فلا يصح فيه الجمع فيها... فرع قال: إذا جمع بين الصلاتين في وقت الأولى ثم ارتد في وقت فراغه من الأولى، ثم أسلم عن قريب، فافتتح العصر هل يبطل الجمع؟ يحتمل أن يقال: لا يبطل؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، ويحتمل أن يقال: يبطل لأن الارتداد يقتضي بطلان الجمع ونيته، فصار كمن أبطل نية الجمع قبل دخوله في وقت العصر يبطل الجمع، وهكذا لو نوى الصوم في الليل، ثم ارتد، ثم أسلم قبل العجز، هل يلزم إعادة النية؟ يخرج على وجهين.
فَرْعٌ آخرُ لو كان يجمع في وقت الظهر، فلما شرع في العصر نسي أنه ني الصلاة، فقال: أبطلت نية الجمع بطلت صلاته، لا من جهة أن كلام السهو يبطلها، ولكن لأن هذا يقتضي بطلان نية الجمع، وهذا يقتضي بطلان العصر، أو شرط هذا الجمع البقاء على نية الجمع إلى الفراغ منه، ألا ترى أنه لو نوى إبطال نية الجمع بطلت صلاته وإن لم يتلفظ، فإذا تلفظ فالمؤثر في البطلان نيته دون قوله.

فَرْعٌ آخرُ قال: إذا كان يجمع في وقت العصر فلما [29 أ / 3] شرع في الظهر وصلى ركعة نوى ترك الجمع، وأبطل نية الجمع بطلت صلاته وعليه إعادتها بنية القضاء، فإن قيل: هلا قلتم تتم صلاته؛ لأنه قد أدى ركعة منها في الوقت كمن صلى ركعة من سائر المواضع في الوقت، ثم خرج الوقت عليه إتمامها لأداء ركعة في الوقت.
قلنا: الغرق هو أن نية ترك الجمع يبين لنا أن افتتاح الظهر كان في غير وقته: لأن من شرط هذا الجمع المقام على نيته إلى الفراغ من الظهر، وإنما يصير وقت العصر وقت الظهر بهذه النية، والافتتاح في غير الوقت محتاج إلى نية القضاء، فإذا لم يأت بها لم يصح الافتتاح، وهناك لا يتضح بخروج الوقت، لأن الافتتاح كان في غير الوقت فوقع الافتتاح صحيحاً فلم يبطل بخروج الوقت خصوصاً، وقد صلى في الوقت مقدار ما يقع به الإدراك.
قال: إذا كان يجمع في وقت العصر فصلى الظهر بنية الأداء، ثم أخر العصر إلى أن غربت الشمس، هل يصح ما أداه من الظهر؟ الأشبه الجواز، أن فعل العصر لو كان معتبراً في جواز الظهر لاعتبر اتصاله به، ولاعتبر تقدمه عليه [29 ب / 3]. ألا ترى أن فعل الظهر لما كان شرطاً في جواز العصر إذا كان الجمع في وقت الظهر اعتبر اتصاله به وتقدمه عليه، ويحتمل أن يقال: لا يجوز، لأنه لم يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، وأداء الظهر في وقت العصر بغير نية القضاء إنما يصح بشرط الجمع، والشرط إذا لم يوجد لم يحصل المشروط، وهكذا لو ملى الظهر وقت العصر، ثم عزم على ترك الجمع، هل عليه إعادة الظهر بنية القضاء إذا لم يصل العصر بعد؟ يخرج على هذين الوجهين.
ولو نوى في وقت الظهر تأخيره إلى العصر ليؤديه فيه دون العمر ليس له أن يصلي الظهر في وقت العصر إلا بنية القضاء؛ لأنه لم ينو الجمع، وهذا يدل على صحة الوجه الثاني، وللقائل الآخر أن يقول: العزم في الابتداء على فعل العصر أيضاً في وقته شرط في جواز الظهر في وقت العمر بغير نية القضاء، ووجود العصر ليس بشرط، ومثله موجود في الأصول، ألا ترى أن بيع الثمار قبل صلاحها يقف على شرط القطع لا على وجود القطع كذلك هاهنا.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا دخل في الظهر في وقت وأراد استدامته [30 أ / 3] إلى أن يدخل وقت العصر يحتمل أن يقال: لا يجوز في أحد الوجهين، والثاني: يجوز قياساً على استدامة المغرب إلى الشفق، فان قيل: ما الفرق بينه وبين استدامة الجمعة إلى ما بعد وقتها لا يجوز وجهاً واحداً؟ قلنا: الفرق أن خروج الوقت هناك يبطل بالصلاة عن الجمعة والفرض الجمعة في يوم الجمعة بخلاف هاهنا.

فَرْعٌ آخرُ قال: رجل نذر إتمام كل صلاة يشرع فيها، وصح نذره ولزم، فأراد الشروع في صلاة نغل، هل ينوي التطوع أم الفرض؟ يجيء أن يقال: ينوي التطوع؟ لأن ابتداءها يقع نفلاً، ثم يجب إتمامها كما في الحج ينوي التطوع عند الشروع، ثم يصير واجباً، وهكذا لو لم يبق من الصبح إلا ركعة واحدة يفتتح بنية الأداء، وان قلنا إنها تصير قضاء بعده.
فَرْعٌ آخرُ العبد إذا شرع في الجمعة يلزمه إتمامها بخلاف المسافر إذا شرع في صوم رمضان، والفرق أنه جوز للمسافر ترك فرض الوقت على كل وجه بخلاف العبد، لأنه لم يجوز له ترك الفرض بالكلية.
فَرْعٌ آخرُ قال: التأمين على دعاء الكفار لا يجوز [30 ب / 3]؛ لأنه عدو الله ورسوله وقد قال تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: 14] فأما التأمين على دعاء فساق المسلمين فإنه يجوز؛ لأنهم لم يخرجوا عن الإسلام، والله تعالى قد يجيب دعاءهم، وجاز الدعاء لهم فإنه يصلي عليهم إذا ماتوا، فجاز التأمين على دعائهم، بخلاف الكفار، وأما التأمين على التأمين فإنه يجوز لأنه دعاء، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89] وموسى عليه السلام كان يدعو وهارون عليه السلام كان يؤمن وأضاف الدعاء إليهما، ويحتمل أن يقال: لا يؤمن على التأمين لأن الشرع لم يرد به... فَرْعٌ آخرُ قال: إذا عزبت النية للصلاة في خلال التكبير يجوز، وإذا عزبت النية في لفظ الكناية هل تطلق) وجهان، والغرق أن المصلي إذا فرغ من التكبير علمنا شروعه في الصلاة عند الحرف الأول، على قولنا: إن التكبير من الصلاة فلم يؤثر غروب النية في خلال التكبير؛ لأن غروب النية في أثنا، الصلاة لا يبطلها، وفي الطلاق تقع الفرقة عقيب الفراغ من اللفظ، والذي تقع به الفرقة هو اللفظ بشرط اقتران النية به، فلو جوزنا غروب النية في أثنا، اللفظ أدى إلى إيقاع الفرقة [31 أ / 3] بلفظ كتابة لم تقارنه النية، وهذا لا يجوز.
فإن قيل: لو كان شارعاً في الصلاة عند الحرف الأول لوجب إذا اقتصر على قوله: الله أن يجوز قلنا: إذا فرغ من التكبير فتبين الشروع عند الحرف، فإذا اقتصر على قوله: الله لم يجز، لأن شرط التبيين لم يحصل، ومثل هذا لا يمتنع، ألا ترى أن المشتري إذا قال: قبلت كان البائع بائعاً بقوله: بعت لا بالقبول الحاصل من المشتري، وان كان قوله: لو تجرد عن القبول لم يكن بائعاً لأجل قوله، ويمكن أن يقال: غروب النية في أثناء التكبير يبطله كما في الطلاق، لأن الشروع فيها يحصل بتمام التكبير، فلو جوزنا غروب النية في الأثناء لصار شارعاً بما تقدمته النية، وهذا لا يجوز، إذ لو جاز هذا لجاز تقديم النية على التكبير كما قال أبو حنيفة - رحمه الله -:

ويمكن أن يجاب بأن اعتبارها في الابتداء صار أحق لمعنى الأولية، وهذا كما أن صحة الصلاة تقف على أركان مع الإحرام، ثم النية معتبرة في ركن معين منها وهو الإحرام لمعنى الأولية فكذلك هذا.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو قرأ أية القرآن وقصد به [31 ب / 3] التنبيه دون القراءة لم يجزه، وان قصا كليهما قيل قولان: أحدهما: باطلة وهو قول ابن سريج والثاني: تصح.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو ناداه الوالد أو الوالدة وهو في الصلاة، قيل فيه وجهان: أحدهما: يلزمه الإجابة وتبطل صلاته إذا أجاب، والثاني: تلزمه الإجابة ولا تبطل صلاته بها، وفيه وجه ثالث لا تلزمه الإجابة أصلاً، وهذا هو أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قام في الثالثة وني التشهد الأول، ثم تذكره فشك هل يجوز له العود أم لا، فعاد هل تبطل صلاته؟ يحتمل أن يقال: لا تبطل لأنه علم كون التشهد مسنوناً له، وهو شاك في أن هذه الحادثة، هل تزيل تلك السنة أم لا، والأمل كونه مسنوناً له وهو شاك في أن هذه الحادثة هل تزيل تلك السنة أم لا؟، والأصل كونه مسنوناً له، وهذا كمن شك في خروج الوقت يلزمه البناء صلى الأصل، ويحتمل أن يقال: تبطل صلاته؛ لأن لما شك لزمه ترك العود من جهة أن مراعاة الاحتياط في الصلاة واجبة، والاحتياط ههنا هو في ترك العود؛ لأن الزيادة في أفعال الصلاة محرمة وترك [32 أ / 3] التشهد الأول غير محرم، ومل هذه المسألة إذا عمل في الصلاة أعمالاً، ثم شك هل هي كبيرة أم قليلة، وهل يلزمه الاستئناف؟ يخرج على هذين الوجهين.
والأشبه عندي أنه لا يلزم، لأن الأصل بقاء الصلاة نصار كالشك في الحدث بعد يقين الطهارة لا يضر، فإن قيل: لا فائدة في ذكر هذين الوجهين في العود، لأنه إذا عاد وعنده أن العود لا يجوز فصلاته باطلة على الوجهين، وإن عاد وعنده أن العود جائز فصلاته لا تطل على الوجهين، قيل: فائدة ذلك إذا هاد ولا يدري هل يجوز العود أم لا؟ فعلى الوجه الأول لا تبطل، وعلى الثاني: تبطل وتظهر فائدة ذلك ني حال وقوع مثل هذه الحادثة في أثناء الصلاة، لأنه إذا عرف ما ذكرناه، نعلى الوجه الأول: يجوز له العود في الظاهر، وعلى الثاني: لا يجوز له ذلك، وهذه فائدة معقولة.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا نذر قراءة القرآن نقرأه ولم ينو النذر ولا الفرض، فإن كان النذر غير مضاف إلى زمان بعينه لم يكن واقعا عن النذر، وإن أضافه إلى زمان بعينه.
مثل إن قال: لله علي أن أقرأ القرآن في كذا.
يحتمل [32 ب / 3] يقال: لا يقع

عن النذر وهو الأشبه، ويحتمل أن يقال: تجعل نيته عند قوله: في يوم كذا، كالنية المتقدمة فيحكم بجوازها في أحد الوجهين قياساً على جواز تقديم النية في الزكاة على أحد الوجهين، ويمكن أن يقال ذاك إنما يجوز في عبادة المال، فأما في عبادة البدن في فلا يجوز إذا لم يكن ضرورة.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا كان على ثوب الإمام نجاسة إلا أن المأموم لم يعرف ذلك لبعده من الإمام لم تصح صلاته؟ لأن النجاسة موجودة في موضح يمكن رؤيتها، وإنما عرض ما يمنع من الرؤيا فصار كما لو كان قريباً منه، إلا أنه لم يقف عليها لاشتغال قلبه بأفعال الصلاة، فإنه تلزمه الإعادة بالإجماع، وكما لو صلى خلف الكافر ولم يعرفه لبعده منه يلزمه الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ لو كان على عمامة الإمام نجاسة تمكن المأموم من رؤيتها إذا قام غير أنه صلى قاعداً لعجزه عن القيام، ولا يمكنه رؤيتها في هذه الحالة لا يلزمه الإعادة؛ لأن فرضه القعود في هذه الحالة وهو على أي وجه قعد لا يمكن من رؤية النجاسة فلم يحصل [33 أ / 3] من جهته تعزراً بوجه كما لو كانت النجاسة على باطن ثوبه لا يلزمه الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ النية هل تلزم في الخطبة؟ وجهان: أحدهما: تلزم لأنها عبادة لا تصح من المجنون كالصلاة، والثاني: لا تلزم والأول أصح، وكذلك الوقوف بعرفة والأذان والطواف هل يفتقر إلى النية؟ وجهان.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا ارتد الإمام في الجمعة في أثناء الخطبة، ثم أسلم له استئنافها وله البناء عليها، لأن التفريق لا يبطلها، وكذلك إدخال ما ليس منها لا يبطلها كالأكل والكلام.
فَرْعٌ آخرُ لو خطب الإمام يوم الجمعة ثم شك هل ترك شيئاً من فرائضها ليس له الشروع في الصلاة، وعليه إعادة خطبة واحدة إذا كان المشكوك فيه فرضاً واحداً، ولم يعلم عينه، ويقرأ أية من القرآن في هذه الخطبة، وهذا لأنها غير مقصودة بنفسها فالشك فيها بعد الفراغ يؤثر كالشك بعد الفراغ من الوضوء.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو أدرك الإمام في السجود فسجد معه وقام، فإنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح؛ لأنه تابع للإمام، والإمام لا يأتي به.
ولو أدركه [33 ب / 3] في التشهد الأخير فأحرم وقعد معه ثم قام بعد سلام الإمام يأتي بدعاء الاستفتاح؛ لأنه فرض الاتباع سقط فيجب العود إلى حكم صلاة الانفراد، وفيه نظر، وعندي لا يلزمه أن يأتي بدعا، الاستفتاح هاهنا أيضاً، وانقطع ذلك بقعوده معه.

فَرْعٌ آخرُ قال: لو أراد الجمع بين الجمعة والعصر للمطر نظر، فإن أراد الجمع بينهما في وقت العصر لا يجوز، وإن أراد الجمع في وقت الجمعة ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجوز لأن الجمع رخصة واردة في موضع مخصوص فلا يقاس عليه.
والثاني: يجوز لأن ما يباح لعذر يستوي فيه الجمعة والظهر كترك القياس عند العجز والأول أصح.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قرأ سبع آيات عند الفجر عن الفاتحة، هل يستحب له التأمين في الآخر إذا كان مضمنا بالدعاء؟ والصواب عندي أنه يسن لأنها بدل على الفاتحة والتأمين شرع بعدها طلباً لإجابة السؤال، وهذا موجود هاهنا ويحتمل وجهاً أخر أن الخبر لم يرد به.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قام ناسياً إلى الركعة الثالثة قبل [34 أ / 3] التشهد فقبل اعتداله بدأ بقرا، ة الفاتحة، ثم تذكر ما نسي من التشهد، هل يرجع إلى الجلوس والتشهد؟ نظر فإن كان في صلاة الفرض يرجح، وإن كان في النفل لم يرجح، لأن القراءة هي غير محسوبة في الفرض قبل الانتصاب بخلاف النفل، أو يجوز القعود فيها مع القدرة على القيام، فابتداؤه في النفل بالقراءة كالانتساب في الغرض وفيه وجه آخر يعود فيهما.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قام الإمام تاركاً التشهد الأول واعتدل، ثم أحدث فاستخلف واحداً من المأمومين لا يتشهد هذا المستخلف ويبني على صلاته، ألا ترى أنه يقعد في موضح قعوده ويلزمه إتمام الصلاة، وإن كان مسافراً إذا كان المستخلف مقيماً ففي حكم التشهد يتبعه أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا جمع بين صلاتين في الوقت الأول، فلما فرغ من الظهر شك هل كان نوى الجمع أم لا؟، ثم تيقن أنه كان نوى ليس له أن يجمع؟ لأنه طرأت حالة تمنع الجمع فزوالها بعد لا يوجب الجواز، كما لو نوى الإقامة ثم أراد السفر لم يكن له أداء العصر بعده في وقت الظهر، وإن كان ما حدث من المقام زائلاً.
[34 ب / 3] وذكر الشافعي - رحمة الله عليه - نظيره إذا شك في نية العصر ثم تذكر في الحال فإنه لا يقصر.
قلت: وعندي يجوز الجمع؟ لأنه لم يصادف هذا الشك العبادة.
وقد يقع الشك في شرط منها، وقد تحقق وجود الشرط في الحال، والحالة ليست بحالة العبادة فصار كما لو شك في ركن الطهارة، ثم تذكر في الحال له الدخول في الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو أذن لصلاة الظهر قبل دخول وقتها، ثم أراد أن يؤدي به فائتة، وقلنا بالقول

الذي يقول: إن الأذان مشروع للفائتة، هل له أداء الفائتة بهذا الأذان؟ نظر، فإن كان ذاكراً للفائتة وقت الأذان يجوز، وإن لم يكن ذاكراً لها لا يجوز، والفرق أن وقت الفائتة إنما يدخل عند ذكرها، فإذا كان ذاكراً لها، ولم يصح عما قصده وقع عما كان الوقت وقتاً له، كما لو أحرم بالحج قبل أشهر الحج صح عن العمرة.
وفي المسألة الثانية لم يدخل وقت الفائتة ولا يقع الأذان عنها، لأن تقديم الأذان على وقته لا يجوز إلا في الصبح، ويحتمل وجهاً آخر أن هذا الأذان لا يصح عن الفائتة في الحالتين، ويحتمل وجها ثالثاً أنه يصح في الحالتين [35 أ / 3]. فرع قال: إذا أقام لصلاة الجمعة قبل الإتيان بتمام الخطبة المفروضة، ثم أتمها بعده وافتتح الجمعة بعده في وقت يسير هل يصح؟ عندي أنها لا تجوز، لأنها تراد لاستفتاح الصلاة فلا يجوز إلا في الوقت الذي يجوز فيه الاستفتاح، كالإقامة للصبح لا تجوز قبل الوقت، وان صح الأذان.
ويحتمل أن يجوز كالإقامة قبل الفراغ من الطهارة وهذا أبين.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا سلم عليه رجل فلم يرد الجواب حتى طال الزمان، هل يسقط فرض الرد؟ يحتمل وجهين وكذلك لو مضت أيام.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو شك الرجل هل أدى الصلاة التي وجبت عليه أم لا؟ فإن قيل: إن فوات الوقت يلزمه أداؤها بلا خلاف، وان كان فوات الوقت يحتمل أن يقال: يلزمه الإعادة للاحتياط، والأصل: عدم الأداء، ويحتمل أن يقال: إن كان في وقت لا ينس في مثله في العادة أداء الصلاة التي أديت يلزمه قضاؤها وإلا فلا يلزم؛ لأن الظاهر إذا كان في وقت ينسى أنه لا يتغافل عن صلاته وأداها، ولكنه لا يمكنه تذكرها إلى هذه الغاية.
والظاهر إذا كان في وقت لا ينس أنه [35 ب / 3] لم يؤدها ولو لم يفصل هكذا لأدى إلى مشقة عظيمة.
وقيل: لا يلزمه الإعادة كما لو شك بعد الفراغ من الصلاة في بعض أفعالها وهذا ليس شيء.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو شك المصلي هل سلم من صلاته التي أداها أم لا؟ نظر، فإن حدث أمر يقطع الصلاة، أو يمنع صحة السلام في هذه الحالة فلا يلزم حكم الشك، وإن كان قاعداً متوجها إلى القبلة، ولم يطل الفصل لزمه السلام لنزول شكه في صحة الصلاة، ووجه ذلك أن في الأول: لو أوجبنا اللام لوجبت الإعادة من الأصل، والشك لا يوجب الإعادة، وفي الثانية: يجوز البناء ولا يلزمه الإعادة، فيجوز إثبات وجوب السلام في تلك الحالة؟ لأن وقت السلام باق في تلك الحالة، ولا يشبه التشهد إذا شك في قراءته بعد السلام: لأن وقته فات بحصول السلام، ألا ترى أنه لو ترك ذلك وتعمد إلى السلام بطلت صلاته، وإن كان قريباً وفوات الوقت يمتنع من تأثير الشك فيما لا يمكن اعتبار الظاهر فيه.

فَرْعٌ آخرُ قال: البالغ إذا أدرك الصبي الإمام في [36 أ / 3] الركوع هل يكون مدركاً الركعة؟ وجهان: والأصح الإدراك، وعندي لا معنى للوجه الآخر بعدما حكمنا بصحة صلاته.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا أدرك الإمام في الركوع فافتتح الصلاة، ولم ينو الجماعة، وركع معه لم تصح صلاته، سواء قلنا: الإخلال بنية الجماعة مع الاقتداء يبطلها أو لا يبطلها إلا أن يكون عنده جواز اتباعه فلا يصير مدركاً للركعة، ولا تبطل الصلاة، فإن قيل: نية الجماعة هي واجبة في الجمعة أم لا؟ قلنا: هي واجبة على المأموم، ولا يجوز أن يقال غيره، وهل يلزم الإمام هذه النية؟ وجهان: أحدهما: لا تلزمه كما في سائر الصلوات، والثاني: تلزمه لأنها لا تصح إلا بالعدد، وهو اختيار جدي الإمام - رحمه الله -. فَرْعٌ آخرُ قال: صلاة التراويح إذا صليت قبل دخول وقت العشاء بعد غروب الشمس هل تصح؟ وجهان: أحدهما: لا تصح لأنها تابعه للعشاء كالوتر، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة صلوها في وقت العشاء والوقت يؤخذ توقيفاً.
والثاني: أنها تمح كقيام الليل.
فَرْعٌ آخرُ هل تصح في وقت العشاء قبل العشاء؟ [36 ب / 3] يحتمل أن يقال: لا يجوز كالوتر ويحتمل خلافه.
فَرْعٌ آخرُ قال: من به سلس البول إذا أم الناس في الجمعة هل له أن يجمع بين الخطبتين وصلاة الجمعة بوضوء واحد؟ يحتمل على قياس قول الشافعي وجهين بناء على اعتبار الطهارة في الخطبة، وفيه قولان، والأصح أنه لا يجوز.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا كان يصلي الظهر عن قعود لعجزه عن القيام فني التشهد الأول، ثم ذكره فإن كان قد أخذ في القراءة المفروضة لم يرجح، وإن لم يكن أخذ فإنه يرجع، وإن ابتدأ بالقعود على قول من قال: يتعوذ في كل ركعة فغيه وجهان.
فرع قال: إذا كانت صلاة العشاء هل له أن يصلي الوتر قبل قضاء العشاء وجهان.
فرع قال: إذا في الإمام التشهد الأول واعتدل فعزل المأموم نفسه من صلاة الإمام، هل يأتي بالتشهد؟ فإن كان اعتدل قائماً لم يأت به، وإن لم يكن اعتدل يحتمل وجهين:

أحدهما: لا يأتي به، والثاني: يأتي به وهو الأظهر.
فرع قال: إذا علم أنه ترك صلاة الظهر في مدة شهر معين في بعض الأيام وصلاها في بعض الأيام ولا ندري كم ترك؟ وكم صلى؟.
قال القفال: نقول [37 أ / 3] له: كم تتحقق من الصلوات تركها؟ فإن قال: أعلم أني كنت تركت عشرة أيام، ولا أدري الزيادة، نقول: أقض عشرة صلوات وليس عليك إلا ما تحققت تركها، فإن الظاهر أن المسلم لا يترك الصلاة.
وقال القاضي الحسين - رحمه الله -: الأمر عندي على العكس فيقال: كم تتحقق قدر ما صليت؟ فإن قال: أتحقق عشرة أيام يقال له: اقض عشرين يوماً لأنا تحققنا اشتغال ذمته بالفرض فلا يسقط عنه إلا بيقين.
ونظيره إذا أسلم ثم شك، هل ترك ركناً فيه قولان.
أحدهما: إن كان الفصل قريباً عاد وبنى، وإن طال الفصل استأنف.
والثاني: أنه لا يبني عليه، لأن الظاهر أن الصلاة قد تمت على وجهها.
فَرْعٌ آخرُ إذا شرع في الفائتة على تقدير أن في الوقت سعة فتبين أن الوقت قد ضاق، المذهب أن عليه أن يقطع الفائتة، ويملي صلاة الوقت ثم يعيد الفائتة؛ لأنه لو شرع منفرداً ثم أدرك الجماعة فإنه يستحب له أن يجعله نفلاً ويسلم، ومراعاة حق الوقت هاهنا أولى من مراعاة الجماعة، ففيه وجه آخر يتمها ولا يقطعها وليس كتلك المسألة، لأن الجماعة من مصلحة تلك الصلاة فجاز [37 ب / 3] أن يقطعها لمراعاة مصلحتها، وفي القضاء ليس الوقت من مصلحتها، وإنما الوقت من مصلحة فريضة الوقت، فلا يجوز أن يقطع فريضة لمراعاة مصلحة فريضة أخرى.
فَرْعٌ آخرُ إذا ترك الصلاة فقال: كنت نسيت أو كنت أجد البرد، أو كانت على بدني نجاسة ما قدرت على غسلها لا يقبل بل يؤمر بالصلاة.
فإن امتنع بالمذهب أنه لا يقبل؛ لأن الصلاة إنما يتضيق فعلها في الوقت ومعظم الجنابة في التأخر عن الوقت ولم يتحقق قصده إلى التفويت، وفيه وجه آخر أنه يقبل لامتناعه من الإتيان بها مع التمكن.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يكفيه في نية الصلاة نية الظهر لا بد وأن يعتقد فرض الظهر حتى إن كان قريب العهد بالإسلام ولم يعلم أن صلاة الظهر من المفروضات، أو علم أنها من المفروضات ولكن لم يعلم فريضة أركانها إذا اعتقد في بعضها أنها سنة لم تصح صلاته؛ لأن فرض الصلاة لا يؤدى بنية النفل، ولو اعتقد أن جميع ما يفعله فيها فرض

يصح؛ لأن السنة تؤدى بنية الفرض.
فَرْعٌ آخرُ إذا قتل برغوثة على ثوبه فيه وجهان: أحدهما: لا يكون عفواً لأنه يمكن الاحتراز منه، وإن [38 أ / 3] كان كثيراً فإنه لا يعفى وجهاً واحداً.
والثاني: أنه يعفى لعلته لاعتبار الجنس وهو الصحيح، ولما روي أن ابن عمر - رضي الله عنه - عصر بثرة بوجهه وصلى.
فَرْعٌ آخرُ دم البراغيث يعفى عنه في ثوبه الملبوس، فإن كان في كمه روث فيه دم البراغيث، فإن كان كثيراً لا يجوز، وإن كان قليلاً فيه وجهان؛ لأنه يمكن الاحتراز وكذلك لو كان دم البراغيث على مصلاه.
فَرْعٌ آخرُ إذا كان عليه دم البراغيث فعرق بدنه وانتشر، يصير ذلك الموضع نجد وهل يعفى عنه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعفى وهو اختيار القاضي الحسين - رحمه الله - ويختص العفو بعين الدم دون المحل الذي يتعدى إليه نجاسة الدم كما في محل الاستنجاء.
والثاني: يعفى وهو الصحيح عندي، واختاره أبو عاصم العبادي؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه عرفاً، ولأنه لم ينقل ذلك عن الصحابة - رضي الله - عنهم مع علمنا بأنهم كانوا فقراء، ولم يكن للواحد منهم إلا ثوب، وكانوا يبيتون فيه، وقلنا: يخلو عن مثله والعرق يكثر في الحجارة لشدة الحر، ولأنا لو أوجبنا غسل [38 ب / 3] المتعدي لأوجبنا غسل موضع الاستنجاء؟ لأن البعض متصل بالبعض.
وقال جعفر بن محمد الصادق: لقد هممت أن أتخذ للمغتسل ثوباً فإني رأيت الذباب تقع على النجاسة، ثم تقع على الثوب، ثم إني تفكرت أن السلف المالح ما كان لهم إلا ثوب واحد فتركته.
فَرْعٌ آخرُ لو ابتلع خيطاً وطرفه خارج فمه لم تصح صلاته؛ لأن الظاهر هو متصل بالنجاسة.
فرع لو قدر على قطع موضع النجاسة من الثوب، فإن كان النقصان الداخل فيه بقدر أجرة ثوب يستأجره للصلاة تلزمه أن يقطع، وإن زاد فلا يلزمه.
فَرْعٌ آخرُ لو شك في الحدث في صلاته لا ينصرف، فلو انصرف لتجديد الطهارة، فإن بان أنه كان أحدث له البناء على صلاته في قوله: القديم، فيمن سبقه الحدث، وإن بان أنه ما كان أحدث، أو بقي الحال مشكلاً فيه وجهان: أحدهما: يبطل، لأنه ممنوع من الانصراف قبل تحقيق الحدث، والثاني: لا يبطل، لأنه من سلم ناسياً وظن أنه ليس في الصلاة فتكلم لم تبطل صلاته حتى يبني عليها، ويجعل كأنه تكلم بعد إتمام الصلاة

فكذلك [39 أ / 3] من جهل بقاء الطهارة يجعل في الحكم كأنه تحقيق انقطاعها.
فرع لو قال في صلاته: يا قومنا قوموا لله موصولاً فهو كلمات القرآن، ولكن ليست على ذلك النظم تبطل صلاته؛ لأنها ليست بقرآن، ولو فرق الكلمات لا تبطل لأن الجمع من القرآن.
فَرْعٌ آخرُ إذا تنحنح الإمام، وقلنا في أحد القولين: التنحنح يبطلها فمن أصحابنا من قال: يزم المأموم أن يفارقه، فإن لم يفارقه بطلت صلاته؛ لأن الظاهر أنه قاصد، وقد بطلت صلاته، ومنهم من قال: يمضي على متابعته لأن المسلم لا يقصد بطلان الصلاة، والظاهر أنه غير مختار له وأن صلاته لم تبطل، وهذا أمح عندي إذا كان الإمام ممن لا يخفى عليه هذا القدر.
فرع لو تستر في الصلاة بآدمي أو بهيمة؛ لأنه يشبه عبادة من يعبد الأصنام، ولو صلى إلى آدمي أو إلى حيوان طاهر جاز لخبر عائشة - رضي الله عنها -: ((كنت معترضة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين القبلة كاعتراض الجنازة".
فَرْعٌ آخرُ لو أخبره جماعة أنه صلى ركعتين وهو يشك فهل يعتما على قولهم؟ وجهان والأصح [39 ب / 3] أنه يعتمد.
فَرْعٌ آخرُ لو كان يصلي الصبح فرفع رأسه من السجود، وقام إلى الثانية بعدما شك أنه صلى الواحدة أو الثانية، ثم تذكر أنه ما صلى إلا ركعة، وأن التي قام إليها هي الثانية، فالظاهر أن عليه سجود السهو؛ لأنه حين قام لم يقطع بأن عليه فرض القيام، بل توهم أنه صلى ركعتين وهذه ثالثتهما وهي زيادة في الصلاة، وفيه وجه آخر: أنه لا يسجل لأن الوهم زال بالتذكر وتبين أنه ما زاد فيها.
قال بعض أصحابنا: والأول أصح؛ لأن فعله مع الوهم أنه يفعله زيادة فيها خلل ولهذا لو بقي على الشك حتى فرغ منها عليه سجود السهو، وإن احتمل أنه لم يزد وقد تقرر أن من شك هل زاد في صلاته لا سجود عليه، وعندي الوجه الثاني أصح.
فرع لو شك في سجوده أنه سجد سجدة أو سجدتين بنى على اليقين، فإذا أخذ بالأقل ثم بان قبل أن يرفع رأسه من السجدة أنه ما كان سجد إلا واحدة فلا سجود عليه للسهو؟ لأن تلك السجدة معتد بها، وان بان بعد أن رفع رأسه من تلك الجدة وسجد السجدة الأخرى، ثم تذكر أنه [40 أ / 3] ما كان قد سجد إلا سجدة واحدة، وأن هذه ثانيتها يلزمه سجود السهو لأن فعله لم يكن معتداً به لاحتمال أنه سجد سجدتين وهذه ثالثتهما على ما ذكرنا.

فَرْعٌ آخرُ لو سلم وقام، ثم داس نجاسة برجله، المذهب أنه لا يبني على صلاته إذا علم أنه ترك منها شيئاً؛ لأن حكم النجاسة هو أغلظ من حكم القبلة والكلام، فيبني بعه استدبار القبلة والكلام قليل ولا شيء بعد النجاسة.
فَرْعٌ آخرُ إذا سلم فقال له وجل: سلمت من ركعتين، فمان تداخله شك يعود إلى صلاته في الوقت ولو اشتغل بجوابه، ثم تذكر فأراد أن يعود إلى الصلاة ليس له ذلك، فإن لم يتداخله شك فأجابه، وقال: بل أتممت الصلاة، ثم تذكر أنه سلم محن ركعتين له أن يبني على صلاته لخبر "ذي اليدين".
فرع لو قام من موضعه لا يعوذ إلى موضعه، بل يبني في المكان الذي تذكر لأن عوده ليس من مصلحتها.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يبني لا يحتاج إلى النية؟ لأن التحريمة الأولى باقية.
ولو كبر ونوى الافتتاح بطل ما مضى.
[40 ب / 3]. فَرْعٌ آخرُ لو سلم من ركعتين وقام وافتتح النفل، ثم تذكر أنه نسي ركعتين فعلى قول بعض أصحابنا: الانتقال إلى الركن مقصوداً شرط، فعلى هذا ما فعله لا يعتد به إلا أن الفعل من جنس الصلاة فله أن يبني على صلاته، وإن كان قد طال الفصل، وعلى طريقة الباقين الانتقال إلى الركن بالقصد ليس بشرط، ولكن هذا الرجل قصد النفل وعليه الفرض هل يتأدى الفرض بنية النفل؟ ذكرنا فيه الخلاف بين أصحابنا، فإن قلنا: يتأدى بها احتسب له ما فعله ويتممه.
وإن قلنا: لا يتأدى بها استأنف الركعتين وهذا أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ لو أراد المأموم أن يقنت في الصبح وترك الإمام القنوت، فإن أخرج نفسه من متابعته وقنت لا يسجد للسهو، وان لم يخرج نفسه من متابعته ولكن طول الإمام قيام الاعتدال فقنت جاز، وهل يسجد للسهو؟ وجهان.
قال أبو حامد يسجد، وقال القفال: لا يسجد، لأن في اعتقاد إمامه أنه ليس في صلاته خلل والمأموم اعتقد الخلل فيجعل اعتقاده كسهو منه ولا يسجد للهو خلف الإمام [41 أ / 3]. فَرْعٌ آخرُ لو قنت في الركعة الأولى ساهياً أو في غير الصبح.
قال الشافعي - رحمه الله _:

يسجد للسهو، فقال بعض أصحابنا: لأنه نقل ذكراً مقصوداً من محله إلى غير محله، فجعل الإتيان به في غير محله كتركه في محله.
وقيل: العلة هي أن قيام الاعتدال ركن قصير، وقد طوله بالقنوت، وعلى هذا لو قنت في الركعة الأولى عامداً أو في غير الصبح عامداً، فإن قلنا: العلة عند السهو نقل الذكر لا تبطل صلاته لأن الصلاة هي محل الذكر، وإن قلنا: العلة تطويل الركن القصير تبطل صلاته ونجعل تطويل الركن القصير كزيادة ركن في الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ لو قنت قبل الركن عامدا لا تبطل صلاته، ولو فعله ساهياً، فإن قلنا: إن العلة نقل الذكر المقصود ويسجد، وإن قلنا: العلة تطويل الركن لا يسجد، لأن القيام ركن ممتد.
فَرْعٌ آخرُ لو تشهد قائماً، أو قرأ القرآن في التشهد، فإن كان عمداً لا تبطل، وإن كان ناسياً، فإن قلنا: العلة في المسألة الأولى نقل الذكر ليسجد! لأنه نقل موجود وإن قلنا: العلة تطويل الركن القصير لا يسجد لأن الركن في نفسه ممتد [41 ب / 3].

باب صلاة المسافر

مسألة: قال: وإذا سافر الرجل سفراً يكون ستة وأربعين ميلاً بالهاشمي.
فله أن يقصر الصلاة.
وهذا كما قال.
الأصل في جواز القصر في السفر الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ﴾ [النساء: 101] الآية.
وأما السنة: فما وري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يقصر في أسفاره حاجاً وغازياً".
وأما الإجماع: فلا خلاف بين الملمين فيه.
فإذا تقرر هذا، فجملة الأسفار على أربعة أضرب: سفر واجب كالسفر للحج والعمرة والجهاد والهجرة، وسفر معصية: كالسفر لقطع الطريق، وطلبه الزنا، والمعاصي، والهرب من الغريم مع القدرة، والخروج مراغما لأبويه في شيء، وسفر طاعة: كزيارة الوالدين أو أحدهما، الخروج إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى المجد! لأقصى، وسفر مباح: كتجارة أو تنزه ويستباح القصر في كلها إلا في سفر المعصية.
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه _: لا يجوز القصر إلا في السفر الواجب: لأن الواجب لا يترك إلا للواجب، وقال عطاء [42 أ / 3]. رحمه الله -: لا يجوز إلا في سفر الطاعة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقصر إلا في سبيل الخير.
وقال داود: لا يجوز إلا عند الخوف لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾] النساء: 101] فشرط الخوف وهذا غلط لما روى ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاء وفي السفر ركعتين"، وروى يعلى بن أمية

وقيل: يعلى بن منية، وقيل: أمية أبوه ومنية جدته، فنسب إلى كل واحد منهما.
قال: وقلت لعمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _: أباح الله تعالى القصر في الخوف فأين القصر إذا أمن، فقال: عجبت مما عجبت، فألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
فثبت جوازه في الأمن.
وروى جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "خياركم من قصر في السفر وأفطر"، وروى ابن عمر _ رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خيار أمتي أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله والذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا [42 ب / 3] وإذا سافروا قصروا وافطروا"، وروى عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه قال: كنت مع عمي عبد الله بن عمر في سفر فصلى ركعتين، ثم انصرف فرأى ناساً في المسجد يصلون فقال: لو كنت مصلياً معهم لأتممت، لقد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر فما رأيته يصلي إلا ركعتين، ما يصلي معهما شيئاً حتى لقي الله"، ولقد صحبت أبا بكر في السفر "فما رأيته يصلي إلا ركعتين ما يصلي معهما شيئاً، ثم صحبت عمر في السفر ففعل هكذا ثم صحبت عثمان فما رأيته إلا هكذا، ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
وقال أبو سعيد الخدري _ رضي الله عنه _ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من المدينة فسار فرسخاً قصر الصلاة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصر في السفر في الحج وكان آمنا، ولأن الرخصة إذا تعلقت بسفر الطاعة تعلقت بالفر المباح كصلاة النافلة على الراحلة.
وأما ما ذكر ابن مسعود _ رضي الله عنه _ ينتقض ممن لا يجب عليه الجهاد إذا خرج إليه يقصر بالإجماع، وأما ما قال عطاء فلا يصح لأنه لو اختص بموضع السنة [43 أ / 3] لما جاز القصر في غير الموضع الذي سار فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه كان يقصر الصلاة في عوده، وإن كان مباحاً وأماما، قال داود رحمه الله: قلنا ذكر الخوف لا للشرط كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: 31] فهذا ليس بشرط، وقال أبو حنيفة _ رحمه الله _: يجوز القصر في جميع الأسفار، وان كان سفر معصية وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى، فإذا تقرر هذا فإن عنانا لا يجوز القصر إلا في السفر الطويل، وقال داود: يجوز القصر في السفر القليل وإن كان فرسخاً لظاهر الآية، وهذا غلط لما روى ابن عباس _ رضي الله عنهما _ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا أهل مكة لا تقصروا في أدني من أربعة برد من مكة إلى عسفان".
وهذا يخص الآية، ولأن المشقة لا تلحقه في ذلك غالباً فأشبه الانتقال في البلد من محله إلى محله.

فإذا تقرر هذا فحد السفر الطويل ماذا؟ قال الشافعي: هاهنا ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي.
وقال في القديم: يقصر إذا جاوز أربعين ميلاً، وقال في موضع: مسيرة ليلتين، وقال في موضع: مسيرة يوم وليلة.
وقال في موضع: أربعة برد.
وكل هذا واحد والأصل فيه ما قال [43 ب / 3] هاهنا ستة وأربعون ميلاً، والذي قال ثمانية وأربعون ميلاً احتسب فيه الميل الذي يبتدي منه، والميل الذي ينتهي إليه وهناك لم يحتسب.
والذي قال في القديم: جاوز أربعين ميلاً أبهمه وفسره في الجديد، والذي قال مسيرة ليلتين قال: فيه قاصرتين سير الأبغال ودبيب الأقدام دون سير البرد والخيل ونحب الركاب لأن ذلك خارج عن المعتاد، كما لا يعتبر سير المزمن والمقعد، وذلك ستة عشر فرسخاً في كل ليلة ثمانية فراسخ، والذي قال مسيرة يوم وليلة أراد إذا وصل سير الليل والنهار وذلك ما قلناه.
والذي قاله: أربعة برد فهو ما ذكرنا؟ لأن كل بريد أربعة فراسخ كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي قدر أميال البادية وبردها كل ميل اثنا عشر ألف قدم، وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة.
وجملته ستة عشر فرسخاً.
وقال بعض أصحابنا: كل ميل أربعة آلاف قدم وهو غلط ظاهر، وقال الساجي: قوله: ثمانية وأربعون ميلاً أراد به أميال بني أمية، وقوله: ستة وأربعون ميلاً أراد به أميال بني هاشم لأن أميال بني أمية هي أقصر من أميال بني هاشم وهذا [44 أ / 3] غلط، لأن الشافعي رحمة الله عليه نص في الموضعين على أميال بني هاشم، وبقولنا: قال مالك والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح: لا يقصر إلا في ثلاث مراحل أربعة وعشرون فرسخاً، وروي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه وسويد بن غفلة وسعيد بن جبير والنخعي رحمهم الله.
وقال الأوزاعي: يقصر في مسيرة يوم، وروي ذلك عن أنى رضي الله عنه وقال الزهري رحمه الله: مسيرة يوم تام ثلاثين ميلاً، وقد قال الشافعي رحمه الله: لا يستحب أن يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام.
كما قال أبو حنيفة: للخروج من الخلاف، والدليل على ما ذكرنا: خبر ابن عباس رضي الله عنهما ما ذكرنا، وقال عطاء رحمه الله: لابن عباس رضي الله عنهما أأقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، فقال: إلى منى؟ فقال: لا، ولكن اقصر إلى جدة أربعة برد.
واحتجوا بما روي عن أنس رضي الله عنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ يصلي ركعتين.
أورده أبو داود عن علي رضي الله عنهما أنه خرج [44 ب / 3] إلى النخيلة فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: أقصر بعرفة؟ قلت: احمل الخبر على ما لو نوى سفراً طويلاً، فحين خرج من بلده ثلاثة أميال ابتداء

القصر، ولأنها مسافة تجمع مشقة السفر من الشد والحل والارتحال فجاز القصر فيها كالثلاث، ثم الصحيح أنه تجديد كالنصاب في الزكاة: لأنه ثبت بالنص عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة لا بالاجتهاد، وقال أبو إسحاق رحمه الله: لم يقصد الشافعي بألفاظه التحديد الذي لا ينقص منه وإنما أراد به التقريب.
فرع لو سافر في البحر لا اعتبار بسير الفن كما لا اعتبار في البر بالسير السريح، بل الاعتبار بالمسافة التي يقصر الصلاة في مثلها في البرء قال: فإن شك هل بلغ مثل تلك المسافة في البر أم لا؟.
لا يجوز له القصر حتى يستيقن أنها مسافة القصر.
مسألة: قال: وأكره ترك القصر رغبة عن السنة.
وهذا كما قال: الصلوات المفروضات خمس، اثنتان منها لا تقصران، وهما الصبح والمغرب، والباقيات يقصرن وهي الظهر والعصر والعشاء، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: فرفت [45 أ / 3] الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر إلا المغرب والصبح.
أما المغرب فوتر النهار، وأما الصبح فلطول القنوت.
معناه: أنه مقصور عدداً ولكنه يطول بطول القراءة فإذا كان في السفر يخفف القراءة فيه: ولأن الصبح مقصور والمغرب لا ينتصف صحيحاً، ولا يمكن أن ترد إلى ركعتين: لأنه يخرج عن كونه وتراً ولا أن ترد إلى ركعة: لأنه إسقاط الأكثر، ثم اعلم أن القصر رخصة لا عزيمة ولا فرض كالمسح على الخفين فهو بالخيار إن شاء أتم وإن شاء قصر، وأيهما فعل سقط عنه الغرض كالعبد والمرأة إذا حضرا الجمعة يختاران الجمعة أو الظهر أربح ركعات، وأيتهما فعلا سقط عنهما الفرض، وبه قال عثمان وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وعائشة رضي الله عنهم والأوزاعي وأحمد وأبو ثور رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة والثوري رحمهما الله: القصر عزيمة لا يجوز تركه بحال، وبه قال عمر وعلي رضي الله عنهما، وعن مالك رحمه الله روايتان والأشهر عنه نحو مذهبنا، وهذا غلط لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجت مع [45 ب / 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمرة رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت.
فقلت: "يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحسنت"، وهذا نص ولأنه لو صلى خلف مقيم صلى أربعاً والركعات لا تزيد بالإتمام، فإذا تقرر هذا نص الشافعي رحمه الله في كتاب استقبال القبلة أن القصر أفضل من الإتمام، ونقل المزني رحمه الله في "الجامح الكبير": أن الاختيار للمسافر القصر، ثم اعترض عليه بأن الإتمام أفضل لأنه أكثر عملاً، وهو مذهبه ونص في كتاب الإمامة على أن الإتمام

أفضل، فيكون في المسألة قولان، ومن أصحابنا من ذكر قولاً واحداً أن القصر أفضل وهو اختيار أبي حامد، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله وقول الشافعي رحمه الله: وأكره ترك القصر رغبة عن السنة لم يرد به أن تركه رغبة عن السنة، ولكن أراد إذا ترك على وجه الرغبة عن السنة كفر، فكيف يقول الشافعي هذا؟ قلنا: قيل: إن الشافعي قال في "الأم": والقصر سنة وأكره تركه، وهذا نقله المزني وله تأويلان: أحدهما: أنه أراد أن يتركه في حال [46 أ / 3] الأمن عدولاً عن قبول خبر الواحد.
وهذا لا يوجب كفراً، لأنه ذهب إلى ظاهر القرآن وشرط الخوف فيه.
والثاني: أراد أنه رغب عن هذه السنة الرخصة الثانية بالسنة، وقال: لا أترك ما ثبت من عدد الركعات بالتواتر والإجماع، فإن قيل: أليس الصوم أفضل من الإفطار في السفر إذا أطاق الصوم فكذلك الإتمام وجب أن يكون أفضل؟ قلنا: قال القفال: الفطر أفضل من الصوم في أحد الوجهين والصحيح الغرة، وذلك أن الذمة تبقى مشغولة بقضاء الصوم دون قضاء الصلاة إذا قصرها، ودخل الوقت تفوت بالفطر بخلاف القصر، ولأن الخلاف فيه أشهر منه في جواز الفطر: ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خيار عباد الله الذين إذا سافروا قصروا"، وقد داوم النبي - صلى الله عليه وسلم - على القصر ولا يداوم إلا على الأفضل، وقال عمران بن الحصين رضي الله عنه: حججت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يصلي ركعتين وسافرت مع أبي بكر رضي الله عنه فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عمر رضي الله عنه فكان يصلي ركعتين حتى [46 ب / 3] ذهب وسافرت مع عثمان رضي الله عنه فصلى ركعتين ست سنين، ثم أتم بمنى.
فإن قيل: إذا اعتبرتم الاحتياط للخروج من الخلاف هاهنا، وفي القصر في أقل من ثلاث مراحل على ما قال الشافعي فيم لا يحتاطون في الوتر حتى يوتر بثلاث؟ قلنا: لأن الأخبار في الوتر بواحدة هي كثيرة مشهورة، وهاهنا أكثر فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأسفار القصر فيها، ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: "وله أن يفطر في أيام رمضان، فإن صام فيه أجزأه" وموضعه كتاب الصوم.
مسألة: قال: فإن نوى السفر فلا يقصر حتى يفارق المنازل.
الفصل وهذا كما قال: الكلام الآن في وقت القصر، فكل سفر يقصر فيه الصلاة فوقت القصر هو إذا فارق البنيان والمنازل، وهو المكان الذي إذا عاد إليه من سفره يزول القصر، فإن كان للبلد سور فحتى يفارق السور، وإن لم يكن له سور فحتى يفارق البنيان والمنازل، فلا يبقى بيت منفصل ولا متصل، وان كانت أطراف البلد حزبه نظر، فإن كانت الحيطان قائمة فهي كالعامرة، وان كانت ساقطة [47 أ / 3] فهي كالمعدومة، وإن كان حول البلد بساتين،

فإن الاعتبار بمفارقة حيطان البلد المبنية للإيواء والكن، فأما حيطان البساتين فهي كالمعدومة: لأنها مبنية لحفظ الغلات والثمار لا للاستيطان، وإن كان البلد ذا جانبين يفصل بينهما نهر كبغداد وواسط والبصرة فالجانبان معاً كالبلد الواحد يفصل بينهما شارع، فالماء والشارع سواء فلا يجوز القصر إذا عبر من أحد الجانبين إلى الآخر، وإن كانت قريتان اتصلت عمارتها حتى ليس بينهما قضاء فإنهما بمنزلة القرية الواحدة، وإن كان بينهما قضاء فهما قريتان، وان كان ذراعا مثلا ذكره في "الحاوي".
ضومن أصحابنا من قال: إن كان الفضاء يتباعد بينهما فعلى ما ذكرنا، وان قرب القضاء بينهما فهما قرية واحدة.
ذكره ابن سريج، وهذا خلاف المذهب، لأن الشافعي نص على ما ذكرنا وأطلق، وهذا لأن كل واحدة منهما منفصلة باسمها وبنائها، وإن كان بدوياً يخرج من البادية، فإن لم يكن خيمة يكون فيها بل له بقعة قد نزلها، نقل المزني أنه لا يقصر حتى يفارق موضعه.
وقال الشافعي في كتاب استقبال القبلة: حتى [47 ب / 3] يجاوز البقعة التي فيها منزله، وهذا أبين وأشرح، وأراد المزني أيضاً بقعة موضعه لا نفس الموضع، وهي مواضع تردده إليها في الاحتطاب وغير ذلك على العادة، وقال عطاء والأسود والحارث بن أبي ربيعة رحمهم الله: إذا نوى السفر جاز له القصر في منزله وبلده لمجرد النية.
وقال مجاهد رحمه الله: إن سافر نهاراً لا يقصر حتى يمسي، وإذا سافر ليلاً لا يقصر حتى يصبح، وهذا غلط لما روي عن أنى رضي الله عنه أنه قال: صليت مع وسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين.
وقال علي بن ربيعة: خرجت مع علي رضي الله عنه فقصر ونحن نرى البيوت ورجعنا بقصر ونحن نرى البيوت.
واحتج عطا، بأنه لو نوى الإقامة فإنه يلزمه الإتمام في الحال، فإذا نوى الفر قصر في الحال أيضا.
إن الحارث بن أبي ربيعة أراد سفراً فصلى بهم ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله، فصار إجماعاً، قلنا: إذا نوى الإقامة وجد مع النية ما يوافقها وهو اللبث والإقامة، وإذا نوى السفر لا يوجد ما يطابقها حتى [48 أ / 3] يسير فيما جاوز البنيان فاعتبر ذلك فيها.
فرع لو كانت له خيمة وهناك خيام مجتمعة كالبيوت في القرية فحتى يفارق كلها، نص عليه في "الأم" قال: فإن كان في حاضر مجتمع فحتى يفارق ما قارب منزله، وأراد إذا كان من أهل المظال والخيام لقبائل متفرقة فلا اعتبار بالحلة، فإن كانوا يعدونها حلة واحدة فيعتبر مجاوزة جميعها، وان كانوا يعدونها حللاً مختلفة، فإذا جاوز حلت له أن يقصر: لأن الحلل هي كالقوى فإذا فارق قريته قصر وإن كان يقربها قرية أخرى لم

يجاوزها.
قال أصحابنا: وما يكون من مرافق الحلة كمطرح الذبل وموضع الطبخ، والخبز، ومتحدث النادي من جملتها لا يقصر حتى يفارقها.
وقال القفال: إذا كانوا يجتمعون للسمر ويتعين بعضهم ببعض في الحوائج، وان كانت متفرقة فهي كالمحلات في بلده.
فَرْعٌ آخرُ قال: وإن كان في عرض وادٍ فلا يقصر حتى يقطع عرفه.
قال أصحابنا: أراد به إذا كانت البيوت قصر، وان كان في عرض كان في عرض الوادي، وقال القافي الطبري: لم يشترط الشافعي ما ذكره بل أطلق وإنما قال ذلك، لأن [48 ب / 3] جانبي الوادي بمنزلة السور على البلد؛ لأنهم إنما اختاروا النزول في الوادي ليتحصنوا بجانبيه كما يتحصن أهل البلد بسورة فينبغي أن لا يقصر حتى يفارقه، ولو كان منزله في طول الوادي فإنه يقصر أيضاً إذا جاوز البيوت.
فَرْعٌ آخرُ قال: ما دام يتردد حول خيمته للارتحال وإحضار الدابة فهو كالمقيم إلا أن تستوي دابته على الطريق ذاهباً.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان على صعود في صحراء فما لم ينهبط منه لا يقصر، وان كان في هبوط فما لم يصعد لا يقصر، وعندي ليس هذا على هذا الإطلاق لأنه قد تطول المسافة بين الصحراء وبينه، فإذا فارق موضعه من أعلاه وتباعد يجوز له القصر وان لم ينزل بعد.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو خرج مسافراً، ثم ذكر شيئاً نسيه في منزله فعاد إلى بلده لأخذ ذلك الشيء، لم يكن له أن يقصر لأنه صار بعوده مقيماً، ولهذا لم يجز له أن يقصر إلا بعد مجاوزته.
فَرْعٌ آخرُ لو دخل البلد الذي قصده، وبلغ أول بنيانه أتم الصلاة.
وقال في "البويطي": لو خرج إلى الجب مبرزاً ليخرج إلى مكة في المشاة أو الركبان وكانت [49 أ / 3] نيته المقام حتى يتكامل الناس أتم حتى يرحلوا، لأن السفر يبتدأ من حيث نزل هاهنا، وإن كانت بنية المقام في الجب أقل من أربعة أيام ويسير منه مكامل الناس أو لم يتكاملوا فله القصر.
فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": لو رجع واحد ممن له القصر إلى منزله في حاجة، فحضرته الصلاة ذاهباً وجاثياً قصر، وليست المسألة على قولين بل على اختلاف حالين، فالذي قال في "الإملاء": لا يقصر إذا حصل في جوف البلد، والذي قال في "البويطي": يعني: في طريق البيت ما لم يدخل شيئاً من البلد، وفي طريقه راجعاً إذا فارق البلد فاعتبر كونه في الوطن، وقال القفال: حال ما نوى صار مقيماً في مكانه رجع أو لم

يرجع، ولو لم يرجع لا يجوز له القصر ما لم يفارق مكانه.
قال: وهكذا لو نوى الرجوع من موضع أبعد منه بعد ما لا يكون بينه وبين مبتدأ سفره مسافة قصر الصلاة، فإن سار قدر مسافة القصر ثم نوى الرجوع صار مقيماً في موضعه، لأنه ترك سفره الأول ثم عند الانصراف له القصر في الطريق، وقطع في الصيد لأني بهذا الجواب، ولم يذكر ما قال في "البويطي" والصحيح ما ذكرت من التفصيل.
[49 ب / 3]. فَرْعٌ آخرُ ذكره أصحابنا على هذا الذي سبق، وهو أنه لو سار إلى بلد بعيد يدخل في طريقه بلل أو نوى المقام فيه أربعة أيام أتم، فإن خرج منه إلى المقصد وبينه تمام الفر قصد أيضاً إذا فارق بنيان هذا البلد، فإن نسي شيئاً فعاد إلى البلد لأخذه له أن يقصر هاهنا ذاهباً وجائياً، وفي وسط البلد: لأن هذا البلد ليس بوطن له، وبلده الذي هو وطنه موضع وطنه فانقطع قصره بدخوله.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو أحرم خارجاً من البلد بنية القصر، ثم رعف فانصرف فاخل بعض المنازل لغسله، فإن قلنا: لا تبطل الصلاة وله العود والبناء لزمه الإتمام: لأنه حصل في الوطن في أثناء الصلاة، وإن قلنا: إذا رعف بطلت صلاته لم يلزمه إتمامها فاعتبر الوطن لا غير.
مسألة: قال: وإن نوى المسافر مقام أربع أتم.
وهذا كما قال متى دخل المسافر بلداً لا يخلو من أحد أمرين، إما أن ينوي المقام أو لا ينوي فإن نوى المقام فطر، فإن نوى مقام أقل من أربعة أيام فهو مسافر، وان نوى مقام أربعة أيام فهو مقيم ينقطع قصره، وهذه الأربعة هي غير يومه الذي دخل [50 أ / 3] فيه ويومه الذي خرج منه فيه، فلو دخل يوم الأحد وخرج يوم الخميس كان له القصر: لأن بين دخوله وخروجه ثلاثة أيام، وإنما ينقطع قصره إذا دخل يوم البت وخرج يوم الخميس تعمل له أربعة أيام في الوسط؛ فلو ترك بعد طلوع الفجر من يوم السبت ورحل قبل غروب الشمس من الخميس أتم فيها كلها، وبه قال عثمان وسعيد بن المسيب والليث وأحمد وإسحاق ومالك وأبو ثور رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن نوى مقام خمسة عثر يوماً مع اليوم الذي دخل فيه واليوم الذي يخرج منه بطل حكم سفره، وبه قال الثوري واختاره المزني رحمه الله، وعن ابن عمر رضي الله عنهما ثلاث روايات إحداها: هذا، والثانية: إذا نوى ثلاثة عشر يوماً أتم وفي لفظ أقلها يقصر، والثالثة: إذا نوى اثنا عشر يومأ أتم، وفي أقلها يقصر، وبه قال الأوزاعي، وقال نافع: اختلفت الروايات عن ابن عمر رضي الله عنهما

في مدة الإقامة ثم آل الأمر إلى اثني عشر.
وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما إذا نوى إقامة عثرة أيام أتم وإلا قصر وبه قال الحسن بن صالح بن حي، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: سبعة عشر يوماً، وبه قال إسحاق في رواية [50 ب / 3] وقال الليث في رواية: أكثر من خمسة عشر يوماً، وبه قال سعيد بن جبير، وقال الحسن البصري رحمه الله: إذا دخل البلد أتم، وقالت عائشة رضي الله عنها: إذا وضع المسافر رحله أتم وسواء كان في البلد أو خارجه.
وقال ربيعة: إذا نوى إقامة يوم وليلة أتم وإلا قصر، وروي عن أحمد رحمه الله أنه قال: إن نوى مقام مدة يؤدي فيها أكثر من عشرين صلاة أتم، وروي هذا عن عائشة رضي الله عنها وهو قريب من مذهبنا، وبه قال ابن المنذر، وحكي عن أنس رضي الله عنه أنه أقام بنيسابور سنتين وكان يقصر فيهما، وروى النخعي أن علقمة أقام بخوارزم سنتين وكان يقصر فيهما.
واحتج الشافعي رحمه الله عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً"، وأراد بالمهاجر الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة كان حراماً عليهم بعد ذلك أن يقيموا بمكة، فرخص لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن حج منهم أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه، ولم يرخص في أكثر من ذلك، فدل أن ما زاد يكون في حد الإقامة ولما روي أنه أقام بمنى ثلاثاً يقصر الصلاة، وبما روى [51 أ / 3] ابن عمر رضي الله عنه أجلى أهل الذمة من الحجاز وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ولو عشت لأخرجت اليهود والنصارى من جزيرة العرب"، فلم يعش إلى قابل، ولم يتفرغ لذلك بعده أبو بكر رضي الله عنه فلما آل الأمر إلى عمر رضي الله عنه، جمع من كان في جزيرة العرب وهي بلاد الحجاز مكة والمدينة والطائف ومخاليفها وأمرهم بالانجلاء منها، وضرب لمن يقدم منهم تاجراً مقام ثلاثة أيام أي قدر ولم يقدر أكثر من ذلك يدل أن ذلك مقام السفر وما جاوزه مقام الإقامة.
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بما روى مجاهد عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم بها خمسة عشر ليلة فأكمل الصلاة ولا مخالف لهما.
واحتج أحمد رحمه الله بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة صبيحة يوم الأحد وهو الرابح من ذي الحجة، وكان قد صلى الصبح قبل دخوله، فأقام بها تمام الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح بها في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى، وكان يقصر في هذه الأيام.
وصلاته [51 ب / 3] في هذه المدة عشرون صلاة؛ قلنا: أما الأول: فقد روى الشافعي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: من أجمع إقامة أربع أتم.

فتعارضا، ثم روى أبو مجلز، قال: كنت جالساً عند ابن عمر رضي الله عنهما فقلت: يا أبا عبد الرحمن أتى المدينة طالباً حاجة فأقيم بها السبعة الأشهر والثمانية، كيف أصلي؟ قال: ركعتين.
وأما ما ذكره أحمد رحمه الله: نقول به، لأن مدة إقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير يوم الدخول ويوم الخروج ثلاثة أيام، وإنما لا يعتبر يوم الدخول ويوم الخروج لأنه يشق مراعاة الزمان والساعة التي دخل فيها وخرج وضم بعضه إلى بعض، وفيه وجه آخر: أنه إذا دخل وقت الزوال يوم الجمعة ودخل وقت الزوال يوم الثلاثاء لا يقصر لأنه أربعة أيام كوامل، وهذا خلاف النص، وإن لم ينو الإقامة أصلاً ولكنه دخل لينجز حاجته كالبيع والشراء، أو سرع حديث أو لعلة لحقته حتى يبرأ، ويحصل مراده في اليوم واليومين، وربما طال فله أن يقصر ما لم يتصل مقامه أربعة أيام كاملة على ما بينا، ويستحب له فيه القصر على ما ذكرنا في السفر السائر، وإن زاد على هذا بعد نقل المزني أنه يتم وإن قصر أعاد [52 أ / 3]. وقال في "الإملاء": وإن دخل بلداً لحاجة فيحج في اليوم واليومين فاستأخر كان له القصر ما لم يجمع مكثاً أو يبلغ مقامه مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بهوازن وذلك سبع عشرة ليلة ~ن زاد عليه أتم، وقال في استقبال القبلة من "الأم": فإن جاوز أربعاً أحببت له أن يتم، فإن لم يتم أعاد ما صلى بالقصر بعد أربع، ولو قيل الحرب وغير الحرب سواء في هذا كان مذهباً.
فاستحب الشافعي رحمه الله الإتمام.
وقوله: إنما يريد به مستحباً؛ لأنه نص على أن الإتمام مستحب وقال فيه: ومن قصر كما يقصر في خوف الحرب لم يبن لي أن عليه الإعادة، فإن اخترت ما وصفت، واختلف أصحابنا في هذا فقال أبو إسحاق وغيره: بعد الأربعة إلى ثمانية عشر يوماً قولان أحدهما: لا يجوز له القصر، لأنه لو نوى مقام أربعة أيام لزمه الإتمام، فإذا أقام أربعة من غير نية الإقامة أولى أن يلزمه الإتمام؛ لأن فعل المقام هو آكد من نيته، والثاني: يجوز له القصر ما لم ينو مقام أربعة أيام، أو يجاوز سبعة عشر يوماً والثاني يقصر أبداً، فأما القصر إلى سبعة عشر يوماً فإنه يجوز قولاً واحداً وهذا أصح، ولا يصح الطريقة الأولى، لأن الشافعي [52 ب / 3] رحمه الله بين في "الأم": أن إعادة الصلاة إذا قصرها بعد الأربعة هي استحباب وأنه إذا استحب الإتمام، فإذا لم يتم تكون الإعادة مستحبة أيضاً، ونص أنه والمحارب سواء لا فرق بينهما والمزني رحمه الله اختصر كلام الشافعي وأخل به وأورث شبهة، ونقل عن "الإملاء" أنه يقصر ما لم يجمع مكثاً، ولم يقتصر الشافعي على هذا، بل قال: أو يجاوز مقامه مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينقله المزني.
وقال أبو حامد: أسقط المزني قول الشافعي: أحببت أن يتم فنقل أنه يتم، ومن أصحابنا من قال: ما نقل المزني صحيح وذكر في موضع آخر في كتاب استقبال القبلة

من "الأم": أنه إذا كان محارباً أو خائفاً مقيماً في موضع سفر قصر ثمانية عشر، فإذا جاوزها أتم، وإذاً كان غير خائف قصر أربعة فإذا جاوزها أتم، وهذا مثل ما نقله المزني، ويحتمل أن يكون قوله في "الأم": أحببت خطأ القلم من أوجبت، لأنه في الموضع الذي يستحب القصر لا يأمر بالإعادة إذا أتم فعلى هذا لا يقصر فيما زاد على الأربعة قولا واحداً، أو هذا ضعيف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يقل الشافعي يقصر أبداً كما في الحرب في أحد القولين بل أراد أن [53 أ / 3] الحرب كالأمن في أن لا يزيد فيها القصر على أربعة أيام، فهو يشبه الحرب بالأمن لا الأمن بالحرب، واحتجاج المزني رحمه الله بما روى ابن عمر رضي الله عنهما في أذربيجان أنه يقصر أبداً غلط، لأن أذربيجان هي بلاد كثيرة، فيجوز أن يكون أقام في كل بلد منها دون مدة المقام، وهكذا الجواب إن احتج بما روي أن مسور بن مخرمة أقام بفارس سنتين يقصر الصلاة، وهذا غلط لما ذكرنا من النص الصريح.
وقيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يقصر أبداً وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: يقصر إلى سبعة عشر.
والثالث: لا يقصر فيما زاد على الأربعة بحال.
فأما إذا تيقن أنه لا تنتجز حاجته في أقل من أربعة أيام لا يجوز له القصر عندنا قولاً واحداً، وأما المحارب وهو من كان مقيماً على حرب أو مستعداً للحرب أو خائفاً من حرب، فلا يخلو إما أن ينوي مقاماً معلوماً أو لا ينوي، فإن نوى مقاماً مدة معلومة، فإن قصرت عن أربعة كان له القصر كالتاجر سواء: وقال في "القديم": فيه قولان أحدهما: هذا، والثاني: له القصر أبدأ وبه قال أبو حنيفة _ رحمه الله _، وهو اختيار المزني رحمه [53 ب / 3] الله لأن المحارب لا تصح نيته وعزمه لأنه مقيم على الحرب فربما هزم وربما هزم ولا اختيار له في ذلك، وروي أن رجلاً سأل ابن عباس فقال: إنا نقرأ ببلاد خراسان فنقيم في الموضع الشهر والشهرين، أفأقصر الصلاة؟ فقال: اقصر ولو إلى عشر سنين.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر أربعين يوماً يصلي ركعتين، وظاهر المذهب الأول؛ لأنه نوى مقام أربعة أيام، وما ذكروا من التجويز يجوز أيضاً في حق من أقام على نجز حاجة من غير حرب، وان لم ينو مقاماً ولكنه يتوقع انقضاء الحرب ويريد الانصراف متى ينقضي، فله القصر إلى سبعة عشر يوماً، أو ثمانية عشر يومأ: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام هذه المدة بمكة عام الفتح مستعداً لحرب هوزان يقصر، وقد اختلفت الأخبار في هذا، فروى أنس رضي الله عنه أنه أقام عشرة أيام، وروى عمران بن حصين رضي الله عنه أنه أقام سبعة عشر، وروى ابن عباس رضي الله عنهما

أنه أقام ثمانية عشر، وروى جابر رضي الله عنه عشرين يوماً، ولم يصحح الشافعي رحمه الله خبر أنس، والأصح أنه كان [54 أ / 3] ثمانية عشر يوماً، وجابر رضي الله عنه حسب فيه يوم الدخول ويوم الخروج فصار عشرين يوماً، فإن زاد على ذلك نص في "الأم" على قولين، وقال فيه القول الأول أولى أن لا يقصر زيادة على ما ذكرنا، وهذا لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحرب هوزان ثمانية عشر يوماً يقصر الصلاة، فمن أقام أكثر من ذلك فليتم، واختار المزني القول الثاني، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أقوال أيضاً على ما ذكرنا وهو ضعيف بعيد، فإذا تقرر هذا فاعلم أن في هذا الفصل إشكالاً وهو أن الشافعي جعل أربعة أيام في مباشرة الإقامة حداً لجواز القصر فيها حين قال: فإذا جاوز أربعة أتم، وقيل: هذا بعد أربعة بنية الإقامة حداً لوجوب الإتمام، فيحتاج إلى الجمع بين هذين النصين لئلاً يتناقضا.
ووجه الجمع ما ذكره القفال رحمه الله، وهو أنه أراد بذكر أربعة أيام في مباشرة الإقامة مع يومي الدخول والخروج، وأما في نية الإقامة أراد فيه مقام أربعة أيام سوى يوم الدخول والخروج فهما متفقان من هذا الوجه [54 ب / 3]. فرع لو نوى أن يقيم في بلد يوماً، ونوى أنه إن بقي فيه ثلاثاً أقام أربعة أيام فإنه يقصر في ذلك اليوم حتى يلقاه؟ لأنه قبل أن يلقاه لم يحصل منه نية مقام أربعة أيام ولا فعله، فإذا لقيه لم يجز له القصر، وكذلك لو نوى الخروج إلى سفر طويل، ثم بعل مفارقة العمران قال: إن لقيت فلاناً انصرفت فلما لم تلقه لا تنقطع رخصته، فإذا لقيه صار كالمقيم في موضعه بنيته السابقة، وقال القفال رحمه الله: وكذلك لو قال: إن دخلت بلدة في وسط الطريق أقمت هناك أربعة أيام، فما لم يدخلها لا يصير مقيماً، وإن كان من بلده إلى هناك أقل من مسافة القصر.
وقيل فيه وجهان: وليس بشيء فإنه خلاف المنصوص.
ولو خرج في الابتداء يريد لقاء فلان أو أتى عبداً له أو ضالة ببلد يقصر فيه الصلاة، فقال: إن تنجزت الحاجة دون البلد رجعت، لم يكن له القصر حتى تكون نيته بلوغ البلد الذي يقصر فيه الصلاة، أو تيقن أنه لا تنتجز حاجته ما لم يخرج ستة عشر فرسخاً، وهذا لأنه لم يقطع بنيته سفراً يستباح فيه القصر فتفرق بين الابتداء والانتهاء في هذه النية نص عليه، ولو [55 أ / 3] أقام في بلد أربعة بعده على ما بينا.
فرع لو قصد السفر إلى البلد الذي فيه العبد الآبق، وهي مسافة القصر، ثم في أثناء الطريق قال: إن استقبلني العبد في الطريق رجعت، فإلى وقت تغيير النية له أن يقصر

وبعد تغيير النية، هل له أن يقصرها؟ فيه وجهان كما ذكرنا فيمن أنشأ سفراً مباحاً، ثم أحدث نية المعصية.
فرع الأسير في أيدي الكفار إذا سافر معهم، فإن كان يعرف مقصدهم وقصد الخروج معهم إلى مقصدهم له أن يترخص، وإن كان على عزم الانصراف متى قدر على التخلص فلا يترخص، وإن كان لا يعرف مقصدهم ففي الحال لا يترخص، فإذا ساروا به أكثر من مرحلتين.
حكي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: له أن يقصر لأنه تيقن طول سفره، وقال: العبد الآبق إذا قصد رده أنه لا يترخص، لأن القصد في الابتداء ما وجد.
قال أصحابنا: فتكون المسألتان على قولين، ونظيره ما لو باع مال أبيه على تقديم أنه حي وكان ميتاً هل يجوز؟ فيه قولان.
فَرْعٌ آخرُ لو سافر من مكة إلى المدينة وله فيما بين مكة والمدينة مال أو ماشية فنزل لشيء من ماله كان له أن يقصر ما لم [55 ب / 3] يجمع مقام أربعة أيام وكذلك إن كان له ذو قرابة أو أصهاراً وزوجة، ولم ينو المقام قصر إن شاء، نص عليه في "الأم" خلافاً لأبي حنيفة، واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحج وأصحابه معه ونزلوا مكة في دورهم وعلى أقاربهم وكانوا يقصرون الصلاة، وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما حج قصر هذا.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو خرج من بلده يريد بلداً والمقام فيه أربعة أيام فصاعداً، ثم الخروج منه إلى بلد أخر فهما مفران مختلفان، فإن كان كل واحد منهما يقصر فيه الصلاة قصر، وان كان لا يقصر في واحد منهما الصلاة لم يقصر، وإن كان يقصر في إحداهما دون الآخر قصر فيما يقصر ولم يقصر فيما لا تقصر، ولو رجع من البلد الأقصى إلى بلا كان بينهما أو بلدة فإن لم يكن إليه مسافة القصر أتم وإلا قصر.
فَرْعٌ آخرُ لو أقام في المراسي في البحر، وهي: المواضع التي تحبس فيها السفن أو الجزائر فهي كالمقام في البر لا تختلف، فإن أزمع مقام أربعة أتم، وإن لم يزمع قصر على ما بيناه.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو حبسه الريح في البحر ولم يزمع مقام أربعة إلا ليجد السبيل إلى الخروج [56 أ / 3] بالريح، قصر ما بينه وبين الأربعة، فإذا مضت أربعة كما وصفت في

الاختيار، وإذا أتيت به مسيرة قصر يعني سار إلى مكانه الذي قصده، وإن ردته الريح إلى ذلك المكان فهو على القصر ما لم يجمع مقام أربعة، وهذا يدل على أنه لو نوى هناك مقام أربعة انقطع القصر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا نوى الإقامة في موضع لا يصلح للإقامة كالبحر والمفازة هل يصر مقيماً؟ قولان كما لو نوى الإقامة في الحرب.
وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يصير مقيماً وهذا غلط عندي؟ لأن الخبر ورد في الحرب دون هذا، ولأن هناك هو على الخطر من الإقامة فإنه ربما يغلبه العدو فيطرده فلا تتحقق الإقامة وهذا لا يوجد في غير الحرب.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو كان الرجل مالكاً للسفينة وفيها منزله وأهله وأولاده معه، أو لا أهل معه فيها، فأحب إلي أن يتم، وان كان الأحب للمسافر القصر، لأن هذا يسير، ومنزله معه يسير، فإن قصر جاز، وهو فيها كالغريب يتكاراها لا يختلفان.
وقال أحمد رحمه الله: لا يجوز له القصر، لأنه مقيم فيمكنه وماله وهذا غلط للظواهر الواردة في القصر، ولأن كون أهله [56 ب / 3] وماله معه لا يمنع الترخص كالجمال.
فَرْعٌ آخرُ قال: ولو كان الرجل من أهل البادية لا مال له ولا دار يصير إليها، وإنما هو سيارة تتبع مواقع القطر، فكلما شام برقاً انتجعه، فإن استيقين أنه بينهما ما تقصر فيه الصلاة وكانت نيته أنه إن مر بموضع مخصب أو موافق له في النزول أن ينزل لم يقصر.
فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": لو خرجوا من البلد وأقاموا في موضع حتى يجتمعوا أو يخرجوا، لم يجز لهم القصر لأنهم قطعوا بالسفر.
فَرْعٌ آخرُ لو كان على مسافة تقصر الصلاة بينها إلى مكة فخرج حاجاً كان له القصر حتى يدخلها، فإذا دخل ولم ينو المقام بها قصر أيضاً، وإن نوى مقام أربعة أتم، ثم إذا خرج منها إلى عرفة يريد قضاء النسك نظر، فإن نوى مقام أربعة إذا رجع أتم بعرفة ومنى، وإن لم ينو المقام إلى أن يرجع من حيث جاء فله القصر، فإن قيل: عندكم من سافر إلى بلد تقصر الصلاة إليه فدخل بنيان ذلك البلد انقطع القصر، وقد سافر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة وقدمها فلم يزل يقصر فيها.
قلنا: كان قصده - صلى الله عليه وسلم - قضاء النسك لا المقام لها فدخل مكة اليوم الرابع من [57 أ / 3] ذي الحجة، وخرج إلى منى اليوم الثامن وحج، وعاد إلى منى اليوم العاشر، فأقام بها ثلاثاً، ثم قدم قاصداً مكة ليلة الرابع فنزل بالمخصب، ثم دخل مكة وطاف وانصرف فما أقام بها مدة لا يقصر فيها الصلاة، فهو بمنزلة ما لو خرج إلى بلد في رسالة، فإن له القصر حتى يعود وليس عليه

الإتمام بوصوله إلى ذلك البلد.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو خرج إلى مكة والياً عليها وعلى الحج قصر حتى ينتهي إلى مكة، ثم أتم بها وبعرفة ومنى، لأنه انتهى إلى بلدة مقامه ما لم يعزل، فإذا عزل لم يقصر حتى يخرج منها مسافراً.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو ولي بلاداً كثيرة ونيته المقام ببلدة منها كان له القصر في كل بلد دخله من ولايته ما لم ينو المقام فيه، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج في أسفاره ويمر ببلاد الإسلام وأهلها وأهل طاعته فما أتم في شيء منها.
فَرْعٌ آخرُ لو خرج من مكة يريد المدينة فنوى المقام بعسفان أو عدل عنها إلى موضح يقيم فيه أو يتعرف الأخبار فيه، كان كمن هو من أهل عسفان؟ لأنه قد قطع سفره الأول، فإلى أي موضع سافر من عسفان راجعاً إلى مكة أو غيرها، فإن كان [57 ب / 3] سفراً يقصر فيه الصلاة قصر وإلا أتم.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو نوى مقام أربعة في موضع ومعه من نوى هذه النية غير أن مذهبه أن يقصر مع هذه النية.
قال في "الإملاء": كرهت له أن يأتم بهذا الذي لا يتم، فإن خالف وائتم به نظر، فإن أتم إمامه فذاك، وان سلم من اثنتين قام هو فأتم أربعاً، وهذا لأنه محكوم بجواز صلاته خلفه، قلت: لا شك أنه ينوي القصر عند إحرامه، وعندنا من نوى القصر وليس له القصر تبطل صلاته فلا تجوز الصلاة خلفه على قياس قول الشافعي، ويمكن أن يقال: إذا جاز هاهنا تجوز الصلاة خلف الحنفي، وإن ترك الأركان؛ لأنه محكوم بجواز صلاته في نفسه ويمكن أن يقال: إذا نوى القصر لا تبطل صلاته بل تنعقد نفلاً على وجه، فحينئذ تجوز الصلاة خلفه وهذا أشبه.
مسألة: قال: وإن خرج في أخر وقت الصلاة قصر.
الفصل وهذا كما قال.
الكلام الآن في وقت إنشاء السفر، وفيه ست مسائل: أحدها: أن يسافر قبل الزوال، ثم زالت الشمس وهو في السفر.
والثانية: أن يسافر بعد الزوال نظر، فإن [58 أ / 3] كان القدر الذي مضى من الوقت، ما يصلي فيه أربع ركعات قصر.
وقال المزني رحمه الله لا يقصر لأن الشافعي رحمه الله، قال: إن أمكنت امرأة الصلاة فلم تصل حتى حاضت لزمتها، وهذا لأن الصلاة عنده تجب بأول الوقت والإمكان فهذا أشبه بقوله: قلنا خرج ابن سريج رحمه الله هاهنا وجهاً أنها تسقط بالحيض أيضاً.

وقال بعض أصحابنا بخراسان: في كلتا المسألتين، قولان وهذا غلط، والجواب أنا لا نقول إن الصلاة تجب بأول الوقت من حيث لا تأثير لآخره في الوجوب، بل الصلاة تجب بقدر ما أدرك من الوقت، فإن أدرك الأول دون الآخر وجبت بالأول، وإن أدرك الآخر دون الأول وجبت بالآخر، وان أدرك جميع الوقت، فالوجوب وفق الأول فلا يؤدي الصلاة في جز، من أجزاء الوقت إلا وقد أداها في وقت وجوبها، فيصير قاضياً إذا أداها، فبان صحة ما قلناه؛ وأيضاً بالسفر يتعلق تخفيف الفرض دون إسقاطه، فإذا حققنا عنه بعد لمكان فعلها لعارض السفر لم يؤد ذلك إلى إخلاء أول الوقت من الوجوب، وإذا أسقطنا لعارض الحيض أو الجنون أدى [58 ب / 3] إلى إخلاء أول الوقت من الوجوب.
وقال القفال رحمه الله: هذا شيء يختاره المزني على أصل الشافعي لأن مذهبه أنه لو فاتته صلاة في الحضر، ثم أداها في السفر، فإنه يقصر فاعتبر وقت القضاء وهذا هو مذهب تفرد به، وفي هذا عندي نظر.
والثالثة: أن يسافر وقد بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات يجوز له القصر أيضاً.
وقال المزني وأبو الطيب بن سلمة رحمهما الله صاحب بن سريج: لا يجوز له القصر؛ لأنه قد تعين صلاة الحضر، وهذا غلط؟ لأنه لم يتضيق وقتها في حال الإقامة، فإذا لم يتضيق لم يتعين فعلها مقيماً فجاز له القصر.
والرابعة: أن يسافر وقد بقي من الوقت ما لا يمكنه أن يصلي فيه أربع ركعات.
نص الشافعي في "الإملاء" في هذه المسألة أن له القصر حكاه القافي الطبري، وقال القاضي أبو علي البندنيجي: نص عليه في "الأم" في باب تفريع السفر.
وقال في "الحاوي": المنصوص في غير "الإملاء"، وبه قال عامة أصحابنا إنه لا يقصرها لعدم الأداء في جميعها ففي المسألة قولان، واختيار أبي إسحاق أنه لا يقصر، واختيار ابن خيران أنه [59 أ / 3] يقصر واستدل بأن الصلاة قد تجب بآخر الوقت في أصحاب العذر كوجوبها في أوله، فاقتضى أن يستويان في جواز القصر، وهذا مبني في الحقيقة على أنه يكون مؤدياً لكلها ومؤدياً لبعضها قاضياً لبعضها وقد بينا هذا فيما مضى، وظاهر المذهب ما ذكره ابن خيران.
والخامسة: أن يسافر وقد بقي من الوقت ما يصلي فيه ركعتين، فالمذهب أن المسألة على قولين.
وحكى الداركي عن أبي هريرة أنه يجوز له القصر هاهنا قولاً واحداً، لأنه إذا قصرها أدى جميع الصلاة في وقتها، وهذا غلط لما بيناه.
والسادسة: أنه يسافر وقد بقي من الوقت مقدار تكبيرة وما دون ركعة يلزمه الإتمام بلا خلاف.
مسألة: قال: وليس له أن يصلي ركعتين في السفر إلا أن ينوي القصر مع الإحرام.

وهذا كما قال.
قصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: صلاة المسافر ركعتان ولا حاجة إلى نية القصر، لأنه عزيمة وعندنا رخصة لا تثبت له إلا بالنية، وأصل فرضه أربع، ثم احتج على أن أصل فرضه أربعء فإنه لو كان فرضه ركعتين ما صلى مسافر خلف مقيم يعني أربعاً، وذكره الشافعي وأسقط المزني، ثم اعترض عليه المزني وقال: ليس [59 ب / 3] هذا بحجة وكيف يكون حجة وهو يجيز صلاة فريضة خلف نافلة وليست النافلة فريضة ولا بعض فريضة وركعتا المسافر فرض، وفي الأربع مثل الركعتين فرض فالجواب عن هذا الاعتراض من وجهين: أحدهما: أن الخلل وقع من الاختصار، لأن الشافعي رحمه الله قال: ما صلى أربعاً وأراد أن ركعات الصلاة في الأمل لا تزيد بسبب الاقتداء فلما، أجمعنا أن المسافر يصلي خلفه المقيم أربعاً دل ذلك أن أصل فرضه أربع وهذا دليل قوي.
والثاني: أن الشافعي رحمه الله ألزمه على أصل أبي حنيفة رحمه الله أن اختلاف صلاتي المأموم والإمام تمنع صحة الاقتداء، ثم لم يمنع في هذا الموضع فدل أن أصل صلاتهما واحد.
وقال المزني رحمه الله: نية القصر شرط ولكن يجوز في أثنائها، ولو نوى مع سلامه جاز، وان سلم غير ناو كمن ملم في صلاته ساهياً فتم.
وهذا غلط، لأن كل صلاة تفتقر إلى النية فمحل تلك النية الإحرام.
وقال المزني: يجوز له القصر، وان نوى الإتمام كما جاز له أن يفطر، وإن نوى الصوم وهذا غلط، لأن الفطر مضمون بالقضاء فلم يتحتم الصوم بدخوله [60 أ / 3] فيه بخلاف القصر.
وقال الشعبي وطاوس رحمهما الله: لا يلزم الإتمام بالصلاة خلف مقيم، وبه قال إسحاق، وقال مالك رحمه الله: إن نوى الإمام والمأموم القصر ثم نوى الإمام الإقامة أو الإتمام لا يلزم المأموم الإتمام وهذا غلط؛ لأنه مؤتم بمتم فلا يجوز له القصر، كما لو نوى الجمعة خلف من يصلي الظهر.
فرع لو أراد أن يصلي الظهر قصراً خلف من يصلي الجمعة لم يكن له ذلك، لأنه مؤتم بمقيم نص عليه في "الإملاء".
فَرْعٌ آخرُ لو فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر، وقلنا له: قصرها في قول فأراد أن يؤديها خلف من يصلي الصبح قصراً لا يجوز؛ لأنه مؤتم بمقيم.
ولو صلى مسافر بأهل البلد الجمعة فدخل معه مسافر ينوي صلاة الظهر قصراً لم يجز وعليه الإتمام؛ لأن

الإمام وإن كان مسافراً إلا أنه يصلي صلاة المقيم.
جملته أن كل من ائتم بمقيم أو يتم لا يجوز له القصر.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجه آخر يجوز إذا قلنا: الجمعة هي ظهر مقصور، وهذا غلط ظاهر.
فَرْعٌ آخرُ لو نوى الإتمام، ثم خرج منها لم يجز له القصر بعده خلافاً للمغربي، وكذلك [60 ب / 3] إذا أحرم مطلقاً ثم أفسدها لأنه التزم الأربع فلا يسقط بعده.
فَرْعٌ آخرُ لو شك أنه نوى عند افتتاحها الإتمام أو القصر فعليه الإتمام، لأنه شك في شرط الجواز والأصل عدمه، فإن تذكر بعده أنه نوى القصر فعليه الإتمام أيضا، لأنه وجب عليه الإتمام في حال فلا يجوز القصر بعده بحال.
فَرْعٌ آخرُ لو جهل رجل القصر فقصر ظناً أن ليس له ذلك أعاد كل صلاة تامة قصرها؛ لأنه صلى ركعتين وعنده أن ذلك لا يجزيه، ولو أتم في السفر وهو جاهل بالقصر فلا إشكال أنه يجوز.
فَرْعٌ آخرُ أنه لو أدرك تكبيرة من صلاة المقيم أتمها أربعاً، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي وأحمد وداود رحمهم الله، وقال مالك: إذا أدرك ركعة من صلاته أتمها، وإلا قصر، وهذا غلط لما روي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا: إذا دخل المسافر في صلاة المقيمين صلى بصلاتهم، وروي أنه سئل ابن عباس فقيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة وهذا بمنزلة الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأن [61 أ / 3] هذه الصلاة مردودة من الأربع فلا يصليها خلفه من يصلي الأربع كالجمعة، واحتج مالك رحمه الله بأن من أدرك دون الركعة هن الجمعة لا تصح جمعته كذلك هاهنا قلنا: لأن بذاك يرجع من أربح إلى ركعتين فلا يحصل له بدون ذلك وهاهنا خلافه.
مسألة: قال: وإن نسي صلاة وهو في سفر فذكرها في حضر.
الفصل وهذا كما قال: إذا ترك صلاة حتى خرج وقتها لا يخلو إما أن يكون تركها في حضر فذكرها في حضر، أو تركها في سفر فذكرها في سفر، فأما إذا تركها في الحضر فذكرها في الحضر، فإنه يأتي بها تامة سواء تخلل بين الوقتين سفر أو لم يتخلل؛ لأن

العذر لم يوجد في وقت استقرارها ولا أدائها.
وأما إذا تركها في السفر تذكرها في الحضر فقال في "القديم" و "الإملاء": يجوز له قصرها، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري إلا أنهم قالوا: يتحتم عليه القصر، وعندنا على هذا القول هو بالخيار بين القصر والإتمام، وروي هذا عن الحسن وحماد، وهذا لأن القضاء معتبر بالأداء ويجزيه في الأداء ركعتان فكذلك في القضاء.
وقال في "الأم": لا يجوز له قصرها وبه قال [61 ب / 3] الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والمزني رحمهم الله: لأن القصر رخصة، فإذا زال السفر قبل الترخص بطلت الرخصة كما لو قدم قبل أن يفطر، وأما ما ذكر القائل الأول فإنه تبطل بالجمعة إذا تركها لا يؤديها ركعتين.
وأما إذا شرطها في الحضر، ثم ذكرها في السفر فإنه يأتي بها تامة: لأن صلاة الحضر قد استقرت في ذمته بفوات وقتها في الحضر فلا يجوز إسقاط شيء منها.
وروى الأشعث عن الحسن البصري: أن الاعتبار فيها بحالة الفصل فيصلي ركعتين، وروى يونس عنه أن الاعتبار بحال الترك.
وقال القاضي الطبري رحمه الله: رأيت للمزني في مسائله المعتبرة على الشافعي رحمه الله أنه نقص، واحتج عليه بأنه لو ترك صلاة وهو صحيح، ثم ذكرها وهو مريض بأنه يصلي صلاة المريض قاعداً كذلك هاهنا، ولأنه لو أفطر في رمضان، ثم شرع في قضائه في السفر فهو بالخيار إن شاء أتم وان شاء أفطر فكذلك هاهنا.
قلنا: أما الأول نصفه الفصل يخالف عدد الركعات، لأنها تسقط بالعجز والعدد يسقط رخصته لا بالعجز، ولم يوجد سبب الرخصة وقت الاستقرار، ولأنه [62 أ / 3] إذا لم يأت بها على حسب حاله مريضاً أدى إلى تأخيرها وفي ذلك تقرير بها، وهاهنا الإتمام ممكن في الحال، وأما ما ذكر ثانياً، قلنا: قال أبو إسحاق: إن ترك الصوم في الحضر بلا عذر، ثم أراد قضاءه في السفر انحتم عليه، لأن الأصل في الحضر كان منحتما فكذلك القضاء، وان كان تركه للعذر ثم أراد أن يقضيه في السفر كان له الخيار في القضاء إن شاء أتم، وعلى هذا أكثر أصحابنا، ومن أصحابنا من قال: تثبت له رخصة الإفطار في القضاء سواء كان أفطر لعذر، أو لغير عذر، والفرق أن الصوم يتركه إلى بدل بخلاف الركعتين فإنه يتركهما لا إلى بدل، وكان أغلظ، ولهذا يقول: إذا أصبح في السفر ناوياً للصوم، ثم أراد الفطر له ذلك، ولو أحرم بالصلاة ينوي الإتمام ثم أراد القصر ليس له ذلك فإن قيل: أليس من وجبت عليه الكفارة ثم اعتبر جاز له العدول إلى الصوم اعتباراً بحالة الأداء، يقولوا: مثله هناء قلنا: لا نسلم على أحد الأقوال، وإن سلمنا فلأن الكفارة لا تقضى بل تؤدى أبدأ أو هاهنا بخلافه، وأيضاً فإن ملك حالة عجز فهي بمنزلة المريض في [62 ب / 3] حالة القضاء بخلاف هذا، فأما إذا

تركها في السفر، ثم ذكرها في السفر هذا السفر أو غيره.
قال في "الإملاء" و"القديم": له القصر وهو الصحيح عندي، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها صلاة تؤدى وتقضى، فكان قضاؤها مثل أدائها كالصبح، وأيضاً هذا تخفيف تعلق بعذر والعذر باق فكان التخفيف باقياً، كالقعود في صلاة المريض، وقال في "الأم": ليس له القصر، لأنها صلاة ردت إلى ركعتين فكان من شرطها الوقت كالجمعة، وهذا اختيار مشايخ خراسان، قالوا: وهذا ظاهر المذهب؛ لأن الشافعي رحمه الله علل بأن علة القصر الوقت والسفر، وقال أبو حامد: لا أعرف هذا القول وليس كذلك لأن المسألة مشهورة بالقولين.
فرع لو تخلل الحضر بين السفرين، فإن قلنا في المسألة الأولى: إنه لا يقصر فهاهنا أولى، وان قلنا هناك يقصر فهاهنا وجهان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هاهنا لا يقصر قولاً واحداً، لأن في كل حالة عليه تكليف القضاء، فإذا لم يقض صار كأنه تركها في تلك الحالة، ولو تركها في الإقامة ثم سافر أتم، وهذا كما لو غصب شيئاً قيمته ألف فبلغت قيمته ألفين ثم [63 أ / 3] تلف يلزم ألفان، لأنه مخاطب في كل حالة برد المغصوب، فكأنه غصبه في تلك الحالة وهذا أقيس، والمسألة مشهورة بالقولين هاهنا أيضاً من غير فرق.
فرع لو سافر وقد بقي من الوقت ما يصلي فيه يجوز له القصر، فلو لم يصل حتى خرج هل له القصر؟ فيه قولان: بناء على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يصل في السفر في وقتها حتى دخل الحضر وبقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه وجب عليه الإتمام بلا خلاف، ولا يكون بمنزلة فوات الصلاة وكذلك إذا بقي من وقتها مقدار ركعة في الحضر، ولم يصل حتى فات وقتها.
فَرْعٌ آخرُ لو أخر المسافر صلاة الظهر إلى وقت العصر بنية الجمع كان له أن يقصرهما في وقت القصر قولاً واحداً، لأن وقت القصر وقت الظهر في السفر وهو مؤد للصلاتين فيه، وإن أخرها من غير نية الجمع ففي القصر الظهر قولان؛ لأنه يصير بترك نية الجمع قافيا عامياً.
مسألة: قال: وإن أحرم ينوي القصر، ثم نوى المقام أتم أربعاً ومن خلفه من المسافرين.

وهذا كما قال: هذه صورة صلاة يكون في ابتدائها مسافراً وفي آخرها مقيماً، فإذا أحرم [63 ب / 3] بالصلاة بنية القصر، ثم نوى في الصلاة أن يقيم في ذلك الموضع أربعة أيام فصاعداً لم يجز له القصر، لأنه اجتمع له المقام مع النية، فإن قيل: أليس لو كان مقيماً فنوى السفر لا يصير مسافراً بمجرد النية فيجب أن لا يصر مقيماً لمجرد النية؟ قلنا: الفرق هو أن نية الإقامة قد وجدت مع نقل الإقامة وهو اللبث، ونية السفر لم توجد مع السفر، ولو نوى السفر وسار مع النية صار مسافراً، ووزانه من مسألتنا أن ينوي الإقامة وهو سائر في سفره غير ماكث لا يصير مقيماً، ونظير هذه المسألة إذا نوى القينة في مال التجارة يصير للقينة، ولو نوى التجارة في مال القينة فإنه لا يصير للتجارة ما لم يتجر، فإن قيل: ألا قلتم وجود الإقامة في أثناء الصلاة لا يوجب إتمامها حيث مع الدخول فيها مقصورة، كما قلتم في المتيمم: إذا رأى الماء في صلاته لا تبطل صلاته.
قلنا: الفرق هو أن المتيمم وجب عليه الدخول في الصلاة عند عدم الماء وهذا رخص له، فإذا زال سبب الرخصة سقطتء ولأن المتيمم إذا وجب عليه استعمال الماء بطل ما عمله بالتيمم، وها هنا يتمم الصلاة ويبني على ما فعله.
وقال مالك رحمه [64 أ / 3] الله: لا يبني عليها فإن كان قد صلى ركعة بسجدتيها أتمها ركعتين نافلة ويستأنف الفريضة، وهذا غلط؛ لأنهما صلاة واحدة ولا تختلف بينهما إلا من جهة العدد، فإذا نواها ركعتين جاز له أن يجعلها أربعاً كالنافلة، وإن كان إماماً وخلفه مسافرون في هذه المسألة يلزمهم أن يتموا أيضاً، وإذا أرادوا الإتمام بنوا على ما فعلوا ولا تبطل صلاتهم وقد ذكرنا عن مالك أنه قال: هم يقصرون، وكذلك لو نوى الإتمام فإنه يلزمه الإتمام وعليهم أن يتموا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقصر هو ويقصرون لأنه لا تأثير لنية الإتمام عنده في الصلاة في السفر، فإن قيل: أليس لو نوى الإتمام لا يجوز له القصر بعده، فكذلك إذا نوى القصر لا يجوز له الإتمام؟ قلنا: لأنه إذا نوى الإتمام ترك الترخص، ونوى الصلاة الكاملة وهاهنا نوى الترخص، ثم ترك الرخصة والتزم التامة فلا يجوز له النقصان.
فرع لو أحرم مسافراً بصلاة نوى القصر فيها فصلى أربعاً تجزيه ويسجد للسهو [64 ب / 3] ولو تعمد ذلك بنية الإتمام لم يجد، وهذا فرع غريب! لأن الزيادة التي توجب سجدة السهو إذا تعمدها أفسدت الصلاة، وهاهنا السهو يوجب السجود والعمد لا يبطل.
وقال بعض أصحاب مالك: لا تجزيه لأن هذا السهو عمل كثير، وهذا غلط لأن هذا من جنس الصلاة فلا يبطلها كما لو صلى خامسة.
فَرْعٌ آخرُ لو نوى القصر، ثم صلى أربعاً عامداً من غير نية الإتمام بطلت صلاته كمن صلى الصبح أربعاً عامداً.

فرع لو سهى فصلى أربعاً، فلما بلغ أخر صلاته تذكر فعليه أن يلغي الزيادة ويرجع إلى تشهد الركعة الثانية، ويسجد للسهو.
فلو قال في نفسه: كان لي أن أتم جميع ما فعلت محسوباً، قلنا: عليك أن تقوم فتصلي ركعتين أخرتين؛ لأن الوسطين لغو وأنت قد نويت الإتمام قبل السلام، ولم يكن حصل لك محسوباً إلا ركعتان فزد ركعتين واسجد للسهو.
مسألة: قال: ولو أحرم في مركبٍ ثم نوى السفر لم يكن له أن يقصر.
وهذا كما قال، وأراد بالمركب السفينة، ولا يتصور السفر في خلال الصلاة الآن [65 أ / 3] من هذا الوجه، لأنه بمجرد النية لا يصير مسافراً كما يصير لمجرد النية مقيماً، فإذا أحرم فيها والفينة قائمة، ثم نوى السفر وسارت السفينة لا يجوز له القصر؛ لأن العبادة إذا اشترك فيها السفر والإقامة ابتنى حكمها على الإقامة، وهكذا لو أحرم بها وهو مسافر بنية القصر ثم دخل المركب البلد الذي يريده قبل أن يفرغ من الصلاة.
مسألة: قال: "وإن أحرم خلف مقيم أو خلف من لا يدري فأحدث الإمام كان على المسافر خلف المقيم يلزمه إتمام الصلاة".
ولو صلى خلف من لا يدري أهو مسافر أو مقيم يلزمه الإتمام أيضاً؛ لأن الأصل الإقامة والسفر طارئ، ثم إذا تبعه وكان الإمام مسافراً وقد نوى القصر فسلم عن ركعتين قام هو وأتم صلاته أربعاً، ولو علم أن الإمام مسافراً ولكنه شك هل نوى القصر أم الإتمام؟، فإن له أن يصلي خلفه وينوي القصر إن قصر الإمام قولاً واحداً، وفي كيفية نية القصر عند افتتاح الصلاة اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يحرم بنت القصر قطعا، ثم ينظر في حال الإمام فإن قصر قصر معه، وإن أتم أتم [65 ب / 3] ولا يضره ما تقدم من نية القصر لأن تغيير نية القصر إلى الإتمام جائزة، فإن علق نيته، وقال: إن قصر الإمام قصرت، وان أتم أتمت لا تجوز الصلاة، لأن الدخول في الصلاة بنية معلقة لا يجوز، ألا ترى أنه لو نسي الظهر أو العصر، ولا يدري عينها لم يجز له أن يحرم بها بنية معلقة، فنقول: إن كانت المنسية ظهراً فهذه ظهر، وان كانت المنسية عصراً فهذه عصر، ولو قطع النية بإحدى الصلاتين، ثم ذكر أنها هي المنسية أجزأته أيضا: لأنه إن قطع النية فهي في الحقيقة معلقة، لأنه إن أتم الصلاة لزمه الإتمام، إن قصر جاز له القصر فجاز له التعلق.
ونظير هذه المسألة أن يخرج خمسة دراهم فنقول: إن كان مالي الغائب سالماً فهذا زكاته، وإن لم يكن سالماً فهو نافلة يجوز، فإن قيل: ما الفرق بين أن يجهل حال الإمام.
فلا يدري أمقيم هو أو مسافر؟ فلا يجوز له أن ينوي القصر خلفه وبين أن يعلم أنه مسافر

ويجهل حاله أنه نوى القصر أو الإتمام.
فيجوز له أن ينوي القصر خلفه، وقول الشافعي رحمه الله أو خلف من [66 أ / 3] لا يدري أراد به المسألة الأولى دون الثانية.
والفرق: أنه إذا علم أنه مسافر فالظاهر من حاله القصر؛ لأنه خائف وهو الأولى وليس كذلك إذا جهد حاله في الأصل، لأن الظاهر أنه مقيم فلا يجوز له القصر، وهذا كما لو شك هل هذا اليوم من رمضان أم لا؟، فإن كان في أول الشهر جاز لم تصح له نية صوم رمضان لأن الأصل أنه من شعبان، وان كان في آخر الشهر فإنه يصح لأن الظاهر له من رمضان؟ لأن الأصل أنه من رمضان حتى يثبت دخول شوال.
وأيضاً فإن للمسافر علامات لا تكاد تخفى فيمكن تعرفها، فإذا لم يتعرف اقتدى به على الشك فيلزمه الإتمام والنية غيب لا يوقف عليها، فلو قلنا: إنه لا يجوز القصر إلا أن يتيقن بنية القصر أدى أن لا يمكنه القصر بحال خلف الإمام.
فإذا تقرر هذا فلو أحدث هذا الإمام وانصرف فلا يخلو حاله من ثلاثة أحوال: إحداها: أن يعلم أنه كان نوى القصر بأن يخبره فيقصر هو.
والثانية: أن يعلم أنه نوى الإتمام أتم هو.
والثالثة: أن يشك هل نوى القصر أم الإتمام؟ قال أبو إسحاق رحمه الله: لزمه الإتمام وهو [66 ب / 3] الذي نقله المزني، لأنه شاك في نية إمامه فهو كمن صلى بعض الصلاة، ثم شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً فإنه يلزمه البناء على اليقين، وكما لو شك في نية نفسه هل نوى القصر أم لا؟ وهذا ظاهر المذهب.
وقال ابن سريج رحمه الله: يجوز له القصر وغلط المزني رحمه الله في النقل، وإنما أجاب الشافعي رحمه الله بهذا الجواب: إذا أحدث المأموم وانصرف ليتوضأ، وقد نص عليه في كتاب استقبال القبلة فقرر المزني أنه أراد إذا أحاث الإمام.
والغرق بينهما أن الإمام إذا أحاث وانصرف، فإن نية الإمام هي فعل باطن لم يكلف المأموم الإحاطة بها فجاز أن يرجع إلى الظاهر، والظاهر من حال المسافر القصر؟ لأنه أقل عملاً وأكثر أجرأ فيقصر هو، وإذا أحدث المأموم وانصرف يمكنه أن يرجع ويتعرف كيف صلى الإمام وهل قصرها أم أتمها؟ لأن عدد الركعات فعل ظاهر يحمل من الإمام، فإذا لم يتعرف كان التفريط من جهته فلزمه الإتمام.
فرع لو أحرم خلف من لا يدري أمقيم هو أو سافر؟ فقد ذكرنا أنه يلزمه الإتمام فلو أفسد المأموم صلاته يلزمه أن يقضيها تامة.
وقال [67 أ / 3] أبو حنيفة رحمه الله: يجوز له قصرها، لأن الإتمام لزمه الاقتداء فإذا زال الاقتداء سقط حكمه وهذا غلط، لأن هذه العبادة لزمته بالدخول فيها، فإذا أفسدها يلزمه قضاءها على صفتها كالحج.

جارٍ التحميل