كتاب المدبر
قال: «أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار، وذكر الخبر».
التدبير أن يعتق عبده دبر الحياة، يقال: أعتقه عن دبر أي بعد الموت ولا يستعمل ذلك في غير العتق من الوصايا، وفي تسميته تدبيرًا ثلاثة أوجه أحدها: لأنه يعتق عليه في دبر الحياة وهو آخرها، والثاني: لأنه لم يجعل تدبير عتقه إلى غيره، والثالث: لأنه دبر أمر حياته باستخدامه وأمر آخرته بعتقه.
وفي ابتدائه وجهان: أحدهما: أنه تقدم في الجاهلية وأقره الشرع في الإسلام على ما كان عليه في الجاهلية فصار بالتقرير شرعًا، والثاني: أنه مبتدأ في الإسلام بنص ورد فيه عمل به المسلمون فاستغنوا بالعمل عن نقل النص فصار بالنص شرعيًا وصار العمل على النص دليلا فدبر المهاجرون والأنصار عبيدا.
ثم قد يكون مطلقا بأن يقول: دبرتك، أو أنت مدبر، أو إذا مت فأنت حر، [15/ ب] أو إذا دخلت الدار ومت فأنت مدبر، أو إذا دخلت الدار فأنت مدبر، وقد يكون مقيدًا بأن يقول: إن مت من مرضي هذا أو في شهري هذا أو في سنتي هذه فأنت حر، وغن صلت فأنت حر وكلاهما عندنا سواء، فإذا وجد ذلك تعلق العتق بموته وله الرجوع فيه متى شاء والتصرف فيه بالبيع والهبة وغير ذلك، ثم ينظر، فإن رجع عنه قبل موته وتصرف فيه بطل التدبير، وإن لم يرجع حتى مات نظر، فإن كان عليه دين مستغرق لم يعتق وبيع في الدين وإن لم يكن عليه دين واحتمل الثلث جميعه عتق، وإن لم يحتمل الثلث بقدر الثلث دون الباقي، وبه قالت عائشة رضي الله عنها وعمر بن عبد العزيز وطاوس ومجاهد وإسحاق وأحمد.
وقال ابن أبي نجيح كان مجاهد وفقهاء أهل مكة يرون التدبير وصية صاحبها فيها بالخيار ما عاش يمضي منها ما شاء ورد منها ما شاء.
وقال مالك: إذا دبر عبده لا يجوز له التصرف فيه بحال مقيدًا كان أو مطلقًا ولكن إن مات وعليه دين بيع في دينه كما لو أعتق عبدًا في مرضه لا يجوز له التصرف فيه في حياته ويباع في دينه، وهو رواية عن أحمد وكان الحسن بن ربيعة: يجوز بيعه إذا احتاج صاحبه إليه.
وقال الليث بن سعد: يكره بيع المدبر ويجوز بيعه إذا أعتقه الذي اشتراه.
وقال ابن سيرين لا يباع المدبر إلا من نفسه، وقال أبو حنيفة: إن كان التدبير مقيدًا لا يلزمه ذلك وله التصرف فيه والرجوع عنه متى شاء وإن كان [16/ أ] التدبر مطلقًا لم يلزمه ذلك ولا رجوع له فيه، وإن مات واحتمله الثلث عتق وإن لم يجعله الثلث عتق
الجزء: 8 - الصفحة: 233
قدر الثلث واستسعى الوارث في ثلثه وإن كان عليه دين يستغرقه يستسعي العبد في قدر قيمته، فإذا أدى ذلك عتق وروي منع البيع عن سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والزهري وسفيان والأوزاعي.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه وسعيد بن جبير ومسروق وحماد والحكم والنخعي وداود أن المدبر عتق من رأس المال.
ودليلنا ما روى جابر رضي الله عنه أن رجلا أعتق غلامًا له عن دبر منه لم يكن له مال غيره فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فبيع بسبع مائة وأة بتسع مائة، وفي رواية أخرى أن رجلا من الأنصار يقال له: أبو مذكور أعتق غلامًا له يقال له: يعقوب عن دبر لم يكن له مال غيره فدعا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: من يشتريه فاشتراه نعيم بن النحام بثمانمائة درهم فدفعها إليه، وقال: إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه، فإن كان فيها فضل فعلى عياله فإن كان فضل فعلى ذوي قرابته، أو على ذوي رحمه، فإن كان فضل فههنا وههنا.
وقال عمرو بن دينار: سمعت جابرًا يقول: كان عبدًا قبطيًا مات عام أول في إمارة ابن الزبير.
وروى باعه بثمانمائة درهم ودفعه إلى مولاه.
وروى شريك بإسناده عن جابر أن رجلا مات وترك مدبرا الخبر.
قال أهل الحديث: [16/ ب] هذا خطأ من شريك والحفاظ أثبتوا حياة مالكه وقت بيعه ولأنه عتق بصفة ثبت بقول المعتق وحده، فلا يكون لازما كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر.
والدليل على أنه يعتبر عتقه من الثلث، وهو قول علي وابن عمر رضي الله عنهم وسعيد بن المسيب والزهري وأبي حنيفة ومالك والثوري وأحمد وإسحاق ما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المدبر من الثلث»، ورواه أبو قلابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، وقيل: هذا لا يصح مرفوعا بل هو موقوف على ابن عمر رضي الله عنهما ولأن إعتاقه في المرض أقوى وأمضى، وهو يعتبر من الثلث، فهذا أولى ولأنه تبرع يلزم بالموت فكان من الثلث كالوصية، واحتجوا بما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المدبر لا يباع ولا يشترى»، ولأنه استحق العتق بموت السيد على الإطلاق فلا يجوز بيعه، أكان عتقه من رأس المال كأم الولد.
قلنا: قال الطحاوي: هذا لا يصح مسندًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو موقوف على ابن عمر، أو نحمله على ما بعد الموت، أو على الاستحباب بدليل خبرنا.
وقد روى جابر رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ما لي إلا غلامًا جعلته حرًا من بعدي، فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ببيعه، وقال: «أنت إلى ثمنه أحوج والله عنك أغنى»، وإنما ذكر الشافعي هذا الخبر بألفاظ الاستادلال به على تمام حفظ الراوي، [17/ أ] وصحح مسلم بن الحجاج، هذا
الجزء: 8 - الصفحة: 234
الخبر وروى أن أمة لعائشة رضي الله عنها كانت دبرتها فسحرت عائشة فأمرت بعتقها فبيعت في الأعراب وجعلت ثمنها في الرقاب، فإن كان هذا في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو عن أمره وإن كان بعد وفاته فعملها به من جهته.
وباع عمر بن عبد العزيز مدبرصا في دين صاحبه.
وقال طاوس: يعود الرجل في مدبره.
مسألة: قال: «فإذا قال الرجل لعبده أنت مدبر أو عتيق».
الفصل
الكلام في هذا في ألفاظ التدبير، فإذا قال: أنت حر بعد موتي أو أنت محرر بعد موتي أو عتيق، أو دبرتك، أو أنت مدبر، أو إذا مت فأنت حر، أو متى مت فأنت حر يكون مدبرًا فنص الشافعي أن قوله: دبرتك صريح في التدبير، وقال في الكتابة، إذا قال: كاتبتك لا يكون صريحا حتى يقول: فإذا أديت إلى ذلك فأنت حر واختلف أصحابنا فيه على طريقين أحدهما، أن ينقل الجواب إلى إحدى المسألتين إلى الأخرى ففيهما قولان: أحدهما، يكفي قوله: دبرتك، وقوله: كاتبتك ولا يفتقر كلاهما إلى النية لأنهما لفظان موضوعان لهذين العقدين فلا يفتقر إلى النية كلفظ البيع في البيع، والثاني: يفتقر إلى النية لأنهما لفظان لم يكثر استعمالهما، فافتقر إلى النية كسائر الكتابات، والثانية: المسألتان على ظاهرهما فالتدبير لا يفتقر إلى النية والكتابة تفتقر إلى النية، والفرق من وجهين: أحدهما: أن التدبير لفظ ظاهر مشهور [17/ ب] ويعرفه عوام الناس فاستغنى عن النية، والكتابة لا يعرفها إلا خواص الناس، فافتقرت إلى النية، والثاني: التدبير لا يحتمل إلى العتق بعد الموت، والكتابة لفظ مشترك لأنه يحتمل أن يريد به المخارجة، فيقول: كاتبتك كل شهر بكذا، ويحتمل أن يريد به الكتابة الشرعية التي تتضمن العتق، فلا ينصرف إلى أحد احتماليه إلا بنية.
فرع
أدخل الشافعي رضي الله عنه في جملة ألفاظ التدبير أن يقول لعبده: إذا دخلت الدار فأنت مدبر وليس هذا تدبيرًا بنفسه، بل هو تدبير معلق بصفة، وهي دخول الدار فقبل أن يدخل الدار لا يصير مدبرًا، فإذا دخل صار مدبرًا يعتق بالموت ويحتاج أن يوجد دخول الدار في حال حياة السيد، فإن مات السيد قبل دخول الدار بطلت الصفة لأن إطلاق الصفة تقتضي وجودها في حال الحياة فإذا مات قبل وجودها بطلت كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فمات قبل دخول الدار بطلت الصفة.
فرع
لو قال: إذا مت ودخلت الدار فأنت حر لا يكون مدبرًا بل يكون ذلك عتقًا بصفة
الجزء: 8 - الصفحة: 235
فإذا دخل الدار بعد موته عتق ومعنى قولنا: لا يكون مدبرًا أنه لا يصح رجوعه عنه إلا بإخراجه من ملكه، ولو قال: رجعت عنه لا يكون رجوعًا قولاً واحدًا.
فرع آخر
لو قال: إن مات أبي فأنت حر لا يكون مدبرا بل هو عتق معلق بصفة.
فرع آخر
قال في الأم: لو قال لعبده: أنت حر بعد موتي أو لست بحر لم يكن شيئا كما لو قال: أنت طالق أو لست بطالق [18/ أ].
فرع آخر
لو قال: أنت حر بعد موتي بيوم لا يحتاج إلى إنشاء العتق كالمدبر سواء، وقال أبو حنيفة: لا بد من مباشرة العتق بعد موته بيوم.
فرع آخر
لو قال لعبده: إذا قرأت القرآن بعد موتي فأنت حر لا يعتق إلا بقراءة جميع القرآن.
ولو قال: إذا قرأت قرآنًا بعد موتي فأنت حر يعتق بقراءة بعضه، والفرق أن هناك علق العتق بقراءة جميع القرآن لأنه ذكره بالألف واللام وههنا ذكره منكرًا فاقتضى بعض القرآن، فإن قيل: أليس قال الله تعالى: ﴿فَإذَا قَرَاتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: 98]، الآية، ولم يرد به جميعه.
قلنا: هناك قام الدليل والظاهر يقتضي جميعه.
اعلم أنه إذا دبر عبدًا قيمته مائة درهم وله مائتا درهم في بلد آخر أو في ذمة معسر فمات السيد لا يخلف المذهب أنه لا يعتق كله وهل يعتق ثلثه في الحال اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: عتق ثلثه في الحال وهو اختيار القاضي أبي حامد لأنه تتحقق حريته فإنه إذا سلم جميع المال عتق كله، وإن لم يسلم ذلك عتق قدر الثلث، ومن أصحابنا من قال: لا يعتق منه شيء لأنا إذا أعتقنا الثلث وقفنا الثلثين منه، وهذا يؤدي إلى نقلهم حق التدبير على حق الورثة، قال أبو حامد: وهذا ظاهر المذهب، فإذا قلنا: بهذا فإن حضر المال كله عتق من الثلث وإذا تلف المال كله عتق ثلثه دون ثلثاه وإن حضرت إحدى المائتين وتلفت الأخرى عتق ثلثا العبد ورق ثلثه، ويكون ذلك [18/ ب] مثل ما عتق، وإن حضرت إحدى المائتين والمائة الأخرى غائبة يرجى حصولها يعتق منه النصف لأنه حصل للورثة مائة، فيعتق بقدر نصفها وهو النصف من العبد ويوقف النصف الآخر على حضور المائة الأخرى، فإن حضرت عتق وإن تلفت عتق منه ثلثه ورق ثلثاه، وإن قلنا: بالأول قال القفال: عتق ثلثه وللورثة التصرف في الثلثين فإن حصر المال الغائب نقض تصرفه فلو أعتق الوارث الثلثين ثم لم يسلم المال
الجزء: 8 - الصفحة: 236
الغائب فولاء الثلثين له، وإن حضر المال الغائب.
قال ابن سريج: ولاء الثلثين للوارث أيضا لأنه أعتق وكان له الإعتقا وفيه وجه آخر أن كل الولاء للموروث بناء على أن إجازة الورثة تنفيذًا أو ابتداءً عطيته ذكره القفال.
قال القفال: على هذا لو أوصى لرجل بعين وما سواها من المال غائب هل يسلم ثلث ذلك إلى الموصى له أو لا يسلم شيء حتى يحضر المال فعلى الوجهين.
وكذلك لو أبرأه من مال عليه ومات وباقي المال غائب هل يبرأ في الحال من الثلث أم يتوقف فيه وجهان، وكذلك لو كان على أحد ابنيه دين، فمات وخلفهما يبرأ من نصفه قبل أن يوفر على أخيه النصف الباقي فيه وجهان.
فرع آخر
لو كان المال غائبًا وقدر الورثة على التصرف فيه قبل قدومه لا يعتبر فيه عتقه قدوم المال ويعتبر قدرتهم على التصرف، فإذا مضى زمان قدرتهم على التصرف فيه عتق عليهم وإن لم يتصرفوا لأنهم بالقدرة في حكم المتصرفين فيه، فإن قدر على التصرف فيه بعضهم عتقت حصة القادر [19/ أ] ووقفت حصة العاجز، ذكره في الحاوي.
مسألة: قال: «ولو قال: إن شئت فأنت حر متى مت فشاء فهو مدبر».
في هذا الفصل ثلاث مسائل:
إحداها أن يقول لعبده: إن شئت فأنت حر متى مت أو إذا شئت فأنت حر بعد موتي أو مدبر فليس هذا بتدبير مطلق بل هو تدبير معلق بصفة وهو المشيئة فقبل المشيئة لا يكون مدبرًا، وإذا وجدت المشيئة صار مدبرا، والمشيئة فيه كالمشيئة في الطلاق، وقد ذكرنا أنه يتعلق ذلك بالمجلس على مذهب الشافعي، ولا بد من المشيئة في حياة السيد ومن أصحابنا من قال: تعتبر المشيئة على الفور بحيث صلح أن يكون جوابًا لكلامه.
فرع
هذه المسألة لو قال: متى شئت فأنت حر بعد موتي فهذا تدبير معلق بالمشيئة مثل المسألة الأولى إلا أن ههنا المشيئة على التراخي لأن قوله: متى شئت يتناول الأزمان كلها ويحتاج إلى وجودها في حياة السيد أيضا.
فرع آخر
لو قال في المسألة الأولى في المجلس شئت ثم قال: ليست أشاء انعقد التدبير بالمشيئة الأولى ولا يبطل بتركه لها.
ولو قال: ابتداءً لست أشاء، ثم قال: شئت بطل التدبير ولم تبطل المشيئة الثانية.
فرع آخر
لو قال متى شئت على ما ذكرنا في الفرع فقال: شئت ثم قال لا أشاء ثبت التدبير،
الجزء: 8 - الصفحة: 237
ولو قال: لست أشاء، ثم قال: شئت ثبت التدبير بهذه المشيئة المتأخرة لوم يبطل بتركها المتقدم بخلاف ما تقدم والعرف [19/ ب] أن المشيئة ههنا على التراخي فراعينا وجودها متقدمة ومتأخرة وهناك على الفور فراعينا ما تقدم.
والمسألة الثانية: إذا قال: إذا مت فشئت فأنت حر، فهذا ليس بتدبير لأن التدبير هو العتق الواقع بالمواقع بالموت وإنما يقع بالمشيئة بعد الموت ولكنه عتق بصفة توجد بعد الموت، ويحتاج أن توجد المشيئة بعد موته على الفور وهل يتقيد بالمجلس فعلى ما ذكرت.
وهكذا لو قال: أنت حر إذا مت إن شئت وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: إذا قال إذا مت فشئت فأنت حر والأصح أنه متى شاء بعد الموت عتق قال: ولو قال: أنت حر إذا مت إن شئت فإن شاء في المجلس ولم يشأ بعد الموت أو شاء بعد الموت ولم يشأ في المجلس لم يعتق لأن الكلام يحتمل المعنيين فإن شاء مرتين مرة في المجلس ومرة عقبيب الموت أو بعده بزمان قليل أو كثير عتق يقينًا ثم لا يدري أنه عتق بالتدبير أو عتق بصفة بعد الموت وهذا خلاف المذهب المنصوص.
فرع آخر
هذه المسألة لو قال: إذا مت متى شئت فأنت حر فالحكم كما في المسألة قبلها إلا أن المشيئة ههنا على التراخي، وهناك على الفور.
فرع آخر
إذا مات السيد كان العتق موقوفًا على مشيئته ونفقته من كسبه، فإذا شاء عتق وفيما بقي من كسبه لمن يكون قولان، كما قلنا: إذا أوصى بعبد لرجل ومات، فاكتسب قبل قبول الموصى له الوصية قبلها ففي كسبه قولان: أحدهما: يكون للورثة، والثاني: يكون للموصى له، هكذا قال القاضي الطبري.
وقال بعض أصحابنا: الكسب ههنا للورثة قولا واحدًا والفرق [20 /أ] أن العبد ها هنا قبل مشيئته مملوك، بلا خلاف، فلا يثبت له كسبه، وهناك الموصى له إذا قبله تبينا أنه ملكه بموت الموصي في أحد القولين، فكان كسبه له في هذا القول.
فرع آخر
إذا قال: أنت حر إذا مت إن شئت فشاء قبل موت سيده فيه وجهان من الوجهين في معنى قول الشافعي، وسواء قدم الوصية أو أخرها، فذهب البغداديون إلى أنه أراد سواء قدم المشيئة قبل الموت أو أخرها، بخلاف قوله: إذا مت فشئت لأن الفاء في المشيئة توجب التعقيب، فعلى هذا يعتق إذا شاء قبل موت سيده، ويكون هذا تدبيرً، وإن لم يشأ إلا بعد موت السيد عتق، وكان عتقًا بصفة بعد الموت.
وقال البصريون: من أصحابنا أراد سواء قدم المشيئة في لفظه، أو أخرها، وتكون مشيئته معتبرة بعد الموت، ولا تأثير لها قبل الموت فإن شاء قبل الموت عتق وإلا رق للورثة.
المسألة الثالثة: أن يقول: إذا مت فأنت حر إن شئت فظاهر كلام الشافعي والذي
الجزء: 8 - الصفحة: 238
عليه عامة أصحابنا أن ذلك عتق معلق بالمشيئة بعد الموت مثل قوله: إذا مت فشئت فأنت حر لأنه لما ذكر الموت وعقبه بذلك المشيئة والحرية كان الظاهر أنه علق الحرية بوجود المشيئة، وبكون وقت هذه المشيئة، وفي المسألة قبلها بعد الموت السيد فإن العبد قبل موته لم يتعلق به حكم لأنه قيد المشيئة بما بعد الموت، فإذا تقدمت على تلك الحالة لم تصح كإجازة الورثة الوصية فيما زاد على الثلث لو كانت في حال الحياة لم يتعلق بها حكم، وجملة هذا أن العتق بالصفات على ثلاثة أضرب: عتق متعلق بصفة مطلقة [20 / ب] فيقتضي وجود الصفة في حياة العاقد فإن مات قبل وجودها بطلت بموته.
وعتق معلق بصفة مقيدة بحال الحياة، فيقتضي وجودها في حال الحياة، ويكون التقييد تأكيدًا.
وعتق معلق بصفة توجد بعد الوفاة، فيقتضي وجودها بعد الوفاة فإن وجدت قبله لم يصح.
وأما قول الشافعي رضي الله عنه: إذا مت فشئت الآن فأنت حر ذكره في المنهاج.
فرع آخر
لو قال: إن شاء زيد فأنت حر إذا مت فمشيئة زيد على التراخي بخلاف العبد والفرق أن تعليقه بمشيئة زيد صفة معتبر بوجودها فاستوى فيها قريب الزمان وبعيده، وتعليقه بميشئة العبد تمليك وتخيير فافترق قريب الزمان وبعيده.
فرع آخر
لو أخر زيد المشيئة ههنا حتى مات السيد ثم شاء لم ينعقد التدبير لأن تعليق الحكم بالصفة هو شرط يتقدم على المشروط.
فرع آخر
إذا قال: إن مت فشئت فأنت مدبر فلا معنى لهذا لأن التدبير لا يتصور بعد الموت وهو كما لو أوصى، فقال: إذا مت فدبروا هذا العبد لا معنى له لأن التدبير أن يصير مدبرًا في حال الحياة ليعتق بالموت.
فرع آخر
قال في «الأم»: إن قال: إن شاء فلان فعبدي حر بعد موتي ف شاء كان مدبرًا، ولو قال: إن شاء فلان، وفلان، فعبدي حر بعد موتي فشاءا كان مدبرًا فإن شاء أحدهما، ولم يشاء الآخر أو غاب أحدهما وحضر الآخر لم يكن مبرًا حتى يجتمعا على المشيئة فإن مات أحدهما قبل أن يشاء يبطل التدبير مشيئتهما.
الجزء: 8 - الصفحة: 239
فرع آخر
لو قال لرجلين دبرا عبدي هذا إن شئتما فأعتقاه عتق بتات كان العتق باطلا، ولم يكن [21/ أ] مدبرا إلا باجتماعهما على تدبيره.
فرع آخر
لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي، وذهب عقل السيد ثم دخل العبد الدار كان مدبرًا، فلو مات السيد قبل دخول العبد الدار ثم دخلها لم يعتق، ولو قال: إذا مت ودخلت الدار فأنت حر عتق إذا دخل الدار بعد موت السيد من الثلث ولا يكون مدبرًا حتى يصير حرًا بموته في كل حال إذا كان خارجًا من الثلث.
فأما إذا كان عتقه بعد موته موقوفًا على صفة تحدث، فهو وإن كان حرًا من الثلث فليس بتدبير كقوله لعبده: أنت حر إذا مت وشئت الحرية أو أنت حر: إذا مت وشاء فلان، أو أنت حر بعد موتي إذا خدمت إلى سنة.
فرع آخر
قال في البورطي: لو قال: أنت حر إن مت من مرضي هذا، أو سفري هذا، فهذه وصية ليس بتدبير فإن مات من مرضه، أو في سفره كان حرًا من الثلث.
فرع آخر
قال في «الأم»: وجماع هذا أنه متى أعتقه على شرط، أو شرطين أو أكثر لم يعتق إلا بكمال الشروط التي أعتقه عليها، وكذلك إذا دبر على صفة أو صفتين لم يكن مدبرًا إلا بكمال الصفات التي دبر عليها.
فرع آخر
لو قال رجل: إن مت من مرضي هذا فأنت حر وأوصي للناس بوصايا بهذه الشروط ثم أفاق من مرضه، ثم مات من مرض آخر ولم ينقض وصيته لم يقع العتق، ولا يستحق أحد من الوصايا وصيته لأنه أعطاهم في حال، فلا يكون لهم في غيرها.
مسألة: قال: ولو قال: شريكان في عبدٍ متى متنا فأنت حر.
الفصل
صورة المسألة أن يكون عبد بين شريكين لكل واحد [21 /ب] منهما نصفه، فقالا: متى متنا فأنت حر، فقد علقا عتقه بموتهما فإن ماتا جميعًا دفعة واحدة، أو تقدم أحدهما: على الآخر عتق العبد لوجود الصفة، وإذا ماتا معًا، ففي حكم عتقه عليهما وجهان: أحدهما، أنه عتق تدبيرًا لإيصال عتقه بالموت والثاني: عتق عليهما وصية لا تدبيرًا، لأن التدبير ما تفرد عتقه بموته ولم يقترن بغيره، وإن مات أحدهما وبقي الآخر فنصيب الميت انتقل إلى الورثة إلا أنه يعتق بالصفة لأن الشريط الآخر إذا مات يعتق
الجزء: 8 - الصفحة: 240
ويصير هذا العبد مستحقًا لهذا العتق، فلا يجوز للورثة بيعه، ولهم استخدامه ويكون كسبه لهم ويكون نصيب الثاني مدبرًا لأنه يعتق بموته من غير شرط آخر، ويجوز له بيع نصيبه لأن بيع المدبر جائز، فإذا باعه ومات بعد البيع عتق نصيب الذي مات أولا لوجود الصفة فيه وهي موتهما جميعًا، وأما نصيب الشريك، فقد بطل تدبيره فيه بالبيع، فإن قال قائل: هل تقولون إن هذا تدبيرًا وعتق معلق بالصفة؟ قلنا: هو في الحال ليس بتدبير لأنه يجوز أن يموت واحد منهما فلا يعتق نصيبه، فإن ماتا جميعًا عتق، ولم يكن تدبيرًا، وإن مات أحدهما وبقي الآخر صار نصيب الشريك الباقي مدبرًا لأنه يعتق بموته من غير شرط آخر ونصيب الميت يكون معتقًا بالصفة، ولا يكون مدبرًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان إذا مات الأول هل يتصرف ورثته؟ فيه وجهان، أحدهما: لا يتصرفون على ما ذكرنا كما إذا قال: إذا مضت سنة من موتي، فاعتقوا هذا العبد، وأعطوه كذا لا يجوز إزالة الملك عنه، [22/ أ] وإنما جوز لهم استخدامه بخلاف ما لو قال: أعتقوه عني بعد موتي، فإن الورثة لا يتصرفون فيه بشيء لأن الإعتاق لهم فمن حقهم أن لا هيؤخرون، وموت الشريك ليس إليهم، والثاني: ذكره صاحب التقريب ويتصرف فيه الورثة لأن شرط العتاق لم يوجد بعد، كما لو قال: إن أكلت هذين الرغيفين فأنت حر فأكل أحدهما لا يقع التصرف فيه.
وقال أيضًا في كسب هذا العبد بين الموتتين وجهان: أحدهما: أنه معد في تركة الأول أعني كسب نصيبه، والثاني: لوارثه ويمكن بناء الوجهين على الوجهين الأولين، فإذا جوزنا للورثة التصرف في جميع الوجوه فالكسب للورثة وإن منعناه من إزالة الملك، فهو موقوف على حكم الميت، فالكسب من حملة التركة، والمذهب الصحيح ما ذكرنا أولاً.
فرع
لو كان هذا القول من أحد الشريكين، فقال واحد منهما إذا متنا، فأنت حر لم تعتق حصته إلا بموتهما سواء تقدم موته أو تأخر، وكان عتق حصته مترددًا بين أن يعتق عليه بالوصية إن تقدم موته وبالتدبير إن تأخر موته وحصة الشريك باقية على الرق في حياته وبعد موته سواء تقدم موته أو تأخر.
فرع آخر
قال في المبسوط من كتاب «الأم» إذا قال الشريكان: أنت حبيس على موت الآخر منا ثم تكون حرًا، كان الجواب على ما مضى من عتق صحة الأول بالوصية، والثاني بالتدبير ولهذا الفرع حكم زائد وهو أن يكون كسب العبد [22/ ب] بعد موت الأول، وقبل موت الثاني، ولا يكون لورثة الأول لأنه لما جعله حبيسًا على موت الثاني جعله كالعارية في حقه بمدة حياته، ولم يكن وفقًا لأن الوقف ما كان مؤبدًا، ولم يتقدر بمدة فإذا قدر بها خرج عن حكم الوقوف إلى العواري، ولم يكن للورثة أن يرجعوا فحاكم هذه العارية وإن جاء الرجوع في العواري لأنها عن وصية ميتهم، فلزمت بموته كسائر
الجزء: 8 - الصفحة: 241
الوصايا وليس لهم أن يحتسبوا كسب العبد في ثلث الميت وإن كان موصى به لدخول كسبه في قيمة رقبته.
فرع آخر
فلو كانت المسألة بحالها فقبل العبد بعد موت الأول قبل موت الثاني مات عبدًا لأن صفة عتقه لم تكتمل، وكانت قيمته بين الثاني وورثه الأول، فكان لهم أن يحتسبوا بما أخذه الثاني من كسب العبد في ثلث الأول لأنه مأخوذ بوصيته، ولم يدخل في قيمة رقبته.
فرع آخر
قال في «الأم»: إذا كان العبد بين اثنين فدبر أحدهما نصيبه فنصيبه مدبر، ولا قيمة عليه لشريكه لأنه أوصى لعبده بوصية له الرجوع فيها، ولم يوقع العتق، فلم يكن ضامنًا لشريكه وهذا هو المذهب الذي لا يحتمل غيره ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما، هذا، والثاني: يقوم عليه نصيب شريكه وبه قال مالك لأن التقويم يستحق بالحرية وبسببها ألا ترى أنه يستحق بالإحبال والتدبير سبب للحرية.
وهذا لا يصح لأن الإحبال سبب الإتلال بخلاف التدبير، ولهذا لا يمنع التدبير البيع عندنا بخلاف الاستيلاد، ولأنه بالتدبير كالعازم على عتقه فلا يكون كالإعتاق.
وقال أبو حنيفة: إذا دبر أحدهما نصيبه فشريكه [23/ أ] بالخيار من أربعة إن شاء ضمنه القيمة، وإن شاء استسعى، وإن شاء دبر نصيب نفسه، وإن شاء أعتق.
فرع آخر
قال في «الأم»: لو كان العبد بين اثنين، فقالا معًا أو متفرقين متى متنا معًا، فأنت حر لم يعتق إلا بموت الآخر منهما، فلم يحمل الشافعي متى متنا معًا فأنت حر على موتهما دفعة واحدة لأنه إذا مات أحدهما قبل الآخر يقال: ماتا معًا.
فرع آخر
قال في «الأم»: وإذا كان العبد بين اثنين فدبر أحدهما نصيبه فنصيبه مدبر ولا قيمة عليه لشريكه لأنه أوصى لعبده بوصية له الرجوع فيها ولم يوقع العتق، فلم يكمن ضامنًا لشريكه، إذا قلنا: لا يقوم وهو اختيار المزني فمات فعتق نصفه لم يكن عليه قيمة لأنه لا مال له إلا الثلث وهو لم يأخذ من الثلث شيئا غير ما أوصى به وشريكه على شركته من عبده لا يعتق إن مات شريكه الذي دبره، أو عاش.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يقوم عليه فنصفه مدبر ونصفه عبد قن لصاحبه فإن رجع السيد في التدبير
الجزء: 8 - الصفحة: 242
بطل وصار العبد كله رقيقًا، وإن أعتق الشريك الذي لم يدبر نصيبه عتق، وهل يقوم عليه نصيب شريكه؟، فإن رجع هو في تدبير قومت على المعتق حصة شريكه وإن كان التدبير باقيًا فهل يقوم على المعتق نصيب شريكه المدبر؟ فيه قولان: أحدهما: لا يقوم لأنه قد ثبت فيها سبب عتق المالك قبل عتقه، والتقويم إنما يراد لتحصيل الحرية، وقد حصل له سبب الحرية فلا يحتاج إلى التقويم.
والثاني نص عليه في البويطي، وهو الصحيح يقوم عليه [23/ ب] لأن المدبر بمنزلة العبد القن لأن السيد يتصرف فيه كما يتصرف العبد القن، فإذا قلنا: لا يقوم فيه يكون نصبه حرًا ونصفه مدبرًا، فإذا ملك السيد الذي دبره عتق بموته، فإن رجع في تدبيره بعد ذلك بزمان صار عبدًا قنًا، ويقوم على الشريك المعتق الأول قولاً واحدًا لأن سبب الحرية بطل، وعلى ما ذكرنا لو كان شريكًا في عبدٍ فدبراه معًا ثم أعتق أحدهما نصيبه هل يقوم عليه نصيب شريكه فيه قولان.
فرع آخر
إذا قلنا: يقوم فبعد التقويم فيه وجهان: أحدهما: قاله ابن أبي هريرة يكون رقيقًا ولا يصير مدبرًا بالسراية حتى يريدها لأن المقصود من التقويم إزالة الضرر عن الشريك فعلى هذا إذا مات السيد عتقت بموته الحصة التي دبرها، وهل يسري عتقه إلى باقيه فيه وجهان، والثاني: قاله بأو حامد يصير مدبره بسراية التدبير إليها، وإن لم يتلفظ به فيكون كله مدبرًا، وهو المشهور، والأول قول أبي حنيفة.
وقال أيضا: لو أعتق الشريك الآخر، أو استسعى فعتق بالأداء كان للمدبر أن يضمنه قيمة نصيب نفسه ويبطل التدبير وهذا مناقضة حيث جوز أحد قيمة المدبر بالتقويم.
فرع
لو قال لعبده الخالص: إذا مت فنصفك حر انعقد، وهل يسري إلى الباقي؟ فيه، قولان: أحدهما: يسري كالعتق لأنه يفضي إليه، والثاني: وهو المنصوص الصحيح لا يسري لأن التدبير أضعف، وهو كما لو علق عتق ذلك القدر بصفة بعد موته [24 /أ] لا يسري.
فرع آخر
إذا قلنا بالمنصوص: أنه لا يسري ومات السيد عتق نصفه بموته عن تدبير، وهل يعتق النصف الباقي فيه وجهان من الوجهين، في سراية عتق الحي إلى بقية ملكه هل يسري بلفظه، أو بعد استقرار عتقه فعلى وجهين، فإن قلنا: يسري بلفظه يصير ههنا جميع العبد حرًا يعتق منه نصفه تدبيرًا، ونصفه سراية والفرق بين أن يجعل التدبير في الحياة وبين أن يجعل العتق بالموت ساريًا يظهر إذا رجع في تدبير نصفه، فإن جعلنا العتق ساريًا كان نصفه الباقي مدبرًا لأن الرجوع لا يسري إن كان التدبير يسري، وإن لم يجعل التدبير ساريًا إلى جميعه صار بالرجوع في تدبيره نصفه عبدًا قنًا لا يعتق، وإذا قلنا: عتقه في الحياة يسري بعد استقرار عتقه في بعضه فعلى هذا لا يعتق عليه بالتبدير
الجزء: 8 - الصفحة: 243
بعد الموت إلا نصفه ويكون نصفه الباقي رقيقًا لورثته.
فرع آخر
قال ابن الحداد: إذا قال أحد الشريكين: نصيبي من هذا العبد حر بعد موتي وأعتقوا الباقي من ثلثي، وقال الآخر: إذا عتق نصيبك فنصيبي حر عتق نصيب الأول وقوم الباقي من ثلثه لأنه استحق ذلك بوقوع عتقه كما لو قال أحد الشريكين: إذا عتق نصيبك فنصيبي حر، فأعتق الآخر نصيبه قوم عليه الباقي ولم ينفذ عتق الآخر.
مسألة: قال: «ولو قال سيد المدبر: قد رجعت في تدبيرك أو نقضته، أو أبطلته لم يكن ذلك نقضًا للتدبير».
الفصل
جملة هذا أن الرجوع عن التدبير جائز قولاً واحدًا وسواء كان محتاجًا [24/ ب] إلى الرجوع أو غير محتاج إليه وبأي لفظ يصح الرجوع اختلف فيه قول الشافعي قال: في «القديم» وأحد قوليه في «الجديد» إذا قال: رجعت في تدبيره أو أبطلته أو نقضته أو فسخته كان راجعًا في التدبير، ومبطلاً.
وهذا اختيار المزني والقاضي والطبري وجماعة، وقال: في أكثر كتبه الجديدة لا يكون راجعًا فيه إلا بإخراجه من ملكه ببيع وغيره.
وهذا اختيار أبي إسحاق.
وقال القفال: أصل القولين إنه وصية أو عتق بصفة فإن قلنا وصية يجوز الرجوع عنها بالقول وإن قلنا عتق بصفة لا يجوز ذلك ووجه القول الأول أنه جعل له نفسه بعد موته فكان ذلك وصية به فجاز الرجوع بالقول كما لو أوصى به للغير.
ووجه القول الثاني: أنه علق عتقه بصفة، فلا يملك إبطالها مع بقاء ملكه كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر.
واحتج المزني على اختياره بما قال الشافعي رضي الله عنه لو قال: إن أدى هذا المدبر بعد موتي كذا، فهو حر كان رجوعًا عن التدبير، ولم يزل بذلك ملكه قلنا: قال ابن أبي هريرة وصاحب الإفصاح هذا على أحد القولين فأما على القول الآخر لا يكون رجوعًا، واحتج أيضًا بأن قال: قال الشافعي: لو وهبه هبة بتات قبض، أو لم يقبض أو رجع فهذا رجوع في التدبير قلنا: قال أصحابنا إن كان قد أقبضه، فهو مبني على القولين.
ومن أصحابه من قال: يكون رجوعًا قولا واحدًا وهكذا في المسألة السابقة ولا ينبني على القولين لأن الهبة قبل القبض [28/ أ]، وإن لم يزل الملك في الحال، فإنها تفضي إلى زوال الملك وهذا اختيار القاضي أبي حامد.
وقال في «الجامع»: ولا يصح الرجوع عن التدبير إلا بإخراجه من ملكه في أظهر قوليه في «الجديد» وينتقض التدبير على هذا القول بكل عقد يؤدي إلى خروجه من ملكه وإن لم يتم، فإذا وهبه هبة بتات قبضه الموهوب أو لم يقبضه رجع في الهبة أو لم يرجع أو أوصى به لرجل أو تصدق به عليه، أو قال: إن أدى بعد موتي كذا فهو حر
الجزء: 8 - الصفحة: 244
فهذا كله رجوع في التبدير، ولم يذكر فيه اختلاف أصحابنا، وجعل ذلك على القول الصحيح رجوعًا.
وهذا نقله من كتاب المدبر من «الأم» بعينه فبطل بذلك ما قال أصحابنا: من بناء ذلك على القولين في كلتا المسألتين ولهذا احتج به المزني على الشافعي.
وقد نقل البويطي عنه والرجوع في المدبر لا يكون إلا بالبيع أو الهبة، أو تحويله إلى غير مله لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما باع، والبيع خروجه من ملكه وليس الرجوع بالكلام ثم قال بعده بمسائل، ولو قال الرجل لمدبره إذا أدى بعد موتي كذا وكذا فهو حر، فهو رجوع في التبدير واحتج المزني أيضا بأن قال: إذا كان التدبير وصية، فلم يرجع في الوصية لو جاز أن يخالف من هلك فيبطل الرجوع في المدبر ولا يبطل في الوصية لمعنى اختلفا فيه جاز عليه بذلك المعنى أن يبطل بيع المدبر ولا تبطل الوصية فيصير إلى قول من لا يبيع المدبر، ولو جاز أن يجمع بين المدبر وبين الأيمان في هذا الموضع لجاز إبطال عتق المدبر لمعنى الحنث لأن الأيمان لا يجب الحنث بها على الميت.
أراد المزني [25/ ب] بهذا أن التدبير لو كان كالعتق المعلق بالصفة حتى لا يجوز الرجوع عنه بالقول لما عتق المدبر بصفة توجد بعد الموت إذ لا حنث على ميت.
ثم قال المزني: وقوله في «الجديد» و «القديم» بالرجوع فيه كالوصايا بعدل مستقيم لا يدخل عليه منه كسر بتعديل أي كسر يحتاج فيه إلى التعديل.
والجواب: أن التدبير وإن شاكل الوصايا في كونه من الثلث، فهو في نفسه تعليق عتق بصفة، وأجمعنا أن السيد لو علق عتق عبده بصفة لم يكن له الرجوع بالقول كذلك ههنا.
واعلم أن المزني توهم أن التدبير من باب الأيمان عند من لا يجوز الرجوع عنه بالقول، وأن العتق يحصل فيه بالحنث حتى قال: لو جاز أن يجمع بين التدبير والأيمان لجاز إبطال عتق المدبر إذ لا حنث على ميت.
وقد غلط في هذا الوهم لأنا لا نلحقه بالأيمان وإنما نلحقه بعتق معلق بصفة على غير جهة اليمين وتعليق العتق بالصفة على ضربين، وكذلك تعلق الطلاق بالصفة أحدهما أن يعلق بصفة بمنع نفسه عن شيء أو للحنث أو للتصديق وهذا الثلاثة في أوصاف الأيمان إما المنع، فمثل أن يقول: إن دخلت الدار فأنت حر.
وإما الحنث فمثل أن يقول: إن لم أدخل هذه الدار غدًا فأنت حر.
وإما التصديق فمثل أن يقول: إن كنت دخلت هذه الدار بالأمس فأنت حر، فهذا كله ليس بتدبير من هذا القسم.
والضرب الثاني: أن يقول: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر فهذا تعليق عتق بصفة لا على معنى اليمين؛ إذ ليس فيه منع ولا حنث ولا تصديق، والتدبير يلحق بهذا الضرب؛ إذ ليس فيه [26/ أ] منع، ولا حنث ولا تصديق اللهم إلا أن نجعل التصديق معلقًا بوصف، فيقول: إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي فهو حينئذ حالف في قوله: إن
الجزء: 8 - الصفحة: 245
دخلت الدار وليس بحالف في قوله: أنت حر إذا مت فصار التدبير في جميع الأحوال غير ملحق بالأيمان، وإن كان ملحقًا بالعتق المعلق بالصفة، فإن قال: لو كان عتقًا بصفة لبطل بالموت، قلنا: إنه لا يبطل بالموت لأنه قيد بالموت وهذا كالوكالة تبطل بالموت ولا تبطل الوصاية بالموت لتقييدها بالموت.
فرع
قال في البويطي: والكتابة في الصحة والمرض ليس برجوع عن التدبير إنما هي شبه الخراج يجعله عليه، وإذا جعل عليه شيئا من بعد موته فإنما جعل عليه شيئا لورثته بعد زوال ملكه فكان رجوعا.
وقال القاضي أبو حامد: إذا كاتبه سئل عن كتابته فإن أراد بها رجوعًا في التدبير كان راجعًا في أحد قوليه دون الآخر، وإن قال: أردت إثباته على التبدير فهو مدبر مكاتب في القولين معًا، فإن أدى قبل موته عتق بالكتابة، وإن مات السيد عتق بالتدبير إن احتمله الثلث وإن لم يحتمله عتق منه ما حمل الثلث وبطل عنه من الكتابة بقدره وكان عليه ما بقي من كتابته يسعى فيها حتى يؤدي فيعتق، أو يعجز فلم يجعل الشافعي الكتابة رجوعًا عن التدبير على قوله الجديد كما جعل البيع لأن الكتابة لا تزيل ملكه عن الرقبة في الحال، وإنما تزيل ملكه عن كسبه ولأن الكتابة عقد على منفعة له يستوفيها بالاستخدام فعلى هذا إن أدى مال الكتابة عتق وإن لم يؤد حتى مات [26 /ب] عتق بالتدبير على ما تقدم بيانه.
وقال بعض أصحابنا: إن قلنا: التدبير وصية بطل بالكتابة كما لو أوصى بعبد ثم كاتبه، وإن قلنا: عتق بصفة لم يبطل وتعلق عتقه نصفين.
وقال صاحب «الحاوي» هكذا ذكره أبو حامد وهذا عندي لا يصح، وإن جرى مجرى الوصية لا تكون الكتابة رجوعًا فيه لأن الرجوع إبطال العتق والكتابة مفضية إلى العتق فتناسب التدبير ولم تضاده.
فرع آخر
لو دبر المكاتب كان جائزًا فإن أدى قبل موت السيد عتق بالكتابة، وإن مات السيد ولم يؤد شيئا عتق بالتدبير وبطل ما عليه من النجوم إذا احتمله الثلث، وإن لم يحتمله عتق منه ما حمل الثلث، وقد قال أبو حامد: إذا عتق بالتدبير بطلت الكتابة وأراد زوال العقد دون سقوط أحكامه حتى يتبعه ولده وكسبه.
فرع آخر
قال في «الأم»: لو دبره ثم أوصى بنصفه لرجل كان النصف للموصى له به كان النصف مدبرًا فإن رد صاحب الوصية ومات السيد المدبر لم يعتق من العبد إلا النصف لأن السيد قد أبطل التدبير في النصف الذي أوصى به، وكذلك لو ذهب نصفه، أو باعه وهو حي فقد أبطل التدبير في النصف الذي باعه، أو وهبه، والنصف الثاني مدبر.
الجزء: 8 - الصفحة: 246
فرع آخر
لو رجع في تدبيره ربعه، فإن قلنا: إن التدبير كالوصية يجوز وإن قلنا: كالعتق بالصفة لا يجوز، فإذا قلنا: يجوز فما رجع فيه يكون رقيقًا، وما لم يرجع فيه يكون مدبرًا، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز الرجوع في تدبير نصفه إذا قلنا: تدبير بعضه [27/ أ] يسري إلى كله.
فرع آخر
لو قال: رجعت في تدبير رأسك فيه وجهان: أحدهما: يكون كالتصريح بالرجوع في كله لأنه قد يعبر عنه بالرأس، فيقال: رأس من الرقيق: والثاني: لا يكون رجوعًا في شيء منه لأن التدبير صريح في جمعه والرجوع كناية محتملة في بعضه، فلم يبطل حكم الصريح بالإجماع ويخالف الرجوع في نصفه لأنه صريح في مقدر قابل صريحًا عامًا.
فرع آخر
لو عرضه على البيع هل يكون كالتصريح في الرجوع فيه وجهان: أحدهما، هو كالتصريح لأنه شروع في إخراجه من ملكه، والثاني: لا يكون تصريحًا وتدبيره بعد العرض باقٍ لأنه يحتمل أن يريد به معرفة قيمته، وقيل: إنه مبني على القولين في أنه كالوصية، أو كالعتق بالصفة.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يكون رجوعًا إلا بالإخراج عن ملكه فوقفه كان رجوعًا لأنه أخرجه به عن ملكه.
فرع آخر
لو رهنه ففي صحة رهنه ثلاثة أقوال، أحدها: باطل على القولين سواء قلنا: إنه كالوصية، أو كالعتق بصفة، والثاني: أنه جائز على القولين، والثالث: إن قلنا كالإعتاق بصفة فيه وجهان، لأن الرهن يفضي إلى بيعه، فإذا قلنا: لا يجوز الرهن، فإن قلنا: كالعتق بصفة لم يبطل تدبيره، وإن قلنا: كالوصية هل يبطل تدبيره فيه وجهان، لأنه تعريض لبيعه.
فرع آخر
لو قال: بعضك مدبر ومات يرجع إلى الورثة فإن اتهمهم العبد أحلفهم على العلم.
فرع آخر
لو قال المدبر رددت التدبير في حياة السيد، أو بعده كان مدبرًا بحاله، [27/ ب] ولا يؤثر قوله في ذلك.
فرع آخر
لا يجوز تدبير أم الولد لأن الذي يقتضيه التدبير هو العتق بالموت، وقد استحق
الجزء: 8 - الصفحة: 247
ذلك بالاستيلاد فلم يفد التدبير شيئا إذا دبرها ثم مات عتقت بالاستيلاد من رأس المال.
فرع آخر
قال في «الأم»: لو دبر رجل عبده، ثم قال: اخدم فلانًا ثلاث سنين وأنت حر، فإن خرس السيد أو ذهب عقله قبل أن يسأل لم يعتق العبد أبدًا إلا أن يموت السيد وهو يخرج من الثلاث، ويخدم فلانًا ثلاث سنين، فإن مات فأبان قبل موت السيد أو بعده، ولم يخدم ثلاث سنين لم يعتق أبدًا لأنه أعتقه بشرطين، فبطل أحدهما، وإن سئل السيد، فقال: أردت إبطال التدبير، وأن يخدم فلانًا ثلاث سنين ثم هو حر فالتدبير باطل، فإن خدم فلانًا ثلاث سنين فهو حر وإن مات فلان قبل أن يخدمه، أو لم يخدمه العبد لم يعتق، وإن أراد السيد الرجوع في الإخدام رجع فيه، ولم يكن العبد حرًا، وإن قال: أردت أن يكون مدبرًا، وأن يخدم فلانًا ثلاث سنين فالتدبير بحاله، ولم يعتق إلا بهما.
قال القاضي أبو حامد: معناه أن يخدمه في حياة السيد ثلاث سنين ثم يموت السيد فيعتق بهما.
فرع آخر
قال أيضا: ولو قال السيد على هذا المدبر خدمة عشر سنين بعد موتي ثم هو حر، أو هر حر بعد موعتي لسنة فإن خدم عشر سنين بعد موته، أو أتت عليه سنة بعد موته فهو حر، وإلا لم يعتق، قال الشافعي رضي الله عنه: وكل هذا وصية [28/ أ] أحدثها له وعليه بعد التدبير، فتكون أولى من التدبير كما لو قال: عندي هذا لفلان، ثم قال: بل نصفه لم يكن إلا نصفه.
فرع آخر
قال: ولو قال رجل عندي لفلان، ثم قال بعد ذلك: عندي لفلان إذا دفع إلى ورثتي عشرة دنانير أو إلى غير ورثتي، فإن دفع عشرة دنانير فهو له وإلا لم يكن له لأنه إحداث له، وعليه بعد الأولى، فينتقض الشرط في الأولى، والآخرة أحق من الأولى، وقال القاضي الطبري هاتان المسألتان ذكرهما في «الأم» في هذا الباب.
وهما من جنس ما قال أصحابنا: إنه لا يكون رجوعًا في أحد القولين وقد جعلهما الشافعي رجوعًا، والصحيح ما اختاره المزني من جواز الرجوع بالقول كما يجوز الرجوع في الوصايا وهو معتدل مستقيم، كما قال، والله أعلم.
وعلى هذا لو قال للمدبر: إذا مت فدخلت الدار فأ، ت حر كان رجوعًا عن التدبير، ولو قال: إن دخلت الدار فأنت حر وأطلق، لا يكون رجوعًا بل زاد أمرًا آخر يعتق به.
الجزء: 8 - الصفحة: 248
مسألة: قال: «وجناية المدبر كجناية العبد».
الفصل
الكلام في هذا في جناية المدبر، والجناية عليه، فأما جنايته فيتعلق أرشها برقبته كالعبد القن سواءً لأنه لما كان كالعبد في جواز تصرف السيد في رقبته كان مثله في تعلق الأرش برقبته، فإذا تعلق الأرش بها كان السيد بالخيار بين أن يفديه وبين أن يسلمه للبيع كما يكون له الخيار في العبد القن [28/ ب] فإذا اختار الفداء في كم يفدي فيه؟ قولان: أحدهما: بالأقل من قيمته والأرش، والثاني: بالأرش باغًا ما بلغ أو يسلمه للبيع كما قلنا في العبد القن سواءً، فإن فداه السيد، فالتدبير بحاله وإن سلمه للبيع فبيع في الجناية يبطل التدبير بزوال ملكه عنه، فإن عاد إلى ملكه بابتياع أو بهبة أو غير ذلك، فهل يعود التدبير، فإن قلنا: إنه كالوصية لا يعود التدبير؟ وإن قلنا: إنه كالعتق بصفة ففيه قولان: كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم باعه ثم دخل الدار هل تعود اليمين بعود الملك، فيه قولان، وقال أبو حنيفة: يلزمه الفداء كما في أم الولد إذا حنث إذ لا سبيل إلى بيعه عبده.
فرع
لو بيع بعضه في الجناية بطل التدبير في ذلك البعض، والباقي مدبر بحاله لأن الجناية لم تخلص إليه.
فرع آخر
لو مات السيد قبل البيع والفداء فهل يعتق؟ هو مبني على القولين في العبد الجاني إذا أعتقه سيده.
هل ينفذ أم لا، وفيه قولان، فإن قلنا: ينفذ العتق المباشر ينفذ العتق بالصفة، وإن قلنا: لا ينفذ ذاك لا ينفذ هذا، فإذا قلنا: بالنفوذ أخذ من تركته أقل الأمرين من الأرش، أو القيمة ويسلم إلى المجني عليه لأن عتقه كان بسبب منه، وإن قلنا لا ينفذ فوارثه يقوم مقامه في الفداء والتسليم ليباع، فإن فدوه يعتق من الثلث.
فرع آخر
لو جنى المدبر بما يستغرق ثلث الرقبة مثلا ومات السيد قبل الفداء ففدى الوارث من ماله ذلك الثلث، ففي ولاء ذلك الثلث وجهان، قال ابن سريج: هو للوارث.
[29/ أ] وقال القفال: عندي قول آخر إن كل الولاء للميت بناءً على القولين في إجازة الورثة هل هي تنفيذ أم ابتداء عطية لأن هذا الفداء من الورثة كالإجازة فإنه متمم به قصد الموروث وكانا في أحد الوجهين يجعل كأنه بيع ثم اشتراه الوارث، فأعتقه فيكون الولاء له، وفي الثاني: جعل تتميمًا للتدبير وهما كالوجهين فيما قال الشافعي في عبد مرهون جنا ففداه المرتهن بشرط أن يكون العبد عنده وثمنًا بأصل المال وبهذا الفداء
الجزء: 8 - الصفحة: 249
قال الشافعي: جاز، فمن أصحابنا من قال: هكذا إذا جوزنا الزيادة في الحق بالرهن الواحد، ومنهم من قال: وإن لم نجوز ذلك لأنه لما أشرف على الزوال والبيع في الجناية جعل ابتداء عقد رهن جديد، وكذا الوجهان، فيمن باع شجرة واستثنى لنفسه الثمرة مثلا قبل الإبار بل يحتاج إلى شرط القطع، فأحد الوجهين يحتاج إليه كما لو باع الكل ثم اشترى الثمرة، والثاني: لا يحتاج إلى شرطه لأنه استبقاء لها وليس بابتداء شراء فلا حاجة إلى شرط القطع.
فرع آخر
لو جنى على المدبر فإن كانت على الطرف فالأرش للسيد بلا خلاف والتدبير بحاله، وإن جنى على نفسه بطل التدبير لفواته ولا يتعلق التدبير بقيمته لأنه لا يصح أن يكون القن مدبرًا ويفارق العبد المرهون إذا قتل حيث قلنا: تجعل قيمته رهنًا لأنه يصح أن يتعلق حكم الرهن بالقيمة ابتداءً وهذا الفرق ضعيف لأنه يبطل بالعبد الموقوف إذا قتل [29/ ب] يشترى بقيمته عبد يكون وقفًا في أصح الوجهين، وإن كانت القيمة لا يصح وقفها، والفرق الصحيح أن الرهن لازم يتعلق الحق ببدله، والتدبير ليس بلازم لأنه يمكنه إبطال بالبيع فلم يتعلق ببدله.
فرع آخر
إذا دبر أمة حاملا فحنث يتعلق أرش جنايتها برقبتها دون حملها، فإن فداها السيد كان التدبير باقيًا فيها، وفي حملها، وإن إن لم يفدها، وأراد بيعها، فإن كان بعد ولادتها كان الولد خارجًا من بيعه في الأرش، ولم يجز أن يفرق بينهما في الملك فتباع مع ولدها ويكون ثمن الأم مستحقًا في الأرش، وثمن الولد خالصًا للسيد، وإن كانت وقت البيع حاملاً لم يلزم مستحق الأرش أو يؤخر بيعها لأنه حقه معجل ولم يجز استثناء حملها في البيع لأن بيع الحامل دون حملها باطل وبيعت حاملاً وكان جميع ثمنها مستحقًا في الأرش، إن قلنا: لا قسط للحمل من الثمن في البيع، وإن قلنا: له قسط ففيه وجهان: أحدهما: يدفع إلى السيد ما قابل ثمن الحمل، والثاني: وهو الأظهر أنه يدفع كل الثمن إلى مستحق الأرش لأنه لما لم يجز أن يتميز في البيع لم يجز أن يتميز في الثمن وصار الحمل في حق السيد كالمستهلك، ولو ضرب بطنها قبل البيع فألقت جنينًا كانت ديته للسيد دون مستحق الأرش بلا خلاف.
مسألة: قال: «ولو ارتد المدبر ولحق بدار الحرب».
الفصل
صورة المسألة: أن يدبر عبدًا ثم ارتد العبد فالتدبير لا يبطل بارتداده لأنه لم يزل ملكه عنه، فإن لحق بدار الحرب فظهر المسلمون على الدار لم يجز أن يسترقوه سواء
الجزء: 8 - الصفحة: 250
كان السيد حيًا أو ميتًا إن كان [30/ أ] حيًا فهو على ملكه، ولا يجوز أن يملك مال المسلم بالقهر، وإن كان السيد ميتًا فقد عتق بموته وثبت عليه الولاء، فلا يجوز إبطال حقه الثابت عليه، ولو غنم المشركون مدبرًا مسلمًا ثم عاد إلى يد المسلمين فهو مدبر كما كان، ووافقنا أبو حنيفة فيه وعذره أن حق إلصاق ثبت فيه فلا سبيل إلى إبطاله بالاغتنام وإن وجده السيد بعدما قسمه الإمام فإن الإمام لا ينقص القسمة ويعوض من حصل هذا العبد في قسمه بقدر قيمته من بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال شيء نقض القسمة لموضع الضرورة ورد على صاحبه وقسمت الغنيمة دونه.
فرع
لو دبر الذمي عبده ذميًا ثم مات، فلحق بدار الحرب وسباه المسلمون فهل يجوز استرقاقه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن فيه إبطال حق الذمي من الولاء، والثاني: يجوز لأن سيده لو لحق بدار الحرب يجوز استرقاقه، فكذلك عبده ويخالف عبد المسلم لأن المسلم لو ارتد ولحق بدار الحرب لم يجز استرقاقه ويمكن أن يفرق بين لحوقه بدار الحرب وبين لحوق عبده بأنه إذا حلق بدار الحرب لم يكن ذميًا فجاز استرقاقه، وإذا لحق عبده فحكم الذمية باق فيه وفي ماله وحقوقه فافترقا.
مسألة: قال: «لو أن سيده ارتد فمات كان ماله فيئا والمدبر حرا».
اختلف أصحابنا في هذا على طرق، فقال أبو إسحاق: الأمر على ما نص عليه الشافعي قولاً واحدًا لأنه استحق الحرية [30 /ب] بالتدبير السابق في حالة الإسلام فلا يبطل بالردة المعارضة، يؤكده أن الردة إنما تؤثر في العقود المستقبلة لا في الماضية كما لو باع أو وهب ثم ارتد لا يؤثر في ذلك، ومن أصحابنا من قال: هذا مبني على زوال ملك المرتد وفيه طريقان: أحدهما: فيه قولان: أحدهما: ملكه باق إلى أن يقتل، أو يموت، والثاني: ملكه موقوف.
والثانية: فيه ثلاثة أقوال اثنان ما ذكرنا، والثالث يزول ملكه بنفس الردة، فإذا قلنا بهذا بطل التدبير بزوال ملكه، وإذا قلنا: ملكه ثابت أو مراعي فالتدبير على ما كانت عليه، قال: القائل ونص الشافعي في القديم على قولين، فقال إذا دبر عبدًا ثم ارتد، فيه قولان: أحدهما: لا يعتق لأن ماله صار كالمستحق بالردة، والثاني: يعتق إذا مات السيد، أو قتل، وذكر القفال: أنا إذا قلنا: ملكه موقوف يكون التدبير موقوفًا وهذا أصح.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد أنها لا يعتق وخالف المنصوص، ووجهه أن المدبر يعتق من الثلث فيحتاج إلى أن يحصل للورثة ثلثا المال حتى يعتق، وههنا لا يحصل للورثة شيء، فإن المال ينقلب إلى بيت المال فيئًا فلا يعتق المدبر، وهذا غلط لأنه يعتبر خروج المدبر من الثلث ولا يعتبر حصول الثلثين
الجزء: 8 - الصفحة: 251
للورثة المناسبين وههنا يحصل الثلثان لمن يستحق المال وهم المسلمون الذين يقومون مقام المناسبين ومن قال بهذه الطريقة الأخيرة، قال: وصاياه أيضا تبطل بموته على الردة [31/ أ] على جميع الأقوال لهذه العلة وهو غلط لما ذكرنا، وقال في «الحاوي»: إذا قلنا: زال ملكه هل يبطل تدبيره؟ فيه وجهان: أحدهما: يبطل فإن عاد إلى الإسلام، فإن قلنا: يجري مجرى الوصية لم يعد إلى التدبير وإن قلنا: يجري مجرى العتق بالصفة، فهل يعود إلى التدبير؟ فيه قولان، والثاني: لا يبطل تدبيره لأنه سبق في ملك يجوز فيه تصرفه: فعلى هذا إن خرج من ثلثه عتق بموته، أو قتله، وإن عجز عن الثلث، ولم يملك سواه فيه وجان: قال البصريون: يعتق ثلثه ويرق ثلثاه لكافة المسلمين لأنهم يقومون في ماله مقام ورثته فلم يعتق في حقهم حتى يصل إليهم ثلثاه، وقال البغداديون: وهو الأظهر عندي يعتق جميعه لأن المال المرتد ينتقل إلى المسلمين فيئًا لا إرثًا، معتبرًا، والثلث معتبر في الميراث دون الفيء، واختار الشافعي في المرتد: أن ملكه موقوف كما يوقف دمه على ثبوته، واختار المزني أنه باق، وبه قال أبو يوسف محمد، وقد ذكر الشافعي فيما نقله المزني أنه قال: ملكه بالردة خارج عن تصرفه لا عن ملكه فليس في الملك إلا قولان موقوف أو ثابت، وقيل: أراد خروجه عن ملكه، ففي الملك ثلاثة أقوال، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في مواضع، ولا بد من الإشارة إلى هذا القدر في هذا الموضع.
مسألة: قال: «ولو دبره مرتدًا».
يعني إذا ارتد ثم دبر عبدًا فيه ثلاثة أقوال منصوصة [31/ ب] في «المختصر»: أحدهما: باطل، والثاني: جائز، والثالث: موقوف.
ولا يختلف أصحابنا في تصرف المرتد بالتدبير وغيره أنه على هذه الأقوال الثلاثة، وإنما اختلفوا في الملك على طريقين، فإذا قلنا: ملكه موقوف فتصرفه موقوف، وإذا قلنا: ملكه ثابت، ففي تصرفه قولان: أحدهما: جائز، والثاني: باطل، لأنه كالمحجور عليه، وقد قال الشافعي: أشبه الأقوال أنه يزول ملكه بنفس الردة وتصرفه باطل، وبه أقول لأن حرمة النفس أكثر من حرمة المال، وقد زالت حرمة نفسه لكفره فحرمة ماله أولى.
واعلم أنه على كل حال يستحق الحجر في تصرفه بالردة وبهذا يصير محجورًا عليه ففيه وجان: أحدهما: بنفس الردة، وهو إذا قلنا: زال ملكه، والثاني: لا حجر إلا بحكم الحاكم وتصرفه باطل من التدبير وغيره بعد الحجر قولاً واحدًا.
وقال أبو إسحاق: تصرفه بعد الحجر باطل إلا الوصية فإنها من تصح المحجور عليه، والتدبير في أحد القولين كالوصية وأما بيعه وكاتبه قبل الحجر هل يوقف؟ فيه وجهان: أحدهما: باطل لأن العقد لا يقبل الوقف، والثاني: جائز، لأنه موقوف على النسخ دون الإمضاء كالوقف في مدة الخيار، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان التدبير
الجزء: 8 - الصفحة: 252
قبل الحجر؛ فإن قلنا: الملك باق صح التدبير، وإن قلنا موقوف فقولان أحدهما: باطل، والثاني: موقوف وهما قولا وقف العقود، وإن كان بعد الحجر فإن قلنا: ملكه زائل لا يصح وإن قلنا: باق، ففيه قولان بناء على تصرفاته من البيع والهبة ونظيره [32/ أ] القولان في تصرفات المفلس بعد الحجر عليه، أحدهما: باطلة، والثاني: موقوفة، والصحيح ما ذكرنا أولا واحتج المزني على ما اختاره بأن الشافعي قال: إذا كاتب المرتد عبده جاز فدل على أن ملكه ثابت.
قلنا: قد ذكرنا حكم كتابته، وقيل: فيه قولان، فإن قلنا: ملكه زائل أو موقوف فباطلة، وإن قلنا: ملكه باق فجائز، وقال أبو إسحاق في الكتابة أيضًا ثلاثة أقوال، لأن الكتابة عقد يدخله الغرر، واحتج أيضًا بأن الشافعي اختار أن ينفق من مال المرتد ما يلزم المسلم نفقته فلو كان ماله خارجًا عن ملكه لما أمر بذلك لأنه لا يجوز أن ينفق من مال الغير، قلنا: قال الاصطخري: لا ينفق عليه ولا على عياله ولا يؤدي منه أروش جناياته لأنه مال الغير وسائل أصحابنا سلموا كل ذلك واعتذروا أنه أحق بذلك من بيت المال، وإن كان ملكه زائلاً عنه وعليه نص الشافعي، ولأن نفقة من يلزمه نفقته إنما أخذناها من ماله لأن سبب وجوبها سابق واحتج أيضًا بالمدبر، ولا يصح ذلك لأن حريته معلقة بموته، والارتداد ليس بموت وإن كان في بعض الأحكام كالموت.
واحتج أيضًا باستصحاب الحال، فقال: مع أن ملكه له بإجماع قبل الردة، فلا يزول ملكه إلا بإجماع، وهو أن يموت، قلنا: نحن لا نزيل ملكه بعد الردة حيث انعقد الإجماع على ملكه، وهو في حال إسلامه، وإنما نزيل ملكه بعد الردة، وليس بعد الردة إجماع.
واحتج بأنه لو خرج عن ملكه لصار فيئًا كما بعد موته، قلنا: لأن معرض أن يعود إليه كمن ماتت له بهيمة فالجلد معرض أن يعود إلى ملكه لما عاد بالإسلام [32/ ب] قلنا قد يعود كالعصير يصير خمرًا ثم يصير خلاً فيعود الملك فيه.
مسألة: قال: «ولو قال لعبده: متى قدم فلان، فأنت حر فقدم، والسيد صحيح أو مريض».
الفصل
إذا قال: هذا فقدم والسيد مريض، فمات عتق من رأس المال لأنه غير متهم فيه لأنه لا يعلم هل يوافق قدومه مرضه أو صحته.
وقال القفال: فيه قول آخر يكون من الثلث، وهو قول أبي حنيفة لأن نفوذ العتق كان في مرض الموت وهما كالقولين في رجل قال: إن قدم فلان فأنت طالق فقدم فلان وهو مريض مرض الموت هل يجعل كأنه طلقها في المرض أم لا يجعل كذلك؟ فيه قولان: وقال أبو حنيفة: ههنا يجعل كأنه طلقها في الصحة حتى ترث بخلاف ما لو قال في العتق أنه من الثلث وعندي
الجزء: 8 - الصفحة: 253
إطلاق القولين خطأ، وينبغي أن يقال: فيه وجه لبعض أصحابنا وكذلك الحكم في الطلاق.
ولو قال: إذا مرضت فأنت طالق ثلاثًا فمرض ومات منه طلقت وهل ترثه؟ قولان كما لو ابتدأ الطلاق في حالة المرض وعلى هذا لو باع الصحيح حابى وشرط الخيار لنفسه ثم مرض في مدة الخيار فلم يفسخ حتى مات.
نص الشافعي على المحاباة من الثلث لأنه لما كان قادرًا على فسخه في مرضه فلم يفسخ وأجازه لحقته التهمة فيه فاعتبرنا المحاباة فيه من الثلث، وكذلك لو وهبه في صحته وأقبضه في مرضه ثم مات يكون من الثلث وعلى هذا لو قال لعبده: إن دخلت الدار، [33/ أ] فأنت حر فمرض ثم دخل الدار ثم مات اعتبر من الثلث لأنه متهم باختيار الكلام في هذه الحالة.
فرع
لو قال: أنت حر إن جننت فجن هل يعتق؟ قال صاحب الإفصاح: يحتمل وجهين: أحدهما: لا يعتق لأن المضاف إلى حالة الجنون كما لو ابتدأه في حالة الجنون كما قال الشافعي في اعتباره من الثلث، والثاني: يعتق لأن الإيقاع حصل في الصحة.
فرع آخر
لو دبر أخاه، وعتق بموته لم يرثه قولا واحدًا، لأنه حصل العتق قبل الموت.
فرع آخر
لو قال لأخيه: أنت حر في آخر أجزاء صحتي المتصل بأول أسباب موتي ثم مات عتق من رأس المال وورثه لتقدم عتقه في الصحة بعد موته، ولو قال له: أنت حر في آخر أجزاء حياتي المتصل بموتي عتق من ثلثه إذا مات وفي ميراثه وجهان: أحدهما: لا يرث لأن عتقه في المرض وصية تمنع الميراث، والثاني: يرث ولا يكون عتقه وصية له وإن كان معتبرًا من الثلث لأن الوصية ما ملك عن الموصي، وهو لم يملك نفسه عنه.
فرع آخر
لو قال لأخيه في صحته: إن مت بعد شهر فأنت اليوم حر فمات قبل شهر لم يعتق وإن مات بعد شهر عتق يوم لفظه وورثه.
ولو قال ذلك في مرضه كان في ميراثه الوجهان ثم أعاد المزني مسألة ذكرها فلعله نسيها فقال: «وجناية المدبر كجناية عبد» وقد مضت هذه المسألة.
مسألة: قال: ولا يجوز على التدبير [33/ ب] إذا جحد السيد إلا عدلان.
اعلم أنه إذا اختلف السيد والعبد في التدبير فادعى العبد ذلك وأنكره السيد فهو مبني على أن التدبير وصية أم عتق بصفة؟ فإن قلنا: إنه عتق بصفة صح الاختلاف فيه لأن الرجوع فيه بالقول لا يمكن، فإن لم يكن معه العبد بينة، فالقول قول السيد لأن
الجزء: 8 - الصفحة: 254
الأصل بقاء الرق فيحلف أنه ما دبره فإنها يمين على الإثبات، وإن كان مع العبد بينة يحكم بها، ولا يقبل في ذلك إلا ذكران لأن القصد منه العتق، وإن قلنا: التدبير وصية يصح الرجوع فيه بالقول، فمن أصحابنا من قال: ألقول قول السيد: ما دبرت، ويكون رجوعًا إذ لا فرق بين أن يقول: رجعت وبين أن يقول: ما دبرت فلا يتصور الإحلال على هذا الوجه، ومن أصحابنا من قال: لا يكون رجوعًا، وهو المذهب المنصوص عليه في كتاب الدعوى والبيانات فإنه قال فيه: إذا ادعى العبد على سيده أنه دبره، فأنكره، قلنا له: لا نحتاج إلى يمين في التدبير فنص على أن الإنكار لا يكون رجوعًا وهذا صحيح، لأن جحود الشيء لا يكون رجوعًا كجحود الزوج للزوجة لا يكون إقرارًا بالطلاق، فعلى هذا يتصور الإحلاف على القولين معًا وله أن يسقط اليمين على نفسه بأن يقول: إن كنت دبرته فقد رجعت عنه في أحد القولين، وكذلك إذا قامت البينة عليه على هذا القول فله إقاطها بما ذكرت وله بعد حكم الحاكم بالبينة أن يسقط الحكم أيضًا بما ذكرت، وقال في «الحاوي»: إذا أنكر السيد [34/ أ] فليس له إحلاف السيد ولا تسمع البينة عليه إذا أراد السيد بجحوده تعجيل بيعه لأن له إبطال تدبيره ببيعه، وإن أراد أن يستبقيه على ملكه سمعت دعواه وهل يحلف السيد فعلى ما ذكرنا.
فرع
لو وقع هذا الاختلاف بينه وبين ورثة مولاه بعد موته فرجوعهم عنه لا يصح إذا كان العبد يخرج من الثلث، فإن لم يكن للعبد بينة حلف الورثة ما علموا أن أباهم دبره، وكان رقيقًا، وإن نكلوا حلف العبد على البت وعتق إذا حلف، فإن حلف بعضهم ونكل البعض حلف العبد وعتق منه نصيب الناكلين ورق نصيب غير الناكلين.
فرع آخر
قال في «الحاوي»: الورثة مخيرون في نفي التدبير أو العتق، فإن حلفوا على نفي التدبير قالوا: والله لا نعلم أنه دبرك ولا يحتاج أ، يقول: وإنك لباقٍ على الرق، وإن حلفوا على نفي العتق، قالوا: لا نعلم أنك عتقت، وهل يلزمهم أن يقولوا في هذه اليمين وإنك لباق على الرق فيه وجهان: أحدهما: لا يلزم، والثاني: يلزم ههنا، والفرق [بينهما] أن التدبير صريح الدعوى فجاز الاقتصار على نفيه، والعتق حكم الدعى في حق العبد والرق حكم الإنكار في حق الورثة فيلزم الجمع بين الأمرين نفيًا وإثباتًا.
فرع آخر
إذا لم يحلف الورثة ورد اليمين على العبد يجب عليه أن يحلف إذا علم أنه صادق ليفتك رقبته من الرق.
الجزء: 8 - الصفحة: 255
فرع آخر لو ثبت التدبير وادعى الوارث رجوع السيد عنه بأن قال: رجعت أو بأن باع ثم اشترى يقبل فيه شاهد ويمين وشاهد وامرأتان لأن قصد [34/ ب] الوارث منه المال ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وعلى هذا العجز عن أداء مال الكتابة يثبت بشاهدٍ ويمين وشاهدٍ وامرأتين لأن القصد منه المال بخلاف الكتابة لا تثبت إلا برجلين، ومن أصحابنا من قال: إذا ادعى السيد الرجوع يقبل منه هذا ولا يقبل من الورثة في أحد الوجهين، لأن السيد يدعي الملك والورثة ينفون حرية حاصلة بموت السيد في الظاهر.
باب وطئ المدبرة وحكم ولها
مسألة: قال: «ويطأ السيد مدبرته».
الفصل
اعلم أنه إذا دبر أمته لم يحرم عليه وطئها لأنها مملوكة له ملك رقبتها ومنفعتها ويخالف الأمة الزوجة لأنه ملك منفعة الاستمتاع زوجها، فلم يجز له استباحتها ولأنه لما جاز للولي وطء أم الولد فلأن يجوز وطء المدبرة أولى لأن استحقاق أم الولد للحرية آكدة، ولا يمكن السيد إبطالها بالتصرف، ولا الرجوع عنها وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه دبر أمتين له وكان يطؤهما، فإذا وطئها وأحبلها فولدت منه، قال أصحابنا صارت أم ولده ويبطل التدبير لأنه آكد من التدبير إذا يعتبر من رأس المال، ولا يصح الرجوع عنه، فأزال الضعيف كما إذا ورد ملك اليمين على النكاح أبطله لأنه أقوى من النكاح.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه: لا فائدة في إبقاء التدبير لأنه لا يجوز أن يزول حكم الإحبال في حياة سيدها، فيكون لبقاء التدبير فائدة، ويخالف هذا إذا دبرها ثم كاتبها يبقى التدبير [35/ أ] في أحد القولين لا يجوز أن يفسخ عقد الكتابة ويبقى حكم التدبير، وأيضًا فالكتابة والتدبير معناهما واحد، وهو أن كل واحد منهما تعلق عتق نصفه من جهة القول، فلم يمنع أحدهما صحة الآخر بخلاف الاستيلاد والتدبير.
وقال صاحب «الحاوي» هكذا ذكر أبو حامد ولا يصح ذلك لأنه قد طرأ على التدبير ما هو أغلظ منه، وهو الإيلاد فصار داخلا فيه، وغير مبطل له كما لو طرأ الجنابة على الحدث يدخل فيها ولا يرتفع بها، وقيل: يعتق بشيئين حتى لو رجع في التدبير قولا، وجوزنا ذلك في أحد القولين، بقي الاستيلاد.
مسألة: قال: «وما ولدت من غيره ففيها واحد من قولين».
الجزء: 8 - الصفحة: 256
الفصل
اعلم أن المدبرة إذا أتت بولد من زوج أو زنا فيه قولان منصوصان: أحدهما: يتبعها في التدبير لأنها تعتق بموت سيدها فوجب أن يتبعها ولدها في حكمها كأم الولد، ولأن ولد كل ذات رحم بمنزلتها فولد الحرة حر وولد المملوكة مملوك فكذلك ولد المدبرة مدبر، وبهذا قال عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وجابر رضي الله عنهم وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق، ولفظ جابر ما أرى ولد المدبرة إلا بمنزلة أمهم، ولفظ ابن عمر ولد المدبرة بمنزلتها يعتقون بعتقها ويرقون برقها، والثاني: لا يتبعها بل يكون مملوكًا للسيد وبه قال زيد بن ثابت وأبو الشعثاء جابر بن زيد من التابعين وعطاء وهو اختيار المزني، ولفظ زيد بن ثابت حين جاء رجل إليه، وقال: ابنة عم لي أعتقت جاريتها عن دبر ولا مال لها غيرها، [35/ ب] قال: لتأخذ من رحمها ما دامت حية.
وروى أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول في أولاد المدبرة: أنهم عبيد إلا أن تكون حبلى يوم دبرت، أورده الإمام البيهقي ووجهه أن التدبير عقد يدخله الفسخ فلم يسر حكمه إلى الولد كالرهن والوصية.
واختلف أصحابنا في هذين القولين، فمنهم من قال: هما مبنيان على القولين في التدبير أنه وصية يصح الرجوع عنه أو لا، فإن قلنا: وصية لا يتبعها وإن قلنا عتق بصفة وليس بوصية يتبعها وهذه طريقة المزني، ومن أصحابنا من قال: سواء قلنا إنه وصية لو عتق بصفة فيه قولان، وهذا اختيار أبي إسحاق لأن الشافعي نص على أن ولد المعتقة بالصفة هل يتبعها قولان.
ذكره القاضي الطبري، فلو كان مبنيًا على القولين لوجب أن يكون في ولد المعتقة بالصفة قول واحد أن الولد يتبعها، ولا يعني بهذا أن الولد يتبعها في الصفة حتى إذا أدخل الولد الدار وكان العتق معلقًا بدخول الدار يعتق الولد ولكن أردنا به أن الولد يعتق بدخول الأم الدار في أحد القولين، ولأن التدبير يفارق الوصايا لأنه يتضمن العتق المبني على التطيب والسراية.
قال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مرتب على التدبير، فإن قلنا: لا يتبع الولد المدبرة في التدبير ففي المعلق عتقها بصفة أولى، وإن قلنا: هناك يتبع فههنا قولان، وقيل: هذا في صفة لا توجد لا محال، فإما في صفة قد تكون مثل قدوم فلان لا يتبع الولد الأم قولا واحدًا وهذا ضعيف [36/ أ].
قال القفال: والصحيح من المذهب أنه لا يتبعها بخلاف التدبير، والفرق أن المدبرة أشبهت أم الولد لأن عتقها معلق بموت السيد كأم الولد سواء، فإن قلنا: الولد يتبعها
الجزء: 8 - الصفحة: 257
في التدبير فرجع السيد عن تدبيره الأم وهي حامل، أو ولدت وماتت الأم، فهل يبطل التدبير في الولد؟ نص الشافعي على أنه يبطل ويكون الولد باقيًا على تدبيره يعتق بموت السيد لأنهما مدبران، فإذا بطل التدبير في أحدهما لم يبطل في الآخر كالعبدين، ويفارق ولد المكاتبة إذا قلنا: يعتق بأداء النجوم فعجزت نفسها وفسخت الكتابة، فإنها تنفسخ في الولد ولا يعتق، والفرق بينهما أنا لم نجعل ولد المكاتبة مكاتبًا، ولا أدخلناه في العقد، وإنما جعلناه موقوفًا على حريتها في أحد القولين لأنه حصل في ملكها، فإذا عادت رقيقة عاد الولد رقيقا، وههنا جعلنا ولد المدبرة مدبرًا، ولأن عتق الولد هناك يتعلق بأدائها النجوم، فإذا فسخت الكتابة بطل أداء النجوم، فلا تحصل صفة العتق في الولد، وليس كذلك في التدبير، فإن الصفة موت السيد، وذلك لا يسقط بطلان التدبير في الأم، ولو رجع في تدبير الولد لم يكن رجوعًا في تدبير الأم للعلة التي ذكرناها، ولو أعتق الولد في البطن لم تعتق الأم، فلا يبطل تدبيرها بالرجوع في تدبير الحمل.
فرع
لو رجع في تدبيره ثم ولدت لأقل من ستة أشهر من يوم رجعل فالولد مدبر لأنه كان في بطنها قبل رجوعه عن تدبيره، وإن وضعت لأكثر من ستة أشهر من يوم رجع فهو مملوك، وهذا إذا كان لها زوج فأتت بولد وإن حكمنا بلحوق الولد [36/ ب] بالأب هل يكون مدبرًا؟ فيه قولان: أحدهما: يتبعها كما يحكم به في النسب، والثاني: لا يتبعها لأن النسب آكد في ثبوته بالإمكان.
قال المزني: لما حكي هذا الفصل عن الشافعي رضي الله عنه هذا أيضا رجوع في التدبير بغير إخراج من ملكه فتفهم، قلنا له: أجاب الشافعي على أحد القولين، فأي إشكال في هذا حتى يحتاج إلى تفهمه؟
فرع آخر
لو كانت له أمة حامل فدبرها فالحمل يتبع الأم في التدبير نص عليه في «الأم»، ولا يختلف مذهبه فيه، فإن قيل: جعلتم الولد تابعًا للأم في التدبير ولم تجعلوه تابعًا للأم في التدبير، ولم يجعلوه تابعًا لها في الرجوع، قلنا: لأن للحرية تغليبًا وسراية بخلاف الرجوع.
وقال القفال: لا يتبع الحمل الأم في المدعو قولاً واحدًا، وهو اختيار المزني، وقال بعض أصحابنا: الترتيب فيه.
أما إذا قلنا: الولد الحادث يتبعها فههنا قولان بناءً على أن الحمل يعرف أم لا؟ فإ، قلنا: لا يعرف، فهو كالحادث، وإن قلنا: يعرف فوجهان: أحدهما: يتبع لأنه عقد عتاق، والثاني: لا يتبع لأن العتاق سراية إلى نصيب الشريك إلى الولد بخلاف التدبير وهذا خلاف المنصوص والحمل يتبع الأم كما في العتق، والبيع ولا خلاف أنه لو مات السيد وهي حامل يعتق الولد
الجزء: 8 - الصفحة: 258
بعتقها أن حملها الثلث حاملا، وإلا فيقدر ما حمل من الثلث.
فرع آخر
لو قال لها: أنت مدبرة دون حملك صح الاستثناء إن ولدته قبل موته وبطل إن ولدته بعد موته لأن الحرة لا تلد إلا حرًا.
فرع آخر
قال في «الأم»: ولو دبر [37/ أ] الحمل دون الأم صح لأنه لو أعتق الحمل دون الأم صح، فإن باعها نظر فإن نوى الرجوع عن تدبير الأم صح البيع، وإن لم ينو ذلك وولدت قبل ستة أشهر بطل البيع لأنه بمنزلة استثناء الحمل، وإن ولدت بعد ستة أشهر قال في «الأم» فيه قولان: أحدهما: البيع مردود لأنه كان ممنوعًا من البيع حتى يعرف حال الحمل، والثاني: البيع جائز، ومن أصحابنا من قال: ليس على ظاهره فيما ذكر في «الأم» بل إذا باع الأم ونوى الرجوع عن تدبير الحمل أو لم ينو الرجوع كان رجوعًا وصح البيع، ألا ترى أنه لو كان له عبد فدبره، ثم نسي تدبيره فباعه كان رجوعًا وصح البيع؟ وإن لم ينعقد الرجوع، وإنما أراد الشافعي بما ذكر أنه إذا باع الأم مطلقًا، ولم يستثن حملها صح البيع، وكان رجوعًا في تدبير الولد، وإن استثنى الحمل لم يصح البيع لأنه لا يجوز استثناء العضو منها، وإذا لم يصح البيع كان التدبير بحاله.
وقال في «الحاوي» إذا باعها مطلقًا، ولم يقصد به إبطال التدبير ولا الاستثناء في البيع هل يصح البيع؟ فيه قولان: أحدهما، يصح لأن بيع المدبر رجوع وإن لم يقصد به الرجوع، والثاني: هو المنصصو البيع باطل لأن حكم الحمل مخالف لحكم الأم وهذا أصح عندي.
فرع آخر
لو دبر أمته وقلنا: الولد يتبعها، وأن الرجوع عن التدبير يصح بالقول فقال: كلما ولدت ولدًا فقد رجعت في تدبيره لم يكن ذلك رجوعًا، وإذا ولدت ولدًا كان مدبرًا حتى يرجع في تدبيره بعد ولادته وهذا لأن الرجوع في التدبير، إنما يصح بعد [37/ ب] أن يثبت للولد حكم التدبير وقبل أن تلد ما يثبت له حكم التدبير، فلم يصح فيه الرجوع، وهو كما قال لعبده: إذا دبرتك فقد رجعت في تدبيرك لم يصح ذلك الرجوع بحالٍ.
فرع آخر
لو قال لأمته: أنت حرة بعد موتي بعشر سنين فقد علق عتقها بصفة توجد بعد الموت، فقبل الموت هي معتقة بصفة إذا أتت بولد في تلك الحالة هل يتبعها في حكم الصفة؟ قولان: فإن مات السيد فقد دخل وقت الصفة فيعزل من الثلث، وتكون رقبتها
الجزء: 8 - الصفحة: 259
موقوفة على العتق لا يتصرف الورثة فيها ومنفعتها وكسبها لهم فإذا أتت بولد في تلك الحالة، قال الشافعي: يتبعها في حكمها، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه قولان: كما لو أتت به قبل الموت، والشافعي نص على أحد القولين، ومنهم من قال: يتبعها قولا واحدًا على ما نص عليه، والفرق بين هذا وبين ما قبل الموت أن قبل الموت لم يستقر له حكم الصفة وله سبيل إلى إبطالها، وبعد الموت استقر حكم الصفة حتى لا سبيل إلى إبطالها قولا واحدًا فتبعها الولد قولاً واحدًا كأم الولد.
فرع آخر
إذا أعتق الولد معها كانا من الثلث ولا يقرع بينهما بل يعتق عنهما بقدر ما احتمل الثلث على سواء، وإن لم يعتق الولد معها ففيه وجهان: أحدهما: يكون من تركة السيد، والثاني: يكون ملكًا للورثة، ذكره في «الحاوي».
مسألة: قال: «ولو قالت ولدته بعد التدبير».
الفصل
إذا قلنا: يسري التدبير إلى الولد فاختلفا فحاله حصل قبل التدبير أو بعده، فقالت: المدبرة ولدته بعد التدبير فعتق، وقالت: الورثة [38/ أ] ولدته قبل التدبير فالقول قول الورثة لأن الأصل عدم التدبير، ولا يد للمدبرة على ولدها، لأنها تدعي حرية الولد، ولا تثبت اليد على الحر، ويحالف هذا إذا كان في يده المدبرة التي عتقت بموت السيد مال، فتنازعت هي والورثة، فالقول قولها إنها استقادت ذلك بعد ما عتقت إذ لها يد في مالها ونظير هاتين المسألتين أن المكاتبة إذا قالت: ولدت بعد الكتابة، وقلنا: تسري الكتابة إلى الولد وقال السيد: بل ولدت قبل الكتابة فالقول قول السيد، ولو اختلفا في مال في يدها، فالقول قولها لأن لها على ما في يديها من المال يدصا، ولا يد لها على ولدها، ومثله لو حصل للمكاتب في أمته ولد وكانت الأمة من قبل للسيد، فقال السيد إن حصل الولد قبل أن ملكته بزنا، أو نكاح فهو ملكي، وقال المكاتب: بل حصل مني بعدما ملكت الأمة فهو موقوف على حكمي يعتق بعتقي فالقول قول المكاتب لا على معنى أن الكتابة تسري إلى هذا الولد منه بل هو بحكم أنه ولد أمته ولولا البنوة لكان ملكًا له أن يتصرف فيه كما يتصرف في سائر الأموال التي في يده، فالقول قوله في ذلك، ولأنها لو اختلفا في تدبير الأم كان القول قول الوارث فكذلك إذا اختلفا في تدبير الولد.
فرع
إذا نكل الوارث عن اليمين ردت على المدبرة، فإن نكلت ففيه وجهان: أحدهما: يحكم برق الولد، والثاني: يوقف أمره ليحلف الولد بعد بلوغه.
الجزء: 8 - الصفحة: 260
فرع آخر
قال في «الأم» لو أقاما جميعًا البينة، فالبينة يبنة الوارث لأن الولد مملوك في يد الوارث [38/ ب].
فرع آخر
قال لو تنازعا في الكسب الذي في يده فأقام العبد بينة أنه أفاده بعد موت سيده، أقام الورثة بينة أنه أفاد ذلك المال قبل موته كانت البينة بينة المدبر، والقول قوله.
فرع آخر
لو أقام الورثة البينة أنه كان في يده وسيده حي، وقال المدبر كان في يدي لغيري وإنما ملكته بعد موت سيدي، وأقام البينة، فالقول قوله مع يمينه ولا أخرجه من يده حتى يقول الشهود: كان في يديه وسيده يملكه.
فرع آخر
إذا قلنا: ولد المدبرة قبل موت السيد لا يتبعها، فاختلفا، فقالت المدبرة: ولدته بعد موت السيد فهو حر، وقالت الورثة: ولدته قبل موته فهو مملوك لنا، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يقر أنه جرى عليه في العلوق حكم الرق [لأنها ولدته لأقل من ستة أشهر من موت السيد، فالقول قول الوارث مع يمينه استصحابًا لحكم رقه.
والثاني: أن ينكر أنه جرى عليه في العلوق حكم الرق]، وأنها علقت به في الحرية، وولدته بعد موت سيدها لستة أشهر، فصاعدًا، فالقول قولها مع يمينها لأن الحرية في الناس أصل والرق طارئ [فإن حلفت كان ولدها حرا]، وإن نكلت، ففيه وجهان: أحدهما: ترد اليمين على الوارث، إذا قلنا فيما تقدم أن نكول الوارث لا يوجب توقف اليمين، والثاني: لا ترد على الوارث ويوقف اليمين على بلوغ الصبي، فإذا حلف بعد بلوغه كان حرًا، وإن نكل ردت اليمين على الوارث وهذا إذا قلنا فيما تقدم أن النكول لا يوجب وقف اليمين، هكذا ذكره في «الحاوي»، وقال فيه أيضًا: لو اختلفا في الكسب فشهدت بينة الوارث أن هذا المال كان في يده في حياة سيده ففي قبولها والحكم بها قولان من القولين في حكم اليد [39/ أ] المتقدمة أحدهما: يقبل ويحكم به للوارث، والثاني: لا يقبل للمدبر مع يمينه.
فرع آخر
قال ابن سريج: لو كان لرجل عبد فدبره ثم ملك أمة فوطئها المدبر وأحبلها، فإن
الجزء: 8 - الصفحة: 261
قلنا: لا يملك بالتمليك، فالولد يكون مملوكًا للسيد ولا حد على العبد لأنه وطئ بشبهة وثبت نسبه.
قال القاضي الطبير: نص عليه في «الأم»، وإن قلنا: يملك بالتمليك، فالولد لا يمكننا أن نحكم له بالحرية وهو خارج من بين الرقيقين، ولكن بأيهما يلحق، قال ابن سريج فيه وجهان: أحدهما: يتبع الأم فيكون رقيقًا للسيد لأن حكم الولد حكم الأم في الحرية، والثاني: حكمه حكم الأب، فيصير مدبرًا كما لو كان حرًا، فأحبل مملوكة كان تابعة له في الحرية، وقال في «الحاوي»: على هذا القول الذي نقول يملك العبد بالتمليك والولد تبع له في التبدير قولا واحدًا.
فرع آخر
لو كان لأحدهما بينة، في المسألة السابقة سمعت ويحكم بها، والبينة أربع نسوة في حقيهما لأنها بينة على الولادة، وإن أفضت إلى الحرية أو الرق.
فرع آخر
قال في «الأم»: لو كانت أمة بين اثنين فدبراها ثم جاءت بولد أحدهما كان ابنه وضمن نصف قيمته ونصف قيمتها ونصف عقرها لشريكه إن شاء شريكه لأن مشيئته أخذ قيمتها رجوع في تدبيرها وكانت أم ولده.
وقال القاضي الطبري عندي أنها لم يقوم نصيب شريكه عليه إلا برضاها لأنه قد ثبت له في عتقه حق الولاء، والله أعلم [39/ ب].
وعلى هذا إذا دبراه ثم أعتق أحدهما نصيبه وهو موسر وجب أن لا يقوم نصيب شريكه عليه إلا برضاه وقد ذكرنا فيه قولين، وقال القاضي أبو حامد وفي قيمة الولد الذي ادعى أنه منه لم يكن له قيمة وهذا لا يختلف مذهبه فيه.
فرع آخر
قال في «الأم»: لو قال ولدك ولد مدبر لم يكن هذا تدبيرًا إلا أن يريد تدبيرًا.
فرع آخر
قال في «الأم»: ولو ولدت ولدين أحدهما لأقل من ستة أشهر والآخر لأكثر من ستة أشهر يعني من يوم التدبير فهما حمل واحد وحكمهما واحد ويكون الكل مدبرًا، أو عتيقا.
قال القاضي أبو حامد: هذا إذا كانت تحت زوج يعني في اعتبار ستة أشهر، فأما إذا كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها يعتبر أربع سنين.
باب تدبير النصراني
مسألة: قال: «ويجوز تدبير النصراني».
الجزء: 8 - الصفحة: 262
الفصل
(جملة) هذا أن الكافر كالمسلم في جواز تدبيره سواء كان يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا أو وثنيًا، ذميًا كان أو حربيًا لأنه لما كان كالمسلم في سائر التصرفات كذلك في هذا، وإذا دبر الكافر عبدًا، فهو بالخيار بين أن يرجع في تدبيره أو يقيم عليه وحكم الرجوع كما ذكرنا، وإن اختار المقام عليه عتق بموته من الثلث كالمسلم سواءًا، وإذا دبر الحربي عبدًا كافرًا وأدخله دار الإسلام أو دبره في دار الإسلام [40/ أ]، ثم أراد رده إلى ار الحرب لم يمنع منه لأنه مملوكه يجوز له استدامة ملكه عليه والتصرف فيه كيف شاء، والتدبير باق، ويفارق هذا إذا كاتب عبده يمنع من إجباره على الخروج معه لأنه قد زال ملكه عن منفعته وصار مخولاً دونه.
مسألة: قال: «فإن أسلم المدبر».
اعلم أنه إذا دبر الكافر عبده الكافر ثم أسلم العبد، فقال للسيد: أنت بالخيار فإن رجعت في تدبيره بطل التدبير وبعنا عليك ولا نمنعك الرجوع في التدبير كما لا نمنعك الرجوع في الوصية ولا ندعك تملك مسلمًا يمكن بيعه، عليك إن أقمت على التدبير ففيه قولان منصوصان، أحدهما: يباع عليه وبه قال مالك، واختاره المزني لأنه كالعبد القن في جواز التصرف فيه، والثاني: لا يباع عليه وهو الأصح.
وبه قال أبو حنيفة لأن الحظ ها هنا للعبد في ترك البيع حتى لا يبطل حق حريته، فإذا قلنا: يباع فبيع بطل التدبير، وإذا قلنا: لا يباع قيل لسيده: لا تتركه في يدك فأنت بالخيار بين أن تسلمه إلى مسلم يكون في يده، وينف ق عليه من كسبه وبين أن تخارجه على شيء يدفعه إليك، أو إلى وكيلك إن لحقت بدار الحرب، وإذا مات واحتمله الثلث عتق كله، وإن لم يحتمله الثلث عتق منه قدر ما يحتمله الثلث، ويرق الباقي للورثة ويباع عليهم قولاً واحدًا لأن التدبير قد بطل في ذلك القدر ويمنعه خدمة السيد بكل حال لأنه مسلم والاستخدام استهانة.
واحتج المزني على ما اختاره بأن التدبير وصية.
ولو أوصى كافر [40/ ب] بكافر، ثم أسلم العبد يباع عليه لأنه صار بالإسلام عدوًا له كذلك ههنا، قلنا: الموصى به لا يرجو خلاصًا من وثاق الرق باستيفاء الوصية، والمدبر باستيفاء التدبير يرجو خلاصًا من وثاق الرق فله حظ في إبقاء التدبير بخلاف ذلك فافترقا.
فرع
لو كاتب الكافر عبده الكافر ثم أسلم المكاتب لا يباع عليه قولاً واحدًا لأنه يحول بينه وبينه، وله إكسابه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يباع عليه المكاتب إذا أسلم فيه قولان، والأصح أنه لا يباع، والأصح في المدبر أنه يباع عليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 263
فرع آخر إذا أوصى بعتقه بعد موته، ففيه طريقان أحدهما: هل يباع عليه فيه قولان كما لو دبره، والثاني: يباع عليه قولا واحدًا لأن الوصية بعتقه أضعف من التدبير، ولو أوصى به لمسلم يباع عليه قولاً واحدًا لأنه لا يتوصل به إلى عتق هو أنفع له من البقاء في ملكه.
باب تدبير الصبي الذي يعقل ولم يبلغ
مسألة: قال: «من أجاز وصيته أجاز تدبيره».
جملة هذا أن في وصية الصبي وتدبيره قولين: أحدهما: لا يجوز، وبه قال مالك وأبو حنيفة واختاره المزني لأنه التدبير عقد، فلم يصح من الصبي كالبيع ولنه لا يصح عتقه، فلا يصح تدبيره كالمجنون، والثاني: يجوز وبه قال مالك في رواية، قال القاضي أبو حامد: وهذا أظهر قوليه، واختاره الشيخ أبو حامد لأنه منع من التصرف لحظة والخط ها هنا في جوازه لأنه إن عاش لا يلزمه ذلك وإن مات [41/ أ] يبقى له الأجر والثواب ويخالف العتق، لأنه لازم لا يمكن أن يرجع فيه.
وروي أن قومًا سألوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في غلام يافع لم يبلغ الحلم، وروي كان ابن عشر سنين وصي لبنت عمه، فأجاز عمر رضي الله عنه وصيته.
فرع
يصح التدبير من السفيه المحجور عليه قولاً واحدًا، لأنه إنما منع من التصرف لئلا يضيع ماله، وبالتدبير لا يضيع لأنه باقٍ على ملكه، فإن مات استغنى عن المال وحصل له الثواب، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان أيضًأ، وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه سوى بينه وبين الصبي.
فرع آخر
إذا قلنا: تصح وصية الصبي، فإن قلنا: يصح الرجوع عنه بالقول، فللصببي أن يرجع بالقول، فيقول: فسخته أو أبطلته، وإن قلنا: لا يصح الرجوع عنه إلا بما يزيل ملكه لا يصح من الصبي إزالة ملكه، قال الشافعي: فيقوم وليه مقامه في ذلك، فإذا رأى حظه في بيعه باعه وأبطل تدبيره، لأنه مندوب إلى القياس بمصالحه.
فرع آخر
لو باعه الولي وقصد به الرجوع في التدبير، ولم يقصد به المصلحة لم يجز لأنه لا حجر عليه فيه، ولو أراد الولي أن يرجع عنه بالقول لا يجوز قولا واحدًا، ولو أذن الصبي للولي في بيعه كان بيع الولي عن إذنه رجوعًا بكل حالٍ ذكره في «الحاوي».
الجزء: 8 - الصفحة: 264
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: في تدبير السكران قولان، كما في طلاقه، وقيل: إن لم يكن عاصيًا بأن كان مكرهًا على الشرب لا يصح تدبيره ولا وصيته، وإن كان عاصيًا بالشرب، [41/ ب] فإن قلنا: لا يقع طلاقه لا يصح وإن فرقنا بين ماله وما عليه لا يصح أيضًا، لأن هذا له، وكذلك لا يجوز إعتاقه وإن وقع طلاقه، وإن قلنا: غنه كالصاحي يصح الكل، ذكره في «الحاوي».
فرع آخر
لو دبر المعتوه والمغلوب على عقله أو الصبي الذي لا يعقل لا يجوز، وإن كان يجن ويفيق لا يجوز فإن دبر في حال الإفاقة جاز، وإن دبر في غير حال الإفاقة لم يجز.
فرع آخر
لو دبر عبدًا ثم خرس فإن كان له إشارة معقولة أو كتابة مفهومة صح رجوعه عن التدبير بذلك، إن قلنا: يجوز الرجوع عنه بالقول، وإن قلنا: لا يصح الرجوع إلا بإزالة الملك فأشار بإزالة الملك كان رجوعًا وإن لم يكن له إشارة معقولة ولا كتابة مفهومة لم يصح رجوعه ولا يجوز أن يولى عليه، فيبقى العبد مدبرًا حتى يحصل له إشارة مفهومة فيرجع بها لأنه مكلف رشيد فلا يولى عليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 265