بحر المذهب للرويانيصفحات 480-519

وجه كان طوعًا أو كرهًا أو غلطًا سقط حق الفسخ لأن تقرير المهر قد حصل فلو فسخت انتفعت هي به دون الزوج وينبغي أن ينتفع هو بالفسخ أيضًا لسقوط الصداق عنه.
والرابعة: إن كان قبل الدخول لها الخيار، وإن كان بعد الدخول فقولان والأصح ثبوته، وهذا اختيار أبي حامد، وهذه الطريقة أحسن وأصح عندي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على النفقة واختلف أصحابنا في كيفية البناء فمنهم من قال إن قلنا: هناك يثبت الخيار فههنا أولى، وإن قلنا: هناك لا يثبت فههنا قولان، والفرق أن النفقة بإزاء الاستمتاع، فإذا أعسر بها يمنع ما بإزائها وهو أن لا تمكن نفسها والمهر بإزاء طلب البضع، فإذا أعسر به يمنع الملك، ومنهم من قال: إن قلنا هناك لا يثبت الخيار [ق 204 ب] فههنا أولى وإن قلنا: هناك يثبت فههنا قولان والفرق ما تقدم فحصل خمسة طرق وهذه الطريقة الأخيرة أضعفها.
فرع: لو كانت منقوصة فأعسر بصداقها لا خيار لها لأنه لا مهر لها بالعقد على الصحيح من المذهب ولكن لها المطالبة بفرض المهر، فإذا فرض التحق بالمسمى في العقد.
فرع آخر: لو كانت امرأته أمة فأعسر بصداقها ونفقتها ففي المهر الخيار للسيد دونها لأنه حقه، وفي النفقة الخيار لها على ما ذكرنا من قبل ولو قال السيد لها أن أنفق عليه عن الزوج لا خيار لها، ولو كانت معتوهة لا خيار لها، لأنه لا قول لها ويلزم المولى أن ينفق عليها ولو كانت عاقلة فلم تختر الفسخ فقول السيد إن أردت النفقة فافسخي النكاح وإلا فلا نفقة لك لأنها تقدر على طلب الفسخ.
فرع آخر: لو كانت الزوجة صغيرة ليس للولي طلب الفسخ بل ينفق من مالها عليها، فإن لم يكن لها مال فنفقتها على قريبها الذي يلزمه لو لم تكن زوجته ثم إذا أيسر الزوج بعده يؤخذ من نفقتها الماضية.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ اخْتَارَتْ المَقَامَ مَعَهُ فَمَتَى شَاءَتْ أجِّل أَيْضًا".
إذا أعسر بنفقة امرأته فخيرناها فاختارت المقام معه، ثم بدا لها، فاختارت الفسخ كان لها الفسخ لأن وجوب النفقة يتجدد كل يوم ولا يصح الرضاء بإعسار ما لم يجب فكان لها المطالبة وكان عفوها عن الماضي لا عن المستقبل ولا فرق في هذا بين أن

يكون علمت عسرته حين عفت وبين أن لا تكون عالمة بعسرته لأنها ربما تعفو عن ماضي حقها رجاء أن يؤسر في المستقبل أو يتطوع عنه إنسان بالعزم وكذلك لو تزوجت به مع علمها بفقرة لها الخيار به.
فرع: لو علمت بعسرته عند العقد هل لها الخيار لأجل الصداق وجهان: أحدهما: لا خيار لها؛ لأنها لو رضيت به [ق 205 أ] في النكاح لا يبقى لها الخيار فكذلك إذا دخلت في العقد مع الرضاء لا خيار ولأنه تجب بالعقد، وقد رضيت بتأخيره؛ لنه كان معسرًا به والنفقة تجب بعد العقد ويرجى التحصيل بالتكسب والاجتهاد غالبًا بخلاف الصداق.
والثاني: لها الخيار لأنها لا يتحقق دوامه لجواز أن يوسر أو يتطوع به متطوع ولهذا لو باع شيئًا من رجل فعل إفلاسه له فسخ البيع لتعذر استيفاء الثمن وكما نقول في النفقة.
فرع آخر: إذا عادت إلى المطالبة بعد الرضاء بإعساره، قال القفال: يستأنف الإمهال ثلاثة أيام وهو ظاهر ما ذكر ههنا لأنه قال: فمتى شاءت أجل أيضًا بخلاف امرأة المولى إذا رضيت، ثم عادت إلى المطالبة بوقت في الحال لأن تلك مدة مضروبة بنص الكتاب وههنا ضربنا له المدة رفقًا له، فإذا رضيت سقط حكم تلك المدة وعندي يتحمل أن يقال لا تستأنف له المدة، وقول الشافعي أجل لا ينتفي التأجيل ثلاثة أيام.
فرع آخر: إذا أعسر بالصداق وقلنا: لها الخيار فخيارها على الفور بعد التنازع فيه إلى الحاكم، لأن الفسخ به لا يثبت إلا عند الحاكم، فإذا أمسكت عن محاكمة بعد العلم بإعساره نظر، فإن كان إمساكها قبل المطالبة بالصداق كانت على الخيار عند محاكمته لأنه قد يجوز أن يوسر به عند مطالبته، وإن كان إمساكها بعد المطالبة سقط خيارها وكان الإمساك عن محاكمته رضاء بإعساره ولو حاكمته وعرض عليها الحاكم الفسخ فاختارت المقام سقط خيارها، فإن عادت محاكمة له فطلب الفسخ لا خيار لها إن كانت المحاكمة الأولى بعد الدخول لاستواء إعساره في الحالين، وإن كانت المحاكمة الأولى والرضا [ق 205 ب] فيها بالمقام قبل الدخول، والمحاكمة الثانية بعد الدخول ففي استحقاقها للخيار وجهان: أحدهما: لا خيار كما لو كانت المحاكمتان بعد الدخول ففي استحقاقها وللخيار وجهان: أحدهما: لا خيار كما لو كانت المحاكمتان بعد الدخول.

والثاني: لها الخيار، لأن ملكها قبل الدخول كان مستقرًا على نصفه وبعد الدخول على جميعه فصار إعساره بعد الدخول بحق لم يكن مستقرًا قبل الدخول فجاز أن تستجد به خيارًا لم يكن، ذكره في الحاوي وسائر أصحابنا قطعوا بأنه لا يتحدد لها الخيار به إذا رضيت مرة.
فرع آخر: لا تسقط النفقة عندها بمضي الزمان سواء فرضها الحاكم أو لم يفرضها، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: تسقط إلا أن يفرضها الحاكم فلا تسقط بعد فرضها، وهذا غلط لأنها تجب في حالتي اليسار والإعسار كالمهر والديون.
مسألة: وَقَالَ: "وَلَهَا أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِ إِذَا أَعْسَرَ بِصَدَقِهَا حَتَّى تَقْبِضَهُ".
معناه إذا رضيت بالمقام معه ولم تفسخ النكاح للإعسار بالصداق فلها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تأخذ الصداق، لأن الصداق في مقابلة البضع، فإن أصحابها مرة مطاوعةً قد ذكرنا أنه يسقط حق حبسها، وإن أصابها مكرهة قد ذكرنا فيه وجهين: أحدهما: لها الحبس كالمشتري إذا قبض المبيع كرهًا قبل دفع الثمن فللبائع الاسترجاع للحبس.
والثاني: ليس لها الحبس لأن المهر قد تقرر عليه، وإذا استرد البائع المبيع يرتفع تقرير الثمن على المشتري وههنا بامتناعها لا يرتفع تقرير المهر عليه فافترقا، وإن كان موسرًا بالصداق فقال: لا أدفع حتى تسلمي نفسك وقالت [ق 206 أ] لا أسلم نفسي حتى تدفع الصداق ذكرنا في كتاب النكاح، والله أعلم.

باب نفقة التي لا يملك زوجها رجعتها

مسألة: قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:6].
وقال تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] فَلَمَّا أَوْجَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهَا النَفَقَةِ بِالحَمْلِ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَا نَفَقَةَ لَهَا بِخِلَافِ الحَمْلِ.
وقد ذكرنا فيما مضى أن لكل مطلقة السكنى سواء كانت حاملًا أو حائلًا رجعية كانت أو بائنة.
وأما النفقة فإن كانت رجعية فلها النفقة لأنها في معاني الأزواج، وإن كانت بائنًا فإن كانت حائلًا فلا نفقة لها خلافًا لأبي حنيفة، وهذا لأن الله تعالى أوجب السكنى

للمطلقة على الإطلاق وقيد النفقة بالحمل فقال: وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ولم يرد به الرجعية فدل أنه أراد به البائنة وبذلك جاءت السنة في فاطمة بنت قيس حيث قال لها صلى الله عليه وسلم: ليس لك نفقة وكانت بائنة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال لها: "لا نفقة لك إلا أن تكوني حائلًا" وروي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: "نفقة المطلقات ما لم يحرم" يعني ما لم تكن بائنة، وقال عطاء: ليست المبتونة الحبلى منه في شيء إلى أنه ينفق عليها من أجل الحبل، فإن كانت حبلى فلا نفقة لها، وقد ذكرنا أنها للحمل أو الحامل قولان منصوصان، والأصح أنها تستحق في الحال فالأمارات لأن الأحكام تتعلق بها.
مسألة: قَالَ: "وَكُلُّ مَا وَصَفْتُ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ سُكْنَى فَلَيْسَتْ إِلَّا فِي نِكَاحٍ فَلَا نَفَقَةَ حَامِلًا أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ [ق 206 ب].
قال أصحابنا: أراد بالنكاح المنسوخ إذا فسخ أحدهما النكاح لوجود عيب بصاحبه فلا تجب النفقة ولا السكنى لأن ذلك بمنزلة النكاح الذي وقع فاسدًا في الأصل، وقد بيناه في كتاب النكاح.
فأما قول الشافعي حائلًا أو غير حامل إنما ذكر على القول الذي يقول النفقة للحامل، فأما إذا قلنا النفقة للحمل فلها النفقة وكذلك المنكوحة نكاحًا فاسدًا مثل نكاح المتعة والنكاح بلا ولي ولا شهود، إذا كانت حائلًا هل تستحق النفقة فيه قولان لأن النسب ثابت منه في الحالين: واعلم أن الشافعي أوجب ههنا للمبتوتة الحال النفقة بسبب الحمل، ثم ذكر النكاح الفاسد ولم يجعل للحامل النفقة وعطف إحدى المسلمين على الأخرى وفرق بينهما والقياس يقتضي التسوية بين المسلمين في بنائهما على القولين، وهذا موضع الإشكال ولكن يحتمل أن يقال إذا كانت معتدة عن نكاح صحيح فإنها بحق العقد الصحيح تستحق حقوق الحضانة في تربية الولد وهي مشتغلة بما هو أبلغ من الحضانة لأنها تربية في بطنها فاستحقت عليه النفقة لحق العقد السابق ما دامت في العدة عن ذاك العقد وإذا كان الوطء شبهة لم يثبت ما فيه مثل هذا الحق، وقال صاحب الحاوي: إذا فسخ نكاحها بالعيب المتقدم على العقد وهي حامل هل تستحق نفقتها في زمان الحمل ويجعل كالمنسوخ من أصله؟ قولان بدليل استحقاق مهر المثل، هكذا قال أصحابنا والصحيح عندي أن لها النفقة قولًا واحدًا إلحاقًا بالفسخ الطارئ الرافع لاستدامة العقد في هذا الحكم لأنه وجد موجبي الاستحقاق قبل الفسخ من استحقاق التمكين وحرمة العقد.

مسألة: قَالَ: "فَإِنْ ادَّعَتِ الحَمْلِ [ق 207 أ] فَفِيهَا قَوْلَانِ: أحدهما: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِيَقِينِ حَمْلِهَا حَتَّى تَلِدَ فَتُعْطَى نَفَقَةَ مَا مَضَى".
الفصل: قد ذكرنا أن النفقة للحمل أو للحامل قولان والصحيح أنها للحامل وقوله ههنا حتى تلد فيعطى نفقة ما مضى دليل على أن النفقة للحامل لأن نفقة الأقارب يسقط لمضي الزمان.
وحكي ابن الحداد، عن الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: لو أن مسلمة ارتدت فلا نفقة لها على زوجها، وإن كانت حاملًا وكذلك لو أسلم الزوج وتخلفت عن الإسلام وهي حامل فلا نفقة لها على زوجها ما لم يسلم كما لا نفقة لها إذا لم يكن حائلًا، وهذا يوضح أن نفقة الحامل لها في نفسها لا للولد.
والثاني: أنها للحمل وقد ذكرنا أنها هل تستحق قبل الوضع قولان.
فإذا قلنا: يستحق وهو اختيار المزني فقولها لا يقبل في وجوب النفقة حتى تشهد أربع نسوة عدول أن بها حملًا أو يشهد رجلان أو رجل وامرأتان بذلك، فإذا أقامته البينة أنفق عليها من وقت تقام البينة يومًا بيوم ودفع إليها نفقة ما مضى من حين الطلاق إن قامت البينة بالحمل، وإذا أنفق عليها، ثم بان أنه كان ريحًا ولم يكن حملا.
قال أبو إسحاق إذا قلنا: يلزمه أن ينفق عليها في حال الحمل رجع عليها بما أنفق سواء حكم عليه الحاكم أولم يحكم بذلك وسواء شرط عليها الرجوع أو لم يشرط لأنه أنفق ما لزمه أن ينفق، فإذا تبين أنه لم يكن لازمًا رجع عليه.
وإذا قلنا: لا يلزمه أن ينفق عليها حتى تضع فتبرع وأنفق، فإن كان بحكم الحاكم رجع، وإن كان من غير حكمه، فإن كان الدفع بشرط الحمل رجع، وإن كان مطلقًا لا يرجع لأن ظاهرة تطوع.
فإن قيل: إذا أنفق الرجل على امرأته ثم تبين أن النكاح كان فاسدًا ففرق الحاكم بينهما لا يرجع الزوج عليها بما أنفق فما الفرق [ق 207 ب] قيل: الفرق أن الزوج أنفق عليها في مقابلة ما أتلف عليها من منافعها وهو الاستمتاع الذي استمتع بها فلم يجز أن يرجع عليها بما أنفق خلاف مسألتنا.
فإن قيل: لو كان ذلك على طريق المعاوضة لوجب إذا مكنته من الاستمتاع إلا أنه لم يستمتع بها ولم يسلمها أن يكون لها المطالبة بنفقة ما مضى قبل العوض في النكاح الفاسد لا يجب إلا بالإتلاف.
فأما بالتمكين فلا يجب ألا ترى أن المشتري لا يلزمه تسليم الثمن في البيع الفاسد بالتمكين من المبيع ما لم تبلغه فإذا أتلفه يلزمه ذلك ههنا

وقال في "الحاوي" إن لم يشترط فيها التعجيل لم يرجع لأنه متطوع، وإن شرط فيها التعجيل، فإن ضمنها الرجوع بها إن أنعش حملتها فله الرجوع اعتبارًا بالشرط، وإن لم يضمنها الرجوع بها فيه وجهان: أحدهما: يرجع، وهو الأصح تغليبًا لحكم ما أشرطه من التعجيل كما في تعجيل الزكاة.
والثاني: لا يرجع بها إذا شرط التعجيل حتى يشترط التضمين معه لاحتمال التعجيل واختلاله بالتضمين الذي هو أقوى.
قال القفال: وعلى ما ذكرنا أقول في دلالة باع شيئًا من رجل فأجرته على البائع الذي أمره بذلك، فإن أخذ من المشتري شيئًا، وقال: وهبت هذا لي فقال: نعم إن عرف أنه لا شيء له، وأنه متبرع بالهبة صحت الهبة، وإن ظن أنه واجب عليه يهب فله الرجوع لأنه لم يتبرع، وهذا لأن الأصل أن من أعطى شيئًا على أنه واجب فبان أنه غير واجب فله الرجوع.
فرع: إذا قلنا: لا يلزمه أن ينفق عليها في زمان الحمل فوضعت يلزمه نفقة ما مضى لها من حين الطلاق إلى أن وضعت سواء قلنا إنها للحمل أو لا، ولا يسقط بمضي المدة، وإن قلنا: إنها للحمل ويخالف نفقة الأقارب لأن المستوفي ههنا الزوجة [ق 208 أ] فلحقت بنفقة الزوجات ولم تسقط بمضي الوقت.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَنَفَاهُ وَقّذَفَهَا وَلَاعَنَهَا لَا نَفَقَةَ عَلَيْهَا".
قال أصحابنا: يحتمل أن يكون المراد به أنه إذا قذف زوجته فلاعنها وانتفي من حملها لا نفقة لها ولا سكنى.
وأما النفقة فلا تستحق؛ لأن الحمل ليس منه، وإذا لم يكن الحمل منه لا نفقة سواء قلنا: النفقة للحامل بسبب الحمل أو قلنا إنها للحمل.
وأما السكنى قال أبو حامد: لها السكنى لأنهما افترقا عن نكاح صحيح، وقال غيره فيه وجهان: أحدهما: لا يجب لما روي في خبر المتلاعنين قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نفقة لها ولا يثبت لأنهما يفترقان من غير طلاق.
والثاني: لها السكنى لأن الله تعالى أوجب للمعتدة السكنى وهذه الفرقة يختلف فيها فمنهم من يقول طلاق ومنهم من يقول فسخ فلم تسقط السكنى إلا بيقين وقيل:

الفسخ الطارئ يجعل بمنزلة النكاح الفاسد، وهذا فسخ وإيجاب السكنى فيه مناقضة ولكنه يتعلق بقول الزوج فيجري مجرى قطع النكاح بالطلاق كمل قلنا في الخلع مع قولنا إنه فسخ قالوا: ويحتمل أن يكون راجعًا إلى المطلقة دون الزوجة، فينظر، إن كانت رجعية حكمها حكم الزوجة، وإن كانت بائنًا هل يجوز اللعان على نفي حملها، قد ذكرنا في كتاب اللعان قولين: فإذا قلنا له: إنه لاعن فلاعن فالحكم على ما ذكرنا في السكنى والنفقة، وقال القاضي الطبري: إذا قلنا هناك لا سكنى فههنا يحتمل وجهين: أحدهما: لها السكنى لأنها اعتدت عن الطلاق.
والثاني: لا سكنى لأن نفقتها سقطت لأجل اللعان فلذلك السكنى، وإن أكذب نفسه بعد اللعان رجعت المرأة بنفقتها في زمان الحمل سواء قلنا النفقة للحمل أو للحامل بسببه لما ذكرنا أنها وإن كانت للحمل [ق 208 ب] فإنها تتعلق بحقها وتنصرف إلى مصالحها فلم تسقط بمضي الزمان، وقد قال في "الأم" لو كانت أرضعته ثم أكذب نفسه يلزمه أجرة الرضاعة لأنها أرضعته على أن لا أب له إلا أنها تطوعت به.
وقال بعض أصحابنا: هذا يدل على أن النفقة قبل الوضع تجب لها وبعد الوضع تجب للحمل فإنه لم يوجب النفقة لها بعد الوضع بل أوجب أجرة الحضانة وأجراها مجرى الأجرة.
وقال القفال: إذا كذب نفسه بعد الوضع يلزمه الأجرة والنفقة أيضًا قال: ولو استدانت لغيبة الأب أو عند امتناعه من الإنفاق لها الرجوع عليه، وهذه ولاية للأم في ولدها ولا تجعل متبرعة بذلك، وهو أصح عندي ويحتمل أنه أراد أجرة الرضاع نفقتها على التمام فإن قال قائل: لو لم ينف ولدها فأعتقت هي عليه قلتم: لا يرجع عليه فما الفرق قلنا: الفرق أن هناك تبرعت بالإنفاق عليه وههنا لم تتبرع بل أنفقت بحكم الحاكم أن الولد منفي ونظير هذا أنه لو قضى دينًا على ظن أنه عليه، ثم بان خلافه له الرجوع، ولو ملك إنسانًا شيئًا ابتداءً ليس له الرجوع وكذلك لو زكى عن ماله على ظن سلامته فبان أنه كان تالفًا وشرط ذلك له الرجوع ولو تصدق عليه به تطوعًا لا رجوع وكذلك لو كان الأب موسرًا فظن أنه معسر فأنفق عليه، ثم ظهر ذلك له الرجوع ولو علم يساره فتبرع فلا رجوع وكذلك لو كان الأب معسرًا فظن أن ابنه معسرًا أيضًا فاستقرض وأنفق على نفسه، ثم بان له يسار ابنه يرجع في ماله بما استقرض ولو علم يساره فاستقرض ولم يطالبه لم يرجع وكذلك لو غاب الابن الموسر فاستقرض أبوه المعسر وأنفق على نفسه يرجع [ق 209 أ] ولو سأل الناس وتكدي وأنفق على نفسه لا يرجع.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَ أَعْطَاهَا بِقَوْلِ القَوَابِلِ أَنَّ بِهَا حَمْلًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَا

حَمْلٌ أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا فَجَاوَزَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَتْ".
قوله: أو أنفق عليها أي بغير قول القوابل على ظن وجود الحمل، وقد ذكرنا هذه المسألة وإنما رجع عليها إذا جاوزت أربع سنين، لأنا علمنا أنها وإن كانت حبلى فليس ذلك الحمل منه، وإن أنفق عليها على توهم وجوب النفقة لا على جهة التبرع.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَلَمْ تَقِرّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ أَوْ كَانَ حَيْضُهَا يَخْتَلِفُ فَيَطُولُ وَيَقْصُرُ لَمْ أَجْعَلَ لَهَا إِلَّا الأَقْصَرَ".
الفصل: صورته رجل طلق امرأته طلقة رجعية فلم تقر بانقضاء ثلاثة أقراء حتى ظهرت بها أمارات الحمل فأنفق عليها، ثم علم أنه لم يكن حملًا وإنما كان ريحًا أو جاوز أربع سنين، وقلنا: إن ولد الرجعية إذا أتت به لأكثر من أربع سنين لا يلحق به كولد المبتوتة، فقد علمنا أن عدتها منه بثلاثة أقراء، فإن كان قد بان أنه لم يكن حملًا بل كان ريحًا فإنا نرجع إلى إقرارها فيما مضى، فإن كان حيضها مثقفًا لا يختلف جعلنا لها النفقة في مدة ثلاثة أقراء، لأنها اعتدت بها وهي رجعية فكانت لها فيها النفقة، وإن كان حيضها مختلفًا فكانت ترى ثلاثة أقراء في ثلاثة أشهر، وفي ستة أشهر، وفي أكثر من ذلك أو أقل جعلنا لها النفقة في أقل ما يكون من عادتها في ثلاثة أقراء أنها تكون في ثلاثة أشهر فيكون لها النفقة في ثلاثة أشهر ورجع الباقي نص عليها الشافعي.
وقال أبو حامد: نظرنا أقل زمان يمكن أن نحصل فيه ثلاثة أقراء فنوجب لها نفقة ذلك القدر [ق 209 ب] لأن اليقين وهذا أقيس ولكنه خلاف النص ذكره القاضي الطبري وإن لم يكن ريحًا ولكنه كان حملًا إلا أنه جاوز أربع سنين فإنا علمنا أنها وطئت بعد الطلاق فنرجع إليها فنقول لها: بين لنا الحال، فإن قالت: تزوجت بغيره ووطئني وهذا الحمل منه قلنا لها: أتزوجت بعد مضي ثلاثة أقراء أو قبلها، فإن قالت بعدها جعلنا لها النفقة لثلاثة أقراء على ما بيناه وإن قالت: تزوجت بعد مضي قرين قلنا: قد أفسدت قرءًا واحدًا فعليك أن تأتي بقرء آخر بعد وضع الحمل وذلك النفقة في هذا القرء وفيما مضى لقرءين والكلام في مقدار القرءين على ما بيناه.
ثم إن المزني اعترض على الشافعي فقال: إذا حكم بأن العدة قائمة فكذلك النفقة في القياس لها بالعدة قائمة، ولو جاز قطع النفقة بالشك في انقضاء العدة جاز انقطاع الردة بالشك في انقضاء العدة فلما لم تزل الرجعة بالشك في انقضاء العدة الذي لم يجز أن يزول النفقة بالشك في انقضاء العدة قيل: نحن إذا حكمنا بسقوط النفقة حكمنا بانقطاع

الرجعة وكيف ظننت بالشافعي هذا الظن المحال وهو إسقاط النفقة مع استبقاء الرجعة ولكنها ممنوعة عن نكاح زوج آخر ما دامت تزعم أنها في العدة.
وقال بعض أصحابنا: صورة المسألة التي ذكرها الشافعي غير هذه الصورة وإنما أراد إذا طلقها طلاقًا رجعيًا فادعت أنه قد تباعد حيضها وامتد طهرها.
وقد ذكرنا حكم تباعد الحيض فقال الشافعي: يكون القول قولها في بقاء العدة عليها وفي ثبوت الرجعة عليها ولا يقبل قولها في وجوب النفقة إلا في مقدار مدة العدة.
واعترض المزني على هذا فقال: إذا حكم بأن العدة قائمة فلذلك النفقة في القياس، والجواب أنه لا تعتبر الرجعة بالنفقة [ق 210 أ] لأن الرجعة عليها والنفقة حق لها فيقبل قولها فيما عليها ولم يقبل فيما لها، وهذا لا يصح لأن الشافعي قال: قبل هذه المسألة إذا طلقها بائنًا وظهر بها أمارات الحمل فأنفق عليها ثم تبين أنها كانت ريحًا ثم عطف عليها هذه المسألة فدل أن الشافعي لم يرد ما ذكره هذا القائل.
مسألة: قَالَ: "وَلَا أَعْلَمُ حُجَّةً بِأَنْ لَا يَنْفِقَ عَلَى الأَمَةِ الحَامِلِ".
الفصل: أراد به إذا طلق امرأته الأمة بائنًا وكانت حاملًا فعلى الزوج أن ينفق عليها ولا حجة لمن يقول لا ينفق عليها وهذه نصرة من القول الذي يقول إن النفقة للحامل دون الحمل، فإن على ذلك القول هو رفيق لسيدها فالنفقة على سيدها دون زوجها.
واختار المزني القول الصحيح ووجهه ما ذكر ههنا أنها لو كانت للحمل لما تقدرت بكفايتها ولكفي أدنى شيء ولوجب أن يجب على الحدّ نفقة نفقة هذا الحمل عند عدم الأب أو إعساره كما لو كان منفصلًا ولوجب أن تسقط بيسار الولد وهو إذا ورث أو أوصى له بشيء وقبله أبوه، ووجه القول الآخر إنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه فدل أن النفقة له ولأن النفقة لما كانت له إذا كان منفصلًا فكذلك إذا كان متصلًا بها.
قال هذا القائل: وإنما أوجبنا بقدر كفايتها لأنه لا يصل النفع إليه من جهتها فوجب تمام كفايتها كما قلنا في زمان الرضاع لا تلزم الأجرة بقدر قيمة اللبن بل تلزم قدر ما يكون في مثله كفايتها، ومن قال بالأول: أجاب عن هذا بأنه مستمتع بها لكون ولده في بطنها كما كان مستمتعًا بها في زمان النكاح والعدة التي فيها الرجعة، وإذا وضعت زال الاستمتاع فلهذا وجب بوجوده وسقط بعدمه.
وأما قول المزني الأول أحق ضدي لأنه شهد أنه حكم الله تعالى فقال ولكنه حكم الله تعالى يعني إيجاب النفقة لها وحكم الله تعالى أولى [ق 210 ب] مما خالفه وأراد به

قول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وهذا الخطاب متوجه على الأزواج فدل على أنها تلزم على زوج الأمة الحامل لا على سيدها.
ثم قال: فأما كل نكاح كان منسوخًا فلا نفقة لها ولا سكنى حاملًا أو غير حامل.
وقد قال بعض مشايخنا: إنها تستحق النفقة إذا قلنا النفقة للحمل، وقد ذكرنا حكم النكاح الفاسد من أصله والذي كان صحيحًا، ثم فسخ فلا معنى للإعادة.
فرع آخر: قال ابن الحداد: إذا أردت المسلمة سقطت نفقتها، وإن كانت حاملًا، وقال بعض أصحابنا: هذا مبني على القولين.
فإن قلنا: النفقة للحامل فالحكم على ما ذكره.
وإن قلنا للحمل لم تسقط بردتها، ووجه ما قاله ابن الحداد أن النفقة وإن كانت للحمل فهي المستحقة لها وتتعلق بها ألا ترى أنها لا تسقط بمضي الزمان قولًا واحدًا فجاز أن تسقط بردتها.
فرع آخر: قال ابن الحداد: إذا وضعت الزوجة حملها فقال: كنت طلقتك قبل وضعك طلقة، وقد انقضت عدتك فلا نفقة لك ولا سكنى وكذبته فالقول قولها لأنه يريد إسقاطها حقها من النفقة والسكنى وعليها اليمين على نفي العلم أنها لا تعلم أنها طلقها لأنها يمين على فعل الغير وله أن يتزوج بأختها وأربع سواها ولا رجعة له عليها لأن قوله مقبول في إسقاط حق الرجعة وفي نكاح أختها لا يتعلق حقها وذلك إلى علمه، فإن كان يعلم أنها مباحة له جاز نكاحها ولا اعتراض عليه فيه.

باب نفقة الأقارب من كتاب النفقة

مسألة: قَالَ: قَالَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وسُنَّة رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بَيَانُ أَنَّ عَلَى الأَبِ أَنْ يَقُومَ بِالمُؤْنَةِ فِي إِصْلَاحِ صَغِيرِ وَلَدِهِ" [ق 211 أ].
الفصل: القصد به بيان نفقة الأٌقارب بعضهم على بعض، وبدأ بنفقة الولد لأنها ثابتة بالنص في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] وهذه نفقة الولد دون الأم لأن هذه الآية في المطلقات البوائن بدليل أن الزوجات يستحقن النفقة أرضعن أو لم

يرضعن ولأن الله تعالى سماه أجرًا ولا تسمى نفقة الزوجة أجرًا ولأن الابن بعضه فكما يلزمه نفقة نفسه يلزمه نفقة ولده.
فإذا تقرر هذا الكلام في فصلين في صفة من تجب عليه وصفة من تجب له فأما صفة من تجب عليه فمن ملك فضلًا عن قوت يوم وليلة، أو كان قادرًا على اكتساب ذلك، وأما صفة من تجب له، فأن يكون ناقص الأحكام أو الخلقة أو فيها جميعًا فنقصان الأحكام بالصغر وزوال نقصان الخلقة بالزمانة والمرض ونقصان الأمرين أن يجتمع فيه الصفتان، فإذا وجدت هذه الصفة نظر، فإن كان موسرًا فنفقته من ماله، وإن كان معسرًا فنفقته على والده.
وبه قال جماعة العلماء من غير خلاف، وحكي عن أبي ثور أنه قال: نفقة الولد الصغير على أبيه، وإن كان له مال، وهذا غلط لأن نفقة القرابة تجب على طريق المواساة، وإذا كان له مال لا يحتاج إلى المواساة، وقيل: نفقة الولد تجب بثلاث شرائط: أن يكون فقيرًا، وأن يكون ناقص الأحكام والخلقة، وأن يكون الأب قادرًا على الإنفاق عليه، وهذا يرجع إلى ما ذكرنا، وإن كان كامل الإحكام والخلقة، وكان معسرًا لا كسب له فيه طريقان.
أحدهما: لا نفقة له قولًا واحدًا.
والثانية: فيه قولان، أحدهما: له النفقة لأن المراهق يستحق النفقة، وإن كان يمكن الاكتساب فلذلك بعد البلوغ، وبه قال أحمد.
والثاني: وهو الذي نص عليه ههنا، وبه قال أبو حنيفة: لا نفقة له لأن القدرة [ق 211 ب] على الكسب يمنع استحقاق الزكاة فكذلك النفقة وعلى كلا القولين لا فرق بين الأب والابنة.
وقال أبو حنيفة: الزمان شرط في الابن دون الابنة فلا تلزم نفقة الابن إذا بلغ صحيحًا ويلزم نفقة الابنة حتى تتزوج لأنه لا يمكنها الاكتساب فهي كالصغيرة.
وقال مالك: هكذا إلا أنه قال: إن طلقت قبل الدخول لا تعود عند أبي حنيفة لا تعود بحال، وهذا غلط لأن كل معنى يسقط نفقة الابن يسقط نفقة الابنة كاليسار وأما ما قاله لا يصح لأنه يكفيهما الغزل والخدمة ويحصل النفقة به، وإن لم يكن له أب أو كان ولكنه معسر وله جد غني فنفقته على الجد.
وبه وقال أبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: لا تجب النفقة على الجد لأنه يدلي بغيره كالأخ، وهذا غلط، لأن بينهما قرابة توجب العتق بالملك ورد الشهادة فتوجب النفقة كالأبوة، وإن لم يكن له جد فيلزم على أب الجد، وجد الجد، وإن علا فإن لم يكن أو كان ولكنه فقر، وله أم غنية فنفقته على أمه ولا ترجع بها على أبيه إذا أيسر، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: لا تجب النفقة على الأم، وقال أبو يوسف، ومحمد: تنفق عليه الأم، فإذا أيسر الأب رجعت عليه، واحتج مالك بأن لا ولاية لها على الولد فلا يلزمها الإنفاق عليها، وهذا غلط لأن بينهما قرابة توجب رد الشهادة أو توجب العتق فأشبه الأب مع الابن، واحتج على أبي يوسف، ومحمد بأن من وجب عليه

الإنفاق بالقرابة لم يرجع به كالأب.
واعلم أن جملة مذهبنا أن النفقة تجب على الأب، وإن علا والأم، وإن علت، وتجب على الجدات من قبل الأب والأم والأولاد، إن سلفوا ولا تجب نفقة غيرهم من ذي رحم مرحوم [ق 212 أ].
وقال أبو حنيفة: تجب كل نفقة كل ذي رحم مرحوم بالنسب مثل الإخوة والأعمام والعمات والخالات والأخوال ولا تجب بني الأعمام.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] وبقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] وهذا غلط لأن رجلًا قال: يا رسول الله معي دينار، قال: أنفقه على نفسك فقال معي آخر فقال: أنفقه على ولدك الخبر إلى أن قال معي آخر قال: أنت أعلم به ولم يذكر نفقة الأخ والعم، فإن قيل: ولم يذكر الوالد والجد أيضًا.
قلنا: اكتفي بالتنبيه في ذلك لأن الوالد أكد حرمة من الولد، فإذا وجب نفقة الولد فنفقة الوالد أولى ولأنه لا يجب النفقة من كسبه ولا مع اختلاف الدين بخلاف الوالدين والأولاد، وأما الآية الأولى محمولة على الميراث ولهذا قال في كتاب الله.
وأما الآية الثانية قلنا: قال ابن عباس: أراد به وعلى الوارث مثل ذلك أن لا تضار والدة بولدها إلا أن عليها النفقة، وقال الأوزاعي: تجب النفقة على جميع العصبات دون ذوي الأرحام من عدا الوالدين والمولودين، وبه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقال مالك: لا تجب إلا نفقة الأب والولد دون الأمهات وأولاد الأولاد، وقال أبو ثور: يجب لكل موروث ولا تجب نفقة من ليس بمورث، وبه قال أحمد لأن الله تعالى علق بمعنى الميراث، فقال: وعلى الوارث مثل ذلك، وهذا غلط لأنها لو كانت على الميراث للزمت على الأم مع وجوب الأب قدر ما يستحق من ميراثه، وأجمعنا على خلافه ومعنى الآية ما ذكرنا أو يحمله على الأولاد بدليل ما ذكرنا.
وقال أبو الخطاب: وإن شذّ عن الفقهاء: تجب النفقة على كل ذي قربى ورحم من قريب وبعيد وينسب هذا [ق 212 ب] إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو غلط عليه، والدليل على بطلانه ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في ترتيب من تجب عليه النفقة وتقديم بعضهم على بعض، واختلف أصحابنا فيه على طرق: أحدهما: وهو الأصح أن يقول إذا اجتمع اثنان منهم مثل أب وأم وهما غنيان فالأب أولى بالإنفاق من الأم لأنهما قد اشتركا في الولادة والبعضية وانفرد الأب بالتعصيب والاعتبار بهذه العلة، وإن كان جد وأم فالجد أولى من الأم وإن علا لما ذكرنا من العلة، وبه قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة، وأحمد: يجب على الجد ثلثا النفقة وعلى الأم الثلث اعتبارًا بالميراث وهذا غلط لما ذكرنا.
وأما الميراث يبطل بالأب مع الأم، فإن الميراث لها والنفقة على الأب خاصة وإن اجتمع جد من قبل الأم وجد من قبل الأب، فالجد من قبل الأب، وإن علا أولى لأنه

ينفرد بالتعصيب، ولأن الأب يقدم على الأم فلذلك يقدم أبوه على أبيها، ولأن الجد يقدم على الأم والأم تقدم على أبيها، فإنه لو اجتمع الأم وأبو الأم تقدم الأم فيقدم الجد على أي الأم، وإن اجتمعت جدة من قبل الأم وجدة من قبل الأب من درجة واحدة فيه وجهان أنهما سواء فيجب على كل واحد منهما نصف النفقة لأنهما قد استويا في القرابة والإرث وعدم التعصيب فلم يكن لأحديهما مزية على الأخرى.
والثاني: الجدة من قبل الأب أولى لأنها تدلى بالأب وتلك تدلى بالأم، ومن تدلى بالأب أكد ممن تدلى بالأم لكون الأب عصبة دون الأم، وإن كانت الأقرب أولى وجهًا واحدًا سواء كانت من قبل الأب أو من قبل الأم، وهذا يدل على أن الاعتبار بالإدلاء، وأن الصحيح مما تقدم الوجه الثاني وإن كان جد من قبل الأم وجدة من قبل الأب [ق 213 أ] مثل أب الأم، وأم الأب.
قال القاضي أبو حامد: تجب النفقة على الجد من قبل الأم لأنه ذكر، وقد قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: 34] قال: وإن كان الجد من قبل الأم أبعد من الجدة من قبل الأب فيه وجهان: أحدهما: تجب على الجدة لما ذكرنا من العلة.
والثاني: تجب على الجدة من قبل الأب لأنها أقرب.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا استويا في الدرجة فيه وجهان: أحدهما: هما سواء ولا فرق بين الذكر والأنثى.
والثاني: المدلى بالعصبية والأقوى في الميراث أولى وهي أم الأب، والوجه الأول أقيس، وهذه الطريقة أولى مما ذكر القاضي أبو حامد، وقال في الحاوي: إذا اجتمع أقارب الأب، وأقارب الأم يقدم الأقرب، فإن استووا في الدرج فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يشترك الفريقان في تحملها، وهذا على قول من اعتبر الدرج.
والثاني: يختص بتحملها أقارب الأب دون أقارب الأم، وهذا على قول من اعتبر الإدلاء بالعصبية.
والثالث: يختص بتحملها الورثة دون من لم يرث، فإن من لم يرث منه أحد اختص بها من كان أقرب إذا لا توارث، وهذا أصح عندي لقوة الوارث على من لا يرث، كما تقدم العصبية على من ليس بعصبة لقوته بالتعصيب، فعلى هذا لو اجتمع ثلاثة أبو أم أب وأم أبي أب، وأم أم أم فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يشتركون.
والثاني: تختص أم أب الأب لأنها أقرب إدلاء بعصبية.
والثالث: يشترك أم أب الأب، وأم أم الأم لاشتراكهما في الميراث دون أب أم الأب لأنها غير وارث.
والطريقة الثانية: قال القفال: ما وجدت للشافعي نصًا في الترتيب والذي اعتمده

وأفتى به أنه إذا كان له ولد صغير فقر وله أم فنفقته على الأب بلا خلاف ويلزمه ختانه ومداواته، فإذا بلغ وجاوز حد الصغر فنفقته [ق 213 ب] على الأب والأم نصفين.
ومن أصحابنا من قال: الأب أولى، ومن أصحابنا من قال: يجب عليهما أثلاثًا اعتبارًا بالميراث والأول أصح، ولا يصح اعتبار الميراث، لأن النفقة تجب على الجد أب الأم، ولا ميراث له أصلًا، وإن كان أم وجد فالنفقة عليهما نصفين، وكذلك أب الأب، وأب الأم فالنفقة عليهما نصفان، قال: وجملته أنه إذا وجد الأقرب فههنا سواء في النفقة هذا إذا اختلفت الجهتان، فإذا كانت الجهة واحدة فالنفقة على الأقرب، فالأقرب مثل إن كان له أب وجد فالنفقة على الأب، وإن كان ابن وابن ابن فالنفقة على الابن، وإن كان ابن وابنة فالنفقة عليهما سواء.
ومن أصحابنا من قال: يلزمهما للذكر مثل حظ الأنثيين قال: وهذا غير صحيح.
والطريقة الثالثة: الاعتبار بالولاية في المال، فإن كان أحدهما وليًا في المال بنفسه من غير تولية أحد فهو أولى، وإن كانا وليين أو لم يكونا وليين فمن يدلي بالولي أولى، فإن استويا في الأداء يعتبر حينئذٍ القرب، وهذا اختيار الشيخ المسعودي من أصحابنا قال: ولا يدخل على هذا جانب المولودين، لأن الولاية لا تتصور في جانبهم ولا يدخل على هذا الأب الكافر لا ولاية له، وهو أولى لأن فيه معنى الولاية ولا يعتبر كونه وليًا في الحال ولا يدخل عليه إذا كان الابن بالغًا لا ولاية للأب عليه وهو أولى من الأم، لأن فيه معنى الولاية.
ومن أصحابنا من قال: هما سواء، فالأول أصح، قال القفال: اعتبار القرب أولى من اعتبار الولاية، لأن الإجماع يلزم النفقة على أب الأم وليس هو أهل الولاية [ق 214 أ].
الطريقة الرابعة: قال صاحب التلخيص: الأولى بالإنفاق ولده، ثم ولد ولده، وإن تنقلوا ذكورهم وإناثهم سواء، ثم أبوه، ثم أمه، ثم جده أبو أبيه، ثم جده أبو أمه، ثم أم الأب، ثم أم الأم قلبه تخريجًا تقدم الولد على الأب والأم على الجد، وهذا تناقض.
الطريقة الخامسة: يعتبر الإرث، فإن كانا وارثين فهما سواء في الإنفاق وكذلك إن كانا غير وارثين فهما سواء، وإن كان أحدهما وارثًا دون الآخر، وفي القرب واحد فالوارث أولى، وإن اختلف ميراثهما فالنفقة على قدر الإرث.
الطريقة السادسة: تعتبر الذكورة، فإن كان أحدهما ذكرًا، فهو أولى، وإن كانا ذكرين فهما سواء، وإن كانا أنثيين فالمدلى للذكر أولى، وإن استويا في الإدلاء بالذكر فالأقرب أولى، وهذا أضعف الطرق، والاعتماد على ما ذكرنا أولًا.
وقال في "الحاوي": تحيض بحمل النفقة من فيه بعصبة من الآباء والأمهات فلا

يخلو حال من وجد منهم من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكونا جميعًا من قبل الأب لا يشركهم أحد من قبل الأم.
والثاني: أن يكونوا جميعًا من قبل الأم لا يشركهم أحد من قبل الأب.
والثالث: أقارب الأب وأقارب الأم.
فأما القسم الأول إذا كانوا كلهم من قبل الأب فنفقته بعد الأب على الجد على ما ذكرنا ثم ينتقل إلى الجد ثم جد الجد فإذا عدم جميع الأجداد يلزم أم الأب لقيامها في الحضانة والميراث مقام الأب ولا يشاركها في درجتها بعد الجد أحد فإذا صعدت بعدها درجة اجتمع فيها بعد أب الحد ثلاثة أم أم أب، وأبو أم أب، وأم أب أب فيه [ق 214 ب] ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم سواء لاستوائهم في الدرجة والبعضية وعدم التعصيب فيتحملونها أثلاثًا.
والثاني: يتحملها أم أب الأب لأنها مع مساواتها في الدرجة أقرب إدلاء بعصبة.
والثالث: وهو الأصح عندي إذا استووا في الدرج فالوارث أولى، فإن اشتركوا في الميراث تحملها منهم من كان أقرب إدلاء بعصبة، وإن اختلفت درجتهم تحملها الأقرب فالأقرب وارثًا كان أو غير وارث، فعلى هذا أن كان مع هؤلاء الثلاثة أم أب كانت أحق بتحملها على الوجوه الثلاثة، وإن لم يكن غيرهن اشتركوا في تحملها أم أب الأب، وأم أم الأب لاشتراكهما في الميراث ويسقط عن أب أم الأب لأنها لا ترث وعلى هذه القاعدة وما قدمته من هذه الوجوه الثلاثة يكون التفريغ في جميع من يتحملها، فإذا صعدت إلى درجة رابعة اجتمع لك فيها بعد جد الجد الذي لا يتقدمه من تحملها منهم أحد سبعة أم أب أب الأب، وأم أم الأب، وأم أم أم أب وهؤلاء الثلاث وارثات وأب أم أبي أب وأب أم أم أب، وأب أب أم أب وأم أب أم أب، وليس في هؤلاء الأربعة وارث ففيه وجهان: أحدهما: يتحملونه بالسوية لاستوائهم في الدرجة، فإن عدم واحد منهم يحملها من بقي، وهذا على قول من اعتبر فيها قرب الدرجة.
والثاني: يتحملها منهم من أدلى بعصبة وهو لا محالة وارث وهو أول الذكورين أم أب أب الأب ويسقط عن من سواها لاختصاصها بقوى الميراث والإدلاء بعصبة، فإذا عدمت كانت على الثانية وهي أم أب الأب لاختصاصها بعد الأولى بالقوتين: الإرث وقوة الإدلاء بالعصبة، فإن عدمت الثانية كانت على الثالثة لتفردها بالقوتين، فإن عدمت الثالثة [ق 215 أ] الوارثات كانت على الرابع، وهو أب الأب لأنه أقرب إدلاء بعصبة وأٌقرب إدلاء بوارث، فإن عدم الربع، فيه وجهان: أحدهما: وهو قول من راعى قرب الإدلاء بالعصبة يلون على الثلاثة الباقين بالسوية لاستواء درجتهن في الإدلاء بالعصبة.

والثاني: وهو الوجه الذي خرجه في تقديم الوارث على من ليس بوارث يجب على من كان أقرب إدلاء بوارث وهو الخامس أب أم أم الأب لأنه يدلي بعد درجة بوارث فإن عدم الخامس استوى السادس والسابق لاستوائهما في الإدلاء بالتعصيب على قول من اعتبره ولاستوائهما في الإدلاء بوارث على الوجه الذي اخترته لكن السادس منهما ذكر، والسابع أنثى، وإذا اجتمع من تحمل النفقة ذكر وأنثى وهما يدليان بشخص واحد كان الذكر أحق بتحملها من الأنثى كالأبوين، ولو أدليا بشخص تساويا ويراعى قوة الأنساب، فإن استوت اشتركا في التحمل والسادس والسابع ههنا يدليان بشخص واحد وهو أب أم أم الأب، فالسادس منهما أبوه، والسابع أمه فاختص بتحملها السادس الذي هو أب أب أم الأب دون السابعة التي هي أم الأب، فإن عدم السادس تحملها السابع حينئذٍ على هذا القياس.
وأما القسم الثاني: وهو أن ينفرد له أقارب الأم فمعلوم أنه لا يكون فيهم عصبة وتختص بمن فيهم أولاده وهم في أول درجة بعد الأم أبو أمها وهما أب الأم وأم الأم، فالنفقة على من اعتبر الدرج بينهما لاستوائهما في الدرجة، وعلى الوجه الذي اختاره في الترجيح بقوة الميراث تجب على أم الأم دون أب الأم لأنها الوارثة دونه وإن اختصت بالذكورة فالترجيح بالميراث أقوى، فإذا صعدت بعدهما [ق 215 ب] إلى درجة ثالثة اجتمع لك فيها أربعة منهم من جهة أب الأم أبواها، ومن جهة أم الأم أبواها فيكون أحدهم أم أم الأم، والثاني أب أم الأم، والثالث: أب أب الأب، والرابع: أم أب الأم، فهي على قول من اعتبر الدرج بينهم بالسوية لاستوائهم في الدرجة وهي على الوجه الذي اعتبر به في الترجيح بقوة الميراث واجبة على أم أم الأم لأنها الوارثة من كلهم، فإن عدمت وجبت بعدها على أب الأم، لأنه أقرب إدلاء بوارث فإن عدمت استوى الاثنان الباقيان فيهما وهما أب أب الأم، وأم أب الأم، وقد أدليا بشخص واحد أحدهما ذكر فكان أحق بتحملها ووجبت على أب أب الأم دون أم أب الأم، فإن صعدت بعدهم إلى درجة رابعة اجتمع لك فيها ثمانية، أحدها: أم أم أم الأم، وأب أم أم الأم، وأم أب أم الأم، وأب أب أب الأم، وأم أب أب الأم، وأب أم أب الأم، وأم أم أب الأم، فعلى قول من اعتبر الدرج يجب على جميعهم لاستوائهم في الدرجة وعلى الوجه الذي اعتبرته في الترجيح بقوة الميراث يجب على الأولى وهي أم أم أم الأم لأنها الوارثة من جميعهم، فإن عدمت فهي على الثاني وهو أب أم أم الأم لأنهم أقربهم إذ لا توارث، فإن عدم فهي على الثالث، وهو أب أب أم الأم لأنه مع الرابعة يدليان إلى أم الأم المولى بوارث فقد ما على ما بعدهما لبعد إدلائهم بوارث، وقدم الثالث لذكوريته على الرابعة لأنوثيتها مع اشتراكهما في الإدلاء بشخص واحد، فإن عدم الثالث فهي على الرابعة وهي أم أب أم الأم، فإن عدمت فهي على الخامس وهو أب أب أب الأب، لأنه مع السادس يدليان بأب أب الأم فقدم الخامس لذكوريته وإدلائهما بشخص واحد، فإن عدم كانت بعده على السادسة وهي أم أب أب الأم، فإن عدمت فهي بعدها على السابع وهو أب أم

أب الأم، لأنه يدلى مع الثامنة [ق 216 أ] بأم أب الأم فاختص بها لذكوريته فإن عدم فهي بعده على الثامنة وهي أم أم أب الأم.
وأما القسم الثالث: أن يشترك فيها أقارب الأب وأقارب الأم، فإن كان أقارب الأب أقرب منهم المختصون بتحملها لقربهم، وإن استووا، فقد ذكرنا ثلاثة أوجه وذكرنا تفريعان فلا معنى للإعادة.
مسألة: قَالَ: "وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضِيعَ أَب الوَلَد شَيْئًا مِنْهُ فَكَذَلِكَ هُوَ مِن ابْنِهِ إِذَا كَانَ الوَالِدُ زَمِنًا لا يُغْنِي نَفْسَهُ".
الفصل: قد ذكرنا نفقة الولد على الوالد، وإن نفقة الوالد واجبة على والده بالتنبيه لأن حق الأب آكد فإذا وجبت نفقة الولد لئلا يؤدي إلى تضييعه فنفقة الأب أولى.
ثم الكلام في فصلين: أحدهما: فيمن يجب عليه.
والثاني: فيمن يجب له فأما من تجب عليه، فأن يفصل عن قوت يوم وليلة كفايته.
وأما من تجب له، فإن كان معسرًا ناقص الإحكام أو أتخلقه، أو هما يلزمه وإن كان كامل الأحكام وهو فقير هل تجب نفقته ظاهر ما قاله ههنا أنها لا تجب.
وقال في القديم: تجب فالمسألة على قولين: أحدهما: تجب كالزمن، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
والثاني: لا تجب، لأنه قادر على الاكتساب، فأشبه المكتسب وإذا وجبت عليه نفقة أبيه يلزمه أن ينفق على زوجته أيضًا؛ لأن عليه أن يعف أباه على ما بيناه، وإذا قلنا: لا تجب عليه نفقته عند كمال أحكامه وخلقته وهل معسر هل يجب إعفافه فيه وجهان: أحدهما: وهو اختيار أبي إسحاق، وأبي سعيد الاصطخري تجب لأنه إذا منعه النفقة كان له إليها طريقًا من بيت المال، ولا طريق له إلى الإعفاف من وجه آخر، وبه حاجة إليه فيلزمه إعفافه.
وقال أكثر أصحابنا: لا يجب إعفافه لأن النفقة آكد [ق 216 ب] وحاجة الأب إليها أشد، فإذا لم تلزم النفقة فالإعفاف أولى، وهذا أقيس، وإن كان لوالده طفل لم يلزمه نفقة الطفل، لأن نفقته لا تجب على أبيه المعسر ولا تجب على أخيه، وإن كان غنيًا، وأما إذا كان للابن زوجة وأولاد فلا يلزم للأب نفقة زوجته بخلاف الأب، ولهذا ذكر الشافعي العيال عند ذكر نفقة الوالد، ولم يذكر العيال عند ذكر نفقة الوالد، وإنما افترقا لأن الولد

إذا احتاج إلى تحصين فرجه لم يجب على الأب إعفافه وفرض على الابن إعفاف الأب، إذا احتاج إليه، وهذا لأن حق الولد أعظم من حق الولد ولهذا قتلنا الولد بالوالد قصاصًا ولا نقتل الوالد به.
وقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أولادكم هبة من الله لكم يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء ذكورًا وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها".
وروى جابر رضي الله عنه، أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي مالًا وعيالًا ولأبي مال وعيال ويريد أن يأخذ مال فقال: "وأنت ومالك لأبيك".
وقال بعض أصحابنا: تجب نفقة زوجته لأنها تجري مجرى نفقته.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في المهذب: أنه لا يلزمه إعفافه ولكن يلزمه نفقة زوجته وزوجة كل قريب تلزمه نفقة لأن ذلك من تمام الكفاية ولم يذكر وجهًا آخر، وهو غريب.
وذكر جدي الإمام رحمه الله فيها وجهين بناء على وجوب إعفافه وحكاه عن صاحب التلخيص، وهو بعيد ضعيف.
وأما نفقة أولاد ابنه فواجبة عليه لأنه جدهم والنفقة على الجد واجبة عند إعسار الأب.
فرع: لو كان له أب وابن موسرين فيه ثلاثة أوجه: إحداهما: تجب النفقة على الابن، ذكره أبو حامد في الجامع لأنهما إذا اجتمعا كان التعصيب للابن [ق 217 أ] ولأن حق الأب على ابنه أعظم.
والثاني: يجب على الأب لأن إنفاق الأب على ولده نص وإنفاق الولد على الوالد اجتهاد، وهو اختيار أبي عبد الله ولأن النفقة عليه كانت قبل بلوغه فليستصحب ذلك الحكم.
والثالث: يجب عليهما نصفين لأنهما سواء في الدرجة والتعصيب والأول أصح، وفيه وجه آخر.
ذكره القفال يلزمهما على قدر الميراث، وهذا ضعيف.
فرع آخر: لو كان له ابن، وأم موسران وهو فقير زمن فنفقته على الابن دون الأم، لأن التعصيب له، وقيل: فيه وجه آخر هما سواء، وقيل: إنهما على قدر الإرث وكلاهما ضعيف.
فرع آخر: لو كانت له أم وابنة موسرتان.
قال أبو حامد في الجامع: تجب نفقته على البنت دون الأم لأن للبنت التعصيب من بعض الأحوال إذا كان معها أخوها ولا تكون الأم عصبة بحال، ولأنه حقه على ابنته آكد.

وقال القفال: فيه ثلاثة أوجه: إحداها: ما ذكرنا.
والثاني: على الأم.
والثالث: هما سواء.
قال أبو حنيفة، وأحمد: على الأم ربع النفقة، والباقي على الابنة إذا اجتمعتا ورثتا كذلك بالفرض والرد وهذا غلط لما ذكرنا وأبطلنا اعتبارها بالميراث.
فرع آخر: لو كان أبواه معسرين زمنين، وهو غني لزمه أن ينفق عليهما جميعًا، فإن لم يفضل عن كفايته إلا نفقة أحدهما فيه ثلاثة أوجه: إحداها: ينفق على الأم لما روي أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أين يا رسول الله؟ فقال: وأمك، فقال: ثم من؟ فقال: أمك، فقال: ثم من؟ فقال: أمك، فقال: ثم من؟ فقال: أباك" وقال صلى الله عليه وسلم: "حق الوالد أعظم وحق الوالدة ألزم" ولأنها تفردت بحمله ورضاعه وقامت بكفالته فكانت حرمتها آكد.
والثاني: الأب أولى، لأن الابن لو كان معسرًا زمنًا، وهما موسران كانت نفقته على أبيه دون أمه فكذلك هو أيضًا ينفق على أبيه دون أمه، وهذا أقيس والأول أظهر.
والثالث: هما سواء لاستوائهما في الدرجة والولادة.
فرع آخر: لو كان لهما مع الولد ولدين موسر يحمل باقي نفقتهما حتى يكفيا، فإن أنفق الولد وولد الولد على أن ينفق أحدهما على الأبوين، والآخر على الآخر صح، وإن اتفقا على الاشتراك في نفقتهما صح، وإن اختلفا رجع إلى خيار الأبوين إذا استوت نفقتهما، وإن اختلفت النفقتان اختص أيسرهما بأكثر الأبوين نفقة.
فرع آخر: لو كان له أب وابن فقيران محتاجان إلى النفقة وهو لا يجد إلا نفقة أحدهما فيه ثلاثة أوجه: إحداها: الابن أولى، لأن نفقته نص.
والثاني: الأب أولى لأنه حقه أعظم.
والثالث: هما سواء، وهو اختيار القفال، وقال أبو حامد: هذا إذا لم يكن الابن

طفلًا لا يقدر على شيء فهو أولى وجهًا واحدًا وسائر أصحابنا لم يفصلوا وما ذكره أصح.
فرع آخر: إذا كان هناك أب وابنة فقيران ففيه ثلاثة أوجه أيضًا.
فرع آخر: لو كان ابن وجد فقيران قيل: حكمه كما ذكرنا في الأب والابن، وقيل: وجه واحد الابن أولى لأنه أقرب وهكذا لو كان له ابن وجد وهما موسران وهو فقير يحتاج فنفقته على من يكون على هذا الخلاف.
فرع آخر: لو كان معهما زوجة يلزمه أن ينفق على زوجته لأن نفقتهما تجب على طريق العوض فكانت آكد، وقدمت على نفقة الأقارب.
فرع آخر: لو كان موسرًا، وله أم وابن فقيران يحتاجان ولا يفصل إلا نفقة أحدهما أن يكون فيه ثلاثة أوجه كما قلنا في الأب والابن.
فرع آخر: لو كانت له أم وأب أم غنيان فهما سواء لأنهما يستويان في القرب [ق 218 أ] وعدم التعصيب، ذكره في المهذب ويحتمل أن يقال: تقدم الأم لأنها أقرب.
فرع آخر: لو كان هو غنيًا، والأم والابنة فقيرتان وليس معه إلا نفقة إحداهما يجب أن يكون فيه الأوجه الثلاثة، والظاهر أن تكون البنت أولى ههنا.
فرع آخر: لو كان له ابن وابنة موسران فنفقته على الابن دون البنت، قال أبو حامد في الجامع، وذكرنا وجهًا عن القفال، وهو غير مشهور.
وقال أبو حنيفة: عليهما بالسوية، وقال أحمد: ثلثاها على الابن، وثلثاها على البنت كما اختاره القفال، وهذا غلط لأن الابن عصبة بنفسه والاعتبار به دون الميراث.
فرع آخر: لو كان له ابن ابن وابنة موسران فابن الابن أولى بالإنفاق عليه لما ذكرنا، وقال أبو

حنيفة: النفقة على البنت لأنها أقرب، وقال أحمد: على البنت الثلث وعلى الابن الثلثان، لأن ما اجتمع فيه الذكر والأنثى كان الذكر فيه بالثلثين كالميراث، وهذا وجه لبعض أصحابنا، وهذا غلط لأنه لو اعتبر الميراث لكان على البنت النصف، فإن لها نصف الإرث في هذا الموضع.
فرع آخر: لو كان له بنت، وابن بنت، قال أبو حامد في الجامع: فيه قولان: أحدهما: البنت أولى، لأنها أقرب إليها مع تساويهما في عدم التعصيب.
والثاني: ابن البنت أولى لأنه ذكر.
فرع آخر: لو كان ابن بنت، وبنت ابن موسران فيه ثلاثة أوجه: إحداها: ابن البنت أولى، لأنه ذكر، وهو الصحيح.
والثاني: بنت الابن أولى، لأنها تدلى بعصبة، وقد تكون عصبة مع أختها.
والثالث: ما سواهما لاستوائهما في الدرجة وسقوط التعصيب فيهما.
فرع آخر: لو كان له ابن صغير وابن ابن صغير ولا يفصل إلا نفقة أحدهما منه وجهان: أحدهما: الابن أولى، وهو الصحيح عندي، لأنه أقرب.
والثاني: هما سواء لأنهما متساويان في أصل قرابة الولادة ولا اعتبار بقوة التعصيب [ق 218 ب] ولو كان بالعكس من هذا وكانا غنيين وهو فقير كان الابن أولى بالإنفاق على أبيه من ابن الابن.
فرع آخر: لو كانا ولدين أيسر الأب بنفقة أحدهما وأعسر بنفقة الآخر، فإن كان مع الأب جد موسر كان الأب والجد بالخيار بين اشتراكهما في نفقة الولدين وبين أن يتحمل الأب نفقة أحدهما ويتحمل الجد نفقة الآخر، فإن اختلفا يحمل على قول من دعا إلى الاشتراك في نفقتهما، وإن لم يكن مع الأب غيره ساوى بين ولديه في النفقة، ويحمل نفقة كل واحد منهما.
فرع آخر: نفقة المكاتب هل تجب على ولده، قال في الحاوي تحتمل وجهين: أحدهما: لا يجب، لأن أحكام الرق عليه جارية.
والثاني: تجب نفقته على ولده لسقوط نفقته بالكتابة عن سيده.

فرع آخر: لو اختلف أحوال الوالدين فكان أحدهما رضيعا لا يقوم بنفسه، والآخر مراهقا يقوم بنفسه فالرضيع أولى ولا يشرك بينهما لأن الرضيع بالعجز مضاع والمراهق بالحركة متسبب وكذلك إن كان أحدهما مريضا فالمريض أولى.
فرع آخر لو كان أحد الوالدين بنتاً فيه وجهان: أحدهما: البنت أولى لظهور النقص من حركتهما.
والثاني: هما سواء لأن لكل واحد منهما من التصرف والتسبب نوعاً بعض الآخر عنه.
فرع آخر لو كان ابن بنت، وبنت ابن وأيسر بنفقته أحدهما كانت ابنة الابن أولى لتقصها بالأنوثة، وقوة سببها بتعصيب أبيها.
فرع آخر لو كان أب وجد معسران وليس معه إلا نفقة أحدهما فيه وجهان كما قلنا في الابن وابن الابن أحدهما مما سواء لأن لكل واحد مهما ولادة ولو اتسع المال وجبت نفقتهما معا.
والثاني: وهو الصحيح الأب أولى لأنه أقرب ويقدم في التعصيب.
فرع آخر لو اجتمع جد وجدة في درجة واحدة والذكر أبعد والأنثى أقرب، قد ذكرنا حكمه، وقال القاضي أبو حامد: إن كان الذكر عصبة وهو أن يكون بين الذكر وبين من له النفقة أم [ق 219 أ] فالجد أولى لأنه ذكر، والثاني الجدة أولى لأنها أقرب.
فرع آخر لو اجتمعت جدتان لأحديهما ولادتان، فإن كانتا في درجة واحدة، فالجدة التي لها ولادتان أولى، وإن كانت التي لها ولادتها أبعد والتي لها ولادة واحدة أقرب كانت الأقرب أولى، ذكره أبو حامد في الجامع.
فرع آخر لو كانت بنت بنت بنت أبوها ابن ابن بنته وابنته بنت ليس أبوها من أولاده، فإن كانتا في درجة واحدة فالتي جمعت القرابتين أولى، وإن كانت التي جمعت القرابتين

أسفل فالقريبة أولى قاله القاضي أبو حامد.
فرع آخر لو كان له ابن وبنت موسران، قد ذكرنا أن النفقة على الابن، فإن لم يفضل عن كفاية الابن إلا نصف نفقة الأب كان الباقي على البنت، وقد ذكرنا نظيره.
فرع آخر لو كان له ابن وولد خنثى مشكل فيه وجهان: أحدهما: يجب على الابن أن ينفق عليه ولكنه يجب أن ينفق بحكم الحاكم، فإذا أنفق، ثم بان أنه ذكر رجع عليه بنصف ما أنفق، وإن بان أنثى أو مات مشكلاً لم يرجع وعلم أنه أنفق ما كان واجباً عليه.
والثاني: يجب على الابن نصف النفقة، وأما النصف الآخر فإن الحاكم يأمر من ينفق عليه إن وجده ويحكم بالرجوع على ما ينكشف أنه يجب عليه كما نقول إذا كان له ابنان حاضر وغائب أخذ الحاضر بنصف النفقة، وأما الغائب فإن كان له مال حاضر أخذ من ماله، وإن كان ماله غائباً أمر من ينفق عليه وكتب إلى حاكم البلد الذي هو فيه يأخذه بما يلزمه من نفقته، فإن لم يجد الحاكم من ينفق عليه أخذ الحاضر بالإنفاق عليه لأن نفقته عليه لو انفرد، وحكم له بالرجوع على الغائب إذا قدم أو ظهر له مال، والصحيح الوجه الأول، والفرق بين الخنثى وبين الغائب أن الابن ههنا يجوز أن يكون جميع النفقة عليه فهو أولى [ق 219 ب] بالمطالبة بها من غيره وليس كذلك إذا كان أخوه غائباً فإنا نتيقن أن الحاضر لا يلزمه أكثر من نصف النفقة فلم يجز أن يؤخذ بالباقي.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: تجب كلها على الابن.
والثاني: تجب عليهما نصفين، فإن بان الخنثى رجلا لم يرجع، وإن بان امرأة يرجع بما أنفق على الابن، هذا غريب.
فرع آخر لو كان له بنت ولد خنثى مشكل فيه وجهان: أحدهما: يؤخذ الخنثى بجميع نفقته لأنه يجوز أن يكون ابنا فيلزمه جميع نفقته، فإن بان أنه ابن فقد أنفق ما وجب عليه، وإن بان أنه أنثى رجعت بنصفها على أخيها.
والثاني: أنهما جميعاً ينفقان، فإن بان الخنثى أنثى فقد أنفقا ما وجب عليهما، وإن بان ذكراً رجعت أخته عليه بما أنفقت، وهذا أقيس وهذه التفريعات كلها على الطريقة الأولى.
وأما على سائر الطرق يتأمل فيها ويقاس على ما قدمناه.

فرع آخر قد ذكرنا إذا كان أحد الابنين عائباً كيف يكون حكم النفقة، ولو كان الأقرب غائباً ولا يقدر الحاكم على ماله ولا على الاستعراض عليه أمر الأبعد بالإنفاق عليه حتى يرجع على الأقرب إذا رجع لأنه لو انفرد يلزمه الإنفاق عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا رجع الأقرب لا يرجع الأبعد عليه وهو غلط ظاهر.
فرع آخر لو كان للصغيرة مال غائب فعلى الأب أن ينفق عليه فرضاً موقوفاً فإن قدم ماله رجه بما أنفق، وإن لم يكن بأمر الحاكم إذا قصد بالنفقة الرجوع لأن أمر الأب في ولده أنفذ من حكم الحاكم، وإن ملك المال قبل قدومه بعد مضي زمان بعض النفقة سقط من ذمة الولد ما أنفقه بعد تلف ماله ولو يسقط ما أنفقه قبل تلفه وكان ذلك ديناً له [ق 220 أ] على ولده يرجع به عليه إذا أيسر أو بلغ لأنه بتلف ماله صار فقيراً من أهل المواساة.
فرع آخر لو كانت أمة ذات زوج قد أعسر بنفقتها لو تجب نفقتها على ولدها ما لم يفسخ نكاحه، وإن احتاجت لوجوبها على الزوج، وإن تأخر الاستحقاق بالإعسار ليلاً يجمع بين نفقة بزوجيه ونسب ولو خطبها الأزواج وهي خلته لم تجر على النكاح وأخذ الولد بنفقتها، فإن تزوجت سقطت نفقتها عن ولدها لعقد لوجوبها على الزوج.
فرع آخر قد ذكرنا أن نفقة الأقارب لا تتقدر بل هي على الكفاية، فإن احتاج إلى من يخدمه يلزمه نفقة خادمه وتسقط بمضي الزمان ولا تصير ديناً عليه لأنها تجب لترجيه الوقت ودفع الحاجة.
قال ابن أبي حامد: إلا أن يأمره القاضي، وقال جدي الإمام: هل تتقدر وجهان وهو بعيد.
مسألة: قال: "ومن أجبرنا على نفقة بعنا فيه عليه العقار".

إذا امتنع من نفقة امرأته المستقرة في ذمته أو نفقتها الراتبة، أو مهرها الواجب في ذمته أو نفقة والديه أو مولوديه، فإن وجدنا مالاً من جنس ما عليه أخذنا منه مقدار الواجب، وإن لم نجد من جنسه ووجدنا من غير جنسه من البياض والثياب والعقار، فإن الحاكم يبيع من ماله بقدر النفقة والمهر الواجب في ذمته ولا يبيع العقار مع القدرة على بيع غيره ولها أخذه من ماله سراً وعلانية، وكذلك نفقة أولادها الصغار، فإن كان جنس النفقة: فذاك وإن كان [ق 220 ب] من غير جنسها فهل لها أن تأخذ قولان: فإن قلنا: تأخذ لا تتملكه قولاً واحداً بل تبيعه وتصرف إلى حقها ثمنه، وقال أبو حنيفة: تصرف دراهمه ودنانيره إلى النفقة ولا يباع عقاره وعروضه فيها ولكنه يحبس حتى ينفق أو يبيعها كما قال في سائر الديون وربما يسلم في نفقة الأب أنه يباع العقار فيها استحساناً.
فرع لو كان للزوج في ذمتها طعام من جنس ما يلزمه لها من النفقة فطالبها الزوج بأن تقاضه بمالها عليه من النفقة لا يخلو إما أن تكون موسرة أو معسرة، فإن كانت موسرة كان له أن تطالبها بالمعارضة لأن أن تطالبها بقضائه وهذا على القول الذي يقول لا تقع المقاصة إلا بالتراضي، فأما إذا قلنا: يتقاصان بوجوبها يسقط أحدهما بالآخر، ذكره القاضي الطبري.
مسألة: قال: "ولا تجبر امرأة على رضاع ولدها شريفة كانت أو دنيئة".
إذا كان له امرأة له منها ولد مرضع فامتنعت من إرضاعه لا يملك إجبارها عليه على أي صفة كانت المرأة زوجة أو مطلقة شريفة أو دنية موسرة أو معسرة، وقال مالك: إن كانت موسرة نسبية رفيعة الحال لم يكن الحال لم يكن له إجبارها، وإن كانت دنية له إجبارها، وقيل عنه روايتان: إحداهما: يجب عليه إرضاعه بكل حال وتجبر على ذلك، وبه قال أبو ثور.
والثانية: وهو المشهور إذا كانت ممن ترضع في العادة يلزمها لقوله تعالى: ﴿والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: 233] وهذا خبر والمراد به الأمر، وهذا غلط لان الله تعالى قال: ﴿أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6].
وقال: وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى، وإذا امتنعت فقد تعاسر ولأنه لو كان لحق الولد لأجبرها بعد الفرقة، وإن كان لحق نفسه لأجبرها على خدمة نفسه، فإذا لم يجبرها على خدمة نفسه فلان لا [ق 221 أ] تجبر على خدمة ولده أولى

وأما الآية التي ذكر محمولة على الاستحباب بدليل ما ذكرنا.
فرع: لو اختارت أن تتطوع بإرضاعه كانت أولى من غيرها ولم يجز للزوج أن ينتزع الولد من يدها بوجه من الوجوه لأنها أحنى على الولد وأشفق من الأجنبية.
وقال بعض أصحابنا: إذا أراد منعها من الإرضاع وتسليمه على امرأة لترضعه فقياس المذهب أن له ذلك لأنه يستحق عليها الاستمتاع في عموم الأوقات فإذا استعملت بإرضاع الصبي فوتت عليه حقه وليس لها ذلك، وهو اختيار أبي حامد، والأول اختيار القاضي الطبري.
وقال في "الحاوي" فيه وجهان والصحيح عندي أن ينظر في سبب المنع، فإن كان الاستماع في أوقاته كان له، وإن كان لغير ذلك لم يكن له لأنه يقصد الضرر، وهذا أولى عندي.
فرع آخر إذا تطوعت بالإرضاع هل يستحق لإرضاعه زيادة في نفقتها وجهان: أحدهما: قال أبو إسحاق، والاصطخري للحاكم أن يجتهد فيها ويزيد على قدر نفقتها لأن مؤنتها تزيد في هذه الحالة وتحتاج إلى زيادة غذاءه.
والثاني: لا يزاد، لأن النفقة عندنا مقدرة ولا تزيد بكبره مؤنتها فلم يجز أن تزيد على المقدار المعهود، ولهذا لا يزاد إذا كانت رغيبة سمينة أكولة وهذا أصح.
فرع آخر لو أرادت إرضاعه بأجرة مقدرة لم تكن من ذلك ولا يجوز أن يستأجرها زوجها علة ما ذكرنا في كتاب الإجارة، فإن أجرت لم تصح الإجارة وكذلك إن أجرت نفسها من زوجها للخدمة لم يجز لأنها مستحقة الاستمتاع في جميع الزمان إلا في مقدار العبادات المفروضة وما لابد لها من الأكل والشرب فلم يجز أن تعقد على نفسها إجارة تمنع الاستمتاع، وهذا كما لو أجر نفسه لتخدمه شهراً لم يجز أن يؤاجر ثانياً ليخيط له ثوباً أو يعمل له عملاً غير الخدمة في ذلك الشهر، وقال القفال [ق 221 ب] وعامة أهل خراسان يجوز استئجار زوجته لإرضاع ولدها منه ولخدمة البيت، وعند أبي حنيفة لا يجوز عند بقاء النكاح وبعد البينونة روايتان وجعل هذا مسألة ولم يذكر وجهاً بخلافها، وهذا أقيس وأجمع أهل العراق على خلاف هذا، وقد ذكرناه في كتاب الإجارة بالشرح والبيان.
وقال بعض المتأخرين من أهل العراق فيه وجهان.
فرع آخر لو أجرت نفسها من غير للإرضاع أو الخدمة لا يجوز، وقال القاضي أبو حامد في

جامعه يكون للزوج فسخه فأجاز العقد وجعله موقوفاً على فسخه والصحيح ما تقدم لأنها عقدت الإجارة على ما لا يقدر على تسليمه لما ذكرنا أو يطأها بالاستمتاع بها.
فرع آخر إذا ثبت أن الإجارة باطلة فأرضعت على ذلك هل لها أن تطالبه بأجرة المثل.
قال أبو إسحاق وغره من أصحابنا: ليس لها ذلك لأن هذا الزمان قد استحقه الزوج على ما ذكرنا، والنفقة التي أخذتها عوض عن جميع ما يعمله في ذلك الزمان فلم يجز لها أن تطالبه بعوض آخر ولأنها لو استحقت ذلك لجاز عقد الإجارة معها.
وقال ابن خيران لها أن تطالبه بأجرة المثل لأنه أتلف عملاً لها لم يملكه الزوج بعوض لم يسلم لها فترجع إلى أجرة المثل كما في سائر الإجارات الفاسدة، قال: ولا يدخل على هذا إذا أجر الإنسان نفسه شهراً بعوض معلوم، ثم أجره في ذلك الشهر إجارة أخرى لأن العقد الثاني وقع على ما لا يملكه، وههنا عقدت على ما يملكه لأن الزوج لم يملك ذلك عنها بعقد النكاح.
وأما النفقة التي أخذتها في مقابلة الاستمتاع دون سائر أعمالها ولم يتابعه أحد من أصحابنا، هكذا ذكره أبو إسحاق والقاضي الطبري والأول أصح [ق 222 أ].
فرع آخر قال القفال: لو امتنعت من الإرضاع تجبر على إرضاع اللبأ لأن الولد لا يعيش دونه ولها طلب الأجرة عليه كإحياء المضطر بطام يجب ولكن بالقيمة وكذلك بعد اللبأ إن لم يجد مرضعة أخرى أجبرت على الإرضاع بالأجرة وكذلك لو فقدت الأم ووجدنا مرضعة لا يجد سواها أجبرناها بالإحياء الولد بلا رضاع ويلزم الأجرة على الأب.
وقال بعض أصحابنا: لا أجرة لها لأنه حق تغير عليها وعجز الأب عنه فيجري مجرى نفقته إذا أعسر الأب وأيسر ذكره في الحاوي.
مسألة: قال: "وإن طلبت رضاع ولدها، وقد فارقها زوجها فهي أحق".
قد ذكرنا حكم الزوجة فأما إذا كانت مطلقة بائناً فكذلك لا يجوز له إجبارها على إرضاعه فإن لم يوجد لبن من غيرها أخذت جراً إرضاع اللبأ حفطاً لحياة الولد، وهل تستحق أجرة المثل على ما ذكرنا، وإن اختارت إرضاعه نظر، فإن تبرعت به كانت أحق به، وإن لنم تتبرع به وطلبت الأجرة نظر أكثر من أجرة مثلها كان الأب أحق به تسترضعه امرأة أخرى، وإن طلبت أجرة مثلها نظر، فإن لم يكن مع الأب امرأة ترضع إلا بأجرة.

مثلها كانت الأم أحق به، وإن كانت معه من ترضعه بغير أجرة أو برضعه أقل من أجرة مثلها، نقل المزني أن الشافعي قال: القول قوله مع يمينه أن يجد متطوعة أو من يرضي بأقل من أجرة المثل، فإذا حلف كان له أن ينتزعه من يدها ويسلم إلى غيرها، وإنما جعلنا القول قوله مع يمينه لأنه يتعذر عليه إقامة البنية بذلك والأصل براءة ذمته عن الأجرة، ثم لا يمنع أمه من زيارته لقوله صلى الله عليه وسلم لا قوله: " والدة على ولدها" ثم قال: وقال في موضع آخر: الأم أولى وهو اختيار المزني [ق 228 ب] واختلف أصحابنا فيه فقال الاصطخري وأبو إسحاق.
وأكثر أصحابنا قول واحد لا أجرة لها وما قاله المزني ليس بقول آخر، بل قال الشافعي: إن أرضعت أعطاها أجرة مثلها وليس الزوج فإن نجد من يتطوع به من غير أجرة أو بأقل من أجره المثل فلا يجوز أن يجعل هذا قولاً آخر.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، وبه قال الإفصاح.
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: لها الأجرة لقوله تعالى: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] ولأنها أشفق من غيرها ولأنها رشيدة لا زوج لها طلبت رضاع ولدها بأجرة مثلها فكانت أحق به حال الإقامة كما لو لم يجد من يتبرع بها.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط حق الأم من الحضانة ولا أجرة عليه ويأتي المرضعة مرضعة عندها لأن حقها من الحضانة باق.

باب أي الوالدين أحق بالولد

مسألة: قال: "أخبرنا سفيان بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خير غلاماً بين أبيه وأمه إلى أن قال: وإن كان أحدهما غير مأمون فهو عند المأمون منهما حتى يبلغ".
إذا طلق امرأته وله منها ولد لا يخلو الولد من ثلاثة أحوال: أن يكون طفلاً لا يميز فتكون الأم أولى بحضانته وتربيته لأنها أعرف بذلك وأصبر عليه من الأب والنفقة على والده.
وأما أن يكون بالغاً عاقلاً فيكون الولد أولى بنفسه إن شاء انفرد بموضع يسكنه وإن شاء كان مع أحد الأبوين.
وأما أن يكون غير بالغ إلا أنه بلغ سناً يميز مثل أن يكون له سبع سنين أو ثمان سنين فهذا يخير عندنا بين الأبوين، فإن اختار أن يكون مع الأم كان معها وإن اختار أن يكون [ق 223 أ] مع الأب كان معه، وهذا التخيير طريقة الشهوة ولا يلزم، فإن اختار

أحدهما، ثم بدا له وأراد الآخر كان له ذلك ونقل إليه.
قال القفال: إلا أن يكثر منه ذلك فيستدل منه على قلة عقله فتكون الأم حينئذ أولى به، وبه قال أبي إسحاق، وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا يجبر الولد قط، فإن كانت بنتاً تكون معها حتى نبلغ، ثم تكون أحق بنفسها، وإن كان ابناً فإنه يكون مع أبيه حتى يبلغ حداً يأكل بنفسه ويشرب بنفسه، ويلبس، ثم تسلمه إلى أبيه حتى يؤدبه.
وقيل عن أبي حنيفة أنه قال في الابنة: يجب عليها أن تقيم مع الأم حتى تزوج فإن طلقت قبل الدخول أو بعده لم تعد الكفالة.
وقال مالك: إن كان ذكراً فالأم أحق به ما لم يثغر.
وروي عنه: إلى البلوغ أيضاً، وإن كانت أنثى فالأم أحق بها ما لم تتزوج ويدخل بها الزوج، فإن طلقت قبل الدخول عادت الكفالة للأم، واحتج بأن الصغير لا قول له ولا يعرف حظه.
وقال أحمد: إن كان ذكراً خير، وإن كانت أنثى لم تخير والأم أحق بها لأن الحظ للأنثى لا يكون عند أمها والغرض بالحضانة حظها، فلم تجبر وهذا كله غلط للخبر الذي ذكره الشافعي، وأراد بالغلام الصغير لأنه ظاهر الاسم ولأنه لو كان بالغاً لا يخير بين أحدهما وبين الانفراد عنهما.
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طلقها زوجها فأرادت أن تأخذ ولدها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أستهما فيه فقال الرجل: من يحول بيني وبين ابني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للابن: "اختر أيهما شئت" فاختار أمه فذهبت به.
وروي عن أبي ميمونة قال: كنت عند أبي هريرة فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن [ق 233 ب] يذهب الولد، وقد طلقني فقال: آستهما عليه فجاء زوجها فقال: هو ولدي، فقال أبو هريرة: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بولدي وقد نفعني وشفاني من.. عتبة فقال: أستهما فجاء زوجها فقال: من يحاقني في ولدي فقال: يا غلام هذا أبوك، وهذه أمك، خذ بيد أيهما شئت قال: فأخذ بيد أمه فانطلقت به.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خير غلاماً بين أبيه وأمه.
وروي عن عمارة الجرسي أنه قال: خيرني علي رضي الله عنه بين عمر وأمي ثم قال للأخ لي أصغر مني وهذا أيضاً لو قد بلغ خيرته.
وفي هذا الخبر أنه قال: وكنت ابن سبع سنين أو ثمان سنين، وقال في أخيه وهذا أيضاً لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته ويقول على أحمد كل سن خير فيه الذكر خيرت فيه

الأنثى كسن البلوغ.
وأما ما ذكروه لا يصح لأن الأب كالأم في مصالحها، وهذا التخيير غير لازم بل هو اختياره وشهوته كما يكون فيما لو [....]، وقيل: للولد أربع أحوال: حالة رضاع، وحالة حضانة، وحالة كفالة، وحالة كفاية، وقد ذكرنا حكم الرضاع وقدرة الشرع بحولين.
وأما الحضانة تربيته ومراعاة مصلحته في وقت يعجز عنها ولا تمييز بين ضرها ونفعها وذلك دون سبع سنين فتختص الأم لأنها أحنى عليها وأصبر على مصالحها وشفقتها أكثر، والدليل على هذا ما روي عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني كان بطني له وعاء وثدي له سقاء وحجري له حواء، وأن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني فقال لهال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أحق ما لم تنكحي" والحق اسم المكان الذي عول الشئ أو معنى هذا الكلام الإدلاء بزيادة الحرمة التي لها.
وأما الكفالة بحفظه ومعونته عند تمييزه قبل كمال قوته [ق 224 أ] وذلك بعد سبع سنين.
وأما الحالة الرابعة بعد بلوغها لا كفايتهما بأنفسهما لكمال التمييز والقوة، ولكل واحد منهما أن ينفرد بنفسه ويعتزل أبوه إلا أن يكره للجارية مفارقتهما.
واعلم أن الشافعي قال: ههنا سن التخيير إذا بلغ سبعاً، وقال في موضع آخر: إذا بلغ سبعاً أو ثمان سنين وليس على قولين بل على اختلاف حالين، فإن ظهر التمييز فيه لسبع لفرط ذكائه خير، وإن تأخر لبعد فطنته خير في الثامنة عند ظهور ذلك، ويكون ذلك موكولاً إلى رأي الحاكم واجتهاده عند الترافع إليه.
فإذا تقرر هذا، فإنما يخير بينهما إذا استوت حالهما وهو أن يوجد فيهما أربع شرائط: الحرية، والإسلام، والأمانة، وأن يكون بلدهما واحداً فأما إذا كان أحدهما حراً، والآخر مملوكاً فإن كان الأب هو المملوك فنفقته على أمه وهي أولى بحضانته، وإن كانت الأم مملوكة، فإن الولد عبداً لسيدها وهو أولى بحضانته وتربيته إن شاء استرضع أمه، وإن شاء انتزعه منها وتركه إلى أخرى لترضعه والأولى تركه.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن ينتزعه منها لأنه تفريق بين الأم وولدها فلا يجوز كما لا يجوز في البيع، وإن كانت الأم مملوكة والأب حراً بأن يكون الأب مغروراً، فإن الأب أولى منه، وإن كانا مملوكين والولد حر بأن يتزوج بعد بامرأة على أنها حرة وأولدها، ثم تبين أنها كانت مملوكة فالولد حر.
قال أبو إسحاق: تجب نفقته وحضانته على المسلمين كاللقيط فيجيب على الحاكم أن يستأجر امرأة تحضنه وتنفق عليه من بيت المال.

وقال في "الحاوي": إذا كانت الأم مملوكة لم يجز أن يفرق بينهما في زمان الحضانة، وفي جواز التفرقة بينهما في زمان الكفالة ما بعد سبع سنين والبلوغ قولان، وإن كان أبوه ملكاً لسيده ففي [ق 224 ب] إجراء حكم الأم عليه في المنع من التفرقة بينهما وجهان.
واختار الشيخ أبو حامد أن أم الولد أولى بالولد من السيد إلى سبع سنين فإذا بلغ سبعاً فالأب أولى إلا أن يعتق الأم فيخيروا المذهب الصحيح ما ذكرناه أولاً والفتوى على ما ذكره أبو حامد للمصلحة، وإن كان أحدهما كافراً والآخر مسلماً فإن المسلم منهما أولى لا يختلف المذهب فيه.
وحكي عن الاصطخري أنه قال: يخير بينهما، واحتج بما روي أن رافع بن أبان اسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم.
وقال رافع: ابنتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرافع: اقعد ناحية، وقال لامرأته: اقعدي ناحية، وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: ادعوها فمالت الصبية إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اهدها" فمالت إلى أبيها فأخذها.
وروي عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، قال اسلم أبي وأبت أمي أن تسلم وأنا غلام فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا غلام اذهب إلى أيهما شئت، إن شئت إلى أبيك، وإن شئت إلى أمك" فتوجهت إلى أمي فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: "اللهم أهده" فملت إلى أبي وقعدت في حجره.
وحكي عن أبي حامد أنه قال: الذمية أولى بالحضانة إلى سبع سنين، فإذا بلغ سبعاً فالأب أولى وهذا غلط، لأن الحضانة جعلت لحظ الولد ولا حظ للولد المسلم في حضانة الكافر لأنه يفتنه عن دينه، وذلك أعظم الضرر، والخبر الذي ذكره منسوخ، لأن الأمة اجتمعت أنه لا يسلم الصبي إلى الكافر، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أنه يختار المسلم فلهذا خيره وكان هذا حكماً خاصاً له ولأنه لا خلاف أن أحدهما إذا كان فاسقاً والآخر عدلاً، فالعدل أولى، فإذا كان العدل أولى من الفاسق فالمسلم أولى من الكافر.
وحكي ابن أبي هريرة، وغيره عن أبي حنيفة [ق 225 أ] أنه قال: لا تبطل كفالته [كفره، وهذا غلط لما ذكرنا، وإن كان أحدهما مأموناً والآخر غير مأمون فالمأمون أولى لأنه يستضر بغير المأمون في تربيته على خلقه، وسوء صنيعه، ونريد به العدل والفاسق، وإن اختلف بلدهما، فإن كان يريد سفراً لحاجة، ثم يعود فالمقيم أولى لأن في المسافرة به إضرار به والمقام أودع والسفر خطر، وإن أراد سفر الانتقال، فإن كان الأب منتقلاً كان أحق به من الأم، وإن انتقلت الأم إلى بلد آخر، فالأب أحق به، وهذا لأن حفظ

النسب إلى الأب, وهو أهم من الحضانة التي يحصل له بالأم فقدمنا الأب عليها وقد ذكر بعض أصحابنا: أن اختلاف البلدين بأن تكون المسافة بينهما قدر ما تقتصر فيه الصلاة, فإن كانت المسافة أقل من ذلك فالأم أحق كما في البلد الواحد لأن مراعاة الأب له ممكنة في هذا القدر من المسافة, وهذا اختيار أبي حامد والقاضي الماوردي وجماعة.
وقال بعض أصحابنا: لا اعتبار بهذه المسافة لأن إذا انتقل عن بلده لا يمكنه تأديبه وتعليه ذكره في الشامل, وهو الأصح عندي, وبه قال مالك, وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إن كانت الأم مقيمة والأب منتقلاً فالأم أحق, وإن كانت الأم متنقلة, فإن انتقلت من بلد إلى قرية فالأب أحق, لأن في البلد يمكن تأديبه بخلاف القرية, وهذا غلط لأنهما أبوان استوت حالهما واختلف بهما الدار فكان الأب أولى بالبلد كما لو انتقلت من بلد إلى قرية.
فرع: لو كان بعض الولد حرًا وبعضه موقوفًا خير بين الأبوين بما فيه من الحرية إذا كانا حرين, فإذا اختار أحدهما اجتمع مع سيده المالك لدقة على ما يتفقان عليه في كفالته من اشتراك فيها أو مهايأة عليها أو استنابة فيها, فإن تنازعا اختار الحاكم لها أمينًا ينوب عليها في كفالته.
فرع آخر: من يجن زمانًا ويفيق زمانًا [ق 225 ب] لا كفالة له, لأنه في زمان الجنون زائل الولاية وربما يطرأ جنونه على عقله فلا يؤمن معه على الولد إلا أن يقل جنونه في الأحيان النادرة ولا يؤثر في التمييز بعد زواله فلا يمنع من الكفالة.
فرع آخر: لو كان أحدهما مريضًا, فإن كان طارئًا يرجى زواله فلا يمنع, وإن كان ملازمًا كالقالج والسل, فإن أثر أو تشاغل بشدة ألمه لا كفالة له, وإن أثر في قصور حركته مع صحة عقله وقلة ألمه روعيت حاله, فإن كان ممن يباشر كفالته بنفسه سقط حقه منها لما يدخل على الولد من التقصير فيها, وإن كان ممن يراعى بنفسه التدبير ويستنيب فيما تقتضيه المباشرة كان على حقه من الكفالة سواء, كان أبًا, أو أمًا، وإذا برأ العاجز عاد إلى حقه.
فرع آخر: لو وجد في كل واحد من الأبوين شروط الكفالة ويفصل أحدهما على الآخر بزيادة في الدين أو زيادة في المال أو زيادة في المحبة فيه وجهان: أحدهما: أن هذا شرط معتبر يسقط به التخيير وتكون الكفالة لا فضلهما لظهور

الحظ فيه للولد.
والثاني: لا يرجع بهذا إذا خلا من نقص لأن الحق في الكفالة مشترك بين الكافل والمكفول فلم يسقط حق الكافل بالزيادة في حق المكفول.
فرع آخر: قال في "الحاوي": التخيير يحتاج إلى شروط ثلاثة في الولد, الحرية والتمييز والسن, ويحتاج إلى خمسة شروط في الأبوين يشتركان فيه وإلى شرط سادس في الأم, وإلى شرط سابع يختلف فيه, أحدهما: الحرية, والثانية: العقل, والثالث: الإسلام, والرابع: الأمانة, فلو ادعى أحدهما علي الآخر فسقه لينفرد بالكفالة من غير تخيير لا يقبل وله إحلافه, والخامس: اجتماعهما في وطن واحد.
والسادس: أن تكون خلية من زوج على ما سنذكره، والسابع: المختلف فيه أن يفضل أحدهما على الآخر بزيادة في الدين أو المحبة, وقد ذكرنا شرحها.
فرع آخر: لو خير الولد عن الأبوين [ق 266 أ] عند وجود الشرائط فاختارهما يقرع بينهما لأنه لا يمكن اجتماعهما على كفالته ولا مزية لأحدهما على الآخر فوجب التقديم بالقرعة.
فرع: لو خير بينهما فلم يختر واحدًا منهما فيه وجهان: أحدهما: يقرع لأنه لا يمكن تركه وحده ما لم يبلغ ولا مزية لأحدهما على الآخر فوجبت القرعة.
والثاني: الأم أحق لاستحقاقها لحضانته, وإن لم يختر غيرها لكفالته, وهذا أشبه.
فرع آخر: لو تدافعا كفالته وامتنعا منها, فإن كان بعدهما من يستحق كالجد بعد الأب والجدة بعد الأم فتنقلت الكفالة إلى من بعدهما وبخير الولد بيهما إذا تكافأت أحوالهما, وإن لم يكن بعدهما من استحق كفالته فيه وجهان: أحدهما: يكون الولد على خياره ويجبر من اختاره على كفالته, لأن في الكفالة حقًا لهما, وحقًا عليهما فلا يسقط تمانعهما حق الولد عليهما, وإن سقط حقهما.
والثاني: يجبر عليهما من وجبت عليه النفقة منهما لوجوبها عليه لقوه سببه.
فرع آخر: إذا قلنا بالوجه الأول وكان التمانع في وقت الحضانة أقرع بينهما وأجبر عليها من فر منها لقوله تعالى: ﴿ومَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ [آل عِمرَان: 44] الآية.
فقيل:

اختصموا تنازعًا لكفالتها, وقيل: اختصموا تدافعًا لكفالتها فاستهموا فدل على دخول القرعة في الحالين عند التنازع والتدافع.
فرع آخر: لو سلم أحدهما كفالته إلى الآخر فهو أحق وكلام للولد, فإن عاد إلى الطب عاد إلى حقه وجملة ما ذكرنا أنه إذا وجدت الشرائط لا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتنازعا في الكفالة.
والثاني: أن يتدافعها عنها.
والثالث: أن يسلمها أحدهما إلى الآخر, فإن تنازعا يخير وللولد في التخيير ثلاثة أحوال: أن يختار أحدهما, أو أن يختارهما, أو لا يختار واحدًا منهما, وقد ذكرنا شرحها.
مسألة: قال: "وِإِذَا افْتَرَقَ الأَبَوَانِ [ق 266 ب] وهُمَا فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَالأُمُّ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تتَزَوَّجْ".
الفصل: الأم إنما يكون لها حق حضانة الصبي إذا كانت خالية عن زوج, فإن تزوجت سقط حقها في الحضانة.
وقال الحسن البصري: لا تسقط حضانتها, وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: للأم أنت أحق به ما لم تنكحي.
وروى عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأم أحق بولدها ما لم تتزوج" ولأن النكاح يمنع مقصود الكفالة لاشتغالها بحق الزوج, واحتج بما روي أن عليًا رضي الله عنه, وزيد بن حارثة, وجعفر بن أبي طالب تنازعوا في حضانة ابنه حمزة فقال: عليّ بنت عمر, وعند بنت رسول الله صلى عليه وسلم وقال زيد أخي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آخى بين حمزة وزيد, وقال جعفر بنت عمي وعندي خالتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الخالة بمنزلة الأم" وسلمها إلى جعفر لها الحضانة وهي متزوجة قلنا: لا صحة فيه لأنه لم يكن هناك من هو أحق منها لأن زيدًا لا حضانة له, وعلي وجعفر سيان في القرابة.
فإذا تقرر هذا وتزوجت الأم, فإن لم يكن لها أم ولا إحدى أمهاتها فالأب أولى بحضانته, وإن كان لها أم ولم يكن لأمها زوج كانت أحق بحضانته, وإن كان لها زوج

نظر, فإن كان زوجها جد الصبي الذي هو أب أمه فهو أولى بحضانته من الأب, وإن كان زوجها غريبًا فالأب أولى منها، ولو كان زوج المرأة عم الصبي, قال القفال: لا تسقط حضانتها قياسًا على الجد.
ومن أصحابنا من قال: لا يقاس العم على الجد, لأن حق آكد ألا ترى أنه أولى من الأخت وهي أولى من العم.
وقال صاحب الحاوي: إذا كان زوج الأم عصبة للولد, فإن منعها من الكفالة سقط حقها, وإن أذن لها في الكفالة ومكنها من القيام بها فيه وجهان: أحدهما: تستحق الكفالة [ق 277 أ] لزوال السبب المانع بالتمكين واتقاء العار بامتزاج النسب.
والثاني: لا تستحق الكفالة لعموم الخبر الذي ذكرنا ولأن الطبع يجذبها إلى التوفر على الزوج ومراعاة أولادها منه إن كانوا تسقط حضانتها لهذا.
فإذا تقرر هذا وخيرنا الولد بين الأبوين, فإن اختار الأم فإن كان ذكرًا كان بالنهار مع الأب يعلمه القرآن والأدب أو الصنعة يأوي بالليل إلى أمه ويبيت عندها.
وإن كانت أنثى كانت عند أمها ليلًا ونهارًا لأن كل ما يحتاج إليه مما تتعلمه من الخبز والطبخ والغزل, فإنها تتعلم من أمها وإن اختارت الأب تكون عنده ليلًا ونهارًا وسواء كان ذكرًا أو أنثى إلا أن الأب يوجه الابن إلى أمه ليزورها في كل وقت ولا يستدعيها إليه لأن الأم عورة, وإن كانت أنثى فالأم تجيء إليها وتزورها لأنهما عورتان, والأم أولى بالخروج لأنها أكثر تجربة وأكمل عقلًا وتمييزًا من البنت فتكون الأم بالخروج أولى, وإذا جاءت إليها تعدت عندها قعود الزائرين, ولا تطيل الجلوس أول النهار إلى آخره إلا أن تمرض البنت فإنها تعقد وتطيل, وإن ماتت قعدت إلى أن تدفن ثم ترجع ولا ينبغي أن تخلو بالزوج, فإن لم يكن معها ثالث خرج الزوج حتى تدخل, وإن مرضت الأم خرجت البنت إليها ومرضتها, إن كانت تحسن ذلك, وإن لم تحسن ذلك لصغرها نظرت إليها وسألتها عن حالها, وقعدت عنها وقتًا, ثم رجعت, وإن ماتت قعدت حتى تدفن, ثم ترجع وليس للأب أن يمنعها من البكاء, وله أن يمنعها من النياحة واللطم ويمنعها من الخروج مع الجنازة وزيارة قبرها لأنها عورة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله زائرات القبور ولا يمنع الابن من ذلك لأن الرجال لا يمنعون من زيارة القبور.
فرع: لو أراد الغلام زيارة الأم كل يوم أو أرادت الأم ذلك فله المنع لأن عادة الزيارة معلومة [ق 277 ب] وإنما تكون من الأيام يومًا, وأما قوله ههنا فإن ماتت الابنة لم تمنع الأم من أن يأتيها حتى تدفن يحتمل

تفسيرين كل واحد منهما مسألة على حدة: أحدهما: أن الابنة إذا ماتت فليس لأبيها منع أمها من دخول داره لتجهيزها ودفنها.
والثاني: أن الابنة إذا ماتت فليس لزوج الأم إذا كانت ناكحة أن يمنعها عن حضور دفن ابنتها وتجهيزها.
وهذا كله من مكارم الأخلاق وقوله: ولا يمنعها معناه: إن ماتت الأم فلا ينبغي للأب أن يمنع الابنة عن حضورها, وقوله ولا تمنع من مرضها من أن تلي تمريضها من منزل أبيها تحتمل تفسيرين كما ذكرنا في موت الابنة.
مسألة: قال: " وإِنْ كَانَ الوَلَدُ مَجْنُوتًا فَهُوكَالصًّغِيرِ".
أراد بالمخبول: لأنه في معنى الطفل الصغير الذي لا تمييز له وتكون الأم أحق به ولا يخير أبدًا لأنه لا يهتدي إلى مصلحة نفسه في موضع حظه وإن خيرناه فاختار الأب, ثم جن كانت الأم أحق به, وبطل اختياره لنفسه لأنه بطل السبب الذي له به الاختيار مسألة: قًالَ: " وإِنْ خُيِّرَ فَاخْتَارَ أَحَدَ الأَبَوَيْنِ ثُمَّ اخْتَارَ الآخَرَ حُوِّلَ".
قد ذكرنا أن هذا الاختيار اختيار شهوة وليس بلازم, ولو كان لازمًا لا تنظر فيه بلوغه فلما صح في صغره دل على ما قلناه ومعناه ظاهر, وهو أنه بما يختار أحدهما فإذا اختبره وعاشره نكد جانبه وكره مساكنته ومعاشرته فيميل باختياره إلى الآخر.
مسألة: قَالَ: " وإِذَا مُنِعَتْ مِنْهُ بِالَّزوجِ فَطَلَّقَهَا طَلاَقًا يَمْلِكُ فِيهِ الَّرَّجْعَةَ أَولا يَمْلِكُهَا رَجَعَتْ عَلَى حَقّها".
إذا سقط حقها من الحضانة بالنكاح فطلقها زوجها عاد حقها وكانت أولى بحضانته من غيرها سواء كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا وكذلك إذا كانت الأم كافرة فأسلمت أو أمة فأعتقت أو مسافرة فرجعت رجع حق الحضانة إليها [ق 28 أ] في الحال.
وقال مالك: لا يعود حقها بالطلاق بحال, وقال أبو حنيفة: لا يعود حقها ما دامت في عدة الرجعة, وهذا على أصله أن الرجعية مباحة لزوجها وهو قول المزني لكنه يقول: الرجعية في حكم الأزواج ولا يقول إنها مباحة لزوجها, وهذا غلط لأنه إنما بطل حقها من الحضانة لمعنى اشتغالها بالزوج عن الولد, فإذا زال هذا المعنى عادت الحضانة.

ثم ألزم الشافعي نفسه سؤالًا، فقال: فإن قيل كيف يعود إلى ما بطل النكاح وأراد به مالكًا، قيل: لم يبطل حقها بل تراخى لمعنى فيزول بزوال ذلك المعنى ولو كان بطل ما كان لأمها يعني الجدة، وكان ينبغي إذا بطل عن الأم أن يبطل عن الجدة التي إنما حقها بحق الأم.
وقد قضى أبو بكر الصديق على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، بأن جدة ابنه أحق به منه، ثم ابتدأ سؤالًا ليكشف حق الأم من الولد قيل: لحق الأب هما والدان يحدان بالولد، فلما كان الولد لا يعقل كانت الأم أولى به على أن ذلك حق للولد لا للأبوين، لأن الأم أحنى عليه وأرق من الأب.
قال القفال: وإنما تعود لها حق الحضانة في العدة إذا رضي المطلق بأن يدخل ولدها بيته لأنها تعتد في بيته إذ للمعتدة السكنى بائنًا كانت أو رجعية، فإن لم ترض لم يكن لها هذا الحق.
فرع: لو كانت خالية من زوج فتركت حضانتها مع القدرة، ولها أم خالية من زوج فلمن تكون الحضانة، قال الاصطخري في أدب القضاء يحتمل وجهين: أحدهما: تكون لأمها كما لو تزوجت، وهذا اختيار أبي حامد وجماعة.
والثاني: تكون للأب، لأن حضانتها لم تبطل بالترك، وصارت كالفاصل في النكاح ولا تنتقل ولايته إلى من دونه، وهو اختيار ابن الحداد ومشايخ خراسان.
مسألة: قَالَ: "فَإِذَا بَلَغَ الغُلاَمُ وَلي نَفْسَهُ".
الفصل: [ق 288 ب] إذا بلغ الصبي رشيدًا له أن يفارق أبويه، وينفرد بنفسه ولا يجوز إجباره على أن تكون معهما إلا أن الأفضل برهما وترك فراقهما، لأن الله تعالى أوصى بالإحسان إليهما مسلمين أو كافرين، ونطق القرآن بذلك من مواضع، وإن كانت أنثى فبلغت فإنا نكره لها فراق الأبوين إلى أن تضم إلى زوجها فإنها عورة ولا يؤمن عليها من انفرادها، وإن اختارت لم تمنع منه، وإذا زفت إلى زوجها، ثم طلقها، فإنا نستحب إليها أن لا تفارق أبويها كالابن ولا يكره له فراقها كما لا يكره للابن لأمها قد خيرت الرجال وعرفت الأمور فهي تحفظ نفسها من الرجال.
وقوله: فإن أمن كانت مأمونة سكنت حيث شاءت أي ثابت وتأيمت بأن طلقها

زوجها بعدما أصابها، وقول الشافعي ما لم تر ريبة.
اختلف أصحابنا منهم من قال: معناه إذا رأت ريبة أجبرت على أن تسكن مع أبويها أو مع أحدهما إن كانا متفرقين وليس لها أن تسكن حيث شاءت، وهذا هو الصحيح، ومنهم من قال معناه: إذا رأت ريبة كره لها أن تنفرد وتكون بمنزلها قبل الزفاف.
قال أصحابنا: وكذلك إذا كانت بكرًا طهر منها ريبة تجبر على السكون في موضع تخص فيه والأولى على كل حال أن لا تفارق الأبوين زيادة في تحصينها وسببه نفي الريبة عنها وإنزاع للتهمة.
مسألة: قَالَ:" وَإِذَا اجْتَمَعَ القَرَابَةُ مِنَ النَّسَاءِ فَتَنَازعْنَ المَوْلُودَ".
الفصل: الكلام الآية فيما يستحق الحضانة وترتيب الأقارب بعضهم على بعض، وذكر الشافعي في ذلك مسألتين: إحداهما: إذا اجتمع نساء الأقارب ولا رجال معهن.
والثانية: إذا اجتمع الرجال والنساء، فأما المسألة الأولى فاختلف قول الشافعي في ترتيب الحضانة بينهن، فقال في الجديد: الأم أولى، ثم أمهاتها، ثم الأب, ثم أمه [ق 229 أ] ثم أمهاتها, ثم أم الجد، ثم أمهاتها، ثم أم أبي الجد، وأن يكون وقوله: ههنا، ثم الجدة أم الجد، يعنى أم الجد من جانب الأب فلا ترتقي إلى أم جد الأب بحال، ثم الأخت من الأب والأم، ثم الأخت من الأب، ثم الأخت من الأم، ثم الأخت من الأم ثم الخالة، ثم العمة.
وجملته أن الاعتبار بالولادة الظاهرة، ثم بقوة الميراث، ثم بقوة الإدلاء.
وقال في القديم: الأم أولى، ثم أمهاتها، ثم الأخت للأب والأم، ثم الأخت للأب، ثم الأخت للأم، ثم الخالة، ثم أم الأب وأمهاتها، ثم أم الجد، ثم العمة ووجه هذا أن الأخت رضعت معها في رحم واحد فهي أقرب من أم الأب، والخالة تدلي بالأم، وأم الأب تدلي بالأب والأم تقدم على الأب فكذلك من يدلي بالأم تقدم على من يدلي بالأب، وهذا غلط، والصحيح قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة لأنها جدة وارثة فوجب أن تقدم على الأخت كأم الأم، ولأن لها ولادة فتعتق على الوالد بها ويثبت ميراثها مع الابن بخلاف الأخت والخالة.
وأما ما ذكر القائل يقول: القديم يبطل بأم الأم فإنها أولى بلا خلاف.
فإذا تقرر هذا فأعلم أنه لا خلاف أن الأم أحق بدليل قول صلى الله عليه وسلم:" أنت أحق به ما لم

تنكحي" وأيضًا فإنها ساوت سائر الأقارب في الحضانة، واللبن وانفردت بقرب الدرجة والشفقة والحنو على الولد، فكانت أولى من غيرها ثم إذا عدمت الأم فأمهاتها فيقمن مقامها، وإن علون على الترتيب الأقرب فالأقرب لأن لهن ولادة وشفقة مثلها وهن، وإن بعدن يتقدمن على أمهات الأب، وإن قربن لأن الولادة فيهن مستحقة، وفي أمهات الأب لأجل الأب مظنونة وأنهن أقوى ميراثًا منهن لأنهن لا يسقطن بالأب، ثم بعدهن ننتقل إلى أمهات الأب.
نص عليه في الجديد فأحق أمهات الأب أمه، ثم أمهاتها، وإن علون فقد مات على أم الجد لتقديم الأب على الجد [ق 299 ب] فإذا عدمن قام الجد, ثم أمهاتها، وإن علون ثم أم أب الجد ثم أمهاتها ثم ينتقل إلى الأخوات وترتيب الأخوات على ما ذكرنا, وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة الأخت من الأم أولى من الأخت للأب، وبه قال المزني، وابن سريج، قال في المنهاج، وكان القياس الذي مهده في الجد أب تقدم الأخت للأم على الأخت للأب، وقد فعل ذلك في القديم ولكنه نظر في هذا الموضوع مع القرابة إلى ترجيح الميراث والعصوبة من جانب الأب فقدم الأخت للأب، ووجه أن الأخت من الأم تدلي بالأم فتقدم على الأخت من الأب كما تقدم الأم على الأب وعلى هذا قال ابن سريج: الخالة تقدم على الأخت من الأب أيضًا لهذه العلة.
وعن أبي حنيفة روايتان في هذا، وهذا غلط لأنهما أختان من أهل الحضانة فكان أقواهما في الميراث أقواهما في الحضانة كالأخت من الأب والأم مع الأخت من الأب.
وأما ما ذكره لا يصح لأن الأخت تدلي بنفسها لأنهما خلقا من ماء واحد ولها تعصيب وليس للأخرى ذلك فكانت أولى ثم ينتقل إلى الخالات فيقدم الخالة للأب والأم، ثم الخالة للأب، ثم الخالة للأم وخالفه المزني، وابن سريج فقالا: تقدم الخالة من الأم على الخالة من الأب.
ومن أصحابنا من يسقط حضانة الخالة للأب لإدلائها بأب الأم والأنثى إذا أدلت بذكر لا ترث لا يكون لها حضانة، هذا لا يصح لمساواتها للأم في درجتها فصارت مدلية بنفسها وخالفت أم الأب الأم المدلية بغيرها وإنما قدمنا الخالات على العمة لأنها تدلي بالأم، والعمة تدلي بالأب، فغلب جانب الأم على جانب الأب ثم بعدهن العمات فتقدم العمة من الأب والأم، ثم العمة من الأب، ثم العمة من الأم، وقال المزني، وابن سريج تقدم العمة من الأم على العمة من الأب ثم اختلف أصحابنا على وجهين: أحدهما: ينتقل بعد العمات إلى بنات الإخوة [ق 230 أ] والأخوات، ثم إلى بنات العصبات قربًا فقربًا، ثم بنات الخالات والعمات، ثم إلى خالات الأبوين على ترتيب العصبات اعتبارًا بالميراث.
والثاني: أنها تنتقل بعد الخالات والعمات إلى خالات الأبوين عملًا على تدريج الأبوة فإذا قلنا بالوجه الأول تقدم بنات الأخوات على بنات الأخوة لتقدم الأخوات فيها على الأخوة فتقدم بنت الأخت للأب والأم، ثم بنت الأخت للأب ثم بنت الأخت

للأب، ثم بنت الأخت للأم، ثم ينتقل إلى بنات الأخوة فتقدم بنت الأخ للأب والأم، ثم بنت الأخ للأب، ثم بنت الأخ للأم، ثم ينتقل إلى بنات بني الأخوات لأن بني الأخوة عصبة يرثون وبنو الأخوات لا يرثون فتقدم الحضانة لبنت ابن الأخ للأب والأم، ثم لبنت ابن الأخ للأب ولا حضانة لبنت ابن الأخ للأم لأنها تدلي بذكر لا يرث، ثم تنتقل بعد بنات العصبات إلى بنات الخالات، ثم بنات العمات.
وإذا قلنا بالوجه الثاني انتقلت بعد الخالات والعمات إلى جدات الأم يترتبن فيها ترتيب الخالات المرتفقات ولا حضانة لعمات الأم لإدلائهن بأب الأم وهو ذكر لا يرث، ثم ينتقل بعد خالات الأم إلى خالات الأب، ثم إلى عماته، ثم ينتقل بعد خالات الأب وعماته إلى خالات أم الأم، دون عماتها، ثم تنتقل بعدهن إلى خالات الجد، ثم إلى عماته، ثم تنتقل بعد خالات الأب وعماته إلى خالات أم الأم دون عماتها، ثم تنتقل بعدهن إلى خالات الجد، ثم إلى عماته، ثم يستعلي ذلك إلى درجةٍ بعد درجٍة ولا تستوعب عمود الأمهات، لأن البعدى من أمهات الأم وراثة كالقربى فلم يعتبر في حضانتهن قرب الدرج والخالات والعمات بخلافهن لأنهن لا يرثن [ق 230 ب] فاعتبر فيهن قرب الدرج فإذا عدم خالات الأمهات وخالات الآباء وعماتهن انتقلت الحضانة بعدهن إلى بنات الأخوات، ثم إلى بنات الأخوة، ثم إلى بنات العصبة، ثم إلى بنات الخالات، ثم إلى بنات العمات على ما بيناه في الوجه الأول.
وقال بعد أصحابنا بخراسان: إذا قلنا الخالة أولى فهي أولى من بنت الأخت ثم بنت الأخت أولى من العمة، وإن استويا في حرمان الميراث والمحرمة لأنها من قرابة الأم، والصحيح ما ذكرنا، وأما المسألة الثانية فسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
مسألة: قَالَ:" وَلاَ وِلاَيَة لأُمَّ أَبي الأُم لأَنَّ قَرَابَتَهَا بِأَبِ الأُمَّ".
جملته أن كل أب يدلي بأم فلا حق له ولا لمن يدلي به من الأمهات، من أم أب الأم وغيرها وعلل ههنا فقال: لأن قرابتها بأب الأم، وهذا التعليل فيه نوع اختصار لأنك تعلم أن أم الأب وأم أب الأب تدلى بقرابة أم فلا يكتفي في التعليل بأن يقال بأن قرابتها بأن لا بأم ومعناه لأن قرابتها بأب أم وذلك الأب لا حق له في هذه الولاية وغيره من الولايات فالمدلية به تشابهه وتحاكيه فكان قرابة الصبي من سائر النساء اللاتي رتبناهن أدلى من هذه التي هي أم أم الجد أب الأب وكذلك لا حق لأم أم أم ولا لأم أب أم أب وعلى هذا لا حق لابنة الخال ولا لابنة ابن الأخت لأنها تدلي بذكر لا يرث.
فرع: هل لهن الحضانة مع عدم مستحقها وجهان:

جارٍ التحميل