بحر المذهب للرويانيصفحات 474-513

"الأم" 1: لا يجزئه، لأن الطواف بجميع البدن، فإذا حاذاه ببعض بدنه، فلم يبدأ بالطواف من عند الحجر بجميع بدنه، فعلى هذا إذا طاف سبعًا لم يحتسب بالسبع الأول، واحتسب بما بعده لأنه إذا دار فقد حاذي الحجر بجميع بدنه من غير شكّ، وهذا أصحّ لأن ما لزمه استقباله لزمه بجميع بدنه كالقبلة.
فرع آخر يستحبّ له أن يكبّر عند محاذاة الحجر كل مرة، لما روي ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم [104/أ] طاف على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده، وكبّر 2، وقال في "الأم" 3: أحب أن يقول كلّما حاذى الركن: الله أكبر، ولا إله إلا الله.
فرع آخر قال أصحابنا: يستحبّ أن يقبّله ويسجد عليه، ثم يقبّله ويسجد عليه ثلاثًا ويمسح وجهه بيديه، وقد قال الشافعي في "الأم" 4: جاء ابن عباس يوم التروية مسبدًا رأسه، فقبّل الركن، ثم سجد عليه ثلاث مرات 5، وأنا أحب إذا أمكنني ما صنع ابن عباس من السجود على الركن لأنه يقبّله، وزيادة سجود لله تعالى، قال أبو عبيد: التسبيد ترك التدهين والغسل.
مسألة: قالَ 6: ويستلم اليماني بيده ويقبّلها ولا يقبّله.
أراد باليماني الركن الأسفل عن يمين البيت، فإن الحجر في الركن الأعلى عن يمين البيت نحو اليمين فيستحب استلامه بيده، ويقبل يده ولا يقبله بخلاف الركن الأسود، لأنه أشرف لأن ابتداء الطواف منه والحجر الأسود فيه، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه أصلًا، وقال مالك: يستلمه ويضع يده على فيه، ولا يقبل يده، وهذا غلط لما روي عن أبي الطفيل، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الركن اليماني بمحجنه ثم يقبّله 7. قال أصحابنا: لما استلمه بمحجنه قبّل المحجن، فمن استلمه بيده قبّل يده.
وروي ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوفة، ولا يستلم الركنين اللذين يليان الحجر 8، وقال ابن عمر: ما أراه لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يبنَ على قواعد إبراهيم عليه السلام 9، وروي عن جابر وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهم كانوا يستلمون الركن اليماني ويقبلون أيديهم، وقال بعض أصحابنا بخراسان: [104/ب] فيه وجهان: أحدهما: يقبّل يده أولًا ثم يضعها على الركن، فكأنه ينقل القُبلة إليه.

والثاني: يضعها على الركن ثم يقبّلها كأنه ينقل بركته إلى نفسه، وهذا غريب.
وقال الشافعي 1: لم أعلم.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قبّل الحجر الأسود، وروي الخرقي 2 عن أحمد أنه يقبّله، وهو غلط لما ذكرنا، وقال أبو حامد: إن كانت للبيت أربعة أركان، الركن الأسود ويسمى أسود لأن الحجر الأسود فيه، والركن الثاني والثالث يليان الحرج، والميزاب بينهما نصب إلى الحجر، وهما الشاميان، والرابع اليماني، ومن الناس من قال: الثاني العراقي، والثالث الشامي، وليس كذلك، بل هما الشاميان، هكذا سماهما في "الأم"، لأن الميزاب إلى الشام، وليس كذلك، بل هما الشاميان، هكذا سماهما في "الأم"، لأن الميزاب إلى الشام، وقبلة المدينة إلى الميزاب، والمدينة بين مكة والشام، وباب البيت بين الأسود والثاني، وهو إلى الأسود أقرب والملتزم بين الحجر والباب فالأول قبلة خراسان، وباب البيت قبلة العراق، واللذان يليان الحجر قبلة الشام، واليماني قبلة اليمن.
فرع لا يستلم الركن العراقي ولا الشامي، أو الشاميين، وهما الركنان اللذان بينهما الحجر.
وبه قال جماعة العلماء لما ذكرنا من خبر ابن عمر، وقال أبو الطفيل كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لا يمرّ بركن إلا استلمه، فقال له ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يستلم إلّا الحجر الأسود، والركن اليماني، فقال معاوية: ليس في البيت شيء مهجور 3. وأجاب الشافعي 4 بأن من طاف بالبيت فما هجره لأن ما بين الركنين لا يستلم، وليس بهجران، وروي عن جابر أنه كان يستلم الأركان كلها.
وقد قال ابن عباس: لم يستلم [105/أ] رسول الله صلى الله عليه وسلم غير الركنين اليمانيين 5، فالصحيح هذا، والفرق ما قال ابن عمر رضي الله عنهما: أن الركنين اليمانيين على قواعد إبراهيم عليه السلام بخلاف الركنين الآخرين، فكانت لهما فضيلة على غيرهما.
فرع آخر يستحب أن يكبَر عند الركن اليماني، ويدعو.
وروي ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "على الركن اليماني ملكان موكلان يؤمنان على دعاء من يمرّ به وعلى الأسود ما لا يحصي" 6. ويختار أن يكون من دعائه ما روى سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مرّ بالركن اليماني يقول: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر والذلّ وفي مواقف الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، فقال رجل: يا رسول الله أقول هذا وإن كنت مسرعًا؟ قال: "نعم"،

وإن كنت أسرع من برق الخلب" 1. فرع آخر يستحب أن يدعو بين الحجر والركن اليماني، وروي الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين الركن اليماني والركن الأسود روضة من رياض الجنة"، ويكون من دعائه ما روى عبد الله بن السائب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بين الحجر والركن، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" 2. وقال ابن عباس عند الركن اليماني ملك قائم يقول: آمين، آمين، فإذا مررتم به، فقولوا: ربنا آتنا...... إلى آخره.
فرع آخر كل ركن، قلنا: يستلمه، فالمستحبّ في كل طوفة لما ذكرنا من خبر ابن عمر، فإن لم يمكنه، ففي كل وترٍ، قال في "الأم" 3: وأحب الاستلام في كل وترٍ أكثر مما أستحبّه في كل شفع، وروي عن مجاهد أنه كان [105/ب] لا يكاد يدع استلام الركن والحجر في كل وتر.
فرع آخر قال 4: وأحب استلامه ما لم يؤذ غيره بالزحام أو يؤذه غيره إلا في ابتداء الطواف، فاستحبّ له الاستلام وإن كان بالزحام، ثم اعلم أن الشافعي قال بعد هذا: وأنه أي وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرج على شيء دون الطواف، أي: لم يشتغل إلا بالطواف.
ثم أوضح الشافعي ذلك، فقال 5: ولا يبتدئ بشيء غير الطواف إلا أن يجد الإمام في مكتوبة وقد ذكرنا ذلك، ثم قال: ويقول عند ابتداء الطواف والاستلام: بسم الله، والله أكبر.
وقد ذكرنا ذلك.
مسألة: قالّ 6 ويضطبع للطواف.
الفصل المستحب أن يضطبع للطواف قبل أن يبتدئ الطواف حتى يكون في جميع طوافه مضطبعًا.
والاضطباع: هيئة فيه، وهو أن يشتمل بردائه على منكبه الأيمن، ويكون منكبه الأيمن بارزًا مكشوفًا.
قال الشافعي: حتى يكمل سعيه، وفي بعض النسخ "حتى يكمل سبعة"، فمعنى الأول أن يستديم الاضطباع إلى أن يفرغ بعد الطواف من السعي بين الصفا والمروة، ومعنى الثاني، أنه يستديم الاضطباع إلى أن يفرغ من أشواط الطواف، وهي سبعة.

والأول أصح، وهو المراد، فعلى هذا إذا فرغ من الطواف ترك الاضطباع، وغطى منكبيه حتى يصلي ركعتي الطواف، فإنه يكره أن يكون في الصلاة مضطبعًا، فإذا استلم كشف منكبه الأيمن، واضبطع للسعي، ففي اللفظ إضمار، وهو إلاّ في حالة ركعتي الطواف ويستديم ذلك إلى أن يفرغ من السعي بين الصفا والمروة، واشتقّ الاضطباع من الضبع، وهو عضد الإنسان، وأصله: اضتبع، [106/أ] افتعل من، فقلبت التاء طاء، فقيل: اضطبع.
وقال مالك: لا يسنّ الاضطباع وهذا غلط لما روي عن يعلي بن أميّة، قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت مضطبعًا، وعليه برد أخضر" 1. وروي ابن عباس قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطوف جلست قريش في الحجر لينظروا إليه، فاضطبع وطاف، وقد قال في "المختصر" 2 لأن النبي صلى الله عليه وسلم اضطبع حين طاف، ثم عمر ولم يرد الشافعي بتخصيصه عمر رضي الله عنه الذكر أن غيره من الخلفاء لم يضطبع، ولكنه بين سبب الاضطباع حين اضطبع وذلك أن عمر رضي الله عنه لما حجّ اضطبع للطواف، ثم قال: فيم الرملان والكشف عن المناكب، وقد أضاء الإسلام ونفي الشرك، ولكني لا أدع شيئًا.
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله 3 هكذا ذكره أصحابنا، وقد أضاء الله الإسلام وهذا مُصحّف، وإنما هو وقد أطأ الله الإسلام، وهذا في الأصل وطأ الله، أي: أثبته وأرساه، ولكن الواو قد تبدل الفاء، ويريد بالرملان، الرمل في الطواف والسعي ويريد بالكشف عن المناكب للاضطباع.
وروي ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نفعل ذلك، نرائي المشركين، فاليوم من نرائي، ولكن لا ندع شيئًا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، ومعنى مراءاتهم المشركين من نرائي، ولكن لا ندع شيئًا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، ومعنى مراءاتهم المشركين بالاضطباع والرمل هو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر سنة سبع عمرة القضاء.
كان المشركون قد خلوا له مكة وصعدوا حراء ينظرون إلى المسلمين.
وكان المسلمون إذ ذاك قد أصابتهم سنة قد ضعفوا فيها واصفرّت ألوانهم وأنهكت أجسادهم، فلما رآهم على تلك الهيئة توامروا فيما بينهم، فقالوا: [106/ب] قد وهنتم حمى يثرب فبنا أن نحمل عليهم فنستأصلهم، فنزل جبريل عليه السلام في الحال، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما توامر به المشركون على الجبل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بلاضطباع والرمل، فلما رأي المشركون ذلك، قالوا: إن فيهم بعد بقية أو قوة، فنقضوا ما توامروا به.
وروي أنهم قالوا: هم أجلد منّا 4. وحكي عن أحمد قال: لا يضطبع للسعي بين الصفا والمروة لأنه لم ينقل، وهذا غلط لأنه في معنى الطواف.
بدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إنما سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة ليرى المشركين قوته.
ثم قال الشافعي 5 في "المختصر" والاستلام في كل وتر أحب إلى منه في كل

شفع، وقد ذكرنا هذا، وهذا لأن الوتر في السبعة أكثر من الشفع، ولأن الوتر يمتاز بالفضل في كثير من المواضع عن الشفع.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله وتر يحب كل وتر" 1، واعلم أن ههنا إشكالًا وهو أن ظاهر هذا اللفظ يدلّ على أن الاستلام يفعل في بعض الأشواط دون بعض، وليس كذلك، بل يستحبّ ذلك في كل شوط مع القدرة، والمزني ذكر هذا في حال العجز، وأعرض عن بيان حال القدرة، فإن استلم في وتر، ثم تمكن في الشفع، فيستحبّ أن يستلم كما استلم في الوتر.
مسألة: قالَ 2: ويرمل ثلاثًا.
الرمل: هيئة في الطواف كالاضطباع، وهو سرعة المشي مع تقارب الخطى.
قال الشافعي 3: الرمل، هو الخبب لا شدة السعي، ولا أحب أن يثب من الأرض وثوبًا، ويرمل في ثلاثة أطواف ويمشي في الأربعة الباقية، وإذا رمل في الثلاثة لا يفصل بنيها بوقوف [107/أ]، إلَّا أن يقف عند استلام الركنين ثم يمضي خببًا، والرمل في الثلاثة، الأولى والمشي في الأربعة الأخيرة.
هكذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أوضح الشافعي ذلك، فقال 4: ويتبدئ الطواف من الحجر الأسود فيرمل ثلاثًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه، قلنا: أي رمل ثلاثًا من الحجر إلى الحجر، على ما روي جابر 5 خلاف ما حكي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرمل فيما الركن اليماني والحجر الأسود إذ البيت كان يسترهم عن رؤية المشركين على الجبل إياهم.
والمروي أنه إنما مشى في الأربع الأخيرة، وترك فيها الرمل إبقاء على أصحابه.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: ما قال ابن عباس، وذهب إليه، وهو غير صحيح، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في عمرته كلها، وفي حجّة، وكذلك قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ومن بعدهم.
وروي عنه أنه قال: ليس بسنة اليوم 6، أورده أبو داود، فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا، فكيف رمل، قلنا: إنما طاف راكبًا طواف الزيارة دون طواف القدوم، ثم الراكب يطوف ثلاثًا خببًا، فإن قيل: الحكم إذا تعلق بعلة زال بزوالها، وقد زالت علة الرمل.
قلنا: قد يذهب السبب، ويبقى الحكم كما في استحباب غسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء، ثم الرسول صلى الله عليه وسلم اضطبع ورمل في عمرة الجعرانة، وذلك بعد فتح مكة، وكذلك في حجّته، وكانت بعد الفتح فثبت أنه سنّة ثانية.
مسألة: قالَ 7: والدنو من البيت أحبّ إليّ.
أراد أنه وإن كان في التباعد من البيت زيادة الخطى، فالدنو من البيت أحبّ إلى لأنه أقرب إلى المقصود [107/ب]، وهو البيت، وأسهل عليه، ثم قال 8: فإن لم يمكنه

الرَمل، فكان إن وقف وجد فرجة وقف ثم رمل، أي: وقف لينفرج ما بين يديه، ثم رمل في تلك الفرجة، وإن لم يمكنه الوقوف ليجد الفرجة، قال: أحببت أن يصير في حاشية الطواف، وقيل: هذه العبارة غلط من المزني إذ الطواف لا يكون له حاشية، وإنما قال الشافعي 1: أحببت أن يصير حاشية في الطواف، أي يصير حاشية الناس في حال الطواف، ثم استثني، فقال 2: إلا أن يمنعه كثرة النساء، فيتحرك حكرة مشية متقاربًا يريد به أن النساء في الطواف يكن على حاشية، فربما لا يمكن هذا العاجز عن الرمل أن يخالط النساء، فحينئذٍ يتشبه بمن يرمل قدر ما يمكنه كما فسر الشافعي من تحركه في مشيه متقاربًا، ومعناه أن يرى أنني لو أمكنني الرّمل رملت، فإن قيل: أليس قال: والدنو من البيت أولى، فلم ترك ههنا لأجل الرمل، وهما هيئتان؟ قلنا: إذا لم يكن الجمع بينهما فمحافظة الرمل أولى لأن السنّة فيه ثابتة، وليست في المقاربة سنّة مأثورة إن شاء الله، ولا شك أن الصحابة حين طافوا تقارب بعضُهم وتباعد البعض، واستووا في محافظة الرّمل، ثم قال 3: ولا أحب أن يثب من الأرض، أي: يقفز لعجزه من الرّمل.
وقال في "الأم" 4: وإذا كاف راكبًا، فلم يؤذِ أحدًا أحببت أن [تخبب] 5 دابته في موضع الرمل.
فرع قال 6: إذا طاف الرجل بالصبي أحببت أن يرمل به، وإن طاف النفر بالرجل في محفة أحببت إن قدروا على الرمل أن يرملوا به، لأنهم ينوبون عنه، ويتحرك هو بحركتهم.
وقال في القديم": لا يرملون به، لأن فعل الحاملين [108/أ] لا يثبت إليه، فحصل قولان فيهما، والأول أصحّ.
فرع آخر قال في "الأم" 7: سواء في هذا طواف نسكه قبل عرفة، وبعدها، وفي كل حجّة وعمرة إذا كان الطواف الذي يصل بينه وبين السعي بين الصفا والمروة.
قال: فإن قدم حاجّا أو قارنًا، فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ثم زار يوم النحر، أو بعده لم يرمل، لأنه قد طاف [الطواف] 8 الذي يصل بينه وبين السعي بين الصفا والمروة، وإن قدم حاجّا، فلم يطف حتى يأتي منى رمل في طوافه بالبيت بعد عرفة.
فرع آخر إذا طاف طواف القدوم، ورمل فيه، واضطبع وأخر السعي بين الصفا والمروة إلى

طواف الزيارة رمل واضطبع في طواف الزيارة.
ذكره أصحابنا من غير خلاف لأنه يحتاج إلى الرمل والاضطباع في السعي، والسعي تابع للطواف، فلا يكون التابع أكمل، فيفعل في الطواف أيضًا.
فرع آخر إذا طاف للقدوم وسعى خلفه وترك الرّمل والاضطباع فيهما، فإنه إذا طاف طواف الزيارة لا يسعى عقيبه بل يكفي ما تقدم، وهل يرمل في هذا الطواف ويضطبع قال أبو حامد: يرمل فيه ويضطبع لأنه لم يأتِ به في موضعهِ فيقضيهِ الآن، ولو لم يفعل ذلك فاتته سنة الرمل والاضطباع.
وقال القاضي الطبري: هذا عندي غير صحيح لأن كلام الشافعي في "الأم": يقتضي أنه إنما يستحبّ له الرمل والاضطباع في الطواف الذي يسعى بعده على ما ذكرنا وههنا لا يسعى بعد هذا الطواف لأن هذا القائل، قال: إذا لم يأتِ به في موضعه قضاه، والرّمل لا يقضي لأنه هيئة، ولو كان يقضي لكان الأولى أن يقضي في الأربعة من ذلك الطواف، فإن قيل: [108/ب] فأنت تقول: إذا لم يسع بعد طواف القدوم رمل في طواف الزيارة، وهذا قضاء، قلت: هذا ليس بقضاء وإنما السنّة أن يرمل في الطواف الذي يسعى بعده سواء كان في طواف القدوم أو طواف الزيارة، وقد ذكرت فيه نص الشافعي، فبطل ما قاله هذا القائل، وقيل: فيه وجهان.
فرع آخر ليس 1 على النساء رمل ولا اضطباع لأن معناه لا يوجد فيهن، ولأن ذلك يقدح في سترهن.
مسألة: قالَ 2: وإن ترك الرمل في الثلاث لم يقضِ في الأربع.
أراد به أن المشي في الأربع الأخيرة سنّة، كما أن الرمل في الثلاث الأولى سنّة، فليس له قضاء ما فاته من سنة الثلاث الأولى بترك السنّة في الأربع الأخيرة، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يقضي.
فرع لو ترك الرمل في الأول أتى به في الثاني، ولو ترك في الثاني، أتى به في الثالث، ولو ترك الاضطباع في بعض السبع اضطبع في باقيه، ولو كان مرتديًا بقميص أو سراويل اضطبع به، وإن كان مؤتزرًا بادي المنكبين، ولا ثوب غيره اضطبع بأي أمكن.
فرع آخر روى الشافعي عن مجاهد أنه كره أن يقول: شوط ودور، ولكن ليقل طوف أو طواف، وطوافان، وأطواف.
قال الشافعي 3: وأكره من ذلك ما كره مجاهد لأنّ الله

تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
فرع آخر يكره أن يضع يده على فيه في حال الطواف، وهذا لأنه يكره ذلك في الصلاة.
وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلّمن إلاّ بخير" 1. فرع آخر قال الشافعي: كره قوم أن يعد [109/أ] في الطواف، وعندي لا يكره ذلك.
وروي الأوزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد الرحمن، وهو معه في الطواف: "لم تعد"، ثم قال: "تدري لما سألتك إنما سألتك لتحفظه".
مسألة: قالّ 2: وإن ترك الاضطباع والرمل والاستلام فقد أساء، ولا شيء عليه".
هذه الأشياء إذا تركها عامدًا، أو ساهيًا بعذر أو بغير عذر لا قضاء عليه ولا جبر، وهكذا لو ترك التقبيل والدعاء لأنها هيئات كهيئات الصلاة سواء، ولكنه أساء بذلك إذا تعمد تركه من غير عذر والحجّ ينقسم ثلاثة أقسام أركان وأبعاض وهيئات، فالأركان أربعة: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي.
وإذا قلنا: الحلاق من النسك في أحد القولين، فهو ركن أيضًا، لأنه لا يقوم غيره بمقامه، فإذا ترك أحدًا واحدًا منها لم يجزِ حجّه والأبعاض: الرمي والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى.
ليالي منى، فيجب الدم بتركها، وما سوى ذلك هيئات لا شيء في تركها، وحكي عن الحسن والثوري، وعبد الملك الماجشون أن عليه الدم في ترك الرمل والاضبطاع لأنه نسك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من ترك نسكًا فعليه دم"، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس، قال: ليس على من ترك الرمل شيء، ولا يقول مثل هذا إلا توفيقًا، ثم قال 3: وكلما حاذى الحجر الأسود كبّر، وقد ذكرنا هذا ويقول مع التكبير ما ذكرنا من الدّعاء.
مسألة: قالّ 4: وقال في رمله: اللهم اجعله حجًا مبرورًا أي: متقبلًا وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، أي: مثابًا عليه، ويقول في سعيه في الأربعة الأشواط: ربّ اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعزّ الأكرم ربنا آتنا في [109/ب] الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك، وذكر الشافعي في موضع بدل قوله، وتجاوز عما تعلم واعف عما تعلم ومعناهما واحد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: معنى قوله ويقول في سعيه، أي: بعد الطواف في سعيه بين الصفا والمروة.
وقيل: أراد

في سعيه فيهما وهذا أقرب عندي وذاك غلط.
فرع قال في "الأم" 1: وقوله: ربنا آتنا.... إلى آخره.
أحب ما يقال في الطواف إلّي وأحبّ أن يقال في كله.
فرع آخر قال: ويدعو فيما بين ذلك، بما أحبّ من أمر دين ودنيا، وأراد أن ما ذكرناه من الدعوات مسنون، فلا يضيق عليه أن يزيد عليه ما أحبّ ما لم يكن مأثمًا ولا تقدير في شيء من الدعوات.
وروي القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى" 2. فرع آخر قال في "الأم" 3: واستحبّ قراءة القرآن في الطواف، والقرآن أفضل ما تكلم به المرء، وهذا يدل على أن قراءة القرآن أفضل في الطواف من الدعاء.
قال: ويكفيني أن مجاهد كان يقرأ عليه القرآن في الطواف.
وقال مالك: يكره قراءة القرآن في الطواف.
وبه قال الحسن وعروة بن الزبير، واحتجّوا بما روي أن ابن عمر سمع رجلًا يقرأ في الطواف، فصك في صدره، وهذا غلط لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الطواف بالبيت صلاة"، وأفضل الذكر في الصلاة القرآن، ولأنه ثبت أنه كان صلى الله عليه وسلم يقول في طوافه: "ربّنا آتنا.... " إلى آخره.
ووافقنا فيه مالك.
وهذا بعض آية من القرآن.
فرع آخر [110/أ] قال في "الحاوي" 4: قال أصحابنا: أراد الشافعي، أن قراءة القرآن أفضل من الدعاء الذي لم يسن فيه، فأما الدعاء المسنون فيه، فهو أفضل من قراءة القرآن فيه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء 5 ولأن في الركوع الذكر أفضل من القراءة كذلك ههنا وهذا حسن.
فرع آخر يباح فيه الكلام، ولكنه يستحبّ إقلال الكلام.
قال الشافعي 6 لأني أستحبّ إقلال الكلام في الصحراء والمنازل إلا بذكر الله تعالى لتعود منفعة الذكر إلى الذاكر، أو

يكون الكلام في شيء من صلاح أمره، فكيف قرب بيت الله تعالى مع عظيم رجاء الثواب فيه من الله تعالى.
قال ابن عمر: أقلوا الكلام في الطواف، فإنما أنتم في الصلاة 1، قال أصحابنا: والأفضل أن لا يتكلم أصلًا لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من طاف سبعًا لم يتكلم فيه، إلا سبحان والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كتب له عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات" 2. فرع آخر قال: إنشاد الشعر والرجز في الطواف يجوز إذا كان مباحًا، وروي محمد بن السائب عن أمه، قالت: طفت مع عائشة رضي الله عنها، فذكروا حسان في الطواف فسبوه، فقالت عائشة: لا تقولوا: أليس هو الذي يقول: هجَوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذلك الجزاء فإن أبى ووالده وعرضي لعرض محمدٍ منكم وقاء فقيل لها: أليس هو الذي قال ما قال في الإفك؟ فقالت: أليس قد تاب؟ ثم قالت [110/ب] عائشة: إني لأرجو له ما قال، ولكنه يستحبّ ترك إنشاد الشعر وإن كان مباحًا أيضًا والكلام أيسر منه.
وقال مجاهد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت وهو متكيئ على أبي أحمد بن جحش وأبو أحمد يقول: حبّذا مكّة من وادي بها أهلي وعوادي بها أمشي بلا هاد قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يعجب من قوله: بها أمشي بلا هادي والأولى تركه لما روي إبراهيم بن أبي أوفي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يطوف بالبيت ويرتجز بهذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل الله أكبر، الله أكبر".
فرع آخر قال: الأكل والشرب فيه مكروه والشرب أخف حالًا، قال ابن عباس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب ماء في الطواف 3، وكان ابن عباس يشرب الماء فيه.
وقال في "الإملاء": لا بأس بشرب الماء فيه والأحسن في الأدب أن يتركه.
فرع آخر يكره أن يبصق في الطواف أو يتنخم أو يغتاب ولا تفتد به.

فرع آخر الكمال في الطواف أن يطوف خارج البيت وراء الحجر دون زمزم والخطيم، وإن طاف في المسجد وراء زمزم وسقاية العباس دون الجدار يجوز، ولكن الأول أكمل هيئة لأنه ليس بينه وبين البيت حائل، وإن كان بينه وبين الكعبة حائل يجوز إذا لم يخرج من المسجد كما لو صلى في المسجد بصلاة الإمام، وبينهما حائل يجوز وإن خرج عن المسجد وطاف لم يجز لأنه لو جاز ذلك لجاز إذا خرج من مكّة وطاف حولها.
فرع آخر لو طافَ على سطح المسجد الحرام يجوز لأنه معلوم أن سقف المسجد اليوم دون سقف الكعبة، فكان طائفًا بالبيت حتى لو علا سقف المسجد لا يجوز بخلاف الصلاة لأن المقصود في الصلاة جهة بنائها، فإذا علا عليه لم يكن طائفًا ضمن بنائها فلم يجز.
فرع آخر يكره أن يقال: حجّة الوداع لأن الحجّ طاعة فيكره أن يعتقد أن يودعها ولا يعود إليه ويكره أن يسمى المحرم صفر لأن العرب كانت في الجاهلية تحرم القتال سنةً في المحرم وسنة في صفر، في السنة التي لا يحرمونه في المحرم يسمون المحرم صفر.
مسألة: قالَ 1: ولا يجزاء الطواف إلا بما يجزاء به الصلاة من الطهارة.
الفصل الطهارة من الحدث والتنجس شرط في جواز الطواف حتى قال في "الأم" 2: ولو طاف وفي نعله نجاسة لم يعتد بما طاف، وكذلك ستر العورة وطهارة المكان شرط فيه.
وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: إنها ليست بشرط، واختلف أصحابه في وجوبها فكحي عن ابن شجاع أنها سنّة.
وقال غيره: إنها واجبة، فإذا طاف بغير طهارة تلزمه إعادته ما دام بمكة، فإن خرج منها وكان محدثًا تلزمه شاة، وإن كان جنبًا تلزمه بدنة، وحكي عن أحمد أنه قال: إن أقام بمكة أعاد فإن رجع إلى أهله جبره بدم، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، ولأنه عبادة متعلقة بالبيت، وكانت من شرطها الطهارة، كالصلاة، فإذا تقرّر هذا، فإن كان بمكّة تطهّر وطاف، وإن عاد إلى بلده لم يحل حتى يعود ويطوف، ولا يفتقر الطواف إلى نية جديدة في ظاهر المذهب لأن نية الحجّ تأتي عليه كما يأتي على الوقوف وقيل: فيه وجهان، لأنه عبادة تفتقر إلى النية.
مسألة: قالَ 3: وإن أحدث فيه توضأ وابتدأ.

الفصل إذا رعف أو قاء في أثناء الطواف.
قال في "الأم" 1: انصرف فغسل الدم عنه، ثم رجع وبنى، وكذلك إن غلبة الحدث انصرف، فتوضأ ورجع وبنى، وأحبّ إلّي [111/ب] في هذا كله لو استأنف فأجاز البناء، واستحبّ الاستئناف.
وقال أصحابنا وإن تعمد الحدث، فكذلك، لأن مذهبه في الجديد إن سبق الحدث وعمده سواء في بطلان الصلاة، فذلك حكمهما سواء ههنا.
وقال القاضي أبو حامد في "الجامع": قال الشافعي في "القديم": إذا قطع الطواف لغير عذر فزايل موضعه، وهو في المسجد استأنف قياسًا على الصلاة، فإذا أمره بالاستئناف إذا قصد قطعه وزايل المطاف، وهو في المسجد قياسًا على الصلاة، فلأن يبطله الحدث العمد بذلك أولى فعلى هذا يجب أن يكون في الحدث العمد قولان.
أحدهما: يبطله ويلزمه استئنافه على قياس قوله في "القديم".
والثاني: لا يبطله، والمستحبّ أن يستأنفه فإن بني عليه أجزأه، ولا فرق بين أن يتطاول الفصل أو لم يتطاول، ومن أصحابنا من قال في حدث العمد: يستأنف قولًا واحدًا، وفي السبق قولان، والقول الجديد في الكلّ إنه لا يبطل به الطواف، وإن طال الفصل.
وقال أبو حامد: إن سبقه الحدث، وقلنا: لا تبطل الصلاة به.
لا يبطل الطواف به، وإن طال الفصل، وإن تعمد، فإن لم يطل الفصل بني وإن طال الفصل هل يبطل الطواف؟ قولان، قال في "القديم" يبطل ووجهه أنه يتعلق بالبيت، فيبطله التفريق الكثير كالصلاة.
وقال في "الحديد": لا يبطل لأنه لا يبطله التفريق اليسير، فلا يبطله التفريق الكثير بخلاف الصلاة، وقيل: إذا طال الفصل لا فرق بين أن يتعمد الحدث أو يسبقه.
فرع قال في "الأم" 2: واختار إن قطع الطائف الطواف فتطاول رجوعه أن يستأنف، ذلك احتياط ولو طاف اليوم وغدًا أجزأ عنه وظاهر ما قال في "القديم": أنه يلزمه الاستئناف، فالمسالة على قولين: وقال أحمد: الموالاة فيه شرط [112/أ] فإن فرق وطال الفصل استأنف.
فرع آخر إذا أحدث في الطواف وقلنا: يبنى على أحد القولين لو كان ذلك في بعض طوفته قبل انتهائه إلى الحجر الأسود فيه وجهان: أحدهما: يستأنفها ولا يبني لأن لكلّ طوفة حكم نفسها، والطوفة الواحدة يجوز تبعيضها.
والثاني: وهو الأصح.
يبني على ما مضى لأنه لا فرق بين الطوفة والأطواف.

وهكذا الحكم لو قطع الطواف لحاجة في بعض الشوطة لا للحدث.
فرع آخر إذا لم يجز التفريق الكثير فيه، فاحتاج إلى قطع الطواف لصلاة الجماعة هل يبني إذا عاد أم يستأنف؟ وجهان ذكره القفال، وهذا غير صحيح لأن النصّ أنه يبني فلا معنى للوجهين.
فرع آخر قال في "الأم" 1: إذا كان في طواف الفرض، فأقيمت الصلاة يخرج ويصلي ويعود إلى طوافه، لأن الطواف لا يفوت بخلاف الصلاة، وأما إذا أراد الخروج لصلاة الجنازة أو للوتر أو لركعتي الفجر يكره لأنه نفل أو فرض على الكفاية والطواف فرض على الأعيان، فلا يترك بذلك.
فرع آخر قال: وأحبّ أن لا يدخل في سعيه وطوافه صلاة جنازة إلا أن يكون في المسعى فتتقدم جنازة في سمته، فصلى عليها من غير أن ينحرف ليكون ذلك أخفّ حالًا.
فرع آخر لو طاف بالكعبة واضعًا يده على الكعبة.
قال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجوز ذلك؟، قولان، كما لو حاذى الكعبة ببعض بدنه في الصلاة أو الحجر في الطواف، وهذا لأنه إذا وضع يده يكون بعض بدنه في البيت.
فرع آخر قال في "الأم" 2: لو أغمى عليه في الطواف ثم أفاق ابتداء الوضوء والطواف قريبًا كان أو بعيدًا، فجعل الإغماء قطعًا للطواف، وفرق بينه وبين الحدث، وهذا صحيح، وعلى ظاهره محمول.
والفرق أن [112/ب] تكليفه يزول بالإغماء فزال به حكم البناء بخلاف الحدث.
فرع آخر لو أحرم بالعمرة من الميقات، وفرغ من أعمالها وتحلّل ثم أحرم بالحجّ وفرغ من أعماله وتحلّل منه، ثم ذكر أنه طاف أحد الطوافين بلا طهارة، وأشكل عليه فعليه أن يطوف ويسعى، وعليه دم شاة وأجزاه عن الحجّ والعمرة، لأنه يجوز أن يكون محدثًا في طواف الحجّ، فإن كان محدثًا في طواف العمرة لم يعتد بطوافه ولا بسعيه، وعليه دم الحلاقة، وقد صار قارنًا لإدخال الحجّ على العمرة تحلله منه، وعليه دم للقران وطوافه في الحجّ يجزئه عنهما لأن القارن يجزئه طواف واحد وسعي واحد فعلى هذا التنزيل يلزمه دمان للحلاق والقران، ولا يلزمه طواف ولا سعي وأجزأه الحجّ والعمرة، وإن كان محدثًا في طواف الحجّ فقد أكمل العمرة، ثم أحرم بعدها بالحجّ فصار

متمتعًا، فعليه دم التمتع، وقد طاف وسعى على غير طهارة، فلا يعدّ طوافه وسعيه وعليه أن يطوف ويسعى، فعلى هذا التنزيل يلزمه دم لتمتعه وطواف وسعي ويجزئه الحجّ والعمرة، فعلى هذين التنزيلين يلزمه طواف وسعي ليصح أداؤه لفرض النسكين يقينًا أجزأه الحجّ والعمرة معًا وعليه دم واحد يقينًا لأنه لا يخلو من أن يكون قارنًا أو متمتعًا، وأمّا دم الحلاق، فلا يلزمه لأنه مشكوك في وجوبه.
فإن قيل: أوجبتم عليه الطواف والسعي مع الشكّ في وجوبها، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أنها من أركان الحجّ، فإذا شكّ الإتيان كما لو شكّ في الصلاة في بعض أركانها ودم الحلاق من النسك ومن شكّ فيه كان كمن شك في صلاته هل تكلم أم لا؟ فلا سجود عليه.
فرع آخر لو أحرم بالعمرة وتحلّل منها ووطئ بعدها، ثم أحرم بالحجّ وتحلّل منه ثم تيقن أنه كان محدثًا، إما في العمرة أو في الحجّ، فإن [113/أ] قلنا: وطء الجاهل لا يفسده، فكأنه لم يطأ وحكم هذه المسألة ما سبق، وإذا قلنا: يفسده فعليه طواف وسعي، وهل يجب عليه دم معهما؟ فيه وجهان، وإنما كان كذلك لأنه يجوز أن يكون محدثًا في طواف العمرة: فلم يعتد بطوافه وسعيه فيها، ولزمه دم لحلقه لأنه حلق لم يتحلل به، ثم وطئ وهو باقٍ على إحرامه بالعمرة وأفسد عمرته ولزمه قضاؤها وبدنة لإفسادها ثم أحرم بعده بالحجّ وطاف وسعى فيه، وقد اختلف أصحابنا فيمن أدخل حجًا على عمرة فاسدة هل يصير قارنًا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصير قارنًا ويكون إحرامه بالحجّ باطلًا لكن طوافه وسعيه في الحجّ نائبًا عن طوافه وسعيه في العمرة، وقد تحلّل منها.
والثاني: يصير قارنًا، فعلى هذا طوافه وسعيه في الحجّ يجزئه عن العمرة والحجّ، ويلزمه قضاء العمرة، وهل يلزمه قضاء الحج؟ فعلى هذا التنزيل قد لزمه قضاء العمرة وقضاء الحجّ على أحد الوجهين وبدنة للوطء ودم للحلق ودم القران في أحد الوجهين، فهذا حكمه إن كان محدثًا في طواف العمرة، وقد يجوز أن يكون محدثًا في طواف الحجّ فعلى هذا قد سلمت العمرة ووطئ قبل إحرامه بالحجّ، ثم طاف في الحجّ محدثًا فلم يعتدّ بطوافه وسعيه، فعلى هذا يصير متمتعًا، فعليه أن يطوف ويسعى وعليه دم لتمتعه، فعلى هذين التنزيلين يجب عليه طواف وسعي ليكون متحلّلًا من إحرامه بيقين وهل عليه دم أم لا؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يصير قارنًا بإدخال الحجّ على عمرة فاسدة، فعليه دم لأنه يتردد بين أن يكون قارنًا، فيلزمه دم، وبين أن [113/ب] يكون متمتعًا، فيلزمه دم، فكان وجوب الدم عليه يقينًا من هذا الوجه، وإن قلنا: لا يكون قارنًا بإدخال الحجّ على عمرة فاسدة، فلا دم عليه لأنه تردد بين أن يكون متمتعًا، فيلزمه دم، وبين أن يكون معتمرًا فلا يلزمه دم الدم لا يجب بالنسك.
وقيل: وجه واحد يلزمه دم شاة، لأن وجوبه بيقين لأن الطهارة إن كانت متروكة من العمرة فدم الحلق واجب وإن كانت متروكة من الحجّ فدم المتعة واجب، فأمّا قضاء

الحجّ والعمرة ووجوب كفارة الوطء فلا تجب بحال، لأنه قد تردد بين أن لا يجب وبين أن يجب وبالشك لا تجب وأما إجزاء الحج والعمرة عن فرض الإسلام، فالعمرة لا تجزئ ويجب قضاؤها لأنها تردد بين أن يكون عارية عن الفساد وبين أن تكون فاسدة، فلا يسقط فرضها بالشكّ، وإن لم تكن العمرة واجبة عليها.
قال بعض أصحابنا: لا يلزمه قضاؤها للشكّ في سبب القضاء، وقال أكثرهم: يجب قضاؤها للشكّ في إحرامها، وأما الحجّ، فيه وجهان مبنيان على اختلاف الوجهين هل يكون قارنًا أم لا؟ ثم على اختلاف الوجهين فإذا صار قارنًا هل يلزمه قضاء الحجّ أم لا؟، فإن قلنا: لا يكون قارنًا لم يجزه فرض الحجّ لأنه يتردد بين أن يكون قد أحرم بالحجّ أم لا، وإن قلنا: يكون قارنًا، فإن قلنا: إن من أدخل الحج على عمرة فاسدة يلزمه قضاء الحجّ والعمرة لم تصحّ حجّة الإسلام لأنه تردد بين أن يكون حجّ حجًا صحيحًا وبين أن يكون قد حجّ حجًا فاسدًا، فلذلك لم يجز، وإن قلنا: إن من أدخل الحجّ على عمرة فاسدة لم يلزمه قضاء الحجّ أجزأه ذلك عن حجّة الإسلام، لأنه تردد بين أن يكون قارنًا فيصحْ حجّه وبين أن يكون متمتعًا فيصحّ حجّه أيضًا، فيكون فرض الحجّ على هذا الوجه ساقطًا بيقين.
مسألة: قالَ 1: وإن طاف فسلك الحجر أو على جدار الحجر، أو على شاذروان الكعبة وفي نسخه أو على شذروان الكعبة لم يعتد به.
أراد بالحجر موضعًا شبه الخطيرة على يسار البيت [114/أ] الحرام مما يلي الشام بين الركنين الشاميي والعراقي حظر حوله بجدار قصير، وقيل: إنه قدر ستة أذرع من الحجر كان من جملة البيت، فأخرج منها لقصر البقعة بهم.
قال الشافعي: سمعت عددًا من أهل العلم من قريش يذكرون، أن من الكعبة في الحجر نحو ستة أذرع.
وقال عددًا من أهل العلم من قريش يذكرون، أن من الكعبة في الحجر نحو ستة أذرع.
وقال أبو حامد: ست أذرع أو سبع أذرع.
والصحيح ما ذكرنا بلا إشكال، وأما جدار الحجر هو الجدار القصير الذي حظر به حوله، وأما شذروان الكعبة.
قال المزني هو تأزير البيت.
قال أبو حامد: لا يفهم معناه بل هو أساس البيت العالي عن وجه الأرض لأنه وضع على قواعد إبراهيم عليه السلام، فلما علا عن وجه الأرض بقدر شبر اقتصر بحائط الكعبة عن كل الأساس، وترك بعض الأساس خارجًا عن الحائط على عادة الأبنية فهو الذي يسمى شاذروان الكعبة ولا يعجز الرجل عن أن يصعده، فيمشي عليه، والدليل على هذا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم"، فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: لولا حدثان قومك بالكفر لرددتها على ما كانت عليه، وروي: "ولبنيتها على قواعد إبراهيم وألصقها بالأرض ولجعلت له بابين بابًا شرقيًا يدخل الناس منه وبابًا غربيًا يخرج الناس منه".
وروت أنها قالت: يا رسول الله وما دعاهم إلى إخراج بعض البيت إلى الحجر؟ فقال: قصرت بهم النفقة، قالت: فلم رفعوا الكعبة عن الأرض؟ قال: ليأذنوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا"، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم:

"قصرت بهم النفقة" ليس أن مال قريش لم يسع لبناء البيت أو يخلو به، ولكن كانت للكعبة أموال من النذور والهدايا، فقالوا: لا ننفق في البيت [114/ب] من أموالنا التي جرى فيها الربا، وإنمّا ننفق من مال البيت، فلهذا قصر المال عن ذلك وقيل: ما فضل من حجارة البناء وضعوه في جوف الكعبة، فلذلك ارتفعت عن وجه الأرض.
وروي أن البيت هدم قبل البعث بعشر سنين ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاثين سنة فلما بنوه تنازع بنو عبد مناف بن هاشم بن عبد المطلب وعبد شمس ونوفل في وضع الحجر الأسود في موضعه، وقال كل واحد منهم: نحن نضعه وكاد يقع بينهما قتال فتواضعوا على أن يرضوا بحكم أول من يدخل من باب بني شيبة، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يسمونه في الجاهلية محمد الأمين فلما رأوه قالوا: محمد الأمين أتاكم من لا يميل فحكموه فحكم بأن يبسط رداء ويوضع الحجر عليه، ثم يأخذ كبير كل رهط بطرف منه حتى يحملوه إلى موضعه، فبسط رداءه ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر بيده عليه، فأخذوا بأطراف الثوب، فوضعه في موضعه بيده وكان بناؤهم على الصورة التي هو عليها اليوم، وقبل ذلك كان لاصقًا بالأرض ذا بابين شرقي وغربي، فلما خرج ابن الزبير بمكة هدم البيت وبناه كما كان قديمًا، وكما قال صلى الله عليه وسلم: "لولا حدثناهم بالكفر لفعلت ذلك"، فلما ظهر عليه الحجاج وقتله هدم البيت بالمنجنيق، وبني هذه البينة التي هو عليها اليوم، فلما ولّى هارون الرشيد هم بأن يهدمه ويبنيه كما بناه ابن الزبير، فقال له مالك بن أنس: لا تفعل هذا، فإن الملوك يتنافسون بعدك بناءه، فلا يزال بيت الله مهدومًا، فتركه فهو اليوم على بناء الحجاج وقدر شبرًا أو شبرين شاذروان البيت فإذا ثبت هذا، قال الشافعي في "الأم" 1: كمال الطواف أن يطوف [115 أ/] من وراء الحجر، فإن طاف وسلك الحجر أو على جداره، أو على شاذروان الكعبة كان في حكم من لم يطف، وهذا لأنه طاف في البيت لا بالبيت.
وقال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ﴾ [الحج: 29] الآية.
وقال أصحابنا: إذا سلك الحجر فإن طوافه من الحجر إلى الحجر معتد به وما سلكه في الحجر وباقي الطواف إلى أن جاء إلى الحجر الأسود لم يعتّد به لأنه إذا لم يعتدّ بما قبله لا يجوز أن يعتدّ به لأن الترتيب مستحقّ فيه.
وقوله: فسلك الحجر وهو تعميم الحجر بهذا الحكم، وليس كذلك لأن ما وراء ست أذرع ليس من الكعبة، فلو تسلق الطائف جدار الحجر في الذراع السابعة أو الثامنة، وخرج من الجانب الثاني كذلك، ولم تدخل الذراع السادسة يصحّ طوافه بالبيت، ولو سلك الحجر من أحد بابيه إلى الآخر تحت الميزاب لم يجز لأن ذلك الموضع من البيت، وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فأدخلني الحجر.
وقال: صلي في الحجر إن أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت 2، ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت، وكذلك لو كان يمشي

وبعض بدنه فوق الشاذروان لم يجز وهذا المرتفع عن وجه الأرض شبه الدكان عند الحجر الأسود غير ظاهر، فيحتمل أن هناك من الأساس خارج البيت ما في موضع آخرن ولكن رفع لئلا يشقّ على الناس استلام الركن.
قال القفال: فيدع قدر الشاذروان، فلا يمشي فيه.
وقال: شيخنا ناصر رحمه الله أنا شاهدته ويشبه أنه ليس قرب الحجر من الشاذروان وعليه دم، وهذا على أصله شيء لأن الشاذروان ظاهر عند الركن اليماني، ثم يقل ويتداخل تحت الجدار حتى إذا كان بقرب الحجر لا يبقي منه شيء [115/ب] وجعل الشاذروان هناك تحت الجدار والركن فيه الحجر جعل أكثر خروجًا ليكثر الناس من الاستلام، وهكذا شاهدته أيضًا.
وقال أبو حنيفة: يحسب طوافه إذا سلك الحجر أو مشى على الشاذروان، وعليه دم، وهذا على أصله أن أكثر الطواف يقوم مقام الكل ويجبر بدم وعندنا لا يعفو عن خطوة، وأقل من ذلك وبقولنا: قال مالك وأحمد، وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف حول البيت سبعًا، وقال: "خذوا عني مناسككم".
مسألة: قالَ 1: وإن نكس الطواف لم يجزه بحال.
إذا طاف فترك البيت عن يمينه فقد نكس الطواف، ولا يعتدّ بما طاف بالبيت منكوسًا والترتيب فيه شرط، وهو أن يجعل البيت عن يساره ويطوف عن يمين نفسه.
وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: إذا طاف منكوسًا فقد أساء وإن كان بمكة يلزمه الإعادة، وإن فارقها يجزئه، وعليه دم واحتج بانه أتى بالطواف، وإنما ترك هيئة من هيئاته، فأشبه إذا ترك الرّمل، وهذا غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك البيت في طوافه عن جانب اليسار، وقال: "خذوا عني مناسككم"، ولأن هذه عبادة بالبيت فكان الترتيب فيها شرط كالصلاة.
فرع لو طاف وجعل ظهره إلى البيت لا نص فيه ولكن قال أصحابنا: يجزئه، لأنه حصل الطواف بالبيت والترتيب.
فرع آخر لو مشي في الطواف متقهقرًا إلى خلف بأن جعل يمينه نحو البيت ومشى إلى خلف من جانب الركنين الشاميين، فقد أساء ويجزئه لأن دورانه موافق لما ورد به الشرع، ولكن مشيه بخلاف العادة.
فرع آخر قال في "الأم" 2: وأكثر ما طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم [116/أ] ماشيًا بالبيت وبالصفا والمروة فأحبّ ذلك إلا من علّة وإن طاف راكبًا من غير علة فلا إعادة عليه ولا فدية، ولأنه إذا طاف راكبًا ربما لوّث المركوب المسجد ويؤذي الناس، فكان المشي أولى، وقال مالك وأبو

حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر يكره رجلًا كان أو امرأة وعليه دم، وحكي ذلك عن أحمد، وهذا غلط لما روى جابر قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم ليسألوه، فإن الناس كانوا غشوة وصحف في المسائل، وقال: فإن الناس كانوا عشرة آلاف، وما ذكرته في صحيح مسلم رحمه الله 1، فإن قيل: روى ابن عباس أن الني صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا لشكاية به 2. قلنا: في خبرنا ما يدلّ على خلافه.
وقيل: ما روى ابن عباس كان في طواف القدوم.
وما روى جابر كان في طواف الإفاضة، وهذا لا يصحّ لأنه لم يكن راكبًا في طواف القدوم على ما بينا وأما عند العذر.
رأت أم سلمة أنها قدمت مكة مريضة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوفي وراء الناس وأنت راكبة» 3. فَرْعٌ آخرُ لو طاف وشكّ في عدد ما طاف بنى على اليقين كما في الصلاة وفرع عليه في «الإملاء»، فقال: إذا اعتقد أنه طاف سبعًا، فأخبره شاهدان أنه طاف خمسًا أو ستًا أحب أن يرجع إلى قولهما، ويكمل الطواف لأن الزيادة في الطواف لا تبطله، ويفارق الصلاة لأن الزيادة فيها تبطلها، فإن لم يفعل وبنى على يقين نفسه جاز لأن الطواف فعله، فالمرجع فيه إلى اعتقاده دون اختيار غيره.
فَرْعٌ آخرُ المكّي إذا أراد أن يطوف يلزمه، ولا يحتاج إلى الإحرام، فلو أراد أن يطوف عن الغير، فإن كان نذر في وقت بعينه لا يجوز في ذلك الوقت [116/ أ] أن يطوف عن الغير لأن الزمان مستحقّ لفرضه، وإن أراد أن يطوف وقت آخر أو كان زمان النذر غير متعين فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأن الطواف لا يختصّ بزمان مخصوص وإن لم يكن الزمان متعينًا لم يكن فيه حجر فجاز أن ينوب عن الغير، وإن كان عليه فرض والثاني: لا يجوز، وهو الأصحّ، لأن العمرة لا تختصّ بوقت، ومن عليه العمرة لا يعتمر عن الغير فكذا الطواف.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو طاف، وهو لابس لبسًا محرمًا أو مخيطًا أو مطيبًا أجزأه الطواف لأن تحريم ذلك لا يختص بالطواف إلا أنه يلزمه بذلك فدية.
فَرْعٌ آخرُ لو كان عليه طواف الزيارة فطاف بنيّة التطوع انصرف إلى الفرض كالقول في أصل الحجّ.

فَرْعٌ آخرُ لو كان الرجل محرمًا، فطاف بصبي محرم أو كبير محرم فحمله ينوي بذلك أن يقضي عن الكبير أو الصغير طوافًا وعن نفسه لم يجزِ عنهما بخلاف الخبر.
وقال في «الأم» 1: الطواف طواف المحمول لا طواف الحامل، وعليه الإعادة عن نفسه لأن الحامل كالراحلة، وقال في «الإملاء»: الطواف للحامل دون المحمول لأنا إنما نبدأ أبدًا في الحجّ بالواجب عن العامل، والعمل لم يوجد من المحمول بل وجد من الحامل، وهذا اختيار أبي حامد، وهو الأصحّ.
وقال أبو حنيفة: يحصل للحامل الطواف والمحمول كالطائف راكبًا لأنهما حصلا طائفين بالبيت، وهذا غلط لأن الفعل الواحد لا يقع عن اثنين ولا يلزم على هذا إذا حمل غيره في الوقوف لأن هناك لا يعتبر الفعل بل يعتبر الكون في مكان الوقوف، وهما كائنان فيه.
وفي الطواف يعتبر الفعل، فإن كان للحامل لا يقع عن غيره، وإن كان للمحمول فالحامل مركوبة، كالبهيمة فلا يقع عن غيره.
مَسْألَةٌ: قالَ 2: فإذا فرغ صلى ركعتين خلف المقام.
إذا فرغ من الطواف [117/ أ] صلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما روى جابر، قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكّة دخل المسجد فاستلم الحجر، ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا ثم أتى المقام، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] فصلّى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى البيت بعد الركعتين، فاستلم ثم خرج إلى الصفا 3، وقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]. فَرْعٌ السنّة أن يقرأ في الأولى منهما بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لما روي جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
فَرْعٌ آخرُ السنّة أن يصلّيها خلف المقام، وفي هذا المقام يقف الإمام في جميع الصلوات، فإن لم يكن ففي الحجر تحت الميزاب، فإن لم يكن ففي الحرم، وحيثما صلّى جاز.
وقال الثور: لا يجوز فعلهما إلّا خلف المقام لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، وهذا غلط لأنهما صلاة فلم تختصّ بمكان دون مكان كسائر الصلوات.
وروي أن عمر كان يطوف بالبيت ويصلّي ركعتين في البيت.
وروي أنه طاف بعد الصبح ثم ركب لأن الشمس لم تطلع، فلما أتى ذا طوى أناخ فصلّى ركعتين 4،

والآية محمولة على الاستحباب.
فَرْعٌ آخرُ هاتان الركعتان هل هما واجبتان أم مسنونتان؟ فيه.
قولان: أحدهما: هما مسنونتان وبه قال مالك وأحمد: لأنهما صلاة ذات الركوع وليس لها وقت راتب، فلا تكون واجبة شرعًا كتحية المسجد، وهذا أظهر، والثاني: هما واجبتان.
وبه قال أبو حنيفة: لأنهما ركن من أركان الحجّ فوجب أن يكونا من توابعه ما هو واجب كالوقوف.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: هما واجبتان، ففاتتا يلزمه قضاؤهما ويجوز في الحرم وغيره [117/ ب].
وقد قال الشافعي في موضع: يصلّيهما حيث ذكرهما من حلّ أو حرم، وقول سفيان: إن قضاهما من غير الحرم لم يجزئه، وقال مالك: إن قضاهما في غير موضعهما يلزمه دم، وهذا غلط لأنهما ليستا بأوكد من سائر الصلوات المفروضات، وقضاؤهما يجوز في كل مكان، كذلك هذه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي: إن لم يصلّ ركعتي الطواف ورجع إلى بيته صلاهما أو أراق دمًا.
وقال أصحابنا: الدم مستحبّ لا واجب، وهذا إذا قلنا: إنهما واجبتان، وهو غريب.
فَرْعٌ آخرُ القولان إذا كان الطواف فرضًا فإن كان الطواف نفلًا فالركعتان نفل قولًا واحدًا، وهذا كالتشهد إذا كان واجبًا، فالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم بعده واجبة، وإن كان نفلًا فالصلاة عليه مسنونة، وقال ابن الحداد: في الركعتين قولان، هل هما واجبتان أم مسنونتان؟ وإن كان الطواف نفلًا وهو غلط.
فَرْعٌ آخرُ لو أتى بصلاة فريضة عقيب الطواف قامت مقام ركعتي الطواف.
روى الشافعي هذا عن ابن عمر في كتابه «القديم»، ولم يذكر مخالفًا، وهذا دليل على أنهما لا يجبان إذ الواجبان لا يتداخلان.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: إنهما مسنونتان، هل يجوز قاعدًا مع القدرة على القيام فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا، ثم نزل وصلى خلف المقام، فلو جاز قاعدًا جاز راكبًا.
والثاني: يجوز لأنهما تابعتان للطواف، ويجوز أن يطوف راكبًا مع القدرة، فهذا أولى وهذا عندي أصحّ، والأول ضعيف ذكره في «الحاوي» 1، وقيل: إذا قلنا: إنهما واجبتان، هل يجوز قاعدًا؟ وجهان، وليس بشيء.

فَرْعٌ آخرُ يختار أن يدعو عقيبهما [118/ أ] لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم عمد إلى مقام إبراهيم فصلّى خلفه ركعتين، ثم قال: «اللهم هذا بلدك ومسجدك الحرام وبيتك الحرام، أنا عبدك ابن أمتك أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمّة وأعمال سيئة وهذا مقام العائذ بك من النار فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إنك دعوت عبادك إلى بيتك الحرام وقد جئت طالبًا رحمتك مبتغيًا مرضاتك وأنت مننت عليّ بذلك فاغفر لي وارحمني، إنك على كلّ شيء قدير».
مَسْألَةٌ: قالَ 1: ثم يعود إلى الركن، فيستلمه.
الفَصْلُ إذا فرغ الطائف من الركعتين يعود إلى الركن فيستلمه يعني الحجر الأسود حتى يودّع بالاستلام، ثم يخرج، وهذا أن ممن خرج مكّة أمر بأن يجعل آخر عهده بالبيت، ولا يستلم اليماني الآن والدليل عليه ما ذكرنا من الخبر.
فَرْعٌ قال في «الحاوي» 2: ويستحبّ أن يأتي الملتزم فيدعو عنده.
روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين الركن والمقام ملتزم من دعا من ذي حاجة أو ذي كربة أو ذي غمّ فرّج عنه بإذن الله» 3 ويختار أن يلصق صدره ووجهه بالملتزم وهو ما بين الحجر الأسود والباب في وجه الكعبة وليكن من دعائه ما روى بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إنك تعلم سرّي وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي، فأعطني سؤالي وتعلم ما عندي فاغفر لي ذنوبي أسألك إيمانًا يباشره قلبي ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبته عليّ وأرضني بقضائك لي» 4. وكان سعيد بن جبير يستحبّ أن يدعو في الملتزم بين الحجر والباب: رب اغفر لي ذنوبي وقنّعني بما رزقتني وبارك لي واخلف على كل عاقبة بخير.
فَرْعٌ آخرُ وقال أيضًا 5: يختار أن يدخل [118/ ب] الحجر ويدعو تحت الميزاب.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يدعو عن الميزاب إلا استجيب له» 6. وقال الحسن: أقبل عثمان رضي الله عنه ذات يوم، فقال: لأصحابه ألا تسألوني من أين جئت.
قالوا: ومن أين جئت يا أمير المؤمنين؟ قال: ما زلت قائمًا على باب الجنة، وكان قائمًا تحت الميزاب يدعو الله عنده.
وروي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا حاذى ميزاب الكعبة، وهو

في الطواف: «اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب» 1. مَسْألَةٌ: قالَ 2: ثم يخرج من باب الصفا فيرقى عليه.
الفَصْلُ جملته أن السعي بين الصفا والمروة واجب وهو ركن من أركان الحجّ والعمرة ولا ينوب عنه الدم.
وبه قال مالك وإسحاق.
وقال أبو حنيفة والثوري وابن سيرين: هو واجب إلا أنه ليس بركن فينوب عنه الدم.
وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس رضي الله عنهم، وروي عنهم لا يجب أصلًا بل هو سنّة، وهو قول أحمد في رواية، وفي رواية أخرى عنه مثل قولنا، وهذا غلط لما روي عن حبيبة بنت أبي تجراة إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار أبي حسين، فنظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور بساقه من شدة سعيه وروي عدوه حتى لأقول إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» 3، واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]، وكلمة لا جناح لا تستعمل في [119/ أ] الأركان، قلنا: رفع الجناح لا ينصرف إلى نفس الفعل، ولكن إلى محلّ الفعل، وذلك أنهم كانوا يعبدون في تلك البقعة الأصنام، فتحرجوا أن يتخذوها متعبدًا لله تعالى قال عروة: قلت لعائشة رضي الله عنها: أرأيت قول الله عز وجلّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، فما أرى على أحد شيء ألا يطوّف بهما، قالت عائشة: كلا، لو كان كما تقول: كانت، فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وإنما أنزلت الآية، لأنن مناة كانت حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية 4، ومذهب عائشة أنه فرض كمذهبنا، فإذا تقرر هذا فمن شرط السعي تقدم الطواف عليه ثم فيه وجهان: أحدهما: وبه قال البغداديون: يجوز التراخي بينهما فإن سعى بعد طوافه بشهر أجزأه لأن الموالاة بين أركان الحجّ لا يجب كالوقوف والطواف، وهذا ظاهر المذهب.
والثاني: وبه قال البصريون من أصحابنا: لا يجوز التراخي البعيد بينهما، ويجب فعل السعي على الفور، ولو بعد لا يجوز لأن السعي لما افتقر إلى تقدم الطواف عليه ليمتاز عما لغير الله افتقر إلى فعله على الفور ليقع به الامتياز عما لغير الله، لأنه لا يحصل بفعله على التراخي، فإذا تقرّر هذا، فمتى خرج إلى الصفا يستحبّ أن يرقى على الصفا قدر قامة رجل حتى يتراءى له البيت منه ثم يستقبل البيت، فيكبّر فيقول: الله

أكبر، الله أكبر، الله أكبر ثلاثًا، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أبلانا وروي أولانا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، [119/ ب] وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
وقد روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعده ويلبي إن كان حاجًّا ثم يقول ذلك ثانيًا، ويدعو بعده بما له من أمر دين ودنيا، ثم يقول ذلك ثالثًا، ويدعو بعده حتى يقوله ثلاثًا ويدعو في أثنائه بما سنح له من أمر دين ودنيا، ويختار أن يكون من دعائه ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يدعو: اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم اجعلني ممن يحبّك ويحبّ ملائكتك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم آتني من خير ما تؤتني عبادك الصالحين في الدنيا والآخرة، اللهم يسّرني لليسرى وجنّبني العسرى واغفر لي في الآخرة.
والأولى، اللهم أوزعني أن أوفي بعهدك الذي عاهدتني عليه، اللهم اجعلني من أئمة المتقين واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين 1. ثم ينزل، وإذا نزل من الصفا يمشي حتى إذا كان دون الميل الأخضر المعلق في ركن المسجد بنحو من ستة أذرع سعى سعيًا شديدًا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد ودار العباس ثم يمشي حتى يرقى على المروة يريد قدر قامة الرجل كما قلنا على الصفا حتى يبدو له البيت، ثم يصنع عليها كما صنع على الصفا حتى يكمل سبعًا يبدأ بالصفا، ثم يختم بالمروة ويستحبّ فيه شدّة السعي لما ذكرنا من خبر حبيبة [120/ أ] بنت أبي تجراة، وأقلّ ما عليه في ذلك أن يستوفي ما بينهما مشيًا وسعيًا، وإن لم يظهر عليهما، ولا على واحد منهما، ولم يكبّر، ولم يدع ولم يسعَ في المسعى فقد ترك فصلًا ولا إعادة عليه، ولا فدية، ولا بدّ من أن يلصق عقبه بالصفا أصابعه بالمروة، ثم عقبه بالمروة وأصابعه بالصفا.
وقال القفال: غير أن درجة واحدة إنما بنيت بين حدي الجبل، فالاحتياط أن يصعد كي يتصل بالجبل، وقال أبو حفص بن الوكيل: لا يصح سعيه بين الصفا والمروة، حتى يصعد على الصفا والمروة بقدر ما يستوفي السعي بينهما، لأنه لا يمكن استيفاء ما بينهما إلا بذلك كما لا يمكنه استيفاء غسل الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، وهذا ليس بشيء لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه سعى فوقف في حوض في أسفل الصفا، ولم يظهر عليه، والمهاجرون والأنصار متوازرون ولم ينكر منهم منكر 2، ولأنه يمكن استفاء ذلك بما ذكرنا من إلصاق العقب وأطراف الأصابع.
قال الشافعي: والموضع الذي مشى فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم والموضوع الذي رمل فيه معروف،

ولم يكن الموضع على هذه الصفة التي هو عليها اليوم، بل كان ضيقًا فوسع وجعل الأميال علامة على موضع الرمل وموضع المشي، وإنما رمل في هذا الموضع لأنه كان يشرف على الناس بحذاء السور فكان يرمل ليظهر الجلادة، فإذا غاب عنه مشى على سحية مشيه، وليست هناك اليوم دار تعرف بدار العباس بل تغير الاسم، وقيل: الأصل في السعي هو أن إبراهيم عليه السلام حمل هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام إلى مكة.
وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37] الآية.
ثم انصرف ففني [120/ ب] زادها وماؤها، فقامت هاجر تطلب الماء لإسماعيل، فسمعت صيحة عند الصفا فابتدرت نحوها وصعدته، فسمعت مثل ذلك من المروة، فنزلت فلما كانت ببطن الطريق سعت سعيًا شديدًا كراهة أن ترى ولدها في الحال الشديد من العطش، فصعدت المروة، ثم سمعت صوتًا من الصفا، فنزلت نحو الصفا، فلما أكملت السعي سبعًا رأت الطير تنقض على الموضع الذي فيه إسماعيل، فابتدرت نحوه فرأت الماء قد انفجر من موضع عقبه وهو ماء زمزم.
فأحاطت عليه بالتراب قال رسول الله صلى الله عليه سولم: «فصار بئرًا ول لم تفعل ذلك لكان عينًا معينًا»، وروى كثير بن جمهان أنه قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنه يمشي في المسعى، فقلت له: أتمشي في المسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: لئن سعيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى ولئن مشيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي 1. فَرْعٌ الترتيب فيه شرط، وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يعد بما قبل الصفا، ولو طاف سبعًا ههنا لم يجزئه السعي الأول لأنه بدأ بالمروة، ويجوز الثاني فيحصل سبعة، ويبقى السابع، فيبدأ بالصفا ويختم بالمروة، وروى محمد بن شجاع عن أبي حنيفة أنه يجوز ذلك من غير ترتيب، وروي عنه أنه إذا طاف هكذا لا يحصل له ستة، وإذا أكمل سبعة وبدأ بالصفا وختم بالمروة لا يجوز، وهذا غريب لأنه زال التنكيس وحصل الترتيب والعجب من هذا أنه قال: السعي ليس بركن ولو نكس لا يجوز، والطواف ركن ولو نكس جاز، والأصل فيما ذكرنا مما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الصفا، قال: «نبدأ بما بدأ الله به» 2، فبدأ بالصفا [121/ أ] وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، الآية.
وروى أنه قال: «ابدؤوا بما بدأ الله به» 3، وهذا أمر، والأمر على الوجوب.
فَرْعٌ آخرُ لو نسي السعي السادس وسعى السابع احتسب بخمسة ولم يحتسب بالسابع، لأن الترتيب في السعي، واجب، فلم يحتسب بالسبع الذي يبدأ فيه بالصفا، ويختم

بالمروة، إلا أن يتقدمه السادس الذي يبدأ فيه بالمروة، ويختم بالصفا، فلما نسي السعي لم يحصل الترتيب في السابع، ولزمه أن يسعى السادس يبدأ فيه بالمروة، ويختم بالصفا، ويسعى السابع يختم فيه بالمروة ويبدأ فيه بالصفا، ولو نسي الخامس لم يعتدّ بالسادس وجعل السابع خامسًا وأكمل ذلك سبعًا.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا بدأ بالصفا ووصل إلى المروة، جعل له شوط من السعي، فإذا أكمل سبعة كمل سعيه، فيأتي من الصفا إلى المروة أربع مرات ويرجع من المروة إلى الصفا ثلاث مرات، وقال الزيادي من أصحابنا: لو أتى من الصفا إلى المروة سبع مرات، والرجوع من المروة إلى الصفا ليس بمقصود وإنما هو للحصول بالصفا حتى لو كان يدخل مكّة بقرب المروة، ويخرج من مكّة إلى الصفا، ولم يقطع السعي برجوعه إلى الصفا جاز، وهذا غريب بعيد.
وحكي أن ابن جرير سئل عن هذه المسألة، فأجاب: بأنه إذا عاد إلى الصفا حصل له سعي واحد واستفتى أبو بكر الصيرفي عن ذلك، فأجاب مثل جواب ابن جرير، فعرض ذلك على أبي إسحاق، فضرب على فتواه، وقال: هذا غلط في المذهب، وإنما اتبع هوى ابن جرير يعني قلّده، فبلغ ذلك أبا بكر الصيرفي، فأقام على تلك الفتوى، وقال: الصحيح هذا فقاسه على الطواف، أنه إنما يحصل له شوط إذا عاد إلى الموضع الذي بدأ منه.
كذلك ههنا، وهذا غلط مذهبًا وحجاجًا، أما المذهب، فإن الشافعي قال: ويبدأ بالصفا ويختم بالمروة [121/ ب]، وعلى ما ذكر الصيرفي: يبدأ بالصفا ويختم بالصفا.
وأما الطواف حجّة عليه، وذلك أن الطائف يبتدئ من الحجر الأسود بالطواف، فإذا استوفي المشي في محلّ الطواف اعتدّ له بطوفة، ولا يلزمه أن يمشي في الموضع الذي قد مشى فيه كذلك، في السعي إذا استوفي السعي في محلّ السعي وجب أن يعتدّ له بسعي واحدٍ، ولا يلزمه أن يسعى ثانيًا في الموضع الذي كان قد سعى فيه.
فَرْعٌ آخرُ لو فرّق سعيه فسعى سبعًا في سبعة أوقات، فإن كان الفصل قريبًا أجزأه، وإن كان بعيدًا، قال بعض أصحابنا: إن كان لعذر بنى وإن كان لغير عذر فيه قولان: كما ذكرنا في الطواف والمذهب أنه يجوز لأن الشافعي قال: لو ترك منه شيء حتى عاد إلى وطنه عاد وأتمّه ولم يستأنف لأنه لا يبطل بالتفريق.
وقال بعض أصحابنا: إن قلنا في الطواف يجوز ذلك، فههنا أولى وإن قلنا: هناك لا يجوز، فههنا وجهان، لأن السعي أخفّ لجوازه بغير طهارة.
فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: يستحبّ أن يقول في سعيه: ربّ اغفر وارحم واعف عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم، وهذا لما روت صفية بنت شيبة عن امرأة من بني نوفل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ذلك.

فَرْعٌ آخرُ لو ترك شيئًا من السعي، وإن كان ذراعًا، قال الشافعي: لم تحلّ له النساء حتى يكمله، وإن عاد إلى بلده، وإن كان قد سعى مع طواف القدوم أجزأه، وحصل التحلّل بالطواف، وحلّ النساء.
وقال أصحابنا: إن ترك ذراعًا من آخره من ناحية المروة عاد وأتى، وإن كان من أوله يأتي بالسعي كله لأنه لا يحتسب بآخره إلا بعد حصول أوله، وإن كان ما تركه من وسط المسعى احتسب [122/ أ] بما ترك عليه، وأعاد ما بعده، ولو ترك ذراعًا من السعي السادس لم يحتسب بالسابع لأنه فعله قبل إكمال السادس، وكان الحكم في السادس على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ قال 1: وأحبّ إليّ أن يكون طاهرًا في السعي بينهما، وإن كان غير طاهر جنبًا أو على غير وضوء لم يضره وأجزأه، وهذا لأنه نسك لا يتعلق بالبيت، فلا تجب فيه الطهارة كالوقوف.
فَرْعٌ آخرُ قال في «القديم»: لو التوى بشيء يسير أجزأه، وإن عدل حتى يفارق الوادي اليوم في زقاق العطارين لم يجزِ.
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي 2: وإذا كانت المرأة مشهورة بالجمال، فالمستحبّ لها أن تطوف وتسعى ليلًا، فإن طافت نهارًا، سدلت على وجهها سترًا متجافيًا ومشت في موضع السعي.
فَرْعٌ آخرُ إذا أقيمت الصلاة، وهو في المسعى يقطع السعي ويصلّي، لأن الصلاة تفوت، فإذا فرغ منها، قال الشافعي 3: بنى عليه من حيث قطع، وهذا لأن الموالاة لا تجب، لما روي أن ابن عمر كان يطوف بين الصفا والمروة، فأعجله البول فتنحى ودعا بماء فتوضأ، وأتمّ على ما مضى.
مَسْألَةٌ: قالَ 4: وإن كان معتمرًا، أو كان معه هدي نحر وحلق، أو قصر.
الفَصْلُ إذا كان معتمرًا عمرة مفردة أو عمرة التمتع، فإذا سعى هل يحلّ بأعمال سعيه؟ قولان، بناء على أن الحلاق، هل هو نسك أم إطلاق محظور؟ وفيه قولان: أحدهما: أنه نسك يثاب عليه بمنزلة الرمي ومناسك الحج.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، وهذا أظهر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله المحلقين»، قيل:

يا رسول الله والمقصرين؟، فقال: «رحم الله المحلقين»، قيل: يا رسول الله والمقصرين؟ إلى أن قال في الثالثة، أو الرابعة: «والمقصرين» 1. وهذا التفصيل يدلّ على أنه نسك.
والثاني: أنه إطلاق محظور كاستباحة اللباس والطيب لأن كل ما كان محرمًا في [122/ ب] الإحرام أبيح له كان إطلاق محظور كاللباس، فإذا قلنا بالقول الأول، فأعمال العمرة أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلاق، ولا ينوب عن الحلاق شيء يوجد فإذا أكمل هذا فقد حلَّ من عمرته، وإذا قلنا: إطلاق محظور فأعمال العمرة ثلاثة: الإحرام والطواف والسعي.
فَرْعٌ آخرُ إذا أكمل العمرة وحلّ منها، فإن كان متمتعًا واجدًا للهدي فالوجوب إذا أحرم بالحجّ، هل له إخراجه بعد الفراغ من العمرة قبل الإحرام؟ قد ذكرنا قولين ونص ههنا على جوازه.
فَرْعٌ آخرُ يستحبّ له أن يذبحه أو ينحره عند المروة لأنها موضع تحلّله وأي موضع نحر فيه من مكّة أجزأه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل فجاج مكّة طريق ومنحر» 2، وهذا الذبح ينبغي أن يكون قبل الحلق أو التقصير.
فَرْعٌ آخرُ.
إذا فرغ من الهدي حلق رأسه أو قصر وهو مخير بينهما على كلا القولين لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] الآية.
قد ذكرنا ما قيل فيه إذا لبّد رأسه وعقصه.
فَرْعٌ آخرُ الأفضل للرجل حلق جميع الرأس من التقصير لأن الله تعالى بدأ بالحلاق قبل التقصير، ومن شأن العرب البداية بالأهم، ولما ذكرنا من الخبر، ولأن الحلق يستوفي في جميع النسك، والتقصير يأخذ بعض النسك فكان الحلق أولى.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يحلق يستحبّ أن يبدأ بشقّه الأيمن، وإن كان على يسار الحالق فيحلقه ثم يحلق ما على الأيسر، وقال أبو حنيفة يبدأ بشقّه الأيسر لأنه على يمين الحالق، فاعتبر يمين الحالق.
والشافعي اعتبر يمين المحلوق.
وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنهما، قال لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة وفرغ من نسكه ناول الحالق شقّه الأيمن،

فحلقه فأعطاه أبا طلحة ثم ناوله شقّه الآخر فحلقه ثم قال: "اقسمه بين الناس".
فرْعٌ آخرُ [123/أ] قال أصحابنا: في الحلق أربع سنن أن يستقبل القبلة, وأن يبدأ بشقّه الأيمن, وأن يكبّر عند فراغه, وأن يدفن شعره.
فرْعٌ آخرُ قال الشافعي 1: واستيفاء الحلاق أن يحلق من مقدمة رأسه إلى العظمين المشرفين على القفا, لأن هذا جميع الرأس, فاستحبّ استيفاء ذلك, قال: وسواء حلقه بالحديد, أو نتفه أو قرضًا أو طلاه بالنورة يجزئه لأن القصد إتلاف الشعر فعلى أي وجه حصل ذلك أجزأه.
فرْعٌ آخرُ أقل ما يجزئ من الحلق أو التقصير ثلاث شعرات.
وقال أبو حنيفة لا يجزئه إلا قدر ربع الرأس, وقال مالك: يجب الكل, أو الأكثر, وهذا خلاف مبنى على قدر مسح الرأس في الوضوء فرْعٌ آخرُ إذا أراد التقصير أخذ من شعره مما علا المشط وكيف ما أخذه بمقراض أو قطعه بيده أو قرضه بسنه أجزأه.
فرْعٌ آخرُ لو كان الشعر مسترسلًا عن حد الرأس أجزأه التقصير من أطرافه, وإن لم يحاذ بشرة الرأس.
ولا يجزئه أن يمسح عليه في الوضوء نص عليه لأنه قال 2: ويأخذ من شعره قدر أنملة, وذلك لا يكون إلا مسترسلًا عن بشرة الرأس, والفرق بينه وبين مسح الرأس في أنه لا يجوز على المسترسل, أنه مأمور بالمسح على الرأس, وهو اسم لما ترأس وعلا, فلا يقع هذا الاسم على المسترسل من الشعر, وههنا مأمور بحلق شعر الرأس, وهذا المسترسل من جملة الشعر.
ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه لا يجوز إلا التقصير في حدّ الرأس, وهو غلط.
فرْعٌ آخرُ قال 3: وإن كان الرجل أصلع لا شعر على رأسه أو محلوقًا أمرّ الموسى على رأسه استحبابًا, ولا يلزمه ذلك, وقال أبو حنيفة: يلزمه ذلك, وهذا غلط لأنه لو كان إمرار الموسى على الرأس حلقًا, لوجب إذا فعله قبل تحلّله يلزمه الفدية, وإذا لم يكن حلقًا لا يلزمه ذلك.

فرْعٌ آخرُ 1 [123/ب] وأحبّ إليّ لو أخذ من لجيته وشاربه حتى يضع من شعره شيئًا لله تعالى, فإن لم يفعل فلا شيء عليه, لأن النسك إنما هو في الرأس لا في اللحية.
قال أصحابنا: وهذا كما لو كان أقطع اليد من فوق المرفق يغسل العضد استحبابًا لئلا يخلو الوضوء من غسل اليد.
فرْعٌ آخرُ ليس على النساء حلاق, قال الشافعي 2 فتأخذ المرأة من شعرها قدر أنملة وتعم جوانب رأسها كليًا, وهذا لما روى علي وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهن أن تحلق المرأة رأسها.
وقال أيضًا: "ليس على النساء حلاق, ولكن يقصرن" 3, ولا تقطع ذوائبها لأن ذلك يشينها ولكن تشيل الذوائب وتأخذ من تحتها من قصاصها ومن الموضع الذي لا يتبين قبحه.
فإن أخذت أقل من ذلك.
أو من ناحية من نواحي الرأس ما كان ثلاث شعرات فصاعدًا أجزأ عنهن وعن الرجل.
وروى أن بعض أصحابه أمر أن تأخذ المرأة من شعرها قدر أصبع, فأنكرت عائشة.
وقالت: هلا أمرهن بالحلق؟! كنا لا نزيد في عهد رسول الله صَلَى الله عليه وسلم على قدر أنملة, وقيل: الأصل في ذلك أن النبي صَلَى الله عليه وسلم لما أمر أصحابه بالتحلّل عام الحديبية ثقل ذلك عليهم فتاونوا في التحلّل والحلاق فأمرهم ثانيًا وثالثًا, فلم يفعلوا, فدخل على أم سلمة, وقال: ألم ترى إلى قومك: آمرهم بالتحلّل فلا يفعلون؟ فقالت له: اخرج ولا تحدث أمرًا حتى تدعو بحالقك, فتحلق شعرك وبجازرك فينحر هديك, فخرج وفعل فابتدر الناس إلى الحلاق وإلى النحر, حتى كادوا يقتتلون فكان منهم من حلق ومنهم من قصّر, فقال: رحم الله المحلقين, الخبر.
وقيل: ما أشارت امرأة بالصواب إلا أم سلمة في هذا الأمر رضي الله عنها.
فَرْعٌ آخرُ لو نذر فقال: لله عليّ أن أحلق إذا أدت التحلّل لم يجزئه التقصير لأن الحلق قربة, فيلزم بالنذر ثم بيّن الشافعي أنه لم يبقَ عليه بعد ذلك من [124/أ] العمرة شيء, فقال: وقد فرغ من العمرة يعني بعد الحلق أو التقصير.
مَسْألَةٌ: قالَ 4: ولا يقطع المعتمر التلبية حتى يفتتح الطواف مستلمًا, أو غير مستلم.
إذا ابتدأ المقيم بالطواف قطع التلبية لأنه لا يتحلّل به, فإذا شرع في التحلّل قطع التلبية لأنها إجابة إلى العبادة وشعار الإقامة, وقد بينا معناها والأخذ في التحلّل ينافيها, وحكي أصحابنا عن مالك, أنه إذا أحرم بها من الميقات قطع التلبية حين يرى البيت, وهذا غلط لما روى ابن

عباس أن النبي صَلَى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث ولم يزل يلبّي في كلها حتى استلم الحجر 1, وروى نحو هذا عن ابن عباس وقوله: مستلمًا, أو غير مستلم, أي: ليس الاستلام شرط في حصول الشروع من الطواف, ولعل بعض أهل العلم يشترطه, فلذلك جمع الشافعي بينهما, ثم قال الشافعي: وليس على النساء حلق, وقد ذكرناه.
مَسْألَةٌ: قالَ 2: وإن كان حاجّاً أو قارنًا أجزأه طواف واحد لحجّته وعمرته.
الفَصْلُ أراد بالحاجّ المفرد وبالقارن الجامع بين الحجّ والعمرة, وقد ذكرنا أعمال العمرة, وأعمال الحجّ من الأركان أربعة: الإحرام والوقوف والطواف والسعي, وما عداها ليس بأركان فمن أفرد الحجّ والعمرة يأتي بأفعال كل واحد منهما على الكمال, ولا يجوز الإخلال بشيء منها, وإن قرن بينهما يسقط ترتيب العمرة, ويدخل في ترتيب الحجّ فيأتي من الأفعال مثل ما يأتي به المفرد إحرام واحد ويجزئه عن الحجّ والعمرة معًا ويعنى به طواف الفرض يكفيه واحد وموضعه بعد الوقوف, فإن طاف قبله فذلك طواف القدوم, وبه قال ابن عباس [124/ب] وابن عمر وجابر والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وربيعة ومالك وإسحاق وأحمد في رواية رضي الله عنهم, وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا تدخل أعمال العمرة في أعمال الحجّ فيلزمه أن يأتى بطوافين وسعيين, فيطوف ويسعى بعد الوقوف للحجّ.
وبه قال ابن مسعود والشعبي والثوري, ثم قال أبو حنيفة: فإن لم يطف حتى وقف بعرفة صار رافضاً لعمرته, وليه شاة وقضاء العمرة, وهكذا قال في القارنة تحيض قبل الطواف, وقد دنا وقت الوقوف, تقف وتصير رافضة للعمرة, وعليه اقضاء والشاة, وعندنا رفض العمرة لا يكون بحال, واحتجّوا بما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله عنه أنه جمع بين الحجّ والعمرة, وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين, وقال: هكذا رأيت رسول الله صَلَى الله عليه وسلم يفعل 3. واحتجّ في الرفض بما روي أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال لعائشة: "ارفضي عمرتك وانفضي رأسك, وامتشطي وأهلّي بالحجّ", وهذا لأنها كانت حاضت فلم يمكنها الطواف وهذا غلط, لما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال: "من أحرم بحجّ وعمرة أجزأه لهما طواف واحد وسعي واحد, لا يحلّ من واحد منهما حتى يحلّ منهما" 4. وأمّا خبر على رواه جعفر بن أبي داود وهو ضعيف ثم نحمله على الاستحباب,

وأما الرفض فلا يصحّ لأن هذه العبادة لا ترتفض بفعل محظوراتها ولا بقوله: رفضتها فكيف ترفض بفعل عبادة أخرى فيها, وامّا خبر عائشة, قلنا: أراد لا تشتغلي بأفعالها, لا أنها تخرج من إحرامها بدليل أنه ليس لها لخروج مها بقولها, والخبر يقتضي الرفض قبل الوقوف, ثم بيّن الشافعي ما يختصّ به القارن من المفرد, فقال: غير أن على القارن [125/أ] الهدى لقرانه أي: يجب عليه ذلك, بخلاف المفرد, وقد ذكرنا ذلك, ثم قال: ويقيم على إحرامه حتى يتمم حجّه مع إمامه يريد به الفرق بين المتمتع الذي يتحلّل من العمرة فيحلّ له كل شيء ما لم يحرم بالحجّ, وبين القارن الذي يقيم على إحرامه حتى يحلّ يوم النحر ولا يتحلّل من العمرة حتى يتحلّل من الحجّ الذي قرنه بها لخبر ابن عمر ولا يحلّ من واحدٍ منهما حتى يحلّ منهما, وأما قوله: حتى يتمّ حجّه مع إمامه ذكره على وجه الاستحباب, لأنه يستحبّ للمحرم أن لا يسبق إمامه في الأفعال بل يكون فراغه معه فإن تقدم عليه جاز.
مَسْألَةٌ: قالَ 1 ويخطب الإمام يوم السابع من ذي الحجّة بعد الظهر بمكّة.
الفَصْلُ اعلم أن في الحجّ أربع خطب يخطبها إمام الحاجّ, ذكرها الشافعي واحدة بعد واحدة على الترتيب ووصل بكل واحدة منها ما يترتب عليها من المناسك, فأولها ما ذكرها هنا وقد ذكرنا أن من دخل مكّة مفردًا أو قارنًا أو متمتعًا يطوف طواف القدوم ويسعى ثم إن كان مفردًا أقام على إحرامه إلى أن يقف, وكذلك إن كان متمتعًا يأتى بأفعال العمرة ثم يتحلّل ويقيم بمكّة إلى وقت خروجه إلى عرفة ثم يحرم من جوف مكّة بالحج ويخرج إلى عرفة, فيخطب الإمام اليوم السابع بمكّة بعد الظهر خطبة واحدة في المسجد الحراج, فإنه أولى المواضع, وذلك قبل يوم التروية بيوم ويأمرهم في الخطبة بالغدو من الغد إلى منى ليوافوا الظهر, ويعلمهم ما يفعلون إلى عرفات.
لما روى موسى بن عقبة عن أبيه أنه قال: خطب رسول الله صَلَى الله عليه وسلم اليوم السابع بمكّة بعد الظهر وعلمهم المناسك, ويستحبّ إن كان الإمام من أهل مكّة أن يحرم [125/ب] اليوم السابع, ويخطب محرمًا قال الشافعي: فإن كان عالمًا فقيهًا لا يتعرض لذلك لأنه ربما سئل فلا يعرف, فيكون فيه شين وقباحة, ولا ينبغي للإمام أن يكون إلا بمنزلة من إذا سئل أجاب ثم إذا خطب هكذا يقيمون بمكّة اليوم السابع ويبيتون بها ليلة الثامن ويصلّون الصلاة بها, فإذا كان اليوم الثامن, وهو يوم التروية, قال الشافعي: غدوا إلى منى, وقال في موضع آخر: راحوا إلى منى والكل قريب, وعلى كل حال يصلّون بمنى خمس صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء من يوم التروية ويبيت بها ويصلّي الصبح بها من يوم عرفة ويقيم بها حتى تطلع الشمس والسنّة الرواح لأن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالرواح إلى منى.

وروى جابر أن رسول الله صَلَى الله عليه وسلم أتى منى فصلّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح, ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس, ثم سار, وقال في "الحاوى" 1: الإمام في غد يوم التروية, يطوف بالبيت توديعًا له ويصلّي ركعتين فإذا زالت الشمس خرج إلى منى ولم يصلّ الظهر بمكّة, فإذا حصل بمنى صلّى بها الظهر وغيرها, واستحبّ أن يكون صلاته بمنى بمسجد الخيف عند الأحجار التي بين يدي المنارة, فإنها مصلّى رسول الله صَلَى الله عليه وسلم, ويقال له: مسجد العيشومة وذلك أن فيه عيشومة خضراء في الجدب والخصب بين حجرتين من لقبلة وتلك العيشومة قديمة لم تزل هناك ويختار له ان ينزل الخيف الأيمن من منى بين الأخشبين, وهذا كله هيئة فإن تركه فلا شيء عليه.
قال أصحابنا: المبيت بمنى في هذه الليلة للاستراحة ويجري مجرى الهيئة دون النسك المقصود.
وقال الشافعي 2: لو ترك المرور بمنى, فلا شيء عليه, وكذلك [126/أ] إن مرّ بها, وترك المبيت, فإذا طلعت الشمس يوم عرفة على ثبير وذلك أول بزوغها سار إلى نمرة, وهى وادي عرفة فنزل بها إلى زوال الشمس, فإذا زالت الشمس صار إلى المسجد للصلاة وليس وادي عرفة ولا نمرة, ولا المسجد وتلك الأسواق من عرفة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: صدر هذا المسجد من عرنة لا يجوز الوقوف فيه ومؤخرة من عرفات, فإن وقف في قاصية المسجد أجزأه حجّه, وقيل: موضع المحراب والصف الأول من عرنة, والباقي من عرفة.
وقد قال الشافعى في "القديم": وعرفة ما بين الجبل المشرف على بطن عرنة إلى الجبال القابلة يمينًا وشمالً, وقال في "المختصر الأوسط" 3: وعرفة ما جاوز وادي عرنة وليس وادي عرنة, ولا المسجد من عرفة, فإذا أجزت بطن عرنة، فهو من عفة إلى الجبال العالية على عرفة كلها مما يلي حوائط بنى عامر وطريق الحصن, وما جاوز ذلك فليس من عرفة والحدّ الأول أصحّ.
وهذا لما روى جابر رضي الله عنه قال: صلّى رسول الله صَلَى الله عليه وسلم الصبح بمنى ثم لما طلعت الشمس أمر بقبة له حمراء من شعر حتى ضربت له بنمرة وسار في أول بزوغ الشمس, فلم تشكُّ قريش أنه يقف على المشعر الحرام كما كانت الجاهلية تفعله في أيامها حتى رأوا قبته بنمرة, فلما أتى نمرة أقام بها إلى أن زالت الشمس، ثم سار منها إلى المسجد الذي بعرنة قرب الموقف وصلّى الظهر والعصر هناك بأذان وإقامتين, ولهذا قلنا: إذا اجتاز بالمشعر الحرام لا يقف عليه, ولا يدعو بخلاف ما يفعل عند رجوعه من الموقف, فإذا تقرّر هذا وأتى المسجد بعد زوال الشمس ابتدأ فخطب خطبة يعلم الناس الوقوف ووقته ووقت الدفع من مزدلفة, وما يصنع فيها [126/ب], فإذا فرغ من الخطبة الأولى جلس جلسة خفيفة قدر قراءة, ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم يأخذ في الخطبة الثانية, وابتدأ المؤذنون بالأذان, ويكون فراغهم من الأذان مع فراغ الإمام من الخطبة والنزول ثم أقام المؤذن, فيصلّي الظهر ثم يقيم للعصر فيصلّي العصر

فتكون صلاة الظهر بأذان وإقامة والعصر بإقامة من غير أذان, ولا يقتصر في الخطبة بعرفة على خطبة واحدة كما في اليوم السابع, بل يخطب خطبتين كما في الجمعة.
وقال أبو حنيفة: يؤذن المؤذنون, قبل الخطبتين لتكون خطبتاه بعد الأذان كخطبة الجمعة.
وحكي عنه أنه قال: لا يقيم للعصر, وقال مالك: يؤذن لكل واحدةٍ منهما, ويقيم, وقال أحمد: يقيم لهما ولا يؤذن, وهذا كله غلط لما ذكرنا من خبر جابر, وقال ابن عمر رضي الله عنه جمع رسول الله صَلَى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين.
وقال بعض أصحابنا: في كلام الشافعي رضي الله عنه في هذا الموضع دلالة على أن الخطيب إذا فرغ من الخطبة الثانية ينبغى أن ينزل من المنبر، ثم يكون افتتاح الإقامة بعد نزوله على خلاف ما جرت به العادة اليوم في المساجد, فلعل هذه الحادثة إنما استحدثت لارتفاع درجات المنابر المستحدثة فإنها أعلى وأرفع, وأكثر درجات من درجات منبر رسول لله صَلَى الله عليه وسلم, وذكر الشافعي رضي الله عنه إذا جلس الإمام أخذ المؤذنون في الأذان, ثم قال في الإقامة, ويقيم المؤذن, ولم يقل ويقيم المؤذنون, وفي هذا دلالتان اثنتان: إحداهما: أن الإقامة لمؤذن واحد والأذان يجوز أن يكون بعدد بين المؤذنين.
والثانية: أن المؤذنين إذا ضاق بهم الوقت [127/أ], جاز لهم المراسلة بالأذان, وإذا كان الوقت واسعًا, ولم يكن لهم عذر المبادرة إلى دعاء يوم عرفة, فالمستحبّ أن يؤذنوا واحداً بعد واحد متعاقبين غير متراسلين.
فرْعُ ينبغي أن يخطب قائمًا ولا يقعد إلّا بعذر, وينبغي أن يخطب بعرفة على منبر أو على مكان عالٍ ليكون أبلغ في الأسماع, وإذا صعد المنبر جلس قبل أن يبتدئ بالخطبة, وليس مع هذه الجلسة أذان كما في الجمع.
وقال بعض أصحابنا: جلس بقدر أذان, وروى هذا الجلوس في خبر جابر ويخفف الخطبة الأولى ولا يطولها.
قال سالم بن عبد الله للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة فاقصر الخطبة وعجل من الخطب لا يتولاها غيره إلا أن يعرض له عذر, فيستخلف كما في الصلاة لأن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم باشر هذا بنفسه.
وقال بعض أصحابنا: ويضرب للإمام الآن خباء أو قبة اقتداء برسول الله صَلَى الله عيه وسلم.
فرْعٌ آخرُ اعلم أنه روى عن حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صَلَى الله عليه وسلم بمنى آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين في حجّة الوداع 1. وروى عن عبد الرحمن بن يزيد رضي الله عنه, قال: صلّى بنا عثمان رضي الله عنه بمنى أربعاً, فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: صليت مع النبيّ صَلَى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ومع أبي بكر ومع

عمر ركعتين ومع عثمان رضي الله عنهم صدرًا من إمارتين ركعتين, ثم أتمها ثم تفرقت بكم الطرق 1. وروى أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه صلّى أربعًا, فقال: الخلاف شرّ.
قال الشافعي رضي الله عنه: إذا كان الإمام مكّيًا [127/ب],لا يجوز له القصر فيتم, ومن خلفه من المسافرين والمقيمين يتمّون أيضًا, وإن كان الإمام مسافرًا قصر, ومن خلفه من المسافرين وأما من خلفه من المقيمين يتمّونها أربعا, وبهذا قال عطاء ومجاهد الزهري والثوري وأبو حنيفة وأحمد, وقال مالك والاوزعي وإسحاق وسيفان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي رضي الله عنهم: لا بأس لأهل مكّة أن يقصروا الصلاة بمنى.
وروى عنهم رضي الله عنهم أنهم قالوا: إذا قصر الإمام قصر جميع الناس معه سواء كانوا من أهل مكّة أو غيرهم, واحتجوا بالخبر الذي ذكرنا.
وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال: "يا أهل مكّة لا تقصروا في اقلّ من أربعة برد" 2 ولأنها مسافة لا يلحقها المشقّة في قطعها غالبًا فلا يستبيح بها القصر كما لو خرج لمكّي إلى منى.
وأما الخبر لا حجّة فيه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مسافرًا بمنى فصلّى صلاة المسافر, ولم يقل لأهل مكّة: "لا تقتصروا" اقتصارًا على ما تقدّم من البيان السابق.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلّى بهم فقصر ثم لما سلّم التفت فقال: يا أهل مكة أتمّوا فإنا قوم سفر 3, وإما عثمان فقد قيل: إنه كان مسافرًا وأتمّ ليدل على جواز الإتمام خلاف قول أبي حنيفة, وإن كان الاختيار القصر ولهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أتمّ الصلاة بعد ذلك واعتذر بقوله: الخلاف شرّ, فلو كان الإتمام لا يجوز لكان الخلاف له خيرًا لا شرًا.
وقال إبراهيم النخعى: إنّما صلّى عثمان أربعًا لأنه اتخذها وطنًا, وقال الزبيري: إنما فعل ذلك لأنه اتخذ الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها, وكان ابن عباس يقول: المسافر [128/أ] إذا قدم على أهل أو ما شبه أتمّ الصلاة, وبه قال أحمد.
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أتمّ الصلاة وقصر بمنى وتأويله عندنا أنه كان في مكّة على نية الإقامة, فأتمّ الصلاة فلما خرج من مكّة نوى السفر, فخرج إلى عرفة نيته السفر ليقضى نسكه وينصرف وإذا كان بهذه الصفة, له القصر عندنا.
وقال الوليد بن مسلم: وافيت مكّة وعليها محمد بن إبراهيم, فكتبت إليه أن يقصر الصلاة بمنى وعرفة يقصر, فقام سفيان الثورى وأعاد الصلاة, وقام ابن جريج فأتمّها, ثم دخلت المدينة, فلقيت مالك بن انس, فذكرت ذلك له, فقال: أصاب الأمير وأصاب مالك, ثم دخلت مصر فلقيت الشافعي رضي الله عنه فقال: أخطا الأمير ومالك

وأصاب سفيان وابن جريج, فابن جريج أتمّها لأن عنده يجوز أن يصّلي الفرض خلف من يصلّي النفل وأعاد سفيان لأنه لا يجوز ذلك.
فرْعٌ آخرُ قد ذكرنا في كتاب الصلاة ما قيل في كتاب الجمع بين الصلاتين بعرفة, وأن المقيمين بعرفة لا يجوز لهم الجمع أصلًا, وهو ظاهر المذهب, ومن أصحابنا من قال: يجوز الجمع هناك ليتصل له الدعاء بالوقوف بخلاف القصر وعملهم على هذا اليوم.
وذكر هذا في "الحاوي" 1 ولم يذكر الخلاف عن أحد.
فرْعٌ آخرُ قال في "لحاوى" 2: يجب على الإمام نية الجمع عند افتتاح الأولى, وفي مأمومين وجهان: أحدهما: عليهم النية أيضًا, وهو الأصح, ويوصي الناس بعضهم بعضًا بها حتى يعرف من يجهل [128/ب].
والثاني: يجوز ذلك لهم بلا نية لاختصاص الموضع بجواز الجمع ولحوق المشقّة في إعلام الكل والرسول صَلَى الله عليه وسلم لم ينادِ فيهم بالجمع, وجمع.
فرْعٌ آخرُ وقال: فيه أيضًا 3 من جاء وقد فاتته الصلاة مع الإمام يجوز له أن يجمع إذا كان مسافرًا, وهل يجوز إن كان مقيمًا بمكّة؟ قولان بناء على جواز الجمع في السفر القصير, ولا يجوز هذا الجمع إلا بالنية.
وقال أبو حنيفة: لا يجمع إلا مع الإمام كالجمعة, لأن لكل واحدة من هاتين الصلاتين وقتًا مؤقتًا, وإنما ردد الشرع بالجمع مع الإمام فقط, وهذا غلط لأنه روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان إذا فاته الجمع بين الظهر والعصر مع الإمام بعرفة جمع بينهما منفردًا.
فرْعٌ آخرُ قال الشافعي: ولا يجهر الإمام بالقراءة فيها لأنها ليست بجمعة.
وقال أبو حنيفة: يجهر فيها بالقراءة كالجمعة لتقدم الخطبة, وهذا غلط لأن من نقل حجّ الرسول صَلَى الله عليه وسلم روى أنه أسّر بالقراءة, وقال النبيّ صَلَى الله عليه وسلم: "صلاة النهار عجماء إلّا الجمعة والعيدين" 4 فرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو اتفق يوم الجمعه يوم التروية فرْالت الشمس, فعليهم الإهلال

والخروج منها إلى منى ليوافق الظهر بها, ولا نأمرهم بالتقاعد للجمعة, وهكذا ذكره الإمام أبو محمد الجوينى في "المنهاج".
وقال بعض أصحابنا بالعراق: آمرهم أن يخرجوا قبل طلوع الفجر لأن الفجر إذا طلع لم يجز الخروج إلى السفر وترك الجمعة في أحد القولين.
فرْعٌ آخرُ قال الشافعي: ولا يصلّون الجمعة بمنى لا بعرفات إلا أن يحدث قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلًا.
وقال مالك: وافق يوم عرفة في حجّ رسول الله صَلَى الله عليه وسلم يوم الجمعة فلم يصلّ صلاة الجمعة في عرفة, فإن قيل: وما يدريك أنه صَلَى الله عليه وسلم لم يصلّ [129/أ] الجمعة أليس خطب خطبتين, ثم ركع ركعتين؟ قلنا: لو كانت صلاة جمعة لجهر فيها بالقراءة فإنه سنة الجمعة.
مَسْألَةٌ: قال 1: ثم يركب, فيروح إلى الموقف عند الصخرات.
الفَصْلُ إذا فرغ من صلاة العصر توجه إلى المسجد, وهو مسجد إبراهيم عليه السلام إلى عرفة ويقصد الموقف الذي وقف به النبيّ صَلَى الله عليه وسلم وذلك عند الصخرات اتباعًا للنبيّ صَلَى الله عليه وسلم, وهو موضع معروف هناك, والأفضل أن يقف على جبال الرحمة أو بالقرب منها, وإنما ينتقل من موضع الصلاة والمسجد, لما ذكرنا أنه ليس من عرفة, واعلم أن الوقوف ركن من أركان الحجّ لا يدرك الحجّ إلا به, فمن فاته الوقوف في وقته في موضعه فقد فاته الحجّ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم, قال: "الحجّ عرفة, فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحجّ ومن فاتته عرفة فقد فاته الحجّ" 2 وروي في خبر جابر أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم لما صلّى الظهر والعصر ركب ناقته القصواء, وسار إلى عرفة, وسميت ناقته قصوى لما قطع من أذنها, يقال: قصوت الناقة إذا قطعت أذنها, فإذا تقرر هذا, فالكلام في فصلين في مكانه وزمانه.
فأما مكانه فقد ذكرنا: ولو وقف في عرفة ساهيًا أو جاهلًا لم يجزه.
وقال مالك يجزئه وعليه دم, وحكي انه قال: بطن عرنة كله عرفة, وإذا وقف فيها جاز, وأصحابه ينكرون هذا, وهذا غلط لما روى نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه, أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال يوم عرفة "كل عرفة موقف وارتفعوا عن عرنة وكل المزدلفة موقف وارتفعوا عن بطن مسحر, وكل أيام التشريق ذبح, وكل فجاج مكّة منحر" 3, وأراد بفجاج مكّة الحرم كله.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال: "من

أفاض من عرفة قبل الصبح فقد تم حجه, ومن فاته فلا حجّ له" 1, وحكي [129/ب] سفيان أن قريشًا كانت تسمى الحمس وكانوا لا يخرجون يوم عرفة, من الحرم, ويقفون بنمرة دون عرفة في الحرم، ويقولون: لسنا كسائر الناس, نحن أهل الله فلا نخرج من حرم الله.
وكان النبي صَلَى الله عليه وسلم لا يقف مع قريش في الحرم ويخرج مع سائر الناس إلى عرفة, وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199], وفي الناس قولان: أحدهما: أنه أراد إبراهيم عليه السلام, لأنه كان يقف بعرفة.
والثاني: أنه رسول الله صَلَى الله عليه وسلم حيث وقف بها وفي تسمية قريش الحمس قولان: أحدهما: لأنهم تحمسوا في دينهم, أي: تشدّدوا.
والثاني: أنهم سمّوا الحمس بالكعبة لأنها خمسًا حجرها أبيض يضرب إلى السواد, وأفضل موضع الوقوف ما ذكرنا وحيث ما وقف الناس من عرفة أجزأهم.
وقال عليه السلام: " هذه عرفه كلها موقف إلّا وادي عرنة " 2. وقال الشافعي: والأفضل أن يقف من الإمام في الموضع الذي يقف فيه.
وروى عن يزيد بن شيبان أنه قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة بعيد عن الإمام, فقال: إني رسول رسول الله صَلَى الله عليه وسلم فقال: يقول لكم: قفوا على مشاعركم, فإنكم على إرث من إرث إبراهيم 3 والمشاعر المعالم, وأراد: قفوا بعرفة خارج الحرم, فإن إبراهيم عليه السلام هو الذي جعلها مشعرًا وموقفًا للحاج خلاف قول قريش, حيث قالوا: لا نخرج من الحرم, وسمّوا أنفسهم الحمس فبين صَلَى الله عليه وسلم أن ذلك من قبلهم أحدثوه وأن الذي أورثة إبراهيم من سنته, هو الوقوف بعرفة.
فرْعٌ قال في "القديم" و"الإملاء": الأفضل أن يقف راكبًا ويجوز راكبًا ونازلًا.
وبه قال أحمد, وقال في "الأوسط" 4: الوقوف راكبًا ونازلًا سواء.
[130/أ] قال أصحابنا: قوله القديم أصحّ, لأن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم وقف راكبًا, ولأن الراكب أقوى على الدعاء, ولهذا أمر الحاجّ ترك الصوم يوم عرفة وقيل تأويل ما قال في "الأوسط": أنه أراد القوي الذي لا يعيى إذا وقف على قدميه ولا يقطعه ذلك عن استكثار الدعاء والاجتهاد فيه.
فرْعٌ آخرُ يستحبّ أن يستقبل القبلة في وقوفه ويدعو حتى الليل, ويصنع ذلك الناس مع الإمام, وروي: "أنه صَلَى الله عليه وسلم وقف واستقبل القبلة وجعل بطن ناقته إلى الصخرات" 5 وهي

جبل الرحة ويجتهد في الدعاء والتضرّع والإكثار منه بقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة" 1، وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين" 2. وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: فيما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع: "اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سرّي وعلانيتي، ولا يخفي عليك شيء من أمري، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته، وذلّ لك جسده ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيًا وكن بي رؤوفًا رحيمًا يا خير المسؤولين ويا خير المعطين".
وروي: كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" 3. وسئل سفيان بن عيينة عن دعائه يوم عرفة، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت [124/أ] أنا، والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له"، فقيل له: إن هذا ثناء وليس بدعاء، فقال: أما سمعت قول الشاعر: إذا أثنى عليك المرء خيرًا كفاه ما يعوّضه الثناء يريد به أن الثناء قائم مقام الدعاء، وأنه يعوّض ما يعوّض الدعاء.
فَرْعٌ آخرُ ليس معنى الوقوف أن يقف على رجليه بل القاعد والراكب والمضطجع فيه سواء، والمراد به الحصول بعرفة.
فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: يستحبّ أن يكثر من قراءة سورة الحشر في عرفة فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذلك، ذكره في "الحاوي" 4. فَرْعٌ آخرُ لو اجتاز بعرفة، وهو لا يعلم أنها عرفة أحزأه نصّ عليه، لأنه وقف، وهو من أهل الوقوف.
وقد تقدمت نيّة الحجّ، فأجزاه.
وقال أبو حفص بن الوليد وأبو الحسين القطان في "مختصره": فيه وجهان، وفيه نظر.
فَرْعٌ آخرُ قال في "المناسك الأوسط" 5 ومن لم يدخل عرفة إلا مغمى عليه لم يعقل ساعة

ولا طرفة عين، وهو بعرفة، فقد فاته الحجّ، ولو عقل بعرفة ساعة لم يضره.
وقال أصحابنا: لو حصل بعرفة نائمًا صحّ وقوفه بأن سار به الجمل، وهو في محمله نائم، أو نام بعرفة قبل الزوال، ومرّ عليه الوقت وهو نائم.
والفرق أن النائم بمنزلة اليقظان، ألا ترى أنه لو نام في جميع نهار الصوم صحّ صومه بخلاف ما لو أغمي عليه في الصوم تمام اليوم، وحكى ابن القطان في النائم وجهًا آخر أنه لا يجوز وقوفه لأنه لم يوجد القصد إلى العبادة [131/أ] وأصل هذا أن كل ركن من أركان الحجّ هل يحتاج إلى نية مفردة؟ فيه طريقان: أحدهما: لا يحتاج إليها كأركان الصلاة.
والثاني: يحتاج لأن أركانها تنفصل بعضها عن بعض، وهو ضعيف، ولو حصل بالموقف مجنونًا حتى خرج الوقت فقد فاته الحجّ بلا خلاف.
وقال ابن القطان: فيه وجه آخر، وكذلك في المغمى عليه، وليس بشيء وأما زمان الوقوف، فالأفضل أن يقف من الوقت الذي ذكرنا إلى الليل، وهو أن تغرب الشمس حتى يجمع بين النهار وجزء من الليل في الوقوف، وأقل ما يكفيه حتى يكون مدركًا للحجّ أن يدخلها وإن لم يقف، ووقته من وقت زوال الشمس إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، فأي وقت ما بين هذين الوقتين أجزأه، وذلك نصف يوم وليلة كاملة.
وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: الأولى أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار فإن اقتصر على أحدهما، فالاعتماد على الليل حتى إن وقف بالنهار، لم يجز.
وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، واحتجّ مالك بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك عرفات بليل فقد أدرك ومن فاتته عرفات بليل فقد فاته الحجّ ومن فاته الحج فليحل بعمرة، وعليه الحجّ من قابل".
واحتجّ أحمد بما روي عن عروة بن المضرس الطائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبلي طيئ أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى ثفته" 1 والحبل هو التلّ من التراب، والتلّ إذا كان من حجارة فهو جبل، ومعنى قضى ثفته أي: نسكه وقيل: التفث الأخذ [131/ب] من الشارب وتقليم الظفر والخروج من الإحرام إلى الإحلال.
وقال ابن الأعرابي في قوله: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29] أراد قضاء حوائجهم من الحلق والتنظيف.
وقوله: "فقد تمّ حجّه"، أي: معظم الحجّ، ولم يفصل بين أن يكون قبل الزوال أو بعده، وهذا غلط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قصد الموقف نهارًا بعد الزوال، وشرع هكذا إذا انصرف منه ليلًا، فجعل النهار وقتًا للوقوف وجعل الليل وقتًا لترك الوقوف، فعلم أن النهار مقصود، والليل يسع.
وأما الخبر الذي احتجّ به مالك، لا يصحّ لأنه

إنما خصّ الليل لأن الفوات يتعلق به، ثم يعارض بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى عرفة قبل ذلك من ليل أو نهار فقد تمّ حجّه".
وأما ما احتجّ به أحمد نحمله على ما بعد الزوال بدليل ما ذكرنا ولأنه وقف بعرفة قبل الزوال فلم يجزئه كما لو وقف قبل طلوع الفجر.
فَرْعٌ لو اقتصر في الوقوف على الليل دون النهار، فلا دم عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: لا يجوز لأن أشهر الحجّ تسع من ذي الحجّة، وقد مضت حين غربت الشمس، وهذا ليس بشيء، ولو اقتصر على النهار دون الليل فيه قولان.
قال في "الإملاء": لا دم عليه ويستحبّ لأنه جزء يتعلق به الإدراك، فلا يلزمه دمّ كما لو وقف جزءًا من الليل.
وقال في "القديم" و "الأم": يلزمه دم.
وبه قال أبو حنيفة وعطاء والثوري وأحمد لأنه نسك لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال: "خذوا عنّي مناسككم".
وقال عليه السلام: "من ترك نسكًا فعليه دم"، ولأنه أخلّ ببعض النسك، ولم يأت به على الوجه المشروع، فيلزمه [132/أ] دمٌ كما لو أحرم دون الميقات، فإن قيل: هلاّ قلتم: إذا وقف ليلًا دون النهار، يلزم الدم أيضًا لهذا المعنى.
قلنا: الفرق أن من أدركه نهارًا يمكنه الوقوف نهارًا، فلم يلزمه ذلك، ولم يجب عليه الدم بتركه.
وقال الحسن: يلزمه هدي من الإبل ويصحّ حجّه، وهو غلط لما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يلزمه الدم، فلو عاد فوقف ليلًا فلا شيء عليه.
نصّ عليه، وقيل: فيه وجهان، وليس بشيء.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط عنه الدم.
وبه قال أحمد، لأن النسك أن تغيب الشمس، وهو واقف فيجمع بين الليل والنهار، فإذا دفع قبل الغروب وجب الدم، فلا يسقط بعده حتى لو رجع نهارًا، وأقام حتى غربت الشمس لا شيء عليه، وهذا غلط، لأنه جمع بين الليل والنهار في الوقوف، فلا دم عليه، كما لو وقف حتى غربت الشمس.
فَرْعٌ آخرُ لو غمّ الهلال ليلة ثلاثين من ذي القعدة ووقف الناس اليوم التاسع من ذي الحجّة ثم قامت البينة أنه اليوم العاشر أجزأهم لقوله صلى الله عليه وسلم: "حجّكم يوم تحجّون" 1، ولأنا لو قلنا بخلافه أدى إلى لحوق المشقّة بالخلق الكثير والجمع الغفير لا نؤمن مثله في القضاء، ولو وقفوا يوم التروية نسيانًا لا يجوز لأنه لا يقع فيه الخطأ غالبًا، ولا يتصور نسيان العدد في

جارٍ التحميل