باختياره فلا ثواب له، وإن كان بغير اختياره فله الثواب.
وقال بعض أصحابنا: لا ثواب له بخلاف الصلاة؛ لأنه يراد لغيره ولا يرتبط بعضه [235 ب/] ببعض حتى يصير كالشيء الواحد مثل الصلاة.
فرع أخر
خنثيان مشكلان مش رجل فرج أحدهما ومست امرأة ذكر الآخر، ثم مس الخنثى الذي مس الرجل فرجه ذكر الخنثى الآخر، ثم مس الخنثى الذي مست المرأة ذكره فرج الخنثى الآخر، ثم تقدم الرجل في صلاة الصبح وأم فيها بالخنثيين والمرأة، ثم تقدم في الظهر الخنثى الذي مس الرجل فرجه وصلى بالمرأة والخنثى الآخر، ثم تقدم في الخمر الخنثى الآخر، وأم فيها بالمرأة والخنثى الذي كان إمامًا في الظهر.
فجوابه على القول الذي يقول: إنه لا وضوء على المأموميين أن صلاة الرجل جائزة وعلى المرأة إعادة الظهر والعصر دون الصبح، ويلزم الخنثى الذي كان إمامًا في الظهر إعادة الصبح والعصر وظهره صحيح له، ويلزم الخنثى الذي كان إمامًا في العصر إعادة الظهر وصبحه وعصره صحيحان له، ووجهه أن أحوال الخنثيين أربع أحوال: إما أن يكونا ذكرين وإما أن يكون أنثيين، وإما أن يكون الذي مس الرجل فرجه ذكرا والآخر أنثى، وإما أن يكون الذي مست المرأة ذكره ذكرًا والآخر أنثى ولا خامس [236 أ/1] لهذه الأقسام، فإن كانا ذكرين بطلت طهارة المرأة، وطهارة الخنثى الذي مس الرجل فرجه، وطهارة الرجل مع طهارة الخنثى الذي مست المرأة
ذكره باقيتان، وإن كانا أنثيين بطلت طهارة الرجل وطهارة الخنثى الذي مست المرأة ذكره، وطهارة المرأة مع طهارة الخنثى الذي مس الرجل فرجه باقيتان، وإن كان الخنثى الذي مس الرجل فرجه ذكرًا، والآخر أنني بطلت طهارة كل واحد من الخثثين، وطهارة الرجل مع طهارة المرأة باقيتان، وإن كان الذي مست المرأة ذكره ذكرا، والآخر أنثي يطلب طهارة الجمع من الرجل والمرأة والجنثيين معًا، فإذا صح ذلك كانت صلاة الرجل، صحيحة، لأنه لم ينتقض حدثه، واحتمل انتقاض طهارته، واحتمل الجواز فبقيناها على الأصل، ولم يأتم أيضًا بالغير حتى تبطل صلاته انتقاص طهارة الإمام وأتباعه له.
وأما المرأة فلا تلزمها إعادة الصبح لعدم التقين بانتقاض طهارتها، وانتقاض طهارة الرجل أيضًا، ولا يصح طهرها لأنه لا يجوز أن يكون الرجل وإمامها في الظهر على الطهارة على ما ذكرنا من الأحوال الأربعة، فإذا حكمنا لها بصحة الصبح خلف الرجل لم يصح منها صلاة الظهر خلف إمامها [236 ب/1] لما لم يحتمل ركونهما علي الطهارة، ونظره أن يعلم الرجل انتقاص طهارة زيد أو عمرو ولا يعرف غير من انتقضت طهارته منهما فصلى المح خلف أحدهما والظهر خلف الآخر صح له الصبح دون الظهر للمعنى الذي ذكرناه؛ فإن قيل ت لماذا جوز تم الصبح دون الظهر؟ قلنا: لأن المرأة لما صليت الصبح خلف الرجل صححنا صلاتها لجواز أن تكون هي وإمامها على الطهارة، وقد أربحنا أن الأصل ثبوتها، فإذا كان تصحح صلاتها محكومًا به لم يرتفع بصلاتها خلف أحذ الخنثيين في
الطهر لاستحالة ورود (الفساد) بعد الفراغ من الصلاة، ومنافاة الثاني الأول كما قلنا في المثال الذي ذكرناه، وهذا واضح، ولا يصح عصرها أيضًا؛ لأن الأحوال الأربعة التي ذكرناها تمنع كون العصر محسوبا لها فتأملها.
وأما الخنثى الذي كان إمامًا في الظهر فظهره جائز بجواز كونه على الطهارة، ولم يأتم فيه بأحد فصح له.
وأما الصبح نلا يصح لأنه لا يحتمل أن يكون هو والرجل الذي هو إمام الصبح على الطهارة في شيء من هذه الأحوال، فلا ينبغي له أن يأثم به، فإذا: فعل ذلك بطلت صلاته.
وأما العصر فلا يجوز لأن صلاة الخنثى [237 أ/1] خلف الخنثى لا تجوز، فإن قيل: على قول بعض أصحابنا لجواز صلاة الخنثى خلف الخنثى هل تصح صلاة العصر منه؟ قيل: لا يجوز العصر على قول هذا القائل أيضًا، لأنه لا يحتمل أن يكونا على الطهارة في واحد من هذه الأحوال الأربعة، وإنما كان يصح ذلك على قوله: لو احتفل ذلك فإذا لم يحتمل وجبت الإعادة.
وأما الخنثى الذي كان إماما في العصر فصبحه صحيح له، لجواز أن كون الرجل على الطهارة، وعصره جائزًا أيضًا لأنه كان إمامًا في العصر مع جواز كونه على الطهارة وطهره لا يصح، لأن صلاة الخنثى خلقي الخنثى لا يصح، وعلى قول القائل الآخر لا تصح أيضًا،
لأنه لا يجوز أن يكون هو والخنثى الآخر الذي هو إمامه في الطهر على الطهارة في واحد من هذه الأحوال الأربعة وإذا قلنا بالقول الذي يوجب الوضوء على الملموس لم تصح صلاة الخنثيين ولا واحد منهما لبطلان طهرهما، وحكم الرجل والمرأة على ما ذكرنا في القول الأول ذكره والدي - رحمه الله.
باب المسح على الخفين
قال الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب، وذكر الخبر.
وهذا كما قال جملته: أن المسح على الخفين جائز، وبه [237 ب/1] قال عمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس - رضي الله عنهم - وقال الحسن البصري، حدثني سبعون من أصحاب النبي صلى الله عليه أنه مسح على الخفين، وقال النخعي: من رغب عن المسح على الخفين، نقد رغب عن سنة محمد صلى الله عليه وسلم وبه قال عامة الفقهاء، وقالت الشيعة، والخوارج: لا يجوز المسح على الخفين.
وحكي ذلك عن أبي بكر بن داود، وهو رواية ابن أبي ذنب، عن مالك أنه أبطل المح على الخفين في آخر أيامه.
وروى الشافعي عنه أنه قال: يكره ذلك، وعنه رواية ثالثة أنه يمسح في السفر دون الحضر، وهو الصحيح عنه، ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة محسوا في السفر درن الحضر، وعنه رواية خامسة أنه يمسح أبدًا من غير تأتيت، وهو قول الشافعي في القديم، وعنه رواية سادسة مثل قولنا، والدليل على كلهم
ما روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن أمية الضمري، أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين.
وروى أبو داود في سننه، عن جرير بن عبد الله أنه بال، ثم توضأ ومسح على الخفين فقيل له [238 أ/1] أتقول هذا فقال: ما يمنعني أن أمسح، وقد رأيت رسول الله.
مسح.
فقيل قبل نزول المائدة أو بعدها فقال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة.
وروى بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترنحا فغل وجهه ويديه مسح برأسه ومسح على خفيه وروى أبو بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أرخص للماخر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن
يمسح عليهما.
ويدل على خبر صفوان بن غسال المرادي، وقد تقدم ذكره.
وروي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: سكبت الماء على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ إلى أن قال: فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني لبستهما وهما طاهرتان" ثم مسح عليهما.
واحتجوا بما روى ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين فقال له علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قبل نزول المائدة أو بعدها، فسكت ابن مسعود، وهذا يدل على أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان يعتقد أنه لا يجوز.
وروى عن علي رضي الله عنه - أنه قال: ما أبالي أمسح على الخفين أو على ظهر الغير.
قلنا: أما قول علي استفهام لا تعجب وإنكار [238 ب/1] بدليل أنا روينا عنه أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه خطوطًا بالأصابع.
ويحتمل أنه ذكر ذلك امتحانًا وكان تأخر عن بيعته فقصده.
وأما قول عائشة: لعلها أرادت بعد ما نزع الخف المنزوع وظهر الغير سواء، فإن قاسوا على البرقع والقفازين، قلنا: لم يجز العادة بهما غالبًا، ولا يشق تنحية العمامة قليلًا، ويشق نزع الخف عند كل وضوء فافترقا.
مسألة: قال: "وَإِذَا تَطَهَّرَ الرَّجُلُ الْمُقِيمُ بِغُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ".
الفصل
وهذا كما قال نص الشافعي في الجديد: أن المسح على الخفين مؤقت فالمقيم يمسح يومًا وليلة، والمسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وبه قال علي، وابن عباس، وعطاء، وشريح، وجماعة الفقهاء، وقال مالك: يمسح المسافر بلا توقيت في الرواية الصحيحة والمقيم كذلك في الرواية الضعيفة، وبه قال عمر، وابن عمر، وعائشة، والليث، وربيعة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي وحكي الزعفراني أن الشافعي كان يقول بهذا: إلا أن يجب عليه غسل الجنابة، ثم رجع عن ذلك قبل أن يخرج إلى مصر، فقيل: في المسألة
قولان، وقيل: قول [239 أ/1] واحد أنه مؤقت، واحتجوا بما روي عن أبي عمارة، وكان قد صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم القبلتين - رضي الله عنه - أنه قال: قلت يا رسول الله أمسح على الخفين، قال: نعم قلت: يومًا.
قال: نعم.
قلت: وثلاثة أيام، قال: نعم وما شئت.
وروي: وما بدا لك قلت وروي أبو داود في هذا الحديث حتى بلغ سبعًا، وقال أنس - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله لم أمسح على الخفين فقال: ما دامتا في رجليك.
وروي عن عمر - رضي الله عنه - أن وفدًا قدموا عليه فقال لهم: منذ كم تمسحون على الخف؟ فقالوا: منذ جمعة.
فقال: أصبتم سنة نبيكم.
وروي عن زيد بن ثابت أنه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر أن يمسح ثلاث أيام ولو استزدناه لزادنا.
ولأنه مسح بالماء فلا يتعدر كمسح الرأس قلنا: نقابل بخبر أبي بكرة على ما ذكرنا فحد يحد، والتحديد يمنع النقصان والزيادة، ولم يمنع النقصان ههنا فدل أنه يمنع الزيادة، وروى علي - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم "جعل ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم" وأما خبر أبي عمارة فرواه محمد بن يزيد، وأيوب بن قطن، وهما ضعيفان إذ لم يرويه في مدة واحدة، بل أراد بتجديد الوضوء عند [239 ب/1] انقضاء كل مدة وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم "التراب كافيك ولو لم يجد الماء عشر حجج" أراد إذا تيمم كل مرة.
وأما حديث خزيمة فوهم منه ولا حكم للوهم، وأما مسح الرأس أصل لا يشبه البدل بخلاف هذا، بدليل أنه لو نزع الخف بطل المسح.
فإذا تقرر هذا، فلا خلاف أن ما قيل من الحدث من وقت اللبس لا يحتسب من وقت المسح.
وأما ما بعد الحدث اختلف العلماء فيه، فعندنا أنه يعتبر ابتداء المدة من وقت الحدث، فإذا مضت المدة من ذلك الوقت انقطع حكمه، ولا يجوز له بعد ذلك
أن يمسح سواء كان قد مسح أو لم يمسح، وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وقال الحسن: ابتداؤه من وقت لباس الخفين، وقال الأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود يعتبر ابتداء المدة من وقت المسح هو الحدث.
وحكي القفال، عن أبي ثور أنه قال: الاعتبار بخمس صلوات، فلو قضي المقيم خمس صلوات في مكان واحد انقضى حكمه، وإن صلاها في أوقاتها، فإذا صلى آخر الصلوات انقطع حكم المسح.
واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يمسح المسافر ثلاثة أيام" فلو اعتبر من وقت الحدث لم يمكنه أن يستوعب هذه المدة بالمسح، ولأن الاعتبار في [240 أ/1] اختلاف المدة بالسفر والحضر.
يفعل المسح لا بالحدث، لأنه لو مسح في الحضر، ثم سافر فإنه لا يمسح إلا مسح المقيم، ولو أحدث في الحضر، ثم سافر قبل أن يمسح له أن يمسح ثلاثة أيام، فكذلك اعتبار المدة بالمسح، وهذا غلط، لأن الله تعالى أمر بغسل الرجل، فظاهره أن غسل الرجل واجب بكل حال قام الدليل على جواز المسح من وقت الحدث، وما بعد ذلك على الظاهر، وروي القاسم ابن زكريا المطرز في حديث صفوان بن عسال من الحدث إلى الحدث لأن العبادة يدخل وقتها بالزمان وبمضي الوقت، فإن لم يكن منه فعل العبادة ألا ترى أن في الجمعة جوز الاقتصاد على ركعتين في وقتها، ولو ذهب الوقت زال هذا الحكم كذلك ههنا، ولأن بعد الحدث زمانًا يستباح فيه المسح فكان من وقته كبعد المسح.
وأما الخبر الذي ذكر، وقلنا لم يرد به أنه يستعمل المسح طول هذه المدة؛ لأن بين المستحين مدة محسوبة بالإجماع، كذا قبل المسح الأول.
وأما الدليل الآخر قلنا: لا يمتنع الفرق كما لو شرع في الصلاة ثم جرت السفينة إلى السفر صلى صلاة الحضر، ولو سافر بعد دخول وقت الصلاة ثم افتتح الصلاة صلى صلاة المسافر، ثم إن دخول الوقت بالزمان لا بالفعل كذلك ها هنا.
وأما قول أبي ثور [240 ب/1] وينسب إلى داود فباطل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر المدة ولم يذكر الصلوات.
فإذا تقرر هذا، فالمقيم يصلي بطهارة المسح خمس صلوات في العادة، لأنه إذا أحدث مع الزوال، ثم مسح صلى الخمس، فإذا جاء وقت الزوال من غده انتهت المدة، وقد يصلي ستًا بأن يكون وقت الحدث عبد الزوال بساعة ثم يمسح، ويصلي الظهر والعصر والصلوات بعدها.
فإذا زالت الشمس من غده له أن يصلي الظهر بطهارة المسح، لأن وقت الحدث ماجاء بعد فتكون الصلوات ستًا، وقد يكون سبعًا لعذر المطر، فإن تقدم العصر إلى وقت الظهر في اليوم الثاني فيصليهما معًا قبل وقت الحدث بالأمس، والمسافر يصلي في العادة خمس عشرة، وست عشرة من غير جمع، وعند الجميع سبع عشرة على ما فصلناه.
فرع
لو أحدث، ومسح، وصلى، ثم شك هل كان وقت الحدث مع الزوال إذا دل وقت
العصر.
قال في "الأم" أخذ بالاحتياط فتعتبر المدة من حين الزوال.
وقال المزني في الجامع: تعتبر المدة من وقت العصر، لأن الأصل المسح فلا يزول بالشك، وهذا غلط لأن الأصل وجوب غسل الرجلين والمسح رخصة، فلا تجوز الرخصة بالشك.
فرع آخر
قال في "الأم": لو استيقن أنه مسح [241 أ/1] وصلى ثلاث صلوات وشك هل صلى الرابعة أم لا؟ لم يكن له إلا أن يجعل نفسه كأنه صلى بالمسح الرابعة لا يصلى بمسح مشكوك فيه، وصورته أنه شك هل كان أحدث في وقت الظهر ومسح وصلى الظهر بالمسح، أو لم يحدث وقت الظهر ولم يصل الظهر، وإنما أحدث وقت العصر، ومسح وصلى العصر بالمسح، ونسي فعل الظهر فيلزمه أن يحتسب مدة المسح من وقت الظهر، لا من وقت العصر، ويعيد الظهر احتياطًا، لأن الأصل أنه لم يصل الظهر، والأصل وجوب غسل الرجلين فلا يجوز المسح إلا باليقين.
فإن قيل: إذا كانت صورته هذا فلم قال الشافعي وشك أصلى الرابعة أم لا، وإنما الشك في الصلاة الأولى؟ قلنا: الشافعي: لم يعدها على ترتيب أوقاتها وإنما سماها رابعة من طريق العدد.
مسألة: "فَإِنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ وَصَلَّى بَعْدَ ذِهَابِ وَقْتِ الْمسح أَعَادَ غُسْلَ رِجْلَيْهِ والْصَّلاَةِ".
وهذا كما قال: إذا مضت مدة المسح في حق المقيم أو المسافر انتقض مسحه، فإن كان في الصلاة بطلت صلاته، وإن كان في غير الصلاة أو فيها فنزع خفين فهو كما لو نزع قبل انقضاء المدة، هل عليه استئناف الوضوء؟ قولان على ما نذكره إن شاء الله.
وقال الحسن البصري: له أداء [241 ب/1] الصلاة بالمسح السابق إلى أن يحدث، وقال داود: ليس له أداء الصلاة بالمسح بعد انقضاء المدة ما دامت الرجل في الخف، فإن نزع الخف يجوز أن يصلي حينئذ، وإن لم يغسل الرجلين ما لم يحدث وهذا غلط لخبر صفوان بن
عسال فإنه قال في آخره: لكن من بول، أو غائط، أو نوم، ثم يحدث بعد ذلك وضوءًا، ولأن هذه الطهارة لما انتهت إلى حالة لو أحدث لم يجز أن يبتديها لم يجز استدامتها كما لو وجد المتيمم الماء.
مسألة: قال "وَلَوْ مَسَحَ في الْحَضَرِ يُمَّ سَافَر أَتَّمَ مَسْحَ مُقِيٍم".
وهذا كما قال الكلام الآن فيما لو اجتمع الحضر والسفر، فإذا تطهر فلبس خفيه ثم سافر لا يخلو، إما أن يسافر قبل الحدث أو بعده، فإن سافر قبل الحدث، ثم أحدث في السفر فابتدأ المدة من الحدث فيمسح مسح مسافر ثلاثة أيام من الحدث، وإن سافر
بعد الحدث لا يخلو إما أن يسافر قبل المسح أو بعده، فإن سافر قبل المسح نُظر، فإنه كان قبل فوات وقت الصلاة مثل إن أحدث مع الزوال وسافر قبل خروج وقت الظهر، ثم مسح في السفر مسح مسح مسافر.
وقال المزني.
يمسح مسح مقيم، لأن ابتداء المدة كان في حال الإقامة.
وقال القاضي [242 أ/1] الطبري: لا يوجد هذا عن المزني، وله يدل على خلاف هذا، والدليل عليه أنها عبادة تختلف بالحضر والسفر، فكان كيفية فعلها معتبرًا بحال الفعل لا بابتداء وقتها كالصلاة، وينكسر معناه بهذا، وإن سافر بعد خروج وقت الظهر ثم مسح في السفر، فإنه يصلي الظهر صلاة حضر لأنها صارت قضاء، والمسح يكون مسح مسافر.
وقال أبو إسحاق، والمزني: يمسح، مسح مقيم، لأن خروج وقت الصلاة هو بمنزلة التلبس بفعل الصلاة في وجوب إتمامها، فكذلك في المسح، وهذا غلط لأنه سافر قبل التلبس بالمسح فيمسح مسح المسافر كم لو سافر في الوقت، ويفارق الصلاة لأنها تفوت بانقضاء وقتها ويستقر قضاؤها في الذمة، والقضاء مثل الأداء، والمسح لا يقضي بل كل حال يؤتي به يكون أداء فاعتبر بحال فعله، وإن أحدث في الحضر ومسح، ثم سافر، أتم مسح مقيم يومًا وليلة من الحدث، وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: والثوري: يمسح مسح مسافر، وهذا غلط لأنها عبادة تتغير بالحضر والسفر، فإذا تلبس بها في الحضر، ثم سافر كان الاعتبار بحكم الحضر، كالصلاة [242 ب/1] إذا دخل فيها مقيمًا، ثم سافرت السفينة، وصار مسافرًا يصلي صلاة المقيم، وقال المزني: يبني إحدى المدتين على الأخرى ويقسط ذلك على الزمان، فإن كان مقيمًا فمضى من هذه الإقامة ثلثها من حين الحدث إلى أن سافر فله أن يمسح من السفر يومين ثلثي مدة السفر في مقابلة ما بقي من مدة الحضر، وهو ثلثا يوم وليلة، وهذا غلط لأنه إذا اجتمع السفر والحضر في العبادة، إما أن يغلب حكم الحضر
دون السفر أو السفر دون الحضر، والجمع بينهم محال؛ لأنه يؤدي إلى أن يصلى المسافر ركعة من الظهر، ثم نوى الإقامة فيضيف إليها ركعتيه فيصلي الظهر ثلاثًا وهو خلاف الإجماع، ولو لبس الخفين مسافرًا، ثم أقام يغلب حكم الحضر، ويمسح مسح المقيمين، فإن أقام قبل انتهاء يوم وليلة أكملها، وإن أقام بعد انتهائها بطل حكمه، وبه قال جماعة الفقهاء، وقال المزني: ههنا أيضًا يبني إحدى المدتين على الأخرى، فإن كان قد مضى يوم وليلة، ثم أقام، فقد مضى ثلث مدة السفر، فيضيف إلى هذا اليوم في الحضر ثلثي هذه المدة فيصلي بعد ذلك المسح [243 أ/1] ثلثي يوم وليلة.
فرع
لو سافر، ثم شك ها أنشأ المسح في الحضر أو في السفر أخذنا بالاحتياط، وهو أنه أنشأه في الحضر، فإن ذكر أنه أنشأه في الحضر فقد تحقق ذلك، وإن ذكر أنه أنشأه في السفر كان له إكمالها ثلاثًا من الحدث، وليس هذا كمن شك في صلاته، هل نوى القصر أم لا؟ يلزمه الإتمام، فول زال شكه في الحال لم يجز له إلا الإتمام؛ لأن الصلاة يرتبط بعضها ببعض، فإذا لزمه الإتمام في بعضها لزمه في كلها، والمسحات
بخلاف ذلك، لأنه لو حصلت مسحة بماء نجس أو بغير نية لم تؤثر في غيرها، فإن صلى بعد يوم وليلة، وشكه قائم، فالصلاة باطلة وعليه إعادتها سواء بقي على الشك أو زال، وعرف أنه أن له مسح المسافر، لأنه صلى بالشك فصار كما لو شك في الزوال فصلى الظهر، ثم بان له دخول الوقت حين الصلاة لم يجز.
قال القفال: وعلى هذا الذي ذكرنا، قال الشافعي: المستحاضة إذا توضأت، ثم شكت في انقطاع دمها ليس لها أن تصلي ما لم تتوضأ ولا يقال الأصل أن الدم سائل بل يقال: الأصل أن من أحدث عليه الوضوء إلا أنه جوز لهذه أن تصلي مع الحدث للضرورة، فإذا شكت في زوال الضرورة أو بقائها [243 ب/1] فالأصل عدم الضرورة ووجوب الوضوء، وكذلك قال الشافعي: إذا سافر بنية بلده فدخل بعض البلاد، فلم يدر أنها البلدة التي قصدها أو لا يقصر، لأن الأصل أن الصلاة أربع فلا يجوز دونها إلا بيقين.
فرع آخر
الماسح على الخفين إذا لم يبق من وقت مسحه مقدار ركعتين فافتتح الصلاة ركعتين هل يصح الافتتاح، ثم يبطل عند انقضاء المدة أو لا يصح أصلًا؟ قال والدي - رحمه الله -: فيه وجهان، وفائدة الوجهين أنه لو افتتح الرجل خلفه وفارقه عند انقضاء المدة هل تصح صلاة المأموم؟ وجهان.
مسألة: قال: "وَإِذَا تَوَضَّأَ فَغسَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ ثم أَدْخَلَهَا الْخُف".
الفصل
وهذا كما قال: المسح على الخفين إنما يجوز إذا لبس الخفين على كمال الطهارة، وهو أن يفرغ بين وضوءه ويستبح الصلاة، ثم ابتدأ بلبس الخفين، فإن لبس خفيه قبل غسل رجليه، ثم غسلهما في خفيه لا يجوز المسح، ولذلك لو غسل إحدى رجليه، فأدخلها في الخف، ثم غسل الرجل الأخرى فأدخلها الخف لا يجوز له المسح إذا أحدث، لأنه ابتدأ بلبسه قبل كما الطهارة، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة، والمزني، وابن المنذر [244 أ/1] وداود: يجوز له المسح في كلا الموضعين.
قال المزني: كيف ما صح لبس خفيه على طهر جاز له المسح عندي، وهذا هو الحجة عليه، وعلى أبي حنيفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرخص في المسح لمن تطهر فلبس خفيه، وها هنا تطهر بعد لبس الخفين، أو لبس الخف الأول قبل كمال الطهارة.
فإذا تقرر هذا، فلو نزع الخف الأول الملبوس، ثم لبسه ثانيًا جاز له المسح عند الشافعي؛ لأن الثانية صارت أولى بعد كمال الطهارة، وقال ابن سريج: إذا نزع الأول يلزمه نزع الثاني كما لو لبسا على الطهارة وأحدث ثم نزع أحدهما يلزمه نزع الآخر وبه قال أحمد وهذا غلط كما ذكرناه ومثاله ما نقول في المحرم إذا اصطاد
صيدًا، فإنه يؤمر بإرساله لحرمة إحرامه، فلو لم يرسل حتى حل من إحرامه فالأمر بالإرسال باق أخذه في وقت لم يكن له أخذه فيه، فإن أرسله، ثم أخذه في الحال حل له حينئذ؛ لأن هذا أخذ جديد بعد الإرسال والإحلال، فكذلك ها هنا إذا نزع الأول ثم لبسه بعد حصول غسل الرجل فهذا اللبس حصل منه على كمال الطهارة، وفي الأول كان قبل إكمال الطهارة [244 ب/1] فلا يحتاج إلى نزع الثاني وجاز له المسح.
مسألة: قال: "وَإِنْ تَخَرَّقَ مِنْ مُقَدَّمِ الْخُفَّ شَيْءٌ بَانَ مِنْهُ الْرَّجُلٍ، وَإٍنْ قَلَّ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَمْسَحَ".
وهذا كما قال.
الكلام الآن في صفة الخف الذي يجوز المسح عليه، وهو الذي يواري به قدميه، وقوله: مقدم الخف، أراد به موضع القدم، ولم يرد به المقدم الذي هو ضد المؤخر، فإن تخرق منه شيء نُظر، فإن كان مقابلًا لمحل الفرض.
قال في "الجديد": لا يجوز المسح قليلًا كان الخرق أو كبيرًا من موضع أو من غيره، وبه قال أحمد،
والحسن بن صالح، وقال في "القديم": يجوز المسح عليه إذا أمكن متابعة المشي فيه، وبه قال الأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود.
وقال مالك: إن كثر الخرق وتفاحشه لم يجز وإلا جاز، وبه قال الليث: وقيل: هو قول الشافعي في "القديم" وهو قريب مما تقدم.
وحكي عن مالك والقديم أنه يجوز إن كان يقع عليه اسم الخف، ويروي هذا عن الأوزاعي، وأبي ثور أيضًا، وقال أبو حنيفة: إن كان الخرق قدر ثلاث أصابع إذا كثر لا يجوز المسح وإلا فيجوز.
قال أبو يوسف قال أبو حنيفة: لأن الثلاث هي أكثر الأصابع [245 أ/1] وهذا كله غلط؟ لأنه خف غير ساتر لجميع القدم فلم يجز المسح عليه، كما لو زاد على ثلاث أصابع، فإن قيل: اسم الخف يقع عليه ورود الشرع لجواز المسح على الخف.
قيل: أراد به خفًا يستر جميع القدم، بدليل أنه لو زاد على ثلاث أصابع لا يجوز، وإن كان يسمى خفًا.
فرع
لو انفق منه شيء غير مقابل لمحل الفرض، مثل إن قابل الساق أو ما جاوز الكعبين لم يمنع المسح، وإن قطع الخف من فوق الكعبين نُظر، فإن كان واسعًا شاهد الكعبان لم يجز، وإن كان ضيقًا لا يشاهد لضيقه أو كان واسعًا فشده جاز المسح، ولو كان يظهر القدم لمن نظر في الساق لسعة الساق من الأعلى.
قال القفال: لا يضره ويجوز المسح، كما لو بدا من عورته شيء كخرق في قميصه، فإنه لا تجوز الصلاة، ولكن لو صلى على طرف سطحه بحيث لو نظر ناظر من تحته رأي عورته تجوز صلاته، لأنه لا يجب عليه ستر عورته من الأرض.
فرع
لو كان في الخف خرق وفيه جورب يواري القدم لم يجز المسح؛ لأن الخف ليس هو بجورب، ولولا الجورب بدا رجله نص عليه في "الأم".
فرع آخر
قال: لو انفتقت ظهارة الخف وبطانته صحيحة لا يرى [245 ب/1] منها قدمه جاز المسح له، لأن هذا خف كله.
وقال بعض أصحابنا: أراد به إذا كانت البطانة صفيقة، مثل أن يكون جلدًا أو خرقًا ألصق بعضها ببعض، فأما إن كانت البطانة رقيقة لا يمكن متابعة المشي عليها لا يجوز المسح عليه.
وقال القاضي الطبري: هذا خلاف نص الشافعي وما يوجب تعليله، ولهذا لو كان الخف طباقًا واحدًا فتشقق ظاهره ولم ينفذ فإنه يجوز المسح عليه ويخالف اللفافة، لأنها منفردة عنه، وقال الشافعي بعد هذا: "وكذلك كل شيء ألصق بالخف فهو منه".
مسألة: قال: "وَلاَ يَمْسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْنِ إَلاَّ أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبانِ مُجَلَّدَتِي الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ".
وهذا كما قال ساتر الرجل يحتاج إلى ثلاثة شرائط ليجوز المسح عليه: أحدهما: أن يكون ساترًا لجميع القدم إلى ما فوق الكعبين.
والثاني: أن يكون صفيقًا لا يشف الماء لصلابته وصفاقته حين يصب عليه بل يرد الماء.
والثالث: أن يمكن متابعة المشي عليه في الحوائج ولا يشترط أن يمكن مشي الفراسخ عليه، ولا يعتبر بمن في رجله علة تمنعه من ذلك.
فإن تقرر هذا ينظر في الجوربين، فإن كان رقيقين غير مجلدين ولا منعلين لم يجز [246 أ/1] المسح عليهما، وقال أحمد وإسحاق: يجوز المسح إذا كان صفيقًا، وبه قال عمر، وعلي - رضي الله عنهما - وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد، وداود، واحتجوا بما روي هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم بال وتوضأ ومسح على الجوربين والنعلين.
وروي أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح الجوربين، وروي أنس أنه مسح على قلنسوته وعلى جوربيه.
وهذا غلط؛ لأنه لا يمكن متابعة المشي عليه، فلا يجوز المسح عليه كالخرقة الملفوفة على الرجل.
وأما خبر الغيرة قلنا: طعن فيه عبد الرحمن بن مهدي، وقال: المعروف عن الغيرة المسح على الخفين ثم نحمله على النعل، ولأنه ذكر فيه النعلين ولا يقولون به، وأما خبر أبي موسى قال أبو داود: ليس بالقوي ونحمله على ما ذكرنا، وإن كانا مجلدي القدمين إلى فوق الكعبين منعلين من أسفل يجوز المسح عليهما قولًا واحدًا، وإن كانا غير مجلدين، ولكنهما صفيقان ظاهر ما نقل المزني أنه لا يجوز
المسح عليهما.
وقال في "الأم": ونقله الربيع: إنه يجوز إذا كان أعلاهما صفيقًا لا يشف [246 ب/1] لأنه لا يصل تلك المسح عليه لصفاقته، ويمكنه متابعة المشي عليه، فمن أصحابنا من قال فيه قولان،
والصحيح أنه يجوز المسح عليه قولًا واحدًا، والاعتبار بأن يكون صفيقًا منعلًا، وبينه الشافعي في "الأم" صريحًا، وأراد به المزني: الجور بين المعتادين وهو أن يكونا رقيقين، وإن كان مجلدين غير منعلين.
قال القفال: إن كانا تجليدًا غليظًا يمكن متابعة المشي عليه وإلا فلا، وقال الإمام أبو محمد الجويني: لا يختلف المذهب في المنع من ذلك حتى يكونا منعلين فظاهر لفظ المزني يوهم أنه يجوز، وإن لم يكونا منعلين ولكنه استدرك هذا بآخر كلامه حين قال: حتى يقوما مقام الخفين.
وهو ظاهر ما ذكره أهل العراق، وعلى هذا لو كان الجورب متخذًا من السختيان كجورب الصوفية إن كانا ملصقًا بالنعلين ينزعه بنزعهما يجوز وإلا فلا يجوز، الأمر عندي على ما ذكره القفال - رحمه الله - ولعل غيره شرط أن يكون منعلًا لإمكان متابعة المشي عليه، وهذا يؤخذ على ما صوره فليس فيه خلاف في الحقيقة.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز المسح على الجوربين أصلًا، وهذا غلط لأنه في معنى الخف على [247 أ/1] ما ذكرنا، وحكي عن بعض العلماء أنه لا يجوز المسح على الخفين إذا لم يكن له ساق وهو غلط أيضًا كما ذكرناه.
فرع
لو لبس خفًا بشرج وهو الذي يكون قدمه كقدم الخف وما علامته جلود قال في "الأم": إن كان الشرج فوق الكعبين جاز المسح عليه سواء شرحه أو لم يشرحه، لأن عدمه لا يمنع المسح فوجوده مشترطًا أولى أن لا يمنه، وإن كان الشرج على موضع الغسل.
قال الشافعي: فإن كان فيه خلل يرى شيء من القدم أو من اللفافة فلا يجوز المسح عليه، وإن لم يكن فيه خلل فإنه يجوز المسح عليه، لأنه إذا مشي أو تحرك انفرج وظهرت اللفافة.
فرع آخر
لو كان له شرج يفتح ويغلق فمسح عليه، وهو مغلق، ثم فتحه بطل المسح، وإن لم يبن شيء من اللفافة؛ لأنه إن لم يبن في الحال، فإذا مشى بان منه ذلك،
مسألة: قال: "وَمَا لَبِسَ مِنْ خُفِّ خَشَبِّ ومَا قَامَ مَقَامَهُ أَجْزَأَهُ".
وهذا كما قال.
السنة وإن قدرت في الخف المعتاد فغيره مقيس عليه، فإذا لبس خفًا من خشب رقيق يمكن متابعة المشي عليه لغلظه ثم يجزأ، إذ لا فرق بين أن لا يمكن متابعة
المشي عليه لرقته ولغلظه، وكذلك الخف من اللبد أو الخرق، إذا كان منعلًا
وأعلاه صفيقًا يجوز المسح [247 ب/1] عليه، وإلا فلا يجوز، لأنه يكون جوربًا، وقال القفال: أكثر يتقرر خف الخشب المقطوع، فإن كان مقطوعًا من فوق الكعبين لا فرص عليه، فلو لبس في رجله الآخر خفًا، ومسح عليه جاز، وإن كان بعض موضع الفرص باقيًا فلبس خف خشب ما ذكرناه، وفي الرجل الأخرى خف أدم يجوز المسح عليهما، وإن لم يلبس في المقطوعة شيئًا لم يجز، ولو كان الخف المتخذ من الخشب محدد الأسفل كما يكون في الغالب خف الأقطع لا يجوز المسح عليه، أو لا يمكن كل لابس متابعة المشي عليه، فلا يسمى باسم الخف.
وقال القفال: إن كان خفه من زجاج فإنه يجوز المسح عليه، وإن بدا منه لون الرجل وليس هو كمن ستر عورته بزجاج وظهر من تحته لون العورة لم تجز صلاته؛ لأن القصد منه ستر العورة عن أعين الناظرين، والقصد من الخف اللبس، وقد حصل، وعندي أنه أراد أن يكون الزجاج في غير أسفل القدم حتى يمكن متابعة المشي عليه، فإنه إذا كان في أسفل القدم، وإن كان في الجلد يخاف من متابعة المشي على الغالب في التردد في حوائجه انكساره وجراحة الرجل به، ولا يوجد فيه معنى الخف، ورأيت بعض أصحاب [248 أ/1] أبي حنيفة ينسب هذا إلى الشافعي ويشنع به على المذهب، وهو يرتفع بما ذكرت إن صح عنه هذا اللفظ ولا يصح عنه ذلك، وأطلق سائر أصحابنا، وقالوا: لا يجوز المسح على الخف من حديد أو زجاج، وهو صحيح على ما ذكرنا أنه لا يمكن متابعة المشي عليه إذا كان كله من حديد أو زجاج.
فرع
لو لبس خفًا صفيقًا لا يمكنه متابعة المشي معه، فالمذهب أنه يجوز المسح عليه، لأن الخف صالح للمسح عليه في خف صغير القدم، وإنما منعه من المشي كبر رجله.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز المسح عليه؛ لأن المشقة هناك هي في ترك النزع لا في النزع، وهو جوز للرفق ولا رفق هنا، وهذا أقيس وأصح عندي.
مسألة: قال: "وَلاَ يَمْسَحُ عَلَى خُرْمُوقَيْنِ".
الفصل
وهذا كما قال الجرموق هو شيء عل مثال الخف كبير يلبس في البلدان الباردة من
شدة البرد فوق الخف، فإذا لبسه على الخف أو لبس خفًا على خف، فإن كان السفلاني.
متخرقًا جاز المسح على الفوقاني، وصار السفلاني كاللفافة، وإن كان الفوقاني متخرقًا، أو لم يكن منعلًا بحيث يجوز المسح عليه لو انفرد لا يجوز المسح عليه قولًا واحدًا، وصار الفوقاني كاللفافة على الخف، وإن كانا صحيحين بحيث يجوز المسح على كل [248 ب/1] واحد منهما على الانفراد ففيه قولان، قال في "الجديد":
لا يمسح عليهما، وبه قال مالك في رواية، ووجهه أنه لا يخلو هذا الفوقاني إما أن يكون بدلًا عن الرجل، أو عن التحتاني لا يجوز أن يكون بدلًا عن التحتاني؛ لأن البدل لا يكون له بدل في الطهارة كالتيمم وليس هو ببدل عن الرجل؛ لأنه لو كان بدلًا عن الرجل لكان إذا نزعه لا يبطل المسح؛ لأن الرجل لم تطهر.
وقال في "القديم" و"الإملاء": يمسح عليهما.
وهكذا لو لبس خفًا ثالثًا على الثاني مسح على الثالث، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق واختاره المزني، وروي ذلك عن مالك، ووجهه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الموق وهو الجرموق، ومن قال بالأول أجاب عن هذا فإن الموق هو الخف، ولكن ساقه إلى القصر، واحتج المزني بأن في الجرموق مرفقًا.
قلنا: هو مرفق نادر غير عام فلا حكم له كالقفازين والقلنسوة، فإذا قلنا: لا يجوز المسح عليه قال في "الأم": عليه أن يطرح الجرموقين ثم يمسح على الخفين.
وظاهره أنه إذا أدخل يده في جوف الجرموق ومسح على الخف السفلاني لا يجوز وليس هذا كما لو أدخل يده [249 أ/1] فضعف أمره فلم يجز المسح عليه مع استتاره، واختص بأكمل صفات المسح هكذا ذكره أبو حامد.
وقال القاضي الطبري: هذا غلط قبيح، والمذهب أنه يجوز لأنه أوصل الطهور إلى محله، فصار كما لو غسل الرجلين في وسط الخفين الواسعين يجوز، والذي قال في "الأم" محمول على الغالب من الجرموق، فإنه لا يتأتى المسح على ما تحتهما من الخف إلا بطرحهما، وهذا هو الصحيح الذي لا يخل أن يقال غيره، والفرق الذي ذكره لا معنى له في تأثير المسح.
وإذا قلنا: يجوز المسح فهل له أن يمسح على الخفين بأن يدخل يده ويمسح عليهما.
قال القاضي الطبري: يحتمل وجهين.
أحدهما: لا يجوز لأنه إذا جاز المسح على الظاهر لم يجز له أن يمسح على الباطن، كما لو أدخل يده في الخف، ومسح على ظاهر الجلد الذي يلي رجله لا يجوز.
والثاني: يجوز لأن كل واحد منهما هو محل للمسح، بدليل أنه لو نزع الفوقاني جاز له أن يمسح على التحتاني، فجاز له المسح على كل واحد منهما،
وهذا الوجه أصح، ويفارق هذا إذا مسح على ظهر الجلد؛ لأن المأخوذ عليه أن يمسح على ما جرى مجرى القدم في الطهور وناب عنه، ولا يوجد هذا المعنى في [249 ب/1] ظهر الجلد بخلاف مسألتنا، فإن الخف التحتاني جار مجرى القدم في الظهور وإنما ستره غيره، فجرى ذلك مجرى غسل الرجلين في الخف، فإذا تقرر هذا فاعلم أن ابن سريج قال: على أي معنى يجوز المسح على الجرموقين؟ ذكر أصحابنا ثلاث معان: أحدهما: وهو قول أبي حنيفة إلا على بدل عن الأسفل، والأسفل بدل عن الرجل.
والثاني: أن الأسفل كاللفافة والثالث: أن الأعلى مع الأسفل كالبطانة مع الطهارة، وعلى هذه المعاني مسائل منها: إذا مسح على
الجرموقين ثم نزعهما، فإن قلنا بالمعنى الأول وقلنا: فيمن نزع خفيه بعد المسح بغسل قدميه فقط يمسح على الأسفل ويجوز، وإن قلنا هناك أنه يستأنف الوضوء فههنا يستأنف الوضوء ويمسح على الأسفل.
وقال القاضي الطبري: المسح على الجرموقين لا يجوز إلا على القول القديم وفي القديم إذا نزع الخفين يُجدد الوضوء فإذا نزع الجرموق يلزمه أن يجدد ويمسح على الخفين، وفي قوله الجديد: لا يجوز المسح على الجرموقين، فإذا خلعهما بعد المسح يمسح على الخفين، ولا يصح البناء على القولين.
وإن قلنا بالمعنى الثاني يلزمه نزع الأسفل أيضًا، ثم فيه [250 أ/1] قولان: أحدهما: يغسل الرجلين والثاني: يعيد الوضوء.
وإن قلنا بالمعنى الثالث: لا يلزمه شيء، كما لو نشر موضعًا من خفه أو جميع خفه ونفى ما يمكنه متابعة المشي عليه جاز.
والمسألة الثانية: لو نزع أحد الجرموقين، فإن قلنا بالمعنى الأول يلزمه نزع الآخر، ثم مسح الأسفل أو يستأنف الوضوء، وإن قلنا بالمعنى الثاني يلزمه نزع الكل، وغسل الرجلين أو استئناف الوضوء، وإن قلنا بالمعنى الثالث فلا يلزمه شيء وبه قال زفر.
والمسألة الثالثة: لو أراد في الابتداء أن يلبس أحد الخفين وأحد الجرموقين ويمسح عليه، وعلى الخف، فإن قلنا بالمعنى الأول أو الثاني لا يجوز، وإن قلنا بالمعنى الثالث يجوز كما لو كان أحد خفيه أغلظ من الآخر.
والمسألة الرابعة: لو لبس الخفين ثم أحدث وتوضأ ومسح عليهما، ثم مسح الجرموقين، فإن جعلناه بدل البدل جاز له أن يمسح عليهما إذا أحدث، وكذلك إن قلنا بالمعنى الثالث لمن أحدث ثم رفع خفه برقعة له المسح على الرقعة، وإن قلنا بالمعنى الثاني لا يجوز ذلك.
وقال القاضي الطبري: قال الداركي: الذي عندي أن لا يمسح لأن طهارة المسح ناقصة.
ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهًا آخر [250 ب/1] أنه يجوز؛ لأن المستحاضة تمسح على الخفين فوضوءها وطهارة الماسح هي آكد من طهارة المستحاضة، والصحيح ما قاله الدراكي؛ لأن مدة المسح لا تخلو إما أن تعتبر من حين الحدث الذي كان قبل لبس الجرموق، أو من الحدث الذي بعد لبسهما، فإن كان يعتبر من الثاني يؤدي إلى أن يستبيح أكثر من مدته، وإن كان من الأول لا يجوز؛ لأن أول المدة لا يجوز أن يكون سابقًا للبس الخف الذي يمسح عليه، فإذا أبطل القسمان بطل جواز المسح عليهما، وهذه العلة أولى مما ذكره الداركي، فإن قيل: يعتبر من الحدث الأول وتكون مدة المسح على الجرموقين مبنية على مدة المسح على الخفين قبل المسح على الجرموقين ليس ببدل عن المسح على الخفين على هذا القول، ولا نائب منابه، وإنما هو بدل عن الغسل، ونائب عنه فلا يجوز اعتباره بغيره، ولا بناء مدة المسح عليه على
مدة المسح على غيره.
وقيل: هذا بناء على القولين أن المسح على الخفين هل يرفع الحدث عن الرجلين، فإن قلنا يرفع فيجوز وإلا فلا يجوز، ولأنه ليس على حدث.
والمسالة الخامسة: لو أحدث ولم يمسح على الخف حتى لبس الجرموق، فأراد أن يمسح [251 أ/1] عليه.
قال القفال: فإن قلنا بالمعنى الأول والثاني: لا يجوز، لأن من يجوز المسح أيضًا، وإن قلنا بالمعنى الثالث يجوز لأن من لبس خفًا ثم أحدث ثم رقع الخف يجوز له المسح عليه، وقال غيره: لا يجوز المسح عليه بحاًل قولًا واحدًا، لأنه لبسه على حدث، وهو الصحيح ولو تطهر ولبس الخف، ثم لبس الجرموق على طهر يجوز المسح قولًا واحدًا.
فرع
لو لبس خفًا على الجبائر فهو كالجرموق على الخف، ولا يجيء على المذهب غيره ذكره أهل العراق.
فرع آخر
لو تيمم عند عدم الماء ولبس الخفين بعد كمال التيمم، ثم رأي الماء بطل تيمهه، وعليه الطهارة، وغسل الرجلين ولا يجوز له المسح على الخفين؛ لأنهما طهارة ضرورة فزالت بزوالها.
وبه قال عامة أصحابنا، وقال ابن سريج في زيادة الطهارة إذا تيمم للظهر بعد دخول وقتها ولبس الخف، ثم وجد الماء قبل أن يصلي الظهر ثم توضأ ومسح على الخفين، وصلى الظهر والنوافل، قال: ولو صلى الظهر ثم وجد الماء توضأ ومسح على
الخفين، وصلى ما شاء من النوافل والأول أصح [251 ب/1].
قال القفال: وكذا الوجهان فيمن ببعض أعضائه جراحة يغسل الصحيح ويتيمم للجريح ولبس الخف، ثم أحدث فأراد المسح على الخفين للفريضة الأولى التي تيمم لها، هل يجوز أم لا؟ فأما من توضأ وتيمم ولبس الخف، ثم برأ جراحه، ولزمه غسله فغسله، ثم أحدث فلا يمسح على الخف إذا توضأ وجهًا واحدًا؛ لأنه لما برأ جراحه بكمال طهارته بغسل الموضع الذي برأ فيحصل لابسًا للخف قبل كمال الطهارة.
فرع آخر
لو تطهرت المستحاضة ولبست الخفين، ثم أحدثت حدث الغائط والبول توضأت ومسحت على الخفين، وصلت الفريضة الواحدة، وما شاءت من النوافل، وإن كانت صلت الفرض، ثم أحدثت حدث الغائط والبول توضأت ومسحت على الخفين وصلت ما شاءت من النوافل، فإن أرادت أن تقضي فائته أو دخل عليها وقت فريضة أخرى يلزمها نزع الخفين وغسل الرجلين.
والنكتة في ذلك هو أن المستحاضة استباحت بوضوئها فريضة واحدة وما شاءت من النوافل، فجاز لها أن تمسح على الخفين إذا أحدثت للصلاة التي استباحها بوضوءها الذي لبست عليه الخفين.
وأما الصلاة التي لم
تستبح بوضوءها لم يجز لها أن تصليها بالمسح [252 أ/1] على الخفين.
وقال القفال: فيه وجهان أحدها: هذا، والثاني: ليس لها أن تمسح على الخفين أصلًا؛ لأن جواز صلاتها مع الحدث الدائم رخصة جوزت للضرورة، ولا حاجة إلى تجوير مسح الخف في خفها، والرخصة في مسح الخف، وردت لمن كملت طهارته لا لمن نقصت طهارته، والأول أصح.
وقال زفر: لها أن تمسح على الخفين يومًا وليلة؛ لأنها لبست الخف طاهرة، وهذا غلط كما ذكرنا.
فرع آخر
لو انقطع دمها قبل أن تصلي أو بعد ما صلت الفريضة عليها نزع الخفين واستأنف الوضوء بغسل الرجلين، وهذا هو الدليل على بطلان قول ابن سريج؛ لأنه جوز للمتيمم أن يمسح على الخفين إذا وجد الماء، ولم يجوز ذلك للمستحاضة إذا انقطع دمها، فإن قيل: الفرق أن طهارتها تتبعض من أصلها بانقطاع دمها ويتبين أن وضوءها لم يكن صحيحًا بخلاف المتيمم إذا وجد الماء، فإن التيمم يبطل في الحال قبل انقطاع دم المستحاضة يوجب بطلان وضوءها في الحال، ولا يتبين به بطلانه من أصله فلا يسلم، فإن قيل: انقطاع دم المستحاضة في الصلاة تبطل صلاتها فجاز أن يمنع انقطاع الدم المسح على الخفين دون وجود [252 ب/1] الماء للمتيمم.
قيل: إنما افترقا في الصلاة لأن وجود الماء مع الحائل
لا يمنع الصلاة, والصلاة حائل بخلاف انقطاع الدم، وههنا الانقطاع، ورؤية الماء سواء في بطلان الطهارة التي لبس الخف عليها فيجب أن يستوى هذا الحكم فيهما.
فرع
لو مسح على الخفين، ثم أخرج قدميه أو أحدهما من قدم الخف إلى الساق لم يبطل المسح، نص عليه في "الأم" في باب ما ينقض مسح الخفين.
ويستحب أن يبتدئ الوضوء، ولو غسل رجليه فأدخلهما الخف، ثم أحدث قبل أن يستقر القدم في قدم الخف، لم يجز له المسح، والفرق أن الاستدامة هي أكد من الابتداء، كما يقول في العدة والإحرام يمنعان ابتداء النكاح ولا يمنعان استدامته، ولأن الأصل في المسألة الأولى استباحة المسح، فلا يزول حكمه إلا بالنزع التام والأصل في المسألة الثانية أن لا يستباح المسح، فلا يستباح إلا باللبس التام، وهذا اختيار أبي حامد، وذكر صاحب "الإفصاح": أن الشافعي ذكره في "القديم" ولم يحك عن الجديد شيئًا، وبه قال الأوزاعي.
وقال القاضي أبو حامد في جامعه: إذا أخرج قدميه من الخف أو أزالهما عن موضعهما مخرجًا [253 أ/1] لهما حتى صارتا غير مستقرين في قدم الخف، وصار
إلى حال لو لم يكن ساق الخف طويلًا رئي بعض ما عليه الوضوء، أو فعل ذلك بإحدى رجليه، وبطل المسح، وقال القاضي الطبري: هذا هو الصحيح عندي، وما قاله في "الأم" محتمل للتأويل؛ لأنه قال فيه: "أحببت أن يبتدئ الوضوء" ولا يبين أن ذلك عليه وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وهذا لأن استقرار الرجل في الخف هو شرط في جواز المسح، فإذا تغير بطل المسح كاستئثار الرجل في الخف لما كان شرطًا إذا ظهر بطل.
فرع
قال في "البويطي": ينزع الخف لغسل الجمعة والعيدين والإحرام، وسائر الغسلات، وإذا حضرت المرأة الجمعة اغتسلت ونزعت خفيها، وتنزع لغسل العيدين حضرت أو لم تحضر، ولسائر غسلاتها.
وجملته أن في الغسل لا يجوز المسح على الخفين، والرجال، والنساء في ذلك سواء.
فرع آخر
لا يجوز المسح على خف من جلد الكلب والخنزير وجلد ميتة إلا أن يكون مدبوغًا، ولو دميت القدمان في الخفين أو وصلت إليهما نجاسة يجب خلع الخفين [253 ب/1]
وغسل القدمين نص عليه في "الأم": ولو غصب خفًا أو سرقه فلبسه، قال عامة أصحابنا: يجوز المسح عليه، وقال ابن القاضي في "التلخيص" لا يجوز، وهو قول داود؛ لأن اللبس معصية والمسح رخصة ولا تستباح الرخصة بالمعصية، وهذا غلط؛ لأن المعصية لا تتعلق باللبس بل تتعلق بالغصب، فأشبه الذبح بسكين مغصوب والتوضاء بماء مغصوب، فإن قيل: يقضى باللبس أكثر من الإمساك لأنه استعمال فالمعصية تختص باللبس، ولأنه إنما يجوز المسح لمشقة النزع، وهذا عاص بترك النزع فلا ينبغي أن يعذر فيه، قلنا: وإذا توضأ بالماء المغصوب فقد استعمل أيضًا، وزاد في التعدي فينبغي أن لا يجوز.
وأما المشقة فحاصله في تكليف غسل الرجلين، وهو عاص بأصل الغصب ويؤمر بترك الغصب ولا يختص ذلك بالنزع وتركه.
فرع آخر
لو لبس خفًا من ذهب، هل يجوز المسح عليه؟ قال: فيه وجهان كما في المغصوب.
مسألة: قال: "وَلَوْ نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ مَسْحِهمَا غَسَلَ قَدَمَيْهِ، وقال في "القديم" وكتاب أبي ليلى يَتَوَضَّأُ".
وهذا كما قال: إذا نزع خفيه بعد المسح هل يلزمه غسل الرجلين فقط أو يلزمه استئناف الوضوء؟ قال في "الأم" [254 أ/1] و "القديم": يستأنف الوضوء.
ورواه
المزني عن كتاب ابن أبي ليلى، وقيل: لم يقطع به في كتاب ابن أبي ليلى بل ذكر فيه قولين، وإنما قطع به في "القديم" فالمزني أخل بالنقل.
وقال في "البويطي"، وحرملة: أحببت أن يبتدئ الوضوء من أوله، فإن لم يفعل وغسل رجليه أجزأه، وهذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور واختاره المزني، وبالقول الآخر.
قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك والليث بن سعد: إن تطاولت المدة يلزمه الاستئناف، وإن غسل قدميه وجب النزع جريًا على أصلها في وجوب الموالاة، ثم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هذا مبني على جواز تفريق الوضوء، والذي قال في "الأم" وكتاب ابن أبي ليلى أنه يتوضأ، أراد استحبابًا؛ لأن مذهبه في هذين الكتابين جواز التفريق، وبين أصحابنا هذا غير مبني على هذا، لأن الشافعي أمر بالوضوء في "الأم" ونص فيه على جواز تفريق الوضوء، وإنما فيه القولان سواء مسح على الخف، ونزع في الحال، أو نزع بعد لمدة وتفريق الوضوء إذا كان قليلًا لا يضر، ولأنه تفريق بعذر فلا يبطل الوضوء قولًا واحدًا، فصح أنهما قولان بأنفسهما
ومعناهما [254 ب/1] أن الحدث ارتفع عن الرجل بالمسح أولًا، فإن قلنا: لم يرتفع لم يلزمه عند نزع الخف ألا يتيمم الوضوء الأول بغسل الرجلين، وإن قلنا: ارتفع فلما نزع الخف انتقض الطهر في الرجلين، وانتقاض الطهر لا يتبعض كما لو أحدث فبطل في الكل، ووجه قول من قال: يرفع الحدث عن الرجل أنه مسح بالماء، فرفع الحدث كمسح الرأس، ولأنه يجوز الجمع بين فريضتين، وبه فيرفع الحدث، ووجه قولنا لا يرفع الحدث أنه يبطل حكمه بظهور الأصل فلا يرفع الحدث كالتيمم، وقيل: البناء على هذين المعنيين لا يصح أيضًا؛ لأن مسح الخفين، وإن لم يرفع الحدث عن الرجلين منذ كملت به الطهارة، فإذا بطل فقد انتقص بعضها وجرى ذلك مجرى انتقاضها في الكل لأنها لا تتبعض منهما قولان بأنفسهما من غير البناء على هذين المعنيين، ووجه قولنا يلزمه الوضوء ما ذكرنا، ووجه قولنا: يكفيه غسل الرجلين ما قال المزني مسح الخفين باب غسل الرجلين خاصة فظهورهما يبطل النائب دون غيره كما يبطل التيمم برؤية الماء، ويجب ما ناب عنه التيمم، فإن قيل: أليس المقيم يستوعب الأعضاء عند وجود الماء الذي هو الأصل، [255 أ/1] فكذلك الماسح إذا نزع الخف وجب أن يستوعبها.
قلنا: لأن التيمم ناب عن كلها بخلاف المسح فإنه ناب عن الرجلين فقط فافترقا.
فرع
لو نزع الخف وأخر غسل الرجلين طويلًا، فإذا قلنا: إذا لم يؤخر استأنف الوضوء فههنا أولى، وإن قلنا: لا يستأنف ويكفيه غسل الرجلين فيه قولان للتفريق الحاصل، وهذا لأن التراخي الذي وقع من ساعة المسح إلى ساعة النزع كان معذور، وكان المسح فيه نائبًا عن الغسل، فكأنه لم يفرق، وبعد النزع ذهب حكم المسح فتأخير غسل الرجلين يكون تفريقًا بغير عذر فيكون فيه قولان.
باب كيفية المسح على الخفين
قال: أخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي يَحْيَي... وذكر الخبر.
وهذا كما قال.
قال: السنة في المسح على الخفين هي أن يمسح أعلى الخف وأسفله، وبه قال ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، وابن المبارك، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: السنة مسح الظاهر دون الباطن.
وبه قال أنس، وجابر والشعبي،
والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وداود.
واحتجوا بما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى [255 ب/1] بالمسح من ظاهره، لكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهره".
وهذا غلط؛ لما روي عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أنه قال: وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله، وخبرهم محمول على الجواز، ويرجح بالقياس، وهو أنه محل يجازي محل الفرض، فأشبه الظاهر.
فإذا تقرر هذا فيكفيه ذلك أن يضع يده اليسرى تحت عقب الخف، واليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمرر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف أصابعه، وإنما يفعل ذلك لأنه أمكن وأسهل، ولأن اليد اليسرى للمباشرة الأذى، وأسفل الخف محل القذرات واليمني بعد ذلك.
ولهذا قلنا: إذا أخذ الماء لمنخريه وأدخل فيهما بيمينه ينثره بيساره، وأما من تحت الخف ويدًا من فوقه، ثم يمسح مسحة واحدة تبلغ يده حد الوضوء.
وقال القاضي أبو حامد: نص الشافعي في مختصر الطهارة أن يمسح على العقب فقد قيل: يمسح عليه قولًا واحدًا.
والذي نقله المزني: يحتمل أنه يريد به أنه يضع يده اليسرى تحت عقب الخف، فتكون بقية راحته على [256 أ/1] عقبه.
وقيل قولان: أحدهما: يمسح عليه لأنه يحاذي محل الفرق والثاني: لا يمسح عليه لأنه موضع صقيل ويفسد ذلك بالمسح، وفي إيصاله إلى العصون التي فيه مشقة والأول أصح.
فرع
لو كان على باطن الخف نجاسة فدلكه بالأرض، وقلنا: تجوز الصلاة فيه بالدللك في أحد القولين لا يمسح عليه، لأنه إذا مسح عليه زاد التلويث، فيلزمه حينئذ غسل اليد وغسل باطن الخف.
مسألة: قال: "وَإِنْ مَسَحَ عَلَى بَاطِنَ الْخُفَّ وَتَرَكَ الْظَّاهِرَ أَعَاد، وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْظَّاهِرِ وَتَرَكَ الْبَاطِنَ أَجُزَأَهُ".
وهذا كما قال.
لا يجوز الاقتصار بالمسح على باطن الخف، هكذا نقله المزني وقال أبو إسحاق: يجزيه، والذي نقله المزني لا نعرفه للشافعي، وهذا لأنه موضع من الخف محاذي محل الفرض كالظاهر، وقال ابن سريج: لا يجوز كما ذكره المزني، ولا خلاف فيه بين المسلمين، وقول أبي إسحاق: إنه لا يعرف ذلك للشافعي غلط؛ لأنه نص في "مختصر البويطي" في آخر باب المسح على الخفين على أنه لا يجوز، فقال: "وإن مسح أسفله ولم يمسح أعلاه أعاد كل صلاة صلاها بهذا المسح".
ونص عليه في الإملاء أيضًا، وهذا هو الصحيح؛ لأنه موضع من [256 ب/1] الخف لا يرى غالبًا، فلا يجوز الاقتصار بالمسح عليه، لأنه لا يمتنع أن يكون البدل في موضع محل الفعل، كالتيمم لا يجوز إلا في الوجه واليدين خاصة.
وقال القفال: فيه قولان، والأقيس جوازه، وإن كان ظاهر المذهب أنه لا يجوز، وفي هذا نظر.
فرع
لو أدخل يده في ساق الخف ومسح على الداخل لم يجز بلا خلاف، وأبو إسحاق أول قول المزني بهذا، ولو اقتصر بالمسح على أعلاه بلا خلاف أنه يجوز.
فرع آخر
لو اقتصر على مسح العقب، فإن قلنا: إنه سنة أجزأه، وإن قلنا: لا يسن، فيه وجهان: أحدهما: يجوز كالساق.
والثاني: يجوز، لأنه يقابل محل الفرض، وقيل: وجه واحد أنه يجوز؛ لأنه موضع من الخف يحازي محل الفرض يرى غالبًا، فوجد فيه علة أبي إسحاق، وعلة ابن سريج.
مسألة: قال: " وَكَيْفَ مَا أَتَى بِالْمَسْحِ عَلَى طُهْرِ الْقَدَمِ بِكُلَّ الْيَدِ أَوْ بِبَعْضِهَا أَجْزَأَهُ".
وهذا كما قال: عندنا المفروض منه ما يقع عليه الاسم قل أو كثر، وبأي شيء مسحه به من يد أو خشبة بيده جاز.
وقال أبو حنيفة: يجب أن يمسح قدر ثلاثة أصابع بقدر الممسوح والممسوح به، حتى لو مسح قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع رجل الماسح وهي [257 أ/1] الخنصر، وهذا لا معنى له؛ لأن التقدير على هذا الوجه لا يوجد إلا توفيقًا، ولم يرد ذلك.
وقال أحمد: لا يجزيه إلا مسح الأكثر من القدم؛ لأن الحسن البصري قال: سنة
المسح خطط بالأصابع.
قلنا: هذا مرسل فلا يلزمنا القول به، وأراد بالسنة المستحب، ونحن نقول به.
باب الغسل للجمعة والأعياد
مسألة: قال الشافعي: "والاخْتِيَارُ في السُّنَّةِ لِكُلُ مَنْ أَرَادَ الْجُمْعَةِ الاغْتِسَالُ لَهَا".
وهذا كما قال: غسل يوم الجمعة سنة مؤكدة.
قال الشافعي رحمه الله:" ما تركته قط ولا يجب عندنا".
وقال مالك:"هو واجب يقضي بتركه إلا أن صلاة الجمعة تصح بدونه" وقيل: هذا مذهب داود ولا يصح عنه.
وروى عن الحسن أنه قال:"هو واجب".
وقال كعب الأحبار:"لو لم أجد ماء إلا بدينار في يوم الجمعة لاشتريته واغتسلت به".
واحتجوا بما روى أبو سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم".
ومعناه كل بالغ، وهذا غلط لما روى سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
(257 ب/ 1) وقوله فبها، أي بالفريضة أخذ.
ونعمت: يعنى الخلة الفريضة.
وقيل: معناه فبالسنة أخذ، ونعمت الخصلة السنة.
وقال والدي رحمه الله: يحتمل أنه أراد به الضوء من الحدث بنية رفع الحدث والجمعة، ويحتمل أنه أراد الوضوء المجدد بنية التجديد والجمعة فيبقى للجمعة اختصاص من هذا الوجه، كالجنب يغتسل يوم الجمعة بنية الجنابة والجمعة تجوز عنهما، ويحتمل أن يقال: إذا توضأ بنية الحدث فقد استفاد فضل الطهارة للجمعة، وإن كان دون الفضل.
وإذا نوى ذلك قياسًا على أحد القولين في الجنب يغتسل يوم الجمعة بنية الجنابة يصح الغسل عنهما.
قلت: ويحتمل أن يقال: أراد به التجديد للجمعة على الاختصاص، وهذا أشبه عندي؛ لأنه مدحه على ذلك لكونه في يوم الجمعة.
وقد روى أبو سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا أتى أحدكما الجمعة فليتوضأ بنيتها" وروى أنس- رضي الله عنه- أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من توضأ فيها ونعمت، ومن اغتسل أفضل" والغسل من السنة.
وأيضًا فقد قال علي- رضي الله (258 أ/ 1) عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغسل يوم الجمعة وليس بواجب".
وروى ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الوتر علَّى فريضة وهو لكم تطوع".
وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من اغتسل يوم الجمعة فقد أحسن، ومن لم يغتسل فيها ونعمت".
وروى عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت".
وهي تجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فهو أفضل وهي من السنة.
وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن من السنة الغسل يوم الجمعة ".
وأيضًا روى عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: كان الناس عمال أنفسهم وكان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عرش، فيفرقون فتفوح منهم رائحة الضأن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو اغتسلتم" وهذا لفظ ندب وإرشاد لا لفظ إيجاب، وروى أنها قالت: كان الناس مهَّان أنفسهم.
والمهان جمع الماهن وهو الخادم، تريد أنهم يتولون المهنة لأنفسهم في الزمان الأول حين لم يكن لهم خدم.
واحتج الشافعي عن عمر وعثمان- رضي الله عنهما- وعام الخبر ما روى أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- كان يخطب (369 ب/ 1) على المنبر يوم الجمعة فدخل عثمان- رضي الله عنه- فقطع الخطبة وقال لعثمان: آية ساعة هذه؟ فقال عثمان: ما زدت على أن توضأت وحضرت.
فقال عمر: والوضوء أيضًا أي واقتصرت على الوضوء، وقد علمت
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا بالغسل.
فقال الشافعي:"لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَرَجَعَ عُثْمَانَ وَمَا تَرَكَهُ عُمَرُ" فهذا دليل من فعلهما جميعًا على ما ذكرنا.
وقال القفال: في هذا دليل من فعلهما دليل على أنه يجوز للمحتشم الذي يوسع الناس له أن يتخطى رقاب الناس، وإنما يكره لمن لا يرى له هذا الإيجاب، وهو كما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهادي بين اثنين فخرقوا له الصفوف حتى وصل إلى المحراب، لأن الطهارة تراد الصلاة، فلو كانت واجبة لما صحت الصلاة دونها، أو يقول: لأنها طهارة مأمور بها من غير حدث فلا يجب كالغسل للإحرام وأما خبرهم: قلنا: أراد به وجوب الاختيار، كما يقال: حقك علَّي واجب، ونحو ذلك.
والدليل على هذا ما روى عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ". والسواك لا يجب بالإجماع (259 أ/ 1).
فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن فيمن يستحب له الغسل، فاعلم أن القصد من هذا الاغتسال التنظيف وقطع الرائحة الكريهة، ولهذا خص الشافعي به من أراد صلاة الجمعة، ولا يستحب لمن لم يحضرها بخلاف غسل يوم العيد فإنه يستحب لمن يريد الحضور ولمن لا يريد؛ لأن ذلك للزينة وإظهار السرور، ولا يسن للمسافر إذا لم يرد أن يصليها.
وقال أبو ثور: يسن هـ ذلك، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم:"غسل الجمعة واجب على كل محتلم.
وهذا غلط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"من جاء إلى الجمعة فليغتسل"، وهذا أخص.
فرع
قال أصحابنا: ويستحب للصبيان أن يقتدوا بهم إذا أرادوا حضور الجمعة وإن قال صلى الله عليه وسلم""على كل محتلم".
فرع آخر
إذا أرادت المرأة أن تحضر الجمعة يستحب لها الغسل.
وقال أحمد: لا يستحب؛
لأنها غير مخاطبة بالجمعة.
وهذا غلط للخبر الذي ذكرناه.
وأما ما ذكر فإنه ينتقض بالعيد.
فرع آخر
غسل الجمعة هل يستحب على من كان من أهلها ولكن ممنوع بعذر؛ فيه وجهان: أحدهما سنة، لأن زوال عذره مجوّر، ولزم الجمعة له ممكن.
والثاني: لا يسن، ذكره في "الحاوي"، والأول أظهر عندي، وبه قال جمهور أصحابنا.
فرع آخر
(259 ب/ 1) إذا اغتسل للجمعة بعد الفجر ثم أجنب لم ينتقض، ولو استأنفه ناويًا كان أولى.
وقال الأوزاعي: يعيد غسل الجمعة.
وهذا غلط؛ لأنغسل الجمعة تنظيف، فإذا تعقبه غسل الجنابة زاده تنظيفًا فلا يعيد.
فرع آخر
قال القفال: فإن لم يجد الماء فتيمم حاز الفضيلة ويتصور في قوم في بلد توضأوا
ثم نفذ ماؤهم وانقطع، فتيمموا.
ويتصور في الجريح في غير مواضع الوضوء يتيمم بنية الغسل.
فرع آخر
قال في "الأم": وعلى قياس هذا أحب التنظيف لكل من أراد حضور وطن يتجمعون فيه الناس، للطاعة والقربة بالاغتسال والسواك وحلق الشعر والتطيب.
مسألة: قال:" وَيُجْزِيهِ غُسْلُهُ لَهَا إِذَا كَانَ بَعٌدَ الْفَجْرِ".
وهذا كما قال.
الكلام الآن في وقت غسل الجمعة، وله وقتان: وقت استحباب ووقت جواز.
فالاستحباب هو وقت الوراح إلى الجمعة.
وأما وقت الجواز: فهو ما بين طلوع الفجر الثاني وصلاة الجمعة، فلو اغتسل قبل الفجر لا يجوز.
وقال الأوزاعي: لو اغتسل قبل طلوع الفجر يوم عيد الفطر،
وهذا غلط؛ لأن غسل (360 أ/ 1) للجمعة قبل الفجر فلا يجوز كما لو راح بعد طلوع الفجر.
وأما في العيد: إذا اغتسل قبل الفجر، قد قيل: فيه قولان: وإن سلمنا بالفرق أن وقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس فيضيق على الناس وقت الغسل من الفجر، فجوزنا قبله بخلاف الجمعة فإنها بعد الزوال.
وقال مالك: يحتاج أن يغتسل بعد الفجر ويروح، فإن أخر الرواح لم يجر.
وقال القفال: رأيت مالك في الموطأ مثل مذهبنا، والدليل على قوله صلى الله عليه وسلم:"غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" فاعتبر اليوم ولم يفصل.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من اغتسل يوم الجمعة ثم راح، فكأنما قرب بدنه".
ثم للتراض قلا يجب عقيبه.
مسألة: قال:"وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَاغْتَسَل إنما أَجْزَأَهُ".
وبه قال أبو حنيفة وجماعة، وحكى عن مالك: لا يجوز حتى يفرد كل واحد منهما لاختلاف موجبهما، وهذا غلط، لأنه يكفي لغسل الجنابة والحيض غسل واحد، كذلك هاهنا، وقد روى نافع عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه كان يغتسل من الجنابة والجمعة غسلًا واحدًا.
وإن نوى بغسله الجنابة أجزأه عن الجنابة.
وأما عن الجمعة: قال أبو إسحاق: قال المزني في" الجامع الكبير" (260 ب/ 1): يجزيه عن الجمعة والجنابة؛ لأن القصد من غسل الجمعة التنظيف وقد حصل.
وقال الربيع: قال في "الإملاء": لا يجزيه عن الجمعة، ولأنه
نوى التبرد لا يجوز عنه، وإن حصل المقصود كذلك هنا، وإن اغتسل ولم ينو الجنابة ولا الجمعة لا يجزئ عن واحد منهما؛ لأن كلها قربة تفتقر إلى النية، وإن اغتسل بنية الجمعة دون الجنابة، قال أصحابنا: لا تجزيه عن الجنابة قولًا واحدًا، وليس كالمحدث توضأ لقراءة القرآن ظاهرًا، أو الجنب اغتسل للعبور في المسجد يجوز له أن يصلي به في أضعف الوجهين، لأن المقصود من غسل الجمعة النظافة دون رفع الحدث بخلاف ذلك، فإنه
يتضمن رفع الحدث.
وهل يجزيه عن الجمعة؟ فيه وجهان، والمذهب أنه يجزيه؛ لأنه نواها.
والوجه الآخر لا يجزيه، لأنه لا تحصل النظافة.
مع الجنابة.
ومن أصحابنا من جعل هذا قولًا للشافعي وهو غلط.
وقال في "الحاوي" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجزي عنهما.
والثاني: يجزي عنهما.
والثالث يجزيه عن الجمعة وحدها (231 أ/ 1) وهو اختيار جمهور أصحابنا.
والمستحب إذا كان جنبًا يوم الجمعة أن يغتسل للجنابة ثم يغتسل للجمعة حتى يكون قد فعل أكمل الوجوه، ذكره أصحابنا.
فرع
لو اغتسل بنية العيد حصل بعد غسل الجمعة، ولو اغتسل بنية الجمعة حصل به غسل العيد قولًا واحدًا بخلاف المسألة قبلها في أحد الطريقتين؛ لأن ذلك جنسان نفل وفرض، وهاهنا هما نقلان.
مسألة: قال:"وَأَحِبُّ الْغُسْل مِنْ غُسْلِ المَيَّتِ".
الفصل
وهذا كما قال: الغسل من غسل الميت مستحب غير واجب.
وقال في التقديم: أوجبه للاختيار فيه.
وقال في موضع من "الجديد": لو ثبت الخبر قلت به.
يعني بوجوبه، وأراد به ما روى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من غسل ميتًا فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي- رضي الله عنه- بعد ما غسل أباه "اغتسل" ولم يفرق بين غسل الميت والمسلم والكافر في هذا، وإنما قال: "إن صح الخبر".
لأن في إسناده ضعفاء.
وقيل: إنه موقوف على أبي هريرة.
ومن أصحاب الجديد من خرج لصحته مائة وعشرون طريقًا.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهن من قال قول واحد أنه (261 ب/ 1) لا يجب، وإن صح الخبر، ولفظه يحمل على الاستحباب والاختيار.
وقيل: معنى قوله: "فليتوضأ" أي ليكن على وضوء لتتهيأ له الصلاة على الميت.
ومنهم من قال: فيه قولان.
فإذا قلنا: يجب، فقد قيل: إنه غير معقول المعنى، ويؤمر به تعبدًا للشرع وهو الصحيح.
وقيل: إنما وجب لأن الميت نجس والماء الذي يلاقيه نجس، فلا ينفك من يغسله عن نجاسة تصيبه، منه، ولا يعرف مكان فيلزمه غسل كل بدنه.
وقيل: إن لم نقل الميت نجس فلا نأمن أن تصيبه نجاسة مما يخرج منه، فأمر بالغسل للاحتياط.
أو لما جاز أن يجب علينا أن نغسله جاز أن يجب علينا الغسل لغسله.
وهذه وجوه ضعيفة.
وأما الوضوء بمسه فلا يجب، وتأويله كما ذكرنا كما قال: "ومن حمله فليتوضأ" على معنى أن يكون على وضوء عند حمله لئلا تفوته الصلاة عليه.
وقيل: أراد مس ذكره.
وقيل: أراد غسل اليد، فكذا في الوضوء من حمله أراد إذا باشر الحامل شيئًا من بدنه يغسل يده.
وروى عن أحمد أنه قال: يجب الوضوء من مسه، والغسل لا يجب إن شاء الله.
وهذا غلط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء".
فدل أنه لا يجب الغسل من غير خروج الماء بحق الظاهر، ولأن غسل (262 أ/ 1) آدمي فلا يوجب الغسل، كما لو غسله حيًا، ولأنه مس آدميًا لا يقصد به الشهوة فلا وضوء عليه كما لو مس حيًا.
وقال أبو حنيفة والمزني: لا يسن الغسل من غسله، ولا الوضوء من مسه.
وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
مسألة: "وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ للأَعْيَاَدِ هو سُنَّةٌ اخْتِيَارًا".
وهذا كما قال: غسل العيد والجمعة سواء في الأحكام إلا في شيئين.
أحدهما: أنه يستحب ذلك لجميع الناس، كالغسل للإحرام دون هذا.
والثاني: يجوز قبل الفجر في قول.
وقال في "البويطي": ويغتسل للعيدين قبل الفجر وبعده.
وقال القاضي الطبري: لا أعرف للشافعي غير هذا، فالمسألة على قول واحد بخلاف غسل الجمعة.
وقال أبو حامد:
قال في "الأم": لا يجوز الغسل لها قبل الفجر كالجمعة.
فالمسألة على قولين، وجملة مسنونات الغسل في غير الحج أربعة: غسل الجمعة، وغسل العيد،
والغسل من غسل الميت، وغسل الكافر إذا أسلم.
ولم يذكر الشافعي في هذا الباب الأخير، وقد ورد به الخبر، وإن لم يكن لزمه الغسل أصلًا.
مسألة: قال: "وَأَوْلَى الغُسْلِ أَنْ يَجِبَ عِنْدِي بَعْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الْغُسْلُ مِنْ غُسلُ الْمَيَّتِ".
الفصل
وهذا كما قال: ليس بعد الغسل الواجب من غسلين (265 ب/ 1) غسل الجمعة، والغسل من غسل الميت، ثم اختلف في قوله في الأوكد بعد الغسل الواجب، فقال في القديم: واجبًا، وبين أن لا يصح فيكون مستحبًا.
وقيل: فيه وجه ثالث: هما سواء.
واحتج المزني بأن الخبر إذا لم يثبت في الغسل من غسل الميت وثبت في غسل الجمعة فهو آكد، ثم أكد بأن من مس خنزيرًا أو ميتة لا غسل عليه ولا وضوء، فكيف يجب في أخيه المؤمن ذلك.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه لو ثبت الخبر في الميت وجب، لأن اللفظ أمر مطلق، فيخاف إذا تركه أن يكون تاركًا للواجب، وهناك يتيقن أنه لا يترك واجبًا، وليس كمس الخنزير، ولأن للآدمي من الحرمة ما ليس لغيره، ولا ينكر وجوب الغسل والوضوء من مماسة ما له حرمة كما لو مس فرجخ، فإنه يلزمه الوضوء بخلاف ما لو مس خنزيرًا أو فرجه.
والجواب عن هذا أنه لم يثبت الخبر فيه، ولا ذهب أحد من السلف إلى وجوبه، ومذهب مالك وجوب الغسل للجمعة فلا يكون ذلك آكد منه.
باب حيض المرأة، وطهرها، واستحاضتها
(263 أ/ 1) قال: قال الله تعالى: ﴿َيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
(البقرة: 222)، الآية وهذا كما قال.
اعلم أن الحيض دم يرخيه الرحم عند بلوغها في أوقات معتادة، وأوصله من قولهم: حاض السيل إذا أفاض وسال.
وحاضت الشجرة: إذا أخرجت صمغها حتى سال منها.
والأصل فيه هذه الآية.
قال الشافعي: أراد المحيض الحيض، يقال: حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا، كما يقال: سار سيرًا ومسيرًا ويكون تقديم الكلام: فاعتزلوا النساء في زمن حيضهن.
وقيل: المحيض عبارة عن الفرج لأنه موضع الحيض، كما يسمى موضع البيتوتة مبيتًا، وموضع القيلولة مقيلًا، ويكون تقديره: اعتزلوهن فلا تجامعوهن في الفرج.
وما قاله
الشافعي أولى؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه أذى، والأذى هو الدم لا الفرج ولا الزمان.
ولهذا قال: " حَتَّى يَطْهُرْنَ" (البقرة:222)، وأراد يطهرن منه، وإنما يطهرن من الدم.
فإذا تقرر هذا، فاعلم أنه يتعلق بالحيض أربعة عشر حكمًا يوجب حكمين ويمنع الباقي.
فالذي يوجب البلوغ به، والغسل.
ويتعلق بالرفع حكمان: المنع من الاستمتاع والطلاق.
ويتعلق بالعدة حكمان: يمنع الاعتداد بالشهور ويمنع الدخول في العدة الشرعية ويختص (263 ب/ 1) ويتعلق بالمسجد ثلاثة أحكام: اللبث فيه، والاعتكاف، والطواف.
ويتعلق بالصلاة ثلاثة أحكام تمنع وجوبها، وفعلها، وقراءة القرآن.
ويبقى حكمان: حمل المصحف، والمنع من الصوم دون وجوبه.
وقيل: خمسة عشر، وذلك أنه يمنع صحة الغسل؛ لأن الجنب إذا حاضت لا يصح غسلها عن الجنابة، وهذا يرجع إلى تعليق الغسل به؛ لأن الغسل لا يفيد شيئًا لوجوبه بالحيض.
وقيل: يتعلق به اثني عشر حكمًا، ولم يحسب هذا القائل البلوغ، والغسل به، وصحة الغسل، وما ذكرناه أصح.
وقال القفال: جملته أن ما منعت الجناية منه منع الحيض منه وزيادة أربعة أشياء: وجوب الصلاة، وجواز الصوم، وإتيان الزوج، وكون الطلاق سببًا، قلت: ويمنع الاعتداد بالأشهر، والدخول في العدة الشرعية فالزيادة هي ستة لا أربعة.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن الحيض إذا وجد ممن قد بلغت تسع سنين حكمنا ببلوغها؛ لأنه زمن تحيض له الجارية ويبلغ فيه الغلام بالاحتلام.
قال الشافعي في "الأم": وأعجل من سمعت من النساء تحيض نساء تهامة يحيض لتسع، وقد رأيت جدة لها إحدى وعشرين سنة ولم يذكر الجدة تحديدًا أقل سن تكون فيه جدة.
وإنما (264 أ/ 1) أخبر عما رآه، فقد تكون جدة لها تسع عشرة سنة تحمل ولها تسع، وتضع بعد ستة أشهر ثم تحمل هذه الجارية لتسع وتضع بعد ستة أشهر، فيكون تسع عشرة سنة.
ومن أصحابنا من قال: إذا رأت الدم وقد دخلت في تسع سنين ولم تكمل التاسعة، هل نحكم بكونه حيضًا؟ فيه وجهان: أحدهما: نحكم لأنه يقال لها بنت تسع والثاني: لا نحكم وهو الأصح.
وتسع سنين هل هي حد تقريب أو حد تحقيق؟ وجهان: أحدها: أنه تحقيق يتعين الحكم بنقصان يوم.
والثاني: تقريب فلا يضر نقصان يوم أو يومين، وهذا أقرب عندي.
ومن أصحابنا: قال: حد القرب هو أن لا يكون بين انقطاع الدم والتسع زمان يسع لحيض أو طهر، ولو رأت قبل الستع موصولًا بالتسع، وقلنا: إنه تحديد فإن رأت قبل التسع أقل من يوم وليلة، وبعد التسع قدر يوم وليلة، فإنا نجعل الكل حيضًا.
وإن رأت
قبل التسع يومًا وليلة وبعده دون يوم وليلة لم يجعل حيضًا.
وإن كان المجموع يبلغ قدر أقل الحيض بعضه قبل التسع وبعضه بعد التسع هل يجعل حيضًا؟ وجهان.
وأما الغسل فقد ذكرنا حكمه كيف يجب بالحيض.
وأما الطلاق فلا يحل (264 ب/ 1) في حال الحيض بغير عوض.
وأما العدة قفلا تدخل المقعدة في العدة الشرعية ما دامت حائضًا حتى تطهر.
وأما الاعتداد بالشهود فلا يكون إلا في حق من لا تحيض.
وأما اللبث في المسجد فلا يجوز لها كالجنب.
وأما العبور ففيه كلام سنذكره إن شاء الله، وأما الاعتكاف فيه فهو عين اللبث في المسجد، وكذلك الطواف.
ويفتقر إلى الطهارة ولا تصح منها.
وأما الصلاة فقد روى أن امرأة سألت عائشة- رضي الله عنهما- عن الحائض هل تقضي الصلاة؟ فقالت: لا.
فقالت لها: فمال بال الحائض تقضي الصوم دون الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت كنا ندع الصوم والصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضي الصوم دون الصلاة.
وقولها:" أحرورية أنت" تعني من أهل حروراء أنت؟ وأكثر أهل حروراء خوارج، وإنما زجرتها ولم يتبين لها دليلًا؛ لأن تلك المرأة لم تكن أهلًا لذلك، ولم تكن ممن تقيم الحجة، وتمنع القراءة لأنها أسوأ حالًا من الجنب، ويمنع الصوم دون وجوبه.
والفرق بين الصوم والصلاة من حيث المعنى: هو أن قضاء الصوم لا يشق؛ لأنه ربما يفسد من شهر رمضان خمسة عشر يومًا ولا يشق قضاء ذلك في باقي السنة.
والصلاة تتكرر (2365 أ/ 1)، فإذا قضت في كل شهر أدي إلى المشقة، ولأن الصوم لم تبن على أن تؤخر ثم تقضى، بل لا تجنب في مواضع، ومتى وجبت لم يجز تأخيرها بعذر.
والصوم بنى على ترك بعذر المرض، أو السفر والقضاء بعده، فجاز لها أن تترك أيضًا ثم تقضيه، ولهذا يترك المسافر ركعتين لا إلى القضاء ويترك الصوم إلى القضاء.
وأما الاستمتاع بها فهو على ثلاثة أضرب؛ محظور، ومباح، ومختلف فيه فالمحظور: هو الوطء في الفرج، كقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:222]. وروى أن اليهود كانوا يعتزلون الحيض أشد الاعتزال فلا يواكلوهن، ولا يشار بوهن، ولا يساكنونهن في بيت واحد، ولا يتناولونهن الطعام إلا برأس خشبة.
والنصارى كانوا يخالطون الحيض أكثر من مخالطة الطاهرات، يتقربون بذلك إلى الله تعالى، فلما جاء الإسلام سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، فظن المسلمون أنهم أمرور بمثل ما تفعله اليهود، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال:" وأكلوهن وشاربوهن وضاجعوهن، وافعلوا بهن كل شيء إلا الجماع ". فقالت اليهود: لا يدع هذا الرجل شيئًا إلا خالفنا فيه، فسمعه سعد بن عبادة، فأراد مغايظتهم، فأتى [265 ب/1]
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن اليهود قالت كذا وكذا، فأذن لنا في جماعهن، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه قد وجد عليه.
وروى أبو داود في سننه أن سيد بن حضير وعباد بن بشر سالا ذلك منه فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس رضي الله عنه: حتى ظننا أنه قد وجد عليهما، قال: فخرجنا واستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعض في آثارهما فسقاهما، وظننا أنه لم يجد عليهما.
وهذا أصح عندي.
وقوله:"تغير" هو مصحف، ومعنى تمعر أي تغير، والأصل في التمعر قلة النظارة.
وقوله:"فظننا أنه لم يجد عليها" أراد علمنا، فالظن الأول حسبان والظن الآخر علم ويقين، فأن بادر فوطئ فإن كان جاهلًا بالتحريم أو الحيض، أو بوجوب الكفارة فلا كفارة عليه، وإن كان عالمًا بع ففيه قولان، قال في"الجديد": "لا كفارة عليه ويتوب إلى الله تعالى ويستغفر الله تعالى منه" وقال في"القديم":"إن كان في إقبال الدم تصدق بدينار، وإن كان في إدباره تصدق بنصف دينار" وذلك يجب على الزوج في ماله، ويصرفها إلى الفقراء والمساكين، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، [266 أ/1] وإسحاق.
وحكي عن أحمد أنه قال:"يتخير بين الدينار ونصف الدينار".
ووجهه ما روى مقسم عن ابن عباس-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يأتي أهله وهي حائض:"يتصدق بدينار أو نصف دينار".
وروى": من أتى امرأة حائضًا فليتصدق بدينار، ومن أتاها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل فليتصدق بنصف دينار".
وقيل: قال الشافعي في مواضع:" إن صح هذا الحديث قلت به".
وروي:" ومن أتاها بعد ما رأت الطهر ولم تغتسل فعليه دينار".
وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من جامع امرأة وهي حائض في أو الدم فليتصدق بدينار، وإن جامعها في لآخر الدم وقد انقطع قبل أن تغتسل فليتصدق بنصف دينار".
ووجه قوله الجديد وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ما روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من أتى كاهنًا فصدقه فيما يقوله، أو أتى امرأة في دبرها، أو حائضًا، فقد برئ مما جاء به محمد" ولم يذكر الكفارة.
وروي أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق: رأيت في منامي كأنني أبول دمًا.
فقال: يوشك أن تطأ امرأتك وهي حائض، قال: [266 ب/1] استغفر الله ولا تعد.
ولم يوجب الكفارة، ولأنه وطء حرم لأجل الأذى فلا تجب به الكفارة كالوطء في الدبر.
وأما الخبر الذي ذكروه وروي موقوفًا على ابن عباس ولا يثبت مرفوعًا، وألفاظه مختلفة، ويحتمل الاستحباب، ولهذا إنه حير بين الدينار ونصفه.
وروي عن عمر-رضي الله عنه- أنه قال:" يجب إعتاق رقية"، وبه قال سعيد بن جبير.
وروى عن الحسن البصري أنه قال:" يلزمه نا يلزم من المجامع في نهار رمضان"، وبه قال عطاء الخراساني، وهذا لا يصح لما ذكرنا.
وقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق الإسفراييني:" أراد بإدبار الدم انقطاع دمها ووطئها قبل الاغتسال فيتصدق بنصف دينار.
وأما قبل الانقطاع فيجب دينار وإن كان في آخره" وسائر أصحابنا قالوا: إدبار الدم هو أن يقل ويقرب الانقطاع فإذا تقرر هذا، فإذا انقطع دمها لا يحل له وطئها أيضًا، وسواء انقطع لأكثر الحيض أو لأقله، أو لما بينهما حتى تصير إلى صفة تسبيح الصلاة بالغسل عند وجود الماء، وبالتيمم عن عدمه.
وبه قال الزهري وربيعه، والحسن، وسليمان بن يسار، ومالك، والليث، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لعشرة أيام-وهي أكثر مدة الحيض عنده-[267 أ/1] حل وطئها وإن لم يغتسل.
وإن انقطع دمها لدون العشر لا يحل وطئها ما لم تغتسل أو يمر عليها وقت الصلاة.
وعندنا مرور وقت الصلاة لا يبح الوطء بحالٍ.
وقال أيضًا: لا يحل وطئها بالتيمم حتى تصلي بالتيمم.
وقال مكحول: لا يحل وطئها بالتيمم أصلًا.
وقال طاوس ومجاهد: إذا لم تجد الماء يحرم وطئها حتى تتوضأ ثم تحل.
واحتج الشافعي على أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:222]، يعني من الحيض، وهو انقطاع الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعنى اغتسلن بالماء ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:222]، يعني في القبل دون الدبر، وقد قرنت هذه الآية (حتى يطهرن) بتشديد الطاء والهاء، يعني يغتسلن.
وأما الاستمتاع المباح فهو مباشرتها فوق الإزار، والإزار عبارة عما بين السرة والركبة، وهو قدر عورة الرجل.
وأما المختلف فيه فمباشرتها بما تحت الإزار ما دون الفرج، نص الشافعي أنه حرم خوفًا أن يصيبه منها أذي.
ذكره في أحكام القرآن و"الأم" وبه قال مالك: وأبو حنيفة، وأبو يوسف.
قال أبو إسحاق بن خيران وحكاه صاحب"الحاوي" عن مالك هو
حلال.
وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن الحسن، واختاره ابن المنذر.
وروي ذلك عن الشعبي والنخعي.
وقال [267 ب/1] بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان.
قال في "القديم": لا يحرم ذلك، وهذا غريب.
وقيل وجهان، والصحيح ما ذكرت.
ووجه القول الثاني ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"اصنعوا كل شيء غير النكاح".
وروى عن عائشة-رضي الله عنها- أنها قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة،
فحضت فانسللت، فقال صلى الله عليه وسلم:"مالك؟ أنفست"؟ قلت: نعم.
فقال:" ائتزري وعودي إلى مضجعك".
فائتزرت وعدت، فنال مني ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع.
وقال عائشة-رضي الله عنها-:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا في فوج حيضتنا أن نَتَّزِرَ ثم يباشرنا، وأيكم كان يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه".
وفوج الحيض هو معظمه وأوله، يقال: فاج وفاع بمعنى واحد.
والإرب: مكسورة الألف، والأرب مفتوحة الألف والراء كلاهما واحد، ومعناه: وطر النفس وحاجتها.
ووجه القول الصحيح ما روي عن عائشة-رضي الله عنها- قالت قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذي يحل للرجل من امرأته الحائض؟ فقال:" ما فوق الإزار:.
وقال أبو [268 أ/1] الفياض من أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه، والوجه الثالث أنه كان يضبط نفسه عن إصابة الفرج، وأما لضعف شهوته أو لقوة تحرجه، جاز الاستمتاع بذلك، وإن لم يضبط نفيه فلا يجوز، لقول عائشة:" وأيكم يملك إربه" الخبر.
فرع
لو تلوث بدم الحيض ما عدا ما بين السرة والركبة هل يحل مباشرتها في موضع تلوثها بالدم؟ هذا لا فيه للشافعي, وقال أصحابنا: لو قيل يحرم ذلك كما يحرم ما تحت الإزار لم يبعد.
ولو قيل: لا يحرم لأنه لا يخاف أن يصيبه دم الحيض من الفرح بغير واسطة بلم يبعد أيضا، وهذا أصح وهو فرق واضح، فصار ذلك بمنزلة سائر النجاسات إذا أصابها لا يمتنع الاستمتاع.
فرع آخر
لو قصد رحل غشيان زوجته فزعمت أنها حائض، وهكذا كلما رغب فيها قالت هكذا، ولا يعرف الرجل ميقات حيضها وطهرها، فكل مكان يصدقها فأنها حائض لا يحوز له
وطئها، وكل زمان لا يصدقها فله وطئها ولا يقبل قولها، ويفارق هذا إذا قال: أما إن حضت فأنت طالق، فقالت حضت يقع الطلاق وإن كذبها؛ لأن التقصير من جهته حيث علق الطلاق بأمر لا يعرف إلا بالقول منها، وأما الإباحة [268 ب/1] والتحريم بالحيض فهو أمر شرعي، ولم يحد من جهة الزوج تقصير فلا يلزمه قولها فيه.
فرع آخر
الحائض هل هي مخاطبة بصوم رمضان؟ وجهان: احدهما: أنها مخاطبة بدليل وجوب القضاء.
والثاني: أنها لا تكون مخاطبة؛ لأنها ممنوعة منه بسبب عي غير مفرطة ولا لها قدره على إزالة المانع والقضاء وحب بأمر ثان.
مسألة: قال:" وَإِذَا اتَّصَلَ بِالْمَرْأَةِ الدَّمُ نَظَرَتْ".
الفصل
وهذا كما قال.
أراد أنه اتصل دم الحيض بدم الاستحاضة، والاستحاضة تخالف الحيض اسمًا وحكمًا ومحملًا، ولا يمنع الاستحاضة ما يمنع الحيض، وخروجه من عرق خارج الرحم، يقال له: العاذل، في أدنى أول الرحم، وخروج الحيض من الرحم، ثم الاستحاضة تنفصل من الحيض، فإن يكون في حال نقصان السن أو لنقصان القدر، بأن يكون دون يوم وليلة، وقد يتصل بالحيض دم الاستحاضة بأن يجاوز الدم أكثر مدة الحيض، فيعرف أن بعضه حيض، وبعضه استحاضة.
والأصل في هذا أن الشافعي-رحمه الله- رجع في أقل الحيض وأكثره، وفي أقل الحمل وأكثره، وأقل سن تحيض فيه الجارية، وأقل سن تيأس به المرأة من الحيض وأقل [269 أ/1] الطهر، وأكثر النفاس إلى الوجود، ومعنى الوجود ما جرى به عرف العادة، وهذا لأن كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا بد من تقديره، ولا تقدير له في الشرع ولا في اللغة، فالمرجع فيه إلى العرف والعادة، كالإحراز، وكالقبض والتفرق في البيع.
فإذا ثبت هذا وجد الشافعي-رحمه الله- أقل سن تحيض له الجارية لتسع سنين.
فإن رأت قبل التسع فهو دم فساد ولا يتعلق به حكم الحيض.
وإن رأت لتسع سنين فإن لم يتصل يومًا وليلة فهو دم فساد أيضًا، وإن اتصل يومًا وليلة فهو حيض، فإن زاد على ذلك لا يخلو إما أن يتجاوز خمسة عشر أو لا يتجاوزها فإن لم يتجاوزها مثل إن انقطع لتمامها أو لما دونها فهي حائض.
وإن غير خمسة عشر فهي مستحاضة ودخلت الاستحاضة في الحيض، ولا تمنع الاستحاضة صحة الحيض؛ لأن الاستحاضة مرض وسقم، والحيض عادة وصحة، والسقم يطرأ على الصحة، والصحة على السقم، فإذا صارت مستحاضة نذكر حكم المستحاضة.
وجملته: أن المستحاضة على أربعة أضرب: مميزة لا عادة لها، ومعتادة لا تميز
لها، ومن لها تميز وعادة، ومن لا تمييز لها ولا عادة.
والأصول منها ثلاثة مميزة ومعتادة [269 ب/1] ومن لا تمييز لها ولا عادة، وكلها في المختصر على هذا الترتيب، والتي لها تمييز وعادة فرع من هذه الأصول، لأنها جمعت ضفة أصلين، ولكل أصل من هذه الثلاثة أصل في الشريعة ثبت به، فالأصل في المميزة حديث فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم اغتسلي وصلي".
وروي أنه قال:" إنما هو داء عرض أو عرق انقطع، توضئي لكل صلاة" وروى أنه قال لها:" إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما عو عرق".
أو ردها إلى التمييز.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم حبيبة بنت جحش:"إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي".
وقد استحيضت سبع سنين، ولا يقول لها صلى الله عليه وسلم هذا إلا ويعرف إقبالها وإدبارها بعلامة ينفصل لها من الأمرين، وهي بأن تراه زمانًا أسود ثخينًا فذلك إقبال حيضها، ثم تراه رقيقًا مشرقًا [270 أ/1] فذلك إدبارها.
وروى عن ابن عباس-رضي الله عنه- أنه قال:"إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي".
وأراد البحراني: الدم الغليظ الواسع الذي يخرج من قعر الدم، ونسب إلى البحر لكثرته وسعته.
والأصل في المعتادة: ما روى عن أم سلمة-رضى الله عنها- أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر ثوب ثم لتصل" الاستثفار
هو: أن تشد توبًا تحتجر به تمسك موضع الدم لتمنع السيلان، وهو مأخوذ من الثفر، قالت عائشة -رضي الله عنها-: رأيت مركنها ملآن دمًا.
والمركن: شبه الجفنة الكبيرة.
والأصل في التي لا تمييز لها ولا عادة: ما روى عن حبيبة بنت جحش، قالت:
كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة، فأتيت رسوله الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش [270 ب/1] فقلت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، وإنه لحديث ما منه بد، وإني لأستحي منه، فقال:" ما هو يا هنتاه"؟ فقلت: إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها معنى الصوم والصلاة.
فقال:"فإني أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم"، وقيل:" أبعث لك الكرسف" وهو مصحف عندي.
قلت: هو أكثر من ذلك، قال:"فتلجمي" قلت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبًا قلت هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجًا، قال:"سأمرك بأمرين أيهما فعلت أجزاك عن الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم، إنما عي ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين أو أربعة وعشرين ليلة وأيامها، وصومي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما تطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخرني الظهر وتعجلي العصر فتغسلي وتجمعي بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك".
قال [271 أ/1] رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وهذا أحب الأمرين إلي".
قال الشافعي: واحتمل هذا أمرين:
أحدهما: أنه كان لها عادة، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عادتها إن كانت ستًا فستًا، وإن كانت سبعًا فسبعًا، فلا تكون المستحاضة إلا أصلان مميزة ومعتادة.
والثاني: أنه لم يكن لها عادة، بل كانت مبتدأة، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غالب عادة النساء إن كانت ستًا فستًا، وإن كانت سبعًا فسبعًا وهو أخد قولي الشافعي فيكون هذا أصلًا ثالثًا في التي لا تمييز لها ولا عادة وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حكمها.
وقال أصحابنا: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها فلا تدري أيتها كانت، فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها
على ما تيقنه، من أحد العددين، وحكاه صاحب الشامل هذا عن الشافعي.
والدليل على هذا أنه قال:" في علم الله"، أي فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة، وقد ترك بعض أصحابنا القول بهذا الخبر، لأن في رواية كلامًا، وصار في المبتدأة التي لا تمييز لها إلى أنها تحتاط وتأخذ باليقين، فلا تترك الصلاة إلا أقل مدة الحيض وهو يوم وليلة [217 ب/1] ثم تغتسل وتصلي سائر الشهور وهذا أحد قولي الشافعي.
وقوله:" أنعت لك الكرسف" يعني: القطن وقوله:" أثج ثجًا": فإن الثج شدة السيلان.
وقوله:
" إنما هو ركضة من ركضات الشيطان": فأصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، يريد به الإضرار والإفساد، كما تركض الدابة وتضرب برجلها، ومعناه: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبس عليها في أمر دينها، فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته، وإضافة النسيان في هذا على فعل الشيطان، كهو في قوله تعالى: ﴿َأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ﴾ [يوسف:42].
وقد روى أصحابنا في المستحاضة الناسية للوقت المتحيرة في أمرها: أن حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها بالغسل لكل صلاة، وروت زينب بنت أبي سلمة أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي.
وروت عائشة-رضي الله عنها- أن سهلة بنت سُهيل استحيضت، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب [272 أ/1] والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح.
والشافعي-رحمه الله- لا يقول بهذا الجمع، فإذا تقرر هذا، بيني كل واحدة منهن ويذكر حكمها.
فالمميزة: هي التي لا إعادة لها، هي المبتدأة ترى الدم ثم يتصل بها وينفصل بعضه عن بعض ما يقع التمييز به، وذلك يكون بلون وريح ورقة.
فاللون يكون الأول أسود، ثم يتغير إلى الحمرة.
قال الشافعي: يكون أسود محتدمًا وأرد بالمحتدم: الحار كأنه محترق.
يقال: احتدم النهار إذا اشتد حره.
وأما الريح: يكون الأول رائحة، ثم تزول.
وأما الرقة: أن يكون الأول ثخينًا، ثم يرق فيصفر أو يشرق، فإذا تميز شيء من هذا، فإنما يتعلق حكم التمييز إذا اجتمع شرطان: أحدهما: أن لا يزيد الأسود أو الأحمر على أكثر الحيض.
والثاني: أن لا ينتقص عن أقل الحيض؛ لأنه إذا زاد على أكثر الحيض لا يجوز أن يجعل جميع الأسود حيضًا.
وإذا نقص عن اليوم والليلة لا يجوز أن يكون حيضًا.
فإذا وجد هذان الشرطان رددناها على الدم السود، وجعلناه حيضًا، وقضت ما زاد عليه من الصلوات هذا في الشهر الأول.
فأما في الشهر الثاني تترك الصلاة في الدم الأول، فإذا تغير وصار بعد السواد أحمر تغتسل وتصلى ولا تنتظر إلى آخر [272 ب/1] خمسة عشر، وإنما تنتظر في الشهر الأول فقط إلى خمسة عشر لتنظر هل ينقطع لتمام الخمسة عشر أو يختلط به دم الاستحاضة.
فأما الشهر الثاني فقد حكمنا بأنها مستحاضة وعرفت أمر نفسها فلا تؤخر الصلاة.
وأما المعتادة التي لا تمييز لها: هي أن يكون لها عادة مستقرة في كل شهر، فلما كان في هذا الشهر اتصل الدم وزاد على العادة على لون واحد، وقول الشافعي: وكان مشتبهًا إلى لون الدم مشتبهًا شبه بعضه بعضَا، فإنها تؤخر الصلاة حتى تنظر، فإن انقطع لخمسة عشر فما دونها فهو حيض، وإن عبر خمسة عشر فهي مستحاضة تغتسل حين عبر، ثم تقضي ما بعد العادة، وتقعد في كل شهر بعد الأول عن الصلاة في أيام
العادة، وتغتسل عقيبها وتصلي ولا تؤخر، وتكون على يقين الطهر، ولا يجئ فيه قول الاحتياط.
وأما التي لها تمييز وعادة: مثل إن كان لها عادة في كل شهر، فلما كان في هذا الشهر زادت العادة وتغير الدم، فإنها تقعد عن الصلاة حتى تنظر، فإن انقطع لتمام خمسة عشر فما دونها فهو حيض، وإن عبر خمسة عشر فهي مستحاضة فتنظر عقيبه فإن تغير عند انتهاء العادة واتصل فهذه امرأة قدر عادتها وتمييزها [273 أ/1] واحد تغتسل حين يعبر وتقضي ما بعد الأول، وإن تغير بعد أن جاوز العادة، مثل إن كانت العادة خمسة أسود فاتصل في هذا الشهر الأسود عشرة، ثم تغير إلى الحمرة واتصل، فالمنصوص أن التمييز مقدم على العادة.
وبه قال جمهور أصحابنا، وهذا لأن التميز اعتبار صفة الدم في الوقت، والعادة هي اعتبار صفة ما مضاى فالصفة في الوقت أولى.
وقال ابن خيران، والاصطخري: العادة مقدمة على التمييز، وبه قال أحمد: لأن العادة أسبق فلا تبطل بالتأخير، ولأن العادة لا تختلف والتمييز يختلف، وهذا لا يقوى؛ لأن العادة تختلف أيضًا في الشهور كالتمييز.
وإذا قلنا العادة مقدمة قضت ما بعد العادة.
وإذا قلنا التمييز مقدم قضت ما بعد التمييز.
فأما ما بعد هذا من الشهر فلا تؤخر الصلاة عقيب العادة إن اعتبرنا العادة، ولا بعد التمييز إن اعتبرنا التمييز.
وقال أبو حنيفة لا اعتبار بالتمييز وإنما الاعتبار بالعادة.
قال: فإن لم يكن لها تمييز وكان لها عادة استظهرت بعد زمان العادة بثلاثة أيام، وإن لم يجاوز خمسة عشر يومًا، ثم
بعد ذلك هي مستحاضة لا حيض لها.
وروى عنه أنه قال: إذا انقضى الدم الأسود فقعد [273 ب/1] ثلاثة أيام استظهارًا.
فأما التي لا تمييز لها ولا عادة: فهي المبتدأة إذا طبق بها الدم بصفة واحدة أو بصفتين، إلا أن السواد يزيد على خمسة عشر أو ينتقص عن يوم وليلة، فيكون ذلك تمييزًا فاسدًا لا اعتبار به، فتتوقف عن الصلاة.
فإن انقطع لجون خمسة عشر ولتمامها فهو حيض، وإن غير فهي مستحاضة.
وفي مقدار حيضها قولان:
أحدهما: اليقين، وهو يوم وليلة, وبه قال أحمد في رواية، وأبو ثور، وزفر، وهذا لأن الزيادة على اليوم والليلة مشكوك فيها فلا يعمل فيها.
والثاني: غالب عادة النساء، وهي ست أو سبع والباقي طهر، وبه قال عطاء، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق وأحمد في رواية.
ووجهة خبر حمنة بنت جحش وظاهره أنها كانت مبتدأة لأنه لم ينقل أنه سألها عن حيضها قبل ذلك، وروي البويطي قولًا ثالثًا: أنها ترد إلى أقل الحيض وأقل الطهر وليس بمشهور.
وروى ابن القاسم عن مالك: أنها تقعد خمسة عشر يومًا حيضًا.
وروي ذلك عن
أحمد.
وعن أحمد رواية رابعة أنها ترد على عادة نسائها.
وقال أبو حنيفة: تحيض أكثر الحيض.
وقال أبو يوسف: تأخذ في الصوم والصلاة [274 أ/1] بالأقل، وفي وطء الرفع بالأكثر.
فإذا قلنا بالقول الأول اغتسلت وقضت ما بعد يوم وليلة.
وإذا قلنا بالقول الثاني قضت ما بعد ست أو سبع.
وأما في الشهر الثاني إذا مضى وقت حيضها تغتسل وتصلي ولا تتوقف عن الصلاة.
فإذا قلنا ترجع إلى غالب عادة النساء فالست والسبع علي التخيير أو على الاجتهاد؟ وجهان:
أحدهما: على التخيير أي العددين شاءت؛ لأن كل واحد منهما قد ثبت لا لعرف فيه، وعلم الرسول أن كل واحد منهما عادة غالبة في النساء فخيرها.
والثاني: أنه على الاجتهاد فتجتهد في الأغلب منهما وتعمل على ما ثبت عندها أنه أغلب، وهذا هو المذهب، والرسول صلى الله عليه وسلم عرف أن أحدهما هو الغالب فأمرها بالاجتهاد في أغلبهما، قال ابن سريج: وعلى هذا الوجه يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها تجتهد في الغالب من هذين العددين في عادة نسائها من قبيلتها وعشيرتها، ولا تعتبر نساء العصبات كما في مهر المثل، بل تعتبر بجملة نساء أهل بيتها من
طرفي نسبها وهو المذهب، وهذا لأن طبعها إلى طباعهن أقرب.
وذكر بعض أصحابنا نساء العصبات، وهو غلط ظاهر.
الثاني: تعتبر نساء الدنيا في بلدها خاصة، فإذا [274 ب/1] قلنا: ترد إلى يوم وليلة فما حكمها وبعد اليوم والليلة إلى تمام خمسة عشر يومًا؟ فيه قولان: أحدهما: لها من للطاهرات تتوضأ لكل صلاة.
وثانيهما: زوجها، ويصح صومها وصلاتها فيها.
ولفظ الشافعي في"الأم": يحل لزوج المستحاضة وطئها إن شاء الله تعالى.
والثاني: أنها تستعمل للاحتياط فلا يأتيها زوجها في ذلك الوقت، وتغتسل لكل صلاة، ولو صامت فيها أو طاقت قضت؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك زمان الحيض، والأصل بقاء الفرض فالاحتياط، هكذا نص عليهما في"الأم" والصحيح الأول؛ لأن حكمنا بأنه زمان طهر، فلا يجوز أن لا يكون لها فيه حكم الطاهرات بخلاف المتحيرة؛ لأن هناك لم يتقدم طهرها المشكوك حيض بيقين.
وقال الحكم، وابن سيرين، والنخعي: لا يجوز وطء المستحاضة وبه قال أحمد، إلا أن بخاف العنت على نفسه؛ لأن بها أذى, وهذا غلط لأن حمنة بنت جحش كانت مستحاضة، وكان زوجها طلحة-رضي الله عنه- يجامعها، وأم حبيبة كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكان يطأها مستحاضة، والظاهر أن ذلك كان بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما قول الشافعي في"المختصر": لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَسْتَظْهِرَ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ] 275 أ/
1] قرئ بالظاء المعجمة، وقرئ بالطاء، وقصد به مالكًا -رحمه الله- فبالطاء غير المعجمة: هو اشتقاق من الطهارة، وهو طلب الطهر.
وبالظاء المعجمة: اشتقاق من الاستظهار وهو الاستعانة بها لاستيقان الطهر والاحتياط.
والدليل على بطلان قوله: إنما لم يجعل بعض الدم طهرًا مع أن الاحتياط فيه أبلغ، فلأن لا تجعل بعض الدم الأضعف حيضًا أولى.
واحتج بأن الدم الأسود لا ينقطع ثمره بل يرق ويشرق ويصفر، ثم ينقطع.
فلينظر ثلاثة أيام كذلك، قلنا: هذا لا يوجد في المعتادة وأنت تأمرها بالاستظهار ثلاثة أيام.
فإذا تقرر هذا، فنذكر الآن حكم الصفرة والكدرة، ثم نشتغل بالتفريع.
قال الشافعي هاهنا: والصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ في أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ
واختلاف أصحابنا في معنى ذلك، فقال عامة أصحابنا: المراد به أيام الإمكان وإن لم تكن عادة كالدم السود.
وبه قال سعيد بن المسيب، وربيعة ومالك، والثوري، والأوزاعي،
وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومحمد، وقال الإصطخري: المراد به أيام العادة دون أيام الإمكان، فإن ذات الصفرة في غير أيام العادة ويكون دم الاستحاضة، وإن أمكن فيه الحيض.
وبه قالت عائشة، وعطاء رضي [275 ب/1] الله عنهما.
قال أبو إسحاق المروزي: إلى هذا كنت أذهب، حتى رأيت الشافعي يقول في أول كتاب"العدة": الصفرة والكدرة حيض، والمبتدأة فيهما سواء.
فدل أنه لا فرق بين العادة وغيرها، وحكى ابن أبي هريرة زجهًا ثالثًا عن بعض أصحابنا، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، أنه إن تقدم دم أسود ولو بعض يوم، فالصفوة التي بعده هي حيض مع الأسود.
وإن لم يتقدم دم أسود لا يكون حيضًا، قال القفال: وإلى هذا الوجه الثالث أشاء الشافعي في"كتاب العدة"، قال لو اعتدت امرأة قرءين ثم رأت في القرء الثالث دفعة سواء، ثم رأت صفرة أو كدرة حتى جمد يومًا وليلة ثم انقطع قدرًا انقضت عدتها.
يعني بالطعن في هذه الدفعة التي كملت بالصفوة يومًا وليلة.
فحصل من هذا أن لصفوة والكدرة حيض في أيام العادة بالاتفاق.
وقيل: إن مراد الشافعي به أن لا ترى المرأة في أيام عادتها دمًا سائلًا، ولكنها إذا استدخلت قطنة أو خرقة، ثم استخرجت فرأت عليها صفرة أو كدرة، فإنه يحكم لها، بحكم الحيض كالدم السائل، وفي أيام الإمكان ثلاثة أوجه.
قال داود: لا يكون حيضًا أصلًا، والمذهب الأول؛ لأن كل دم كان حيضًا [276 أ/1] في وقت العادة كان حيضًا في
غير وقت العادة كالدم الأسود.
ولأن الله تعالى وصف الحيض بأنه أذى، وهذا يتناول الصفرة والكدرة.
واحتجوا بما روي عن أم عطية-وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت:"كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل شيئًا".
وقال علي-رضي لله عنه- في الصفرة والكدرة بعد الطهر: ليس بحيضة، ولا تترك لها الصلاة.
وحكاه أبو سليمان الخطابي عن الثوري والأوزاعي، قلنا: روي أصحابنا عن عائشة-رضي الله عنها- أنها قالت:"كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا" وقولها أولى، وقال أبو يوسف في رواية الطحاوي: إنها قد رأت يومًا
وليلة دمًا، ثم رأت بعد صفرة أو كدرة فهو حيض وإلا فلا.
وحكي عنه أنه قال: الصفرة حيض والكدرة حيض إلا أن يتقدمها دم أسود.
وقيل: هذا قول محمد أيضًا.
فصل
في التفريغ على هذا إذا كانت تحيض من أول كل شهر خمسة أيام وتطهر في الباقي، فرأت في بعض الشهور في تلك الخمسة صفرة أو كدرة، وانقطع كانت الصفرة والكدرة حيضًا في ظاهر المذهب.
وقول الإصطخري: ولا يكون حيضًا في الوجه الثالث، وإن كانت عادتها خمسة في كل شهر [276 ب/1]، فلما كان في هذا الشهر رأت الخمسة بحالها، ثم رأت صفرة وكدرة إلى تمام خمسة عشر فما دونها ثم انقطع، فالدم الأسود حيض وأما الصفرة والكدرة ففي قول الإصطخري لا تكون حيضًا، وفي قول غيره تكون حيضًا وإن كانت المسألة بحالها قرأت الخمسة بحالها، ثم رأت صفرة وكدرة خمسة أيام، ثم رأت خمسة أسود وانقطع، قال ابن سريج هاهنا: هذه الصفرة هي بمنزلة دم الاستحاضة ولا تكون حيضًا، وهو قول الإصطخري: فإن قلنا: لا تلفق الدماء فالكل حيض، وإن قلما: تلفق بجمع الدم الأسود إلى الدم الأسود، فيكون حيضها غيره، والصفرة والكدرة طهر بينهما، ووجه هذا أن عادة دم الحيض أنه إذا تطاولت به الأيام يرق ويضعف، فيعمل على أنه بقية الحيض.
وإن رأت دمًا أسود بعد ذلك لا يمكن أن يحمل على البقية والضعف بطول الأيام؛ لأنه لو كان كذلك ثم جاء بعده دم أسود فجعلناه طهرًا بخلاف ما إذا لم ير بعده دمًا أسود، فإن كانت بحالها فرأت مكان الصفوة والكدرة دمًا أحمر؟ قال ابن سريج: الكل حيض الأسود والأحمر معًا.
قال: والفرق بينهما أن الأحمر إلى السواد أقرب، بالحيض أشبه [277 أ/1]، والصفرة والكدرة إلى النقاء أقرب، وبالطهر أشبه على المذهب في كلتا المسألتين