بحر المذهب للرويانيصفحات 267-272

أحدهما: لهم تعليم الناس السحر لينهوا عنه بعد علمهم به لأنهم إذا جهلوا لم يقدروا على الاجتناب منه كالذي لا يعرف الكفر لا يمكنه الامتناع منه.
والثاني: ليس لهم تعليم السحر ولا إظهاره للناس لما في تعليمه من الإغراء بفعله، وقد كان السحر فاشيًا تعلموه من الشياطين فاختص الملكان بالنهي عنه ويكون تأويل قوله على كلا الوجهين إنما نحن فتنة أي اختبار وابتلاء وفي قوله: فلا تكفر وجهان: أحدهما: فلا تكفر بالسحر.
والثاني: فلا تكفر بتكذيبك لنهي الله عن السحر ثم قال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان: أحدهما: من هاروت وماروت.
والثاني: من السحر والكفرة ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان: أحدهما: يفرقون بنيهما بالسحر الذي تعلمون.
والثاني: يفرقون بينهما بالكفر لأن اختلاف الدين بالإيمان والكفر مفرق بين الزوجين كالردة ثم قال تعالى: ﴿ومَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ﴾ [البقرة: 102] من يعني بالسحر ﴿مِنْ أَحَدٍ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان: أحدهما: بأمر الله.
والثاني: بعلم الله ثم قال: ﴿ويَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: 102] يعني يضرهم في الآخرة ولا ينفعهم في الدنيا ثم قال: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: 102] يعني السحر بما يبذله للساحر ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان: أحدهما: من نصيب.
والثاني: من دين.
فصل: فإذا تقرر ما ذكرنا من تفسير الآية التي هي أصل يستنبط منه أحكام السحر فقد اختلف أهل العربية في معنى السحر في اللغة على وجهين: أحدهما: أنها إخفاء الخداع وتدليش الأباطيل ومنه قول امرئ القيس: أرانا موضعين لأمر غيب... ونسخر بالطعام وبالشراب أي نخدع.
والثاني: قاله ابن مسعود كنا نسمي السحر في الجاهلية العضة والعضة شهادة البهت وتمويه الكذب، وأنشد الخليل: أعوذ بربي من النفاثات... ومن عضة العاضة المعضة والكلام في السحر يشتمل على ثلاثة فصول:

أحدهما: في حقيقة السحر.
والثاني: في تأثير السحر.
والثالث: في حكم السحر.
فأما الفصل الأول: في حقيقة السحر، فقد اختلف الناس فيها، فالذي عليه الفقهاء والشافعي وأبو حنيفة ومالك وكثير من المتكلمين أنه له حقيقة وتأثيرًا وذهب معتزلة المتكلمين والمغربي من أهل الظاهر، وأبو جعفر الاستراباذي من أصحاب الشافعي، إلي أن لا حقيقة للسحر ولا تأثير وإنما هو تخييل وتمويه كالشعبذة لا تحدث في المسحور إلا التوهم وللاستشعار استدلالًا بقوله تعالى: في قصة فرعون وموسى ﴿فإذَا حِبَالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾ [طه: 66 - 67] فأخبر أنه تخييل لا حقيقة له، وذلك أنهم جعلوا فيما مثلوه بالحيات من الحبال والعصي زئبقًا واستقبلوا بها مطلع الشمس فلما حمى بها ساح وسرى فسرت تلك الحبال كالحيات السارية ومعلوم من هذا أنه تخييل باطل، ولأنه لو كان للسحر حقيقة لخرق العاجات، وبطل به المعجزات وزالت دلائل النبوات ولما وقع الفرق بين النبي والساحر، وبين الحق والباطل وفي هذا دفع الأصول الشرائع وإبطال الحقائق وما أدى إلي هذا فهو مدفوع عقلًا وشرعًا، والدليل على أن السحر حقيقة وتأثيرًا ما قدمناه من الآية على ما بيناه من التفسير مع اختلاف مع تضمنها من التأويل ولو لم تكن له حقيقة لأبان فساده ولذكر بطلانه، ولما كان للنهي عنه موقعًا وفي هذا ردًا لما نطق به التنزيل فكان مدفوعًا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ومِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ﴾ [الفلق: 4].
والنفاثات السواحر، في قول الجميع ينفش في عقد الخيط للسحر.
روى الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئًا وكل إلي فلو لم يكن للسحر تأثير لما أمر بالاستعاذة من شره ولكان السحر كغيره.
ويدل عليه ما روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى شكوى شديدة فبينما هو كالنائم واليقظان إذا ملكان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما: ما شكواه فقال: مطبوب أي مسحور والطب السحر قال: ومن طبه قال: لبيد بن أعصم اليهودي، وطرحه في بئر ذروان تحت صخرة فيها.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر فاستخرج منها وترًا فيه إحدى عشرة عقدة'فأمر بحل العقد فكان كما حل عقدة وجد راحة حتى حلت العقد كلها فكأنما نشط من عقال.
فنزلت عليه المعوذتان وهما إحدى عشر آية بعدد العقد، وأمر أن يتعوذ بهما وقد روي هذا الخبر من طرق شتى تختلف ألفاظه وتتفق معانيه ورواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث أيامًا يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن فاستيقظ ذات ليلة وقال: يا عائشة قد أفتاني ربي فيما استفتيته فيه

أتاني رجلان في المنام وذكرت مثله حديث ابن عباس على اختلاف في الألفاظ.
وإذا أثر في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل، وأثر فيه حين نشط لما عصمه الله تعالى من بين خلقه كان أولى أن يؤثر في غيره فإن قيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من السحر لما في استمراره من خلل العقل وقد أنكر الله تعالى على من قال في رسوله: ﴿وقَالَ الظَّالِمُونَ إن تَتَّبِعُونَ إلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا﴾ [الفرقان: 8] قبل عصمة الرسول مختصة بعقله ودينه وهو في المرض كغيره من الناس وقد سم يهود ذراعًا مشوية وقدمت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منها ومرض في آخر عمره فكان يقول: ما زالت أكلت خيبر تعادني فهذا أوان قطعت أبهري فكان في ذلك كغيره، ولما أجرى الشيطان على لسانه حين قرأ في سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ والْعُزَّى (19) ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم 19 - 20] تلك الغرانيق العلي وإن شفاعتهم لترتجي أزل الله تعالى ذلك عنه وعصمه منه، ويدل عليه ما روى نافع عن ابن عمر قال: أرسلني عمر بن الخطاب إلي خيبر لأقسم ثمارها بينهم وبين المسلمين فسحروني فتكوعت بيدي فأجلاهم عمر عن الحجاز، فلولا أن للسحر حقيقة وتأثرًا لما أجمع عليه الصحابة وانتشر في الكافة، لما أجلاهم عمر من ديارهم ولراجعته الصحابة فيهم كما راجعوه في غيره من الأمور العظيمة المحتملة.
وقد روى بجالة قال: كتب عمر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقلنا: ثلاث سواحر ويدل عليه أن الله تعالى جعل معجزة موسى في العصا لكثرة السحر في زمانه ومعجزة عيسى بإحياء الموتى لكثرة الطب في زمانه ومعجزة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن لكثرة الفصحاء في زمانه.
فلو لم يكن للسحر حقيقة، كما للطب والفصاحة حقيقة، لضعف معجزة موسى في علوه على السحرة لأنه دفع ما لا تأثير له وليس لدفع ما لا تأثير له تأثير، وإنما التأثير في دفع ماله تأثير كما كان لإحياء الموتى تأثير على الطب ولفصاحة القرآن على فصاحة الكلام تأثير.
فأما الجواب عن استدلالهم بالآية، فهو أن حقيقة السحر آثاره وإن لم تكن لأفعال السحر حقيقة وقد أثر سحرهم في موسى ما أوجسه من الخوف في نفسه.
وأما الجواب عن استدلالهم بما فيه خرق العادات وإبطال المعجزات، فهو خرق العادات في غير السحرة وليس بخرق العادات في السحرة كما أن الشعبذة خرق العادات في غير المتشعبذة وليس بخرق العادات في المتشعبذة وليس فيه إبطال المعجزات، لأن الشعبذة في خرق العادات كالسحر وليس فيها إبطال المعجزات، فكذلك السحر، لأن خرق العادات بالمعجزات مخالف لخرقها بالسحر والشعبذة، لأن أفعال المعجزات حقيقة وأفعال السحرة مستحيلة لأن موسى لما فلق البحر ظهرت أرضه حتى سار فيه موسى وقومه على اليابس، ولما ألقى السحرة حبالهم حتى ظنها الناظر حيات ظهر استحالتها وعادت إلي حالها، والله ولي العصمة.
وأما الفصل الثاني وهو تأثير السحر.

فقد ذهب قوم ممن ضعفت في العلم مخابرهم، وقلت فيه معرفتهم إلي أن الساحر قد يقلب بسحره الأعيان، ويحدث به الأجسام، ويجعل الإنسان حمارًا بحسب ما هو عليه من قوة السحر وضعفه، وهذا واضح الاستحالة من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لو ثبت على هذا لصار خالقًا وهو مخلوق ورازقًا وهو مرزوق وربًا وهو مربوب، وشارك الله تعالى في قدرته وعارضه في حكمته.
والثاني: أنه لو قرر على هذا في غيره لقدر عليه في نفسه فيردها إلي الشباب بعد الهرم، وإلي الوجود بعد العدم يدفع الموت عن نفسه فصار من المخلدين وباين جميع المخلوقين.
والثالث: أنه يؤدي إلي إبطال جميع الحقائق، وأن لا يقع فرق بين الحق والباطل ولجاز أن تكون جميع الأجسام مما قيلت السحرة أعيانها، فيكون الحمار إنسانًا والإنسان حمارًا فإذا وضحت استحالة هذا القول بما ذكرنا، فالذي يؤثره السحر عند الشافعي وجماعة الفقهاء أن يوسوس ويمرض وربما قتل، لأن السحر تخييل، كما قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه 66] والتخييل بدوا الوسوسة بدو المرض والمرض بدو التلف، فإذا قوي التخييل حدث عنه الوسوسة، وإذا قويت الوسوسة، حدث عنها المرض، وإذا قوي المرض حدث عنه التلف، فيكون أول مبادئه التخييل ثم الوسوسة ثم التلف وهو غايته فهذه آثار السحر.
وأما الفصل الثالث، وهو أحكام السحر فيشتمل على قسمين: أحدهما: حكم السحر.
والثاني: حكم تعلم السحر، فأما القسم الأول في حكم الساحر فقد اختلف فيه الفقهاء، فذهب أبو حنيفة ومالك إلي أنه كافر يجب قتله ولم يقطعا بكفره ومذهب الشافعي أنه لا يكفر بالسحر ولا يجب به قتله ويسأل عنه، فإن اعترف معه، بما يوجب كفره وإباحة دمه كان كافرًا بمعتقده لا بسحرة وكذلك لو اعتقد إبانة السحر صار كافرًا باعتقاد إباحته لا بفعل فيقتل حينئٍذ بما انضم إلي السحر لا بالسحر بعد أن تعرض عليه التوبة فلا يتوب.
واحتج من أوجب به القتل برواية الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حد الساحر ضربة بالسيف يعني به القتل، وبرواية عمرو بن دينار عن بجالة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساخر فقتلنا ثلاث سواحر ولم يكن من الصحابة خلاف فثبت أنه إجماع وبما روي أن جارية لحفصة سحرت حفصة فبعثت بها إلي عبد الرحمن بن زيد فقتلها ولأن الساحر يضاهي بسحره أفعال الخالق ومثل هذا يوجب القتل.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها فكان على عمومه في كل من قالها من ساحر وغير ساحر، ولأن لبيد بن أعصم اليهودي حليف بني زريق قد سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم

يقتله وهو تحت قدرته، وقد كان على عهده كثير من السحرة فما قتل واحدًا منهم ولو وجب قتلهم ما أضاع حدود الله تعالى فيهم.
وروي أن عائشة رضي الله عنها مرضت فسأل بعض بني أخيها طبيبًا من الزط عن مرضها فقال: هذه امرأة سحرتها أمتها فسألت عائشة أمتها وكانت مدبرة لها فاعترفت بالسحر وقالت: سألتك العتق فلم تعتقيني فباعتها عائشة واشترت بثمنها أمة أعتقتها، ولو كان قتلها مستحقًا ما استجارت بيعها واستهلاك ثمنها على مشتريها، وكانت الصحابة تنكر عليها بيعها، ولأن السحر تخييل كالشعبذة، وهي لا توجب الكفر والقتل فكذلك السحر.
فأما الجواب عن الخبر، فرواه الحسن وهو مرسل، وضربة بالسيف، قد لا يكون قتلًا فلم يكن صريحًا فيه: وأما حديث عمر فراوية بجالة لم يلق عمر فكان أيضًا مرسلًا ولو صح لكان مذهبًا له، وأما حفصة فقد أنكر عثمان بن عفان رضي الله عنه عليها قتلها ولو كان مستحقًا لم ينكره، وأما قولهم إنه مضاه لأفعال الخالق عليه وفيه، لأن غاية سحره أن يؤذي وليس كل مؤٍذ ومضر مضاهيًا لأفعال خالقه كالضارب والقاتل.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو حكم تعلم السحر: وتعلمه محرم محظور؛ لأنه تعلمه داع إلي فعله والعمر به وما دعا إلي المحظور كان محظورًا وقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس منا من سحر له وليس منا من تكهن له وليس منا من تطير أو تطير له: فإن تعلمه لم يكفر به.
وقال أبو حنيفة: يكفر بتعلمه لقول الله تعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102] وهذا مذهب، يفسد من وجهين: أحدهما: أن الإيمان والكفر مختص بالاعتقاد وتعلم السحر ليس باعتقاد فلم يطلق عليه الكفر.
والثاني: أن تعلم الكفر أغلط من تعلم السحر وهو لا يكفر بتعلم الكفر فأولى أن لا يكفر بتعلم السحر، فأما الدية فهي واردة في معلم السحر دون متعلمه وفوق ما بين المعلم والمتعلم لأن المعلم مثبت والمتعلم متخير كما وقع الفرق بين معلم الكفر ومتعلمه وعلى أن الشياطين كانوا كفرة بغير السحر، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا سحر رجلًا فمات سئل عن سحره فإن قال أنا أعمل هذا لأقتل فأخطئ القتل وأصيب وقد مات من عملي ففيه الدية وإن قال مرض منه ولم يمت أقسم أولياؤه لمات من ذلك العمل وكانت الدية وإن قال عملي يقتل

المعمول به وقد عمدت قتله به قتل به قودًا".
قال في الحاوي: وأنا السحر فهو ما يخفى فعله من الساحر ويخفى فعله من المسحور فلا يمكن أن يوصف في الدعوى على الساحر ولا تقوم به بينة في المسحور، فإذا ادعى رجل على ساحر أنه سحر وليًا له، فقتله بسحره، لم يستوصف عن السحر لخفائه عليه ولا يكلف البينة لامتناعها فإذا امتنعا رجع إلي سؤال الساحر على سحر أو لم يسحر، فإن أنكر أن يكون ساحرًا أو اعترف بالسرح وأنكر أن يكون قد سحره فالقول قوله مع يمينه ولا شيء عليه وإن اعترف أنه سحره سئل عن سحره، لأن آثار السحر مختلفة وليس يمكن العمل فيها إلا على قول الساحر ولا يخلو حال بيانه من أربعة أقسام: أحدها: أن يقول: عمدت سحره وسحري يقتل في الأغلب وإن جاز أن لا يثتل فهذا قاتل عمد محض وعليه القود.
وقال أبو حنيفة: لا قود عليه بناء على أصله في أن قود إلا بالمحدد، ودليلنا أنه قتله بما قتل مثله في الأغلب، فوجب أن يستحق في عمده القود كالمحدد.
والثاني: أن يقول: سحري لا يقتل في الأغلب وإن جاز أن يقتل وقد مات من سحري، فهذا قاتل عمد شبه الخطأ عليه الدية مغلظة دون القود.
وقال أبو حنيفة: لا دية عليه احتجاجًا بأن القتل إنما يضمن بالمباشرة أو بالأسباب الحادثة عن المباشرة وليس في السحر واحد منها فلم توجب ضمان النفس كالشتم والبهت.
ودليلنا: هو أن القتل حدث عن سبب قاتل فجاز أن يتعلق به ضمان النفس كالسم وحفر بئر ولأنه ليس يمتنع أن ينفصل من الساحر ما يتصل بالمسحور، كما ينفصل من المتثاوب ما يتصل بالمقابل له فيثاوب وكما ينفصل من نظر الذي يعين ما استحسن فيتصل بالمعين والمستحسن.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: العين حق كما أنا حق وفي هذا الدليل انفصال.
والثالث: أن يقول: سحري يمرض ولا يقتل وقد أمرضه سحري ومات بغيره فهذا يعتبر فيه حال المسحور فإذا لم يزل ضمنًا مريضًا من وقت السحر إلي وقت الموت فالظاهر منه حدوث موته من مرض سحره، فيكون القول قول ولي المسحور مع يمينه، وإن كان قد انقطع عنه المرض وصار داخلًا خارجًا فالظاهر من موته أنه بسبب حادث غير سحره، فيحلف الساحر: لقد مات من غير سحره كالجراحة إذا حدث بعدها موت المجروح، واختلف الولي والجارح فإن لم يندمل الجرح، وكان على ألمه، فالقول قول الولي مع يمينه، وإن اندمل وزال الألم فالقول قوم الجارح مع يمينه.
والرابع: أن يقول سحري قد يمرض ولا يمرض وما أمرضه سحري فالقول قوله مع يمينه ولا شيء عليه ويعزر أدبًا وزجرًا ويستتاب، فإن لم يتب عزر إذا سحر ولا يعزر بعد امتناعه من التوبة إذا لم يسحر، وبالله التوفيق.

جارٍ التحميل