باب من تجوز شهادته ومن لا تجوز ومن يشهد بعد رد شهادته.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ليس من الناس أحد نعلمه إلا أن يكون قليلًا يمحض الطاعة والمروءة حتى لا يخلطهما بمعصيٍة ولا يمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما شيئًا من الطاعة والمروءة فإذا كان الأغلب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة ردت شهادته".
قال في الحاوي: وإنما فصل المزني الشهادات كتابين، أولًا وثانيًا، لأن الأول متصل بالحكم، فأضافه إلي أدب القاضي.
والثاني: في صفة الشاهد في القبول والرد أفرده عن الأول.
والمقبول الشهادة، وهو العدل، والمردود الشهادة هو الفاسق فأما قبول شهادة من العدل، فلقوله تعالى ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2].
وقوله: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ﴾ [البقرة: 282] والرضا متوجه إلي العدل منتصف عن الفاسق.
وأما التوقف عن شهادة الفاسق فلقوله تعالى: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6] والنبأ: الخبر.
وكل شهادة خبر وإن لم يكن كل خبر شهادة.
ولقوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18].
فالمنع من المساواة إذا أوجب قبول العدل أوجب رد الفاسق وقيل إن هاتين الآيتين في الفاسق نزلتا في الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
وسبب نزول الآية الأولى فيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذه إلي قبيلة مصدقًا فأخذ من صدقتها، وكان بينه وبين القوم إحن، فتوجه إليهم وعاد فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم منعوه الصدقة ولم يمنعوه، فهو بغزوهم حتى أنزل الله تعالى فيه ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] فكفى عنهم وعلى بحالهم.
وأما الآية الثانية فبسبب نزلها: أنه استطال على علي بن أبي طالب عليه السلام
ذات يوم وقال: أنا أثبت منك جنانًا، أفصح منك لسانًا، وأهد منك سنانًا فنزل فيه ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ يعني بالمؤمن علي ابن أبي طالب وبالفاسق الوليد بن عقبة ﴿يَسْتَوُونَ﴾ يعني في أحكام الدنيا ومنازل الآخرة.
وأما اسم العدل فهو العديل، لأنه معادل لما جازاه والمعادلة المساواة، وهو في الشرع حقيقة فيما كان مرضي الدين والمروءة لاعتداله.
وأما اسم الفاسق فهو في اللغة: مأخوذ من الخروج عن الشيء يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، فسمي الغراب فاسقًا لخروجه من مألفه وسميت الفأرة قويسقة لخروجها من جحرها.
وهو في الشرع حقيقة فمن كان مسخوط الدين والطريقة لخروجه عن الاعتدال.
فصل:
فإذا تقرر فرق ما بين العدل والفاسق، وجب العدول إلي صفة العدل وإلي صفة الفاسق، ليكون من وجدت فيه العدالة مقبولًا، ومن وجد فيه الفسق مردودًا.
فالعدل في الشهادة من تكاملت فيه ثلاثة خصال:
إحداهن: أن يكون من أهلها، وذلك بثلاثة أمور: أن يكون مكلفًا، حرًا، مسلمًا.
وليس عدم التكليف والحرية موجبًا لفسقه وإن كان وجودهما شرطًا في عدالته.
والثانية: كمال دينه، وذلك بثلاثة أمور:
أن يكون محافظًا على طاعة الله تعالى في أوامره مجانبًا لكبائر المعاصي غير مصر على صغائرها.
والكبائر: ما وجبت فيها الحدود وتوجه إليها الوعيد.
والصغائر: ما قيل فيها الإثم.
قال الله تعالى: ﴿إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ والْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32].
وفي هذه الكبائر لأهل التأويل أربعة أقاويل:
أحدها: ما زجر عنه بالحد.
والثاني: ما لا يكفر إلا بالتوبة.
والثالث: ما رواه شرحبيل عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكبائر.
فقال: "أن تدعو لله ندًا وهو خلقك وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، وأن تزاني بحليلة جارك".
والرابع: ما روى سعيد بن جبير أن رجلًا سأل ابن عباس: كم الكبائر؟ أسبع هي؟ قال: هي إلي سبعمائة أقرب منها إلي سبع، لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار.
فكان يرى كبائر الإثم ما لم يستغفر الله عنه إلا بالتوبة.
وأما الفواحش ففيها قولان:
أحدهما: أنها الزنا.
والثاني: أنها جميع المعاصي.
وأما اللم ففيه أربعة أقاويل:
أحدها: أن يعزم على المعصية ثم يرجع عنها قد روى عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أني النبي صلى الله عليه وسلم قالك"إن تغفر اللهم تغفر جمًا وأي عبد لك إلا ألمًا".
والثاني: أن يلم بالمعصية يفعلها ثم يتوب عنها، قاله الحسن ومجاهد.
والثالث: أن اللمم ما لم يجب عليه حد في الدنيا، ولم يستحق عليه في الآخرة عقاب.
قاله مجاهد.
والرابع: أن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة، والنظرة والمضاجعة.
قاله ابن مسعود.
وروى طاوس عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم من قول أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كتب الله على كل نفس حظها من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، واللسان النطق، هي النفس تمني وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".
والثالثة: ظهور المروءة.
وهي على ثلاثة أضرب:
ضرب يكون شرطًا في العدالة.
وضرب لا يكون شرطًا فيها.
وضرب مختلف فيه.
وأما ما يكون شرطًا فيها فهو: مجانبة ما سخف من الكلام المؤذي أو المضحك وترك ما قبح من الضحك الذي يلهو به.
أو يستقبح لمعرفته أو أدائه، فمجانبة ذلك من المروءة التي هي شرط في العدالة وارتكابها مفض إلي الفسق.
ولذلك نتف اللحية من السفه الذي ترد به الشهادة، وكذلك خضاب اللحية من السفه التي ترد به الشهادة، لما فيها من تغيير خلق الله تعالى.
فأما ما لا يكون شرطًا فيها فهو الإفضال بالمال والطعام والمساعدة بالنفس والجاه، فهذا من المروءة وليش بشرط في العدالة.
فأما المختلف فيه فضربان: عادات، وصنائع.
فأما العادات فهو أن يقتدي فيها بأهل الصيانة دون أهل البذلة، في ملبسه ومأكله وتصرفه.
فلا يتعرى عن ثيابه في بلد يلبس فيه أهل الصيانة ثيابهم.
ولا ينزع سراويله في بلد يلبس في أهل الصيانة سراويلهم، ولا كشف رأسه في بلد يغطي فيه أهل الصيانة فيه رؤوسهم.
وإن كان في بلد لا يجافي في أهل الصيانة ذلك فيه، كان عفوًا، كالحجاز والبحر الذي يقتصر أهله فيه على لبس المئزر.
وأما المأكل فلا يأكل على قوارع الطرق ولا في مشبه، ولا يخرج عن العرف في مضغه، ولا يعاني بكثرة أكله.
وأما التصرف فلا يباشر ابتياع مأكوله ومشروبه وحمله بنفسه في بلد يتجافاه أهل الصيانة إلي نظائر هذا مما فيه بذلة وترك تصون.
وفي اعتبار هذا الضرب من المروءة في شروط العدالة أربعة أوجه:
أحدها: أنه غير معتبر فيها لإباحته.
قد باع رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى فيمن يزيد واشترى سراويل بأربعة دراهم.
وقال: "يا وزان زن وأرجح".
وقال الروي: فأخذته لأحمله.
فقال: "دعه فصاحب المتاع أحق بحمله".
وقيل لعائشة: ما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزله إذا خلا؟ قالت: كان يخصف النعل ويرقع الدلو.
وكان أبو بكر رضي الله عنه يسلك الطريق في خلافته وهو متخلل بعباءة ربطها بشوكة.
وكان عمر رضي الله عنه يلبس المرقعة، ويهنأ بعيره بيده ويقوده.
وقد اشترى علي رضي الله عنه قميصًا وأتى تجارًا فوضع كمه وقال: اقطع ما فضل عن الأصابع، فقطعه بفأس فقيل له: لو كففته؟ قال: دعه يتسلل مع الزمان.
وعمل بالأجر في حائط وأجر نفسه من يهودية ليسقي كل دابة بتمرة.
وما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وجاز، لا يجوز أن يكون قادحًا في العدالة، لأن المروءة مشتقة من المرء وهو الإنسان فصارت الإشارة بها إلي الإنسانية، فانتفت العدالة عن من لا إنسانية فيه، ولأن المروءة من دواعي الحياة.
والثاني: أن هذا الضرب من المروءة شرط معتبر في العدالة، ولأن المروءة مشتقة من المروءة وهو الإنسان، فصارت الإشارة بها للإنسانية، فانتفت العدالة عن من لا إنسانية فيه، ولأن حفظ المروءة من دواعي الحياء.
وإن كان لا يفسق به، لأن العدالة في الشهادة للفضيلة المختصة بها، وهي تالية لفضيلة النبوة.
قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء 41].
وقال الله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة 143].
وقال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ [المعارج 33 - 35].
وما كان بهذه المنزلة من الفضيلة امتنع أن يكون مسترسلًا في البذلة، وليس ما فعله عن الصدر الأول بذلة، لأنه لم يخرج من عرف أهله في الزهادة والانحراف عن الدنيا إلي الآخرة.
وقد روى أبو مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
ولأن إقدامه على البذلة والعدول عن الصيانة دليل على اطراح الصيانة والتحفظ في حق نفسه فكان أولى أن يقل تحفظه في حق غيره.
والثالث: أنه إن كان قد نشأ عليها من صغره لم تقدح في عدالته وإن استحدثها في كبيرة قدحت في عدالته؛ لأنه يصير بالمنشأ مطبوعًا بها وبالاستحداث مختارًا لها.
والرابع: إن اختصت بالدين قدحت في عدالته كالبول قائمًا وفي الماء الراكد، وكشف العورة إذا خلا، وإن يتحدث بمساوئ الناس، وإن اختصت بالدنيا لم تقدح في عدالته.
كالأكل في الطريق وكشف الرأس "بين الناس"والمشي حافيًا، لأن مروءة الدين مشروعة ومروءة الدنيا مستحسنة.
فصل:
وأما الصنائع فضربان: مسترذل وغير مسترذل.
فأما غير المسترذل كالزراعة والصناعة، فغير قادح في العدالة، لأنها مما لا يستغني الناس عن الاكتساب بصنائعهم ومتاجرهم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وإن من الذنوب ما لا يكفر صوم ولا صلاة ويكفره عرق الجبين في طلب الحرفة".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله".
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أكذب الناس الصباغون والصواغون"قيل: هذا موقوف على أبي هريرة وليس بمسند، لأنه سمع قومًا يرجفون بشيء فقال: كذبة قالها الصباغون والصواغون.
وإن ثبت مسندًا فقد اختلف أهل العلم في تأويله.
فقال بعضهم: لأنهم يعدون ويخلفون.
وإخلافه الوعد كاذب.
وقال آخرون: لأن الصباغين يسمون الألوان بما أشبهها فيقولون: هذا لون الشقائق ولون الشفق ولون النارنج.
والصواغون يسمون الأشكال بما يماثلها، فيقولون: هذا زرع وهذا شجر، وتسمية الشيء بغير اسمه كذب.
وقال آخرون: يريدون بالصباغين الذي يصبغون الكلام فيغيرون الصدق بالكذب، لأن الصبغ تغيير اللون بغيره.
ويريد بالصواغين الذين يصوغون الكلام ومنهم الشعراء.
لأنهم يكذبون في التشبيه والتشيب.
فإن كانوا على التأويل الأول ردت به شهادتهم، لأن مخالفة الوعد كذب.
وإن كانوا على التأويل الثاني، لم ترد به الشهادة، لأنه مخالفة الاسم استعارة، وإن كانوا على التأويل الثالث، ردت الشهادة في الصباغين ولم ترد في الصواغين إذا سلموا من الكذب.
وأما المسترذل من الصنائع فضربان:
أحدهما: ما كان مسترذلًا في الدين كالمباشرين للأنجاس من الكناسين والزبالين، والحجامين، أو المشاهدين للعورات كالقيم والمزين.
والثاني: ما كان مسترذلًا في الدنيا كالنسيج والحياكة، وما يدنس برائحته كالقصاب والسماك.
فإن لم يحافظ هؤلاء على إزالة الأنجاس من أيديهم وثيابهم في أوقات صلواتهم وقصروا في حقوق الله تعالى عليهم، كان ذلك جرحًا في عدالتهم وقدحًا في ديانتهم.
وإن حافظوا على إزالة النجاسة، والقيام بحقوق العدالة، ففي قدح في عدالتهم ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه يقدح فيها، لأن الرضا بها في الاسترذال قدج.
والثاني: أنه لا يقدح في العدالة لأنه لا يجد الناس منها بدًا.
ولأنها مستباحة شرعًا.
والثالث: أنه يقدح في العدالة منها ما استرذل في الدين.
ولا يقدج فيها ما استرذل في الدنيا، لا سيما الحياكة لكثرة الخير في أهلها.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من شروط العدالة، وأنها فعل الطاعات واجتناب المعاصي، ولزوم المروءة على التفصيل الذي ذكرنا.
فقد قال الشافعي: "ليس أحد من الناس نعلمه إلا أن يكون قليلًا بمحض الطاعة والمروءة.
حتى لا يخلطهما بمعصية ولا بمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما
بشيء من الطاعة والمروءة".
وهذا صحيح لأن في غرائز أنفسهم دواعي الطاعات ودواعي المعاصي فلم يتمحض وجود أحدهما مع اجتماع سببهما وقد قال الشاعر:
من لك بالمحض وليس محض... يحيق بعض ويطيب بعض
ولأن أفضل الناس الأنبياء وقد قال الله تعالى: ﴿وعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121].
وقال الله تعالى: ﴿وظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص: 24] وقال: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 24] وقال تعالى في يونس: ﴿لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما منا معاشر الأنبياء إلا من عصى الله أو هم بمعصية إلا أخي يحي بن زكريا".
وقيل: إنه اختبر يحيى في كوز ماء رآه مملوءًا وفرغ وهو لا يعلم.
وقيل له: ما في الموز فقال: كان فيه ماء، ولم يقل فيه ماء فيكون كذبًا فتحفظ حتى سلم.
ولأن أعصى خلق الله إبليس وقد كانت منه طاعة في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص 82 - 83].
وإذا لم يسلم أحد من الطاعة والمعصية، لم يجز أن تكون العدالة مقصورة على خلوص الطاعات.
ولا الفسق مقصورًا على خلوص المعاصي لامتناع خلوص كل واحد منهما.
ولا اعتبار بالممتنع فوجب أن يعتبر الأغلب من أحوال الإنسان.
فإن كان الأغلب عليه الطاعة والمروءة، حكم بعدالته وقبول شهادته، وإن عصى ببعض الصغائر، وإن كان الأغلب عليه المعصية وترك المروءة، حكم بفسقه ورد شهادته وإن أطاع في بعض أحواله.
قال الله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (102) ومَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 102 - 103].
وقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ وإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].
فغلب حكم الأغلب كما غلب في الإباحة والحظر حكم الأغلب وفي استعمال الماء إذا اختلط بمائع.
وفي نكاح النساء إذا اختلطت بأخت إن كانت في عدد محصور، حرمن عليه حتى تتعين له من ليست بأخت فتحل، وإن كانت في جم غفير حللن له حتى تتعين له من هي أخت فتحرم.
فوجب أن يكون حكم الأغلب أصلًا معتبرًا في العدالة والفسق.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يقبل الشاهد حتى يثبت عنده بخبٍر منه أو بينٍة أنه حر".
قال في الحاوي: وقد تقرر بما ذكرنا أن العدالة في الشهادة معتبرة بثلاثة أشياء: بدينه، ومروءته، وان يكون من أهلها.
فأما اعتبارها بدينة، فيكون بثلاثة أشياء:
أحدهما: أن يواظب على فعل الطاعات في العبادات والمعاملات.
والثاني: أن يجتنب كبائر الإثم والمعاصي من الزنا واللواط والقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر.
والثالث: أن لا يصر على صغائر المعاصي، وإصراره عليها الإكثار منها وقلة الانقباض عنها.
وهذا معتبر فيه باطنًا وظاهرًا، وثبوته عند الحاكم قد يكون من وجهين:
أحدهما: أن يعلمه من حاله، فيجوز أن يعمل فيه بعلمه سواء قيل للحاكم أن يحكم بعلمه أم لا؛ لأنها صفة إخبار تتقدم على الحكم.
والثاني: أن يجهل حاله فتثبت عدالته بالبينة العادلة على ما وصفنا في أدب القاضي.
من أهلي المعرفة الباطنة به.
ولا يجوز أن يحكم بعدالته بقوله: إنني عدل، ويجوز أن يحكم فسقه بقوله: إني فاسق، لأنه متهوم في التعديل وغير متهوم في الجرح، لأن العدالة توجب له حقًا والفسق يوجب عليه حقًا.
فصل:
وأما المروءة فقد ذكرنا ما يعتبر فيها من المروءة في العدالة وما لا يعتبر وليس لما لا يعتبر منها تأثير.
وأما المعتبر منها، فهو ظاهر في أفعال العدل، فإن عرفه الحاكم عمل فيها بمعرفته.
وإن خفيت عليه سأل عنها.
وهل تثبت عنده بخبر أو شهادة؟ على وجهين:
أحدهما: لا تثبت عنده إلا بشهادة، كالعدالة في الدين، ولا تثبت إلا بشاهدي عدل قد جرياه على قديم الوقت وحديثه.
والثاني: أنها خبر تثبت بقول من يوثق به وإن كان واحدًا، لأن العدالة في الدين باعثة عليها، فقوي الخبر بها فأقنع.
وأما كونه من أهل العدالة في الدين فتكون بأربعة أشياء: ببلوغه، وعقله، وإسلامه، وحريته.
فأما البلوغ، فإن لم يشتبه حاله فيه لكونه رجلًا مشتدًا فهو مقطوع به وإن اشتبهت حاله فيه، لكونه رجلًا، أمرد، فحكم بحكم الحاكم ببلوغه يكون من أحد أربعة أوجه:
أحدها: أن يظهر عليه شواهد البلوغ بالإثبات، إذا جعل الإثبات في المسلم بلوغًا.
والثاني: أن يعرف الحاكم سنه فيحكم ببلوغه إذا استكمل سن البلوغ.
والثالث: أن يشهد ببلوغه شاهدا عدل فيحكم ببلوغه إذا استكمل سن البلوغ فتكون شهادة لا خبرًا.
والرابع: أن يقول الغلام: قد بلغت فيحكم ببلوغه فتكون شهادة بقوله، لأنه قد يبلغ بالاحتلام الذي لا يعلم إلا من جهته، لأنه قد تتغلظ أحكامه بتوجه التكليف إليه فكان غير متهم فيه.
وأما العقل فيعلم مشاهدة بظهور نتائجه، ولا يحتاج إلى بينة إن خفي لإمكان اختباره مع الاشتباه.
حكي أن امرأة حضرت عند شريح في محاكمة، فقيل له: إنها مجنونة، فقال لها مختبرًا: أي رجليك أطول؟
فمدتها لتقدرهما، فصرفها وحكم بعقلها.
فصل:
فأما الإسلام فيعلم بأربعة أوجه:
أحدها: أن يعلم إسلام أحد أبويه أو كليهما قبل بلوغه فيحكم بإسلامه.
والثاني: أن يتلفظ بالشهادتين فيحكم بإسلامه.
والثالث: أن يرى مصليًا في مساجدنا على قديم الوقت وحديثه فيحكم بإسلامه بظاهر الحال لا بالصلاة لأننا لا نحكم بإسلام الكافر إذا صلى.
والرابع: أن يقول إنني مسلم فيحكم بإسلامه.
وهل يحتاج إلى اختباره بالشهادتين مع الجهل بحاله أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يختبر بهما لأنه أحوط.
والثاني: لا يلزم اختياره بعد إقراره لجريان أحكام الإسلام عليه إن أنكر فإن علم الحاكم إسلامه من أحد هذه الوجوه حكم به، وإن جهله وقامت البينة بإسلامه حكم به ولم يسأل الشهود عن سبب إسلامه.
فأما إذا شوهد في دار الإسلام على قديم الوقت وحديثه، حكم بإسلامه في الظاهر.
ما لم يعلم كفره، لأن ميتًا لو وجد في دار الإسلام، مجهول الحال، وجب غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين اعتبارًا بظاهر الدار.
وهل يكون الحكم بإسلامه في الظاهر موجبًا للحكم بإسلامه في الباطن؟ على وجهين:
أحدهما: يحكم بإسلامه في الباطن تبعًا، فيرث ويورث من غير استكشاف عن إسلامه اكتفاء بظاهرة.
والثاني: لا يحكم بإسلامه في الباطن وإن حكم به في الظاهر لأنه لو أقر بالكفر قبل منه وأجرى عليه حكمه، ولو حكم بإسلامه في الباطن لم يقبل إقراره بالكفر.
وأجرى عليه حكم الردة، وهذا أظهر الوجهين.
وإن حكم بإسلامه في الظاهر والباطن لم يسأل عن إسلامه إن شهد وسأل عن عدالته، وإن حكم به في الظاهر دون الباطن سأل عن إسلامه ثم عن عدالته.
والله أعلم.
فصل:
فأما الحرية وهي مسألة الكتاب: فقد ذكرنا أنها شرط في قبول الشهادة، وليست شرطًا في صحة العدالة، لأن قوله مقبول في الفتيا والأخبار وإن لم يقبل في الشهادة.
وحريته تعلم من وجهين متفق عليهما وثالث مختلف فيه:
أحدهما: أن تلده حرة فيكون حر الأصل.
والثاني: أن يعتقه مالك فيصير حرًا بعد الرق.
والثالث: المختلف فيه: أن يقول: أنا حر، ففي ثبوت حريته بقوله وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من قول الشافعي رضي الله عنه، في هذا الموضع: لا تقبل شهادته حتى يثبت عنده بخبر منه أو بينة أنه حر، فكان ظاهر كلامه أن خبره في حريته مقبول، لأنه لما كان قوله في إسلامه مقبولًا، لأن الظاهر من الدار إسلام أهلها، كان قوله في حريته مقبولًا؛ لأن الظاهر من دار الإسلام حرية أهلها.
والثاني: أن قوله في حريته غير مقبول، وإن كان قوله في إسلامه مقبولًا.
وهذا أظهر الوجهين.
والفرق بين الإسلام والحرية، أنه يملك الإسلام إذا كان كافرًا فملك الإقرار به.
ولم يملك الحرية إذا كان عبدًا فلم يملك الإقرار بها.
ويكون معنى قول الشافعي رضي الله عنه، إلا بخبر منه: يعني من الحاكم؛ لأن يجوز للحاكم أن يعمل بعلمه في أسباب الجرح والتعديل على القولين معًا.
وكان بعض أصحابه يحمل الجميع على القولين في الجرح والتعديل، هل الحكم يعمل فيهما بعلمه أم لا؟ على قولين:
والفرق بينهما أولى لما ذكرناه من المعنى.
فأما قول الشافعي: ولا يقبل الشاهد حتى يثبت عنده بخبر منه أو بينة تشهد أنه حر، فقد اختلف أصحابنا في مراده بنفي القبول على وجهين:
أحدهما: لا تسمع الشهادة حتى يعلم حرية الشاهد وإسلامه فيسمعها ثم يسأل عن عدالته بظهور الحرية والإسلام، وخفاء العدالة.
والثاني: لا يحكم بها حتى يعلم حريته وإسلامه ويجوز أن يسمعها قبل العلم بحريته وإسلامه كالعدالة والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا تجوز شهادة جاٍر إلى نفسه ولا دافع عنها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن من شروط قبول الشهادة أن يخلو من التهم لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: 282] والتهمة ريبة.
وروى القاسم بن محمد عن ابن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي الإحنة" فالخصم المنازع والظنين: المتهم.
وذي الإحنة: العدو فمن المتهومين في الشهادة وإن كانوا عدولًا، من يجر بشهادته إلى نفسه نفعًا، أو يدفع عنها ضررًا، فلا تقبل شهادته.
فمن جر النفع، أن يشهد السيد لعبده، أو مكاتبه، لأنه مالك لمال عبده، ومستحق أخذ المال من مكاتبه لجواز عوده إلى رقه.
ومنها أن يشهد الوكيل لموكله فيما هو وكيل فيه، لجواز تصرفه فيه إذا ثبت، فكان نفعًا.
وفي جواز شهادته له في غير ما هو وكيل فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لعدم تصرفه فيه.
والثاني: لا يجوز، لأنه قد صار بالنيابة عن ذي الحق متهومًا ومنها شهادة الولي للمولى عليه، لأنه قد قام مقامه في النيابة عنه.
ومنها شهادة الوصي للموصي بعد موته أو لأبيه على ما شهد به، وتجوز شهادته له قبل موته لعدم ولايته.
ومنها شهادة "الموصى له بحق" للموصي "بعد موته" إذا كان له تعلق بحق وصيته.
ويجوز شهادته له قبل موته لعدم ولايته، فإن شهد له بما لا حق له فيه قبلت شهادته وجهًا واحدًا، بخلاف الوكيل في أحد الوجهين لأن الوكيل قد يجوز أن يتقرب بشهادته إلى موكله.
والموصى له لا يتقرب بها إلى الموصي بعد موته، فصار الوكيل متهومًا والموصى له غير متهوم.
ومنها أن يكون للشاهد على المشهود له دين، فيشهد له بدين على غيره فللمشهود له
حالتان: موسر، ومعسر.
فإن كان موسرًا قبلت شهادته له، لأنه لا يجر بها نفعًا لوصوله إلى دينه من يساره.
وإن كان معسرًا فله حالتان:
إحداهما: أن يحكم بفلسه، فلا تقبل شهادته له.
لأن ما شهد به من الدين صائر إليه، فصار نفعًا يترحم به.
والثانية: أن لا يحكم بفلسه، ففي قبول شهادته له وجهان:
أحدهما: وهو الأظهر أنها لا تقبل، لأنه يستحق بها مطالبة المعسر بدينه كالمحكوم بفلسه.
والثاني: قاله أبو حامد الإسفراييني: تقبل شهادته له وإن لم تقبل إذا حكم بفلسه.
وفرقا بين المعسر والمحكوم بفلسه بأنه قد حكم له بمال التفليس ولم يحكم له بمال المعسر، وهذا الفرق لا يمنع من تساويهما في غيره، وهو وصوله إلى حقه بعد تعذره.
ومنها شهادة الشريك لشريكه فيما هو يشركه فيه، لأنه يصير شاهدًا لنفسه، فإن شهد له بما ليس بشريك، جاز بخلاف الوكيل؛ لأن للوكيل نيابة وليس للشريك نيابة.
ولهذا نظائر تجري على حكمها.
فصل:
فأما دفعه بشهادته ضررًا، فهي الشهادة بضد ما ذكرنا في ضده فمنها شهادة السيد بجرح من شهد على عبده أو مكاتبه، لأنه يدفع به نقصًا في حقه.
وكذلك شهادة الوكيل بجرح شهود شهدوا على موكله.
ومنها شهادة الوصي بالإبراء من دين كان على الموصي، لأنه يدفع بها المطالبة عن نفسه.
ومنها أن يشهد الموصى له بعزل مشارك له في الوصية؛ لأنه يدفع بها مزاحمته في الوصية.
ومنها أن يشهد غرماء المفلس بالإبراء من دين كان على المفلس؛ لأنهم يدفعون بها مزاحمة صاحب الدين لهم.
ومنها أن تشهد القافلة بجرح شهود شهدوا بالقتل الخطأ، لأنهم يدفعون بها تحمل الدية عن أنفسهم، إلى نظائر هذا، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا على خصٍم لأن الخصومة موضع عداوةٍ".
قال في الحاوي: وأما شهادة العدو على عدوه فمردودة لا تقبل.
وأجازها أبو حنيفة احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] فكان على عمومه، ولأن الدين والعدالة يمنعان من الشهادة بالزور.
ولأن العداوة إن كانت في الدين لم تمنع من قبول الشهادة، كما تقبل شهادة المسلم على الكافر مع ظهور العداوة، وإن كانت في الدنيا فهي أسهل من عداوة الدين فكانت أولى أن تقبل.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: 282 [. والعداوة من أقوى الريب.
وروى أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا زاٍن ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه".
والغمر: العداوة، وهذا نص.
ولأنها شهادة تقترن بتهمة؛ فلم تقبل كشهادة الوالد للولد.
وأما الجواب عن عموم الآية فمن وجهين:
أحدهما: تخصيصها بأدلتنا.
والثاني: حملها على التحمل دون الأداء.
فأما الجواب عن قولهم إن الدين والعدالة يمنعان من الشهادة بالزور وهو أن هذا المعنى لما لم يبعث على قبول شهادة الوالد للولد لم يوجب قبول شهادة العدو على عدوه.
وأما الجواب عن قولهم: إن العداوة في الدنيا أسهل: فهو أن العداوة في الدين يبعث على العمل بموجبه فزالت التهمة فيه.
والعداوة في الدنيا أغلظ للعدول بها عن أحكام الدين.
وإذا كان ذلك لم تقبل الشهادة المقذوف على القاذف ولا المغصوب منه على الغاصب ولا المسروق منه على السارق وولي المقتول على القاتل والزوج على امرأته إذا زنت في فراشه، إلى نظائر هذا.
وإذا منعت العداوة من الشهادة على العدو، لم تمنع من الشهادة له، لأنه متهوم في الشهادة عليه وغير متهوم في الشهادة له؛ لأن ما بعث على العداوة لا يكون جرحًا تسقط به الشهادة.
فصل:
وأما شهادة الخصم على خصمه فترد فيما هو خصم فيه لرواية القاسم بن محمد عن
ابن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي الإحنة".
ولأن الخصومة تؤول إلى العداوة، والعداوة تمنع من قبول الشهادة، ويجوز أن يشهد لخصمه وإن لم يشهد عليه.
فلو شهد عليه ولا خصومة بينهما ثم قذف المشهود فلو عليه الشاهد فصار بالقذف خصمًا قبل الحكم بشهادته.
لم ترد وجاز الحكم بها مع حدوث الخصومة على العداوة بخلاف حدوث الفسق قبل الحكم بالشهود، ولأن حدوث الخصومة والعداوة ليس بجرح يوجب رد الشهادة، ولو منع حدوث ذلك من الحكم بها لما صحت شهادة على أحد، لأنه يقدر على إسقاطها بحدوث نزاع وخصومة وما أدى إلى هذا بطل اعتباره.
فصل:
وتقبل شهادة الصديق لصديقه، وإن كان ملاطفًا، والملاطف، والمهادي، وبه قال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء.
وقال مالك: لا تقبل شهادة الصديق الملاطف لصديقه، وتقبل شهادة غير الملاطف، لتوجه التهمة إليه بأن يشهد له بمال يصير إليه بالملاطفة بعضه فصار جارًا بها نفعًا.
ودليلنا: هو أن المودة مأمور بها، والهدية مندوب إليها.
فلم يجز أن يكون ورود الشرع بها موجبًا لرد الشهادة، وبهذا المعنى فارق العدو لورود الشرع بالنهي عن العداوة.
ولأن ذوي الأنساب من الإخوة والأعمام قد يجوز أن ينتقل إليهم بالميراث فاشهدوا به وسائر أمواله، ثم لا يمنع ذلك من قبول الشهادة.
والصديق الملاطف لا يستحق الميراث فكان أولى أن يكون مقبول الشهادة.
ولا وجه لما ذكر من جواز عوده إلى الصديق بالهدية، لأنه قد يجوز أن يهاديه ولا يهاديه، ويجوز أن يموت قبل مهاداته ويجوز إذا هاداه أن يعدل إلى غيره من أمواله فلم يكن لتعليل المنع بهذا الوجه والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا لولد بنيه ولا لولد بناته وإن سفلوا ولا لآبائه وأمهاته وإن يعدوا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لا تقبل شهادة الوالد لمولديه به، وإن سفلوا، ولا شهادة الولد لوالديه وإن بعدوا.
وهذا قول مالك وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء.
وقال أبو إبراهيم المزني وداود بن علي: شهادة الوالد لولده والولد لوالده جائزة.
وبه قال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135] ولا يؤمر بالقسط في هذه الشهادة إلا وهي مقبولة ولأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حاكم يهوديًا إلى شريح في درع ادعاه في يده فأنكرها.
فشهد له ابنه الحسن عليه السلام فرد شهادته.
وقال: يا أمير المؤمنين، كيف أقبل شهادة ابنك لك؟
فقال علي عليه السلام في أي كتاب وجدت هذا؟ أو في أي سنة.
وعزله ونفاه إلى قرية يقال لها بالصفا، نيفًا وعشرين يومًا، ثم أعاده إلى القضاء، ولأن الدين والعدالة يحجزان عن الشهادة بالزور والكذب.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: 282] والريبة متوجهة إلى شهادة بعضهم بعضًا لما جبلوا عليه من الميل والمحبة.
ولذلك قال النبي صلي الله عليه وسلم: "الولد محزنة مجبنة مبخلة مجهلة".
وروي عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها: "يا عائشة فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها" فدل على أن الولد بعض أبيه.
وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: 15] أي ولدًا فصارت الشهادة له كالشهادة لنفسه.
وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال لأبي معشر الدرامي: "أنت ومالك لأبيك" فصارت الشهادة بمال أبيه كالشهادة بمال نفسه.
وذكر الشافعي حديثًا رواه عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود حدًا ولا ذي غمر على أخيه ولا مجرب في شهادة زور ولا ظنين في قرابة ولا ولاء ولا شهادة القانع لأهل البيت" ووصل بذلك "ولا شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده" ثم قال وهذا لا يثبته أهل النقل، فإن ثبت هذا فهو نص، وإن لم يثبت ففي قوله: "ولا ظنين في قرابة" دليل على الوالد والولد.
وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" وهو لا يجوز أن يشهد لكسبه.
ولأن ورود النص بالمنع من شهادة الظنين وهو المتهم يوجب المنع من شهادة الوالد للولد لأنه متهم.
فأما الجواب عن الآية فمن وجهين:
أحدهما: أنها دالة على الشهادة عليهم لا لهم.
والثاني: أنه لما قرنها لنفسه في قوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: 135] دل على خروجها مخرج الزجر، أن يخبر على نفسه، أو ولده بغير الحق.
ولا يمنع الدين والعدالة من رد الشهادة، كشهادة السيد لعبده ومكاتبه.
وأما إنكار علي عليه السلام على شريح، فلأن شريحًا وهم في الدعوى؛ لأن عليًا عليه السلام ادعى الدرع للمسلمين في بيت المال، ولذلك استشهد بابنه الحسن، ولم يدعها لنفسه، وإنما كان في الدعوى نائبًا عن كافة المسلمين كالوكيل، فوهم شريح وظن أن الدعوى لنفسه.
ولذلك أنكر علي عليه السلام وعزله، لأنه لم يثبت في الفحص عن حقيقة الحال، فيعلم بها جواز الشهادة، فصارت دليلًا على المنع من شهادة الولد لوالده.
فصل:
وأما شهادة الوالد على ولده فمقبولة على العموم في جميع الحقوق، لأنه ولايتهم في الشهادة عليه.
وإن كان متهمًا في الشهادة له.
وأما شهادة الولد على والده فتقبل في كل ما يجوز أن يستحقه الولد على والده من جميع الحقوق وفي قبولها فيما لا يجوز أن يستحقه الولد على والده من حد قذف أو قصاص فيه قولان:
أحدهما: لا تقبل، لأنه لما لم يقتل بقتله لم يقتل بقوله: كالعبد في الشهادة على الحر.
والثاني: وهو الأصح تقبل شهادته عليه كما تقبل في غيره كالحر تقبل شهادته على العبد وإن لم يقتل بالعبد.
وأما الولد من الرضاع والوالد من الرضاع فشهادة بعضهم لبعض عليه فمقبولة له بخلاف النسب، لاختصاص الرضاع بتحريم النكاح، وبفارق النسب فيما عداه من أحكامه من التوارث ووجوب النفقة والعتق بالملك، وليس تحريم النكاح بمانع من قبول الشهادة.
وأما ما عدا عموم الآباء والأبناء من المناسبين كالإخوة والأخوات وبنيهما، والأعمام والعمات وبنيهما والأخوال والخالات وبنيهما، فتقبل شهادة بعضهم البعض، وهو قول أبي حنيفة وجمهور الفقهاء.
وقال الأوزاعي: لا أقبلها من ذي محرم كالوالد والولد.
وقال مالك: أقبلها في كل حق إلا في النسب لأنه منهم باجتذابه والتكثر.
وكلا المذهبين فاسد، لأن عمر وابن الزبير أجازاه وليس لهما مخالف فصار إجماعًا، لأنه نسب لا يوجب العتق والنفقة فلا يمنع من قبول الشهادة كغير المحرم من ذوي الأنساب.
وأما شهادة المعتق لمعتقه من أعلى وأسفل فمقبولة في قول الجمهور.
ومنع شريح من قبولها كالولادة، وهذا خطا، وقد أنكره علي عليه السلام عليه لأن الولاء لا يمنع من وجوب النفقة، وهذا أبعد من ذوي الأنساب البعيدة لتعديهم عليه في الميراث، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا من يعرف بكثرة الغلط أو الغفلة".
قال في الحاوي: أما الضبط والتيقظ، فهما شرطان في قبول الشهادة، ليقع السكون إلى صحتها، فإن حدث من الشاهد سهو أو غلط، فإن كان فيما يشهد به، ردت شهادته وإن كان سهوه وغلطه في غير تلك الشهادة نظر: فإن كان الأغلب عليه السهو والغلط ردت شهادته، وإن لم يكن ذلك جرحًا في عدالته، لأن النفس غير ساكنة إليه إلى شهادته لحملها في الأغلب على السهو والغلط.
وإن كان الغالب عليه التيقظ والضبط، قبلت شهادته وإن غلط في بعض أخباره وسها، لأن ما من أحد يخلو من سهو أو غلط.
وهذا رسول الله صلي الله عليه وسلم قد سها وقال: "إنما أسهو لأسن" وإذا كان لا يخلو ضابط من غلط ولا غافل من ضبط وجب أن يكون المعتبر الأغلب، كما يعتبر في الطاعات والمعاصي أغلبها فيكون العدل والفسق معتبرًا بما يغلب من طاعة أو معصية، وكذلك الضبط والغفلة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو كنت لا أجيز شهادة الرجل لامرأته لأنه يرثها ما أجزت لأخيه إذا كان يرثه".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في شهادة كل واحد من الزوجين لصاحبه.
فذهب الشافعي رحمه الله إلى جوازها وقبول شهادة الزوج لزوجته.
وقبول الزوجة لزوجها.
وقال النخعي وابن أبي ليلى لا تقبل شهادة الزوجة لزوجها، لأنه إذا أيسر وجب لها عليه نفقة الموسرين، وتقبل شهادة الزوج لزوجته، لأنه لا يجز بها نفعًا.
وقال أبو حنيفة: لا تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه ويشبه أن يكون قول مالك، على قياس قوله في الصديق الملاطف، احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21 [. وذلك من موجبات الارتياب والتهمة.
وقالوا: ولأنه سبب لا يحجب من الإرث، فوجب أن يمنع من الشهادة كالأبوة والبنوة.
قالوا: ولأن الميراث يستحق بنسب وسبب فلما كان في الأنساب ما يمنع من قبول الشهادة، وجب أن يكون في الأنساب ما يمنع من قبول الشهادة.
وتحريره: أنه أحد نوعي ما يورث به فوجب أن يكون منه ما ترد به الشهادة كالنسب.
قالوا: ولأن اجتماعهما في المقام والظعن وامتزاجهما في الضيق والسعة، واختصاصهما بالميل والمحبة، وقد جمع من أسباب الارتياب المانعة من قبول الشهادة، فوجب أن ترد به الشهادة.
ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] فوجب أن يكون على عمومه.
وروى مجالد عن الشعبي عن سويد بن غفلة أن يهوديًا كان يسوق امرأة على حمار فنسخها فرمى بها، فوقع عليها، فشهد عليه زوجها وأخوها عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقبل شهادتهما، وقتله وصلبه.
وقال سويد بن غفلة: إنه لأول مصلوب صلب بالشام.
وليس لعمر مخالف في الصحابة مع انتشار القصة فثبت أنه إجماع لا مخالف له ولأن بينهما صلة لا توجب العتق فلم يمنع من قبول الشهادة، فآباء الزوجين وأبنائهما ولأنه عقد على منفعة فلم يوجب رد الشهادة كالإجارة، ولأنه عقد معاوضة فلم يمنع من قبول الشهادة كالبيع.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21] فهو أن المودة لا توجب رد الشهادة كالآخرين وعلى أنه قد يحدث بينما تباغض وعداوة تزيد على الأجانب، فلو جاز أن يكون هذا المعنى علة أن المنع لفرق بين المتحابين والمتباغضين، ولا فرق بينهما فبطل التعليل.
فأما الجواب عن تعليلهم بعدم الحجب عن الميراث، قياسًا على الآباء والأبناء فليس عدم الحجب عن الميراث علة في رد الشهادة، لأننا نرد شهادة من لا يرث من الأجداد والجدات، وغنما العلة، البعضية الموجبة للعتق التي تجري على العموم فيمن ترد شهادته بالنسب، فصار هو علة الحكم وهو معدوم في الزوجية فزال عنها حكمه.
وأما الجواب عن قياسهم على النسب، بأنه أحد نوعي الميراث، فهو فاسد بالولاء.
ثم ليس الميراث علة لما ذكرنا من أن في الوالدين من لا يرث وشهادته مردودة، والإخوة والأخوات والعصبات يرثن وشهادتهم مقبولة.
وأما الجواب عن استدلالهم باجتماع أسباب التهمة في رد الشهادة فهو أن انفراد كل واحد من هذه الأسباب لما لم توجب التهمة في رد الشهادة، لم يضر اجتماعهما
موجبًا للتهمة في رد الشهادة، لأن الاجتماع في المقام والظعن لا يوجب رد الشهادة كالأصحاب؛ لأن الاجتماع في المودة والرحمة لا توجبها كالأصدقاء، والامتزاج في الضيق والسعة لا توجبها كالخلع.
وأما ابن أبي ليلى فيقال له: ينتفع الزوج بيسار زوجته في وجوب نفقة ابنه عليها إذا أعسر بها ولا يوجب بذلك رد شهادته لها، كذلك انتفاعها بيساره فيما يجب لها من نفقة الموسرين لا يوجب رد شهادتها له والله أعلم
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا أرد شهادة الرجل من أهل الأهواء إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقه بتصديقه، وقبول يمينه، وشهادة من يرى كذبه شركًا بالله ومعصية تجب بها النار أولى أن تطيب النفس بقبولها من شهادة من يخفف المأثم فيها، وكل من تأول حراما عندنا فيه حد أو لا حد فيه، لم نرد بذلك شهادته، ألا ترى أن ممن حمل عنه الدين وجعل علما في البلدان منهم من يستحل المتعة والدينار بالدينارين نقدا، وهذا عندنا وغيرنا حرام، وأن منهم من استحل سفك الدماء، ولا شيء أعظم منه بعد الشرك، ومنهم من تأول، فاستحل كل مسكر غير الخمر، وعاب على من حرمه، ولا نعلم أحدا من سلف هذه الأمة يقتدى به، ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله.
قال في الحاوي: وهذا فصل قد اختلط كلام أصحابنا فيه ممن تفرد بالفقه دون أصوله، فوجب أن تقرر قاعدته ليعلم بها قول المختلفين، وما يوجبه اختلافهم فيه من تعديل وتفسيق وتكفير.
فنقول: من تدين بمعتقد من جميع الناس - صنفان:
صنف ينطلق عليهم اسم الإسلام.
وصنف لا ينطلق عليهم اسمه.
فأما من لا ينطلق عليهم اسم الإسلام، فهو من كذب الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ ولم يتبعه.
فخرج بالتكذيب وبترك الإتباع من ملته، فهؤلاء كلهم ينطلق عليهم اسم الكفر، وسواء من رجع منهم إلى ملة كاليهود، والنصارى أو لم يرجع إلى ملة كعبدة الأوثان وما عظم من شمس ونار، وجميعهم في التكفير في رد الشهادة سواء.
وإن فرق أبو حنيفة بين أهل الملل وغيرهم، فأجاز شهادة أهل الملل بعضهم لبعض ورد شهادة غيرهم.
وأما من ينطلق عليهم اسم الإسلام، فهو من صدق الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ واتبعه، فصار بتصديقه على النبوة من جملة أمته وبصلاته إلى القبلة داخلًا في ملته، فخرجوا بانطلاق
اسم الإسلام عليهم أن يجري عليهم أحكام من لم يجر عليه اسم الإسلام من الكفار، فهذا أصل.
ثم ينقسم من ينطلق اسم الإسلام عليه ثلاثة أقسام: موافق، ومتبع، ومخالف.
وأما الموافق: فهو من اعتقد الحق وعمل به، فكان باعتقاد الحق متدينا وبالعمل به مؤديا، فهذا مجمع على عدالته في معتقده وقوله، مقبول القول في خبره وشهادته.
فصل:
فأما المتبع: فهو من عمل بالحق ولم يخالف في المعتقد، كالمقلد من العامة للعلماء، فإن كان التقليد في الفروع، فهو فرضه، وهو عدل في معتقده وعمله.
وإن كان تقليده في أصول التوحيد، فمن جوز تقليده فيها جعله عدلا في معتقده وعمله، ومن منع التقليد فيها، جعله مقصرا في معتقده ومؤديا في عمله، وعدالته معتبرةً بسكون نفسه ونفورها، فإن كان ساكن النفس إلى صحة التقليد لم يخرج عن العدالة، وإن كان نافر النفس منه، خرج من العدالة.
فصل:
وأما المخالف، فعلى ضربين:
أحدهما: أن يخالف في العمل.
والثاني: في المعتقد.
فأما المخالف في العمل حكم شهادته، فهو أن يعتقد ما لا يعمل به، فإن كان في مباح، فهو على عدالته، وإن كان في واجب، فسق به وخرج عن عدالته، لأنه تعمد المعصية بترك ما اعتقد وجوبه، ويكون كالعمل بما اعتقد تحريمه.
وأما المخالف في المعتقد حكم شهادته، فمختلف الحكم بخلافه فيما انعقد عليه الدين، والدين منعقد على فروع وأصول.
فالأصول، ما اختص بالتوحيد والنبوة، والفروع ما اختص بالتكليف والتعبد، وللأصول فروع، وللفروع أصول.
فأما أصول الأصول، فما اختص بإثبات التوحيد وإثبات النبوةً.
وفروعه ما اختص بالصفات وأعلام النبوة.
وأصول الفروع ما علم قطعا من دين الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، وفروعه ما عرف بغير مقطوع، فأما المخالف في أصول التوحيد والنبوة لا تقبل شهادته، فمقطوع بكفره، ويخرج من انطلاق اسم الإسلام عليه، وإن تظاهر به، فلا تثبت له عدالة، ولا تصح له ولاية، ولا تقبل له شهادة.
وأما المخالف في فروع الأصول من الصفات وأعلام النبوة فهل تقبل شهادته، فإن رده خبر مقطوع بصدقه من قرآن أو سنة وأثر، كان مخالفه كافرا، لا تثبت له عدالة، ولا تصح له ولايةً، ولا تقبل له شهادةً، كذلك ما ردته العقول واستحال جوازه فيها وما لم يرده خبر مقطوع
بصدقه، ولا عقل يستحيل به - نظر، فإن اتفق أهل الحق على تكفيره به، سقطت عدالته، ولم تصح ولايته، ولم تقبل شهادته، وإن اختلف أهل الحق في تكفيره به، فهو على العدالة وصحة الولايةً وقبول الشهادة فهذا أصل مقرر في الأصول يغني عن ضرب مثل وتعيين مذهب.
فصل:
وأما الفروع: فأصولها كالأصول، فما علم قطعًا من دين الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بإجماع الخاصةً والعامةً عليه، كوجوب الصلاة وأعدادها، واستقبال الكعبة بها.
ووجوب الزكاة بعد حولها، وفرض الصيام والحج وزمانهما، وتحريم الزنى والربا والقتل والسرقة.
فإن جحد وجوب أحدها، أو اعتقد في الصلاة نقصانا منها، أو زيادة عليها، أو غير الصيام والحج عن زمانهما من تقديم أو تأخير، أو زاد في القرآن أو نقص منه بعد انعقاد الإجماع عليه، فهو كافر.
لأنه جحد بهذا الخلاف ما هو مقطوع به من دين الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، فصار كالجاحد لصدق الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، فلا تثبت له عدالة ولا تصح له ولايةً، ولا تقبل له شهادةً.
فصل:
وأما الفروع التي ليست بأصول فالخلاف فيها على ضربين:
أحدهما: في الأداء.
والثاني: في الأحكام.
فأما الخلاف في الأداء المنتحلة، فهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما اعتقد به تكفير مخالفه واستباحة ماله ودمه، كمن يرى من الخوارج بموالاتهم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما تكفير جميع الأمة، وكالغلاة يرون بمعتقدهم في علي بن أبي طالب عليه السلام، تكفير جميع الأمة.
يرى الفريقان بهذا المعتقد أن دار الإسلام دار إباحة في قتل رجالها وسبي ذراريها، وغنيمة أموالها، فيحكم بكفر من هذا اعتقاده من الفريقين لأمرين:
أحدهما: لتكفيرهم السواد الأعظم المفضي إلى تعطيل الإسلام ودروسه، وقد قال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة ناجية، قيل: وما هي؟ قال: السواد الأعظم".
والثاني: استباحتهم لدار حرم الشرع نفوس أهلها وأموالهم، وقد قال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "منعت دار الإسلام وما فيها وأباحت دار الشرك وما فيها".
وقال يوم النحر كلامًا شهده الجم الغفير: "ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم
حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في سفركم هذا في بلدكم هذا".
فكانوا أبعد الناس من العدالة وأولاهم برد الشهادة.
الثاني: من يعتقد تكفير مخالفه ولا يرى استباحة دمه، فينظر فإن تعرض بعرض برأيه لتكفير الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حكم بكفره، لرده على الله تعالى في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:].
ورده على رسوله في قوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"وقوله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم"، فتسقط عدالتهم وترد شهادتهم بكفرهم.
وإن لم يتعرضوا لتكفير الصدر الأول، واعتقدوا فيهم الإيمان، وتفردوا بتكفير أهل عصرهم، فهم أهل ضلال يحكم بفسقهم دون كفرهم، فتسقط عدالتهم وترد شهادتهم بالفسق دون الكفر.
الثالث: أن يبتدع رأيًا ولا يعتقد به تكفير مخالفه، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يرتكب فيه الهوى ولا يتمسك فيه بتأويل: فهو ضال يحكم بفسقه ورد شهادته، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى﴾ [النازعات: 40 - 41]. وسنة عمر - رضي الله عنه - في صبيغ، وكان من أهل المدينة يطوف بها، ويسأل عن الشبهات، ويميل إلى المخالفة، فأمر به وضرب بالجريد، وشهر بالمدينة، ونفي عنها.
وقال الشافعي - رحمه الله - في بعض أهل الأهواء: سنتي فيه سنة عمر في صبيغ، ولأن من ارتكب الهوى ولم يتبع الدليل، فقد ضل وأضل، إذ لا يفرق بين حق وباطل، ولا بين صحيح وفاسد، ولأن الهوى أسرع إلى الباطل من الحق، لخفة الباطل وثقل الحق.
الثاني: أن يتمسك فيما ابتدعه بتأويل حكم شهادته فهو على ضربين:
أحدهما: أن يخالف به الإجماع من أحد الوجهين: إما أن يدفع ما اعتقده الإجماع، وإما أن يدفع بمعتقده الإجماع.
فإن دفع بمعتقده الإجماع، فلا يخلو أن يكون إجماع الصحابة أو إجماع غيرهم.
فإن خالف به إجماع الصحابة فهل تقبل شهادته، ضل به، وحكم بفسقه ورد شهادته لقول النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
وقال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوًا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
وإن خالف به إجماع غير الصحابة حكم شهادته، فإن كان ممن يقول إن الإجماع هو إجماع الصحابة دون غيرهم، ويعتقد استحالة إجماع غيرهم لتباعد أعصارهم كان على عدالته وقبول شهادته.
وإن كان ممن يقول بإجماع كل عصر فسق بمخالفة الإجماع، وردت شهادته
الثاني: وأن لا يخالف بمعتقده الإجماع فيمن تقبل شهادته، فهو على ضربين:
أحدهما: أن تفضي به المخالفة إلى القدح في بعض الصحابة، فهو على ضربين: سب وجرح.
فإن كان القدح سبًا، فسق به، وعزر من أجله.
وروي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: "من سب نبيًا، فقد كفر، ومن سب صحابيا فقد فسق".
وليس من عاصر الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ وشاهده كان من الصحابةً، وإنما يشتمل اسم الصحابةً على من اجتمع فيه شرطان:
أحدهما: أن يتخصص بالرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾.
والثاني: أن يتخصص به الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾.
فأما اختصاصه بالرسول، فيكون من أمرين:
أحدهما: مكاثرته في حضره وسفره.
والثاني: متابعته في الدين والدنيا.
وليس من قدم عليه من الوفود، ولا من غزا معه من الأعراب من الصحابة لعدم هذين الشرطين فيهم.
وأما اختصاص الرسول به، فيكون به بأمرين:
أحدهما: أن يثق بسرائرهم.
والثاني: أن يقضي بأوامره ونواهيه إليهم.
ولذلك لم يكن المنافقون من الصحابة لعدم هذين الأمرين فيهم، فصار الصحابي من تكامل فيه ما ذكرناه، ومن أخل بها خرج منهم.
وإن كان القدح في الصحابة جرحا ينسب بعضهم إلى فسق وضلال نظر: فإن كان من أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بالجنة، صار باعتقاده لفسقه فاسقًا مردود الشهادةً.
وإن لم يكن من العشرة نظر: فإن كان من أهل بيعة الرضوان، صار بتفسيق أحدهم فاسقًا؛ لأن الله تعالى أخبر بالرضا عنهم.
وإن لم يكن من أهل بيعة الرضوان نظر؛ فإن كان قبل تنازع الصحابة رضي الله عنهم في قتال الجمل وصفين، صار بتفسيقه للصحابة فاسقًا، مردود الشهادة.
وإن كان قد دخل في تنازع أهل الجمل وصفين، فقد اختلف أهل العلم من أصحابنا وغيرهم في تنازعهم
هل نقلهم عن الحكم المتقدم فيهم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أكثرهم، أنهم على استدامة حكم الرسول فيهم من القطع بعدالتهم في الظاهر والباطن.
ولا يكشف عن سرائرهم في رواية خبر ولا في ثبوت شهادة، استدامة لحكم الصحبة فيهم، ومن فسق أحدهم كان بتفسيقه فاسقًا، لأنهم في التنازع متأولون.
والثاني: أنهم صاروا بعد التنازع كغيرهم من أهل الأعصار عدولًا في الظاهر دون الباطن، وزال عنهم القطع بعدالتهم في الظاهر والباطن، فلا تقبل شهادة أحدهم إلا بعد الكشف عن عدالة باطنه.
ومن فسق أحدهم لم يفسق بتفسيقه، وكان على عدالته في قبول شهادته، لأنهم انتقلوا بالتنازع عن الألفة إلى التقاطع، وقد قال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانًا".
وقد أحدث التنازع فيهم ما نهاهم عنه.
الثاني: أن لا تفضي به المخالفة إلى القدح في الصحابة في قبول الشهادة، فهو على ضربين:
أحدهما: أن تفضي به المخالفة إلى البغي على إمامه بمشاقته وخلع طاعته بشبهة تأول بها فساد إمامته، فله حالتان:
إحداهما: أن يكف عن القتال، فيكون على عدالته وقبول شهادته.
والثانية: أن يقاتل أهل العدل، فله في قتاله حالتان:
إحداهما: أن يبتدئ بقتال أهل العدل، فيفسق بما ابتدأه من قتالهم، فترد شهادته لتعديه بالقتال مع خطئه في الاعتقاد.
والثانية: أن يبدأ أهل العدل بالقتال، فيدفع عن نفسه قتالهم، فله في قتاله حالتان:
إحداهما: أن يدعى إلى الطاعة ليكف عنه، فيمتنع منها، فيفسق بقتاله، لأنه قد كان يجد منه بدا بإظهار الطاعة.
الثانية: أن يبدأ بالقتال من غير استدعاء إلى الطاعة، فلا يفسق بقتاله لأنه دافع بها عن نفسه، فتقبل شهادته، وقد أمضى علي بن أبي طالب، عليه السلام عنه أحكام من بغى عليه في قتال الجمل وصفين.
والثاني: أن لا تفضي به المخالفة إلى البغي في مشاقة أهل العدل في قبول الشهادة فهو على ضربين:
أحدهما: أن تفضي به المخالفة إلى منابذة مخالفيه بالتحزب والتعصب في قبول الشهادة، فله حالتان: إحداهما: أن يبدأ بها ليستطيل على مخالفيه، فيكون ذلك فسقًا ترد به شهادته، لأنه قد جمع بين اعتقاد الخطأ وأفعال السفهاء، فيفسق بفسقه لا بمعتقده.
والثانية: أن يستدفع بها منابذة خصومه، فإن وجد إلى دفعهم بغير المنابذة سبيلًا، صار بالمنابذةً سفيها مردود الشهادة، وإن لم يجد إلى دفعهم بغيرها سبيلًا، فله حالتان:
إحداهما: أن لا يستضر باحتمالها والصبر عليها، فيكون بفعلها سفيها ترد شبهاته.
والثانية: أن يستضر بها، فيكون في دفعها بالمقابلة على عدالته وقبول شهادته، ولأن دفع الضرر عذر مستباح لقوله النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "لا ضرر ولا ضرار".
الثاني: أن لا تفضي به المخالفة إلى المنابذة فهل تقبل شهادته، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يعتقد بتصديق موافقيه في دعاويهم، ويشهد لهم بها على خصومهم كالخطابية.
يعتقدون أن من كان على رأيهم لم يكذب، فيصدقوه على ما ادعاه، وشهدوا له على خصمه إن أنكر، فمنهم من يستظهر بإحلافه قبل الشهادة له، ومنهم من لا يستظهر، ويشهد له بمجرد قوله، وهي في الحالتين شهادة زور، تسقط بها عدالته، وترد بها شهادته، لأنه شهد بما لم يعلم، والله تعالى يقول: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86]
الثاني: أن لا يعتقد بتصديق موافقيه على مخالفيه، ويتحفظ في الشهادةً لهم وعليهم شهادة المخالف، حتى يعلمها من الوجه الذي يجوز أن يشهد بها، فهم أسلم أهل الأهواء طريقا، وهم صنفان:
صنف يرون تغليظ المعاصي، فيجعلها بعضهم شركًا، ويجعلها أهل الوعيد خلودًا.
وصنف يرون تخفيف المعاصي في إرجائها وتفويضها.
وكلا الصنفين في العدالة وقبول الشهادة سواء.
وقال الشافعي رضي الله عنه: وشهادة من يرى كذبه شركًا بالله، ومعصية تجب بها النار - أولى أن تطيب النفس بقبولها من شهادة من يخفف المأثم، ولم يرد أنها أولى من شهادة أهل الحق فيها، يعني أن شهادة من يغلظ المعاصي من هذين الصنفين - أولى أن تطيب النفس بها من شهادة من يخففها.
فصار هذا التفصيل مفضيًا إلى قبول شهادة أهل الأهواء والبدع لستة شروط:
أحدها: أن يكون ما انتحلوه بتأويل سائغ.
والثاني: أن لا يدفعه إجماع منعقد.
والثالث: أن لا يفضي إلى القدح في الصحابة.
والرابع: أن لا يقاتل عليه ولا ينابذ فيه.
والخامس: أن لا يرى تصديق موافقة على مخالفه.
والسادس: أن تكون أفعالهم مرضيةً، وتحفظهم في الشهادة ظاهر، فهذا حكم ما تعلق بالآراء والنحل
فصل:
وأما الاختلاف في أحكام الفروع من الشاهد فعلى ثلاثة أضرب:
أحدها: ما ضل به.
والثاني: ما أخطأ فيه.
والثالث: ما ساغ له.
وأما الأول: وهو ما ضل به، فهو أن يخالف فيه إجماع الخاصة دون العامة كالإجماع على أن لا ميراث لقاتل، ولا وصية لوارث، وأن لا تنكح المرأةً على عمتها ولا على خالتها، فالمخالف فيه ضال يحكم بفسقه ورد شهادته.
وأما الثاني: وهو ما أخطأ فيه: فهو ما شذ الخلاف فيه وعدل المتأخرون عنه، كاستباحة المتعة، وبيع الدينار بالدينارين نقدًا، ومسح الرجلين في الوضوء، وقطع يد السارق من المنكب، فهذا خلاف شذ قائله، وظهر فيه خطئه، ولأنه يتردد بين منسوخ كالمتعة، وبين ما توالى فيه النقل الصحيح كالربا في النقد والنساء.
وبين ما ضعف فيه التأويل وظهر عليه الدليل كمسح الرجلين وقطع السارق من المنكب، فحكم بخطئه لظهور الدليل على فساده، ولم يبلغ به حد الضلال للشبهة المعترضة في احتماله، فيكون المخالف فيه على عدالته وقبوله شهادته.
وأما الثالث: وهو ما ساغ الخلاف فيه على عدالته وقبول شهادته، فهو مسائل الاجتهاد في العبادات، والمعاملات، والمناكح الذي لم يرد فيه حد، وكان للاختلاف فيه وجه محتمل، فلا يتباين فيه المختلفون، ولا يتنابذ فيه المتنازعون، ولكل واحد من أقاويلهم وجه، فمن قال: إن كل مجتهد مصيب جعل جميع أقاويلهم حقًا، ولم يجعل قول واحد منهم خطأ.
ومن قال: إن الحق في واحد منهم، فكل واحد منهم جاز أن يكون محقًا، وإن لم يكن في جميع أقاويلهم محقًا.
وهو أسهل الاختلاف في الدين وجميعهم على العدالة وقبول الشهادة.
فهذا تفصيل مذهب الشافعي رضي الله عنه في عدالة المختلفين في الأصول والفروع، أنه لم يقبل شهادة جميعهم، ولا رد شهادة جميعهم، حتى فصلناه على ما اقتضاه مذهبه، وأوجبته أصوله.
فأوضحنا بها من كان مقبول الشهادة ومردودها، وخالفه فيها أبو حنيفة ومالك.
فأما أبو حنيفة، فخفف الأمر فيها، وأجاز شهادة كل من أطلق اسم الإسلام عليه، واعتبر العدالةً بالأفعال دون الاعتقاد.
وأما مالك فشدد الأمر فيها فرد شهادة جميعهم واقتصر بالعدالة على أهل الحق، وكل واحد من قوليهما مدفوع بما أوضحنا من دلائل القبول والرد.
والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "واللاعب بالشطرنج والحمام بغير قمار، وإن كرهنا
ذلك أخف حالًا.
قال المزني: رحمه الله فكيف يحد من شرب قليلًا من نبيذ شديد ويجيز شهادته".
قال في الحاوي: وهذه المسألة تشتمل على فصلين:
أحدهما: في لعب الشطرنج.
والثاني: في اللعب بالحمام.
فأما اللعب بالشطرنج فالكلام فيه يشتمل على فصلين:
أحدهما: في إباحتها وحظرها.
والثاني: في عدالة اللاعب بها وجرحه.
فأما إباحتها وحظرها فقد اختلف الفقهاء على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: وهو مذهب مالك، أنها حرام.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة، أنها مكروهة كراهة تغليظ يوجب المنع، وإن لم يبلغ مبلغ التحريم
والثالث: وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه: أنها ليست محرمةً كما قال مالك رضي الله عنه، ولا بمغلظةً الكراهة، كما قال أبو حنيفة، ثم قال: وإن كرهنا ذلك، وأراد به كراهة تنزيه.
واختلف أصحابه فيما تعود كراهته إليه على وجهين:
أحدهما: تعود كراهته إليها لأنه ضرب من اللعب.
والثاني: تعود كراهته إلى ما يحدث عنها من الخلاعة.
واستدل من حظرها وحرمها بما رواه الحسن البصري: "أن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ نهى عن اللعب بالشطرنج حكمه".
وبما روي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: "كل اللعب حرام إلا لعب الرجل بقوسه، ولعبه بفرسه، ولعبه مع زوجته"فعم تحريم اللعب إلا ما استثناه".
فكان الشطرنج داخلًا في عموم التحريم وخارجًا من استثناء الإباحة.
وبما روي عن علي، عليه السلام مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52] وألقى فيها كفا من تراب فدل تشبيهه لها بالأصنام على تحريمها كالأصنام.
وسئل مالك عنها، فقال: أحق هي؟ قيل: لا، قال: فما بعد الحق إلا الضلالة فأنى تصرفون.
واستدل من أباحها وحللها: بانتشارها بين الصحابة والتابعين إقرارًا عليها، وعملًا بها، فروى الخطيب مولى سليمان بن يسار قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمر بنا ونحن نلعب بالشطرنج، فيسلم علينا ولا ينهانا.
وروى الضحاك بن مزاحم قال: رأيت الحسن بن علي، عليه السلام مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ادفع ذا ودع ذا.
وروى أبو راشد قال: رأيت أبا هريرة يدعو غلامًا، فيلاعبه بالشطرنج.
وروى عبد الله بن عباس: أنه كان يجيز الشطرنج ويلعب بها.
وروى عبد الله بن الزبير أنه كان يلعب بالشطرنج.
فهؤلاء خمسةً من الصحابة أقروا عليها ولعبوا بها.
وأما التابعون: فروي عن سعيد بن المسيب أنه كان يلعب بها.
وروى الشافعي عن سعيد بن جبير أنه كان يلعب بها استدبارًا.
قال المزني: فقلت للشافعي: فكيف كان يلعب بها استدبارا؟ فقال: كان يوليها ظهره ويقول للغلام: بماذا دفع؟ فيقول: بكذا.
فيقول: ائت بكذا.
وروى الزهري عن علي بن الحسين أنه كان يلاعب أهله بالشطرنج.
وروى أبو لؤلؤة قال: رأيت الشعبي يلعب بالشطرنج مع الغرماء.
وروى راشد بن كريب قال: رأيت عكرمة مولى ابن عباس أقيم قائما في لعب الشطرنج.
وروي أن محمد بن سيرين كان يلعب بالشطرنج وقال: هي لب الرجال.
وإذا اشتهر هذا عمن ذكرنا من الصحابة والتابعين وقد عمل به معهم من لا يحصى عددهم من علماء الأمصار وفضلائهم، من حذفنا ذكرهم إيجازًا، خرج من حكم الحظر، وكان بالإجماع أشبه.
وليس إنكار علي، عليه السلام لها لأجل حظرها.
وقيل: لأنهم سمعوا الأذان وهم متشاغلون عنها.
وقيل: لأنهم كانوا يستخفون في الكلام عليها.
وما رواه الحسن مرسل وليس بصحيح، ولا يمنع أن يكون قياسًا على ما استثناه الرسول من اللعب: لأن فيها تنبيهًا على مكائد الحرب ووجوه الحزم وتدبير الجيوش.
وما بعث على هذا، إن لم يكن ندبًا مستحبًا فأحرى أن لا يكون حظرًا محرمًا.
فصل:
وأما عن عدالة اللاعب بها الشطرنج، فعند مالك وأبي حنيفة أن عدالته ساقطة وشهادته مردودة على أي وجه لعب بها.
وإن اختلفا في موجب ردها، فردها مالك لحظرها، وردها أبو حنيفة لتغليظ كراهتها وعند الشافعي أن عدالته وجرحه معتبر بصفة لعبه بها، فإن خرج بها إلى خلاعة أهلها أو قامر عليها أو تشاغل عن الصلاة بها خرج عن العدالة بما فعله من أحد هذه الثلاثةً، فردت
شهادته بها لا بنفس اللعب، وأما الخلاعة فهو أن يستخف عليها بلغو الكلام، وأن يلعب بها على الطريق، وأن ينقطع إليها ليله ونهاره حتى يلهو بها عما سواها.
وأما القمار حكم لاعبه من حيث قبول شهادته فهو ما يأخذه من العوض عليها إن غلب، أو يدفعه من العوض عنها إن غلب لتحريم الله تعالى القمار نصا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:].
والميسر هو القمار، والقمار ما لم يحل أن يكون كل واحد منهما آخذًا أو معطيًا، فيأخذ إن كان غالبا، ويعطي إن كان مغلوبًا.
فأما إن عدلا عنه إلى حكم السبق والرمي الخروج من القمار، بأن ينفرد أحد المتلاعبين بإخراج العوض دون صاحبه ليؤخذ منهإن كان مغلوبًا وليسترجعه إن كان غالبًا، ويكون الآخر آخذًا إن كان غالبًا وغير معط إن كان مغلوبا، فقد اختلف أصحابنا في جوازه في الشطرنج مع اتفاقهم على جوازه في السبق والرمي بناء على اختلاف قولهم في قوله: ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل".
هل هو أصل بذاته أو استثناء من جملة محظور على وجهين:
أحدهما: أنه أصل في نفسه يجوز القياس عليه، فعلى هذا يجوز مثله في الشطرنج قياسًا على السبق والرمي، لجواز القياس على أصل النص، ولا يكون إخراج هذا العوض في الشطرنج محظورًا، فلا يكون به مجروحا.
والثاني: أن السبق والرمي مستثنى من جملة محظورةً، فعلى هذا لا يجوز مثله في الشطرنج، لأن القياس يكون على الأصل دون الاستثناء، ويكون إخراج هذا العوض في الشطرنج محظورًا ويصير بإخراجه مجروحا.
وأما تشاغله بها عن الصلاةً، فهو أن يدخل عليه وقتها، فينقطع بها عن الصلاة حتى يفوت، فإن ذكرها وعلم بفوات الوقت.
فقد فسق، ولو كان في دفعة واحدةً، وإن نسي الصلاة ولم يعلم بدخول الوقت حتى فات، فإن كان في دفعة واحدةً، لم يفسق به.
وإن تكرر منه ذلك وكثر فسق به ولو تكرر منه لكثرة الفكر حتى تكرر منه نسيان الصلاة في وقتها حتى فات، لم يفسق.
والفرق بينهما: أنه لا يقدر على دفع الفكر عن نفسه إذا طرأ، فلم يفسق إذا كثر به نسيان الصلاةً، ولعب الشطرنج من فعله واختياره، فيفسق إذا كثر به نسيان الصلاة.
وأما إذا تجرد لعب الشطرنج عما يفسق به من هذه الأحوال الثلاثة، واستروح به في أوقات خلواته، مستخفيًا به عن المحتشمين، فكان لعبه به على أحد وجهين: إما (ليشفى)
به هما ويستحدث به راحةً، وإما ليرتاض به في تدبيره وجزالة رأيه وصحة حزمه، فهو على عدالته وقبول شهادته.
وهل يكون عفوًا أو مباحًا.
على ما قدمنا من الوجهين في معنى كراهة الشافعي رضي الله عنه لها.
هل كان عائدًا إليها أو إلى ما يحدث فيها؟
فإن قيل: إنه عائد إليها كان اللعب بها معفوًا عنه.
وإن قيل: إنه عائد إلى ما يحدث عنها، كان اللعب بها مباحًا.
وهو على الوجهين غير مانع من قبول الشهادة.
وأما الثاني في اللعب بالحمام: فمذهب مالك ترد به الشهادة من غير تفصيل وعلى مذهب الشافعي ينقسم على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما ترد به شهادته، وهو ما يخرج به إلى السفاهة، إما بالبذلة في أفعاله، وإما بالخنا في كلامه، والسفاهة خروج عن العدالة، ترد بها الشهادة، وقد روي أن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ رأى رجلًا يسعى بحمامة، فقال: " شيطان يتبع شيطانة ".
والثاني: ما لا ترد به الشهادة، وهو ما كان به محفوظ المروءة لاتخاذها إما للاستفراخ، وإما لحمل الكتب إلى البلاد، وإما للأنسة بأصواتها، فيكون على عدالته وقبول شهادته.
وروى عبادة بن الصامت أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ الوحدة، فقال: " اتخذ زوجا من حمام ".
ولأنها تسمد كما تسمد المواشي.
والثالث: ما اختلف في رد الشهادة به.
وهو أن يتخذه للمسابقة به، وفيه وجهان، بناء على ما قدمناه من اختلاف الوجهين في قوله: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل".
فإن جعل في أحد الوجهين أصلًا، قيس عليه إباحة السبق بالحمام، فلم يخرج به من العدالة ولم ترد به الشهادة.
وإن جعل في الوجه الثاني استثناء من جملةً محظور لم يقس عليه السبق بالحمام، فخرج به من العدالة وردت به الشهادة.
فإن اقترن به بعوض كان حرامًا، وإن تجرد عن العوض كان سفهًا.
وأما قول الشافعي: واللاعب بالشطرنج والحمام أخف حالًا.
ولم يذكر ما صار به أخف حالًا منه.
فقد ذكره الشافعي في الأم، وحذفه المزني اختصارًا.
فقال: أخف حالًا من الاختلاف في فروع الدين.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ومن شرب عصير العنب الذي عتق حتى سكر، وهو يعرفها خمرًا، ردت شهادته، لأن تحريمها نص ".
قال في الحاوي: وأما الخمر مما يتخذ، فهو عصير العنب إذا أسكر ولم تمسه نار، ولم يخالطه ماء، ولا يكون خمرًا إن مسته نار أو خالطه ماء.
وشربه محرم بنص القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:].
فدلت الآية على تحريمه من وجهين:
أحدهما: قوله رجس من عمل الشيطان والرجس المضاف إلى الشيطان يكون رجسًا بإضافته إلى الشيطان تغليظًا.
وفي "الرجس" معناه أربعة تأويلات:
أحدها: سخط.
والثاني: شر.
والثالث: إثم.
والرابع: حرام.
وقوله من ﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: مما يدعو إليه الشيطان ويأمر به.
والثاني: قوله ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وما ورد الأمر باجتنابه حرم الإقدام عليه وفيما أراد بقوله "فاجتنبوه " تأويلان محتملان:
أحدهما: الرجس أن تفعلوه.
والثاني: الشيطان أن تطيعوه.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:].
فيه تأويلان
أحدهما: أنها الزنى خاصةً، وما ظهر منها المناكح الفاسدةً، وما بطن السفاح الصريح.
والثاني: أن "الفواحش" جميع المعاصي، ما ظهر منها "أفعال الجوارح وما بطن" اعتقاد القلوب.
وفي الإثم والبغي معناهما تأويلان:
أحدهما: أن " الإثم " الخيانة في الأمور، والبغي التعدي على النفوس.
والثاني: وهو أشهر: أن الإثم الخمر، والبغي السكر، وشاهده قول الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول
واختلف بأي هاتين الآيتين حرمت الخمر.
فالذي عليه الجمهور أنها حرمت بالآية الأولى للتصريح باسم الخمر.
وقال قوم: بل حرمت بالآية الثانية، لأنها آخر آية نزلت فيه.
وروي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قال: "شارب الخمر كعابد وثن" فجعله مقرونا بالشرك لتغليظ تحريمه.
فإن شرب الخمر مستحلًا كفر به.
وإن قيل: فقد استباح قدامة بن مظعون شرب الخمر بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا﴾ [المائدة: 93].
وقد قال: قد أيقنا وآمنًا، فلا جناح علينا فيما شربنا، فلم ينكره أحد من الصحابة قيل: قد أنكروا عليه ما تأوله وأبطلوه، فرجع عنه، وانعقد الإجماع على فساد شبهته، وصار من المحرمات بالنصوص المقطوع بها.
وإن شرب الخمر غير مستحل لها حكم شهادته، كان فاسقًا مردود الشهادة قليلًا شرب منها أو كثيرًا، سكر منها أو لم يسكر، لقول النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "حرمت الخمرة لعينها والسكر من كل شراب" في رواية العراقيين والمسكر من كل شراب: في رواية الحجازيين.
ولا فرق بين أن يشربها صرفاً أو ممزوجةً.
وشذ قوم بأن قالوا: إذا مزجها بما غلب عليها، لم تحرم، لقوله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: " حرمت الخمرة لعينها ".
وهذا تأويل فاسد، لأن العين موجودةً في الممزوج بها، لكن لو مزجت بالماء قبل أن تشتد ثم صارت بعد المزج مسكرًا، كانت في حكم النبيذ دون الخمر، وكذلك لو غليت بالنار بعد إسكارها كانت خمرًا، لو غليت بالنار قبل إسكارها ثم أسكرت بعد غليها، كانت نبيذا ولم تكن خمرًا
فصل:
وأما بيع الخمر فحرام، وبائعها فاسق، والعقد عليها باطل، وثمنها محرم.
روى ابن عمر أن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قال: "لعن الله الخمر ولعن بائعها"، ولأن بيعها من أكل المال بالباطل.
والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188].
وأما اتخاذ الخمر وإمساكها فمعتبر بمقصوده، فإن قصد به أن ينقلب ويصير خلا جاز.
ولم يفسق به لأنها تحل بالانقلاب.
وإن قصد ادخارها على حالها، كان محظورًا، يفسق به، لأن إمساكها داع إلى شربها.
وما دعا إلى الحرام محظور والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " ومن شرب سواها من المنصف أو الخليطين، فهو آثم ولا ترد شهادته إلا أن يسكر لأنه عند جميعهم حرام ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن كل شراب أسكر فهو حرام، كالخمر عندنا في تحريم ما أسكر منه وما لم يسكر، وجعل مخالفنا تحريمه مقصورًا على السكر، فأحل قليله إذا لم يسكر، وحرم فيه الكثير إذا أسكر، وقد تقدم الكلام عليه.
فجميع الأنبذة المسكرة عندنا محرمةً من أي الأنواع كانت، من زبيب، أو تمر، أو رطب، أو بسر، أو عسل مطبوخة ونية.
وحرم أبو حنيفة نيها وأباح مطبوخها.
فإذا شرب نبيذا مسكرًا حكم شهادته، فإن شرب منه ما أسكر، فقد شرب حرامًا في الجميع، وصار به فاسقًا مردود الشهادة، وإن شرب منه ما لم يسكره فإن عاقر عليه أو تكلم بالخنا والهجر ردت شهادته.
وقال محمد بن الحسن: لو عاقر على الماء كان حرامًا.
وإن لم يعاقر وشرب منه ما لم يسكر، فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعتقد تحريمه إما باجتهاد أو تقليد فيفسق بشربه ويحد ولا تقبل شهادته، لإقدامه على ما يعتقده معصية، فصار بإقدامه عاصيًا
والثانية: أن يعتقد إباحته، إما باجتهاد أو تقليد، فمذهب الشافعي يكون على عدالته، ويحد ولا ترد شهادته.
وقال مالك: قد فسق، فيحد وترد شهادته.
وقال المزني: لا ترد شهادته ولا يحد.
ومنها جميعًا من اجتماع الحد وقبول الشهادة، فجعل مالك وجوب الحد مسقطا للشهادة، وجعل المزني قبول الشهادة مسقطًا للحد، وفرق الشافعي بينهما، فأوجب الحد ولم يرد الشهادةً، لأن الحد من حكم الشرب للردع عنه، ورد الشهادة بالفسق، بالتفسيق في حكم المعصية، والمعصيةً في تأويل ما اختلف أهل العلم فيه مرتفعةً، فلم يمتنع اجتماع
الحد وقبول الشهادة كالقاذف إذا تاب قبل الحد تقبل شهادته.
والثالثة: إن شرب غير معتقد الإباحةً ولا حظر، مع علمه باختلاف أهل العلم في إباحتها وحظرها، ففي فسقه ورد شهادته بعد وجوب الحد عليه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: وهو مذهب البصريين أنه فاسق مردود الشهادة، لأن ترك الاسترشاد في الشبهات تهاون في الدين فصار فسقًا.
والثاني: وهو مذهب البغداديين أنه على عدالته وقبول شهادته، لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من الشرب، لأن من اعتقد إباحة الخمر كفر، ومنشربها ولم يعتقد إباحتها لم يكفر، فلما لم يفسق من اعتقد إباحة النبيذ وشربه، فأولى أن لا يفسق من شربه ولا يعتقد إباحته.
فصل:
وأما ما لا يسكر من الأنبذة والأشربة كالفقاع والقارص، فمباح لا ترد به الشهادة.
وحكي عن جعفر بن محمد وطائفة من الشيعة وربما عزي إلى أبي حنيفة أن شرب الفقاع والقارص حرام.
لما روي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: "كل مخمر خمر".
وروي أن عليًا عليه السلام مر على بائع فقاع، فقال: من خمار ما أوقحك.
وهذا تأويل انعقد الإجماع على خلافه ووردت السنة برده.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كنا ننبذ لرسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ على غذائه، فيشربه على عشائه، ونبذ له على عشائه، فيشربه على غذائه".
وقال عمر رضي الله عنه: إنا لنأكل من هذه الأطعمة الغليظةً، ونشرب عليها من هذه الأنبذة الشديدةً، فنقطعها في أجوافنا.
يعني قبل أن يسكر.
ولأن علة التحريم السكر، فما لم يسكر لم يحرم كسائر الأشربة.
والاستدلال بالخبر محمول عليه.
ولو كان الفقاع حرامًا عند علي عليه السلام لأظهر من الإنكار والمنع، ما يجب بإظهار المنكر، ولما اقتصر على هذا القول مع الإقرار عليه.
وأما ما ذكره من المنصف والخليطان، فقد اختلف في صفتها على قولين:
أحدهما: أن المنصف ما طبخ حتى ذهب نصفه، والخليطان خليط البسر بالرطب.
والثاني: أن المنصف ما ينصف من تمر وزبيب، والخليطان خليط البسر بالرطب، وإن كان هذا مسكرًا فهو حرام، وإن لم يسكر، ففي كراهته وجهان:
أحدهما: لا يكره كما لا تكره سائر الأشربة التي لا تسكر.
والثاني: أنه يكره وإن لم يكره غيرها.
لورود الشرع بالنهي عنها.
والفرق بينهما وبين غيرها من وجهين:
أحدهما: إسراع الإدراك إليها قبل غيرها.
والثاني: إسكارها مع بقاء حلاوتها، وإسكار غيرها مع حدوث مرارتها.
ولا ترد شهادة شاربها كرهت أم لم تكره.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " وأكره اللعب بالنرد للخبر".
قال في الحاوي: اختلف أهل العلم في النرد، فحرمها مالك، وفسق اللاعب بها حكم شهادته، وأحلها الحسن البصري، ولم يفسق اللاعب بها إذا حافظ على عبادته ومروءته.
ولا يختلف مذهب الشافعي أن النرد أغلظ في المنع من الشطرنج، وصرح فيها بالكراهةً، واختلف أصحابه، هل هي كراهة تحريم أم كراهة تنزيه؟
فذهب بعضهم إلى أنها كراهة تنزيه وتغليظ، ترد به الشهادة وإن لم تحرم.
وذهب أكثرهم وهو الصحيح إلى أنها كراهة تحريم توجب فسق اللاعب بها ورد شهادته.
وروى مالك بن أنس، عن موسى بن ميسرة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى، أن رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قال: " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ".
وروي عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قال: "من لعب بالنردشير، فكأنما يغمس يده في لحم الخنزير ودمه".
وروي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: " لا يقلب كعابها أحد ينتظر ما يأتي به إلا عصى الله ورسوله ".
فصار فرق ما بين النرد والشطرنج في الحكم، أن الشطرنج لا يحرم، وفي كراهته وجهان والنرد مكروهةً وفي تحريمها وجهان، والشطرنج لا ترد به الشهادة إذا خلصت وترد بالنرد وإن خلص.
والفرق بينهما في المعنى: أن الشطرنج فائدته موضوعةً لصحة الفكر وصواب التدبير ونظام السياسة، فهي صادرة إن ظهر فيها عن حذقة.
والنرد موضوعةً إلى ما يأتي به من كعابها وفصوصها، فهو كالأزلام.
وقيل: إنها موضوعة على البروج الاثني عشر.
والكواكب السبعة، لأن بيوتها اثنا عشر كالبروج ويقطعها من جانبي الفص سبعةً، كالكواكب السبعة.
فعدل بها عن حكم الشرع إلى تدبير الكواكب والبروج.
وهكذا اللعب بالأربعة عشر، المفوضة إلى الكعاب، وما ضاهاها، في حكم النرد في التحريم.
وأما اللعب بالخاتم حكمه وهل تقبل شهادة لاعبه فهو حدسي لا ترد به الشهادة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كان يديم الغناء ويغشاه المغنون معلنا، فهذا سفه ترد به شهادته، وإن كان ذلك يقل لم ترد".
قال الماوردي: والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين:
أحدهما: في الغناء.
والثاني: في أصوات الملاهي.
وأما الغناء: فمن الصوت ممدود، ومن المال مقصور، كالهواء وهو من الجو ممدود، ومن هوى النفس مقصور.
كتب إلي أخي من البصرة وقد اشتد شوقه للقائي ببغداد شعرًا قال فيه:
طيب الهواء ببغداد يشوقني قدمًا إليها وإن عاقت مقادير
فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت طيب الهواءين ممدود ومقصور
اختلف أهل العلم في إباحة الغناء وحظره، فأباحه أكثر أهل الحجاز وحظره أكثر أهل العراق.
وكرهه الشافعي وأبو حنيفة ومالك في أصح ما نقل عنهم، فلم يبيحوه على الإطلاق ولم يحظروه على الإطلاق، فتوسطوا فيه بالكراهة بين الحظر والإباحة.
واستدل من أباحه، بما روي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، أنه مر بجارية لحسان بن ثابت تغني وهي تقول:
هل علي ويحكما إن لهوت من حرج
فقال رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "لا حرج إن شاء الله"
وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت عندي جاريتان
تغنيان فدخل أبو بكر، فقال: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ فقال رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "دعهما فإنها أيام عيد".
وقال عمر رضي الله عنه: "الغناء زاد المسافر".
وكان لعثمان جاريتان تغنيان في الليل فإذا جاء وقت السحر قال: أمسكا فهذا وقت الاستغفار وقام إلى صلاته.
ولأنه لم يزل أهل الحجاز يترخصون فيه ويكثرون منه، وهم في عصر الصحابة وجلة الفقهاء، فلا ينكرونه عليهم ولا يمنعونهم منه إلا في إحدى حالتين:
إما في الانقطاع إليه، أو الإكثار منه، كالذي حكي أن عبد الله بن جعفر كان منقطعًا إليه، ومكثرًا منه، حتى بدد فيه أمواله، فبلغ ذلك معاوية، فقال لعمرو بن العاص: قم بنا إليه، فقد غلب هواه على شرفه ومروءته، فلما استأذنا عليه وعنده جواريه، يغنين فأمرهن بالسكوت، وأذن لهما في الدخول، فلما استقر بهما الجلوس، قال معاوية: يا عبد الله، مرهن يرجعن إلى ما كن عليه، فرجعن يغنين، فطرب معاوية حتى حرك رجليه على السرير، فقال عمرو: إن من جئت تلحاه أحسن حالًا منك، فقال معاوية: إليك عني يا عمرو، فإن الكريم طروب.
وأما أن يكون في الغناء ما يكره كالذي روي عن سفيان بن عيينة، وقد عاد ابن جامع إلى مكة بأموال جمة حملها من العراق، فقال لأصحابه: علام لعطاء ابن جامع هذه الأموال؟ فقالوا: على الغناء، قال: "ابن جامع ماذا يقول فيه"؟ قالوا: يقول:
أطوف بالبيت في من يطوف وأرفع من مئزري المسبل
قال: هي السنة، ثم ماذا يقول؟ قالوا:
وأسجد بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل
قال: أحسن وأصلح، ثم ماذا؟ قالوا:
عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة المحمل
قال: أفسد الخبيث ما أصلح لا سخر الله له.
واستدل من حظره بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72].
وفيه أربعة تأويلات: أحدها: الغناء، قاله مجاهد.
والثاني: أعياد أهل الذمة، قاله ابن سيرين.
والثالث: الكذب، قاله ابن جريج.
والرابع: الشرك، قاله الضحاك رحمه الله.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72].
وفيه ثلاث تأويلات:
أحدها: إذا ذكروا الفروج والنكاح كنوا عنها.
والثاني: إذا مروا بالمعاصي أنكروها، قاله الحسن.
والثالث: إذا مروا بأهل المشركين أنكروه، قاله عبد الرحمن بن زيد.
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] الآية، وفي لهو الكلام أربعة تأويلات:
أحدها: أنه الغناء، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة.
والثاني: أنه شراء المغنيات.
وروى القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، قال: "لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن ولا التجارات فيهن وأثمانهن حرام وفيهن أنزل الله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث".
والثالث: أنه شراء الطبل والمزمار، قاله عبد الكريم.
والرابع: أنه ما ألهى عن الله تعالى، قاله الحسن.
وفي قوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6].
تأويلان:
أحدهما: ليمنع من قراءة القرآن، قاله ابن عباس.
والثاني: ليصد عن سبيل الله.
حكاه الطبري.
وفي قوله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: تأويلان.
أحدهما: بغير حجة.
والثاني: بغير رواية.
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ تأويلان:
أحدهما: تكذيبًا.
: استهزاء بها.
ومن السنة ما رواه ابن مسعود، عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل".
وروي عن رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: "الغناء نهيق الشيطان".
وقال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "أنهاكم عن صوتين فاجرين الغناء والنياحة.
وقال بعض السلف: الغناء رقيةً الزنا.
وإذا تقابل بما ذكرنا، دلائل الحظر والإباحةً، يخرج منها حكم الكراهة.
فلم يحكم بإباحته، لما قابله من دلائل الحظر والإباحة، ولم نحكم بحظره لما قابله من دلائل الإباحة فصار يتردده بينهما مكروها غير مباح ولا محظور.
وروي أن رجلًا سأل ابن عباس عن الغناء: أحلال هو؟ قال: لا، قال: أحرام هو؟ قال: لا، يريد أنه مكروه لتوسطه بين الحلال والحرام.
والله أعلم.
فصل:
وأما الملاهي فعلى ثلاثة أضرب: حرام، ومكروه، وحلال.
فأما الحرام من الملاهي: فالعود، والطنبور، والمعزفة، والطبل، والمزمار، وما ألهى بصوت مطرب إذا انفرد.
وروى عبد الله بن عمر، أن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، قال: "إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والمزر، والكوبة، والمزامير، والقنين".
فالميسر: القمار، والمزر: نبيذ الذرة، والكوبةً: الطبل، والقنين: البربط، ولأنها تلهي عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة كالشراب.
وكان بعض أصحابنا يخص العود من بينها ولا يحرمه، لأنه موضوع على حركات نفسانية تنفي الهم، وتقوي الهمة وتزيد في النشاط.
وهذا لا وجه له، لأنه أكثر الملاهي طربًا، وأشغلها عن ذكر الله تعالى وعن الصلاةً، وإن تميز به الأماثل عن الأراذل.
وأما المكروه من الملاهي: فما زاد به الغناء طربًا، ولم يكن بانفراده مطربًا، كالفسح، والقضيب، فيكره مع الغناء لزيادة إطرابه، ولا يكره إذا انفرد لعدم إطرابه.
وأما المباح من الملاهي: فما خرج عن آلة الإطراب، إما إلى إنذار كالبوق، وطبل الحرب.
أو لمجمع وإعلان كالدف في النكاح، كما قال صلوات الله عليه وسلامه: " أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف".
واختلف أصحابنا هل ضرب الدف على النكاح عام في كل البلدان والأزمان؟ فعم بعضهم لإطلاقه، وخص بعضهم في البلدان التي لا يتناكر أهلها في المناكح، كالقرى والبوادي، ويكره في غيرها، في مثل زماننا، لأنه قد عدل به إلى السخف والسفاهة.
فأما الشبابة: فهي في الأمصار مكروهةً، لأنها مستعملةً فيها للسخف والسفاهة، وهي في الأسفار والرعاة مباحةً، لأنها تحث على السير وتجمع البهائم إذا سرحت.
فصل:
فإذا تقرر أحكام الأغاني والملاهي، فإن قيل بتحريمها فهي من الصغائر دون
الكبائر، يفتقر إلى الاستغفار، ولا ترد بها الشهادةً إلا مع الإصرار.
وإن قيل بكراهتها، فهي من الخلاعة لا يفتقر إلى الاستغفار ولا ترد بها الشهادةً إلا مع الإصرار، وإن كان كذلك فالكلام فيها يشتمل على ثلاثة فصول:
أحدها: فيمن باشرها بنفسه.
والثاني: فيمن يستعملها للهوه.
والثالث: فيمن يغشى أهلها.
فأما المباشر لها بنفسه فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يصير منسوبا إليها ومسمى بها، يقال إنه مغني يأخذ على غنائه أجرًا، يدعوه الناس إلى دورهم أو يغشونه لذلك في داره، فهذا سفيه مردود الشهادة المغني، لأنه قد تعرض لأخبث المكاسب ونسب إلى أقبح الأسماء.
والثانية: أن يغني لنفسه إذا خلا في داره باليسير استرواحًا فهذا مقبول الشهادةً، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا خلا في داره يترنم بالبيت والبيتين: واستؤذن عليه ذات يوم لعبد الرحمن بن عوف وهو يترنم فقال: أسمعتني يا عبد الرحمن؟ فقال: نعم.
قال: إنا إذا خلونا في منازلنا نقول كما يقول الناس.
وروي عن أبي الدرداء، وكان من زهاد الصحابةً، أنه قال: إني لأجم قلبي بشيء من الباطل لأستعين به على الحق.
فإن قرن يسير غنائه بشيء من الملاهي مما حظرناه، نظر.
فإن خرج صوته عن داره حتى يسمع منها، كان سفها ترد به الشهادةً.
وإن خافت به ولم يسمع، كان عفوًا إذا قل ولا ترد به الشهادةً.
والثالثة: أن يغني إذا اجتمع مع إخوته ليستروحوا بصوته وليس بمنقطع عليه.
ولا يأخذ عليه أجرًا، نظر:
فإن كان مشهورًا به، يدعوه الناس لأجله، كان سفها ترد به الشهادة، وإن لم يشتهر به، ولا دعا الناس لأجله، نظر.
فإن كان متظاهرًا به معلنا له، ردت شهادته، وإن كان مستترًا به، لم ترد شهادته والله أعلم.
فصل:
وأما مستمع الغناء.
فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يصير منقطعًا إليه، يدفع عليه حذرًا ويتبع فيه أهل الخدور، فهذا سفيه مردود الشهادة.
والثانية: أن يقل استماعه، ويسمعه أحيانا في خلوته استرواحا به، فهو على عدالته وقبول شهادته، إذا لم يقصد الاستماع غناء امرأةً غير ذات محرم.