مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "فرض الله تبارك وتعالى على أهل دينه المسلمين في أموالهم لغيرهم من أهل دينه المسلمين المحتاجين إليه لا يسعهم حبسه عمن أمروا بدفعه إليه أو ولاته".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
اعلم أن وجوب الزكاة يتعلق بثلاثة أحكام:
إحدها: المال الذي تجب فيه.
والثاني: المال الذي تجب عليه.
والثالث: المستحق الذي تصرف إليه.
فأما المال الذي تجب فيه فقد ذكرنا في كتاب "الزكاة" أنه المال الثاني على شروطه الماضية وأما المالك الذي تجب عليهم فهم المسلمون واختلف أصحابنا في المشركين ها هم مخاطبون بها؟ وإن لم تؤخذ منهم على وجهين بناء على اختلاف أصحابنا، هل خوطبوا مع الإيمان بالعبادات الشرعية أم لا؟ فذخب أكثر أصحابنا إلى أنهم مخاطبون بالعبادات الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج كمخاطبتهم بالإيمان، وأنهم معاقبون على ترك ذلك لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)﴾ [المدثر:42 - 44] وقال آخرون: وهو قول العراقيين أنهم في حال الكفر إنما خوطبوا بالإيمان وحده، ولم يتوجه إليهم الخطاب بالعبادات الشرعية إلا بعد الإيمان لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، ولان الزكاة لو وجبت عليهم لطولبوا بها بعد إسلامهم".
فصل
وأما المستحق لصرف الزكاة إليه فهذا الكتاب مقصور عليه، والأمل فيه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:103] أي تطهر ذنوبهم وتزكى أعمالهم فكان في هذه الآية وجوب لأدائها من غير ذكر لمستحقها وقال تعالى: {وَفِي
أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)} [الذاريات:19] فأما السائل: فهو الذي يسائل الناس لفاقته.
وفي المحرم خمسة تأويلات:
أحدهما: أنه المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئاً ولا يعلم بحاجته، وهو قول قتادة.
والثاني: أنه المحارف الذي لا يتيسر له مكسبه، وهو قول عائشة.
والثالث: أنه الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه، وهو قول ابن عباس.
والرابع: أنه المصاب بزرعه وثمره بعينه من لم يصب وهو قول ابن زيد.
والخامس: أنه المملوك وهو قول عبد الرحمن بن حميد.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" وقال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حيث بعثه إلى اليمن: "يا معاذ بشر ولا تنفر ويسر ولا تعسر، ادعه إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن في أموالهم حقاً يؤخذ من أغنيائهم فيرد على فقرائهم" 1 فدل ما ذكرنا من الكتاب والسنة على أن الزكاة مصروفة في ذوي الفقر والحاجة من غير حرفة ولا تعيش وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلمنا أنه من اجتهاده إلى أن كان ما رواه الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصرة اليماني، فقال: إعدل يا رسول الله، فقال: "ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل" فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فاضرب عنقه، فقال: دعه 2 فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)﴾ [التوبة:58] ثم إن الله تعالى نزه بنيه عن هذا العتب وتولى قسمها بين أهلها فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:58] إلى قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:60] أي عليم بالمصلحة حكيم في القسمة فعند ذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى لم يرض في قسمة الأموال بملك مقرب ولا نبي مرسل" حتى تولى قسمها بنفسه فصار مال الزكوات مقسوماً في أهله بنص الكتاب كالفيء والغنيمة.
وروى زياد بن الحارث الصدائي، فقال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعته فجاءه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال: "إن الله تعالى لم يرض في الصدقة بحكم نبي ولا غيره حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من أهل تلك الأجزاء أعطيتك حقك" 3.
فصل
فإذا ثبت أنها تصرف إلى من سماه الله تعالى من الأصناف الثمانية فلا يجوز صرفها إلا إلى المسلمين كما لم يجز أخذها إلا من المسلمين هذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وقال ابن شبرمة: يجوز صرف الزكوات كلها إلى أهل الذمة، وكذلك الكفارات وقال أبو حنيفة: يجوز أن تصرف إليهم زكاة الفطر استدلالاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "في كل ذات كبد حرى أجر" وبرواية سعيد بن جبير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أهل الذمة من الصدقات، ولأن كل من جاز أن تدفع إليه صدقة التطوع جاز أن تدفع إليه زكاة الفطر كالمسلم.
ودليلنا رواية أنى بن مالك أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله نشدك الله، الله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتردها على فقرائنا، فقال: نعم، فأخبر أن المأخوذ منهم عم المردود عليهم وهي من المسلمين مأخوذة فوجب أن تكون عليهم مردودة، ولأنه مال يخرج على وجه الطهر فلم يجز دفعه إلى من ليس من أهل الطهرة قياساً على زكاة المال: ولأن من لا يجوز دفع زكاة المال إليه لا يجوز دفع زكاة الفطر إليه كالأغنياء وذوي القربى، ولأن من نقص بالكفر حرم دفع الزكاة إليه كالمستأمن: ولأن الله تعالى خولنا أموال المشركين استعلاء عليهم فلا يجوز أن نملكهم أموالنا استدلالاً لهم.
فأما عموم الآية والخبر مخصومان بما ذكرنا.
وأما حديث سعيد بن جبير، فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه مرسل لا يلزمنا العمل به.
والثاني: أنه محمول على صدقة التطوع.
والثالث: يجوز أن يكون افترض منهم لأهل الصدقة فرد عليهم الفرض من مال الصدقة.
وأما قياسهم بأنه من يجوز دفع صدقة التطوع إليه كالمسلم فمنتقض بذوي القربى، ثم المعنى في المسلم أنه يجوز دفعه زكاة المال إليه وليس كذا الذمي، فكان إلحاقه بالمستأمن أولى، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يسع الولاة تركه لأهل الأموال لأنهم أمناء على أخذه لأهله ولم نعلم أن وسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرها عاماف لا يأخذها فيه وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لو منعوني عتاقاً مما أعطوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليها".
قال الماوردي: أعلم أن الأموال ضربان: ظاهرة، وباطنة، فالظاهرة هي المواشي والزروع والمعادن، والباطنة الذهب والورق وعروض التجارات فأما الباطنة: فأرباب التجارات وسائر الأموال فصاحبها بالخيار في تفريقها بنفسه أو دفعها إلى الإمام العادل
ليتولى تفريقها بنفسه ولا يلزم دفعها إليه، وهو قول الجمهور.
وأما الظاهرة ففيها قولان:
أحدهما: قاله في القديم: إن على أربابها دفع زكاتها إلى الإمام ولا يجزئهم تفريقها بأنفسهم وبه قال مالك وأبو حنيفة.
والثاني: وهو قوله في الجديد: إن أربابها بالخيار في دفعها إلى الإمام أو تفريقها بأنفسهم، ودليل قوله في القديم أن دفعها إلى الإمام واجب وهو مذهبه مالك وأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة:103] وإذا دلت هذه الآية على أن على الإمام الآخذ دلت على أن على الأرباب الدفع، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنياتكم فأردها على فقرائكم" فدل ذلك من قوله على مثل ما دلت عليه الآية، وقال أبو بكر رضي الله عنه في مانعي الزكاة لو منعوني عتاقاً أو عقالاً مما أعطوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه، فوافقته الصحابة بعد مخالفته، فدل على أن عليه الأخذ وعليهم الدفع بإجماع الصحابة، ولأنه حق يتعلق بالمال الظاهر يصرف إلى الأصناف على أوصاف، فوجب أن يكون تفرد الإمام به شرطاً في أجزائه كالخمس.
ودليلنا، قوله في الجديد أن تفرد أربابها تفريقها يجوز لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:271] فجعل كلا الآمرين مجزئاً وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة:274] فدل عموم الآيتين على جواز إخراج الصدقات فرضاً ونفلاً من غير تخصيص.
وروي أن أبا ثعلبة الخشني حمل صدقته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فردها وحملها إلى أبي بكر فردها وحملها إلى عمر، فردها، فلو كان تفرده بإخراجها لا يجزئه لما استجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ردها عليه، لأن فيه تضييعاً لها من غير إجزاء، ولأنه مال مخرج على وجه الطهرة فجاز أن ينفرد أربابه بإخراجه، ولأنه مال مخرج على وجه الطهرة فجاز أن ينفرد أربابه بإخراجه كالكفارات؛ ولأن ما أخرج زكاة لم يجز دفعه إلى الإمام كالمال الباطن، ولأن من جاز له أن ينفرد بإخراج زكاة المال الباطن جاز له أن ينفرد بإخراج زكاة المال الظاهر كالإمام.
فصل
فإذا تقرر توجيه القولين انتقل الكلام إلى التفريع عليهما فإذا قيل بوجوب دفعها إلى الإمام، وإن تفريق ربها لا يجوز، فلا يخلو حال الإمام من أن يكون عادلاً أو جائزاً، فإن كان الإمام عادلاً، فعلى رب المال أن يدفعها إلى الإمام أو إلى من استخلفه الإمام عليها من عماله وسعاته، فإن كان الإمام والعامل حاضرين كان رب المال بالخيار في دفعها إلى أيهما شاء والأفضل أن يدفعها إلى الإمام، لأنه أصل.
وإن كان الإمام غائباً عن المال والعامل حاضراً، فعلى رب المال أن يدفعها إلى
العامل، وليس له أن يؤخرها حتى يدفعها إلى الإمام وإذا دفعها رب المال إلى الإمام أو إلى عامله برئ رب المال منها، وكانت يد الإمام ويد عامله سواء لنيابته عنه، فإن هلك ذلك في يده كان تالفاً لأهل السهمان من مال أهل السهمان ولم يضمنه إلا بالعدوان.
وإن كان الإمام جائراً لم يجز دفعها إليه، لأنه بالجور قد خرج من الأمانة، وجاز لرب المال أن يفرقها بنفسه للضرورة، فإن دفعها إلى الإمام الجائر لم يجز رب المال إلا أن يعلم وصولها إلى أهل السهمان، ولا يكون الإمام الجائر نائباً عنهم، فإن هلك المال في يده أو استهلكه بنفسه، فعلى رب المال إخراجها ثانية سواء أخذها الإمام الجائر منه جبراً أو دفعها إليه مختاراً.
وقال أبو حنيفة: يجزئه أخذ الإمام الجائر لها سواء أخاها جبراً أو دفعها رب المال مختاراً.
وقال مالك: إن أخذها الإمام الجائر جبراً أجزأه، وإن دفعها رب المال مختاراً لم يجزئه.
واستدل من أجاز ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "السلطان يفسد، وما يصلح الله به أكثر، فإن عدل فله الأجر عليكم، وإن جاز فله الوزر وعليكم الصبر" فلما جعل وزر جوره عليه لم يجز أن يعود على غيره، في تكليف رد المال الإعادة يحتمل لوزره، ولأن الإمام الجائر في استيفاء الحدود كالعادل فكذلك في الزكاة، ويتحرر من هذا الاعتلال قياسان:
أحدهما: أن من سقطت الحدود باستيفائه لها سقطت الزكاة بقبضه لها كالعادل.
والثاني: أن ما سقط باستيفاء الإمام العادل له سقط باستيفاء الإمام الجائر له كالحدود ولأن خيانة النائب لا تقتضي فساد القبض كالوكيل.
ودليلنا، ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم" فجعل حدوث المعصية منه، وإن كان من المعصية بعيداً رافعاً لوجوب الطاعة، وإذا ارتفعت طاعة الوالي لجوره صار كغيره من الرعية التي لا تجزئ الزكاة بأخذهم لها، ويتحرر من اعتلال هذا الخبر قياسان:
أحدهما: أن من سقطت طاعته سقطت نيابته كالعاصي.
والثاني: أن من بطلت نيابته لم يصح قبضه كالوكيل، ولأن الإمام يختص بتنفيذ الأحكام كما يختص باستيفاء الأموال فلما لم تنفذ أحكامه بجوره لم يصح استيفاؤه الأموال بجوره وتحريره أن ما وقفت صحته على عدالة الإمام كان مردوداً بجوره كالأحكام، ولأن إمامته تبطل بجوره كما تبطل بعزله وخلعه، ثم ثبت أنه لو قبضها بعد خلع نفسه لم تقع موقع الأجزاء كذلك إذا قبضها بعد جوره.
وتحريره: أن ما أبطل إمامته منح من إجزاء قبضه كالخلع.
فأما الجواب عن استدلالهم بالخبر، فمن وجهين:
أحدهما: اختصاص الوزر بالإمام دون الأحكام.
والثاني: أنه وإن لم يتعد وزره إلى غيره لم يتعد وزر غيره إليه، ورب المال مأخوذ بوزر زكاته حتى تصل إلى مستحقها فلم يسقط عنه وزرها لها.
وأما قياسهم على الحدود فهي من حقوق الله تعالى المحضة التي لا حق فيها لآدمي والمقصود بها الزجر الحاصل بعد الإمام وجوره، ولذلك جوزنا لغير الإمام من سيد العبد والأمة أن يحدهما، وليس كذلك الزكاة، والمقصود بها وصولها إلى مستحقها، وذلك بجور الإمام معدوم فافترقنا.
وأما قياسهم على الوكيل فالمعنى في الوكيل أن وكالته لا تبطل بجنايته؟ فلذلك صح قبضه والإمام تبطل ولايته بجوره فلذلك لم يصح قبضه.
فصل
وإذا قيل بالقول الجديد: إن دفع الزكاة إلى الإمام ليس بواجب، وإن تفريق أرباب الأموال لها جائز، فإن كان الإمام جائزا لم يجز دفعها إليه، وإن كان عادلاً كان رب المال بالخيار في زكاة ماليه الظاهر والباطن بين دفعها إلى الأمام أن تفريقها بنفسه، فإن أراد دفعها إلى الإمام كان بالخيار بين أن يسلمها إلى الإمام وهو أفضل أو إلى عامله وإن أراد تفريقها بنفسه كان بالخيار أن يتولاها بنفسه وهو أفضل أو بوكيله.
فإن قيل: فما أفضل الأمرين؟ أن يدفع زكاة ماله إلى الإمام أو تفريقها بنفسه.
قيل: إن كان ماله ظاهراً فدفع زكاته إلى الإمام أفضل لما فيه من إظهار الطاعة بأن يقتدي به الجماعة، وإن كان ماله باطناً فتفرده بإخراج زكاته أفضل من دفعها إلى الإمام لما قد استقر عليه فعل الأئمة الراشدين من إقرار أرباب الأموال على إخراجها، ولتكون مباشرة التأدية ما لزمه من حقها وليخص أقاربه وذوي رحمه بها.
فإن قيل: فأي الأمرين أفضل في تفريق الزكاة؟ أن تخفى أو تبدى؟ قيل: إن كان الإمام هو المفرق لها فإبداؤها أفضل من إخفائها سواء كان زكاة مال ظاهر أو باطن، لأنه ثابت فيها فكان إظهار إخراجها أفضل له أن إخفائها وكتمها، وإن كان المفرق لها رب المال، فإن كانت زكاة مال ظاهر فالأفضل له إظهارها بالعدول أهل السهمان عن الإمام إليه، ليعلم الإمام أنه قد أخرج ما عليه، وإن كانت زكاة مال باطن، فالأفضل إخفاؤها إذا أخرجها من أن يجهز بها، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:271] ولأن إخفاءه في حقه أبعد من الرياء وفي حق أهل السهمان أبعد من الاستحياء، والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي: "فإذا أخذت صدقة مسلم دعي له بالأجر والبركة كما قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:103] أي ادع لهم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:103] وفي قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:103] تأويلان:
أحدهما: الاستغفار لهم، وهو قول ابن عباس.
والثاني: أنه الدعاء لهم، وهو قول الأكثرين.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:103] ثلاثة تأويلات:
أحدها: قربه لهم رواه الضحاك عن ابن عباس.
والثاني: رحمة لهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
والثالث: أمن لهم.
ثم الدعاء ندب على الآخذ لها إن لم يسأل الدعاء وأوجبه داود، وإن سئل الدعاء، ففي وجوبه عليه وجهان:
أحدهما: أنه واجب لرواية عبد الله بن أبي أوفى عن أبيه، قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقات قومي فقلت: يا رسول الله صل علي فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" 1، وليقع بذلك الفرق بين الجزية المأخوذة صغاراً بين الزكاة المأخوذة تطهيراً.
والثاني: أنه مستحب غير واجب، لأن أجره على الله تعالى لا على الآخذ لها كغيرها من العبادات التي لا يلزم الدعاء لفاعلها.
وقيل: إنه إن كان الإمام هو الآخذ لها لزمه الدعاء لما في دفعها إليه من إظهار طاعته، وإن كان الفقير وهو الآخذ لها لم يلزمه وقيل: بضده: إن الدعاء يلزم الفقير دون الإمام، لأن دفعها إلى الإمام متعين والى الفقير غير متعين، فأما ما يدعو به الآخذ فقد مضى في كتاب الزكاة.
مسألة 2
قال الشافعي: "والصدقة هي الزكاة والأغلب على أفواه العامة أن للثمر عشراً والماشية صدقة وللورق زكاة وقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا كله صدقه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح قد كان الشافعي يرى في القديم: أن المأخوذ من الزرع والثمر يسمى عشراً، والمأخوذ من الماشية يسمى صدقة، والمأخوذ من الذهب والورق يسمى زكاة، ولا يجعل لاختلاف الأسماء تأثيراً في اختلاف الأحكام.
وقال أبو حنيفة: هي مختلفة الأسماء على ما ذكرنا، واختلاف الأسماء يدل على اختلاف الأحكام، فخص المأخوذ من الزرع والثمر باسم العشر دون الصدقة والزكاة، وجعل حكمه مخالفاً لحكم الصدقة والزكاة من وجهين:
أحدهما: وجوب العشر في مال المكاتب والذمي، وإن لم تجب في مالهما وصدقة ولا زكاة.
والثاني: جواز مصرف العشر في أهل الفيء، وإن لم تصرف فيهم صدقة ولا زكاة.
وقال الشافعي في الجديد: الأسماء مشتركة والأحكام متساوية، وإن المأخوذ من الزرع والثمر يجوز أن يسمى صدقة وزكاة، أما تسميته بالصدقة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: فما دون خمسة، أوسق من التمر صدقة، وأما تسميته زكاة فلقوله - صلى الله عليه وسلم - في الكرم: "يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدي زكاته زبيباً كما تؤدي زكاة النخل ثمراً" 1 وإذا ثبت أن الأسماء مشتركة ثبت أن الأحكام متساوية، ولأنه لما ثبت ذلك في مال المسلم، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في المال حق سوى الزكاة" 2 ثبت أنه زكاة، ولأن كل ما كان طهرة للمسلم في ماله كان زكاة لماله كالزكاة.
مسألة 3
قال الشافعي: "فما أخذ من مسلم من زكاة مال ناض أو ماشية أو زرع أو زكاة فطر أو خمس ركاز أو صدقة معدن أو غيره مما وجب عليه في ماله بكتاب أو منه أو إجماع عوام المسلمين فمعناه واحد وقسمه واحد وقسم الفيء خلاف هذا فالفيء ما أخذ من مشرك تقوية لأمل دين الله وله موضع غير هذا الموضع".
قال في الحاوي: وهذا كما قال كلما وجب في مال المسلم من حق، إما بحلول الحول كالمواشي وزكاة الذهب والورق أو بتكامل المنفعة كالزروع والثمار أو الاستفادة كالمعادن والركاز أو عن رقبة كزكاة الفطر، فمصرف جميعه واحد في السهمان الموضوعة في الزكوات والصدقات بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] الآية إلى أنه ما تجب زكاته بالحول إذا حال عليه في يده أحوال زكاة في كل حول كالمواشي والذهب والورق، وما يجب زكاته بتكامل المنفعة كالزروع والثمار، إذا بقي في يده أحوال لم يزكه إلا الزكاة الأولى وما استفيد من معادن الذهب والورق أو ركاز زكى في كل حول؛ لأنهما ذهبه وورق يراعى فيها بعد الاستفادة حلول الحول، وخولف الشافعي في هذه الجملة في أربعة أشياء:
أحدها: الزروع والثمار، فجعل أبو حنيفة مصرف عشرها مصرف الفيء دون الزكاة، وقد مضى الكلام معه في كتاب الزكاة.
والثاني: زكاة الفطر جعل مالك مصرفها في المساكين خاصة، وقال أبو سعيد الاصطخري: إن فرقت في ثلاثة فقراء أجزأت.
والثالث: المعادن.
والرابع: الركاز، جعل أبو حنيفة مصرفها الفيء استدلالاً بثلاثة أشياء:
أحدهما: أن المستحق فيها الخمس كالفيء والغنيمة مباينة لمقادير الزكوات كلها، فانصرف مصرف الفيء لا مصرف الزكاة.
والثاني: أن الحق فيها معجل وفي الزكاة مؤجل فلو جريا مجرى الزكاة المأخوذة من المسلمين لتأجلت ولما تعجلت المأخوذة من المشركين.
والثالث: إذا اعتبر بالركاز حال الدافن أنه كافر، وقد ملك عنه كالفيء والغنيمة.
ودليلنا، قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وليس في المال حق سوى الزكاة" ولأنه حق يجب في مال مسلم فلم يجز أن يكون فيئاً كالزكاة، ولأن أربعة أخماسه لما خرجت عن حكم الفيء خرج خمسه عن حكم الفيء.
وتحريره أن ما لم يجز على المستبقى منه حكم الفرع لم يجز على المأخوذ منه حكم الفيء كسائر أموال المسلمين، ولأن حق المعدن والركاز لما اختص ببعض أموال دون بعض كالزكاة كان زكاة ولم يجز أن يكون فيئاً لاستواء حكمه في جميع الأموال.
وأما الجواب عن استدلاله باستحقاق الخمس فيه فهو أن مقادير الزكوات مختلفة فتارة يكون ربع العشر وتارة نصف العشر وتارة العشر، ولا يخرج عن أن يكون جميع ذلك زكاة فكذلك تكون تارة الخمس، ولا يخرج عن أن يكون زكاة ويكون اختلاف المقادير بحسب اختلاف المؤمن ألا ترى أن ما سقي بناضح أو رشاء لما كثرت مؤنته قلت زكاته، فكانت نصف العشر وما بسيح أو سماء لما قلت مؤونته كثرت زكاته، فكانت العشر، ولما لم يكن للركاز مؤنته أضعفت زكاته فكانت الخمس.
وأما الجواب عن استدلاله بتعجيل الحق فيه فهو لأنه تعجلت الفائدة به فتعجل الحق، وما تأجلت الفائدة به تأجل الحق فيه، ألا ترى أن ما لم تكمل فائدته إلا بالحول ووعي فيه الحول كالمواشي، وما كملت فائدته قبل الحول لم يراعى فيه الحول كالزروع والثمار.
وأما الجواب عن اعتباره بحال الدافن دون الواجد فهو أن اعتباره بالواجد دون الدافن أولى من وجهين:
أحدهما: أنه اعتبر بحال الدافن لما جاز أن يسلك لجواز أن يكون لمن لا يملك عليه ما له من مسلم أو من هو على دين موسى وعيسى قبل التبديل أو لمن لم تبلغه الدعوة، وكل هؤلاء لا يجوز أن تملك عليهم أموالهم فلم يجز أن يعتبر به الدافن.
والثاني: أنه لو اعتبر به الدافن لما جاز أن يملك الواحد أربعة أخماسه، ولكان إما ملكا للغانمين أو لأهل الفيء فيثبت أن اعتباره بحال الواحد أولى من اعتباره بحال الدافن والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "وقسم الصدقات كما قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:60] ثم أكدها وشددها فقال فريضة من الله" الآية وهي سهمان ثمانية لا يصرف منها سهم ولا شيء منه عن أهله ما كان من أهله أحد يستحقه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال قم الصدقات يستحق في الأصناف الثمانية، ولا يجوز الاقتصار على بعضها مع وجود جميعها وقال أبو حنيفة يجوز اقتصار أي الأصناف شاء، وإن دفع جميع الزكاة إلى نفس واحدة من صنف واحد أجزأه وقال مالك: يدفعها إلى أمس الأصناف حاجة.
وقال إبراهيم النخعي: إن كثرت الزكاة دفعها إلى الأصناف كلها، كما قال الشافعي وإن قلت دفعها إلى أي الأصناف ساء كما قال أبو حنيفة.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:271] فجعل تخصيص الفقراء بها خيراً مشكوراً فدل على جوازه، وصرف ذلك في حقه وبقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾ [المعارج:24 - 25] فدل على جواز تفردهم به، وبما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم" 2 وبما روي من أن سلمة بن صخر الأنصاري ظاهر من امرأته فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - عجزه عن الكفارة، فقال له: "انطلق إلي بصدقة بني زريق فلتدفع إليك فأطعم منها وسقاً من تمر ستين مسكيناً، وكل أنت وعيالك بقيتها" 3 فدل نص هذا الخبر على جواز دفعها إلى نفس واحدة عن صنف واحد.
قالوا: ولأن الله تعالى خص الأصناف الثمانية بالذكر كما خص الصنف الواحد بالذكر، فلما لم يلزم استيفاء جميع الصنف فجاز الاقتصار على بعضه لم يلزم استيفاء جميع الأصناف، وجاز الاقتصار على بعضها ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: أنها صدقة يجوز أن يخص بها بعض الفقراء فجاز أن يخص بها بعض الأصناف كالكفارات.
والثاني: أن من جاز الاقتصار عليه في الكفارات جاز الاقتصار عليه في الزكواة قياساً على بعض الفقراء.
قالوا: ولأن لو استحق كل صنف منهم سهماً يخصه لما جاز فيمن فقد أن يرد سهمه على من وجد، وفي إجماعهم على جواز ذلك مع فقد بعضهم دليل على
جوازه مع وجود بعضهم.
قالوا: ولأن المقصود بها مد الخلة التي لا يمكن أن يعمر بها الجميع فلا فرق بين أن تكون من صنف واحد ومن جميع الأصناف، كما لا فرق بين أن تكون من بعض الصنف أو من جميعه.
ودليلنا، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] الآية والدليل فيها من وجهين:
أحدهما: أنه أضاف الصدقة إلى الأصناف الثمانية يلام التمليك وعطف بعضهم على بعض بواو التشريك، وكلما يصح أن يملك إذا أضيف إلى من يصح أن يملك اقتضت الإضافة ثبوت الملك كما لو قال: هذه الدار لزيد وعمرو.
فإن قيل: فالإضافة إلى الأشخاص توجب التمليك لتعيين المالك، والإضافة إلى الأوصاف لا توجب التمليك للجهالة بالمالك ألا تراه لو قال هذه الدار لزيد صح إقراره، ولو قال هذه الدار لإنسان لم يصح إقراره.
قيل: قد يصح تمليك الأصناف كما يصح تمليك الأعيان ألا تراه لو قال: قد أوصيت بثلث مالي للفقراء والعازمين صح أن يملكوه كما يصح إذا أوصى به لزيد وعمرو وبكر أن يملكوه.
والدليل الثاني: من الآية أن للإضافة وجهين: تشريك وتخيير ولكل واحد منهما صيغة، وصيغة التشريك الواو كقوله أعط هذا المال لزيد وعمرو، فيقتضي اشتراكهما فيه ولا يقتضي تفرد أحدهما به، وصيغة التخيير تكون ب"أو" كقوله: أعط هذا المال لزيد أو عمرو فيكون مخيراً في إعطائه لأحدهما، ولا يقتضي أن يشرك بينهما، فلما كانت الإضافة في آية الصدقات على صيغة التشريك دون التخيير وجب حملها على ما اقتضته.
فإن قيل: فيحمل ملك الأصناف الثمانية لجميع الصدقات لا لكل صدقة منها فتدفع صدقة زيد إلى الفقراء وصدقة عمرو إلى المساكين وصدقة بكر إلى الغارمين.
قيل: هذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن أبا حنيفة لا يعتبر هذا في الصدقات.
والثاني: أنه قد يجوز أن يتفق جميع أهل الصدقات على صرفها كلها في أحد الأصناف فلا يوجد ما ذكره على أن حقيقة هذه الإضافة تقتضي أن تكون كل صدقة لمن سمى ألا ترى أن رجلاً لو قال: هذه الدور الثلاثة لزيد وعمرو وبكر كانت كل دار بينهم أثلاثاً، ولم يجعل كل دار من الثلاثة لكل واحد من الثلاثة ثم يدل على ذلك من طريق السنة ما روى زياد بن الحارث الصدائي، قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقات فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى لم يرض في قسمه الصدقات بنبي مرسل ولا ملك مقرب فتولى قسمتها بنفسه وجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك".
فأخبر أنها مقسومة ثمانية أجزاء، وأن الواحد لا يعطى منها إلا قدر حقه، وهذا نص لا يحتمل خلافه ولأنه مال أضيف شرعاً إلى أصناف فلم يجز أن يختص به بعض تلك الأصناف كالخمس ولأنه مال لو جعل لصنف واحد لم يعده فوجب إذا جعل الأصناف أن يقتسموه كالوصايا ولأن الفقراء أحد أصناف الصدقات فلم يجز أن يختصوا بها كالعاملين.
فأما الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:271] فهو أن المقصود بالآية تفضيل الإخفاء على الإبداء لإتيان المصرف، وإنما قصد بيان المصرف، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ِ﴾ [التوبة:60] الآية فوجب أن يقضي بهذه الآية على تلك أو تحمل هذه على الفرض وتلك على التطوع.
وكذلك الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)﴾ [الذاريات:19] على أنه جعل للسائل والمحروم في ذلك حقاً ولا يتمنع أن يكون لغيرهم فيه حق.
وأما الجواب عن قوليه - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" فمن وجهين:
أحدهما: أنه متروك الظاهر لأن أبا حنيفة وإن جوز دفعها إلى الفقراء فليس يمنع من صرفها في غيرهم من الأصناف فيكون معنى قوله في "فقرائكم" أي في ذوي الحاجة منكم وجميع أهل الأصناف من ذوي الحاجات وإن اختلفت حاجاتهم.
والثاني: المقصود بالخبر عود الصدقات علينا وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يستبد بشي، منها دوننا فحمل الخبر على مقصوده كالذي رواه بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في سائمة الإبل: "في كل أربعين ابنة لبون من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمه من عزمات ربنا ليس لآل محمد منها شيء" 1 فحمل هذا الخبر على المقصود به في أنه ليس لآل محمد فيها شيء، ولم يحمل على أخذ الشطر إن منع.
وأما الجواب عن حديث سلمة بن صخر الأنصاري.
فمن وجهين:
أحدهما: أنه يحتمل أن يكون صدقة بني زريق كانت وقفاً لا زكاة فلا يكون فيها دليل.
والثاني: أن معناه فليدفع إليك حقك منها، أو يكون: لم يبق منها إلا حق فيعتبر واحد فدفعه إليه.
وأما الجواب عن استدلالهم لما جاز دفعها إلى بعض الصنف جاز دفعها إلى بعض الأصناف فهو أن دفعها إلى بعض الصنف تخصيص عموم فجوزناه ودفعها إلى بعض
الأصناف نسخ نص فأبطلناه.
وأما الجواب عن استدلالهم برد سهم من فقد من الأصناف على من وجد فهو باطل بميراث الزوجات الأربع الربع، ولو بقيت واحدة لكان لها فلم يصح الاستدلال.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن المقصود هو سد الخلة فمن وجهين:
أحدهما: أن المقصود ببعضه سد الخلة في الفقراء والمساكين وبعضه معونة لفك رقاب المساكين والغارمين.
والثاني: أن المقصود سد خلات الأصناف كلها لا بعضها فلم يسلم الدليل.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا من وجوب مصرفها في الأصناف كلهم لم يخل حال رب المال من أن يتول تفريقها بنفسه أو يدفعها إلى الأمام فإن فرقها بنفسه سقط منها سهم العاملين عليها لأنهم لا عمل لهم فيها وقسم على سبعة أصناف إن وجدوا فإن أخل ببعضهم ضمن سهمهم منها، وإن دفعها إلى الإمام أو ساعيه كانت يده لأهل السهمان بنيابته عنهم وولايته عليهم، وكان حصولها في يد الإمام أو ساعيه مسقطاً لفرضها عن رب المال ثم الإمام بالخيار بحسب ما يؤدي اجتهاده إليه في أن يفرق كل صدقة في جميع الأصناف ويكونوا ثمانية يدخل فيهم العاملين عليها إن عملوا فيها أو يدفع كل صدقة إلى صنف من الأصناف؛ لأن جميع الصدقات إذا دخلت بيده صارت كالصدقة الواحدة.
مسألة 1
قال الشافعي: "ولا يخرج عن بدل وفيه أهله وقال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه: "فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال زكاة الأموال يجب صرفها في بلد المال ولا يجوز نقلها عنه، فإن نقلت فقد أساء ناقلها وفي إجزائها قولان:
أحدهما: يجزئه وهو قول أبي حنيفة ويكون عنده مسيئاً إلا أن تكون البلد الذي نقلها إليه أمس حاجة فلا يكون عنده مسيئاً.
والثاني: لا يجزئه نقلها وعليه الإعادة، وبه قال مالك والثوري:
فإذا قيل بالأول أنه يجزئ وهو قول أبي حنيفة فدليله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] الآية فكان على عمومه، وروي أن قبيصة بن المخارق الهلالي وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني تحملت بحمالة فأعني فقال: نؤدها
عنك إذا قدمت لنا نعم الصدقة.
فدل على أنه قد كانت تحمل إليه صدقات البلاد.
وروي أن عدي بن حاتم حمل صدقة قومه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم إلى أبي بكر من بعده.
وروي أن معاذ بن جبل قال لأهل اليمن ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة 1 فدل على أنه قد كان ينقل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة اليمين إلى المدينة، ولأن ما لزم إخراجه للطهرة لم يختص ببلده كالكفارة ولأنه لما جاز فعل الصلاة في غير بلد الوجوب جاز نقل الزكاة إلى غير بلد الوجوب.
إذا قيل بالقول الثاني أن ذلك لا يجزئ وهو القول الأصح، فدليله قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن أجابوك فأعلمهم أن في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" 2.
فجعل وجوب أخذها من أغنياء اليمن موجباً لردها على فقراء اليمن.
فإن قيل: فلا يمنع ذلك من نقلها عن بلد من بلاد اليمن إلى غيرها من بلاد اليمن، وإن دل على المنع من نقلها إلى غير اليمن.
قيل: لما جعل محل الوجوب محل التفرقة اقتضى أن يتميز فيها بلاد اليمن كما يتميز بها جميع اليمن على أن من جوز نقلها سوى في الجواز بين الإقليم الواحد والأقاليم، ومن منع من نقلها سوى في المنع بين الإقليم الواحد والأقاليم، وقد روي عن معاذ أنه قال: أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته 3 فجعله النقلة عن المكان بعد وجوب الزكاة فيه يمتنع من نقلها عنه، وذلك صار عنه بالأمر الذي تقدم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار كالمنقول عنه نصاً، ولأن حقوق الله تعالى ضربان:
أحدهما: على الأبدان.
والثاني: في الأموال.
فلما كان في حقوق الأبدان ما يختص بمكان دون مكان، وهو الطواف والسعي والوقوف بعرفة وجب أن يكون في حقوق الأموال ما يختص بمكان دون مكان، وهو الزكاة ولأن اختصاص الزكاة بالمكان كاختصاصهما بأهل السهمان، فلما لم يجز نقلها عن أهل السهمان لم يجز نقلها عن المكان وأما الأجوبة عن دلائل القول الأول فالآية قصدها بيان أهل السهمان دون المكان فلم يعدل بها عن مقصودها.
وأما حديث قبيصة بن المخارق فمحمول على أحد وجهين:
إما على ما في سواد المدينة من الصدقات أو على ما لم يوجد في بلد المال مستحق لها.
وأما قول معاذ "ائتوني بخميس أو لبيىس"، فإنه محمول على مال الجزية، لأن المهاجرين بالمدينة من بني هاشم وبني المطلب يصرف إليهم الجزية ولا تصرفه إليهم الزكاة.
وأما نقل عدي بن حاتم صداقات قومه ففيه أجوبة:
أحدها: أنه يجوز أن يكون قومه حول المدينة وفي موادها فنقل زكاتهم إلى أهل المدينة.
والثاني: أنه يجوز أن يكون نقلها ومستحقوها بالمدينة ليتولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمها فيهم.
والثالث: أنه أظهر الطاعة بنقلها لاسيما وقد منع الناس الزكاة على عهد أبي بكر ثم يجوز أن يكون ردها إليه ليفرقها.
على أنه قد روي عن أبي بكر أنه رد عليه صدقات قومه وأما الكفارة فالفرق بينهما وبين الزكاة في الجواز ما جعلوه فرقاً بينهما في الكراهة لأنهم كرهوا نقل الزكاة ولم يكرهوا نقل الكفارة.
وكذلك الجواب عن الجمع بين الصلاة والزكاة أن الفرق بينهما في الكراهة فرق بينهما في الجواز على أن الصلاة لا ينتفع أهل البلد بإقامتها فيهم، وينتفعوا أهل البلد بتفريق الزكاة فيهم فجاز أن يكون لهم في فريق الزكاة حق، وإن لم يكن لهم في إقامة الصلاة حق.
فصل
فإذا تقرر اختصاص الزكاة بمكانها ووجوب تفريقها في ناحيتها فلا يخلو حال الزكاة من أن تكون زكاة مال أو زكاة فطر، فإن كانت زكاة مال فالمراعى فيها مكان المال لا مكان المالك فلو كان في ناحية وماله في أخرى كانت ناحية المال ومكانه أحق بتفريق زكاته فيها من ناحية المالك ثم في ناحية المال التي هي أحق بتفريق زكاته فيها وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنهما من المال لمسافة أقل من يوم وليلة؛ لأنها مسافة الإقامة التي لا يقصر في مثلها الصلاة فكانت حد المستحق الزكاة.
والوجه الثاني: أنها البلد الذي فيه المال، وما أحاص به ببنائه دون ما خرج عنه، وإن كانت زكاة زرع وثمر في صحراء لا بنيان فيها ففي أقرب البلاد والبنيان إليها، وسواء كان البلد صغيراً أو كبيراً يكون جميع أهل البلاد مستحقين لها، وإن كانت زكاة مال ناض، فإن كان البلد صغيراً فجميع أهله فيه سواء، وإن كان البلد واسعاً كالبصرة وبغداد
كان جبران المال من أهل البلد أخص بها من غيرهم، وهل يكون ذلك هن طريق الأولى أو من طريق الاستحقاق على وجهين:
أحدهما: أنهم أولى بهما لأجل الجوار، وإن لم يكونوا أحق فإن فرقت في غيرهم من أهل البلد أجزاء وإن عدل عن الأولى.
والثاني: أنهم أحق بها وإن فرقت في غيرهم من أهل البلد لم يجزه إذا قيل إن نقل الزكاة، ولا يجزئ لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:36] يعني الجار ذي القربى الجار القريب في نسبه، والجار الجنب البعيد في نسبه، فاعتبر في القريب والبعيد الجوار ثم قال: "والصاحب بالجنب" وفيه ثلاثة تأويلات:
أحدهما: أنه الرفيق في السفر وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
والثاني: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك وهو قول ابن زيد.
والثالث: أنها الزوجة التي تكون إلى جنبك وهو قول ابن مسعود.
هذا إذا كان رب المال هو المفرق لزكاته فأما إن فرقها الإمام أو عامله فجميع أهل البلد فيها سواء، لما في مراعاة الإمام لذلك مع الاجتماع الزكوات بيده في المشقة التي لا يقدر عليها ولا يمكنه حفظها فأما زكاة الفطر، فإن كان مال المزكي في بلد أخرجها منه، وإن كان ماله في غير بلده فغيها وجهان:
أحدهما: أن يراعى فيه بلد المال لا بلد المزكي لتعلق وجوبها بالمال فكان بلد المال أحق أن يراعى كسائر الزكوات.
والثاني: أن يراعى فيه بلد المزكي لأنها عنه لا عن ماله فكان بلده أن يراعى إخراجها فيه أولى من بلد ماله.
مسألة 1
قال الشافعي: "ويرد حصة من لم يوجد من أهل السهمان على من وجد منهم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الزكاة مستحقة للأصناف الثمانية المنصوص عليهم في كتاب الله تعالى فإذا كانوا هم المستحقون لم يخل حالها من ثلاثة أقسام:
إما أن يفرقها رب المال بنفسه أو يدفعها إلى الإمام أو يدفعها إلى عامل الإمام عليها، فإن فرقها رب المال بنفسه سقط منها سهم العاملين عليها لفقد عملهم فيها، ووجب قسمها على الأصناف السبعة على سبعة أسهم متساوية لا يفضل صنفاً على سهمه، وإن كانوا في أمس الحاجة ولا ينقص صنفاً عن سهمه وإن كانوا أقل حاجة، لأن الله تعالى تولى قسمتها بنفسه وقطع الاجتهاد فيها بتفضيل أو نقصان، فإن فضل صنفاً على غيره وكان التفضيل متطوعاً وضمن للمفضول قدر حصته من الفضل كما لو أسقط جميع
سهمه صار لجميعه ضامناً.
فأما سهم كل صنف فإن قدر على تفريقه في جميع الصنف كان أولى، وإن فرقه في بعض الصنف أجزأه إذا فرقه في ثلاثة منهم فصاعداً، ولا يجزئه إن يفرقه في أقل من ثلاثة إذا وجدوا لأنهم أقل الجمع المطلق، وله الخيار في الصنف الواحد بين التسوية بينهم والتفضيل، والأولى أن يكون بينهم على قدر حاجتهم فإن تساووا في الحاجة سوى بينهم في العطية، وإن كان لو سوي أجزأه وإن تفاضلوا في الحاجة فاضل بينهم في العطية، وإن كان لو سوى أجزأه فلو فرق سهم الصنف الواحد في أقل من ثلاثة ودفعه إلى اثنين فإن كان لعدم الثالث من ذلك الصنف أجزأه، وإن كان مع وجوده ضمن حصة الثالث، وفي قدرها وجهان:
أحدهما: يضمن ثلث ذلك الهم اعتباراً بالتساوي فيه.
والثاني: يضمن قدر الأجزاء وهو القليل الذي لو أعطاه ثالثاً أجزأه.
فصل
وإذا دفعها إلى الإمام سقط عنه فرضها بقبض الإمام؛ لأنه نائب عن أهل السهمان في فرضها فصارت يده كأيديهم ثم سهم العاملين عليها قد سقط منها لفقد عملهم، وليس للإمام أخذه لأن نظره لا يختص بالصدقات وإن تولاها فلم يستحق فيها سهماً، وإنما هو عام النظر ورزقه في مال الغير ثم هو بالخيار بحسب ما يؤديه اجتهاده إليه من ثلاثة أمور:
إما أن يفرق كل صدقة في جميع الأصناف، وإما أن يجمع جميع الصدقات ويفرقها بالتسوية بين جميع الأصناف ثم يفاضل بين كل صنف أو يساوي، وإما أن يدفع كل صدقة إلى أحد الأصناف فيراعى التسوية بينهم في جميع الصدقات، فإن أخل بصنف من الأصناف فلم يعطهم شيئاً من جميع الصدقات ضمن في أموال الصدقات لا في مال نفسه قدر سهمهم من تلك الصدقات وخالف في ذلك رب المال الذي لا يضمنه في مال نفسه.
فصل
وإن دفعها إلى العامل أجزأه وكان سهم العامل فيها ثابتاً فإن فوض الإمام إليه جبايتها وتفريقها أخذ سهم الجباية والتفريق وفعل فيها مثل ما فعله الإمام إلا أن خياره بين أمرين بين أن يفرق كل صدقة في جميع الأصناف، وبين أن يجمع جميع الصدقات ويصرفها في جميع الأصناف، وليس له أن يخص بكل صدقة صنفاً كالإمام لأن نظر العامل خاص لا يستقر إلا على ما جباه وربما صرف فلم يقض باقي الأصناف، وإن اقتصر الإمام بالعامل على جباية الصدقات دون تفريقها أخذ العامل منها قدر حقه من الجباية دون التفرقة، ولم يكن للعامل أن يفرقها، فإن فرقها ضمن ما فرقه في مال نفسه، وكان الإمام بالخيار بين أو يتولى تفريقها بنفسه فيسقط منها سهم التفرقة، وبين أن يولى من عمال الصدقات من يفرقها فيأخذ منها سهم التفرقة.
فصل
فأما إذا عدم بعض الأصناف فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يعدموا في جميع البلاد فيسقط بعدمهم ويقسم الصدقة على من وجد منهم فإن كان الباقون من الأصناف خمسة قسمت الزكاة على خمسة أسهم لكل صنف منهم سهم، وإن بقي ثلاثة أصناف قسمت على ثلاثة أسهم لكل صنف سهم.
فإن قيل: أفليس لو وصى بثلثه لثلاثة فقد أحدهما لم يرد سهمه على من وجد فهلا كانت سهام الأصناف هكذا.
قيل: لأن ليس للصدقات مصرف غير الأصناف فلم يجز أن يرد سهم المفقود عليهم والضرب على غيرهم، ولمال الميت مصرف غير أهل الوصايا فلم يرد سهم المفقود عليهم.
والثاني: أن يعدموا في بلد المال ويوجدوا في غير البلاد، فينقسم مال من عدم منهم من بلد المال ثلاثة أقسام: قسم ينقل سهمهم، وقسم لا ينقل سهمهم، وقسم اختلف أصحابنا في نقل سهمهم، فأما من ينقل سهمهم إلى البلاد التي يوجدون فيها فهم الغزاة ينقل سهم سبيل الله المصروف إليهم من بلد المال الذي فقدوا فيه إلى البلاد التي يوجدون فيها من الثغور وغيرها؛ لأنهم يكثرون في الثغور ويقلون في غيرها فلم يكتفوا بسهمهم من صدقات بلادهم، وأما من لا ينقل سهمهم فهم العاملون عليها؛ لأنهم إذا قعدوا قام أرباب الأموال مقامهم فيها؛ ولأن سهمهم يسقط مع الحضور إذا لم يعملوا فكيف بهم إذا قهدوا، وأما من اختلف من أصحابنا في نقل سهمهم فهم باقي الأصناف، وفيهم وجهان:
أحدهما: لا ينقل اعتباراً بتغليب المكان على الصنف ويقسم على من وجد دون من فقد كما يعتبر عدم الماء في جواز التيمم لمكان عدمه، ويعتبر حال ابن السبيل بمكان حاجته.
والثاني: ينقل اعتباراً بتغليب الصنف على المكان فينقل إلى أقرب البلاد التي توجد فيها من فقد من الأصناف، لأن استحقاق الأصناف لها ثابت بالنص واختصاص المكان بها ثابت بالاجتهاد، فإذا تعارض كان تغليب ما ثبت بالنص أولى من تغليب ما ثبت بالاجتهاد والله أعلم بالصواب.
مسألة 1
قال الشافعي: "ويجمع أهل السهمان أنهم أهل حاجة إلى مالهم منها وأسباب حاجتهم مختلفة وكذلك أسباب استحقاقهم معان مختلفة" قال في الحاوي: وهذا كما قال مال الصدقات لا ينصرف إلا في ذوي الحاجات إلا أنها ضربان:
أحدهما: من يدفع إليه لحاجته إليها وهم الفقراء والمساكين والمكاتبون وأحد صنفي الغارمين الذي أذنوا في مصالح أنفسهم وبنو السبيل.
والثاني: من تدفع إليه لحاجتنا إليه وهو العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم، وأحد صنفي الغارمين وهم الذين أذنوا في صلاح ذات البين، والغزاة، فمن دفعت إليه لحاجته إليها لم يستحقها إلا مع الفقر ولم يجز أن يدفع إليه من الغنى.
ومن دفعت إليه لحاجتنا إليه جاز أن تدفع إليه من الغنى والفقر ثم ينقسم جميعهم ثلاثة أقسام: فمنهم من يأخذها ويستحقها بسبب متقدم ومنهم من يأخذها ويستحقها بسبب مستحدث، فأما الذي يأخذها ويستحقها بسبب متقدم فهم ثلاثة أصناف: الفقراء والمساكين والعاملون عليها؛ لأن السبب الذي به أخذوا وبه استحقوا هو الفقر والمسكنة والعمل، وذلك متقدم على الأخذ فإذا قبضوها فقد استقر ملكهم عليها فلا يجوز أن تسترجع منهم وإن زال سبب استحقاقهم.
وأما الذي يأخذها ويستحقها بسبب مستحدث فهو صنفان: بنو السبيل، والغزاة، فيأخذ ابن السبيل ليبتدئ سفره، ويأخذ الغازي ليبتدئ جهاده فإذا أخذوا سهمهم منها لم يستقر ملكهم عليه إلا أن يسافر ابن السبيل ويجاهد الغازي فيستقر حينئذ ملكهم على ما أخذوا، فإن لم يسافر ابن السبيل ولم يجاهد الغازي استرجع منهما ما أخذاه لفقد السبب الذي يعتبر به الأخذ والاستحقاق، وأما الذي يأخذها بسبب متقدم واستحقاق مستحدث فهم ثلاثة أصناف المؤلفة قلوبهم يدفع إليهم لتغير نياتهم المتقدمة ويستحقونها بجنس نياتهم المستحدثة والمكاتبون يأخذونها للباقي عليهم من أموال كتابتهم ويستحقونها بما يستحدثون من قضاء ديونهم وزوال غرمهم، فهؤلاء إن حدث منهم بعد أخذها ما به يستقر الاستحقاق من حسن نيات المؤلفة وعتق المكاتبين بالأداء وقضاء ديون الغارمين بالقضاء فلا يجوز الرجوع عليهم بشيء منها لاستقرار الاستحقاق، والحادث بعد الأخذ بالسبب المتقدم وإن لم يحدث منهم بعد الأخذ ما يستقر به الاستحقاق، فلم يحسن به نيات المؤلفة قلوبهم، ولم يؤد المكاتبون ذلك في عتقهم ولا قضاه الغارمون في ديونهم فهذا ينظر، فإن كان سبب الأخذ باقياً وهو بقاء الكتابة على المكاتبين وبقاء الدين على الغارمين لم يسترجع ذلك منهم، لأنه يجوز أن يستأنف دفعها إليهم فلم يجز أن يسترجع المتقدم منهم وكذلك المؤلفة لأن ضعف نياتهم التي قصدوا له بتآلفهم باق يقتضي استئناف العطاء فلم يجز أن يعارض بالاسترجاع المنكر وإن كان سبب الأخذ قد زال مع بقاء الصدقة بأيديهم كعتق المكاتب تبرعاً أو بأداء من كسب وزال الغرم بإبراء أو بقضاء من كسبه استرجعت منهم؛ لأن سبب الاستحقاق لم يوجد.
مسألة 1
قال الشافعي: "فإذا اجتمعوا فالفقراء الزمني الضعاف الذين لا حرفه لهم وأهل
الحرفة الضعيفة الذين لا تقع فيهم موقعاً من حاجتهم ولا يسألون الناس.
وقال: وفي الجديد زمناً كان أولى أو غير زمن سائلاً أو متعففاً.
قال الشافعي: والمساكين السؤال ومن لا يسأل ممن له حرفه لا تقع منه موقعاً ولا تغنيه ولا عياله.
وقال في الجديد: سائلاً كان أو غير سائل.
قال المزني: أشبه بقوله ما قاله في الجديد؛ لأنه قال: لأن أهل هذين السهمين يستحقونهما بمعنى العدم وقد يكون السائل بين من يقل معطيهم وصالح متعفف بين من يبدونه بعطيتهم".
قال في الحاوي: اعلم أن الفقر والمسكنة اسمان يشتركان من وجه ويفترقان من وجه، فأما الوجه الذي يشتركان فيه فهو الضعف، وأن كل واحد منهما إذا أفرد بالذكر شاركه الآخر فيه حتى لو وصى بثلث ماله الفقراء شاركهم المساكين ولو وصى به للمساكين شاركهم الفقراء.
وأما الوجه الذي يفترقان فيه فهو أنه إذا جمع بينهما تميزا ثم اختلف في تميزهما عند الاجتماع هل يكون التميز بينهما باختلافهما في الحاجة أو باختلافهما في الصفة فذهبت طائفة إلى تميزها بالاختلاف في الصفة مع تساويهما في الضعف والحاجة ومن قال بهذا اختلفوا في الصفة التي بها وقع التمييز بينهما على أربعة أقاويل:
أحدها: أن الفقير هو المحتاج المتعفف عن السؤال والمسكين هو المحتاج السائل وهذا قول ابن عباس والحسن والزهري.
والثاني: أن الفقير هو ذو الزمانة والمسكين هو الصحيح الجسم من أهل الحاجة، وهذا قول قتادة.
والثالث: أن الفقراء هم المهاجرون والمساكين غير المهاجرين، وهذا قول الضحاك بن مزاحم وإبراهيم النخعي.
والرابع: أن الفقراء من المسلمين والمساكين من أهل الكتاب، وهذا قول عكرمة.
وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء إلى أن تميزها بالاختلاف في الضعف والحاجة وإن تساويا في الصفة وأن أحدهما أسوأ حالاً من الآخر، فبذلك تميز عنه ثم اختلفوا في أيهما أسوأ حالاً الفقير أو المسكين، فذهب الشافعي إلى أن الفقير هو أسوأهما حالاً وهو الذي لا شي، له أو له يسير تافه لا يؤثر في قدر حاجته.
والمسكين: هو الذي له ما يؤثر في حاجته، ويقتصر على كفايته، فإذا كانت كفاية الواحد عشرة فإن وجدها فليس بمسكين ولا فقير، وإن عدمها أو وجد أقلها كان فقيراً، وإن وجد أكثرها كان مسكيناً وهذا في أهل اللغة قول الأصمعي وقال أبو حنيفة المسكين أسوأ حالا من الفقير فالمسكين عنده على صفة الفقير عندنا، والفقير عنده على صفة المسكين عندنا، وهو في أهل اللغة قول الفراء وثعلب واختاره أبو إسحاق المروزي من أصحابنا استدلالاً بقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16)﴾ [البلد:16] أي ملصق بالتراب لضره وعربيه وليس أحد أسوأ حالاً ممن هذه صفته، فدل على أن المسكين أسوأ حالاً
من الفقير، وبقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة:177] والسائل أحسن حالاً فدل على أن المسكين أسوأ حالاً، ولأن الله تعالى خص بمصرف أموال الطهرة من ذوي الحاجات من القرب والكفارات على المساكين دون الفقراء، فدل تخصيصهم بالذكر على اختصاصهم بسوء الحال.
قالوا: وقد حكي عن يونس قال: قلت لأعرابي أمسكين أنت، فقال: لا والحمد لله بل فقير، فدل على أن الفقير أحسن حالاً من المسكين؛ لأن الحمد يكون على أحسن الحالين ويدل على هذا أيضا قول 1:
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفقاً العيال فلم يترك له سيد
فسماه فقيراً وله حلوبة وهي وفق عياله.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] فبدأ بذوي الحاجات بالفقراء والبداية تكون بالأهم فاقتضى أن يكون الفقر أسوأ حالاً، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:15] ولم يقل المساكين فدل على أن الفقير أمس حاجة وأسوأ حالاً من المسكين، وقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:79] فسماهم مساكين ولهم سفينة، فدل على أن المسكين أحسن حالاً.
وروى أبو زهرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين المتعفف، اقرؤوا إن شئتم: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة:273] 2 فكان هذا نصاً في أن المسكين أحسن حالاً.
وروى أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر" 3 فكان هذا نصاً على أن الفقير أسوأ حالاً وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" 4 فدل على أن المسكين أحسن حالاً.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يتعوذ من الفقر اللازب يعني اللازم فدل على أن الفقير أسوأ حالاً.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ليس المسكين الذي لا مال له،
ولكن المسكين الأخلق الكسب قال ابن علية: الأخلق الكسب: المخارف، ولأن في اشتقاق الفقر والمسكنة دليلاً على أن الفقر أسوأ حالاً من المسكنة.
أما الفقر فقد اختلف في اشتقاقه فقال قوم: هو مشتق من انكسار الفقار، وهو الظهر الذي لا تبقى معه قدرة.
وقال آخرون: هو مشتق من الفاقة، ومن قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)﴾ [القيامة:25] وفيها ثلاثة تأويلات:
أحدهما: أنها الفاقرة الداهية العظمى، وهو قول مجاهد.
والثاني: أنها الهلاك المستأصل، وهو قول السدي.
والثالث: أن السر المحلى، وهو قول قتادة، وعلى أي التأويلات كان فهو للمبالغة في سوء الحال.
وأما المسكنة فقد اختلف في اشتقاقها فقال قوم: هي مشتقة من التمسكن وهو الخضوع، وقال آخرون: هي مشتقة من السكون، لأن المسكين ما يكن إليه فدل على أنه أحسن حالاً، ولأن شواهد أشعار العرب تدل على ذلك، أنشد ابن الأعرابي لبعض العرب 1:
هل لك في أجر عظيم تؤجره تغيث مسكيناً قليلاً عسكره
عشر شياه سمعه وبصره قد حدث النفس بمصر يحضره
فسماه مسكيناً وله عشر شياه، فدل على أن للمسكين مالاً وأنه أحسن حالاً وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16)﴾ [البلد:16] فهو أن المراد بالمسكين ها هنا الفقير لأنه لم يطلق ذكره، ولكن قيده بصفات الفقراء، وقد يطلق اسم المسكين على الفقير كما ذكرنا، وإنما كلامنا في المسكين الذي قد أطلقت صفته.
وأما الجواب عن الآية الأخرى فهو أن السائل لا يكون أحسن حالاً من المتعفف: لأنه قد يسأل فيحرم ويتعفف فيعطى.
وأما الجواب عن قول الأعرابي: لا والحمد لله أنا فقير، فهو إذا أبان بذلك منزلته في الشكر مع شدة الضر.
وأما الشعر فلا دليل فيه: لأنه بعد أخذ الحلوبة سماه فقيراً حين لم يترك له سبد، فإذا ثبت أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، فقد يكون الفقير سائلاً وغير سائل وقد يكون المسكين سائلاً وغير سائل، وهو معنى قول الشافعي في الجديد والقديم من التسوية فظن المزني أن قوله قد اختلف فيه فجعل الجديد أولى وليس كما ظن والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "فإن كان رجل جلد يعلم الوالي أنه صحيح مكتسب يغني عياله أو لا عيال له يغني نفسه بكسبه لم يعطه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال المكتسب بصنعته قدر كفايته وكفاية عياله لا يكون فقيراً وتحرم عليه الزكاة، وإن لم يكن له مال وقال أبو حنيفة: لا تحرم عليه الزكاة وإن كان مكتسباً يملك نصاباً تجب فيه الزكاة أو ما يبلغ قيمته نصاباً فجعل الفقر معتبراً بعدم النصاب وإن كان قادراً على كفايته بنفسه وجوز له أخذ الزكاة، وجعل الغناء معتبراً بملك النصاب وإن عجز عن كفايته وحظر عليه أخذ الزكاة استدلالاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] والفقير هو العادم، وهذا عادم وإن كان مكتسباً، وبما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمرت أن أخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" 2 فميز الأغنياء بأخذ الصدقة منهم وميز الفقراء بدفع الصدقة إليهم، فوجب أن يكون من تؤخذ منه الصدقة غنياً وإن كان غير مكتسب، ومن تدفع إليه فقيراً، وإن كان مكتسباً.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من سألنا أعطيناه" 3 وقال: "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" 4 وقد سئل المكتسب فوجب أن يعطى؛ ولأنه لا يملك نصاباً ولا قيمته فوجب أن يكون فقيراً تحل له الصدقة قياساً على غير المكتسب؛ ولأنه لما لم يكن المكتسب غنياً في وجوب الحج والتكفير بالعتق لم يكن غنياً في تحريم الزكاة؛ ولأنه لما حلت الزكاة من سهم الغارمين حلت له من سهم الفقراء والمساكين ودليلنا ما رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبيد الله بن عدي أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألاه من الصدقات فصعد النظر فيهما وصوب وقال: "إن شئتما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب" 5 فجعل الكسب كالغني بالمال في تحريم الصدقات.
وروى سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة قوي" 6 فحرم الصدقة بالقدرة على الكسب كما حرمها بالغنى؛ ولأنه مستديم القدرة على كفايته فوجب أن تحرم عليه الزكاة والمسكنة كالقادر على
نصاب أو كالمشتغل لوقف؛ ولأن من حرمت عليه المسألة حرمت عليه الصدقة كالغني، ولأنه لما كان الاكتساب كالغنى في سقوط نفقته عن والديه ومولوديه ووجوبها عليه لوالديه ومولوديه كان كالغني في تحريم الصدقات.
فأما الجواب عن الآية فهو أن الفقر ليس العدم وإنما هو الحاجة، والمكتسب غير محتاج وأما الجواب عن قوله: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" فهو أنه قد يكون في الناس من لا تؤخذ منه ولا تدفع إليه فهو مالك ما لا يزكى فكذلك المكتسب فجاز أن يكون منهم من تؤخذ منه فتدفع إليه وهو مالك ما يزكى إذا كان غير مكتسب.
وأما الجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من سألنا أعطيناه" فهو أن معناه من أظهر لنا الفقر قبلنا منه، لأن الأصل في الناس العدم.
وأما قوله: "أعطوا السائل ولو جاء على فرس"، فهو دليلنا لأن أبا حنيفة يمنعه إذا كان ثمن فرسه نصاباً ونحن نعطيه إذا كان محتاجاً.
وأما قياسه على غير المكتسب فالمعنى فيه الحاجة والمكتسب غير محتاج.
وأما قوله: "لما لم يكن الاكتساب كالمال في وجوب الحج والتكفير بالعتق كذلك في تحريم الزكاة" فهو فاسد بنفقات الأقارب التي يجعل الاكتساب فيها كالمال، ثم وجوب الحج والتكفير بالعتق يتعلقان بوجود المال والمكتسب غير واجد، وتحريم الزكاة يتعلق بالكفاية والمكتسب مكتف وبالله التوفيق.
مسألة 1
قال الشافعي: "فإن قال الجلد لست مكتسباً لما يغنيني ولا يغني عيالي ولا عيال وليس عند الوالي يقين ما قال فالقول قوله، واحتج بأن رجلين أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألاه من الصدقة فقال: "إن شئتما ولا حظ فيها لغني ولا لذي مكتسب" قال الشافعي: رأى عليه الصلاة والسلام صحة وجلداً يشبه الاكتساب فأعلمهما أنه لا يصلح لهما مع الاكتساب ولم يعلم أمكتسبان أو لا فقال: "إن شئتما" بعد أن أعلمتكما أن لا حظ فيها لغني ولا لمكتسب فعلت".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا تقرر فرق ما بين الفقير والمسكين بما ذكرنا فخص رجل ادعى فقراً مسكنة فللوالي على الصدقة ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعلمه فقيراً فيدفع إليه لعلمه من سهم الفقراء ولا يكلفه ببينة ولا يميناً.
والحال الثانية: أن يعلمه غنياً فلا يدفع إليه من سهم الفقراء شيئاً فإن ادعى تلف ماله لم يقبل قوله إلا ببينة، فإذ أقامها على تلف ماله الذي كان به غنياً سمعها من
شاهدين أو شاهد وامرأتين، وسواء كانت بنيته من أهل المعرفة الباطنة أم لا، وإن أقام البينة على فقره لم يسمعها إلا من أهل المعرفة الباطنة به؛ لأنه قد يستر الغنى ويتظاهر بالفقر فلم تسمع منه البينة بعد تقدم العلم بغناه إلا ممن يعرف باطن أمره من أقاربه وجيرانه، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لقبيصة بن المخارق: "إن المسألة حرمت إلا في ثلاث ذكر فيها أو رجل أصابته جائحة" الخبر إلى أن قال: حتى يشهد له ثلاثة من ذوى الحجى من قومه 1.
إن تدخلت له المسألة فاختلف أصحابنا في الثلاثة هل يكونون شرطاً في بينته أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر الثلاثة تغليظاً، وإن شهادة العدلين مجزئة.
والثاني: أن الثلاثة ها هنا شرط، فعلى هذا هل يكون شهادة أو خبراً على وجهين:
أحدهما: أنها شهادة غلظت يراعى فيها عدالة الشهود في الحقوق لنقلها خلاف المعلوم.
والثاني: أنه خبر لزم فيه الاحتياط فميز بعدد وروعي فيه صدق المخبرين لا عدالة الشهود.
والحالة الثالثة: أن يجهل الوالي أمره ولا يعلمه غنياً ولا فقيراً فلا يخلو حال السائل من أحد أمرين:
إما أن يكون ظاهره موافقاً لمسألته أو مخالفاً لها، فإن كان ظاهره موافقاً لمسألته لما عليه من سمات الفقر والفاقة ودلائل الضر في ضعف بدنه ورثاثة هيئته فهذا يعطى من سهم الفقراء تعويلاً على شاهد حاله من غير قول يوعظ به ولا يمين يحلف بها، وإن كان ظاهره مخالفاً لمسألته وهو أن يكون قوي البدن حسن الهيئة فينبغي للوالي أن يقول له على طريق الوعظ والإخبار بحال من يحل له الصدقة، ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذين سألاه الصدقة فصعد النظر فيهما، وصوب ثم قال: "إن شئتما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب" فإذا قاله له هذه المقالة وأقام على المسألة وأنه يستحق الصدقة أعطاه منها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للرجلين: "إن شئتما" فدل على أن ذلك لهما، وهل يحلف على فقره قبل الدفع إليه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا يحلف؛ لأن الأصل الفقر ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما عرض اليمين على الرجلين.
والثاني: يحلفه على فقره؛ لأن ظاهره بخلاف قوله، فأما إن دعي عيالاً ففي قبول قوله فيهم وجهان:
أحدهما: لا يقبل قوله في دعوى العيال إلا ببينة تشهد بهم، لأنها دعوى تخالف الظاهر.
والثاني: أنه يقبل قوله فيهم كما يقبل قوله في نفسه لاختصاصهم به وإضافتهم إليه لكن لا تقبل إلا يمين يحلف بها وجهاً واحداً، لأنه يستزيد بها على حق نفسه.
مسألة 1
قال الشافعي: "والعاملون عليها من ولاه الوالي قبضها ومن لا غنى للوالي عن معونته عليها وأما الخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي لا يلي قبض الصدمة وإن كانا من القائمين بالأمر يأخذها فليسا عندنا ممن له فيها حق لأنهما لا يليان أخذها وشرب عمر رضي الله عنه لبناً فأعجبه فأخبر أنه من نعم الصدقة فأدخل أصبعه فاستقاءه.
قال: ويعطى العامل بقدر غنائه من الصدقة وإن كان موسراً لأنه يأخذه على معنى الإجارة".
قال في الحاوي: وقد ذكرنا أن سهم العاملين على الصدقات ثابت إذا تولوا قبضها وتفريقها، وساقط منها إذا تولى رب المال بنفسه فإن قال رب المال المتولي للتفريق زكاته أنا آخذ سهم العاملين لنفسي للقيام بالعمل في التفرقة مقام العاملين لم يجز لأن العامل من ولاه الإمام قبضها وتفريقها نيابة عن أهل الصدقات، ورب المال إنما هو نائب عن نفسه لأنه لا يجوز أن يكون وكيلاً عليها لغيره؛ وإذا كان هكذا لم يخل حال رب المال إذا دفع زكاة ماله إلى الوالي من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يدفعها إلى الإمام الذي هو الخليفة على الأمر.
والثاني: أن يدفعها إلى والي الإقليم الناظر في جمع أموره.
والثالث: أن يدفعها إلى العامل الذي ولاه الإمام قبضها وجعل نظره مقصوراً عليها، فإن تولاه الإمام سقط منها سهم العاملين عليها؛ لأن ولاية الإمام عامة قد أخذ رزقه عليها من بيت المال فلم يجمع له بين رزقين على عمل واحد، ولما روى الشافعي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلبن فشربه فأعجبه فقال من أين لك هذا فقال: مررت بلقاح الصدقة فأعطونيه فجعلته في سقائي فاستقاءه عمر رضي الله عنه، فدل على أنه يحرم عليه مال الصدقة، ولذلك لم يستبقه في جوفه.
فإن قيل: فما تأثير استقائه بعد استهلاكه ومن أكل حراما لم يلزمه أن يستقيئه.
قيل في استيقائه لذلك ثلاثة أمور:
أحدها: أن يعلم الناس تحريم الصدقات على الإمام.
والثاني: أن من أخذ مالاً يحل له من مغصوب وغيره فتغير في يده لم يملكه بخلاف ما قال أبو حنيفة.
والثالث: لئلا يستديم الاغتذاء والانتفاع بحرام، وهكذا لو تولى قبض الصدقات وتفريقها وإلى الإقليم سقط منها سهم العاملين لأنهم في عموم ولايته على ذلك الإقليم الذي قد ارتزق على عمله فيه جار مجرى الإمام.
فأما إذا اختص لعامل بقبض الزكاة تفريقها ثبت فيها حينئذ سهم العاملين عليها ليكون مصروفاً إلى العامل وأعوانه فيها وإذا كان كذلك وجب أن يوصف من يجوز أن يكون عاملاً فيها بها في القبض والتفرقة وهو من تكاملت فيه ست خصال:
أحدها: البلوغ لأن الصغر معه قبض ولا تقبيض.
والثانية: العقل الذي يصح التمييز به.
والثالثة: الحرية.
والرابعة: الإسلام لأن الكفر يمنع من الولاية على مسلم لقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:1] وقدم أبو موسى الأشعري من البصرة على عمر بحساب استحسبه عمر فقال من عمل هذا فقال: كاتبي فقال: أين هو؟ قال: هو على باب المسجد قال: أجنب هو؟ قال: لا، ولكنه ذمي فأمره بعزله وقال: لا تأمنوهم إذ خونهم الله تعالى، ولا تقربوهم إذ بعدهم الله:
والخامس: الأمانة لأنها بيانه ليقصد بها حفظ المال على غير المستنيب فأشبه ولي اليتيم الذي إن خيفت خيانته سقطت ولايته.
والسادسة: الفقه بأحكام الزكوات فيما تجب فيه من الأموال وما لا تجب وفي مقاديرها وقدر الحق فيها وأوصاف مستحقيها ومبلغ استحقاقهم منها لئلا يكون جاهلاً بما هو موكول إلى نظره، فلا يصح تقليده كالحاكم إذا كان جاهلاً وليس يلزم من عامل الصدقة أن يكون ففيهما في جميع الأحكام؛ لأن ولاية الحاكم جامعة فاحتاج أن يكون عالماً بجميع الأحكام وولاية عامل الصدقات مخصوصة فلا يحتاج إلى أن يكون عالماً يعني أحكامها، فإذا تكاملت فيه هذه الخصال الستة جاز أن يكون عاملاً عليها وسواء كان رجلاً أو امرأة وإن كرهنا تقليد النساء لذلك لما عليهن من لزوم الحفر لأن المرأة لما جاز أن تلي أموال الأيتام جاز أن تلي أموال الصدقات فأما أعوان العامل من كتابه وحسابه وجباته ومستوفيه فأجورهم من سهم العاملين لعملهم فيها، ولا يلزم اعتبار الحرية والفقه فيهم، لأنهم خدم فيها مأمورون ويلزم اعتبار الخصال الأربعة من البلوغ والفضل والإسلام والأمانة.
وأما الرعاة والحفظة لها بعد قبضها ففي أجورهم وجهان:
أحدهما: أنها من سهم العاملين عليها.
والثاني: من أصل الصدقات فأما أجرة الحمالين والنقالين فإن كانت عند أخذ ذلك من أرباب الأموال ففيها وجهان: كالرعاة، والحفظة وإن كانت لحملها لأهل الصدقات فأجورهم في أموال الصدقات وجهاً واحداً.
وأما أجور الكيالين والوزانين والعدادين، فعلى وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنها على أرباب الأموال، لأن ذلك من حقوق التسليم والتمكين فأشبه أجرة الكيال والوزان في المبيع يختص بها البائع دون المشتري.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي إنها في سهم العاملين والفرق بين هذا وبين البيع مكيل في حق البائع، وهذا مكيل في حق أهل السهمان فصار ما يلزم من أجور العمل في أموال الصدقات تنقسم أربعة أقسام:
أحدها: ما كان في سهم العاملين من الصدقات وهو العامل وأعوانه.
والثاني: ما كان في أموال الصدقات من غير سهم العاملين وهو أجور الحمالين والنقالين إلى أهل الصدقات.
والثالث: ما كان على أرباب الأموال في أحد الوجهين ومن سهم العاملين في الوجه الثاني وهو أجرة الكيال والوزن.
والرابع: ما اختلف أصحابنا فيه وهو أجرة الرعاة والحفظة فأخذ الوجهين أنه من سهم العاملين.
والثاني: من مال الصدقات.
فصل
فإذا ثبت ما وصفنا فالإمام فيمن قلده من عماله الصدقة بين أمرين:
إما أن يعقد معه إجارة على عمل معلوم في زمان معلوم بأجرة معلومة فيكون العقد لازماً له وله الأجرة إذا عمل، وإما أن يجعلها جعالة فيقول: إن عملت كذا فلك كذا، فتكون هذه جعالة لا تلزم وله إن عمل ما يسمى له فإن استعمله من غير جارة ولا جعالة فله أجرة الثمل ثم لا يخلو سهم العاملين عليها وأجرهم من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتساويا فتكون الأجرة بقدر سهمهم من غير زيادة ولا نقص فنقص عليها وقد استوفوا أجورهم من سهمهم وسواء كانوا أغنياء أو فقراء، لأنها معاوضة فلم يعتبر فيها الفقر.
وقد روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تحل الصدقة إلا لخمسة".
العامل عليها وغاز في سبيل الله 1. الحديث وروى ابن الساعدي قال: بعثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه عاملاً على الصدقة فلما رجعت بها وأديتها أعطاني عمالتي فقلت: إنما عملت لله وإنما أجري على الله، فقال: خذ ما أعطيتك، فقد قلت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما فعلت فأعطيت مثل ما أعطيت فقلت مثل ما قلت فقال: "إذا أعطيت
من غير أن تسال فكل وتصدق" 1 لدل على ما ذكرنا من الخبرين على جواز ذلك مع الغنى والفقر.
والثاني: أن تكون أجور العاملين أقل وسهمهم أكثر فيدفع إليهم من سهمهم قدر أجورهم، ويرد الفاضل منه على السهمان كلها بالتسوية ولا يستبقي لعامله غلى غير ذلك الصدقة.
والثالث: أن تكون أجور العاملين أكثر وسهمهم أقل فيدفع إليهم سهمهم ويتمم له باقي أجورهم ومن أين يتمم؟ فيه قولان:
أحدهما: من تلك الصدقة التي عملوا فيها لاختصاص عملهم بها.
والثاني: من مال المصالح وهو خمس الخمس من الفيء والغنيمة لأن ذلك جملتها.
فصل
وأما استعمال ذوي القربى على الصدقات فإن تطوعوا بالعمل من غير أجر جاز وسقط من تلك الصدقة التي عملوا فيها سهم العاملين عليها كما يجوز للإمام أن يتولاها، وإن كان من ذوي القربى لأنه يأخذ منها ويسقط سهم العاملين منها، وإن أراد العامل من ذوي القربى أن يعمل عليها ويأخذ سهم عمله منها، ففي جوازه ثلاثة أوجه:
أحدهما: يجوز لأنها معاوضة لا يراعى فيها الفقراء فلم يراعى فيها النسب، ولأنه لما جاز أن يفاضلوا على عملهم فيها ما يلزم رب المال من أجره الكيل والوزن وما يلزم أهل الصدقات من أجرة الحفظ والنقل، جاز أن يفاضلوا عليه بما يزم في مال الصدقات من سهم العاملين.
والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يجوز لتحريم الصدقات عليهم، روي أن الفضل بن العباس والمطلب بن ربيعة أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألاه عمالة الصدقة فقال: إن الصدقة من أوساخ الناس لا يحل لمحمد وأل محمد منها شيء".
وروي عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، ولأن الله تعالى جعل سهمهم من خمس الخمس من الفيء والغنيمة عوضاً عن مال الصدقة.
والثالثة: وهو قول أبي سعيد الاصطخري إن كانوا يعطون سهمهم من الخمس لم يجز وإن كانوا لا يعطون جاز لأن لا يجمعوا بين مالين إن أعطوا لا يحرموا المالين إن منعوا، فأما مولى ذوي القربى فقد اختلف أصحابنا فيهم على وجهين:
أحدهما: أنهم كذوي القربى في تحريم الصدقات عليهم لرواية أبي رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل على الصدقة رجلاً من بني مخزوم فقلت له:
أثبت لي سهماً منها، فقال حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن ذلك فقال: "إن مولى القوم منهم وإنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة" 1.
والثاني: أنها لا تحرم عليهم ويجوز أن يكون المولى منهم عاملاً عليها، لأن تحريمه على ذوي القربى لأمرين تفردوا بهما عن مواليهم:
أحدهما: شرف نسبهم الذي فضلوا به.
والثاني: سهمهم من الخمس الذي تفردوا به.
فوجب أن يختصوا بتحريم الصدقات دون مواليهم والله أعلم.
فصل
إذا تلفت الصدقة في يد العامل فهو عليها أمين لا يضمنها إلا بالعدوان ثم لا يخلو أن يكون قد أخذ سهمه منها أو لم يأخذ، فإن أخذه لم يلزمه رده؛ لأنه قد استحقه بعمله، إلا أن يكون قد أخذ أجرة القبض والتفريق، فيلزمه إذا تلفت قبل التفريق أن يرد من الأجرة ما قابل أجرة التفريق، وإن لم يكن قد أخذ سهمه من المال قبل تلفه أعطى أجره من سهم المصالح من الخمس، لم يفوت عليه بغير بدل وبالله التوفيق.
مسألة 2
قال الشافعي: "والمؤلفة قلوبهم في متقدم الأخبار ضربان: ضرب مسلمون أشراف مطاعون يجاهدون مع المسلمين فيقوى المسلمون بهم ولا يرون من نياتم ما يرون من نيات غيرهم، فإذا كانوا هكذا فأرى أن يعطوا من سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو خمس الخمس ما يتألفون به سوى سهامهم مع المسلمين وذلك أن الله تعالى جعل هذا السهم خالصاً لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فرده في مصلحة المسلمين.
واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى المؤلفة يوم حنين من الخمس مثل عيينة والأقرع وأصحابهما ولم يعط عباس بن مرداس وكان شريفاً عظيم الغناء حتى استعتب فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - مال الشافعي رحمه الله لما أراد ما أراد القوم احتمل أن يكون دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه شيء حين رغب عما صنع بالمهاجرين والأنصار فأعطاه على معنى ما أعطاهم واحتمل أن يكون رأى أن يعطيه من ماله حيث رأى أن يعطيه لأنه له - صلى الله عليه وسلم - خالصاً للتقوية بالعطية ولا نرى أن قد وضع من شرفه فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد أعطى من خمس الخمس النفل وغير النفل لأنه له وأعطى صفوان بن أميه ولم يسلم ولكنه أعاره أداة فقال فيه عند الهزيمة أحسن مما قال بعض من أسلم من أهل مكة عام الفتح وذلك أن الهزيمة كانت في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين أول النهار فقال له رجل غلبت هوازن وقتل محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال صفوان بن أميه بفيك الحجر فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب من هوازن ثم أسلم قومه من قريش وكان كأنه لا
يشك في إسلامه والله تعالي أعلم.
قال الشافعي: فإذا كان مثل هذا رأيت أن يعطي من سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا أحب إلى للإقتداء بأمره - صلى الله عليه وسلم - ولو قال قائل كان هذا السهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لع أن يضع سهمه حيث يري فقد فعل هذا مرة وأعطي من سهمه بخيبر رجالاً من المهاجرين والأنصار لأنه ماله يضعه حيث رأي ولا يعطي أحداً اليوم على هذا المعني من الغنيمة ولم يبلغنا أن أحداً من حلفائه أعطي أحداً بعده.
ولو قيل: ليس للمؤلفة في قسم الغنيمة سهم مع أهل السهمان كان مذهباً والله أعلم.
قال: وللمؤلفة في قسم الصدقات سهم والذي أحفظ فيه من متقدم الخبر أن عدي بن حاتم جاء إلى أبي بكر الصديق أحسبه بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيراً وأمره أن يلحق بخالد بن الوليد بمن أطاعه من قومه فجاءه بزهاء ألف رجل وأبلي بلاء حسناً والذي يكاد يعرف القلب بالاستدلال بالأخبار أنه أعطاه إياها من سهم المؤلفة فإما زاده ترغيباً فيما صنع وإما ليتألف به غيره من قومه ممن لم يثق منه بمثل ما يثق به من عدي بن حاتم.
قال: فأرى أن يعطى من سهم المؤلفة قلوبهم في مثل هذا المعنى إن نزلت بالمسلمين نازلة ولن تنزل إن شاء الله تعالى وذلك أن يكون العدو بموضع منتاط لا يناله الجيش إلا بمؤنه ويكون بإزاء قوم من أهل الصدقات فأعان عليهم أهل الصدقات إما بلية فأري أن يقووا بسهم سبيل الله من الصدقات وإما أن لا يقاتلوا إلا بأن يعطوا سهم المؤلفة أو ما يكفيهم منه وكذا إذا انتاط العدو وكانوا أقوى عليه من قوم من أهل الفيء يوجهون إليه ببعد ديارهم وثقل مؤناتهم ويضعفون عنه فإن لم يكن مثل ما وصفت مما كان في زمن أبي بكر رضي الله عنه من امتناع أكثر العرب بالصدقة على الرده وغيرها لم أر أن يعطى أحد من سهم المؤلفة ولم يبلغني أن عمر ولا عثمان ولا عليا رضي الله عنهم أعطوا أحداً تألفاً على الإسلام وقد أغنى الله- فله الحمد- الإسلام عن أن يتألف عليه رجال.
وقال في الجديد: لا يعطى مشرك يتألف على الإسلام لأن الله تعالى خول المسلمين أموال المشركين لا المشركين أموال المسلمين وجعل صدقات المسلمين مردودة فيهم".
قال في الحاوي: وجملة ذلك أن مالكاً وأبا حنيفة أسقطا سهم المؤلفة كما أسقط أبو حنيفة سهم ذي القربى للاستغناء بقوة الإسلام واستعلاء أهله على الفريقين، وقد مضى الكلام في سهم ذوي القربى.
فأما سهم المؤلفة فهو باق على ما سنشرحه قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:60] وتآلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
والمؤلفة قلوبهم على عها النبي - صلى الله عليه وسلم - ضربان: مسلمون ومشركون.
فأما المشركون فضربان:
أحدهما: أشراف مطاعون فيهم قوة وبأس وليس لهم في الإسلام نيات لكنهم إن أعطوا كفوا عن قتال المسلمين، وعن أذارهم مجتازين، أو مسافرين، وإن لم يعطوا قاتلوهم وتتبعوهم بالأذى في أسفارهم ومساكنهم مثل عامر بن الطفيل فقد كان ذا غلظة
على المسلمين، وقتل أهل بني معونة وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتآلفه ويستكفه فأتى المدينة وقال: يا محمد شاركني في أمرك، وكنت أنت على المدر وأنا على الوبر، فقال: لم يجعل الله ذلك لي قال: والله لأملأتها عليك خيلاً ورجالاً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يأبى الله ذلك عليك وأبناء قبيلة الأرض والخزرج يعني الأنصار فخرج من عنده بأخبث نية فأخذته غدة مات بها وقد نزل على امرأة من سلول قال: وهو يجود بنفسه غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية.
والثاني: من الكفار أشراف ومطاعون لهم في الإسلام ونيات لم تخلص إن أعطوا قويت نياتهم في الإسلام فأسلموا، وإن لم يعطوا بقوا على كفرهم مثل صفوان بن أمية فإنه كان ذا نية في الإسلام واستعار منه النبي - صلى الله عليه وسلم - أداة فأعاره مائة درع وحضر معه حنيناً وقال: قد انهزمت الصحابة في أول الوقعة أحسن مما قاله بعض المسلمين الذين أسلموا عام الفتح بمكة، فإن أبا سفيان قال عند الهزيمة غلبت هوازن، وقتل محمد، فقال له صفوان بن أمية: لفيك الحجر، والله لرب قريش أحب إلى من رب هوازن، فلما انجلت الوقعة وأحيزت غنائم هوازن أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - منها مائة بعير، فلما رآها وقد امتلأ بها الوادي فقال: هذا عطاء من لا يخاف الفقر ثم أسلم بعد ذلك.
هذان الضربان من المشركين تألفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي جواز تآلفهم الآن بعد وفاته قولان:
أحدهما: يجوز اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:60]
والقول الثاني: لا يجوز لأن الله تعالى قد أعز الإسلام وأهله بما أعطاهم من قوة وزادهم من قدرة عن أن يتآلفوا بأموالهم مشركاً، ويكون تآلف النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم إما عن حاجة إليهم عند قلة المسلمين وكثرتهم، وإما لأنه كان يعطيهم من ماله الذي ملكه الله تعالى من خمس الخمس، فكان يصنع به ما شاء مما ليس لغيره من الولاة أن يصنع مثله.
فإذا قيل: لا يجوز أن يتآلفوا بمال لما جعل الله تعالى أموالهم للمسلمين حولاً، ولم يجعل لهم في أموال المسلمين حقاً منعوا ذلك من أموال الصدقات وغيرها.
وإذا قيل: بجواز تآلفهم جاز إذا وجد فيهم نفع التآلف يعطوا مع الغنى والفقر لا من أموال الصدقات التي جعلها الله تعالى للمسلمين ولكن من سهم المصالح وهو خمس الخمس من الفيء والغنيمة المعدة لمصالح المسلمين العامة.
فصل
وأما المسلمون من المؤلفة فضربان:
ضرب لم يختلف قوله في جواز تآلفهم.
وأما الضرب الذي اختلف قوله في جواز تآلفهم وحملهم فيه على حكم المشركين فضربان:
أحدهما: الأشراف المطاعون وقد حسنت في الإسلام نياتهم ولكن في إعطائهم تآلف لقومهم وترغيب لأكفائهم ونظرائهم كالزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاهما تآلفاً لقومهما وترغيباً لنظرائهما.
والضرب الثاني: أشراف مطاعون قد أسلموا بنيات ضعيفة إن أعطوا قويت نياتهم وحسن إسلامهم، وإن منعوا وبما أفضى بهم ضعف النية إلى الردة فقد أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمثال هؤلاء مثل عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس التميمي، فإنه تآلف كل واحد منهما بمائة بغير وترك العباس بن مرداس السلمي فلم يعطه ثقة بحسن إسلامه كما ترك الأنصار وقصر به على مهاجرة الفتح حتى استعتب العباس بن مرداس فيما أنشده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شعره حيث يقول:
كانت ذهاباً تلافيتها وكرى على القوم بالأجرع
وحتى الجنود لكي يدلجوا إذا هجع القوم لم أهجع
أتجهل نهبي وذهب العبي د بين عيينة والأقرع
الأبيات إلى آخرها.
فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطي مائة 1 بعير فاحتمل إعطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك له أحد أمرين:
ذكرهما الشافعي:
أحدهما: أن يكون قد بطن به حسن النية في الإسلام فمنعه ثم بان منه ضعف النية فتآلفه.
والثاني: أن يكون على حسن نيته لكن خشي نقص الرتبة وحظ المنزلة فأحب المساواة بينه وبين أكفائه فأعطاه مع حسن إسلامه وهذا أشبه الأمرين بشعره، فهذان الضربان من مؤلفة المسلمين قد تآلفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وفي جواز تآلفهم الآن بعد وفاته قولان:
أحدهما: يجوز اقتداء به - صلى الله عليه وسلم - مع عموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:60] ولأن أبا بكر رضي الله عنه لما أتاه عدي بن حاتم الطائي بثلاثمائة بعير من صدقات قومه أعطاه منها ثلاثين بعيراً ليتآلف بها قومه، وأمره أن يلحق بخالد بن الوليد، فيمن أطاعه من قومه فلحق به في زهاء ألف وجل وأبلى بلاء حسناً.
والثاني: لا يجوز أن يتآلفوا لأن الله تعالى قد أعز الإسلام وأهله بالقوة والكثرة عن أن يتألف فيه أحد، ولأن عمر وعثمان وعلياً رضي الله عنهم ما تآلفوا من مال الصدقات أحداً وقد روى حسان بن عطية: أن عيينة بن حصن أتى عمر فسأله شيئاً فلم يعطه فقال: وقل الحق من ربك تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:29] فإن قيل: لا يعطى الكفار فلا مقال وإذا قيل: يعطون تآلفاً لقلوبهم، فعن المال الذي يتآلفون منه قولان:
أحدهما: هو سهم المؤلفة من الصدقات، فإن النص على سهمهم منها، ولأن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم ثلاثين بعيراً من صدقات قومه.
والثاني: أنهم يعطون من مال المصالح وهو خمس الخمس من الفيء والغنيمة لأنهم من جملتها، ويعطون ذلك مع الغناء والفقر.
فصل
وأما الضرب الثاني: من المسلمين الذين لم يختلف قول الشافعي في جواز تآلفهم فهم أربعة أصناف:
أحدها: أن يكونوا من أعراب أو غيرهم من المسلمين في طرف من بلاد الإسلام بإزاء مشكرين لا يقاتلونهم على الإسلام إلا بمال يعطونه، إما لفقرهم، وإما لضعف نيتهم وفي مسير المجاهدين إليهم مشقة عظيمة والتزام مال جزيل.
والثاني: أن يكون من ذكرنا بإزاء قوم مرتدين لا يقاتلونهم على الردة إلا بمال إما لفقر أو لضعف نية، وفي تجهيز الجيش إليهم مؤنة ثقيلة.
والثالث: أن يكونوا بإزاء قوم من البغاة وهذه حالهم معهم.
والرابع: أن يكونوا بإزاء قوم مانعي الزكاة ولا يقاتلونهم على بذلها إلا بمال فهؤلاء الأصناف الأربعة يجوز تألفهم بالمال لما في تآلفهم من معونة المسلمين ونفعهم والذب عنهم وفي المال الذي يتألفون منه ثلاثة أقاويل ورابع معلول:
أحدها: من سهم المؤلفة من الصدقات لأنهم من المؤلفة.
والثاني: من سهم سبيل الله لأنهم غزاة.
والثالث: من مال المصالح من الخمس لأنهم من جملة المصالح.
والرابع: المعلول أنهم يعطون من سهم المؤلفة وسهم سبيل الله وهذا قول معلول لما فيه من الجمع في دفع الصدقة بين سببين من سهمين فاختلف أصحابنا في هذا القول على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن هذا على القول الذي جوز الشافعي فيه إعطاء الشخص الواحد من الزكاة الواحدة بسببين من سهمين إذا كانا فيه موجودين، فأما على القول الذي منع فيه من ذلك فلا يعطون إلا من أحد السهمين.
والثاني: أن ذلك على ظاهره في إعطائهم من السهمين معاً على القولين جميعاً لوجود كل واحد من السببين فيهم مع الحاجة الداعية إليهم وإنما يمنع من إعطاءه بالسببين لمن كانت حاجته إلينا.
والثالث: أنه مختلف باختلاف الحال فيمن قاتل منهم مانعي الزكاة أعطي من سهم المؤلفة ومن قاتل منهم المشركين أعطى من سهم الغزاة والأصح عندي في هذا القول الرابع غير هذه الوجوه الثلاثة أنه يجمع لهذه الأصناف كلها بين سهم المؤلفة وبين سهم
سبيل الله في الجملة إلا أن يصبح الشخص الواحد منهم لا يجوز أن يعطى من السهمين لكن يعطى بعضهم من سهم المؤلفة ولا يعطى من سهم سبيل الله، ويعطى بعضهم من سهم سبيل الله ولا يعطى من سهم المؤلفة فيكون الجمع بين السهمين للجنس العام والمنع من الجمع بينهما للشخص الواحد، وهذا أصح ما يحمل عليه تخريج هذا القول الرابع، والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي: "والرقاب المكاتبون من حيز إنما الصدقات والله أعلم ولا يعتق عبد يبدأ عتقه فيشتري ويعتق".
قال في الحاوي: وهذا صحيح والرقاب صنف من أهل الصدقات، لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة:177] فاختلف الفقهاء فيهم فذهب الشافعي إلى أنهم المكاتبون يعطون المسمى لهم يستعينون به في مال كتابتهم ولا يبتدئ عتق رقاب تشترى، وهو في الصحابة قول علي بن أبي طالب عليه السلام وفي التابعين قول سعيد بن جبير والنخعي.
وفي الفقهاء قول أبي حنيفة والثوري.
وقال مالك: الرقاب أن يبتدأ عتق رقاب تشترى وهو في الصحابة قول عبد الله بن عباس، وفي التابعين قول الحسن البصري، وفي الفقهاء قول أحمد وإسحاق استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة:177] وفيها ثلاثة أدلة:
أحدها: أن مطلق اسم الرقبة يتناول العبد القن دون المكاتب بدليل قوله تعالى: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:89] يقتضي عتق العبد القن دون المكاتب.
والثاني: أن الله تعالى أضاف سهمان الصدقات إلى الأصناف بلام التمليك: "إنما الصدقات للفقراء" وخالف صيغة اللفظ في الرقاب بأن حذف لام التمليك، فقال: وفي الرقاب فجعل ذلك فيهم ولم يجعله لهم فاقتضى أن لا يملكه المكاتبون ويشترى به عبيد يعتقون ليصح أن يكون فيهم ولا يكون لهم.
والثالث: أن المكاتبين من جملة الغارمين فلو أريدوا بالآية لاكتفى بذكر الغارمين عن ذكرهم ولأن ما وجب من أموال الطهرة نوعان زكوات وكفارات، فلما كان في الكفارات عتق وجب أن يكون في الزكوات عتق.
وتحريره: أنه أحد نوعي الطهرة فوجب أن يختص بعتق، ويفرقه كالكفارات، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:60] ومنها سبعة أدلة:
أحدها: أن الله تعالى جعل ذلك في الرقاب لا في السادة، وملك يجعله في السادة لا في الرقاب.
والثاني: أن سائر الأصناف لما استحقوا الأخذ وجب أن يكون صنف الرقاب مستحقاً الأخذ.
والثالث: أن الله تعالى ذكر في الآية ثمانية أصناف وقرن فيها بين كل صنفين يتقارب معناهما فنقارب في حاجتنا إليهم وفرق بين سبيل الله وابن السبيل لأن معناهما متقارب في اختصاصهم بقطع مسافة، وفرق بين الرقاب والغارمين، فوجب أن يكون معناهما متقارباً فلما أخذ الغارمون لما في الذمة اقتضى أن يأخذ الرقاب لما في الذمة.
الرابع: أن الله تعالى جعل المصروف إلى الأصناف صدقة وفي صرفه في العتق يصير ثمناً يخرج عن حكم الصدقة.
والخامس: أن الله تعالى جعل كل صنف من أهل الذمة، ممن يمكن دفع سهمه إليه من كل صدقة ولا يمكن إذا جعل سهم الرقاب في العتق أن يعتق سهمهم من كل صدقة إذا جعل في المكاتبين أمكن أن يدفع إليهم في كل صدقة.
والسادس: أنه لو صرف سهم الرقاب في مكاتبين وبقي عليهم من آخركم آخر نجم ما يعتقون به فأعطوا ما عتقوا به أجزأ، ولو خرجوا من حكم الآية لم يجز كالعتق في الكفارة فدل على أنهم المواد بالآية.
والسابع: أن الله تعالى لو أراد بالرقاب المعتق لقرنه بذكر التحرير كالكفارة حيث قال: "فتحرير رقبة مؤمنة" ولا يقتضي أن يحمل مطلق الرقاب في الصدقة على المقيد منها في الكفارة لأن في المطلق في الرقاب ما يجزئ وهو ما ذكرنا من المكاتبين، فكان حمل المطلق على المطلق أولى من حمله على المقيد، وخالف تقيد الشهادة بالعدالة في موضع وإطلاقها في آخر، لأنه ليس في الشهادة مال يعتبر فيه العدالة، فلذلك وجب حمل المطلق على المقيد، ويدل عليه من طريق الاعتبار أنه ضعف من أهل الصدقة فوجب أن يكونوا على صفة يستحقوا بها الأخذ قياساً على سائر الأصناف، ولأن العتق يقتضي ثبوت الولاء للمعتق فلو أعتق سهم الرقاب لم يخل أن يثبت على المعتق ولاء أو لا يثبت عليه، ولا سلب حكم العتق.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الولاء لمن أعتق" 1 وإن ثبت عليه الولاء لم يخل أن يكون لرب المال أو لغيره فلم يجز أن يكون لغيره؛ لأنه غير معتق بماله ولم يجز أن يكون لرب المال الأمرين:
أحدهما: أنه ما اشتراه ولا أشتري له.
والثاني: أنه لا يستفيد بإخراج زكاته ملكاً كسائر الأصناف فثبت امتناع العتق.
فإن قيل: فلو أخذ الغارم سهمه وعليه لرب المال دين جاز أن يستعيده من دينه فيصير ملكاً له.
قيل: ليس هذا في كل غارم ولا الغارم الذي عليه الدين يلزمه رد ذلك بعينه، لأنه لو دفع غيره أجزأ.
فأما الجواب عن استدلالهم من الآية من أن مطلق الرقبة يتناول العبد القن دون المكاتب فهو أن ادعاء ذلك غير مسلم؛ لأنه إن أطلق تناول القن وغيره، وإن قيد بقرينة كالتحرير تخصص لأجل القرينة بالقن دون غيره فلما أطلق ذكر الرقاب في الصدقة وجب أن يحمل على عمومه ولا يجري مجرى ما خص في الكفارة بقرينة.
وأما الجواب عن استدلالهم من الآية بأن الله تعالى أصناف الصدقات إلى أهل السهمان بلام التمليك إلا الرقاب فهو أنه قد قال مثل ذلك في الغزاة وبني السبيل فقال: "وفي سبيل الله وابن السبيل" لا يقتضي ذلك أن لا يدفع إليهم تمليكاً كذلك الرقاب.
وأما الجواب عن استدلالهم فيها بأن المكاتبين من جملة الغارمين فمن وجهين:
أحدهما: أنهم غير الغارمين لأن ديونهم غير مستقرة وديون الغارمين مستقرة.
والثاني: أنهم وإن تقاربوا في المعنى فإنه يستفاد بذكرهم أن لا يقتصر على الغارمين لو لم يذكروا عليهم دون الغارمين؛ لأنهم منهم وجرى ذلك مجرى ذكر الفقراء والمساكين وإن كانوا متقاربين يستغنى بذكر أحدهما عن ذكر الآخر؛ لأن لا يقتصر على أحدهما حتى يلزم الجمع بينهما.
وأما الجواب عن استدلالهم بالكفارات فهو أن المأمور بإخراجه في الكفارات هو العتق لذلك لو أعتق رقبة يملكها أجزأه، والمأمور بإخراجه في الصدقات هو المال ولذلك لو أعتق رقبة يملكها لم يجزه فافترقا.
فصل
فإذا ثبت أن سهم الرقاب مصروف في المكاتبين فلا يخلو حال المكاتب من أحد أمرين:
إما أن يكون قادراً عليه من مال الكتابة أو عاجزاً عنه، فإن كان قادراً عليه وذلك بأحد وجهين: إما بمال في يده بقدر الباقي من مال كتابته أو بصناعة يكتسب بها فذلك يكونا في الحكم سواء ولا يجوز أن يدفع إليه من شيء من الصدقات لأنها مصروفة في ذوي الحاجات وليس هذا المكاتب منهم وإن كان عاجزاً عما عليه من مال الكتابة فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يكون نجم الكتابة قد حل عليه أو لم يحل، فإن كان نجم الكتابة قد حل عليه واستحق السيد المطالبة به دفع إليه وكان رب المال والعامل بالخيار بين أن يدفعه إلى المكاتب حتى يدفعه المكاتب إلى سيده أو يدفعه ابتداء إلى السيد بأمر المكاتب أو بغير أمره، وإن كان نجم الكتابة لم يحل ومطالبة المكاتب به لم تجب ففي جواز الدفع إليه وجهان:
أحدهما: لا يدفع إليه لأن غير محتاج إليه.
والثاني: يدفع إليه لأنه قد يحل مال النجم فيحتاج إليه.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل المكاتب بعد الدمع إليه من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعتق بالأداء فقد استقر استحقاق ما أخذه من كتابته.
والثاني: يعتق بغير أداء مال الصدقة وذلك إما بإبراء السيد له أو بأداء آخر عنه أو بأدائه من كسبه فيكون الحكم في هذه الأحوال الثلاثة سواء، وينظر فإن كان ذلك في النجم الأخير أسترجع منه ما دفع إليه؛ لأنه لم يكن للأخذ تأثير في المقصود من عتقه، وإن كان فيما قبل النجم الأخير وقد أداه فيه لم يسترجع؛ لأنه قد كان لذلك الدفع تأثير في تحرير العتق ولو استرجع لم يعتق.
والثالث: أن يسترقه السيد بالعجز فلا يخلو حال المدفوع إليه من أحد أمرين: إما أن يكون في النجم الأخير أو فيما قبله فإن كان في النجم الأخير استرجع المدفوع إليه سواء كان باقياً في يد المكانب أو قد قبضه السيد منه، لأن المقصود من العتق لم يقع، وإن كان فيما قبل النجم الأخير من النجوم المتقدمة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون ذلك باقياً في يد المكاتب فيسترجع منه ولا يجوز أن يأخذه السيد بعد العجز ولا يتملك المكاتب بعد الرق لفوات المعنى المبيع للأخذ.
والثاني: أن يكون السيد قد قبضه منه، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون قد قبضه من مال النجم الذي عجزه فيه فهذا يسترجع منه أيضاً لفوات المقصود بذلك الأخذ.
والثاني: أن يكون قد قبضه منه من مال نجم متقدم قبل نجم التعجيز، ففي جواز استرجاعه منه وجهان:
أحدهما: يسترجع منه لفوات المقصود من العتق فشابه مال النجم الأخير.
والثاني: لا يسترجع منه لأن لكل نجم حكماً.
فصل
فإذا وجب استرجاع المأخوذ من مال الصدقة فتلف قبل الاسترجاع فلا يخلو حال تلفه من أحد أمرين.
إما أن يتلف في يد السيد أو في يد المكاتب، فإن تلف في يد السيد فهو مضمون عليه بالغرم سواء تلف استهلاكه له أو بغيره، لأنه أخذه على وجه البدل عن العتق فإذا فات العتق ضمنه بالرد إن بقي، وبالغرم إن تلف كالمبيع، وإن تلف في يد المكاتب فعلى ضربين:
أحدهما: أن يتلف باستهلاكه فإن تلف باستهلاكه ضمن فمان المغصوب يقدم على
ديون المعاملات فإن فاق ما بيده عن غرمه ضمنه في رقبته، وإن تلف بغير استهلاكه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يتلف بيده قبل عجزه.
والثاني: أن يتلف بعد عجزه فإن تلف قبل عجزه، فعلى ضربين:
أحدهما: أن يتلف قبل إمكان دفعه إلى سيده فلا ضمان عليه ولا على سيده؛ لأنه كان مؤتمناً على أدائه.
والثاني: يتلف بعد إمكان دفعه إلى سيده فهذا على ضربين إما أن يكون قد حل عليه نجم الكتابة وأخر دفع ذلك إليه فهو مضمون عليه ضمان المغصوب لعدوانه بتأخير الأداء.
والثاني: أن لا يكون نجم الكتابة قد حل عليه ففي ضمانه عليه وجهان من اختلاف الوجهين في جواز الدفع إليه قبل حلول النجم عليه.
أحدهما: يضمنه إذا جعل كالذي حل عليه في جواز الدفع إليه.
والثاني: لا يضمنه إذا لم يجعل في جواز الدفع إليه كالذي حل عليه وإن تلف في يده بعد عجزه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون تلفه بعد إمكان رده على رب المال أو العامل فهذا مضمون عليه ضمان المغصوب لعدوانه بتأخير الرد ويكون الضمان في رقبته دون ما بيده لتقدم استحقاق ما بيده في معاملاته.
والثاني: أن يكون تلفه قبل إمكان رده فهو غير مضمون على المكاتب لأنه ما قبضه لنفسه ولا كان متعدياً في جنسه وهل يكون مضموناف على سيده فيه وجهان:
أحدهما: لا يضمنه لأنه ما صار إليه.
والثاني: يضمنه لأن المكاتب قبضه لسيده ويده بعد العجز كيده.
مسألة 1
قال الشافعي: "والغارمون صنفان: صنف دانوا في مصلحتهم أو معروف وغير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد فيعطون في غرمهم لعجزهم فإن كانت لهم عروض يقضون منها دونهم فهم أغنياء لا يعطون حتى يبرؤوا من الذين ثم لا يبقى لهم ما يكونون به أغنياء وصنف دانوا في صلاح ذات بين ومعروف ولهم عروض تحمل حمالاتهم أو عامتها وإن بيعت أضر ذلك بهم وإن لم يفتقروا فيعطى هؤلاء وتوفر عروضهم كما يعطى أهل الحاجة من الغارمين حتى يقضوا سهمهم.
واحتج بأن قبيصة ابن المخارق قال: تحملت بحمالة فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "نؤديها عنك أو نخرجها عنك إذا قدم نعم الصدقة يا قبيصة المسألة حرمت إلا في ثلاث رجل تحمل
بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك ورجل أصابته فاقة أو حاجة حتى شهد أو تكلم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن به فاقة أو حاجة فحلت له المسألة حتى يصيب سداداً من عيش وقواماً من عيش ثم يمسك ورجل أصابته جائعة فاحتاجت ماله فحلت له الصدقة حتى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش ثم يمسك وما سوى ذلك من المسألة فهو سحت" قال الشافعي رحمه الله: "فبهذا قلت في الغارمين وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تحل له المسألة في الفاقة الحاجة" يعني والله أعلم من سهم الفقراء والمساكين لا الغارمين وقوله حتى يصيب سداداً من عيش" يعني والله أعلم اسم الغنا ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة؛ لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني" فبهذا قلت يعطى الغازي والعامل وإن كانا غنيين والغا رم في الحمالة على ما أبان عليه السلام لا عاماً".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: والغارمون صنف من أهل الصدقات، قال الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:60] فجعل لهم من الصدقات سهماً وهو صنفان: صنف أدانوا في مصالح أنفسهم، وصنف أدانوا في مصالح غيرهم، فأما من أدان في مصلحة نفسه فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قد أدان في حق.
والثاني: في بتذير.
والثالث: في معصية.
فأما الأول وهو أن يكون قد أدان في حق فكر جل أدان في جوائح إصابة أو نفقات لزمته أو معاملات أضرت أو زكوات وجبت وحج أدى وفرض قضى إلى ما جرى مجرى ذلك من واجبات أو مباحات فيجوز أن يدفع إلى من صار بها غارماً من سهم الغارمين إذا كان فقيراً، فأما إن كان غنياً فلا يخلو ماله من أن يكون ناضاً أو عقاراً فإنه كان ماله ناضاً كالذهب والورق وعروض التجارات فلا يجوز أن يدفع إليه من سهم الغارمين لأنه مستغن عن المعونة على قضاء دينه، ولأنه قل ما يخلو موسر من دين فيجعل كل الموسر من الغارمين، وإن كان ماله عقاراً من دور وضياع كفى أثمانها بدينه ففي جواز إعطاءه من سهم الغارمين قولان:
أصحهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع وأكثر كتبه أنه لا يجوز أن يعطى لأنه قادر على قضاء دينه كالموسر بمال ناض.
والثاني: قاله في القديم وحكي عنه في كتاب "الأم" أنه يجوز أن يعطى، لأن العاجز عن قضاء الدين إلا من عقار مستقاً هو بالمعسرين أشبه عنه بالموسرين فاقتضى أن يكون من حملة الغارمين.
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون قد أدان في تبذير كرجل بذر في الشهوات