بحر المذهب للرويانيصفحات 419-458

فذهب أبو العباس إلى جواز بيع بعضه ببعض رطباً إذا اعتبر فيه التماثل بالكيل والوزن إلحاقاً باللبن الذي يجوز بيع بعضه ببعض قبل الادخار واليبس لأن أغلب منافعه في حال رطوبته.
وذهب جمهور أصحابنا وهو الظاهر من منصوص الشافعي إلى أنه لا يجوز بيعه رطباً برطب ولا يابساً برطب حتى يصير يابساً مدخراً.
لأن بعضه إذا يبس مختلف، والاعتبار فيه بالمنفعة وخالف الألبان والمائعات من الأدهان لأنها لا تيبس بأنفسها.
وكان أبو علي بن أبي هريرة يجعل مذهب أبي العباس قولاً للشافعي ويخرج المسألة على قولين: أحدهما: جواز ذلك وهو المحكي عن أبي العباس تعلقاً بأن الشافعي قال هي موضع من كتاب البيوع.
ولا يجوز بيع البقل المأكول من صنفه إلا مثلاً بمثل فعلى هذا القول يعتبر فيه المماثلة: فإن كان ما يتجافى في المكيال كالبطيخ والرمان اعتبرت فيه المماثلة بالوزن، وإن كان مما لا يتجافى في المكيال كالنبق والعناب ففيه وجهان.
أحدهما: أنه يعتبر فيه المماثلة بالكيل؛ لأنه المنصوص عليه في كتاب الأصل.
والثاني: وهو الصحيح من المذهب والمشهور من قول الشافعي: إن بيع ذلك رطباً لا يجوز بجنسه فعلى هذا لا يجوز أن تباع رمانة برمانتين لظهور التفاضل، ولا رمانة برمانة لعدم التماثل لكن يجوز بيع رمانة بسفرجلتين يداً بيد لاختلاف الجنسين.
فصل فأما ما يكون مأكوله في جوفه كالجوز واللوز فلا يجوز بيع بعضه ببعض عدداً، ولا كيلاً، ولا وزناً لأن المقصود منه اللب، والقشر يختلف.
فإذا خرج عن قشره حتى صار لباً فرداً جاز بيع بعضه ببعض كيلاً إن كان مكيلاً ووزناً إن كان موزوناً، فأما مع اختلاف الجنسين فلا بأس به وإن كان في قشره.
وهذا نص الشافعي.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وما كان من الأدوية هليلجها وبليلجها وإن كانت لا تقتات فقد تعد مأكولة ومشروبة فهي بأن تقاس على المأكول والمشروب للقوت، لأن جميعها في معنى المأكول والمشروب لمنفعة البدن أولى من أن تقاس على ما خرج من المأكول والمشروب من الحيوان والثياب والخشب وغيرها".
قال في الحاوي: واعلم أن المأكولات قد تختلف جهات أكلها على أنواع ستة: أحدها: ما يؤكل قوتاً كالبر والشعير، ويتبع هذا النوع التمر والزبيب.
والثاني: ما يؤكل إدماً كالزيتون والبصل وقد يلحق بهذا النوع الألبان والأدهان.
والثالث: ما يؤكل إبزاراً كالكمون والفلفل، وقد يدخل في هذا النوع الملح.
والرابع: ما يؤكل تفكهاً كالرمان والسفرجل.
وقد يضاف إلى هذا النوع الخضر.
والخامس: ما يؤكل حلواً كالسكر والعسل.
والسادس: ما يؤكل دواء كالإهليلج والبليلج فيجري الربا في جميعها حتى يجمع بين السقمونيا والبر في حصول الربا فيهما.

وإن كان البر يؤكل قوتاً عاماً والسقمونيا تؤكل دواء نادراً لوجود علة الربا فيهما على سواء.
فما كان من هذه المأكولات مكيلاً أو موزوناً ثبت فيه الربا على العلتين معاً وما كان منه غير مكيل ولا موزون ثبت فيه الربا على علته في الجديد دون القديم وعليه يقع التفريع، وأما ما كان مأكول البهائم كالحشيش والعلف فلا ربا فيه لأن التعليل بالأكل متوجه إلى أكل الآدميين دون البهائم.
فأما ما يشترك في أكله الآدميون والبهائم فالواجب أن يعتبر فيه أغلب حالتيه.
فإن كان الأغلب منهما أكل الآدميين ففيه الربا اعتباراً بأغلب حالتيه كالشعير الذي قد يشترك في أكله الآدميون والبهائم وأكل الآدميين له أغلب فثبت فيه الربا وإن كان الأغلب من حالتيه أكل البهائم فلا ربا فيه كالعلف الرطب الذي قد ربما أكله الآدميون عند تقديمه.
وإن استوت حالتاه فكان أكل البهائم له كأكل الآدميين من غير أن تكون إحدى الحالتين أغلب.
فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: لا ربا فيه لأن الصفة لم تخلص.
والثاني: فيه الربا وهو الصحيح لوجود الصفة وحصول الزيادة.
فصل وإذا تقرر هذا الأصل فسنوضحه بالتفريع عليه وذكر ما اختلف أصحابنا فيه.
اعلم أن الريحان، والنيلوفر، والنرجس، والورد، والبنفسج، لا ربا فيها.
لأنها قد تتخد مشمومة إلا أن يريب شيء منها بالسكر أو بالعسل كالورد المعمول جلجبين فيصير فيه الربا لأنه صار مأكولاً.
واختلف أصحابنا في ماء الورد.
هل فيه الربا أم لا على وجهين: أحدهما: لا ربا فيه اعتباراً بأصله.
والثاني: فيه الربا لأنه قد يستعمل في الطعام مأكولاً.
فأما العود، والصندل، والكافور، والمسك، والعنبر.
فلا ربا في شيء منها، لأنها طيب غير مأكول.
وأما الزعفران ففيه وجهان: أحدهما: لا ربا فيه لأن المبتغى منه لونه كالعصفر.
والثاني: فيه الربا لأنه مأكول وطعمه مقصود.
فأما الأترج والليمون والنارنج ففيه الربا؛ لأنه وإن كان طيباً ذكياً فهو مأكول والأكل أغلب حالتيه.
فأما العشار والأشج فلا ربا فيهما وكذلك الشيح لأنها تستعمل بخوراً.
وأما اللبان والعلك ففيهما الربا، لأن الأكل أغلب حالتيهما، وكذلك المصطكى.
وأما اللوز المر والحبة الخضراء والبلوط ففيها الربا، لأنها مأكولة وإن كانت مباحة النبت، وكذلك القثاء وحب الحنظل.
فأما القرطم وحب الكتان ففيهما وجهان: أحدهما: أن فيهما الربا لأنهما قد يؤكلان.
والثاني: وهو أصح أنه لا ربا فيهما لأن الأغلب من أحوالهما عدم الأكل وإن أكلا

نادراً.
وأما الطين فإن كان أرمنياً ففيه الربا؛ لأنه يؤكل دواء وكذلك إن كان مختوماً.
وإن كان من غير الأدوية كالطين الذي قد ربما أكله بعض الناس شهوة فلا ربا فيه لأن أكله ممنوع منه فصار أكله كأكل التراب.
فأما الأدوية التي لا تؤكل وإنما تستعمل من خارج البدن طلاء أو ضماداً، فلا ربا فيها لفقد الصفة.
واختلاف أصحابنا في الصمغ فأثبت بعضهم فيه الربا ونفى عنه بعضهم الربا لأنه طلاء.
وأما البذور التي لا تؤكل إلا بعد نبتها كبذر الجزر والبصل والفجل والسلجم ففيها وجهان: أحدهما: فيها الربا لأنها فرع لمأكول وأصل لمأكول.
والثاني: لا ربا فيها لأنها غير مأكولة في أنفسها فجرت مجرى العجم والنوى الذي لا ربا فيه.
وإن كان فرعاً لمأكول وأصلاً لمأكول.
والوجه الأول أصح، بخلاف النوى، لأن النوى لا يؤكل بحال، وهذه البذور تؤكل، وإنما يؤخر أكلها طلباً لإكمال أحوالها كالطلح والبلح.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وأصل الحنطة والتمر الكيل فلا يجوز أن يباع الجنس الواحد بمثله وزناً بوزن ولا وزناً بكيل لأن الصاع يكون وزناً أرطالاً وصاع دونه أو أكثر منه فلو كيلا كان صاع بأكثر من صاح كيلاً".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
كل شيء فيه الربا إذا بيع بجنسه فالاعتبار في تماثله بالكيل والوزن عادة أهل الحجاز في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان بالحجاز في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكيلاً، كان أصله الكيل، فلا يجوز أن يباع بعضه ببعض إلا كيلاً.
وما كان موزوناً كان أصله الوزن، فلا يجوز أن يباع بعضه ببعض إلا وزناً، ولا اعتبار بعادة غير أهل الحجاز ولا بما أحدثه أهل الحجاز بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال مالك: يجوز أن يباع ما كان مكيلأً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزناً بوزن، كالتمر الذي قد جرت عادة أهل البصرة ببيعه وزناً، ولا يجوز أن يباع ما كان موزوناً كيلاً بكيل.
وقال أبو حنيفة: أما الأربعة المنصوص عليها فلا يجوز بيع بعضها ببعض إلا كيلاً بكيل.
ولا اعتبار بما أحدثه الناس من بعد، وأما ما سوى الأربعة فالاعتبار فيها بعادة الناس في بلدانهم وأزمانهم ولا اعتبار بالحجاز ولا بما كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأما مالك فاستدل على ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه "نهى عن بيع البر بالبر إلا مثلاً بمثل".
والتماثل معلوم بالوزن كما هو معلوم بالكيل.
قال: ولأن الوزن أخص من الكيل، فلذلك جاز بيع المكيل وزناً ولم يجز بيع الموزون كيلاً.
وأما أبو حنيفة فاستدل بأن الأربعة منصوص على الكيل فيها فلم يجز مخالفة النص وما سوى الأربعة فالاعتبار فيه بالعادة.
وعادة أهل الوقت أولى أن تكون معتبرة من أوقات سالفة وبلا مخالفة.
لأن التفاضل موجود بمقادير الوقت.
والدلالة

على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلاً بكيل يداً بيد".
فنص على التساوي بالكيل فاقتضى ألا يعتبر فيه التساوي بالوزن لأنه قد يخالف ما أمر به من الكيل.
ولأنه قد يتساوى البر بالبر كيلاً ويتفاضلان وزناً، كما أنهما قد يتساويان وزناً ويتفاضلان كيلاً، والتفاضل فيه محرم، فلو اعتبر التساوي بالوزن لأن أخص لاقتضى ألا يعتبر التساوي بالكيل لأنه ليس أخص.
ولأنه ربما أدى إلى التفاضل في الوزن الذي هو أخص فلما جاز اعتبار التساوي فيه بالكيل وإن جاز التفاضل في الوزن، وجب ألا يجوز اعتبار التساوي بالوزن لجواز التفاضل في الكيل، ولو كان مخيراً في اعتبار التساوي فيه بالكيل والوزن لكان مخيراً بين أن يجري عليه حكم التماثل فيحل أو يجري عليه حكم التفاضل فيحرم.
وهذا متناقض.
وأما أبو حنيفة فالدلالة عليه ما روى طاوس عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة" وليس هذا القول إخباراً منه بانفراد المدينة بالمكيال ومكة بالميزان.
لأن مكيال غير المدينة وميزان غير مكة يجوز التبايع به واعتبار التماثل فيه، فعلم أن مراده عادة أهل المدينة فيما يكيلونه وعادة أهل مكة فيما يزنونه.
ولأنه لو أحدث الناس عادة في الدراهم والدنانير أن يتبايعوها عدداً لم يجز أن يكون العدد معتبراً في بعضها ببعض اعتباراً بما كانت عليه في الحجاز من قبل.
وكذا الأربعة التي قد ورد فيها النص، لو خالف الناس فيها العادة لم يجز أن يكون الحادث رافعاً لسالف العادة فوجب أن يكون ما سوى ذلك معتبراً في تماثله بسالف العادة.
وتحرير ذلك علة أنه جنس يحرم فيه التفاضل فوجب أن يكون اعتبار التماثل فيه بالمقدار المعهود على زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كالذهب والفضة والأشياء الأربعة.
وهذه علة تعم مالكاً وأبا حنيفة وفيها انفصال عما استدلا به.
فصل فإذا ثبت أن اعتبار المكيل والموزون بما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكيلاً أو موزوناً لم يخل حال الجنس الذي فيه الربا من أحد أمرين: إما أن يكون معروف الحال على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو مجهول الحال.
فإن كان معروف الحال راعيت فيه ما عرف من حاله.
فإن كان مكيلاً جعلت الكيل فيه أصلاً ومنعت من بيعه وزناً.
وإن كان موزوناً جعلت الوزن فيه أصلاً ومنعت من بيعه كيلاً.
فعلى هذا قد كانت الحبوب على عهده مكيلة، والأدهان مكيلة، والألبان مكيلة، وكذلك التمر والزبيب وإن كان مجهول الحال أو كان من مأكل غير الحجاز راعيت فيه عرف أهل الوقت في أغلب البلاد فجعلته أصلاً.
فإن كان العرف وزناً جعلت أصله الوزن، وإن كان العرف كيلاً جعلت أصله كيلاً.

وإن لم يكن للناس فيه عرف غالب فكانت عادتهم تستوي في كيله ووزنه فقد اختلف فيه أصحابنا على أربعة مذاهب: أحدها: تباع وزناً لأن الوزن أخص.
والثاني: تباع كيلاً لأن الكيل في المأكولات نص.
والثالث: أنه يعتبر بأشبه الأشياء به مما عرف حاله على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيلحق به لأن الأشياء متقاربة.
والرابع: أنه مخير فيه ين الوزن والكيل لاستواء العرف فيه.
فصل إذا كانت ضيعة أو قرية يتساوى طعامها في الكيل والوزن، ولا يفضل بعضه على بعض بما قد عرف من حاله أن التماثل فيه بالكيل فقد اختلف أصحابنا.
هل يجوز بيع بعضه ببعض وزناً.
على وجهين: أحدهما: لا يجوز لما فيه من مخالفة النص وتغيير العرف.
والثاني: يجوز ويكون الوزن فيه نائباً عن الكيل للعلم بموافقته كما كان مكيال العراق نائباً عن مكيال الحجاز لموافقته في المساواة بين المكيلين.
فصل إذا تبايعا صبرة طعام بصبرة طعام جزافاً ثم كيلا من بعد فوجدتا سواء كان البيع باطلاً لأن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، ولو تبايعا على المكايلة والمماثلة صح البيع.
فإن كانتا سواء لزم العقد ولا خيار لواحد منهما.
ولو فضلت إحدى الصبرتين على الأخرى ففيه قولان: أحدهما: بطلان العقد لأن العقد يتناول جميع الصبرتين مع ظهور التفاضل.
والثاني: جواز العقد لاشتراط التماثل.
فعلى هذا يأخذ صاحب الفضل زيادته ويكون لصاحب الصبرة الناقصة الخيار في فسخ البيع لتفريق الصفقة أو إمضاء البيع بمثل صبرته.
[1/أ] مسألة: قال: "ولا يجوز بيع الدقيق بالحنطة" عند الشافعي رضي الله عنه.
لا يجوز بيع الحنطة بدقيقها بحال لا متفاضلاً ولا متماثلاً لا كيلاً ولا وزناً، وبه قال حماد والثوري وأبو حنيفة.
وروي ذلك عن الحسن ومكحول والحكم وهو رواية عن أحمد.
وقال مالك وربيعة والليث وابن شبرمة: يجوز ذلك، وروي ذلك عن النخعي وقتادة.
وقال أحمد في الرواية الثانية وإسحاق: يجوز ذلك وزناً، وبه قال الأوزاعي، وقال أبو ثور: يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً لأنهما يختلفان في الاسم، وهذا باطل فإن أنواع الجنس يختلف اسمها وكلها اسم جنس واحد.
وكذلك بيع اللحم بالحيوان لا يجوز واختلف اسمها ولابد جنس فيه الربا زال هيئة الادخار

كخل التمر لا يجوز بيعه بالتمر.
واحتج مالك رحمه الله بأن الدقيق نفس الحنطة، وإنما تفرقت أجزاؤها فصار كالحنطة الرخوة، والحنطة الركلة واحتج [1/ب] أحمد بأن الكيل يختلف فيهما والوزن يحضرهما فيجوز بالوزن، وهذا لا يصح لما ذكرنا من العلة والأصل فيها الكيل فلا يجوز بيعها وزناً بالبعض فيها.
واعلم أن الطيب بن سلمة قال: فيه قول آخر للشافعي: أنه يجوز ذلك.
كما قال مالك وحكاه الكرابيسي عن الشافعي فقيل: قولان، وقال أكثر أصحابنا: المسألة على قول واحد، إنه لا يجوز ولم يوجد في شيء من كتبه جوازه.
وقد قال الكرابيسي: قال أبو عبد الله: يجوز ذلك.
فيحتمل أنه أراد مالكاً وأحمد فإنه يكني كل واحد منهما أبا عبد الله.
فرع يجوز بيع دقيق الحنطة بالشعير وبدقيق الشعير لأنهما جنسان.
فرع آخر بيع دقيق الحنطة بدقيقها لا يجوز، نص عليه في القديم والجديد وهو المشهور، لأنه يجوز أن يكون أحدهما أنعم من الآخر، ولأنهما تماثلاً عن حالة الادخار.
ونقل البويطي والمزني في المنثور عن الشافعي أنه قال: يجوز ذلك وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الناعم منه بالناعم والخشن منه بالخشن.
[2/أ] فرع آخر بيع لب الجوز بلب الجوز حكمه حكم الدقيق بالدقيق.
فرع آخر لا يجوز بيع الحنطة بالسويق ولا الدقيق بالسويق، ولا السويق بالسويق لما ذكرنا من العلة وفيه زيادة فساد، وهي أن النار تدخل في أجزائه فيأخذ من بعضها أكثر من بعض وكذلك لا يجوز بيع الحنطة بالخبز لما مضى وزيادة وهي أن أصل الحنطة الكيل فلا يجوز وزناً، ولأنه بيع دقيق وملح بدقيق وملح، وكذلك لا يجوز بيع الحنطة بالفالوذج لأنه بيع حنطة بنشاء وعسل ودهن، وكذلك لا يجوز بيع الجريش بالجريش، ولا الحنطة المقلية بالمقلية وغير المقلية، وكذلك لا يجوز بيع الحنطة المبلولة بغير المبلولة ولا المبلولة، لأن الحبات تنتفخ بالبلل فيؤثر ذلك في الكيل.
وقال مالك وأبو يوسف: يجوز بيع الدقيق بالسويق متفاضلاً.
ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة.
وروي عنه تجوز متساوياً وفي رواية الأصل قال: لا يجوز بحال.
واحتجوا بأن السويق بالصنعة صار جنساً آخر وهذا غلط لأن الدقيق بالطحن لا يصير جنساً آخر.
[2/ب] وكذلك السويق، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يجوز بيع الحنطة بالخبز أيضاً.

فرع آخر لا يجوز بيع الخبز بالخبز رطباً لما ذكر من العلة، وقال أحمد: يجوز إذا تماثلا في الوزن لأن معظم منفعتهما في حال رطوبتهما كاللبن باللبن، وهذا لا يصح لأن أكمل أحوال اللبن كونه لبناً وأكمل الأحوال هاهنا حين كان حياً فيعتبر التساوي في تلك الحالة ولا يمكن ذلك هاهنا.
فرع آخر لو كانا يابسين فإن لم يكن مدقوقاً لا يجوز وإن كان مدقوقاً بأن جعله كعكاً ثم دقه قال في عامة كتبه: لا يجوز لعدم التساوي كيلاً حال كونهما برين ولأنه بيع بر وملح بلبن وملح.
وقال في "حرملة": يجوز، لأن ذلك حالة كمال وادخار أيضاً فيباع كيلاً ولا يمتنع أن يكون للشيء الواحد حالتان للادخار كالعنب يدخر زبيباً وخلاً، وأما الاختلاط بالملح فلا يضر، لأنه لا يظهر في الكيل ويصير الملح صفة فيه والمذهب الأول.
قال القفال رحمه الله: ولا يحتمل غير هذا [3/أ] على المذهب ولعل ذاك قول مرجوع عنه.
قال أصحابنا وعقد الباب فيه على ما ذكر الشافعي في الصرف كل ما عمل من الأثمان يجوز بيعه بالأثمان وكل ما عمل من المأكول لا يجوز أصله فالدبس لا يباع بالعنب وبالتمر، والدقيق لا يباع بالحنطة وما يعمل من اللبن لا يباع باللبن.
والفرق أن المصوغ من الذهب لا يستحيل بالصياغة بل هو ذهب على ما كان وما يتخذ من المطعوم يستحيل عن صفته.
مسألة: قال: "ولا بأس بخل العنب بعضه ببعض".
بيع خل العنب بخل العنب يجوز متماثلاً وكذلك العصير بالعصير لأن أجزاءه متقاربة ويخالف بيع الدقيق بالدقيق ولأن للعنب حالتين في الادخار إذا صار زبيباً وإذا صار عصيراً فيجوز بيع بعضه ببعض في كلتا الحالتين وعلى هذا يجوز بيع العصير بالخل لأنهما مدخران وهذا لأن العصير إذا صار خلاً لا يظهر فيه نقصان كالتمر الحديث بالعتيق، وفيه وجه آخر لا يجوز لأن أحدهما على حالة الادخار دون الآخر [3/ب] وإن كان فيهما ماء أو في أحدهما ماء لا يجوز، ولا يجوز بيع العصير والخل بالعنب لأن العصير الذي في العنب قد يزيد عليه وقد ينقص منه فيؤدي إلى التفاضل.
وأما خل الزبيب بخل الزبيب لا يجوز قولاً واحداً لأنه ينقع في الماء وهل يجري الربا في الماء؟ وجهان والأصح أن فيه الربا فإن قلنا: بهذا يجوز أن يقل الماء في أحدهما ويكثر في الآخر فيكون بيع الماء بالماء متفاضلاً والخل بالخل متفاضلاً أيضاً، لأن الماء إذا تفاضل تفاضل الخل أيضاً، وإن قلنا: لا ربا في الماء لا يجوز لمعنى واحد وهو تفاضل الخلين لقلة الماء في أحدهما وكثرته في الآخر.
وإن باع خل الزبيب بخل العنب لا يجوز، لأنهما جنس واحد وفي أحدهما ما يجوز أيضاً، وإن كان فيهما ما فيه وجهان مبنيان على جريان الربا في الماء وكذلك خل الزبيب بخل

الرطب لأن فيهما ماء وهما جنسان وظاهر قول الشافعي هاهنا: فإذا اختلف الجنسان فلا بأس يدل على أنه لا ربا في الماء وأما خل الرطب بخل الرطب لا يجوز بحال كخل [4/أ] تقطع به العلقة بينهما وإذا تفرقا عن علقة بينهما بطل العقد الذي من شرطه التقابض ثم إذا كالا بعد التفرق فخرجا متفاوتين فالزيادة لا تدخل في العقد، وهل يصح في القدر الذي تساويا فيه؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأنه قابل الصاع بالصاع وقد تساويا، والثاني: لا يجوز لعلتين: إحداهما: أنه قابل الصبرة بالصبرة وهما متفاوتتان، والثانية: أن الكيل في بعض المكايلة من تمام التسليم وقد تفرقا قبله فبقيت على ما ذكرناه.
وإن خرجتا متماثلتين فيه وجهان أيضاً بناء على العلتين فإن قلنا: بالعلة الأولى فلا تفارق هاهنا، وإن قلنا: بالعلة الثانية فقد وجدت هاهنا وعلى هذا لو كانا في المجلس فكيلتا فخرجتا متساويتين يصح، وإن خرجتا متفاوتتين فوجهان بناء على العلتين.
ولو كانت إحدى الصبرتين صغيرة فقال: بعتك بما يقابلها من الكبيرة يصح بشرط أن يكيلا في المجلس، فإن تفرقا من غير كيل فعلى الوجهين.
ولو قال: بعتك هذه الصبرة بصبرتك كل صاع بصاع فإن كانتا جنساً واحداً [4/ب] فقد ذكرنا وإن كانتا جنسين فخرج أحدهما ناقصاً يقال لمن نقص صبرته: أترضى بترك الفضل لصاحبك؟ فإن رضي فلا كلام وإن لم يرض يقال لصاحب الفضل: أترضى بإعطاء الفضل؟ فإن أبى فسخ البيع حينئذ وهذا لأنه يجوز فيه التفاضل، ولهذا لو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة جزافاً جاز لهذا المعنى وقيل إن عند مالك يجوز بيع خل التمر بخل التمر إذ تجري فيه خلال بصير بصنعته وأخبر أن ما في أحدهما من الماء مثل ما في الأخر، وإياه أراد الشافعي في قوله: "ولا خير في التحري".
الفصل.
مسالة: قال: "ولا خير في مد عجوة ودرهم بمد عجوة".
جملته: أن كل جنس ثبت فيه الربا لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل بسواء خالصاً لا يكون معه غيره، فإن كان كل واحد من العوضين أو مع أحدهما من غيره فالبيع باطل فلا يجوز بيع ثوب ودرهم بدرهمين، ولا ثوب ودينار بدينارين ولا ثوب وقفيز حنطة بقفيزين، ولا مد عجوة ودرهم بمدي عجوة ولا [5/أ] بدرهمين ولا بمد عجوة ودرهم، ولا سيف محلى بفضة، بفضة ولا محلى بذهب بذهب ولا خاتم فضة فصه من غيره بفضة وإن كان مع كل واحد منهما أو مع أحدهما من جنسه ولكنه نوع أخر لا يجوز أيضاً مثل دينار قاشاني ودينار نيسابوري بدينارين نيسابوريين ولا مد عجوة ومد صيحاني بمدي صيحاني أو مد صيحاني ومد عجوة، ولا بيع درهم صحيح ودرهم مكسر بدرهمين صحيحين أو مكسرين أو درهم صحيح ودرهم مكسر، ولا يجوز بيع رديء بجيدين ولا برديئين وبه قال مالك: ذكر في "الموطأ" وشريح والنخعي وإسحاق وهكذا قال أحمد: إلا في الجنس الواحد فإنه قال يجوز أن يبيع دينارين مختلفين

بدينارين متفقين ومكسوراً وصحيحاً بمكسورين أو صحيحين لأن الصنعة لا قيمة لها في الجنس الواحد.
وقال أبو حنيفة: يجوز كل ذلك حتى لو باع ديناراً في خرقة بألف دينار جاز، فيكون الدينار بالدينار والباقي بمقابلة الخرقة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا باع درهماً صحيحاً ودرهماً مكسوراً بدرهمين صحيحين يجوز لأنه يجعل كأن [5/ب] صاحب الصحيح حابى لصاحبه بقدر ما في صحيحه من زيادة القيمة وقال هذا القائل: فإذ بالغ كل واحد منهما في المماسكة فلا محاباة حينئذ فلا يجوز وهكذا قال في جيد ورديء بجيدين وهذا التخريج غير صحيح على أصل الشافعي، لأن أصله أن الصفقة إذا اجتمعت في أحد الشقين شيئين مختلفي القيمة فما في الجانب الأخر تتوزع عليهما في طريق القيمة، ألا ترى أنه لو اشترى شقصاً وسيفاً بألف درهم فأراد الشفيع أخذ الشقص بالشفعة فلا بد من توزيع الألف على قيمة السيف وقيمة الشقص حتى يظهر ما يخص قيمة الشقص من المسمى في العقد، فيأخذ الشفيع بتلك الحصة حقه من الشفعة فكذلك إذا باع مد عجوة قيمته درهمان ومع المد درهم آخر بمدي عجوة قيمة كل واحد منهما درهمان فلا بد من التوزيع وإذا وزعنا فلا بد من إبطال العقد لأن المد الذي يساوي درهمين في جانب الدرهم إذا وزعنا على المدين اللذين في الجانب الثاني وقف بإزاء ثلثي المدين وذلك مد وثلث لأن المد الذي مع الدرهم [6/أ] قدر ثلثي مال هذا الجانب فيقابل ثلثي مال ذلك الجانب، والثلث وهو الدرهم يقابل الثلث وهذا بيع تمر بتمر متفاضلاً وهذا المعنى موجود في بيع درهم صحيح ودرهم مكسر بدرهمين صحيحين.
واعلم أنه لم يخف على أبي حنيفة ما يؤدي إليه التوزيع الذي ذكرنا، ولكنه أصل لنفسه في هذا العقد أصلاً بخلاف أصول البيع لئلا يفسد العقد وهذا محض التحكم على الشرع وكان من الواجب أن ينص المتعاقدان على ما يؤدي إلى الصحة عند العقد، فيقول بعت منك المد بالمد والباقي بالدرهم حتى يصح ذلك ويكون كعقدين، فلما أطلق وجب علينا أن يبطل العقد إذا كان بخلاف أصول الشرع.
فإذا تقرر هذا، قال الشافعي في تعليل هذه المسألة: حتى يكون التمر بالتمر مثلاً بمثل، وظاهره يقتضي جواز البيع في صورة واحدة وهي أن يبيع عجوة قيمته درهم مع درهم بمدي عجوة قيمة كل واحد منهما درهم لأنا إذا وزعنا الدرهم على المدين خص كل مد نصف درهم، وإذا وزعنا المد الذي مع الدرهم خص كل [6/ب] مد من المد الموزع نصفه، فيصير بيع مد قيمته درهم نصف مد ونصف درهم فيقف المد بإزاء نصف المد، ولا يؤدي إلى التفاضل في الصورة الأولى.
قال الإمام أبو محمد الجويني: سمعت بعض من رجعت إليه نوبة العصر من أئمة أصحابنا، يجوز هذا البيع ويحتج بتعليل الشافعي وعندي أنه لم يسبق إلى هذا التخريج والذي عليه عامة أصحابنا قديماً وحديثاً أن البيع باطل هاهنا أيضاً لأصل آخر سوى

المفاضلة، وذلك أن التحري في مسائل الربا ممنوع كما نص عليه قبل هذه المسألة والتقويم ضرب من التحري لأن المقوم ربما يخطئ وربما يصيب وربما يخطئ خطأ يسيراً وقد يختلف تقويم المقومين وقد تختلف الأسواق في البلدان فهذه المماثلة مستدركة بطريق التحري ولا يكفي ذلك في مسائل الربا.
وقال القاضي الإمام الطبري في "المنهاج": لا يختلف المذهب أنه يجوز في هذه الصورة إذا تحققنا المماثلة وهو الصحيح وقد يتحقق ذلك إذا اجتنينا من شجرة واحدة بحيث تتحقق المساواة ولا [7/أ] مجال للتحري في ذلك بوجه، والتشكيك في مثل هذا الموضع نوع من الوسواس والله أعلم.
وهذا أصح عندي وهكذا في درهم صحيح ودرهم مكسر بدرهم صحيح ودرهم مكسر إذا تحققنا المساواة.
فرع لو باع داراً فيها صفائح الذهب بالذهب فإن أمكن جمع شيء بعينها لا يصح العقد، وإن لم يمكن يصح العقد وكذلك لو كان الذهب فيهما.
فرع آخر لو باع داراً فيها صفائح الذهب بفضة فهو صرف وبيع هل يصح؟ قولان.
فإذا قلنا: لا يصح لا بد من تسليم الدار وما يقابل الصفائح من البدل في المجلس وما يقابل الدار لا يعتبر قبضه في المجلس.
فرع آخر إذا باع داراً فيها صفائح الذهب بدار فيها صفائح الفضة يمكن جمعها، وقلنا: يصح، لا بد من قبض الدارين في المجلس لأن قبض ما عليهما يكون بقبض الدارين.
فرع آخر الشفيع إذا أراد أن يأخذ هذه الدار بالشفعة لا بد أن يسلم قدر ما يقابل الصفائح في المجلس ويسلم [7/ب] الدار؛ لأن حكم الشفعة حكم المعاوضات وإنما سقط فيه اعتبار الرضا للدفع الضرر.
فرع آخر لو باع صاعاً جيداً بصاع رديء يجوز، لأنه إذا وزع قابل نصفه نصفه وثلثه ثلثه فلا يؤدي إلى التفاضل في الكيل كيف ما زاد الأمر ولا يراعي القيمة إذا لم يجمع الصفقة في أحد الشقين شيئين.
فرع آخر لو لم يكن بين العوضين ربا الفضل بل كان بينهما ربا النسيئة فجمع بين أحد العوضين وبين جنس غيره مما لا ربا فيه يخرج على القولين في الصفقة التي تجمع عقدين مختلفي الحكم، كصرف وبيع قولين للشافعي، وصورة المسألة أن يبيع صاع حنطة وثوباً بصاع شعير ثم التقابض إنما يجب في الشعير وفي القدر الذي نقابله من

الحنطة فأما في الباقي فلا يجب لأنه حنطة قابلت ثوباً وكذلك إذا باع سيفاً محلى بعضه بدنانير، فيه قولان لأنه صرف وبيع.
مسألة: قال: وكل زيت ودهن ولوز وجوز لا يجوز من الجنس الواحد إلا مثلاً بمثل.
نص الشافعي هاهنا على [7 ب/6] أن الأدهان أجناس مختلفة فيجوز التفاضل بين دهن اللوز وبين دهن الجوز وبين الزيت ودهن السمسم، ونص في الخلول والألبان أيضاً: أنها أجناس مختلفة ولدى الأدقة والثمار وفي اللحمان علق القول ومال إلى أنها أجناس غير أنه فوع على كلا القولين فيه وتفصيل ذلك أن يقول: لا يختلف أصحابنا في الأدقة والثمار أنها أجناس قولاً واحداً.
وقيل: ذكر في حرملة أن الأدقة والأخباز جنس واحد وهذا لا يحكى لأنه لا وجه له، ولم يختلفوا في اللحمان أيضاً على قولين وأما الخلول والأعصار والأدهان فمن أصحابنا من جعل فيها قولاً واحداً إنها أجناس ومنهم من جعل فيها قولين.
وأما الألبان فأكثر أصحابنا على أن فيها قولين كاللحمان، والمعنى في الألبان واللحمان أنها متولدة من أصول لا ربا فيها وقد جمعها اسم خاص في أول دخولها في الربا حتى لا يتميز البعض عن البعض إلا بالإضافة فصار أنواع اللحمان والألبان كأنواع التمور والأعناب والحنطة، فإن القصيل لا ربا فيه فإذا صار حباً فاسم [8/ب] جميع أنواع الحنطة خاص وإنما يعرف بعضها عن بعض بالإضافة، واللعب فيقال: حنطة شامية وحنطة ميسانية كذلك يقال: لحم البقر ولحم الغنم ولحم الإبل ولبن البقر ولبن الإبل بخلاف اسم الثمار فإنه وإن كان اسماً جامعاً فلكل واحد اسم خاص فلهذا صارت أجناساً.
وأما الخلول والأدهان فاسم الخل جامع ولكن قبل أن صارت خلولاً فلها أصول مختلفة يجري فيها الربا بخلاف الحيوانات فإنها وإن كانت أجناساً مختلفة فليس فيها ربا فلم نظهر اختلاف أجناسها في حكم الربا.
وأما الأدقة فإنها عين الحنطة والشعير وهما مختلفان وليس بشيء تولد منهما: واستخرج كاللبن واللحم حتى يحتمل أن يجعل جنساً واحداً والدقيق بمعنى المدقوق فكأنا نقول: حنطة مدقوقة وشعير مدقوق ومن أراد أن يفصل بين الألبان واللحمان فيجعل الألبان أصنافاً قولاً واحداً، واللحمان في أحد القولين صنفاً واحداً فرق بأن اللبن يثبت فيه حكم الربا وهو في أصوله المختلفة فإن في اللبن في ضرع البقر والغنم [9/أ] ربا إذ لا يجوز بيع اللبون باللبن اعتباراً لحكم الربا فإذا ثبت لها حكم الربا وهي مختلفة لكونها كامنة في الأصول المختلفة لم يجز أن يصير بالحلاب صنفاً واحداً.
واللحم لا ربا فيه ما دام في أصله فجاز أن يجعل صنفاً واحداً ولا خلاف أن السمن مع سائر الأدهان جنسان لأن اسم الأدهان لا يقع على السمن.
وأما سمن البقر والغنم فيجب أن يكون على قولين كالألبان، وإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الأدهان على أربعة أضرب: دهن يعد للأكل ودهن يعد للدواء ودهن يعد للطيب ودهن يعد للاستصباح،

فأما الذي يعد للأكل كالزيت والشيرج وزيت الفجل ودهن الجوز وحب الصنوبر ونحوها يجري فيها الربا.
وقد قال الشافعي: ودهن الصنوبر والخردل والحب الأخضر كلها مأكولة بعد استخراجها ومأكولة الأصل قبل استخراجها ففيها الربا لأنها إن كانت معتبرة بأنفسها فهي مأكولة فلم تحل في كلا الحالين من ثبوت الربا فيها ويجوز بيع بعضها ببعض من جنسه متماثلاً، وإن مست النار أصول بعضها لأنها [9/ب] قد بلغت حالة الادخار، ولا يختلف أصحابنا في شيء من ذلك إلا الشيرج، فإن المذهب أنه يجوز بيع بعضه ببعض متساوياً.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز بيع بعضه ببعض أصلاً، لأنه شيرج وماء وملح وهذا غلط لأن الماء لا يمازج الدهن وكذلك الملح بل يبقيان في الكسبة ويخلص الشيرج عنها ويبقى فيه طعم الملح لا عينه وذلك لا يؤثر، ولو باع جنساً بجنس آخر يجوز على ما ذكرنا ولا خلاف في ذلك إلا في زيت الزيتون وزيت الفجل، فإن الشافعي نص فيه على قولين: أحدهما: أنهما جنسان لأنهما مختلفان أحدهما من شجر والأخر من نبات، ويخالف أحدهما صاحبه في الطعم واللون والريح، وهذا أشهر وأصح، لأن الشافعي قال: وقد يعصر من الفجل دهن يسمى زيتاً وهو مباين للزيت.
والثاني: أنهما جنس واحد لأنه يجمعهما اسم الزيت، ويحتمل أن هذين القولين مأخوذان من القولين في اللحمان.
ولا يجوز بيع الزيت بالزيتون ولا بيع الشيرج بالسمسم المدقوق ويجوز بيع الدهن بالكسبة لأنهما جنسان، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز [10/أ] لأنها لا تنفرد عن الدهن وإن قل، فإن كان فيها دهن فلا يجوز، وإن لم يبق فيها الدهن فعلى ما ذكرنا يجوز.
وأما الدهن الذي يعد للدواء كدهن اللوز المر، ودهن الخروع وحب المشمش يجري فيه الربا لأنه مأكول ولكنه دواء كالسقمونيا.
وأما الدهن الذي يعد للطيب مثل دهن الورد ودهن البنفسج والياسمين، اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا ربا فيه لأنه لا يعد للأكل بل يقصد رائحته وطيبه ويستعمل طلاء، ومنهم من قال: فيه الربا وهو الأصح لأنه يستخرج وهو مأكول وإذا طيب لا يخرج من أن يكون مأكولاً ولكن يعد بما هو أعلى من الأكل فهو كالزعفران.
فإذا قلنا: هذا يجوز بيع بعضه ببعض متماثلاً وهذا إذا طرح على السمسم ورداً أو بنفسجاً حتى يطيبه ثم يميز عنه ويكرر ذلك ويطحن بعده فالرائحة فيه رائحة مجاورة لا مخالطة والدهن خالص فأما إذا طبخ مع الورد والبنفسج فلا يجوز بيع بعضه ببعض أصلاً لأنه يختلط به أجزاء الورد والبنفسج وقيل: هذا الدهن لا يؤكل عرفاً ولكنه مستخرج من أصل مأكول ففي أحد [10 أ/6] الوجهين لا ربا اعتباراً بأصله وعلى هذا يجوز بيع دهن الورد بدهن البنفسج والشيرج متماثلاً لأن الأصل واحداً وإنما تختلف رائحتهما ولونهما.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز متفاضلاً إذا اختلف طيبه فيجوز دهن الورد بدهن الخيري والبنفسج متماثلاً لأن مقصودهما مختلف ويجوز أيضاً بغير الطيب متفاضلاً وهذا غلط لأنه فروع لأصل واحد فيه الربا فصارت كالأدقة من أنوع الحنطة فإن قيل أليس كل واحد منهما يختص باسم؟ قلنا: أصل الكل من السمسم والاسم الخاص يجمع الكل وهو الدهن.

وأما الدهن الذي يعد للاستصباح كالبزر ودهن السمك، قال أبو حامد: لا ربا فيه لأنه يؤكل تسفها كالطين وقال غيره فيه وجهان، أحدهما: لا ربا فيه لأنه يعد للسراج لا للأكل، والثاني: فيه الربا وهو ظاهر المذهب لأنه مأكول يستخرج من حب الكتان وهو مأكول يشرب دهنه طرياً ويقلى به السمك ولا فرق بين ما يستبعد طعمه وبين ما لا يستبعد كما لا فرق بين الأقوات والأدوية التي تتناول نادراً وهذا اختيار [11/أ] القاضي الطبري قال: ويجب أن يكون في دهن الطتر وهي الحوت التي بطبرستان وجهان.
وقال في "الحاوي": هل يجري الربا في حب الكتان والقرطم؟ وجهان، فإن قلنا: لا ربا فيهما، لا ربا في دهنهما وإن قلنا فيهما الربا ففي الربا في دهنهما وجهان، لأن الأصل مأكول، والفرع غير مأكول ولذلك دهن السمك من أصل مأكول ولكنه في نفسه غير مأكول ففيه وجهان.
قال: ولو كان الدهن من أصل غير مأكول ولكنه بعد استخراجه مأكول كدهن حب القرع فيه وجهان: أحدهما: فيه الربا اعتباراً بنفسه.
والثاني: لا ربا فيه كدهن البان والكافور.
مسألة: قال: ولا يجوز من الجنس الواحد مطبوخاً بنيء منه.
الكلام الآن في العصير من الأشياء، كعصير العنب والرمان والسفرجل وقصب السكر، كل واحد من هذا جنس بانفراده على الصحيح من المذهب، وقيل: يجوز بيع الدبس بالخل لأنهما اختلفا في الاسم والصورة والطبع فإذا باع عصيراً بعصير لم يخل من أحد أمرين.
فإما: أن يكونا جنسين أو جنس [11/ب] واحداً، فإن كانا جنسين جاز متفاضلاً ومتماثلاً سواء كانا نيئين أو مطبوخين أو كان أحدهما نيئاً والآخر مطبوخاً، وإن كانا من جنس واحد كعصير العنب بعصير العنب نظر فإن كانا نيئين جاز لأن معظم منفعته في هذه الحالة، وإن كانا مطبوخين لم يجز لأن عمل النار يختلف فيهما فيؤدي إلى التفاضل وكذلك إذا كان أحدهما مطبوخاً لم تجز لأن النار نقصته فيؤدي إلى التفاضل وليس كجفاف التمر لأن له غاية ينتهي إليها بخلاف الطبخ وعلى هذا يجوز بيع اللحم القديد بالقديد ولكن لا يجوز بالمطبوخ، وأما ما يطبخ للتمييز ويكون له غاية لا تمنع من التماثل كالسمن يطبخ للتمييز فيميز المخيص وله غاية في الطبخ لا يجاوزها فيجوز بيع بعضه ببعض فإن زيد على ذلك حتى انعقدت أجزاؤه لا يجوز حينئذ بيع بعضه ببعض.
وإن قل انعقاده وأخذ النار منه، ومن أصحابنا من ذكر وجهاً أخر أنه إذا دخل النار فيهما لا يجوز بيع بعضه ببعض كما لو دخل النار في الزيت وهذا غلط والفرق ظاهر [12/أ].
وأما السكر والفانيذ قال أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز بيع بعضه ببعض وهو الصحيح لأن النار عقدته.
والثاني: يجوز لأن انعقاده غاية معلومة بخلاف الناطف والدبس وهو اختيار أكثر

أصحابنا بالعراق، والصحيح أن يقال: إن دخلت النار فيهما لتعيينهما وتمييزهما من غيرهما وهو الغالب فيما نشاهد يجوز، وإن دخلت لانعقادهما واجتماع أجزائهما لا يجوز وكذلك دبس التمر ورب الفواكه ذكره في "الحاوي".
قال القفال: ولهذا جوز بعض أصحابنا السلم في الخبز لأن لطحنه غاية ينتهي إليها حتى لو زيد لفسد.
فرع في بيع الدبس بالدبس وجهان: لأن للنار فيه غاية يعرفها أهل الصنعة كالسكر بالسكر سواء.
فرع آخر السكر بالفانيذ إن كان أصلهما مختلف يجوز، وإن كان أصلهما واحد فيه وجهان، فإذا تقرر هذا أخل المزني بالنقل هاهنا فقال: إذا كان إنما يدخر مطبوخاً، ولا مطبوخاً منه بمطبوخ، وقوله إذا كان إنما يدخر مطبوخاً [12/ب] يتولى مطبوخاً منه، وقوله: "إذا كان إنما يدخر مطبوخاً" لا يصلح لتعليل المسألة الأولى ولا لتصويرها ولا فائدة في هذه اللفظة، وهي توهم جواز البيع في المطبوخ بالنيء إذا كان لا يدخر مطبوخاً وليس كذلك، والشافعي حيث ذكر هذه المسألة فسوى بين المنظوم والمفهوم فلم يفصل بين ما يدخر مطبوخاً وبين ما لا يدخر مطبوخاً وأبطل البيع في الجميع، وقيل: عبارة الشافعي: ولا يجوز في الجنس الواحد مطبوخاً منه بنيء بحال ولا مطبوخ طبخ ليدخر بمطبوخ.
فنقل المزني هذا فقدم بعض كلامه وأخر بعضه وعطف على المسألة الأولى، وقيل: معنى ما نقل المزني وإن كان إنما يدخر مطبوخاً.
مسألة: قال: "ولا يباع عسل نحل بعسل نحل إلا مصفيين".
إذا باع عسل نحل بعسل نحل لا يخلو إما: أن يكون مصفى أو غير مصفى فإن لم يكن مصفى فيباع الشهد بالشهد فالبيع باطل لمعنيين، أحدهما: ما ذكر الشافعي وهو أنه عسل بعسل مجهول، لأن الشمع يقل فيه ويكثر.
والثاني: [13/أ] أنه بيع عسل وشمع بعسل وشمع فهو كبيع مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم، فإن قيل: أليس بيع التمر بالتمر يجوز، وإن كان فيه النوى ولذلك يجوز بيع اللحم باللحم، وإن كان مع العظم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن الشمع مقصود ويأخذ قسطاً من الثمن ورب موضع يكون الشمع فيه أعز من العسل، والنوى والعظم فهما غير مقصودين فلا يأخذان قسطاً من الثمن كقشر الجوز واللوز لأن في بقاء النوى والعظم صلاحاً وليس في تنقية الشمع صلاح العسل فافترقا، وإن كانا معينين من الشمع نظر فإن صفي بالشمس جاز بلا خلاف: لأنها لا تعقد الأجزاء وإن صفي بالنار فقد ذكرنا الخلاف والمذهب ما ذكرنا، لأن الشافعي لم يفصل بين التصفية بالشمس أو بالنار وإن كان في أحدهما شمع وفي الآخر مصفى من الشمع لم يجز لأن العسل متفاضل ولو بقي بعض الشمع فيهما أو في

أحدهما لم يجز أيضاً؛ فإن قيل: أليس لو باع اللبن باللبن يجوز ويشتمل ذلك على المخيض والسمن؟ قلنا: المخيض والسمن مطعومان واللبن [13/ب] بمجموعة طعام على حدته فلا يعتبر بحالة أخرى حتى يقال: هما مطعومان مخلوطان بخلاف الشهد فإذا تقرر هذا أخل المزني رحمه الله بالنقل حيث قال: لأنهما لو بيعا وزناً وفي أحدهما شمع وهو غير العسل كان العسل بالعسل غير معلوم.
وهذا غلط ظاهر لأنهما إذا بيعا وأحدهما غير مصفى كان معلوم المفاضلة فلا معنى لقوله: غير معلوم وإنما يستقيم هذا التعليل في الشهد بالشهد لأنهما بما فيهما من الشمع غير معلوم المماثلة.
والشافعي ذكر هناك هذا فاستعمل علة أحد المسألتين في الأخرى ثم قال: وكذلك لو بيعا كيلاً أي يفترق الكيل والوزن في هذه المسائل التي ذكرناها في العسل حيث جوزنا وحيث أبطلنا لأنهما نوعان من المقدار يستدرك بكل واحد منهما المماثلة والمفاضلة، وهذا اللفظ يدل على تصحيح أحد الوجوه في فرع تقدم ذكره وهو إذا لم يعلم للشيء معيار معهود في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم -[14/أ] إذا أردنا بيع بعضه ببعض فما معياره؟ فيه أوجه: وقيل إن الشافعي قال: في الصرف فإن كان أصل العسل الكيل بيع كيلاً وإن كان أصله الوزن بيع وزناً فيوقف فيه، وقال في موضع آخر: والوزن في العسل والسكر والسمن أحوط.
فنص على الوزن.
وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: أصل العسل الكيل فلا يباع بعضه ببعض إلا كيلاً.
وقيل: أراد الشافعي قوله: لأنهما لو بيعا وزناً إذا انعقد لبرد الهواء وغلظ حتى لا يمكن كيله فيباع حينئذ وزناً فأما إذا أمكن دقه وكيله لا يباع إلا كيلاً.
وهو قريب من قول أبي إسحاق والمذهب المنصوص ما تقدم.
فرع عسل الطبرزد، وعسل القصب جنس واحد وهما من قصب السكر وهل يجوز بيع بعضه ببعض على ما ذكرنا في السكر؟ ويجوز بيعهما بعسل النحل كيف شاء متماثلاً ومتفاضلاً لأنهما جنسان فإن قيل: هلا قلتم العسل كله صنف واحد للاشتراك في الاسم؟ قلنا: قال الشافعي: وإطلاق العسل ينصرف إلى عسل النحل وإن كانت العرب [14/ب] تسمي كل حلو عسلاً، ولهذا قالوا للحديث الحلو والوجه الحسن معسول، وقالوا للجماع: عسيل قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في المطلقة ثلاثاً: "حتى تذوقي عميت ويذوق عسيلتك"، فإذا لم يشاركه في إطلاق الاسم لم يساوه في هذا الحكم.
فرع آخر المشمش مع سائر الأعناب جنس واحد والتمر الهندي مع التمر المعروف جنسان لاختلافهما في الطعم والطبع والمقصود والصورة، وكذلك الجوز المعروف مع الجوز الهندي، وحكى ابن القطان وجهاً آخر أنهما جنس واحد لأن الاسم يشمل الكل.

فرع آخر البطيخ المعروف والبطيخ الآخر الذي يقال له: الهندي فيه وجهان، أحدهما: جنس واحد للاسم، والثاني: جنسان لاختلافهما في المقصود والصورة.
فرع آخر بيع الشمع بالشهد يجوز؟ لأن الشمع ليس من مال الربا ولو باع بالعسل أولى أن يجوز.
مسألة: قال: "ولا خير في مد حنطة فيها قصل [15/أ] أو زوان بمد حنطة لا شيء فيها من ذلك".
القصل: عقد التبن، والزوان: حب دقيق الطرفين غليظ الوسط أصغر من الطعام يقال له بالفارسية: أحجم وهو الذي يسكر آكله فلا يجوز بيع الحنطة بمثلها وفي أحدهما أو فيهما شيء من ذلك لأنه يأخذ من المكيال موضعاً فيؤدي إلى التفاضل في الحنطة.
وإن كان فيهما قليل من تبن أو تراب جاز، لأنه لا يأخذ قسطاً من المكيال فإنه يحصل في شقاق الحنطة وفي الخلل الذي يكون بينهما، فإن الحنطة دقيقة الطرفين غليظة الوسط، فإذا حصل حب بجنب حب حصل المكان خالياً فيحصل التراب فلهذا جاز ويفارق الموزون إذا كان في الفضة تراب لم يجز وإن قل لأن الميزان يأخذ قسطاً منه وإن قل وكذلك إذا باع الزعفران بالزعفران وزناً وفي إحدى الكفين يسير تراب لا يجوز البيع، وإذا تقرر هذا أخل المزني بالنقل فقال في علة هذه المسألة: لأنها حنطة بحنطة متفاضلة ومجهولة.
وقوله: متفاضلة هو التعليل في [15/ب] هذه المسألة فلا معنى لقوله ومجهولة لأن الجهالة لا تأثير لها مع تعين المفاضلة، وإنما يحسن ترادف هاتين العلتين بعد تقديم الصورتين فكان ينبغي أن يذكر فساد البيع إذا كان القصل في أحدهما ثم نذكر فساد البيع إذا كان القصل فيهما، ثم نعطف على المسألتين فنقول: لأنها حنطة بحنطة متفاضلة ومجهولة فتنعطف إحدى العلتين على إحدى الصورتين، والثانية على الثانية وهذا قريب مما وقع له في مسألة العسل وقول الشافعي: لا خير فيه أراد التحريم، وكنا نتوهم أن هذه اللفظة له حتى وجدنا لمالك في مسائل الربا فتوهمنا له حتى وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعملها في مثل هذه المسائل.
مسألة: قال: "ولبن الغنم ماعزه وضائنه صنف".
الفصل نص الشافعي هاهنا أن الألبان أجناس مختلفة، وقد ذكرنا ذلك فعلى هذا يجوز أن يباع لبن البقر بلبن الغنم متفاضلاً وبكل ما يتخذ من لبن الغنم، وأما [16/ أ] لبن الضأن والمعز فصنف واحد كما أن الضأن والمعز صنف واحد، وكذلك لبن الإبل مهريها وعرابها صنف واحد، ولبن غنم البري وهي الظبا منف آخر سوى لبن غنم

الأهلي، وإذا قلنا: الألبان صنف واحد، وهو قول مالك وأحمد فكل لبن يشرب من أي حيوان كان فكله صنف واحد فإذا تقرر هذا فبيع اللبن باللبن جائز في الجملة على ما ذكرنا، فإن قيل: أليس لا يجوز بيع الرطب بالرطب عندكم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن معظم منفعته في غير هذه الحالة وهي عند كونها تمراً وهاهنا معظم منفعته في هذه الحالة، لأنه يصلح لجميع ما يتخذ من اللبن فإذا صرف إلى جهة مخصوصة لا يمكن ذلك فجرت هذه الحالة مجرى حالة الادخار في التمر، أو نقول: الرطوبة هناك ليست من مصلحته ولا حافظة لمنفعته بخلاف الرطوبة في اللبن، أو نقول: الرطب يصير على هيئة الادخار بنفسه، لأنه لو ترك في نحله تساقط هو بنفسه بعدما يصير [16/ب] تمراً فقبل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض، لأنه قبل حالة الادخار بخلاف اللبن.
فإذا تقرر هذا فبيع اللبن الحليب يجوز لأنه لبن خالص.
وكذلك يجوز بيع الرائب بالرائب وهو اللبن الذي حصل فيه قليل حموضة لأنه لبن خالص.
وكذلك يجوز بيع اللبن الحليب بالرائب، وإن كان فيهما أو في أحدهما ما لا يجوز وإن مسه نار فإن كان للتسخين يجوز وإن غلياً أو أحدهما لا يجوز.
ولا يجوز بيع اللبن بشيء مما يتخذ من اللبن لا متماثلاً ولا متغافلاً، وقيل: الذي يتخذ من اللبن سبعة أشياء الزبد والسمن والمخيض واللبن والأقط والمصل والجبن، وزاد بعض أصحابنا الشيراز والرخبين والكشك والبطيخ والكواميخ، وأما الزبد باللبن لا يجوز قال الشافعي: لأن الزبد شيء من اللبن يريد بذلك أصله ولا يجوز بيع ما استخرج من شيء بأصله، كما لا يجوز بيع الشيرج بالسمسم.
وقال أبو إسحاق: العلة فيه أن الزبد شيئاً من اللبن فيكون بيع لبن معه شيء آخر بلبن وذلك لا يجوز.
[17/أ] كما لا يجوز بيع درهم ومد عجوة بمدي عجوة.
فإن قيل: فيجب أن لا يجوز بيع لبن بلبن لأنه لبن وزبد بلبن وزبد قيل: إنما يتعلق به حكم الربا إذا تميز فأما قبل التميز فلا حكم له كالسمسم بالسمسم يجوز وإن كان في كل واحد منهما شيرج وسمسم، وإن كان بيع الشيرج بالسمسم لا يجوز.
وأما بيع السمن باللبن لا يجوز لعلة الشافعي وهي: أن السمن شيء من اللبن، وعلة أبي إسحاق تقف هاهنا لأنه لا يجوز هذا وإن لم يكن في السمن شيء من اللبن فدل على بطلان علته، وأما بيع المخيض باللبن وهو اللبن الذي استخرج منه الزبد ويسمى الدوغ لا يجوز لأن في اللبن مخيضاً ولأنه مستخرج منه.
وقال: قال الشافعي في "الأم": ولا خير في بيع الحليب بالمضروب لأن في المضروب ماء فإن كان يطرح فيه ماء فهذا معنى آخر يمنع البيع والمضروب هو المخيض، وأما اللبن باللبن لا يجوز لأن أصله الكيل واللبن المعمول للأكل لا يكال ولأن النار قد عقدت أجزاءه فيؤدي إلى التفاضل.
وأما الأقط والمصل والجبن وسائر ما ذكرنا [17/ب] لا يجوز باللبن لمعاني: أحدها أن أصله الكيل فلا يباع وزناً ولأن النار قد اختلف عملها في أجزائه فيؤدي إلى التفاضل، ولأنه قد خالطه غيره فإن المصل قد خالطه ملح وكذلك الأقط والجبن خالطه ملح وأنفحة وكذلك الرخبين والكشك والكامخ وأما ما يتخذ منه إذا باع بعضه ببعض، فإن باع الزبد بالزبد لا يجوز لأن المقصود منه السمن الذي فيه وذلك مجهول التماثل لقلة اللبن في أحدهما وكثرته

في الآخر نص عليه الشافعي فيما نقله القاضي أبو حامد ومن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لما ذكرنا.
والثاني: يجوز لأن اللبن في الزبد يسير غير مقصود، فهو كالنوى في التمر وصار كبيع السمن بالسمن يجوز، قال صاحب "الحاوي": وهو الأصح عندي.
وأما السمن بالسمن قال الشافعي: يجوز معه وزناً أحوط وهذا لأنه لا يخالطه غيره ولو كان جامداً.
قال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن أصله الكيل ولا يمكن.
والثاني: يجوز لأن الكيل فيه متعدد والوزن أحصر وهذا خلاف ما ذكرنا [18/أ] في النص.
وأما اللبن باللبن والأقط بالأقط والجبن بالجبن لا يجوز لأن أصله الكيل ولا يمكن فيه ولأن النار قد اختلف عملها فيه.
قال القاضي الطبري: الجبن بالجبن لا يجوز لأن فيهما أنفحة فيؤدي إلى التفاضل ولا يجوز بيع الجبن بالمصل أيضاً لهذا ولكن بيع المصل بالمصل إنما لا يجوز لأنه لا يمكن كيلهما فإن دقا جميعاً حتى أمكن الكيل يجب أن يجوز بيع بعضه ببعض وبيعه باللبن أيضاً وهذا عندي إذا لم يخالطه ملح فإن خالطه ملح فلا يجوز على ما ذكرنا بلا خلاف.
وقال في "الحاوي": إن كان الجبن طرياً لا يجوز وإن كان يابساً فيه قولان: أحدهما: يجوز رواه حرملة وهذا إذا تناهى بنفسه فيباع بالوزن لصحة المماثلة فيه وإنه غاية اللبن التي ينتهي إليها وهو اختيار أبي إسحاق.
والثاني: رواه الربيع وهو الأصح لا يجوز واختلفوا في العلة فقال ابن سريج: العلة أن أصله الكيل وقد تعذر وقال غيره: لأن فيه أنفحة يعمل بها فيمنع التماثل فيه فعلى هذا لو دق الجبن حتى صار ناعماً يجوز على قول ابن سريج وعلى قول غيره لا يجوز.
وأما بيع نوع بنوع آخر إما الزبد بالسمن [18/ب] لا يجوز، لأنه بيع بثمن ولبن بسمن، وأما بيع السمن بالمخيض يجوز لأنه ليس في السمن مخيض ولا في المخيض سمن.
وأما بيع الزبد بالمخيض قال الشافعي: يجوز لأنه قال: فإذا اخرج منه الزبد وصار مخيضاً يجوز بيعه بزبد وسمن.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز ذلك على مقتضى تعليله وهو أن في الزبد شيئاً من اللبن، ونص الشافعي على جوازه فدل على فساد تعليل أبي إسحاق.
قال أبو حامد: أجاب الشافعي بهذا ظناً منه أنه لا لبن في الزبد وليس كما ظن فإن الزبد لا ينفك من اللبن فلا يجوز وهذا قياس المذهب.
وأجاب أصحابنا بأن الشافعي إنما قال: إذا لم يكن فيه اللبن ظاهراً.
وذلك القدر يسير لا يتبين إلا بالنار والتصفية فلا حكم له، وقال القفال: المذهب ما نص عليه لأن المقصود من الزبد السمن والمخيض ليس من جنس السمن إذا كان منزوع الزبد فهما جنسان مختلفان وهكذا ذكر القاضي الطبري فيجوز متفاضلأً وعلى هذا يجوز بيع الدهن بالكسبة، لأنهما جنسان كالسمن بالمخيض وأكثر ما في هذا الباب أن اللبن الذي فيه يأخذ جزء من

الوزن [19/أ] فيصير الزبد باللبن غير متماثلين وهذا لا يضر، لأن بيع اللبن المنزوع زبده بالزبد جزافاً جائز قال: وخرجت على هذا أن بيع الحنطة التي فيها شعيرات بالحنطة التي فيها شعيرات أخذت جزءاً من الكيل فتجهل المماثلة وكذلك لا يجوز بيع الحنطة الخالصة بالحنطة التي فيها شعيرات لهذا المعنى، وأما بيع حنطة فيها شعيرات بالشعير يجوز، لأن المقصود هو الحنطة والحنطة والشعير مختلفان والشعيرات التي فيها غير مقصودة، وهذا مثل بيع الدنانير بالدراهم وكانت في الدراهم حبات سمسم أو قليل تراب لم يضره لأن المماثلة فيه غير معتبرة وبمثله لو باع الورق بالورق أو الذهب بالذهب وفي أحدهما حبات سمسم أو قليل تراب لا يجوز وأصحابي يخالفوني كثيراً في هذه المسألة غير أنها وأمثالها لا تخرج إلا على هذا الأصل الذي أصلت.
وقال الشيخ أبو محمد الجويني في "المنهاج المختصر": الذي في الزبد قليل فلا حكم له، كما لو باع حنطة لا شعير فيها بحنطة فيها حبات شعير قليلة يجوز، وهذا خلاف ما ذكر القفال وهو الأصح، وعلى ما ذكرنا [19/ب] قال أصحابنا: بيع الدقيق بالنخالة الصافية عن الدقيق تجوز لأنهما جنسان والنخالة ليست من مال الربا، وأما بيع اللبن بالأقط أو بالجبن أو بالمصل لا يجوز بحال لما ذكرنا.
فرع لو باع الكسبة بالكسبة، حكي عن ابن أبي هريرة أنه يجوز وزناً إذا استخرج الدهن وقال غيره: لا يجوز لأن أصله الكيل وقد تعذر ويختلف عصره فربما يبقى الدهن في أحدهما أكثر ولأن في الكسبة ماء وملحاً لا يمكن استخراج الدهن إلا بهما.
فرع آخر لو باع العلس بالعلس لا يجوز إلا بعد الإخراج من قشرته وكذلك لا يجوز بيع العلس بالحنطة ولكن يجوز بيعه بالشعير لأنهما جنسان يجوز فيهما التفاضل.
فرع آخر بيع الأرز بالأرز قبل إخراجه من القشر العليا لا يجوز كالعلس، وأما قبل إخراجه من القشرة الثانية الحمراء، قال بعض أصحابنا: لا يجوز أيضاً لأنه كالعلس ونصابه عشرة أوسق كالعلس.
وقال جماعة أصحابنا: هذه القشرة اللاحقة به تجري مجرى أجزاء الأرز لأنه يؤكل [20/أ] ويطحن معها وإنما يخرج منها ناهياً في استطابته كما تخرج النخالة من الحنطة ولا يمنع ذلك بيع الحنطة بالحنطة ونصابه في الزكاة خمسة أوسق كالحنطة مع قشرتها الحمراء.
ذكره في الحاوي.
وهذا القول الثاني هو الصحيح عندي ولا يحتمل الوجه الآخر والصحيح أنه يجوز الأرز في قشرته العليا أيضاً لأنها من صلاحه ويدخر معها وكذلك الباقلي بالباقلاء في قشره يجوز وهو المذهب.

فرع آخر بيع الحنطة المسوسة بالمسوسة ولم يبق في واحد منهما لب يجوز لأنه نخالة فإن بقي قليل لب لا يجوز وكذلك لو باع المسوس بالصحيحة.
مسألة: قال: "ولا خير في شاة فيها لبن بلبن يقدر على حلبه".
الفصل في هذا الكلام تقديم وتأخير أي: لا خير في شاة في ضرعها لبن يقدر على حلبه بلبن، ثم اعلم أنه لا يجوز هذا البيع لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطاً من اللبن المقابل للشاة ولا بد من تقويم الشاة [20 ب] واللبن لتوزيع الثمن عليهما فصار كبيع مد عجوة ودرهم بمدي عجوة وإنما قلنا كذلك لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطاً من الثمن بدليل خبر المصراة حيث جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدل اللبن صاعاً من تمر ولأن اللبن في الضرع كاللب في الجوز لأن صاحبه يستخرجه متى شاء ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحلبن أحدكم شاة غيره بغير إذنه أيحب أحدكم أن تؤتى خزانته فينتشل ما فيها"، فلما لا يجوز بيع لب الجوز بالجوز للجهل بالتماثل بين اللبين، كذلك هاهنا لا يجوز.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع لب الجوز بالجوز إذا كان اللب الخارج أكثر ليقابل الزيادة القشر، وكذلك يجوز بيع اللبن باللبون إذا كان اللبن الخارج أكثر على هذا التقدير.
قال الشافعي: "وليس كالولد لا يقدر على استخراجه" ليس أنه يحتاج إلى فرق بين اللبن والحمل في أمر الربا لأنه لا ربا في الحمل ولكن كان قائلاً قال له: جعلت للابن قسطاً من الثمن حتى أثبت فيه الربا ولم يجعل [21/أ] للحمل قسطاً من الثمن في أحد القولين ففرق بأن الحمل لا يقدر على استخراجه فجاز أن يجعل كالمعدوم ما لم يخرج وهذا مقدور عليه.
فإن قيل: لو كان للبن قسط من الثمن لما جاز بيع شاة فيها لبن أصلاً لأنه بيع مجهول ومعلوم صفقة واحدة وأجمعنا على جوازه بغير اللبن كما لا يجوز بيع شاة ولبن في قدح مغطى بدينار قلنا: الفرق أن اللبن في الضرع مستور بما فيه مصلحته فجاز بخلاف ما لو كان في القدح وهو كبيع الجوز بجوز فإن كان اللب مستوراً بخلاف ما لو كان مستوراً بغير القشر ولأن اللبن في الضرع تبع للشاة تدخل في البيع بالإطلاق بخلاف ما لو كان في القدح والجهل بالبائع لا يضر كالجهل بأساس الدار.
فرع لو باع شاة في ضرعها لبن بلبن أو بقراً أو إبل فإن قلنا: الألبان صنف واحد لا يجوز على ما ذكرنا وإن قلنا: الألبان أصناف يجوز كما لو باعها بدراهم.

فرع آخر لو كان هذا البيع نسيئة فهو أفسد البيع فيكون ربا على ربا وإن كان التي في ضرعها لبن مذبوحة فالحكم [21/ب] فيها كما لو كانت حية بل أفسد لأنها قد صارت لحماً وفيه الربا فكأنه باع لبناً ولحماً بلبن.
فرع آخر لو لم يكن في ضرعها لبن جاز بيعها بلبن لأنهما عينان لا ربا في إحداهما فهو كبيع الشاة بالتمر، وقال في كتاب حرملة: لو حلب بلبنها ثم بيعت بلبن في الحال جاز لأن ذلك القدر الذي فيها من اللبن يسقط حكمه في البيع كما لو باع داراً مسقفاً بذهب يجوز لأن ذلك كالمستهلك ومفهوم قوله هاهنا: يقدر على حلبه يدل على هذا لأن هذا القدر لا يقدر على حلبه ولا يمكن استقصاء اللبن بالحلاب، وهو كما لو قال: والله لأشربن ماء هذه الأداوة فشرب وغادر بللاً يسيراً بر في يمينه لأنه عاجز عن انتشاف بلل الإداوة بالشرب.
فرع آخر لو باع شاة مذبوحة مسلوخة لا لبن فيها بلبن فلا شك في الجواز لأنها جنسان.
فرع آخر لو باع شاة فيها لبن بشاة فيها لبن فالمذهب أنه لا يجوز، وبه قال عامة أصحابنا.
وقال أبو الطيب بن سلمة: يجوز كما يجوز بيع دار فيها ماء بدار فيها ماء وكما يجوز بيع [22/أ] سمسم بسمسم وإن كان في كل واحد منهما شيرج وكسبة وهذا غلط لأنه لا يجوز بيع نخلة مثمرة بنخلة مثمرة، وكذلك لا يجوز بيع لبن في إناء بلبن في إناء على أن يدخل الإناءان في البيع وأما بيع دار فيها ماء بدار فيها ماء، قال عامة الأصحاب: يجوز لأنه لا ربا في الماء وهو المذهب، وإن قلنا في الماء ربا، فإن كان محوزاً في الحباب فهو مملوك بلا خلاف ولا يجوز هذا البيع خوف التفاضل وإن كان الماء في البئر، قال بعض أصحابنا: هو مملوك أيضاً فلا يجوز إلا أن يكون الماء ملحاً غير شروب فيجوز لأنه لا ربا فيه، وقال جمهور أصحابنا وهو ظاهر المذهب: إنه لا يملك إلا بالأخذ وكذلك ماء العين وإنما يكون لمالك البئر منع غيره من التصرف في بئره أو نهره فإن جازه الغير ملك والذي يدل على هذا أن من اشترى داراً فاستعمل ماءها ثم ردها بعيب لا يلزمه غرم الماء بالإجماع بخلاف لبن الضرع، وأيضاً يجوز لمستأجر الدار استعماله ولو كان على ملك صاحب الدار لم يجز ذلك [22/ب] فعلى هذا يجوز البيع في هذه المسألة.
فإن قيل: أليس لو اشترى داراً وفيها بئر لا ماء فيها ليردها بالعيب فدل أن الماء يملك بالعقد قلنا: إنما قلنا كذلك لأن الدار تصير معيبة بجفاف البئر فيردها بالعيب لا لأجل أن الماء مملوك وهو في البئر، وقيل: إذا باع داراً في بئرها ماء فإن لم يكن للماء قيمة في ذلك البلد لا يجعل للماء حكماً ولكن يدخل في العقد تبعاً، وإن كان للماء قيمة لا يدخل الماء الموجود في البيع إلا بالشرط، فإن شرط فإن كان قدر الماء

معلوماً بالعرض والعمق يجوز، وإن كان مجهولاً لا يجوز ففي مسألتنا إن لم يكن للماء قيمة يجوز وإن كان للماء قيمة ونصا عليه من الجانبين فهو مبني على أن في الماء ربا أم لا على ما ذكرنا.
فإن قيل: أليس تسقطون حكم الجهالة في اللبن للتبعية؟ فأسقطوا فيه حكم الربا للتبعية، قلنا: حكم الربا يثبت مع التبعية كما في الثمرة غير الموبرة إذا باعها مع النخلة بمثلها لم يجز.
وأما بيع السمسم بالسمسم إنما جاز لأن الشيرج الذي فيه لا يأخذ قسطاً من الثمن [23/أ] بخلاف اللبن وقيل: الفرق أن السمسم بالسمسم بيع شيرج بشيرج والكسب فيه غير مقصود كالنوى في التمر، وهاهنا اللبن والشاة مقصودان.
فرع آخر لو باع دجاجة فيها بيض ببيض، قال أصحابنا: لا يجوز وجهاً واحداً لأنه معتبر وهو موجود في جوفها.
وقال في "الحاوي": فيه قولان مخرجان من القولين في الحمل هل له قسط من الثمن أو هو تبع لأن البيض كالحمل فإن قلنا: أخذ قسطاً من الثمن لا يجوز لأن بيع البيض بالبيض لا يجوز على قوله الجديد، وإن قلنا: بيع يجوز، وعلل والدي الإمام رحمه الله لهذا القول بأنه كالمستهلك ما دام في جوفها.
مسألة: قال: "وكل ما لم يجز التفاضل فيه فالقسم فيه كالبيع".
هذا جواب على أظهر قوليه وأجراهما على القياس وهو أن القسمة بيع لإفراز حق.
وبه قال أبو حنيفة: ووجهه أن كل جزء من الدار مشترك بينهما فعند الاقتسام يصير كأن كل واحد منهما باع ما في يد شريكه من نصيبه بما في يده من نصيب [23/ب] شريكه، ومن قال إنها إفراز حق احتج بأنها لو كانت تبعاً ما صحت بالقرعة ولا استحقت الشفعة بها ولا افتقر إلى لفظ البيع وهذا اختيار أبي حامد.
فإذا تقرر هذا ففائدة الخلاف في فصلين: أحدهما: في جنس فيه الربا يجوز بيع بعضه ببعضه كالبر والشعير فلا يجوز قسمتها وزناً إذا قلنا بيع، وإن قلنا إفراز حق يجوز بالوزن.
والثاني: في جنس فيه الربا لا يجوز بيع بعضه ببعض كالرطب والعنب فهل يجوز قسمتها؟ قولان بناء على هذين القولين.
وأما قسمة الثمار على رؤوس الأشجار فقد تقدم حكمها في كتاب الزكاة وقيل: إنما اختلف قول الشافعي في هذا الاختلاف قوله في خرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمار المدينة هل كان لمعرفة قدر الزكاة أو لإفراز حقوق أهل السهمان، فإن قلنا: خرصها لمعرفة قدر الزكاة فيها وإنما كان إفراز الحق تبعاً لمعرفتها لا تجوز قسمة الثمار خرصاً وتكون القيمة بيعاً وإن قيل: خرصها [24/أ] كان لإفراز حق أهل السهمان جاز قمة الثمار خرصاً وكانت القسمة إفراز حق وتمييز نصيب.

فرع لو كانت الصبرة بينهما نصفين فاقتسما أخذ هذا قفيزاً وهذا قفيزاً، ولا يجوز لأحدهما أن يستوفي كل حقه منهما ثم يكتال للآخر ما بقي لجواز أن يتلف الباقي قبل أن يكتال الشريك الآخر ولأنهما استويا في الملك فيستويا في القبض.
فرع آخر لو اتفقا على المبتدئ منهما بأخذ القفيز الأول جاز ولو لم يتفقا أقرع بينهما في أخذه ويكون استقرار ملك الأول على ما أخذه موقوفاً على أن يأخذ الآخر مثله فلو أخذ الأول قفيزاً فهلكت الصبرة يرد نصف القفيز.
فرع آخر قبضهما بالكيل وحده دون التحويل بخلاف البيع والفرق أن المبيع مضمون على بائعه باليد فاعتبر في قبضه التحويل لرفع اليد فيسقط الضمان وليس في القسمة ضمان يسقط بالقبض بل هو موضوعه [24 أ/6] للإجازة وبالكيل دون التحويل تقع الإجازة.
فرع آخر لو تقابضا بعض الصبرة ولم يتقابضا باقيها حتى افترقا صحت القسمة فيما تقابضا قولاً واحداً وكانت الشركة بينهما فيما بقي على الإشاعة.
فرع آخر إذا قلنا: القسمة إفراز حق والشيء مما يتماثل أجزاؤه كالحبوب جاز أن ينفرد أحدهما بأخذ حصته عن إذن شريكه بخلاف الثياب فإن هناك يحتاج إلى الاجتهاد والنظر في طلب الأحظ فلم يجز أن ينفرد بالقسمة وإن أذن الشريك بخلاف هذا ولو انفرد أحد الشريكين بأخذ حقه من غير إذن شريكه فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن لشريكه حق الإشاعة فلا يسقط إلا بالإذن.
والثاني: يجوز له لأنه لو استأذنه لم يكن له أن يمنعه فجاز أن لا يستأذنه إذا استوفى قدر حقه منه.
ذكره في "الحاوي"، وعندي الأصح الوجه الأول.
وإن قلنا: القسمة بيع لا يجوز أن ينفرد أحدهما بحال لا بالإذن [25/أ] ولا بغير الإذن لأنه لا يجوز ذلك في البيع.
فرع آخر لو مات رجل وخلف كلاباً ففي قسمتها وجهان، أحدهما: يقسم بالتقويم للضرورة كما يقوم الحر في معنى الحكومة للضرورة.
والثاني: يقسم بالعدد.
فرع آخر الدار إذا كان نصفها ملكاً ونصفها وقفاً مشاعاً فإن قلنا: القسمة إفراز حق، يجوز

قسمتها، وإن قلنا: إنها بيع فيه وجهان، أحدهما: لا يجوز لأن الوقف لا يقبل البيع وهو القياس، والثاني: يجوز، والمصلحة في هذا وبه أفتي لأنها لو تركناها شائعة بين وقف وملك تداعى ذلك إلى الخراب عند التنازع وإذا ميزنا الوقف عن الملك أقبل كل مستحق على عمارة حصته.
مسألة: قال: "ولا يجوز بيع ثمر برطب بحال".
بيع الرطب بالتمر على وجه الأرض لا يجوز بحال وكذلك كل ثمرة رطبة بيابسها كالعنب بالزبيب والخوخ الرطب بالمقدد ونحو ذلك.
وبه قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن [25/ب] المسيب ومالك والليث وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة وحده: يجوز واحتج الشافعي بما روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل عن شرى التمر بالرطب فقال: "أينقص الرطب إذا يبس، قالوا: نعم"، فنهى عن ذلك وروي أنه قال: فلا إذاً.
وروي عن زيد بن أبي عياش أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن بيع البيضا بالسلت فقال له سعد: أيهما أفضل؟ فقال: البيضا فنهى.
وقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن شري التمر بالرطب وذكر الخبر، قال الشافعي: نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المتعقب في اعتبار المماثلة فلما علم أنه ينقص في تلك الحالة أبطل البيع.
وقيل: البيضا نوع من البز أبيض اللون وفيه رخاوة تكون ببلاد مصر، والسلت نوع من غير البز وهو أدق حباً منه، وقيل: البيضا هو الرطب من السلت وهذا القول أليق بمعنى الحديث وعلته: لأنه بين موضع النسيئة من الرطب بالتمر، وإذا كان الرطب منهما جنساً واليابس جنساً آخر [26/أ] لم يصح التشبيه.
ذكره الخطابي في "غريب الحديث".
وقوله: "أينقص الرطب إذا يبس"؟ لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التقرير والتنبيه على علة الحكم لأنه لا يخفى ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بيع التمر بالتمر وعن بيع العنب بالزبيب كيلاً وعن الزرع بالحنطة كيلاً".
فرع لو باع التمر الحديث بالتمر العتيق قال بعض أصحابنا: يجوز لأن النقصان يسير فيعفى كقليل التراب في الكيل وهذا لا يصح، والتحقيق أنه ينظر فيه فإن كان إذا جف تاماً ينقص وزنه ولا تتقلص جثته فلا يظهر في الكيل يجوز لأنه لا اعتبار بالوزن فيه، وإن كان يتقلص جثته ويظهر ذلك في الكيل لا يجوز.
مسألة: قال: وكذلك لا يجوز بيع رطب برطب.

لا يجوز بيع الرطب بالرطب عندنا، وقال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد والمزني: يجوز ذلك وهذا غلط لأنهما لا يتماثلان حالة الادخار والمماثلة معتبرة [26/ب] في تلك الحالة.
فإن قيل: التفاوت يقل هاهنا فيجب أن يجوز كما في الحديث بالحديث، قيل: الفرق أن تفاوت الرطبين قد يتفاوت كتفاوت التمر والرطب وربما ينقص عنه قدر الثلث إذا صار تمراً ويفارق الحديث بالحديث لأنهما وإن نقصا فيما بعد فهما في أول حالة الادخار سواء والنقصان الذي يحصل فيما بعد نقصان غير بين.
فرع لو باع الطلع بالرطب أو التمر فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز لأنه لم ينعقد بيع القصيل بالحنطة.
والثاني: لا يجوز لأن نفس الطلع يصير رطباً أو تمراً ونفس القصيل لا يصير حنطة بل ينعقد فيه الحنطة، والثالث: وهو الأصح إن كان من طلع الفحول جاز كالقصيل، لأنه لا يصير رطباً وإن كان من طلع الإناث لم يجز لأنه يصير رطباً.
فرع آخر لا ربا في البقول على القول القديم وعلى القول الجديد فيها الربا فإن كانا جنسين كالهندبا والنعناع يجوز بيع أحدهما بالآخر نقداً كيف شاء، وإن كانا جنساً واحداً [27/أ] كالهندبا بالهندبا.
قال الشافعي: لا يجوز وقال ابن سريج: فيه قول آخر أنه يجوز لأنه معظم منفعته في حال رطوبته كاللبن باللبن وهذا أبلع لأنه لا يؤول إلى صلاح بحال بخلاف اللبن.
فرع آخر لو باع ما كان مأكوله مستوراً في الأرض كالجزر والفجل والكراث والبصل والسلجم نظر فإن باع ما ظهر من ورقه مطلقاً لم يجز لأنه يطول فيختلط المبيع بغيره وإن شرط القطع جاز كما قلنا في الثمرة قبل بدو الصلاح.
وأما بيع ما في بطن الأرض لا يجوز بحال ولا يشبه بيع خيار الروية لأنه إذا قلع فلم يخبره المشتري كان في رده ضرر على البائع ولا يمكن أن يقول يجوز ولا جاز لأنه لم يرها ولا يجوز أن يجعله سلماً لأنه عين ولأنه لا يمكن ضبطه بالصفات ولا يشبه بيع الجوز وإن كان المقصود مستوراً لأن بقاء الجوز في قشره بعد التناهي من مصلحته بخلاف بقاء هذه في الأرض بعد التناهي فإنه ليس من مصلحتها.
مسألة: قال: "وإذا كان متبايعا الذهب والورق بأعيانهما [27 أ/6] إذا تفرقا قبل القبض كانا في معنى من لم يبايع دل ذلك على أن كل سلعة باعها فهلكت قبل القبض فمن مال بائعها".
إذا ابتاعا صرفاً ذهباً بذهب أو ورقاً بورق أو ذهباً بورق فمن شرطه القبض قبل التفرق، فإن تفرقا قبل أن تقابضا أو قيل: قبض أحدهما بطل بدليل خبر عمر وعبادة رضي الله عنهما، ولو اختلفا بعد الافتراق فقال أحدهما: تفارقنا من غير قبض وقال

الآخر: تفارقنا مع القبض فالقول قول من يدعي الفسخ أيضاً.
وأما إذا تبايعا غير الصرف كالثياب والعبيد والسلع فليس من شرطه القبض قبل التفرق ولكن متى تلف المبيع قبل القبض بطل البيع وسقط الثمن عن المشتري سواء طالب البائع بالإقباض فامتنع أو عرض البائع الإقباض فامتنع المشتري أو تلف من غير مطالبة واحد منهما وبه قال الشعبي وربيعة وأبو حنيفة، وقال مالك: عقد البيع يستتر بالعقد ولا يلحقه الفسخ بهلاك المبيع فإن طولب البائع بالإقباض فأبى أتم وصار عامياً يلزمه قيمته، وإن لم يطالب فلا شيء عليه وله [28/أ] الثمن وإن طالبه بذلك فقال: لا أسلم حتى أقبض الثمن يصير المبيع كالمرهون في يد المرتهن.
وعند مالك: إذا تلف الرهن في يد المرتهن إن كان بآفة ظاهرة فهو من ضمان الراهن وإن كان بأمر باطن فهو من ضمان المرتهن.
وذكر القفال عن مالك أن هذا إذا اشترى جزافاً فإن اشترى مكايلة أو موازنة لا يدخل في ضمانه حتى يقبضه بالكيل أو بالوزن.
وقال أحمد وإسحاق مثل قوله إنه إذا تلف من غير تعدي البائع كان من ضمان المشتري، وقال النخعي: إن كان البائع بذلها للمشتري فامتنع من قبضها لم يبطل البيع بتلفها وكانت مضمونة على المشتري بالثمن، وإن لم يكن كذلك بطل البيع، وقال ابن سيرين: يعجبني هذا القول ومال إليه، وقال أبو ثور: يدخل في ضمان المشتري بنفس العقد حتى لو دخله عيب لا يرد به المشتري ولو تلف لا يسقط الثمن ويد البائع فيه يد وديعة، وقال بعض العلماء: يد البائع فيه يد ضمان بالقيمة لا بالثمن فيغرم القيمة ويدفع إليه المشتري الثمن وهذا كله غلط.
واحتج الشافعي عليهم بالصرف [28/ب] فقال: لأنه بيع تعذر فيه القبض فيبطل كعقد الصرف إذا تفرقا عنه قبل التقابض بطل غير أن التعذر في الصرف من طريق الشرع لا من طريق المشاهدة وهاهنا من طريق المشاهدة والمشاهدة أقوى إذا ثبت بطلان العقد ثبت كونه من ضمان البائع.
واحتج مالك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الخراج بالضمان، والخراج الغلة وهي للمشتري فكان الضمان عليه قلنا: لا حجة فيه لأنه لم يقل الضمان بالخراج، بل قال: الخراج بالضمان، ثم ورد في الرد بالعيب.
تبقى الغلة للمشتري بعد رده بالعيب فإذا تقرر هذا لو باع عبداً بثوب وقبض الثوب ولم يسلم العبد فباع الثوب من غيره ثم تلف في يده العبد فقد انفسخ البيع في العبد والثوب قد تصرف فيه في وقت جاز له التصرف ويجب عليه أن يدفع إلى صاحبه قيمة الثوب كما إذا كان الثوب قد تلف في يده كان عليه قيمته وعلى هذا إذا باع عبداً بشقص وقبض الشقص أخذ الشفيع الشقص بالشفعة بقيمة العبد فإذا أخذه الشفيع ثم تلف العبد [29/أ] في يده قبل التسليم يبطل البيع في العبد ولا يبطل في الشقص ويجب عليه دفع قيمة الشقص إلى صاحبه ولو باع عبداً بثوب وقبض الثوب وباعه من

آخر ولم يسلمه إليه فتلف العبد والثوب في يده بطل البيع الأول في العبد دون الثوب وعليه قيمته لصاحبه الذي اشتراه منه وبطل البيع الثاني في الثوب وعليه رد الثمن إن كان قبضه فإن لم يكن قبضه فلا شيء عليه ولا على المشتري منه.
مسألة: قال: "وإذا اشترى بالدنانير دراهم بأعيانها فليس لواحد منهما أن يعطي غير ما دفع عليه البيع".
إذا تصارفا ذهباً بذهب أو ورقاً بورق أو ذهباً بورق لم يخل من أحد أمرين إما: أن يكون في الذمة أو معيناً فإن كان في الذمة وذلك على وجهين، أحدهما: أن يتصارفا ويصف النوع الذي يتصارفان عليه مثل أن يقول: بعتك درهماً فتحياً درهم راضي أو ديناراً قاسانياً بدينار نيسابوري ونحو ذلك فهذا الصرف يصح ويقع على النوع الذي ذكرناه.
والثاني: أن يتصارفا [29/ب] في الذمة وأطلقا العقد فإن كان للبلد عرف نقد انصرف الإطلاق إليه حتى يصير كأنهما ذكراه في العقد ولا يدخل هذا في نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الكالئ بالكالئ لأن تعيينهما وقبضهما في المجلس كالتعيين في العقد.
وحكى الإمام أبو عاصم العباداني أنه بمنزلة الأعيان الغائبة فإن لم يجوز بيع الغائب لا يجوز هذا لأن الشرع حرم بيع الدين بالدين فلو لم يقدر العوض عينا غائبة لما كان إلى تصحيح العقد سبيل وهذا ضعيف لما ذكرنا، وإن كان في البلد نقود مختلفة بطل العقل ولا بد في هذا الصرف من التقابض قبل التفرق فإن تفرقا قبل القبض بطل وإن تصارفا في العين مثل إن قال: بعتك هذه الدراهم بهذه الدنانير أو هذه الدنانير بهذه الدنانير تعينت بالعقد وفائدته شيئان: أحدهما: أنه لو أراد أن يعطيه بدلها لم يكن له.
والثاني: أنها لو تلفت قبل القبض بطل العقد.
وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا تتعين الدراهم والدنانير بالتعيين وله [30/أ] أن يعطي بدلها ولا يبطل العقد بتلفها أصلاً وهذا غلط لأنه عوض مشار إليه في العقد فوجب أن يعين كالحنطة.
فرع لو تراضيا على الاستبدال عنها قبل التفرق فإن كانت معينة لا يجوز وعند أبي حنيفة يجوز وإن كانت في الأمة فهل يجوز الاستبدال عنها؟ قولان: أحدهما: يجوز فيأخذ مكان الدراهم دنانير أو سلعة كما يستبدل عما ثبت في الذمة فرضاً أو بدل متلف وهذا أقرب إلى الاختيار وهو المشهور وذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فيأخذ مكانها دنانير والدنانير فيأخذ مكانها دراهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما لبس".
وروي: "لا بأس

أن يأخذها بسعر يومها ما لم يفترقا وبينكما شيء"، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة: لا يجوز اقتضاء الدراهم من الدنانير أصلاً، وقال ابن أبي ليلى: يكره إلا بسعر يومه لهذه الزيادة في الخبر وقال أبو سليمان الخطابي: والصواب هذا القول.
والثاني: [30/ب] لا يجوز الاستبدال عنها نص عليه في "الجامع الكبير" وهو الأقيس لأنه مملول بعقد معاوضة فلا يستبدل عنه قبل القبض كالمبيع والمسلم فيه.
فرع آخر لو عين مكيالاً أو ميزاناً نص الشافعي في السلم أنه يبطل السلم وأما في البيع اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: يبطل البيع به لتضمنه حجراً.
والثاني: يتعين في العقد ويصح.
والثالث: يصح العقد ولا يتعين ذلك وهذا أظهر لأنه لا غرض في تعيينه.
وفي عين الدراهم إعراض منها، أن يعلم أنه من وجه حلال لكونه ميراثاً أو غنيمة، والثانى: أن يتقدم بها على سائر الغرماء، والثالث: أن يصير المشتري محجوراً عن التصرف فيها كالبائع في السلعة المبيعة.
وقيل: فيه وجه رابع: إن كان كيلاً معلوماً للعامة لا يتعين لأنه لا فائدة وإن لم يكن معروفاً كالطاس والقعب فإن كان الحق حالاً يجوز لأنه يقدر على تسليمه في الوقت وإن كان مؤجلاً لا يجوز لأنه ربما يتلف الكيل الذي عينه وهكذا لو عين كيالاً أو وزاناً [31/أ].
فرع آخر لو باع صاعاً من حنطة بصاع من حنطة موصوفة ثم أحضرا في المجلس وتقابضا يجوز كالنقد وفيه وجه آخر لا يجوز حتى يكون أحدهما معيناً ولا يصح الفرق بينه وبين النقد.
مسألة: قال: "فإن وجد بالدنانير أو الدراهم عيباً".
فصل الكلام الآن في الإبدال إذا وجد العيب فيها فإن تصارفا جنساً واحداً ذهباً بذهب أو جنسين ذهباً بورق فظهر فيها عيب هل له الرد والإبدال؟ ينظر فيه فإن كانت عيناً بعين لا يخلو إما أن يكون العيب من جنسه أو من غير جنسه فإن كان من غير جنسه مثل إن بانت رصاصاً أو نحاساً لا يخلو أما أن يكون في البعض أو في الكل فإن كان في الكل فالبيع باطل نص عليه في الصرف لأنه باعه غير ما سمى، قال أصحابنا كما لو قال: بعتك هذا الحمار فكان فرساً أو بعتك هذا الثوب القطني فكان كتاناً يبطل البيع كذلك هاهنا.
وقال في "الإفصاح": فيه وجه أنه يصح البيع ويخير المشتري لأن البيع وقع على عينه وهذا ضعيف.
[31/ب] وإن كان هذا العيب في النقص بطل البيع في ذلك النقص وهل يبطل في الباقي؟ قولان بناء على تفريق الصفقة ومن أصحابنا من قال: هذا إذا كان الصرف بغير

جنسه فإن كان دراهم بدراهم فوجد هذا العيب في بعضها فالمذهب أن البيع باطل قولاً واحداً لأنه يؤدي إلى التفاضل وهذا صحيح وإن كان العيب من جنسه مثل أن يكون فضة رديئة أو ذهباً رديئاً بأن يكون خشناً تتشقق عند الطبع أو كانت رديئة الضرب من حيث الصنعة فالبيع صحيح لأن الجنس واحد ويكون بالخيار بين أن يمسك أو يرد ويفسخ البيع فإن أراد الرد والاستبدال فليس له ذلك سواء كان قبل التفرق أو بعده كما لو كان المبيع ثوباً أو حيواناً بعينه فأصاب به عيباً ليس له البدل لأنه لو أبدل أخذ غير ما وقع عليه العقد.
وقال صاحب "التقريب": يجوز الاستبدال عنها قبل التفرق ولا يجوز بعده لأن حكم المتعاقدين ما داما في المكان الذي تعاقدا فيه كحكمها حال العقد بدليل أن الزيادة في الثمن والنقصان عنه [32/أ] وكذلك في الأجل يجوز في المجلس حتى قال: على هذا لو تعاقدا بثمن مجهول فلم يتفرقا حتى صيراه معلوماً صح العقد وهذا غلط؛ لأن الشافعي نص في المختصر: أنه لا يجوز الاستبدال ولم يفرق بين أن يكون قبل التفرق أو بعده بل ظاهر كلامه يدل على أن صورة المسألة قبل التفرق حيث عقب هذه المسألة بمسألة ثانية وهي: إذا كانت في الذمة لا يجوز إعلام الثمن في المجلس إذا وقع مجهولاً بحال لأن العقد وقع فاسد بشرط فإسقاط الشرط لا يبطله، وأما الزيادة في الثمن ونقصانه هل يجوز في المجلس؟ قولان.
وإن سلمنا فلأن العقد وقع في الأصل صحيحاً فاحتمل الإلحاقات قبل استقرار العقد بخلاف مسألتنا لأنه وقع فاسداً، وإن كان هذا العيب بالبعض فله رد الكل والرجوع لما دفع إليه وله إمساك الكل ولا شيء له غيره وهل له أن يزد البعض المعيب ويمسك الصحيح؟ قولان.
بناء على تفريق الصفقة فإن قلنا: لا يفرق فلا كلام، وإن قلنا: يفرق فله الرد بالعيب فإذا رد فبكم يمسك [32/ب] الصحيح؟ فإن كان جنساً واحداً أمسكه بحصته من الثمن قولاً واحداً ولا يجوز أن يمسكه بكل الثمن لأنه ربا وذلك لأنه ممسك ديناراً بدينارين وهذا لا يجوز، وإن كان الصرف جنسين فكذلك يأخذه بحصته من الثمن لأنه إذا أمكنه أن يأخذ الكل بكل الثمن فكيف يجوز أن يأخذ البعض بكل الثمن؟ لأنه يكون سفهاً ويكون رد هذا المعيب بغير فائدة ويفارق إذا باع عبدين فخرج أحدهما حراً، حيث قلنا: يمسك العبد بجميع الثمن على أحد القولين، لأن هناك لا يمكنه إمساك الحر معه بالثمن فدعت الحاجة إلى إمساك العبد وحده.
وقال بعض أصحابنا: بكم يمسك الصحيح؟ هاهنا قولان أيضاً.
ويفارق إذا كان الجنس واحداً لأن التفاضل فيه لا يجوز ولكن يقال له: إذا رددت البعض وأمسكت الباقي بكل الثمن لا فائدة لك ويكون سفهاً وهذا صحيح عندي، وإن كان البيع في الذمة فأصاب أحدهما عما قبضه عيناً لا يخلو إما أن يكون قبل التفرق فله الرد والبدل سواء كان المعيب من جنسه أو [32:أ] من غير جنسه، لأنه إن كان من غير جنسه مثل أن أقبضه نحاساً فقد أعطاه غير ما وقع عليه العقد والعقد بحاله لأنهما ما تفرقا فله مطالبته بما ملك عليه بعقد الصرف كالمسلم إليه إذا أتى بغير ما أسلم إليه رد إليه وطالب بما تناوله العقد، وإن كان في البعض مع القبض في الصحيح ورد ما ليس من جنسه وطالب بما يتناوله العقد، وإن كان العيب من جنسه كان له البدل، لأنه إذا كان له البدل إذا كان العيب من غير جنسه فبأن يكون له البدل إذا كان من

جنسه أولى ولكنه إن شاء رضي به، وإن كان العيب في البعض فقد صح القبض في الصحيح وفي الباقي وهو مخير بين الرضا وبين رده وأخذ البدل، وإن كان ذلك بعد التفرق ينظر فإن كان العيب من غير جنسه بطل العقد لأنهما تفرقا قبل قبض شيء من المعقود عليه، وإن كان العيب من جنسه لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون العيب بكله أو ببعضه فإن كان بكله فهو بالخيار بين أن [33/ب] يمسك أو يرد، فإن أمسك فلا كلام، وإن رد أو فسخ العقد فلا كلام.
وإن أراد الرد وأخذ البدل غير معيب فيه قولان على ما ذكرنا، أحدهما: ليس له وهو اختيار المزني وهو الصحيح، لأنه إذا رده لا يأخذ بدل ما رده بل يأخذ الأصل الذي وقع عليه العقد وقد فارقه قبل قبض ذلك فيبطل الصرف ولأن الصرف يتعين بالعقد تارة وبالقبض أخرى، ثم ثبت أنه لو تعين بالعقد لم يكن البدل فكذلك إذا تعين بالقبض.
واحتج المزني على هذا بأن الصرف في المعين وفي الموصوف سواء في اشتراط القبض قبل التفرق فوجب أن يكونا سواء في تحريم الاستبدال، والثاني: له ذلك وهو اختيار أبي حامد وبه قال أبو يوسف ومحمد لأن كل معيب يجوز إبداله قبل التفرق فجاز إبداله بعد التفرق كالمسلم إليه إذا دفع إلى المسلم المسلم فيه معيباً له أن يستبدله.
ومن غير هذا أجاب عما ذكره القائل الأول فقال: أما الأول فلا يصح، لأن [34/أ] الذي قبضه وإن كان معيناً فهو قبض صحيح والمقبوض هو الذي وقع عليه العقد لأنه لو كان غيره أبطل العقد لأنه وجد التفرق قبل القبض ولما جاز له إمساكه والرضا به كما لو كان العيب والرد قطع للعقد من حين الرد لأنه رفع للعقد من أصله ولا فصل بين قبض المعيب وغيره إلا من جهة أن أحدهما: قبض لازم.
والآخر: قبض جائز ولا يمنع ذلك صحة القبض فيهما، أما الثاني: باطل بما لو كان قبل التفرق تعين بالقبض وله الإبدال وأيضاً إذا تعين بالعقد فأخذ البدل أخذ غير ما اشتراه بخلاف مسألتنا، وأما الثالث: باطل لأنه لا يمتنع الفرق بين المعين والموصوف كما في جواز الاستبدال قبل التفرق، فإذا قلنا: بالأول قلنا: له الخيار بين الإمساك والرد فقط، وإذا قلنا: بالثاني فالخيار بين ثلاثة أشياء بين الإمساك وبين الرد والفسخ وبين الرد والاستبدال.
وإن كان العيب بالبعض فإن كان من غير جنسه فالبيع يبطل في هذا [34/ب] البعض لأن القبض لم يوجد فيه في المجلس وهل يبطل في الباقي الذي قبضه فيه طريقان: أحدهما: يصح قولاً واحداً كما لو عقد على عبدين فمات أحدهما قبل القبض لا يبطل البيع في الباقي قولاً واحداً على الصحيح من المذهب لأنه فساد بعد العقد.
والطريقة الثانية: هل يبطل في الباقي بناء على تفريق الصفقة؟ وهذا اختيار القفال وليس لمسألة العبدين لأن عدم القبض في الصرف فساد في نفس العقد إذ تمام الصرف بالقبض يصير على الباقي قولان.
وإن كان العيب من جنسه فيه ثلاثة أقاويل، أحدها: لا تبدل ولكنه بالخيار إن شاء فسخ البيع في الكل، وإن شاء أجازه.
والثاني: بالخيار إن شاء فسخ البيع في المعيب وأمسك السليم، وإن شاء رد الكل وفسخ البيع في الكل وهذا إذا بعضنا الصفقة.
والثالث: أنه يبدل المعيب.
وقال القفال: هذان القولان في الاستبدال مبنيان على أنه إذا اشترى شيئاً وأراد أن يرده بالعيب هل يكون رده إبطالاً

للقبض من [35/أ] حتى يصير كأنه لم يقبضه ولم يكن مالكاً له ويكون مالكاً له من قبل ويكون رده نقصاناً للقبض فيه قولان.
وعلى هذا لو أسلم إلى رجل في جارية ثم قبضها ثم وجد بها عيباً وردها إليه هل يلزم البائع الاستبراء؟ وجهان: أحدهما: يلزم رده نقض للقبض الآن.
والثاني: لا يلزم إذا قلنا رده إبطال للقبض من أصله وهذا غريب بعيد في المذهب.
فإذا تقرر هذا قال المزني: وقد قال الشافعي: يرد الدراهم بحصتها من الدينار.
ومراده بهذه الحكاية أن الشافعي علق القول في تبعيض الصفقة هاهنا ولم يعلق القول في موضع أخر والمزني يستأنس بمثل هذا في ترجيح أحد القولين على الثاني.
فرع لو اشترى عشرة دنانير بمائة درهم وتقابضا البعض وافترقا فإن الصرف باطل في غير المقبوض ولا يبطل في المقبوض ولكنه بالخيار إن شاء رضي المقبوض بحصته من الثمن وإن شاء، رده وفسخ البيع لأنه لم يسلم له جميع ما وقعت عليه الصفقة ولا يجيء أن يقال ينفسخ العقد في الكل ولا يفرق [35/ب] الصفقة، لأن الصفقة وقعت بثمن معلوم ولفظ مباح وتعليل الشافعي في إبطال جميع الصفقة على أحد القولين أحد السببين، إما لأن العقد جمع مباحاً ومحظوراً، وإما لجهالة الثمن إذا فسدت الصفقة في بعضها، وهاهنا لم يوجد واحد منهما فلم يجز أن يحكم بفساد العقد في الكل.
وقال ابن القاص: في هذه المسألة وفي رأس مال السلم إذا تفرقا وقد بقي البعض ولم يقبضه هل يبطل العقد في الكل؟ قولان بناء على القولين في تفريق الصفقة وهذا اختيار القفال وهذا قاله برضاه المحصلون من أصحابنا ولا يقتضيه مذهب الشافعي.
فرع آخر قال ابن القاص: لو باع عبدين فتلف أحدهما في يد البائع قبل التسليم يبطل البيع في التالف ولا يبطل في الباقي قولاً واحداً، ورأس مال السلم مثله.
ومن أصحابنا من قال: خرج أبو إسحاق فيه قولاً آخر: إنه إذا مات أحدهما يبطل العقد، وهذا غلط على أبي إسحاق لأنه ذكر في الشرح بخلافه ولعله محكي عن غيره وليس بشيء [36/أ].
مسألة: قال: "ولو راطل مائة دينار عتق مروانية ومائة دينار من ضرب مكروه بمائتي دينار من ضرب وسط".
الفصل وقد مضت هذه المسألة في مسألة مد عجوة ودرهم بمدي عجوة، وقوله: راطل أي وازن والرطل يكون كيلاً ويكون وزناً.
والأصل في هذا ما روي عن فضالة بن عبيد أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، وروي فيها خرز معلقة بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير والسبعة دنانير فقال: لا حتى تميز بينه وبينه.
فقال: إنما أردت الحجارة

وروي التجارة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا حتى يميز بينهما" فرده حتى ميز بينهما هكذا في "سنن أبي داود".
وذكر أبو عيسى الترمذي عن فضالة بن عبيد أنه قال: اشتريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر ديناراً ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لا تباح حتى تفصل" قلت: لعلهما خبران وهو الظاهر.
وقال أبو حنيفة في هذه الصورة: [36/ب] فإن كان الذهب الذي هو الثمن أكثر مما فيه من الذهب جاز، وإن كان أقل منه أو مثله لم يجز.
وذهب مالك إلى نحو هذا إلا أنه يحد الكثرة بالثلثين والقلة بالثلث.
وقال أحمد: يجوز وإن كان الثمن أقل.
وهذا قول ظاهر الفساد لما فيه من صريح الربا، ولا يصح ما قال أبو حنيفة: إنا إذا كان الذهب الخارج أكثر يكون الذهب بالذهب سواء والزيادة بإزاء الحجارة، لأنه قال في الخبر: إنما أردت الحجارة ومع ذلك منع وقال: لا حتى يميز بينهما.
مسالة: قال: "ولا باس أن يشتري الدراهم من الصراف ويبيعها منه إذا قبضها".
الفصل إذا كان معه عشرون درهماً صحاحاً فأراد بها ثلاثين درهماً مكسرة فالوجه أن يشتري بها من الصراف ديناراً أو يتقابضا ثم يبيع الدينار منه بثلاثين مكسرة ولو جعل هذا عادته وتجارته جاز، وقال مالك: إنما يجوز ذلك مرة واحدة ولا يجوز أن يجعله عادة لأنه يضارع الربا، وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[37/ أ] استعمل على خيبر سواد بن غزية فجاءه بتمر حبيب فقال له: أكل تمر خيبر هكذا قال: لا، ولكنا بعنا صاعين من جمع بصاع من هذا وأراد بالجمع الدقل وهو جنس رديء فقال: أوه هذا عين الربا لا تفعلوا هكذا ولكن بيعوا الجمع بالدراهم واشتروا بالدراهم الحبيب والحبيب: الوسط من التمر هكذا قال الأصمعي في تفسير الجمع والحبيب وقيل: الجمع التمر الذي يجمع أنواع التمر، والحبيب الطيب، ويقال: إن أبا حنيفة افتتح كتاب "الحيل" بهذا الخبر.
وإذا تقرر هذا لو قصد بهذا العقد أن يأخذ أكثر مما أعطى أو أقل مما أعطى جاز، ولا اعتبار بالقصد إلى الربا إذا لم يباشر ولكنه يكره ثم فيه ثلاث مسائل، إحداها: أن يتقابضا ويتفرقا أو يتخايرا ثم تعاقدا بعد ذلك فيصح قولاً واحداً، الثانية: أن يتخايرا قبل أن يتقابضا بطل الصرف لأنه كالتفرق وقد ذكرنا ما قيل فيه، والثالثة: أن يتبايعا ثم يتقابضا ثم يتبايعا ثانياً قبل التفرق والتخاير.
فظاهر المذهب أن العقد

جائز لأن الشافعي قال ولا بأس [37/ب] أن يشتري الدراهم من الصراف ثم يبيعها منه فأطلق.
وبه قال ابن سريج، لأنه إن كان الخيار قائمًا فإن شروعهما في العقد الثاني يقطع خيارهما معًا ألا ترى أنهما لو شرعًا فيه فلم يكملاه لزم العقد الأول وانقطع الخيار كالتخاير بعد القبض شرعًا.
فإن قيل: أليس لو باع أحديهما ما قبضه من رجٍل آخر قبل التفرق والتخاير لم يجز؟ قلنا: الفرق أنه إذا باعه من غير بائعه فقد تصرف فيما لغيره فيه خيار ثابت ويملك رفعه عنه وهاهنا هما تعاقدا معًا ثانيًا فكأن شروعهما فيه رضًا بإمضاء الأول واستئنافًا للثاني وصح ذلك وعلى هذا لو اشترى شيئًا على أنهما بالخيار وقبضه ثم باعه من غير البائع لم يجز، وإن باعه من البائع جاز ويكون ذلك قطعًا للخيار.
وقال القفال في كتاب التهذيب: لا ينعقد هذا البيع إلا على القول الذي يقول: (الخيار لا يمنع انتقال الملك)، لا يصح؛ لأنه لو باع غير ملكه إلا أن ذلك يكون قطعًا للخيار فيستأنفان العقد وعلى هذا قال: إذا اشترى جارية [38/ أ] فزوجها من البائع قبل التفرق فإن قلنا: يملك المشتري بالعقد جاز، وإن قلنا لا يملك لا يجوز وسقط خياره وعلى القول الأول وهو الأصح يجوز.
وقال في (الحاوي): الأصح أنه لا يجوز البيع الثاني أصلًا لأن العقد الأول لم يستقر لا بالافتراق ولا بالتخابر والفرق بين التخابر والبيع أنهما إذا اختارا الإمضاء فقد رضي كل واحٍد منهما بإقرار مُلك صاحبه على ما انتقل إليه فاستقر به المُلك.
وإذا اتفقا على البيع الثاني فكل واحد منهما لم يرض باستقرار ملك صاحبه على ما انتقل إليه فلم يستقر بذلك المُلك فصار حكم التخاير والبيع مختلفًا فلم يجز أن يكون في لزوم العقد متفقًا ولو جعلا مكان الدنانير ثوبًا أو شيئًا آخر حتى لا يحتاج إلى التقابض في المجلس بل يكفي قبض الثوب في المجلس أو بعد المجلس ليصح بذلك القبض البيع الثاني فالأمر أوسع.
فرع لو كان معه عشرة دراهم صحاح ومع آخر أحد عشر درهمًا مكسرًة فلا يجوز بيع العشرة بالأحد عشر، والحيلة في ذلك أن يقرض كل واحٍد منهما صاحبه الذي معه ثم يبرئه عما حصل [38/ ب] له عليه أو يستبرئ منه الصحاح بعشرة مكسرة ثم يهب له ذلك الدراهم الباقي أو يهب كل واحٍد ما في يده لصاحبه من غير شرط ويكره أن يدخلا في البيع على ذلك.
فرع آخر لو كان معه عشرة دراهم وليس معه سواها ومع آخر دينار قيمته عشرون درهمًا فأراد أن يعقدا فيهما صرفًا ويتفرقا بعد القبض من غير غبن، قال أبو إسحاق: يصح هذا من وجه واحٍد وهو أن يشتري صاحب العشرة نصف الدينار مشاعًا بالعشرة ثم يقبضه العشرة ويقبض الدينار منه نصفه وديعة ونصفه مبيعًا، ثم يستقرض منه العشرة فيشتري

بها النصف الباقي من الدينار ويقبضها منه ويملك هذه العشرة التي اقترضها بالتصرف فيها وهو يشتري ما بقي من الدينار بها.
ومن أصحابنا من قال: يصح من وجه آخر أيضًا، وهو أن يشتري منه الدينار كله بعشرين في الذمة ويقبضه منه ثم يدفع إليه العشرة من ثمنه فتبرأ ذمته من نصف ثمن الدينار ثم يستقرضها من البائع فإذا قبضها فرضًا قضى بها ما بقي من ثمن الدينار فيصير [38 ب/ 6] الدينار كله له وقد أقبض جميع ثمنه وبقي عليه لبائع الدينار عشرة دراهم قرضًا، وقال أبو إسحاق: هذا لا يصح لأن البائع تصرف فيما قبضه من الثمن في مدة الخيار وفيه رد القرض قبل التصرف فيه ولا يملك القرض بالقبض حتى يقع التصرف فيه بعد القبض والصحيح هذا الوجه الثاني، لأن هذا التصرف وإن كان في مدة الخيار فهو من المتعاقدين فكان شروعهما فيه قطعًا للخيار كما قلنا في المسألة المتقدمة.
وقوله: إن فيه رد القرض قبل التصرف فيكون فسخًا للقرض ليس كذلك لأنه يقضي به ما بقي في ذمته من ثمن الدينار ولا فرق بين أن يشتري مما اقترضه ما بقي من ثمنه وهذا اختيار القاضي الطبري، وعلى هذا لو باع درهمًا في الذمة بدرهم في الذمة ثم سلم أحدهما ثم اقترض الآخر وردها عليه هل يجوز؟ فيه وجهان مبنيان على أن القرض متى يملك؟ وعند أبي إسحاق: يبطل هذا الصرف هاهنا لأنه قبض قبل أن يستقر ملكه عليها لأنه لا يملكها إلا بالتصرف.
فرع آخر لو كان له قبل رجٍل مائة مثقال ذهبًا [39/ب] فأعطاه مائة ديناٍر عددًا فكان وزنها مائة دينار ودينار، كانت المائة بالمائة التي عليه وبقي في يد القابض المائة والدينار دينار مشاع مضمون، لأنه قبضه على أنه عوض فكان مضمونًا وللذي أقبضه ذلك أن يهبه أو يأخذ به سلعة منه أو فضة، فإن أخذ سلعة جاز التفرق قبل القبض لأنه صرف، وإن اختار أن يقره في يده سلما في موصوف اتفقا عليه جاز.
فرع آخر لو اشترى دينارًا بعشرين درهمًا في ذمته وكان معه من ثمنه سبعة عشر درهمًا فقبضها بائع الدينار وبقي من الثمن درهم لم يجز الفرق قبل قبضه، فالوجه فسخ العقد ويشتري من الدينار بقدر ما معه من الدراهم وهو تسعة عشر سهمًا من الدينار فإذا قبضه المشتري قبض هذه عن بيع وسلم الباقي أمانة في يده، ويفارق المسألة الأولى حيث يقبض هناك الدينار الفاضل مضمونًا وذلك أنه قبضه على أنه بدل في معاوضة وهاهنا قبضه أمانة لا على سبيل البدل فإذا ثبت هذا فللبائع أن [40/أ] يصنع به ما شاء كأنه وديعة مفردة، إن أحب أن يهبه من المشتري فعل، وإن أحب أن يأخذ منه عوضًا فعل كما قلنا في ذلك الدينار الفاضل.
وقد قال الشافعي هاهنا: إذا اشترى بفضل الدينار ما شاء تقابضا قبل أن يتفرقا.
وقال الربيع عقيب هذه المسألة: لا بأس وإن لم يتقابضا أيضًا وهكذا قاله في (البويطي)، وإن تفرقا قبل التفاسخ بطل الصرف بقدر ما قابل الدرهم وهل يبطل في الباقي قد ذكرنا.

فرع آخر لو باع درهمًا بدرهم فرجح أحدهما فلا بأس أن ينزل صاحب الفضل منهما فضله لصاحبه ولو اشترى ثوبًا بدينار فوزن المشتري الدينار فرجح في الميزان فأعطاه بائع الثوب بما فضل ذهبًا وهما لا يعلمان قدر الزيادة جاز لأنه يعتبر فيه التماثل وإن جهل القدر.
فرع آخر لو اشترى دينارًا بعشرين درهمًا فوكل من يقبضه من البائع وانصرف المشتري من المجلس قبل قبضه بنفسه بطل الصرف، نص عليه الشافعي، لأن الوكيل في الإقباض ليس يقبض ومن شرط الصرف [40/ب] أن يتقابض المتصارفان قبل التفرق ولو أقبضه الوكيل قبل مفارقة الموكل المجلس جاز ذلك لأنه ما فارقه قبل القبض فإن يد وكيله كيده.
فرع آخر لو أحال في مجلس الصرف بما عليه فإن لم يقبض حتى افترقا لا يجوز وإن قبض من المحال عليه قبل التفرق فيه وجهان بناء على أن الحوالة كالبيع أو هي عقد معونة وإرفاق فإن قلنا: بيع لا يجوز وأن قلنا بالوجه الآخر يجوز.
فرع آخر لو اشترى رجٌل من صيرفي دينارًا بعشرة دراهم وقبض الدينار وللمشتري على الصيرفي عشرة، فقال: افعل هذه العشرة التي عليك بدلًا من الثمن لم يجز بحاٍل.
وقال أبو حنيفة: إن حصلت العشرة عليه قبل الصرف لم يجز وإن حصلت بعده جاز، وهذا غلط؛ لأنه َصْرف ُعدَم فيه القبض فلا يجوز ولأنه يصير بيع دين بدين وذلك لا يجوز بالإجماع.
فرع آخر لو أن الصيرفي أبرأ المشتري كانت البراءة باطلة لأنه أبرأ عما لم يستقر ملكه [41/أ] يجوز البيع وهو الأظهر؛ لأنها صفة يمتاز بها الموصوف عن غيره، والثاني: لا يجوز لأنها صفة غير الموصوف يجوز انتقالها عنه ذكره في (الحاوي).
فرع آخر لو باع ثوبًا بدينار إلا درهمًا لم يصح لأن الثمن مجهول لأنه لا يعلم كم حصته من الدينار ولم يبق منها ثمنًا ويخالف الإقرار لأن الإقرار يصح المجهول.
وقال في (الحاوي): إن جهلا أو أحدهما قيمة الدينار في الحال بطل، وإن علما قيمة الدينار فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن الاستثناء من غير جنس الثمن لا يجوز.
والثاني: يجوز لأنهما إذا علما أن قيمة الدينار عشرة دراهم وقد باعه بديناٍر إلا درهمًا صار كأنه قال: بعتك بدينار إلا ُعْشر ديناٍر والأول أصح لأنه لم يستثن قيمة درهم وإثما استثنى درهمًا فلا يلزم المشتري دفع الدينار كله لموضع الاستثناء ولا يلزم البائع دفع الدرهم لأنه ليس بمشترى فيتعذر استيفاء موجب العقد فبطل.

فرع آخر لو قال: اشتريت [41/ب] بمائة ديناٍر إلا دينارًا فقال: بعت فالبيع صحيح، لأنه يكون معلومًا وتقديره بعتك بتسعة وتسعين دينارًا.
فرع آخر قال في الصرف: ولو كان عند رجل دنانير وديعة فصارفه فيها ولم يقّر الذي عنده الدنانير أنه استهلكها حتى يكون ضامنًا، ولا أنها في يده حتى صارفه فلا خير فيه لأنه غير مضمون ولا حاضر، ويمكن أن يكون بذلك في ذلك الوقت فيبطل الصرف.
وقال أبو حامد: فإن قطعها على بقائها عنده صح الصرف، وكذلك إن ضمنها بالتعدي مع بقاء العين فإن استهلك ثم ابتاعها يجوز، لأنه يكون بيع دين بديٍن.
فرع آخر لو كان عليه دينار فأعطى صاحبها دراهم من غير مصارفه تكون الدراهم قرضًا عليه ويترادان ولو أراد أن يحبس الدراهم ليسترد ماله لا يجوز لأن المقبوض عن بيع فاسد لا يجوز حبسه على استرجاع ثمنه.
ولو استهلك الدراهم فلا وجه إلا أن يتباريا من غير شرط [42/أ] أو يقبض أحدهما ماله عند صاحبه ثم يقبضه عما في ذمته.
ولو أراد أن يتقاصا لم يجز لأنهما جنسان فإن قال صاحب الدينار: أبرأتك على أن تبرئني من كذا درهم لا يجوز لأن الإبراء يبطل بالشرط وإنما يصح مع الإطلاق، ولو أن أحدهما يبرأه مطلقًا ولم يبرئه الآخر من شيء جاز وكان له مطالبته بحقه، وليس للمشتري مطالبة الآخر بشيء.
فرع آخر لو اشترى رجل ثوبًا آخر بنصف دينار يلزمه كذلك أيضًا ولا يلزمه الصحيح فإن أقبضه المشتري دينارًا صحيحًا فقد زاده خيرًا، وإن اختار أن يقبضه دينارًا مكسرًا بنصفين جاز ذلك.
وإن اشترى الثوب الثاني على أن يعطيه هذا النصف والنصف الأول دينارًا صحيحًا لا يخلو، إما أن يكون هذا بعد لزوم البيع الأول أو قبله فإن كان بعده فالثاني باطل والأول صحيح لأنه دخله شرط فاسد.
وإن كان قبل لزوم البيع الأول بطل الأول والثاني معًا لأنه وإن كان وقت الزيادة في الثمن فتلك الزيادة مجهولة [42/ب] غير معلومة وليست بزيادة عين فبطلا.
فرع آخر لو قال: بعتك بألف درهم مكسرة جاز وقيل: إنما يجوز إذا تقاربت القيم فإن تقاربت لا يجوز.
فرع آخر لو قال: بألف غلة كسور ما جاز، ولو قال: بألف مثله أو بألف يجوز بالصحاح لا يجوز.

فرع آخر لو قال: بألف من نقد سرت كذا ونقودها متفقة يجوز وفيه وجه آخر لا يجوز.
فرع آخر لو قال: بعتك بديناٍر فإن كان المقصود الصحاح انصرف إليه، وإن كان المعهود القراضة فكذلك، وإن لم يكن بينهما تفاوت وكلاهما معهود صح ومن أيهما سلم جاز، وإن كان بينهما تفاوت لا يصح.
فرع آخر لو قال: بديناٍر صحيح فجاءه بدينارين صحيحين وزنهما دينار يقبل، ويحتمل عندي وجهًا أنه لا يقبل إذا كان بينهما تفاوت وقد يكون هذا في بعض البلاد عندنا.
فرع آخر لو قال: بديناٍر صحيح فجاءه بدينار وزنه مثقال ونصف يلزمه قبوله والزيادة [43/أ] أمانة عنده ويحتمل عندي وجهًا آخر لا يلزمه قبوله لأنه لا يكلف محمل الأمانة.
فرع آخر لو قال: بنصف ديناٍر صحيح، فإن لم يقل مدورًا أو شقًا من ديناٍر يجوز، وإن سلم ثقيلًا وأشركه فيه يجوز، وإن قال: مدورًا وهو عام الوجود يجوز، وإن كان نادر الوجود لا يجوز.
فرع آخر لو اشترى رجل عشرين درهمًا نقرة بديناٍر، فقال له آخر: َوّلني نصفها بنصف ما اشتريت صح لأن التولية كالبيع، ولو قال: اشتر لنفسك عشرين درهمًا نقرًة بدينار ثم َوّلني نصفها فعل كانت النقرة له دون الإذن لأنه باعه نصفها من نفسه وهو غائب.
فرع آخر لو دفع إلى صائغ فصًا وقال له: صغ لي خاتمًا من فضة حتى أعطيك بوزن الفضة فضة وأجرة الصنعة لم َيُجز لأنهما تبايعا فضة مجهولة بفضة وتفرقا قبل القبض وشرط فيه أن يعمل له عملًا.
فرع آخر قال في الصرف: وإذا تصارفا لا بأس [43/ب] أن يطول مقامهما في مجلسهما ولا بأس أن يصطحبا من مجلسهما إلى غيره ليوفيا الحق، لأنهما لم يتفرقا فإن تعذر عليهما التقابض في المجلس وأراد التفرق يلزمهما أن يتفاسخا العقد بينهما فإن تفرقا

قبل التفاسخ كان ذلك فاسدًا وجرى مجرى بيع مال الربا بعضه ببعض نسيئة ولا يعنى تفرقها، لأن فساد العقد إنما يكون به شرعًا وهو كالعقد مع التفاضل فاسد ولكنهما يأثمان به.
فرع آخر لو تبايعا عشرة دراهم فتحية بعشرة فتحية وتقابضا فتلفت إحداها في يد قابضها ثم علم بالعيب من جنسها فليس له أخذ الَارش، لأنه يقضي إلى التفاضل ولا يمكنه الرد لأن العين مفقودة فلا وجه أن يفسخ العقد بينهما ثم ترد عليه هذه الجيدة الموجودة ويكون عليه في ذمته عشرة رديئة يعطيه مثلها وقيمتها إن اتفقا عليه، ذكره ابن أبي هريرة.
فرع آخر لو اشترى دينارًا بدرهم وقبض وتلف عنده ثم وجده معيبًا فيه وجهان: أحدهما له [44/أ] وهذا َاقيس فعلى هذا يرجع بَأرش عيب الدينار دراهم.
ولو كان المبيع المعيب فضة رجع بأرش عيبها ذهبًا، والثاني: وهو قول أكثر أصحابنا لا يجوز ذلك لأمرين، أحدهما: أن الصرف أضيق حكمًا فلم يتسع له جوار الأرش فيه، والثاني: أن الأرش يعتبر بالأثمان فلم يجز أن يكون الأرش داخل في الأثمان فعلى هذا لا يخلو عيب الدينار المستهلك إذا لم يخرجه من الجنس من أحد أمرين إما أن يكون عيبًا فيصبح أن يكون صفة لما ثبت في الذمة أو لا يصح فإن كان يصح ذلك مثل أن يشتري دينارًا قاسانيًا فبان الدينار مغربيًا فعلى المشتري بدله مغربيًا، وإن كان لا يصح، أن يكون صفة لما في الذمة بأن كان مَبْهَرجًا فعليه إذا لم يرض بعينه أن يرد قيمته دراهم ولا يرد مثله لأن المَبْهرج لا مثل له ثم إذا رد مثل الدينار المعيب فيما له مثل أو رد قيمته ورقًا فيما لا مثل له فإن كان اشترى الدينار الذي بان عيبه بعينه لم يكن له المطالبة ببدله ولو كان له استرجاع [44/ب] ما دفع من ثمنه، وإن كان اشتراه في الذمة من غير تعيين فهل له الرجوع بالبدل سليمًا؟ قولان ذكره في (الحاوي).
فرع آخر لو حصلت في ذمة رجل دراهم موصوفة وكانت نقدًا يتعامل الناس بها فحظر السلطان المعاملة بها لم يستحق صاحب الدراهم غيرها ولم يجز أن يطالب بقيمتها.
وقال أحمد: له المطالبة بقيمتها ذهبًا في أخر يوم حظرها السلطان وهذا غلط؛ لأن أكثر ما فيه أنه ركس قيمته وما ثبت في الذمة لا يستحق بدله لنقصان قيمته كالحنطة فإذا ثبت أن له أخذ تلك الدراهم بعينها بعد الحظر لما كان له أخذها قبل الحظر فعدمت تلك الدراهم ولو توجد كان له حينئذ أخذ قيمتها ذهبًا لتعذرها واعتبار زمان القيمة في آخر أوقات وجودها والقدرة عليها، لأنه آخر وقت كانت عينها فيه مستحقة.
فرع آخر لو ابتاع دينارًا أو ثوبًا بعشرة دراهم معينة من هذا النقد فحظر السلطان قبل القبض

المعاملة بها لم يكن ذلك عيبًا يستحق به الفسخ كرخص السعر ونقصه لأن [45/أ] العيوب ما اختصت بالصفات اللازمة.
فرع آخر وقال: أيضًا لو قال البائع في مدة الخيار للعبد المبيع: أنت حر إن دخلت الدار هل يكون قطعًا لخياره؟ وجهان.
فرع آخر لو باع بشرط الخيار بثمن مؤجل فالأجل من وقت العقد بلا إشكال ولو شرط أن يكون الأجل محسوبًا عقيب انقضاء الخيار وجهان: أحدهما: لا يصح البيع.
والثاني: يصح البيع والشرط، وذلك أنه لو باع بثمن مطلق بشرط الخيار ثم شرط الأجل قبل انقضاء الخيار والأشبه أنه يصح، وهكذا لو باع من غير شرط الخيار بثمن مؤجل على أن يكون الأجل محسوبًا عند انقضاء خيار المكان ففي صحة البيع والشرط هذان الوجهان.
فرع آخر لو باع بثمن مؤجل إلى ألف سنة هل يصح الشرط؟ يجب أن لا يصح لأنا نقطع على المشتري لا يبقى إلى هذه الغاية والأجل يسقط بالموت، وهو كإجارة الثوب إلى ألف سنة لا يجوز ويبطل البيع ببطلان هذا الشرط.
فرع آخر لو قال لعبده: إن مت بعد ألف سنٍة فأنت حر هل يصير به مدبرًا فيه وجهان، وليس كالبيع والإجارة [45/ب] لأنهما ينزهان من الغرر بخلاف التدبير الذي يتضمن العتق والصحيح أنه لا يكون مدبرًا، لأنا نقطع على أنه لا يبقى إلى هذه الغاية وفائدة الوجهين فيمن قال: والله لا أدبر عبدي فقال له: هذا القول هل يحنث؟ وجهان.
فرع آخر لو شرط الخيار أربعة أيام يومان للبائع ويومان للمشتري بعد انقضاء اليومين لا يجوز لأنه يزيد على ثلاثة أيام ولو شرطا خيار يوم للبائعين ويومين بعده للمشتري لم يجز لأن العقد إذا لزم في حق أحدهما يومًا لم يصح ثبوت الخيار له بعده كما لو شرط خيار يومين من بعد التفرق بيوم لا يجوز وإن شرطا خيار يوم للبائع وخيار يومين للمشتري من نصف يوم البائع لم يجز أيضًا لما ذكرنا ويحتمل أن يقال: يجوز في هذين الموضعين.
ولو كان الخيار للبائع يومًا ثم زاد يومًا آخر للبائع لم يصح أيضًا، لأن خيار الشرط لا يثبت إلا باتفاقهما وهذه الحالة ليست كحالة العقد في حق المشتري، لأنه لا خيار له ويقول البائع بانفراده لا يثبت الخيار فأبطلنا الشرط لذلك.
فرع آخر لو شرطا [46/أ] خيار ثلاثة أيام ثم أسقطا اليوم الأول سقط الكل هذا هو الأظهر،

وإن أسقطاه بشرط بقاء الخيار في اليوم الثاني والثالث فيه وجهان: أحدهما: لا يصح الإسقاط والخيار باق في الأيام الثلاثة، والثاني: يسقط الكل ويبطل شرطها، وإن أسقطا خيار اليوم الثاني سقط خيار اليوم والثالث وخيار اليوم الأول صحيح.
فرع آخر قال والدي رحمه الله: إذا شرط خيار الثلاث للمكاتب فإن أراد نفى الخيار له بعد الثلاث بطل العقد قولًا واحدًا، وإن أراد نفي الخيار إثبات الخيار له في الثلاثة مع ثبوتها بعدها صح العقد ولا معنى لهذا الشرط، وإن أطلقا القول بلا إرادة فيه وجهان: أحدهما: لا يبطل.
والثاني: يبطل لأن تقديره بثلاثة نقيض نفي الخيار بعدها كما لو قال لآخر: اقض ديني إلى ثلاثة أياٍم لم يكن له قضاؤه بعد الثلاث، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن الأجنبي لا يقضي الدين عن غيره من ماله إلا بإذنه، فإذا قدر بالثلاث عاد الأمر بعد الثلاثة إلى ما كان من قبل وهاهنا الخيار ثابت للمكاتب أبدًا فشرطها خيار [46/ب] الثلاث يفضي إلى إثباته فإذا مضت ثبت الخيار بحكم العقد، ولا يكون هذا الشرط مفيدًا زيادة فائدة فصار كما لو باع عبده بعشرين بشرط حلول عشرة منها صح وكان الكل حالًا، ولا يقال النص على حلول العشرة يقتضي تأجيل الباقي فلا يصح البيع لجهالة الأجل كذلك هاهنا ويحتمل في مسألة الأجل وجهًا آخر أنه يبطل البيع بدليل الخطاب.
فرع آخر لو شرطا أن يكون الخيار لعبد أجنبي فإن كان بإذن سيده جاز وإن كان من غير إذنه فيه وجهان.
فرع آخر لو شرطا خيار يوم لأنفسهما ويوم بعده لأجنبي فيه وجهان، كما ذكرنا إذا شرطا يومًا للبائع ويومين بعده للمشتري، والأشبه أنه يصح هاهنا بخلاف تلك المسألة لأن المنع هناك لزوم البيع في حق أحدهما مدة ثبوت الخيار له وهذا غير موجود هاهنا، ولهذا لو باع ثم شرطا الخيار قبل التفرق لزيد صح وإن لم يملك زيد هذا الفسخ قبل اشتراطه، فلا بأس هاهنا أيضًا أن لا يملك الأجنبي الفسخ [47/أ] ثم يملك.
فرع آخر لو قال: اشتري العبد بشرط الخيار قلنا: بإذن السيد لم ينقل حينئذ جاز إلى عبده كخيار الوكيل بخلاف خيار المكاتب ينقل إلى غيره في أحد الوجهين، وقد ذكرنا قبل هذا يثبت للسيد لأنه المالك في الحقيقة.
فرع آخر قال: إذا شرطا خيار يوم لأنفسهما، ثم مات أحدهما قبل انقضائه فأراد الوارث مع العاقد زيادة يوم آخر للخيار يحتمل وجهين، أحدهما: يصح وهو الأشبه لأنه قائم مقام المورث ثم جازت الزيادة للمورث فكذا الوارث، والثاني: لا يصح، لأنه يتلقى هذا

جارٍ التحميل