فَسَخَ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ لَأنَّهُ إِلَيْهَا دُونَهُ".
وقال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا مضت للعنين سنة من حين اجل فهي على حقها ما لم ترافعه إلى الحاكم وليس يلزم تعجيل محاكمته بعد السنة على الفور بخلاف الفسخ في العيوب لأن تمكينها للزوج في عنته إلى الحاكم لم يكن له ذلك لأنه حق عليه هو مأخوذ به وليس بحق له فيطالب فإذا رافعته إلى الحاكم بعد السنة تغير حينئذٍ زمان خيارها فيعرض الحاكم عليها الفسخ وليس لها أن تنفرد بفسخه عنده لأنه فسخ بحكم ويحكم إليه دونها لكن يكون الحاكم مخيرًا بين أن يتولاه بنفسه وبين أن يترك ذلك إليها لتتولاه بنفسها فيكون هو الحاكم به وهي المستوفية له فإذا وقعت الفرقة بينهما كانت الفرقة ترفع العقد من أصله ولم تكن طلاقًا فإن عاد فتزوجها كانت معه على ثلاث.
وقال أبو مالك وأبو حنيفة: تكون الفرقة طلاقًا ولا تكون فسخًا وهذا خطأ لأنها فرقة من جهتها والطلاق لا يكون إلا من جهة الزوج فأشبهت الفرقة بالإسلام والفسخ بالجنون.
فصل:
فإذا تقرر أنه فسخ وليس بطلاق فلا مهر لها ولا عدة عليها.
وقال أبو حنيفة ومالك: لها المهر وعليها العدة هذا عندنا ليس بصحيح لا يكمل المهر ويوجب العدة بالإصابة ولم يكن العنين الإصابة ولا يستحق نصف المسمى ولأن المتعة لم تكن مسمى لأنه فسخ من جهتها فأسقط مهرها ومتعتها والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ: "فَإِنْ أَقَامَتْ مَعَهْ فَهُوَ تَرْكٌ لِحَقِّهَا".
قال في الحاوي: قد مضي الكلام في الفسخ لأنه لا يصح إلا بشرطين:
أحدهما: انقضاء السنة.
والثاني: حكم الحاكم.
فأما الرضي فهو اختيار المقام فلا يتفتقر إلى حكم لأنه يقيم بعقد سابق, ولا يفتقر إلى حكم فلم يكن المقام عليه مفتقرًا إلى حكم وهل يفتقر الرضي في لزومه إلى انقضاء الأجل أم لا؟ هذا وجهان:
أحدهما: يفتقر الرضي إلى انقضاء الأجل فإن رضيت قبل انقضائه لم يلزم لأن الرضي إنما يكون بعد استحقاق الفسخ وهي قبل انقضاء الأجل لم يستحق الفسخ فلم يلزمها بالرضي كالأمة إذا رضيت من زوجها قبل عتقها لم يلزمها الرضي بوجوده قبل استحقاق الفسخ.
والثاني: أنه لا يفتقر إلى انقضاء لأجل ويصح الرضا قبله وبعده لأن الأجل مضروب لظهور العنة فكانت الرضى بها مبطلًا للأجل المضروب لها وإذا بطل الأجل لزم العقد.
والرضى إن كان في غير مجلس الحاكم لأنه لا يكون إلا بصريح القول وكان أيضًا بأن يعرض الحاكم عليها الفسخ ولا تختار فيكون تركها للاختيار للفسخ رضا منها بالمقام والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ: "فَإِنْ فَارَقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ رَاجَعَهَا فِي العِدَّةِ ثُمَّ سَأَلَتَ أَنْ يُؤَجٌلَ لَمْ يَكُنْ ذَلِك لَهَا, قَالَ المُزَنِيُّ: وَكَيْفَ تَكُونِ عَلَيْهَا عِدَّةٌ وَلَمْ تَكُنْ إصَابَةٌ وَأَصْلُ قَوْلِهِ لَوِ اسْتَمْتَعَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَقَالَتْ: لَمْ يُصِبْنِي وَطَلَّقَ فَلَهَا نِصْفُ المَهْرِ وَلاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا".
قال في الحاوي: وصورتها في عنين أجل لزوجته ثم رضيت بعد الأجل بعنته فطلقها ثم راجعها في العدة فسألت بعد رجعته أن يؤجل لها ثانية لم يجز لأن المرتجعة زوجة بالنكاح الأول وقد أجُل فيه مدة فرضيت فلم يجز أن يؤجل ثانية لأنه عنت إذا رضيت به في نكاح لزم كما يلزمها إذا رضيت بجبه وجنونه وهو بخلاف الإعسار بالنفقة إذا رضيت به في نكاح ثم عادت فيه تطلب الفسخ كان لها لأن الإعسار ليس يلزم وقد ينتقل منه إلى يسار كما ينتقل من يسار إلى إعسار وخالف العنة التي ظاهر حالها الدوام.
فأما المزني فإن اعترض على الشافعي في هذه المسألة اعتراضًا موجهًا فقال: قد تجتمع الرجعة والعنة في نكاح واحد وهو إن وطئها يثبت الرجعة في نكاح واحد وسقطت العنة وإن لم يطأ ثبتت العنة وبطلب الرجعة والعنة فاختلف أصحابنا في الجواب فيه على ثلاث طرق:
أحدها: وهو قول أبي حامد المروروزي: أن المسألة خطأ من الناقل لها عن الشافعي رحمه الله فنقل ما ليس من قوله أو سها عن شرط زيادة جل من نقله فأوردها المزني كما وجدها في النقل لها عن الشافعي واعترض عليها هو بما هو صحيح متوجه.
والثاني: أن الشافعي فرع هذه المسألة في الجديد على مذهبه في القديم أن الخلوة يكمل بها المهر ويجب بها العدة.
فصحت معها الرجعة ولم يسقط بها حكم العنة وهذا الجواب غير سديد من وجهين:
أحدهما: أن تفرعه في كل زمان إنما هو على موجب مذهبه فيه فلا يصح أن يفرع في الجديد على مذهب قد تركه وإن كان قائلًا به في الجديد.
والثاني: أن أبا حامد المروروزي قال: وحدث الشافعي في القديم: أن الخلوة يكمل بها المهر ولا يجب بها العدة فبطل أن يصح معها الرجعة.
والثالث: وهو جواب الأكثرين من أصحابنا أنه قد يمكن على مذهب الشافعي رضي الله عنه في الجديد أن تجب العدة وتصح الرجعة ولا يسقط حكم العنة وذلك من وجوه:
أحدها: أن يطأ في الدبر فيكمل به المهر ويجب به العدة وتصح فيه ولا يسقط حكم العنة.
والثاني: أن يطأ في القبل فيغيب بعض الحشفة ويترك ماءه فيه فتجب به العدة ويكمل به المهر ولا يسقط حكم العنة لأنه إنما سقط بتغيب جميع الحشفة.
والثالث: إن استدخل ماءه من غير وطء, فيجب به العدة ويستحق معه الرجعة ولا يسقط به العنة وفي هذا عندي نظر لكن قد قاله أصحابنا وفرعوا عليه فقالوا: لو أنزل قبل نكاحها واستدخله بعد نكاحها لم تعتد منه, لأنها في حال الإنزال لم تكن زوجة وإن صارت وقت الإدخال زوجة فإنما أوجبوه فيه العدة وألحقوا منه الولد إذا كانت في حالتي إنزاله واستدخاله زوجة.
فصل:
فأما إذا طلقها بعد لأجل والرضا طلاقًا أبانت منه ثم استأنف نكاحها بعقد جديد فسألت: أن تؤجل فيه العنة ففيه قولان:
أحدهما: قاله في القديم لا يجوز أن يؤجل لها ثانية وإن كان في عقد ثانِ كما لا يجوز في نكاح واحد وهكذا لو أنها فسخت نكاحه الأول بالعنة من غير طلاق ثم تزوجته لم يؤجل لها في النكاح الثاني لأن علمها بعنته كعلمها بجذامه وبرصه وهي لا تجوز إذا نكحته بعد العلم به أن تفسخ فكذلك في العنة.
والثاني: قاله في الجديد: أنه يؤجل لها في النكاح الثاني لأن لكل عقد حكم بنفسه وليست العنة من العيوب اللازمة وقد يجوز زوالها فجرى مجرى الإعسار بالنفقة التي يرجى زوالها ويعود استحقاق الفسخ بها ولكن لو أصابها في النكاح الأول فسقط بإصابته حكم العنة ثم طلقها فتزوجها ثم حدثت به العنة في النكاح أجل لها قولًا واحدًا لأن حكم عنته الأولى قد ارتفع بإصابته فصارت مستأنفة لنكاح من ليس بعنين فإذا ظهرت به العنة أجل, والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَتْ لَمْ يُصِبْنِي وَقَالَ: قَدْ أَصَبُتُهَا فَالقَوْلُ قَوْلُهُ لأَنَّهَا تُرِيدُ
فَسْخَ نِكَاحِهَا وَعَلَيْهِ اليَمِينٌ فَإِنْ تَكَلَ وَحَلَفَتْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا أُرِيهَا أُرْبَعًا مِنَ النِّسَاءِ عُدُولًا وَذَلكَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهَا فَإِنْ شَاءَ أَحْلَفَهَا ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ نَكَلَتْ وَحَلَفَ أَقَامَ مَعَهَا وَذَلِكَ أَنَّ العَذْرَةَ قَدْ تَعُودُ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الخِبْرَةِ بِهَا إِذَا لَمْ يُبَالِغْ فِي الإِصَابَةِ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يختلف الزوجان في الإصابة بعد أجل العنة فتقول الزوجة: لم يصيبني فلي الفسخ ويقول الزوج: قد أصبتها فلا فسخ لها فلا يخلو حالها من أحد الأمرين:
إما أن تكون بكرًا أو ثيبًا فإن كانت ثيبًا فالقول قول الزوج في الإصابة مع يمينه ولا خيار لها لأنه ثبوت النكاح يمنع من تصديق قولها في فسخه فإن حلف سقط خيارها وإن نكل ردت اليمين عليها فإن حلفت كان لها الخيار وفرق بينهما وإن نكلت فلا خيار لها والنكاح بحاله وهذا قول الفقهاء:
وقال مالك والأوزاعي: يؤمر الزوج بمعاودة خلوتها ويقربهما وقت الجماع امرأة ثقة.
وقال الأوزاعي: امرأتان فإذا خرج من خلوتهما نظر فرجها وإن كان ماء الرجل كان القول قوله وإن لم يكن كان القول قولها وهذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن اختلافها في إصابة تقدمت فلم يدل عليها ما حدث بعدها.
والثاني: أن وجود الماء وعدمه لا يدل على وجود الإصابة وعدمها لأنه قد ينزل ولا يولج وقد يولج ولا ينزل وحقها متعلق بالإيلاج دون الإنزال.
وحكي أن امرأة ادعت عنه رجل عند سمرة بن جندب واختلف في الإصابة فكتب بها إلى معاوية يسأله عنها فكتب إليه معاوية.
زوجة امرأة ذات جمال وحسن توصف بدين وستر وسبق إليها مهرها من بيت المال لتختبر حاله.
ففعل سمرة ذلك.
فقالت المرأة: لا خبر عنده قال سمرة: ما دنى قالت: بلى ولكن إذا دنى شره أي أنزل قبل الإيلاج وهذا مذهب لمعاوية وليس عليه دليل ولا له في الأصول نظير وقد يجوز أن يكون الرجل عنينًا في وقت وغير عنين في وقت.
فإن قيل: فإذا بطل هذان المذهبان كان مذهبهم أبطل من وجهين:
أحدهما: أنكم قبلتم به قول المدعي دون المنكر والشرع أراد بقبول المنكر.
والثاني: أنه لو ادعى إصابة المطلقة ليرجعها وأنكرته كان القول قولها دونه فهلا كان في العنة كذلك لأن الأصل الإصابة.
قيل: الجواب عن هذا أن ما ذكرناه من العلة في قبول قوله يدفع هذا الاعتراض وهو أن الأصل ثبوت النكاح وهي تدعي بإنكار الإصابة استحقاق فسخه فصارت هي مدعية وهو منكر فكان مصير هذا الأصل يوجب قبوله قوله دونهما على أن ما تعذر إقامة البينة فيه جاز أن يقبل فيه قول مدعيه إذا كان معه ظاهر بقتضيه كاللوث في دعوى القتل.
فأما دعواه الإصابة في الرجعة فالفرق بينهما وبين دعوى الإصابة في العنة من وجهين:
أحدهما: أن دعوى الإصابة في الرجعة تنفي ما أوجبه الطلاق من التحريم ودعوى الإصابة في العنة تثبت ما أوجبه النكاح في اللزوم فافترقا.
والثاني: أنه ادعى الإصابة في العنة مع بقاء نكاحه فصار كالمدعي لما في يده ودعواه الإصابة في الرجعة بعد زوال نكاحه صار كالمدعي لما في يده غيرها فافترقا.
فصل:
وإن كان بكرًا إما أن يعترف بها بالبكارة وإما أن ينكرها ويشهد بها أربع نسوة عدول فيكون القول قولها في إنكار الإصابة لأن البكارة ظاهرة تدل على صدقها فزالت عن حكم الثيب التي لا ظاهر معها.
فإن قيل: أفله أحلافها؟ قيل: إن لم يدع عود بكارتها فلا يمين عليها إن ادعى عود البكارة بعد زوال العذرة فإذا لم يبالغ الإصابة فتصير هذه الدعوى محتملة وإن خالفت الظاهر فيكون القول قولها مع يمينها فإن حلفت حكم لها بالفرقة وإن نكلت ردت اليمين عليه فإن حلف سقط حقها من الفرقة بالفرقة وإن نكلت ردت اليمين عليه فإن حلف سقط حقها من الفرقة بالفرقة وإن نكل عنها ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل قولها إذا نكل وإن لم يحلف ويحكم لها بالفرقة كما لو ادعى وطئها وهي ثيب ونكل عن اليمين عليها فنكلت حكم بقوله في سقوط العنة وإن لم يختلف.
والثاني: وهو الأظهر أنه لا يقبل قولها بغير يمين مع نكول الزوجة.
والفرق بينهما: أن الزوج يستصحب لزوم متقدم جاز أن يقبل قوله فيه والزوجة تستحل حدوث فسخ طارئ فلم يقبل قولها فيه, والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلِلْمَرْأَةِ الخِيَارُ فِي المَجْبُوبِ وَغَيِرْ المَجْبُوبَ مِنْ سَاعَتِهَا؛ لَأنَّ المَجْبُوبِ لَا يُجَامِعُ أَبَداٌ وَالخَصِيَّ نَاقِصٌ عَنْ الرِّجَالِ وَإِنْ كَانَ لَهُ ذَكَرٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلِمَتْ فَلَا خَيَارَ لَهَا".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أنه إذا كان الزوج مجبوب فلها الخيار وإن كان خصيًا فعلى قولين, فإذا كان كذلك فلها الخيار في المجبوب من ساعته ولا يؤجل لها لأنه مأيوس من جماعه فلم يكن للتأجيل تأثير وخالف المرجو جماعه والمؤثر تأجيله فلو رضيت بجبه ثم سألت أن يؤجل للعنة لم يجز لتقدم الرضي بعنته, وأما الخصي فإن قبل بأن الخصاء يوجب الخيار في أحد القولين فلها أن تتعجله من غير تأجيل كالمجبوب.
وإن قيل: لا خيار لها في القول الثاني أو قيل: لها الخيار فاختارت المقام ثم سألت تأجيله للعنة أجل بخلاف المجبوب لأن الإصابة من الخصي ممكنة ومن المجبوب
غير ممكنة فافترقا في تأجيل العنة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ لَمْ يُجَامِعُهَا الصَّبِيُّ أُجِّلَ.
قَالَ المُزَنِيُّ مَعْنَاهُ عِنْدِي صَبِيُّ قَدْ بَلَغَ أَنْ يُجَامِعَ مِثُلُهُ".
قال في الحاوي: وهذه مسألة وهم المزني في نقلها فقال: ولو لم يجامعها أجل وهذا هم منه لأن الشافعي قال: ولو لم يجامعها الخصي أجل.
وقد نقله الربيع في كتاب "الأم" على هذا الوجه فعدل بالمسألة عن الخصي إلى الصبي إما لتصحيف أو لسهو الكاتب.
وإما زلة في التأويل فإنه قال معناه عندي: "صبي قد بلغ أن يجامع مثله".
والصبي لا يصح عنته سواء راهن فأمكن أن يجامع أو كان غير مراهق لا يمكنه أن يجامع لأمرين:
أحدهما: أن غير البالغ عاجز بالصغر دون العنة فلا يدل عجزه على عنته.
والثاني: أنه لا يعرف عنته إلا بإقراره وإقراره غير مقبول ما لم يبلغ وانتفي عنه من هذين الوجهين أن يجري عليه حكم العنة وإذا كان كذلك بأن المراد هو الخصي وقد ذكرناه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ كَانَ خُنْثَى يَبُولُ مِنْ حَيْثُ يَبُولِ الرَّجُلُ فَهُوَ رَجُلٌ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةْ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ تَبُولُ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ المَرْأَةُ فَهِيَ امْرَأَةٌ تَتَزَوَّجُ رِجُلًا وَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا لَمْ يُزَوَّجْ, وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ فَأَيَّهُمَا شِئْتَ أَنْكَحْنَاكَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَا يَكُونُ لَكَ غَيْرُهُ أَبَدًا.
قَالَ المُزَنِيُّ: فَبِأَيَّهِمَا تَزَوَّجَ وَهُوَ مُشْكِلٌ كَانَ لِصَاحِبِهِ الخِيَارُ لِنَقْصِهِ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الخَصِيِّ لَهُ الذِّكَرُ أَنَّ لَهَا فِيهِ الخِيَارُ لِنَقْصِهِ".
وقال في الحاوي: أما الخنثى فهو الذي له ذكر رجل وفرج امرأة, فالذكر مختص بالرجل والفرج مختص بالمرأة وليس يخلو مشتبه الحال أن يكون رجلًا أو امرأة, قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8)﴾ [النبأ:8] يعني ذكورًا وإناثًا فإذا جمع الخنثى بين آلة الذكر والأنثى وجب أن يعتبر ما هو مختص بالعضوين وهو البول؛ لأن الذكر مخرج بول الرجل والفرج مخرج بول المرأة فإن كان يبول من ذكره وحده فهو رجل والفرج عضو زائد وإن كان يبول من فرجه فهي امرأة والذكر عضو زائد.
وروى الكلبي عن صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي له ماء الرجل وماء النساء: إنه يورث من حيث يبول.
وقضى علي بن أبي طالب في العراق بمثل ذلك
في خنثى رفع إليه.
فإن كان يبول منهما جميعًا فعلى أربعة أقسام:
أحدها: أن يسبق أحدهما وينقطعا معًا فالحكم للسابق لقوته
والثاني: أن يخرجا معًا وينقطع أحدهما قبل الآخر فالحكم للمتأخر لقوته.
والثالث: أن يسبق خروج أحدهما ويتأخر انقطاع الآخر فالحكم لأسبقهما خروجًا وانقطاعًا لأن البول يسبق إلى أقوى مخرجيه.
والرابع: أن يخرجا معًا وينقطعا معًا ولا يسبق أحدهما الآخر فهو أربعة أقسام:
أحدهما: أن يستويا في القدر والصفة.
والثاني: أن يختلفا في القدر ويستويا في الصفة.
والثالث: أن يختلفا في الصفا ويستويا في القدر.
والرابع: أن يختلفا في القدر والصفة.
فأما الأول: وهو أن يستويا في القدر والصفة فلا بيان فيه.
وأما الثاني: وهو أن يختلفا في القدر دون الصفة فيكون أحدهما أكثر من الآخر ففيه قولان:
أحدهما: أن يكون الحكم لأكثرهما وهو قول أبي حنيفة تغليبًا لقوته بالكثرة, وقد حكماه المزني في جامعه الكبير.
والثاني: أنهما سواء وهو قول أبي يوسف؛ لأن اعتبار كثرته شاق وقد قال أبو يوسف ردًا على أبي حنيفة حيث اعتبر كثرته: أفيكال أذن.
وأما الثالث: وهو أن يختلفا في التزريق والشرشرة فقد اختلف أصحابنا في اعتباره على وجهين:
أحدهما: أن يعتبر فإن تزريق البول للرجل والشرشرة للنساء.
وقد روي عن جابر أنه سئل عن خنثى فقال: أدنوه من الحائط فإن زرق فذكر, وإن شرشر فأنثى.
والثاني: أن لا اعتبار به لأن هذا قد يكون من قوة المثانة وضعفها.
وأما الرابع: فهو أن يختلفا في القدر والصفة فينظر فيهما فإن اجتمعا في أحد العضوين فكان التزريق مع الكثرة في الذكر أو كانت الشرشرة مع الكثرة في الفرج كان ذلك بيانًا يزول به الإشكال وإذا اختلفا كانت الشرشرة في الفرج والكثرة في الذكر أو بالعكس فلا بيان فيه لتكافؤ الإمارتين.
فصل:
فأما إذا لم يكن في المبال بيان إما عند تساوي أحوالهما وإما عند إسقاط فاختلف فيه من القدر والصفة فقد اختلف أصحابنا هل يعدل إلى اعتبار عدد الأضلاع أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يعتبر عدد الأضلاع فإن أضلاع المرأة تتساوى من الجانب الأيمن والجانب الأيسر, وأضلاع الرجل تنقص من الجانب الأيسر ضلع لما حكي أن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم الأيسر فلذلك نقص من أضلاع الرجل اليسرى ضلع ومن أجل ذلك قيل للمرأة ضلع أعوج وقد قال الشاعر:
هِيَ الضُلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتُ تُقِيمُهَا أَلَا إَنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُهَا
أَيجْمَعُهُنَّ ضَعْفًا وَاقْتِدارًا عَلَى الهَوَى أَلَيْسَ عَجِيبٌ ضَعْفَهَا وَاقْتِدِارِهَا
وتوجيه هذا الوجه في اعتبار الأضلاع الأثر المروي عن علي رضي الله عنه أن أمر قنبرًا وبرقاء وهو مولياه أن يعدا أضلاع خنثى مشكل, فإن استوت أضلاعه من جانبيه فهي امرأة, إن نقصت اليسرى ضلع فهو رجل.
والثاني: هو قول الأكثرين من أصحابنا أنه لا اعتبار بالأضلاع, لأن النبي صلى الله عليه وسلم عدل عنها إلى الاعتبار بالميال وهو ألزم حالًا من المبال, وأقوى لو كان بها اعتبار لما جاز العدول عنها إلى المبال الذي هو أضعف منها وليس الأثر المروي فيه عن علي ثابتًا.
وقد قال أصحاب التشريح من علماء الطب: إن أضلاع الرجل والمرأة متساوية من الجانبين أنها أربعة وعشرون ضلعًا من كل جانب منها اثنا عشر ضلعًا وقد أضيف إلى هذا الأثر مع ما يرفعه ويرده إلى المشاهدة خرافة مصنوعة تمنع منها العقول وهو أن رجلًا تزوج خنثى على صداق أمة وأنه وطأ الخنثى فأولدها ووطأ الخنثى الأمة فأولدها فصار خنثى أمً وأبًا فرفع إلى علي كرم الله وجهه فأمر بعد أضلاعه فوجدت مختلفة ففرق بينهما وهذا مدفوع ببداهة العقول.
فصل:
فأما مماثلة الرجال في طباعهم وكلامهم ومماثلة النساء في طباعهن وكلامهن فلا اعتبار به لأن في الرجال مؤنث وفي النساء مذكر وكذلك اللحية لا اعتبار بها لأن في الرجال من ليس له لحية وفي النساء من ربما هرج لها لحية على أنه قد قل من يبقى بعد البلوغ إشكال.
فصل:
فأما المني والحيض فإن اجتمع له إنزال المني ودم الحيض فهو على أربعة أقسام:
أحدها: أن يخرجها من فرجه فتكون امرأة ويكون كل واحد منهما إمارة تدل على
زوال إشكاله
والثاني: أن يخرجا من ذكره فيزول إشكاله بالإنزال وحده ويكون رجلًا ولا يكون الدم حيضًا.
والثالث: أن يكون الدم من ذكره وخروج المني من فرجه فتكون امرأة لأن إنزال المني من الفرج دليل وخروج الدم من الذكر ليس بدليل.
والرابع: أن يكون خروج المني من ذكره وخروج الحيض من فرجه ففيه لأصحابنا ثلاثة أوجه:
أحدها: يغلب حكم الحيض ويحكم بأنه امرأة لأن الحيض لا يكون إلا من النساء, والمني يكون من الرجال والنساء.
والثاني: يغلب حكم المني ويحكم بأنه رجل لأن الدم ربما كان من مرض ولم يكن حيض.
والثالث: أنه على إشكاله ليس في واحد منهما بيان لتقابلهما والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا فلا يخلو حال الخنثى من أحد أمرين:
إما أن يزول إشكاله أو لا يزول فإن زال إشكاله بما ذكرنا من أحد الأسباب المعتبرة فيه أجرى عليه حكم ما بان عليه فإن كان رجلًا أجرى عليه حكم الرجال في جميع أحواله من النكاح والولاية والشهادة والدية والميراث وزوج امرأة وهل لها الخيار لزيادة فرجه أم لا؟ على قولين ذكرناهما.
وقال بعض أصحابنا مذهبًا ثالثًا أنه إن زال إشكال لأنه يبول من ذكره دون فرجه فلا خيار لها للقطع بأنه رجل وإن زال إشكاله لسبق بوله من ذكره ولكثرته منه فلها الخيار لأنه اجتهاد غير مقطوع به وأنه ربما نقضه بعض الحكام وأعاده إلى حال الإشكال.
وإن بان امرأة أجري عليه أحكام النساء في النكاح والشهادة والولاية والدية والميراث وزوجت رجلًا وهل له الخيار لزيادة ذكرها أم لا؟ على قولين ذكرناهما:
أحدهما: لا خيار له.
والثاني: له الخيار.
ومن أصحابنا من خرج مذهبًا ثالثًا أنه إن زال إشكالها لبولها من فرجها وحده فلا خيار له وإن زال لسبوقه منه أو كثرته فله الخيار كما ذكرناه في الرجل.
فصل:
وإذا كان على إشكاله لم يجز أن يزوج قبل سؤاله واختياره فإن تزوج رجلًا كان النكاح باطلًا لجواز أن يكون امرأة فإن بان رجلًا لم يصح لتقدم فساده, وإذا كان كذلك
ولم يبق ما يعتبر من أحواله غير سؤاله عن طباعه الجاذبة له إلى أحد الجنسين سئل عنها للضرورة الداعية إليها كما تسأل المرأة عن حيضها فيرجع فيه إلى قولها فإن قال: أرى طبعي يحدثني إلى طبع النساء وينفر من طبع الرجال عمل على ما أخبر به من طبعه في أصل الخلقة لا على ما يظهر من تأنيث كلامه أو تذكيره لأن في الرجال وقد يكون مؤنثًا يتكلم بكلام النساء والمرأة قد تكون مذكرة تتكلم بكلام الرجال.
قال: ولا يعمل على ما يشتهيه فإن الرجل قد يشتهي الرجل والمرأة قد تشتهي المرأة وإنما الطباع المذكورة في أصل الخلقة والقائمة في نفس الجبلة النافرة مما اعتادتها بغير تصنّع هي المعتبرة ويكون قوله هو المقبول إذ قد عدم الاستدلال بغير قوله كالمرأة التي تقبل قولها في حيضها وطهرها.
وإذا كان كذلك قيل له: أخبرنا عن طبعك فإذا قال: يجذبني إلى طباع النساء قبل قوله بغير يمين لأنه ليس فيه حق لغيره فيحلف عليه لأنه لو رجع لم تقبل منه وحكم بأنه امرأة وزوج رجلًا فإن عاد بعد ذلك فقال: قد استمال طبعي إلى طباع الرجال لم يقبل منه وكان على الحكم بما تقدم من كونه امرأة وعقد النكاح على صحته وإذا علم الزوج بأنه خنثى فله الخيار هاهنا قولًا واحدًا لأن الإشكال لم يزل إلا بقوله الذي يجوز أن تكون فيه كما ذكرنا وكان أسوأ حالًا ممن زال إشكاله بأسباب غير كاذبة ولو كان قد قال هذا الخنثى حين سئل عما يجذبه طبعه إليه أرى طبعي يجذبني إلى طباع الرجال حكم بأنه رجل وقبل قوله في نكاحه وفيما أخبر به من جميع أحكامه وهل يقبل قوله فيما اتهم فيه من ولايته وميراثه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا يقبل منه لتهمته فيه وحكاه الربيع عنه.
والثاني: وهو المشهور في أكثر كتبه أنه يقبل منه لأن أحكامه لا تتبعض فيجري عليه في بعضها أحكام الرجال وفي بعضها أحكام النساء وإذا جرى عليه حكم النساء في شيء أجرى عليه أحكام النساء في كل شيء وإذا جرى عليه حكم الرجال في شيء أجرى عليه حكم الرجال في كل شيء وإذا حكم بأنه رجل زوج امرأة ولم يقبل منه الرجوع إذا علمت المرأة بحاله فلها الخيار في فسخ نكاحه قولًا واحدًا, والله أعلم بالصواب.
باب الإحصان الذي به يرجم من زنى
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "فَإِذَا أَصَابَ الحُرُّ البَالِغُ أَوْ أُصِيبَتْ الحُرَّةُ البَالِغَةُ فَهُوَ إِحْصَانٌ فِي الشِّرْكِ وَغَيْرِهِ؛ لأَنَّ النَبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا فَلَوْ كَانَ المُشْرِكُ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا لمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لمَّا رَجَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ مُحْصَنٍ".
قال في الحاوي: أما الإحصان في اللغة فهو المنع يقال: قد أحصنت المرأة فرجها إذا امتنعت من الفجور قال الله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: 91] أي منعته ويقال: مدينة حصينة أي منيعة قال الله تعالى: ﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: 14] أي ممنوعة.
ويقال: امرأة حصان, إذا امتنعت من الفجور, وفرس حصان إذا امتنع به راكبه, ودرع حصن إذا امتنع بها لابسها, فسميت ذات الزوج محصنة؛ لأن زوجها قد حصنها ومنعها, وإذا كان هكذا فالحصانة في النكاح اسم جامع لشروط مانعة إذا تكاملت كان حد الزنا فيها الرجم دون الجلد لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
والشروط المعتبرة في الحصانة أربعة:
أحدها: البلوغ الذي يصير به ممنوعًا مكلفًا.
والثاني: العقل لأنه مانع من القبائح موجب لتكليف العبادات.
والثالث: الحرية التي تمنع من البغاء والاسترقاق, وأن كمال الحد فعل يمنع منه نقص الرق.
والرابع: الوطء في عقد نكاح صحيح لأنه يمنع من السفاح وقد قال الله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: 24] أي متناكحين غير مسافحين.
فأما الإسلام فليس بشرط في الحصانة.
فإذا تكاملت هذه الشروط الأربعة في مسلم وكافر رجم إذا زنا.
وقال مالك وأبو حنيفة: الإسلام شرط معتبر في الحصانة ولا يرجم الكافر إذا زنا استدلالًا بما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "لا إحصان في الشرك".
وروي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن".
وروي أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنها لا تحصنك", ولأن الإحصان منزلة كمال وتشريف يعتبر فيها نقص نقص الرق فكان بأن يعتبر فيها نقص الكفر أولى ولأنه لما كان الإسلام معتبرًا في حصانة القذف حتى لم يحد من قذف كافرًا وجب أن يعتبر في حصانة الحد حتى لا يرجم الكافر إذا زنا ودليلنا ما روى الشافعي عن مالك بن نافع عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجم يهوديين زنيا والرجم لا يجب إلا على محصن فدل على أنهما محصنان.
فإن قيل: فإنما رجمهما بالتوراة ولم يرجمهما بشريعته لأنه أحضر التوراة عند رجمهما فلما ظهرت فيها آية الرجم تلوح رجمهما حينئذٍ.
قيل: لا يجوز أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى وقد قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49] وإنما أحضر التوراة لأنه أخبرهم بأن فيها آية الرجم فأنكروا فأحضرها لإكذابهم.
فإن قيل: فيجوز أن يكون هذا قبل أن صار الإحصان شرطًا في الرجم فعنه جوابان:
أحدهما: أنه ليس يعرف في الشرع وجوب الرجم قبل اعتبار الحصانة فلم يجز حمله عليه.
والثاني: أنه قد روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجم يهوديين أحصنا, فأبطلت هذه الرواية هذا التأويل.
ومن طريق القياس: أن كل من وجب عليه بالزنا حد كامل فوجب أن يكون بالوطء في النكاح محصنًا كالمسلم ولأن كل قتل وجب على المسلم بسبب وجب على الكافر إذا لم يقر على ذلك السبب كالقود.
وقولنا: إذا لم يقر على ذلك السبب احترازًا من تارك الصلاة فإنه يقتل إذا كان مسلمًا لأنه لا يقر ولا يقتل إذا كان كافرًا لأنه يقر ولأن الرجم أحد حدّي الزنا فوجب أن يستوي فيه المسلم والكافر كالجلد ولأنه لما استوى في حد الزنا حكم العبد المسلم والكافر وجب أن يستوي فيه حد الحر المسلم والكافر.
فأما الجواب عن الخبرين الأولين فمن وجهين:
أحدهما: حمله على حصانة القذف دون الرجم.
والثاني: لا حصانة تمنع من استباحة قتلهم وأموالهم لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إلاه إلا الله, فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وإما الجواب عن حديث حذيفة فهو أن لا يجوز حمله على حصانة الزنا لأنه لا يصح من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول لمن وثق بدينه من أصحابه وحذيفة قد كان موثوقًا بديته أنك متى زنيت تحت هذه اليهودية لم ترجم وإنما معنى قوله: "لا تحصنك" أي لا تتعفف بك عما تتعفف المسلمة.
وأما اعتبارهم ذلك بحصانة القذف.
فالفرق بينهما: أن حد الزنا حقّ الله تعالى فجاز أن يستوي فيه المسلم والكافر وحدّ القذف من حقوق الآدميين فجاز أن يفرق فيه المسلم والكافر كالدية.
وأما استدلالهم بأنه لما اعتبر في سقوط الرجم نقص الرق اعتبر فيه نقص الكفر فالجواب عنه أنه لما كان نقص الرق معتبرًا في الحد الأصغر كان معتبرًا في الحد الأكبر
ولما كان نقص الكفر غير معتبر في الحد الأصغر كان غير معتبر في الحد الأكبر وافترقا والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر أن الإسلام غير معتبر في شروط الحصانة فالكلام فيها مشتمل على ثلاثة فصول:
أحدهما: في نكاح الحصانة.
الثاني: في وطء الحصانة.
والثالث: في زمان الحصانة.
فأما نكاح الحصانة النكاح الصحيح الذي يجوز أن يقيم عليه الزوجان بولي وشاهدين فأما المتعة والمناكح الفاسدة فلا توجب الحصانة لأن الحصانة لاعتبار الحرية فيها أغلظ مشروطًا من إحلال المطلق للأول لأن الحرية لا يعتبر فيها ثم ثبت أن المناكح الفاسدة لا تحل فكان أولى لأن لا تحصن والأوجه لما قال أبو ثور: من أنها تحصن وكذلك التسري بملك اليمين لا يحصن كما لا تحل المطلقة للمطلق وأما وطء الحصانة فهو تغييب الحشفة في الفرج سواء كان معه إنزال أو لم يكن فإنه تلذذ بما دون الفرج أو وطء في السبل المكروه لم يتحصنا كما لا يسقط به حكم العنة لأنه وطء مقصود في الشرع فلم يتعلق إلا بالفرج كالإحلال للمطلق.
فصل:
وأما زمان الحصانة فهو الوقت الذي يكون فيه الوطء مثبتًا للحصانة ولا يخلو حالهما وقت الوطء من أربعة أقسام:
أحدها: أن يكونا كاملين.
والثاني: أن يكونا ناقصين.
والثالث: أن يكون الزوج كاملًا والزوجة ناقصة.
والرابع: أن يكون الزوج ناقصًا والزوجة كاملة.
فأما القسم الأول: وهو أن يكون كاملين فكمالهما يكون بالبلوغ والعقل والحرية, فإذا كانت في وقت الوطء بالغين عاقلين حرين صارا جميعًا به محصنين سواء عقد النكاح بينهما في حال الكمال أو قبله وسواء بقي العقد بينهما أو ارتفع قد ثبت الحصانة بوطْ المرأة الواحدة فأيهما زنا رجم.
أما القسم الثاني: وهو أن يكونا ناقصين ونقصانهما أن يكونا صغيرين أو مجنونين أو مملوكين فلا يكونا بالوطء ومحصنين ما كانا على الصغر والجنون والرق فإن بلغ الصغيران وأفاق المجنونان وعتق المملوكان فهل يصير بالوطء المتقدم أم لا على وجهين:
أحدهما: أنهما قد صارا محصنين لأنه قد ثبت به أحكام الوطء وفي النكاح من كمال المهر ووجوب العدة وتحريم المصاهرة والإحلال للمطلق فكذلك الحصانة فإذا زنيا رجما لتقدم الشرائط على الزنا.
والثاني: وهو مذهب الشافعي أنهما لا يصيرا به محصنين حتى يستأنفا الوطء بعد كمال البلوغ والعقل والحرية لأن هذا الوطء يوجب الكمال فوجب أن يراعى وجوده في أكمل الأحوال ولأنه لما لم يثبت الحصانة في وقت لم يثبتها بعد وقته وبهذا خالف ما سواها من الإحلال وتحريم المصاهرة وكمال المهر ووجوب العدة لثبوتها به في وقته وبعد وقته ثم هكذا لو كان نقص الزوجين مختلفين فكان أحدهما صغيرًا والآخر مجنونًا أو كان أحدهما مملوكًا والآخر صغيرًا أو مجنونًا فوطئا لم يصيرا في الحال محصنين وهل يصيران بعد الكمال محصنين أم لا على وجهين:
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الزوج كاملًا والزوجة ناقصة فكمال الزوج أن يكون بالغًا عاقلًا حرًا ونقصان الزوجة أن تكون صغيرة أو مجنونة أو مملوكة أو تجمع نقص الصغر والجنون والرق فقد صار الزوج بذلك محصنًا إذا كانت الصغيرة التي وطئها ممن يجوز أن توطأ مثلها فإن كانت ممن لا يجوز أن توطأ مثلها لم يتحصن بوطئها فأما الزوجة فلا تكون محصنة بهذا الوطء في النقصان بالصغر والجنون والرق فإذا كملت بالبلوغ والعقل والحرية فهل تصير محصنة أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين:
وقال أبو حنيفة: إذا كان أحدهما: ناقصًا لم يحصنا معًا في الحال ولا في أي حال حتى يكون الكمال موجودًا فيهما حال الوطء وهذا خطأ؛ لأن موجب الحصانة أن يختلف بها حدّ الزنا فيجب الرجم على المحصن والجلد على غير المحصن ولو اختلف حالهما وقت الزنا فكان أحدهما محصنًا والآخر غير محصن رجم المحصن وجلد غير المحصن ولم يكن لاختلافهما تأثير في حصانة أحدهما دون الآخر كذلك اختلافهما في وقت الوطء في النكاح لا يمنع من أن يصير به أحدهما محصنًا دون الآخر.
وأما القسم الرابع: وهو أن يكون ناقصًا والزوجة كاملة ونقصان الزوج أن يكون صغيرًا أو مجنونًا أو مملوكًا أو يجمع نقص الصغر والجنون والرق فيطأ زوجة كاملة بالبلوغ والعقل والحرية فقد صارت بوطئه محصنة إذا كان الصغر ممن يوطء مثله فإن كان مثله لا يطأ لم تتحصن بوطئه فأما الزوج فلا يكون به محصنًا في حال نقصه وهل يصير به محصنًا بعد كماله أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين وعلى قول أبي حنيفة: لا يتحصن به واحد منهما والله أعلم بالصواب.
فأما الخنثى: إذا جعلناه رجلًا يتحصن بوطء امرأة ولا يتحصن لو وطئه رجل ولو جعلنا امرأة تحصن بوطء رجل ولا يتحصن لو وطأ امرأة ولو كان على حال إشكاله لم يتحصن بوطء رجل.
ولا بوطء امرأة ولا بوطء رجل وامرأة لأن نكاحه في حال إشكاله باطل بالحصانة لا تثبت بالوطء في نكاح باطل والله أعلم بالصواب.