بحر المذهب للرويانيصفحات 348-357

ولم يسأله بعد اللعان لأن حقه سقط به فلا تتجسس بعد ذلك.
مسألة: قال: "وقالَ في اللعانِ: وليسَ للإمام إذَا رمى رجلٌ أن يبعثَ إليهِ فيسألهُ عنْ ذلكَ لأن اللهَ تعالى يقول: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾.
فإن شبه على أحدٍ بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَ أنيسًا إلى امرأةٍ رجلٍ فقالَ: إنْ اعترفتْ فارجمها".
الفصل مقصود الشافعي من هذا الفصل أن يبين الفرق بين حديث العسيف وبين حديث شريك بن السحماء، والموضع الذي يحتاج فيه إلى الفرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلى شريك في المشهور من الرواية وبعث إلى المرأة في حديث العسيف أنيسًا وقال: واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.
ووجه الفرق ما أشار إليه الشافعي وهو أن تلك المرأة صارت مقذوفة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم به فأوجب لها حد إن لم يعترف بالزنا لأن والد العسيف قال: يا رسول الله إن ابني كان عسيفًا لهذا فزنا بامرأته فهذا قذف صريح وجب لها به حد وهي غير عالمة فكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعريفها لتطلب حدها، وإن لم يعترف الزنا لم يتمحض بعث أنيس إليها تجسسًا.
فأما شريك ابن السحماء [204/ ب] لو بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يستخبره أو يستحضره كان ذلك محض التجسس لأنه يسأل ليقام عليه حد الزنا إن اعترف، ولا يسأل ليقام على قاذفه حد القذف إن جحد، وكيف جحد قافذه وقد التعن، وفي اللعان إذا سمي المرمى به يسقط حد قذفه، وإن لم يسمه يسقط أيضًا في أحد القولين وبه أجاب في "الإملاء" حيث ذكر هذا الفصل وهذا الفرق.
ثم اعلم أن بعد هذا الفرق في سواد الكتاب نوعان من الإشكال وراء الفرق أحدهما: أن الشافعي أطلق لفظه فقال: وليس للإمام إذا رمي رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله؛ وهذا كيف يستقيم مع روايته أن امرأة رميت بالزنا فبعث إليها.
وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: إنما أراد الشافعي بهذا الإطلاق صورة مخصوصة وهي إذا رمى رجل رجلاً بامرأته وتلاعنا، أو أراد أن يلاعن؛ فليس للإمام في مثل هذا الموضع أن يبعث إلى المرمي، لأن المرمي لا يستحق حد القذف على الزوج الملاعن فالبعث إليه محض التجسس.
وقد قال الله: (وَلا تَجَسَّسُوا).
وإن كانت الصورة في غير الزوج الرامي فليبعث كما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنيسًا ولم يرد الشافعي بمطلق لفظة هذه الصورة.
والإشكال الثاني: في السواد أن الشافعي قد روى هاهنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل شريكًا فأنكر فلم يحلفه وهذا يرفع ما ادعى الشافعي أن مقذوف الزوج الملاعن لا سأل لأنه تجسس.
وإزالة هذا الإشكال بأن نقل كأن الرواية قد اختلف في حديث شريك ففي رواية لم يستحضر، وفي رواية أنه استحضر.
فقصد الشافعي الكلام على

إحدى الروايتين [205/ أ] أنه لم يستحضر ولم يبعث إليه ليسأله وفصل بالمعنى بين شريك وبين المرأة في حديث العسيف، فاستقام كلامه، وقوله فأما الرواية الثانية التي رويت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل شريكًا فأنكر لا يمكن استعمالها إلا على القول الذي يقول: يجب الحد على الملاعن إذا سمى الزاني ولم يذكره في اللعان.
ولعل العجلاني لم يذكره في اللعان فخرج من هذا الزوج إذا قذف زوجته برجل بعينه ثم لاعن ولم يسمعه في اللعان هل يبعث إليه ويستحضر؟ قولان مبنيان على أنه هل يستحق حدًا على الزوج ترك ذكره في اللعان؟ وفيه قولان؛ فإذا قلنا: لا يستحق حدًا لا يبعث إليه لأن البعث إليه محض التجسس.
وإذا قلنا: يستحق الحد يبعث إليه لما وجب له من الحد لا للتجسس على ما ذكرنا في امرأة العسيف.
وقيل: إذا تعين القاذف والمقذوف؛ لا يجوز للإمام أن يسأل المقذوف: هل زنا أم لا؟ ولكن هل يلزمه إعلام قاذفه لمطالبته بحده فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: يلزمه كما يلزمه إعلام ما ثبت عنده من أقواله وعلى هذا بعث أنيسًا إلى امرأة العسيف وهو الأظهر، والثاني: ليس عليه إعلامه لأن الحدود تدرأ بالشبهات وهذا اختيار أبي حامد.
والثالث: وهو اختيار ابن سريج إذا تعدى قذف الغائب إلى قذف خصم حاضر فطالب الرجل قذف زوجته رجل سواه فلاعن بينهما لا يلزم الإمام إعلامه، وإن كان خلاف ذلك يلزم، وعلى هذا لو كان القذف من أجنبي لرجل وامرأة بزنا واحد فحضر أحدهما مطالبًا بالحد لم يلزم الإمام إعلام الآخر لأن الحاضر إذا استوفي الحد فهو في حقه وحق الغائب لأن الزنا واحد وإن لم يتصل بحاضر [205/ ب] بطالب وجب على الإمام إعلامه ليستوفي حقه إن شاء.
وقيل: أراد الشافعي لا يسأله ولا ينفذ أحدًا إذا كان الرامي معينًا كان رجلاً قال عند الحاكم: الناس يقولون إن فلانًا زانٍ فلا ينفذ إليه أحد يخبره بذلك، وإن كان معينًا أنفذ إليه، وعلى هذا لو قال في هذه القرية أو في هذه المسكن زانٍ لا يتفحص الإمام، ولو رمي بحجر فقال: من رماني بهذا فهو زانٍ وهو لا يدري من رماه لا يكون قاذفًا، فإذا ظهر الرامي لا يبعث إليه الإمام من يخبره بهذا لأن الحد لا يجب على القاذف بهذا ولا يصح؛ لأن شريكًا كان معينًا ولم يبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سأل شريكًا بعد ولادة المرأة على ما ذكرنا، قال القفال: وقد قيل: إنما بعث أنيسًا إلى امرأة العسيف لأن الزنا ثبت عليه بشهادة أبي الزاني، ورجل آخر على إقرارها بالزنا، فبعث إليها حتى إن رجعت عن إقرارها بالزنا فبعث إليها حتى إن رجعت عن إقرارها تركها، وإن لم ترجع حدها وهذا ضعيف.
مسألة: قال: "وأيُّ الزوجينِ كانَ أعجميًا التعنْ بلسانِه بشهادةِ عدلينِ يعرفانِ بلسانهِ".
إذا عرف الملاعنان بلسان العرب لم يجز أن يتلاعنا بغير العربية مع القدرة لأنها لغة

رسول الله صلى الله عليه وسلم ولغة القرآن.
والنص في اللعان ورد بذلك.
وإن لم يعرفا العربية تلاعنا بلسانهما لأن اللعان يمين، واليمين العجمية تجوز.
وقال بعض أصحابنا: يجوز بالعجمية مع القدرة على العربية كما قلنا في عقد النكاح وهذا أقيس.
ثم إن عرف الحاكم لسانهما حكم بعلمه، وإن لم يعرف قال الشافعي: يحكم بشهادة ترجمانين عدلين؛ واجب لو كانوا أربعة.
فمن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد كما نص عليه، وإنما استحب أربعة لأن شهود / أ] الزنا أربعة، ومنهم من قال فيه قولان مبنيان على الإقرار بالزنا فإن قلنا: يثبت الإقرار بعدلين يكفي في الترجمة عدلان، وإن قلنا: لا بد هناك من أربعة فلا بد من الترجمة من أربعة، والأصح ما تقدم لأن اللعان لا يتضمن إقرارًا بالزنا بحال ولا يخلو إما أن يكون يمينًا أو شهادة، وأيهما كان يثبت بعدلين فلا معنى للبناء على الخلاف في الإقرار بالزنا، وقال أبو حنيفة: الترجمة خبر فيقبل فيها قول الواحد العدل إذا تلاعنا بالعجمة، وهذا غلط لأنه يثبت به حد الزنا عليها فلا بد من العدد فيه.
مسألة: قال: "فإن كانَ أخرسَ يفهمُ الإشارةَ التعنْ بالإشارةِ ثم قال: ثم تقام المرأة فتقول: أشهد بالله أن زوجي فلانًا وتشير إليه".
الفصل وقد ذكرنا ما قيل في لعان الأخرس، والفصل الآخر عطف على أول الباب فذكر الزوج وقال: يبدأ به وساق الكلام واعترض في سياق الكلام ما ذكر من الفروع إلى نظم أوله بعطف عليه فقال: ثم تقام المرأة، ثم ذكر أنه يقفها عند الخامسة ويعظها، واحتج على ذلك يخبر ابن عباس الذي تقدم ذكره، وقال في موضع آخر: ويتلو عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: 77]، قال أصحابنا: وروي أن امرأة ادعى عليها قتل وأنكرت فكتب عمر رضي الله عنه؛ أن احبسوها بعد العصر واتلو عليها هذه الآية ففعل فاعترفت.
وروي أن رجلاً ادعى على رجل حقًا عند شريك بن عبد الله القاضي فأتي بشيخ يشهد له فقال المدعى عليه لشريك: إن ذا الرجل لو سألت عنه لعدل ولا بأس بحاله ولكن الأنفة أخذته فشهد عليّ كاذبًا فأقبل شريك على الشيخ فقال: أيها الشيخ [206/ ب] روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الطيور لتضرب أجنحتها من هول يوم القيامة وإن شاهد الزور لا يرفع قدمه حتى تجب له النار فارتعد الرجل وتغير لونه وقال: رجعت عن هذه الشهادة.

باب ما يكون بعد التعان الزوجين من الفرقة

مسألة: قال: "وإذا أكملَ الزوجُ الشهادةَ والالتعانَ فقدْ زالَ فراشُ امرأتهِ".

الفصل إذا أكمل الزوج اللعان تعلقت الفرقة ونفي الولد بلعانه على ما ذكرنا ولا يجتمعان أبدًا سواء أكذب نفسه وحد أو لم يكذب نفسه ولا حد، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، والنخعي، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو يوسف، وإسحاق، ومحمد في رواية رحمهم الله، وقال أبو حنيفة، ومحمد: إذا أكذب نفسه وحد زال تحريم العقد وحدت له بنكاح جديد، وقال سعيد بن جبير: إذا أكذب نفسه عادت زوجته كانت، وقال سعيد بن المسيب: إن كذب نفسه وهي في العدة حلت له وإلا فلا تحل له أبدًا، وقال الحسن: إذا أكذب نفسه لا يعود النسب كما لا يرتفع التحريم وهذا غلط؛ لما روى ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا، وقال سهل بن سعد رضي الله عنه: مضت السنة أن يفرق بين المتلاعنين ثم لا يجتمعان أبدًأ، وقال علي وعبد الله بن مسعود [207/ أ] رضي الله عنهما هكذا، وقال عمر رضي الله عنه: "يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدًا"، وروي أنه سئل ابن عمر عن المتلاعنين إذا كذب نفسها هل ينكحها؟ فقال: لا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا، واحتج الشافعي فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للملاعن بعد اللعان لا سبيل لك عليها، ولم يقل حتى تكذب نفسك فلو كان الإكذاب غاية لهذه الحرمة لردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية كما قال تعالى في المطلقة الثلاث ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. ثم عاد الشافعي إلى كلامه الأول أن الفرقة تقع بلعان الزوج وحده فقال: ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش، وكانت فراشًا لم يجز أن ينفي الولد عن الفراش إلا بأن يزول الفراش ومقصوده بهذا الكلام الاحتجاج على أن قطع الفراش يحصل بلعان الزوج قبل لعانها وقبل قضاء القاضي بالطلاق.
ووجه الاحتجاج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الولد للفراش ومعقول أن الزوج إذا لاعن انتفي عنه الولد قبل لعانها وصار ملحقًا بالأم كما ألحقه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلولا أن الفراش زائل قبل لعانها لما صار الولد منتفيًا عنه فإن ارتكب الخصم فقال: لا يصير الولد منتفيًا إلا بعد لعانها قيل له: إن نفي الولد عن الزوج بيمينه والتعانه لا بيمينها ولعانها لأن الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه فيعتبر، نفي الزوج لا إلحاق المرأة وهذا إذا أكذب الزوج نفسه ألحق

الولد به وما دام نقرا على اللعان [207/ ب] فالولد منفي عنه، ولهذا لو قالت الأم: ليس هو منك إنما استعرته لم يكن قولها شيئًا وهو يستلحقه والولادة على فراشه فعرفنا أن نفي الولد بلعانه لا بلعانها والولد لا ينفي عنه إلا والفراش منقطع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" فخرج من هذا إن ما لم يكن للعانها تأثيره في النفي لم يعتبر فيه أصلاً إذا انتفي بلعانه وحده بالدليل انقطع الفراش بلعانه وحده أيضًا ثم اعلم إذا بانت باللعان إن كان قبل الدخول لا سكنى لها ولا نفقة ولا عدة لها نصف المهر، وإن كان بعد الدخول فإن كانت حائلاً لا نفقة لها في العدة فإن كانت حاملاً، فإن لم يكن نفي الحمل هل يلزمه النفقة لها؟ قولان، وإن كان نفي الحمل لا نفقة أصلاً والسكنى قولاً واحدًا حتى تنقضي العدة والمهر بتمامه لازم، وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين: حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله مالي قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك، وقال الحكم وحماد: إذا لاعن قبل الدخول بها لها الصداق كاملاً، وقال الزهري: إذا تلاعنا لا صداق لها وهذا غلط لما ذكرنا.
مسألة: قالَ: "وقالَ بعضُ الناسِ، إذا التعنْ ثم قالتْ: صدفتْ إنِي زنيتُ فالولدُ لاحقُ ولاَ حدَّ عليهَا ولا لعانَ".
الفصل إذا قذف زوجته فصدقته فيما ذكر لا يخلو إما أن تكون بعد فراغه من اللعان أو قبل ذلك فإن كان بعد فراغه منه تعلق باعترافها حكم واحد وهو أنها لا تلاعن على نفي الحد عنها ويكون الحد واحدًا عنها بلعانه واعترافها به فإن أكذبت نفسها فقالت: كذبت وما زنيت [208/ أ] سقط ما وجب عليها باعترافها وكان لها الآن أن تلاعن على إسقاط الحد عن نفسها وإن صدقته قبل فراغه من اللعان فلا فصل بين أن يكون التصديق قبل شروعه في اللعان أو بعد شروعه فيه وقبل إكماله فقد وجب الحد عليها باعترافه وسقط عنه حد القذف، وأما اللعان فإن كان هناك ول نفاه ولاعن، وإن لم يكن ولد هل يلاعن لقطع الفراش؟ قد ذكرنا، وقال أبو حنيفة: إذا صدقته واعترفت بالزنا لا حد عليها بإقرارها مرة واحدة ولا لعان وبقي الولد ثابت النسب فيتعذر اللعان منه عند أبي حنيفة بتعذره من جهة المرأة ولا ينتفي النسب من دون اللعان، واحتج الشافعي عليه فقال: دخل عليه أنه لو قذف فاسق عفيفة مسلمة والتعن كاذبًا وبقي الولد وهي عند المسلمين اصدق منه كان الولد منفيًا عنه، وإن كانت فاسقة فصدقته وقالت: زنيت كان الولد ملحقًا به فجعل أبو حنيفة ولد العفيفة لا أب له وألزمها عادة وجعل

ولد الفاسقة ولدًا له أب لا ينفي عنه بحال وهذا بحال.
مسألة: قال: "وأيهما ماتَ قبلَ أن يكملَ الزوجُ اللعانَ ورثَ صاحبهُ".
الفصل إذا مات أحد الزوجين بعد الشروع في اللعان لا يخلو إما أن يموت الزوج أو الزوجة.
فإن مات الزوج فلا سبيل إلى إكمال اللعان لأن الورثة لا يقومون مقامه، وإن ماتت الزوجة نظر فإن جاء ورثتها تطالبه بالحد كان له أن يكمل اللعان لدرء الحد عن نفسه، وإن لم تطالبه بحدها، فإن كان هناك نسب يريد نفيه كان له أن يكمل اللعان، وإن لم يكن نسب لم يكن له إكماله، فإذا قلنا له: إكماله فأكمله لم ينقطع إرثه منها لأن النكاح زال بالموت لا باللعان فإن قيل أليس لو مات الولد ثم لاعن على نفيه [208/ ب] بعد موته لا يؤثر قلنا: الفرق هناك بيننا باللعان إن لم يكن ابنًا له قط ولا يتبين إنها لم تكن زوجة له بل تنقطع الزوجية عقيب الفراغ من اللعان في الحال فافترقا، فإن قيل: فالزوج بعض الورثة فكيف تطالبه باقي الورثة؟ قلنا: لأن حد القذف لكل الورثة ولكل واحد منهم لما ذكرنا أنه لو عفي بعضهم كان للباقين الاستيفاء بخلاف القصاص، وإن ماتت المرأة ولا وارث لها هل يطالب الإمام بالحد، ويلاعن على ما ذكرنا فيما تقدم والأظهر أنه يسقط حكمه بموتها هاهنا ولو مات بعد فراغه من اللعان لا توارث خلافًا لمالك وأبي حنيفة بناءً على أصلهما حيث قالا لا ينقطع النكاح بلعانه وحده على ما ذكرنا من مذهبهم فيما تقدم.
مسألة: قال: "فإن امتنعَ أن يكملَ اللعانَ حدَّ لهَا، فإنْ طلبَ الحدَّ الذِي قذفَها بهِ لمْ يحدْ".
إذا شرع الزوج في اللعان ثم أكذب نفسه قبل إكماله حددناه لها حد القذف لأن الحد إنما يسقط بكمال اللعان، فإذا لم يكمل لا يسقط كما لو لم يكمل البينة ثم إذا حددناه لها ثم جاء المرمى به وطالبه بالحد هل يحد له؟ ذكرنا فيما تقدم والمنصوص هاهنا أنه لا يحد له وهو اختيار أبي إسحاق.
فإن قيل: أليس لو عفت المرأة حددتموه لها حداً كاملاً فدل على أن عليه حدين، قلنا: هذا يدل على أن لكل واحد منهما حقًأ في الحد ولا يدل على انفراد كل واحد منهما بحد كامل ألا ترى أن رجلاً لو سرق من رجلين فأيهما جاء يطالبه قطعنا ييده لهما جميعًا وإن عفا أحدهما ولم يطالب وجاء الآخر وطالبه قطعنا يده له [209/ أ] فإن قيل: إذا لاعنهما ولم ييسمه في لعانه أوجبتم إعادة اللعان له ولم يسقط حقه بسقوط حقها في أحد القولين فقولوا مثله هاهنا، قلنا: البينة إذا قامت أنه سرق من اثنين فلا بد من أن يسمى البينة كل واحد من المسروق منهما والقطع لهما واحد فلذلك هاهنا لا بد من تسميتها والحق لهما واحد.

قال صاحب المنهاج: وعلى ما ذكرنا لو أقر رجل بالزنا وسمي المزني بها ثم رجع عن إقراره ليس عليه حد القذف لأن الإقرار إقرار واحد وقد أسقطنا حكمه في نفسه قياسًا على ما لو حد لها سقط حد المرمى به لأن الفعل واحد، قال: وقد قيل غير ذلك وعندي هذا سهو منه، والمنصوص أنه إذا رجع عن إقراره لا يسقط حد قذفها ثم قال الشافعي: والولد للفراش ولا ينفي إلا على ما نفي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد به أن الولد يلحقه ولا ينفي عنه إلا باللعان ولا ينفي بالشبه والاستدلال وأراد لا ينتفي إلا بكمال اللعان خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: أكثر اللعان يكفي إذا حكم به الحاكم وهذا التأويل أظهر، ولو قال: هو ولد زنا وما هو مني أو انتفيت منه أو أنا برئ منه لا يؤثر في نفيه وهذا لمراعاة الاحتياط في النسب.
مسألة: قال: "ولو أكملَ اللعانَ وامتنعتْ من اللعانِ وهي مريضةٌ أوْ في بردٍ أو حرٍ وكانتْ ثيبًا رجمتْ".
الفصل عبّر الشافعي عن المحصنة بالثييب وعن غير المحصنة بالبكر كما عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم، وجملته أنه لا يخلو إما [209/ ب] أن تكون بكرًا أو ثيبًا، فإن كانت بكرًا يجب عليها عند الامتناع من اللعان بعد لعانه حد الإبكار وهو الجلد والتغريب فإن كانت صحيحة والهواء معتدل لا شدة حر ولا شدة برد يقام عليها الحد، وإن كان الهواء غير معتدل لا يقام حتى يعتدل الهواء لأن القصد منه الزجر والردع لا الإتلاف ولا يؤمن منه السراية والتلف، وإن كانت مريضة فإن كان مرضها يرجى زواله آخر إلى أن تبرأ، وإن كان لا يرجى زواله كالزمانة والسل أقيم عليها الحد عاجلاً بأطراف الثياب وأشكال لا نخل ولا فرق بين أن يكون ثبت عليها هذا الحد بالبينة أو بامتناعها من اللعان أو بالإقرار وإن كانت ثيبًا، قال أبو إسحاق: ترجم في جميع الأحوال لأن القصد إتلافها وهو ظاهر كلام الشافعي ومن أصحابنا من قال: هذا إذا ثبت الرجم بالبينة، فإن ثبت بإقرارها أو بامتناعها من اللعان أخر لشدة الحر والبرد لأن لها مخلصًا منه بالرجوع عن الإقرار والإقدام على اللعان فلا نأمن من أن نرجمها بعض الرجم ثم ترجع فنكون قد أعنا على تلفها وليس كذلك إذا قامت عليها البينة لأن لا مخلص لها منه وهذا لا يصح لأنه يحتمل رجوع الشهود عن الشهادة كما يحتمل رجوعها، وقال بعض أصحابنا: على عكس هذا، وهو أنه أن ثبت بالبينة لا يقام الحد إلا في هواء معتدل بخلاف الإقرار والفرق أن المقر هتك حرمة نفسه وأظهر الزنا الذي كان مندوبًا إلى ستره فغلط عليه وإقامة الحد في جميع الأوقات بخلاف ما لو أقيم عليه البينة وهذا ليس بشيء، وقال

القفال: نص الشافعي بالإقرار أنه يؤخر وقاس بعض أصحابنا: عليه امتناعها من اللعان [110/ أ] وفرق بعض أصحابنا بينهما وهو أنه يستحب له الرجوع عن الإقرار، وإن كانت صادقة في إقرارها فنحن وإن حملنا الأمر على الصدق فالتوهم باق وهاهنا وإن كانت محقة في امتناعها من اللعان فلا يندب ولا يباح لها أن تلاعن لأنها مبطلة في اللعان فلهذا لا يؤخر عن الحر والبرد وأسباب التلف وهذا كما أن رجوع الشهود عن الشهادة موهوم غير أن الظاهر أنهم صادقون ومع الصدق لا يرجعون فلا يؤخر هناك وهذا أيضًا ضعيف بخلاف ظاهر نص الشافعي وأما قطع الطرف في القصاص من أصحابنا من قال: نص الشافعي على أنه لا يقطع في شدة الحر والبرد ويؤخر القطع في السرقة بحيث أن تكون مثله، وقال الداركي: يقطع في الحال لأن قطع الطرف يقضي إلى التلف في الغالب فإذا أذن فيه مع الخوف من التلف استوفي الأحوال كلها في استيفائه.
مسألة: قال: "وقالَ بعضُ لا يلاعنُ بحملِ لعله ربحِ".
أراد به أبا حنيفة حيث قال: لا يجوز نفي تحمل بحال على ما ذكرنا من مذهبه ودليلنا على فساده، واحتج عليه الشافعي هاهنا فقال له: أرأيت لو أحاط العلم بأن ليس حمل أم يلاعن بالقذف قال: بلى، قيل: فلم لا تلاعن مكانه وهذا إلزام مختصر ومعناه أنه لو كانت حاملاً بحيث نعلم يقينًا أن لا حمل بها وقذفها جاز له ملاعنتها وقطع فراشها فإذا بان لها حمل فلم لا تلاعنها مكانه فإن قلت: لا يلاعنها حتى تصنع فهذا محال لأنه متى جاز له اللعان ولا حمل بها لأن القذف موجود وجب أن يجوز اللعان وبه حمل لأن القذف موجود، وإن قلت له أن يلاعنها في الحال ويقطع فراشها لكان له نفي الولد [210/ ب] لأن الولد للفراش والوقت الصالح لنفي الفراش صالح لنفي الولد.
مسألة: قال: "وزعمَ يعني أبا حنيفَة لو جامعهَا وهوَ يعلمُ بحملهَا فلمَا وضعتْ تركهَا تسعًا وثلاثينَ ليلةٌ وهي في الدم معهُ في مقرِّ لهُ ثمَّ نفي الولد كان ذلكَ له".
الفصل قد ذكرنا أنه يصح نفي الحمل باللعان خلافًا لأبي حنيفة فإن لم ينفه وتركه لم يلزمه لأن تركه محتمل أن يكون لأنه تحقق وجوده، وذكر الإمام الجوينى في "المنهاج" أنه لو أحاط عنه بالحمل فسكت ولم ينف ليس له النفي بعده خلافًا لأبي حنيفة لأن يكون سكوته دليل على رضاه به، وهذا محتمل إذا قال: اعلم أن بها حملاً وإذا أنفي الآن أو سكت، وإذا وضعت وعلم وأمكنه نفيه فلم ينف لزمه نسبه عندنا وليس له فيه بعدها لأنه على النور وفيه قول آخر للشافعي: أنه تمهل ثلاثة أيام وقال أبو حنيفة: له أن

يؤخر النفي يومًا أو يومين استحبابًا، وروي عنه ثلاثة أيام كما قلنا في أحد القولين وقال أبو يوسف ومحمد: له نفيه في مدة النفاس إلى أربعين يومًا؛ لأن أيام دم إبقائه لحالة الولادة.
وقال عطاء ومجاهد: له نفيه أبدًا ما لم يغربه وهذا كله غلط؛ لأنه خيار بالاحتجاج في مسألة الحمل واللعان عليه، فقال: قد ترك أبو حنيفة ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العجلاني وامرأته وهي حامل من اللعان فخالف السنة بمنع اللعان على الحمل ثم ألزمه فساد مذهبه في المسألة الأخرى فقال: ولو لم يكن كما قلنا سنة كان قد جعل السكات [211/ أ] في معرفة الشيء في معنى الإقرار، فزعم في الشفعة إذا علم فسكت فهو إقرارٌ بالتسليم، وفي العبد يشتريه إذا استخدمه رضا بالعيب ولم يكلم فحيث شاء جعله رضا، ثم جاء إلى الأشبه بالرضا والإقرار وهو نسب هذا الولد فجعله رضا، ثم ذهب في ذلك إلى تقدير الأصل له، فجعل ممته إلى أربعين ليلة إقرارًا بنسبه وأباه في تسع وثلاثين ليلةً، فما الفرق بين الصمتين؟ ومقصود مناقضة قوله حيث جعل السكوت رضا في الشفعة والرد بالعيب ولم يجعله رضا فيما الأولى بالاحتياط فيه وهو النسب، ولم يقدر في الشفعة والرد بالعيب بثلاثة أيام وقدر هنا بأربعين يومًا، وهذه مناقضة ظاهرة.
واعلم أن مذهب أبى حنيفة خلاف ما ظنه الشافعي على ما ذكرنا.
وقيل: علم هو مذهب أبي حنيفة وهذه المناظرة مع أبي يوسف.
مسألة: قال: "وزعم بأنهن استدل بأن الله عز وجل لما أوجب على الزوج الشهادة ليخرج بها من الحد، فإذا لم يخرج من معنى القذف لزمه الحد قيل له، وكذلك كل من أحلفته ليخرج من شيء فلم يحلف حكمت عليه بذلك الشيء إما في مال أو غضب أو جرح عمد، قال: نعم، فقلت: فلم لم تقل ذلك في المرأة أنك تحلفا لتخرج من الحذ".
الفصل اعلم أن الشافعي رجع إلى المناظرة في مسألة سبقت في هذا الباب، وهي أن الزوج إذا لاعن ونكلت عن اللعان فعليها حد ذكرها خلافًا لأبي حنيفة، واختلفوا في الزوج إذا نكل عن اللعان، فمنهم من قال: لا يلزمه الحد [211/ ب] بل يحبس ليلاعن، وهذا هو المشهور من مذهبه.
ومنهم من سلم أن الزوج يحدن والشافعي حكي له هذا المذهب، واستدل عليه بما ذكر ورجح أحد المذهبين لهم، فقال: وليس في التنزيل أن الزوج يدرأ باللعان حدًا كما في التنزيل أن المرأة تدرأ باللعان حدًا، ثم حددت الزوج إذا نكل فأولى أن تحدها إذا نكلت، واحتج على بطلان الحبس فقال: "لها أن تقول:

إن كان الزوج صادقًا فحدوني، وإن كان كاذبًا فخلوني فما بالي والحبس، وليس حبسي في كتاب الله تعالى ولا سنة ولا إجماع ولا قياس على أحدها"، ثم زاد الشافعي إلزامًا فقال: "فإن قلت العذاب المذكور في القرآن هو الحبس لا الحد فهذا خطأ - لأنه يكون مجهول المقدار حينئذ - فكم ذاك الحبس مائة يوم أو حتى يموت، قد قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]، أفتراه عنى الحد أو الحبس؟ قال: بل الحد وما الحبس بحد، والعذاب في الزنا الحدود، ولكن السجن قد يلزمه اسم عذاب، قلت: والسفر، والدهر، والتعليق، وكل ذلك يلزمه اسم عذاب".
فإذا جاز لك أن تعذبها بالحبس تحكيمًا من جهتك وليس حبسها من الكتاب، فجوز لنفسك أن تقول بحكم آخر يعذب بالتغريب والدهن والتعليق؛ لأن كل ذلك يسمى عذابًا.
ثم رجع الشافعي إلى أول هذا الباب فتكلم في تأييد الحرمة باللعان، واحتج بما روي عن عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنهم أنهم قالوا: "لا يجتمع المتلاعنان أبدًا" وهم رووا عنه وخالفوهم.

جارٍ التحميل