فرع آخر
يلزمه أن يأتي بالأذان على الولاء والترتيب، ولا يقدم كلمة على كلمة فإن نكس أعاد مرتباً، وإن ترك منها كلمة أعادها وبنى عليها ما بعدها، ولفظ الشافعي في «الأم»: لو كبر ثم قال: حي على الصلاة عاد فتشهد، ثم أعاد: حي على الصلاة حتى يضع كل شيء منه موضعه، وهذا لأنه نكس لا يحصل به الإعلام ويعد لعباً واستهزاء، وحكي عن أبي حنيفة: أنه يجوز إذا حصل به الإعلام، وهو غير صحيح عنه عندي.
فرع آخر
يستحب للمؤذن أن يجمع بين الأذان والإقامة ليكمل له الثواب.
وقال في «الأم»: وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة لشيء يروى فيه أن من أذن أقام.
وقال: وإن أقام غيره أجزأه، وبه قال الثوري والليث، وقال مالك وأبو حنيفة في رواية: لا بأس أن يقيم غير من أذن، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم «أمر بلالاً بالأذان في الأول، فأذن، فقال عبد الله بن زيد: إني رأيته، وإني أردت ذلك، فأمر عبد الله بن زيد بالإقامة» [24 أ/ 2]، وهذا غلط لما روى زياد بن الحارث الصدائي، قال: «لما كان أول أذان الصبح أمرني النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت فجعلت أقول: أقيم أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر فيقول: لا حتى إذا طلع الفجر نزل ويلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال أن يقيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أخا صداء من أذن، ومن أذن فهو يقيم».
قال: فأقمت.
وخبرهم محمول على الجواز إن صح.
وقد روينا فيما تقدم خلاف هذا، وهو الأصح عندي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي رحمه الله: «فإن أذن واحد وأقام غيره أجزأه إن شاء الله»، فقال أصحابنا: هل يحتسب بتلك الإقامة؟ قولان: بناء على ما لو خطب واحد وصلى آخر هل يصح؟ قولان.
وهذا لا يصح لأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين من الصلاة، فيجوز فيه التخريج على قولين كما في الصلاة بخلاف الأذان.
فرع آخر
لو أذن بعض الأذان ثم دخل الوقت، قال الشافعي رحمه الله: «استأنف».
قال أصحابنا: يحتسب بما وقع في الوقت على الترتيب، وهو أنه لو أتى بتكبيرتين ثم دخل الوقت احتسب بتكبيرتين أخريين في آخر الأذان ويبني على ذلك هو إن دخل الوقت بعد ذلك احتسب بالتكبيرتين في آخر الأذان وبنى عليها.
فرع آخر
إذا لم يكن منارة يستحب أن يؤذن على باب المسجد، فإن أذن في صحن المسجد جاز، وإن ترك المستحب.
مسألة: قال: "وإن فات وقته أقام ولم يؤذن"، وهذا كما قال: أراد، وما فات وقته من الصلوات المكتوبة، وجملته أنه إذا (أراد) أن يصلي صلاة فاتته يقام لها، وفي الأذان لها ثلاثة أقاويل:
أحدها: لا يستحب لها الأذان قاله في «الأم»، و «البويطي».
وبه قال الأوزاعي ومالك وإسحق.
والثاني: يؤذن لها [24/ 2]. قاله المزني في «القديم»، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
والثالث: قاله «الإملاء» إن رجى اجتماع الناس أذن وأقام، وإن لم يرج اجتماعهم أقام ولا يؤذن، وكأنه في الأول اعتبر الأذان لحرمة الوقت، وفي الثاني: لحرمة الصلاة، وفي الثالث: لحرمة الجماعة، واجتماع الناس.
ووجه قوله «الجديد» ما احتج الشافعي به، وهو ما روى أبو سعيد الخدري رضي
الله عنه، قال: «حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة يوم الخندق يعني: شغل بالحرب عن الصلاة حتى بعد المغرب فظهر شيء من الليل فدعا رسول الله صلى اله عليه وسلم بلالاً وأمره أن يقيم، فأقام العصر، ولم يؤذن».
وقد روي بخلاف هذا، ولكن هذه الرواية أشهر وأصح.
ووجه قوله «القديم» ما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه، قال: «سافرنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، أو قال: سرية، فلما كان آخر السحر عرسنا فما أيقظنا إلا حر الشمس فأمرنا فارتحلنا، ثم سرنا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا فقضى القوم حوائجهم وأمز بلالاً، فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام الغداة».
وروي عن أبي هريرة أنه صرح عن هذا، فقال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة خيبر سار ليلة حتى أدركنا الكرى فعرَّس وقال لبلال: اكلأ إناء الليل، فغلبت بلالاً عيناه، وهو مستند إلى راحلته ولم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظاً، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا بلال»، فقال: أخذ نفسي الذي أخذ نفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
قال: فقادوا رواحلهم شيئاً ثم توضأ النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة، قال: «من نسي صلاة فليصلها [25 أ/ 2] إذا ذكرها فإن الله تعالى قال: "وأقم الصلاة لذكري" [طه: 14] والكرى النوم».
وقوله: عرس، أي: نزل للنوم والاستراحة.
والتعريس: النزول لغير إقامة.
وقوله: فزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، معناه: انتبه من نومه يقال: أفزعت الرجل من نومه، ففزع، أي: فانتبه وإنما تحوَّل عن ذلك المكان قبل الصلاة لئلا يصلي في المكان الذي أصابته الغفلة فيه.
وقد روي في هذا الخبر الإقامة من دون الأذان.
وهذا القول اختيار كثير من أصحابنا لهذا الخبر.
وقالوا: الزيادة إذا صحت فالعمل بها واجب.
ووجه قوله في «الإملاء»: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤذن للعصر بعرفات ولا العشاء بمزدلفة لاجتماع الناس.
وقال أبو إسحاق: هذا أصح الأقاويل لإمكان حمل الأخبار المختلفة على اختلاف الحالين.
وهذا اختيار القاضي أبي الطيب.
وفرع أبو إسحق على هذا، فقال: لا فرق على هذا بين الفائتة والحاضرة في وقتها، فإذا صلى الصلاة الحاضرة في وقتها في موضع لا يرجو اجتماع الناس أقام ولم يؤذن استحباباً، وإن كانت الفوائت أكثر من واحدة قضى كل واحدة منها في وقت دون الوقت الآخر.
فالحكم على ما مضى وإن قضاها في وقت واحد، فالحكم في الأولى على ما مضى.
وأمّا الباقيات فلا يؤذن لها قولاً واحداً، ولكنه يقيم لكل واحدة.
وعند أبي حنيفة، يؤذن لكل واحدة وهذا غلط، لما روى ابن مسعود
رضي الله عنه في خبر الخندق أن الكفار شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات، «فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء».
وقد روى أبو عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أذن وأقام لكل واحدة، ولكنه غير محفوظ عند أهل الحديث.
واحتج الشافعي أيضاً بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم «جمع بعرفة بأذن وإقامتين، وبمزدلفة بإقامتين [25 ب/ 2]، ولم يؤذن».
وأراد أن الظهر بعرفة كانت في وقتها فأذن لها وأقام، والعصر لم تكن في وقتها أو كان أيضاً جامعاً بينها وبين الظهر، فلذلك لم يؤذن لها، وفي المغرب بمزدلفة لم يؤذن، لأنه نقلها عن وقتها، ولم يؤذن للعشاء لئلا يطول الفصل بينهما.
ونذكر حكم الأذان عند الجمع، فنقول: إن جمع بينهما في وقت الأولى منهما أذن وأقام للأولى قولاً واحداً، وأقام للثانية ولم يؤذن، وإن جمع بينهما في وقت الثانية، فالحكم فيها كالحكم الفائتين.
هل يؤذن للأولى ثلاثة أقاويل؟ ويقيم الثانية ولا يؤذن.
وقال أبو حنيفة: يقيم للعشاء بمزدلفة، وإن أراد أن يقدم العصر في هذا الجمع، هل يجوز وجهان، فإن جوَّزنا يؤذن للعصر ويقيم دون الظهر.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كانت عليه فائتة وفريضة الوقت، فإن قدم الفائتة ففي الأذان لها ما ذكرنا من الأقوال، ثم يقيم لفريضة الوقت ولا يؤذن، وإن قدم فريضة الوقت أذن لها وأقام، ولا يؤذن للفائتة قولاً واحداً، وهذا يقرب من اختيار أبي إسحاق.
فرع آخر
الصلوات على ثلاثة أضرب منها: ما يؤذن لها ويقام كالصلوات الخمس، ومنها ما
لا يؤذن لها ولا يقام.
ولكن يقال: الصلاة جامعة، وهو صلاة العيدين والكسوف والاستسقاء وقيام شهر رمضان.
وروي عن عمر بن عبد العزيز ومعاوية أنهما أذنا لصلاة العيد وهذا غلط، لما روى
جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «لم يؤذن لها ولم يقم».
ومنها ما لا يؤذن لها ولا يقام ولا يقال: الصلاة جامعة، وهو صلاة الجنازة والنوافل مما ليس فيه الجماعة.
مسألة: قال: "ولا أحب لأحد أن يصلي في جماعة ولا وحده إلا بأذان وإقامة".
وهذا كما قال: أراد به الصلاة المكتوبة، وجملته أن الأذان والإقامة مسنونان في [26 أ/ 2] صلاة الانفراد والجماعة.
وبه قال جماعة العلماء، فإن اتفق أهل بلده على تركه لم يقاتلهم الإمام على ذلك.
وقيل: في وجه آخر: يقاتلهم الإمام، لأنه شعار الإسلام.
ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار الإصطخري وجماعة، وهما فرائض الكفايات، فإذا أقام بها قوم سقط الفرض على الباقين، إلا خرجوا أجمعين.
وبه قال أحمد والكفاية أن لا يبقى بالمكان أحد إلا ويعلم أنه قد أذن فيه، فإن كان المكان قرية يبلغ النداء إلى جميعها أجزى ذلك في مكان واحد.
وكذلك الرفقة في السفر، وإن كانت أكبر من ذلك فلا بد من الأذان في موضعين، فإن كانت بلدة كبيرة، فالكفاية أن تقام في كل محل منها حتى يتصل بعض المحال ببعضٍ، فعلى هذا إذا اجتمع أهل بلدٍ على تركهما أو ترك أحدهما قاتلهم الإمام.
وهذا خلاف المنصوص.
ومن أصحابنا من قال: هما سنَّة إلا في الجمعة فإنهما من فرائض الكفايات فيها، وهو النداء الذي يحرم البيع عنده.
وهو إذا جلس الإمام على المنبر.
وحكي عن ابن خيرات والإصطخري أيضاً.
وقال عطاء وداود يجب كلاهما في صلاة الجماعة في كل يوم خمس مرات.
وحكي عن عطاء، وهو الأصح أنه قال: الإقامة واجبة دون الأذان، فإن بعذرٍ يجوز، وإلا فلا يجوز.
وروي عنه أنه قال: من نسي الإقامة يعيد الصلاة.
وقال مجاهد: هما واجبان، فإن تركهما أو أحدهما فسدت صلاته.
وقال الأوزاعي: هما واجبان ولكن أحدهما ينوب عن الآخر، فإن أتى بأحدهما يجوز، وإن تركهما لم يجز وأعاد الصلاة إن كان وقتها
باقياً، ولا يعيد إن كان فائتاً، وهذا كله غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: والمسيء صلاته «إذا أردت الصلاة، فأحسن الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر»، ولم يأمره بالأذان.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أحدكم بأرض فلاةٍ، [26 ب/ 2]، فدخل عليه وقت الصلاة، فإن صلى من غير أذان ولا إقامة صلى وحده وإن صلى بإقامة صلى بصلاته (ملكان)، وإن صلى بأذان وإقامة صلى خلفه صف من الملائكة أولهم بالمشرق وآخرهم بالمغرب».
واحتجوا بما روي عن مالك بن الحويرث أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحب له، فقال لهما: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا نزل بقبلة استمع إذا أصبح، فإن سمع الأذان وإلا شن الغارة».
قلنا: أمَّا الأول، نحمله على الاستحباب.
وأما الثاني: فلأنه كان يستدل بتركهم الأذان على كفرهم لا أنه كان يقاتلهم لترك
الأذان.
فرع
قال الشافعي- رحمه الله-: يأتي بالأذان المقيم والمسافر، والحر والعبد سواء صلى منفرداً أو في جماعة، وسواء كان المسجد صغيراً أو كبيراً، ولكنه في المساجد العظام أشد استحباباً، فإن ترك رجل الأذان والإقامة منفرداً أو في جماعة كرهت له ولا إعادة.
وهذا يدل على خلاف قول أبي إسحق على ما ذكرنا قبل هذا في الصلاة الحاضرة إذا لم يكن جماعة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يسن الأذان للمنفرد؟ قولان: قال في «القديم»:
لا يسن.
وقال في «الجديد»: يسن.
وهذا غير مشهور.
فرع آخر
قال في «الأم»: لو صلى الرجل مع إمامه جماعة، فأذن المؤذن وإقامته تكفيه ولا حاجة به إلى أن يؤذن لنفسه، ويصلي بأذان غيره، وإن كان المؤذن ما أذن له ولا نواه مثل أن يجتاز بمسجد قد أذن فيه والناس على أن يصلوا فيه، فإنه يصلي مع القوم، ولا يؤذن لنفسه.
فرع آخر
لو دخل رجل المسجد، وقد صلى فيه بأذان وإقامة، هل يؤذن فيه لنفسه؟.
قال في «الأم»: أحببت أن يؤذن ويقيم لنفسه.
وقال في موضع آخر من «الأم»: ولا أعلم مخالفاً أنه إذا جاء المسجد، وقد خرج الإمام من الصلاة له أن يصلي بلا أذان ولا إقامة، وليست المسألة على قولين، بل هي على اختلاف [27 أ/ 2] حالين، فالذي يؤذن ويقيم إذا كان الإمام والناس قد انصرفوا وفرغوا، والذي قال لا يؤذن ولا يقيم، إذا دخل حين فرغ الإمام من الصلاة.
وقال بعض أصحابنا: يؤذن ويقيم بكل حال في نفسه ولا يرفع صوته، لأنه يوقع الإشكال للسامع، فإنه إذا سمع الأذان الثاني قدر الصلاة الأخرى، قد دخل وقتها.
وما قال في «الأم»: له أن يصلي بلا أذان أراد به الجواز.
فرع آخر
لو كان في بيته فسمع أذان المؤذن وأراد أن يصلي في بيته هل يجزئه أذان المؤذن؟ قال في «القديم»: يكفيه أذانه وإقامته، وقال في «الأم»: لا يكفيه، وهو الأصح عندي.
مسألة: قال: "وأحب للمرأة أن تقيم".
وهذا كما قال: الأذان للنساء غير مسنون، وهذا لأن الأذان لإعلام الغائبين، ولا يستحبُّ لها رفع الصوت.
وروي عن ابن عمر وأنس رضي الله عنهما أنهما قالا: ليس على النساء أذان.
ولو أذنت قال الشافعي: لم يكن مكروهاً.
وقال البويطي: لأن ذلك تحميد.
ومن أصحابنا من قال: يكره لها، وهو خلاف النص.
وقال الحسن وابن سيرين: ليس عليهن أذان، فإن فعلن، فهو ذكز ولا يكون أذاناً شرعياً.
وهو قول بعض أصحابنا ولو صفين جماعة، وأذنت واحدة منهن.
قال في «الأم»: "لا بأس ولا ترفع صوتها إلا بقدر ما يسمع صواحباتها".
وأما الإقامة فإنها مسنونة لها، فإن تركت الإقامة قال في «الأم»: أكره لها من تركها ما أكره للرجال.
وروي عن جابر رضي الله عنه أنه سئل: أتقيم المرأة؟ فقال: نعم.
لأن الإقامة تراه لافتتاح الصلاة ولا تبالغ فيها برفع الصوت بخلاف الأذان.
فرع
قال في «الأم»: "لو أذنت امرأة للرجال لم يجز عنهم"، لأن المرأة لا تصلح أن تكون إماماً للرجال، فلا يعتد بأذانها لهم.
وقال أبو حنيفة: يعتد بأذانها لهم.
وقيل: هو قول بعض أصحابنا لأنها تخبر عن دخول الوقت وخبرها مقبول.
مسألة: قال: "ومن سمع المؤذن أحببت أن يقول مثل ما يقول".
[27 ب/ 2].
الفصل
وهذا كما قال: هذا الكلام ليس على ظاهره، لأنه لا يقول مثل ما يقول في جميع الكلمات، وأراد به فيما عدا الحيعلة، فإذا ثبت هذا ينظر، فإن سمع الأذان خارج الصلاة، فالمستحب أن يقول مثل ما يقوله إلا قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول في ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذا لأن سائر الألفاظ ذكراً لله تعالى، وهاتان اللفظتان ليستا بذكر بل يقصد بهما الإعلام فلا يتابعه فيهما.
والأصل في ذلك ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله كبر، الله أكبر، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله.
فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد
أن محمداً رسول الله، فإذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، فإذا قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة».
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن».
فرع
قال بعض أصحابنا: ويستحب قول: لا حول ولا قوة إلا بالله مرة مرة، وإن كان المؤذن يقول: حي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح، لأنه ظاهر السنة.
فرع آخر
قال في «الأم»: وأحب لكل من كان خارج الصلاة، أو ذاكر أو صامت أو متحدث أن يقول ذلك، فأستحب قطع القراءة لذلك، وهذا لأن قراءة القرآن لا تفوت، والقول مع المؤذن يفوت ويفارق هذا المصلي لأن تحريمته أوجبت عليه الاشتغال بها، ولا يجوز الإعراض عنها.
فرع آخر
قال الشافعي رحمة الله عليه: المستحب للسامع والمؤذن بعد الفراغ أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم [28 أ/ 2] قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة إلا تكون لعبد من عباد الله عز وجل وأرجو أن أكون أنا، فمن سأل لي الوسيلة حقت لهُ الشفاعة».
ثم يقول ما روى عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال أحدكم حين يسمع الأذان: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الفضيلة والوسيلة وابعثه المقام
المحمود الذي وعدته حلَّت له الشفاعة يوم القيامة».
وروى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً غفر له ذنبه».
وهذا يدل على أنه يقوله في أثناء الأذان.
وهذا محتمل لتطويل المؤذن ألفاظه، وإن قاله بعد الفراغ من الأذان جاز ويزيد فيه عند أذان المغرب، فيقول: «اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك، وأصوات دعائك، فاغفر لي»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة رضي الله عنها بذلك، ويستحب أن يدعو الله تعالى بين الأذان والإقامة، لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، فادعوا».
وروى سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء، وقل داع ترد دعوته حضر النداء بالصلاة والصف في سبيل الله».
قلت: ويستحب أن يقرأ آية الكرسي لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ ذلك بين الأذان والإقامة لم يكتب عليه ما بين الصلاتين».
فرع آخر
قال أصحابنا: [28 ب/ 2] المستحب أن يقعد بين الأذان والإقامة مدة ينتظر فيها الجماعة، لأن الملك الذي رآه عبد الله بن زيد أذن وقعد قعدة، ولأنه لو وصل الأذان بالإقامة فات الناس الجماعة، فلا يحصل المقصود بالأذان.
فرع آخر
يستحب أن يتحول من موضع الأذان إلى غيره للإقامة لما روي في خبر عبد الله بن زيد، «ثم استأخر غير كثير، ثم قال مثل ما قال وجعلها وتراً».
فرع آخر
إذا سمع الإقامة يستحب له أن يقول مثل ما يقول على ما ذكرنا، فإذا قال: قد
قامت الصلاة، يقول: أقامها الله وأدامها وجعلنا من صالحي أهلها لما روى أبو أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقامها الله وأدامها».
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: إذا قال المؤذن في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم يقول: صدقت وبررت، وقيل: يقول صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة خير من النوم».
فع آخر
قال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: إلا أن يكون في صلاة، فإذا فرغ منها قاله.
وقال الشافعي في «الأم»: ولا فرق بين أن يكون في صلاة فرض أو نافلة، وإنما يقوله بعد الفراغ منها تحصيلاً للقربة، والمستحب أن لا يقوله في أثناء الصلاة.
وقال مالكٌ والليث: إن كان في صلاة النافلة يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلة، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا غلط، لأنه يقطعه عن الإقبال على الصلاة والاشتغال بها فأشبه صلاة الفريضة.
فرع آخر
قال أبو إسحق: إذا فرغ منها لا يكون من تأكيد الاستحباب ما يكون في حال ما يسمعه.
فرع آخر
لو قال ذلك في الصلاة، قال الشافعي: لم يكن مفسداً لها إن شاء الله، والاختيار أن لا يقوله.
قال أصحابنا: أراد به إذا قال ما سن له من القول، فأما إذا قال ما قال المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح بطلت صلاته [29 أ/ 2] إن كان عالماً بأنه خطاب الآدميين، وإن كان جاهلاً لا تبطل ويسجد للسهو، وهذا لأن هذا بذكر الله تعالى بخلاف سائر الألفاظ.
فرع آخر
قال أصحابنا: هذا إذا ذكر في غير الفاتحة، فإذا ذكر في الفاتحة وأجاب المؤذن كما هو السنة في غير الصلاة بطلت قراءته، لأن التتابع فيها شرط، ويتسأنف القراءة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي: لا أكره أن يجيب المؤذن في الصلاة وليس على قولين بل لا يكره ولا يستحب ويباح، وقيل: هل يستحب في الصلاة؟ قولان.
وقيل: هل يكره؟ وجهان، وهذا غلط ظاهر.
مسألة: قال: "والإقامة فرادى".
الفصل
وهذا كما قال: الإقامة فرادى، وهي إحدى عشرة كلمة التكبير مرتين، والشهادتان مرتين، وحي على الصلاة مرة، وحي على الفلاح مرة، وقد قامت الصلاة مرتين، والله أكبر مرتين، ولا إله إلا الله مرة.
وبه قال عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والحسن ومكحول والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور رضي الله عنهم، وكان عليه عمل أهل مكة والمدينة والشام.
وقيل: عبارة أصحابنا الإقامة فرادى على المجاز، ومعناه كل ما كان في الأذان مثنى ففي الإقامة مرة، لأن التكبير مرتان وكذلك كلمة الإقامة [29 ب/ 2] وقال بعض أهل خراسان للشافعي قول أنه يفرد التكبير في الانتهاء وثنيه في الابتداء، وفيه نظر.
وقال الشافعي في «القديم»: هي عشر كلمات يقول: قد قامت الصلاة مرة، وبه قال مالك وداود، وحكي عن مالك أنه قال: التكبير فيها مرة أيضاً.
وقال الثوري وأبو حنيفة: الإقامة مثل الأذان ويزيد لفظ الإقامة مرتين، واحتج بما روي في خبر عبد الله بن زيد أنه قال: «فأمهل هنيهة، ثم قام، فقال مثلها إلا أنه زاد: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة».
وروى ابن محيريز عن أبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «علّمه سنة الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة»، وهذا غلط لما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة».
وروي: إلا الإقامة، ومعناه إلا كلمة الإقامة.
وقوله: أمر بلال يريد به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره به، والأمر مضاف إليه دون غيره، وقد قالوا: كان الآمر فيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وهذا خطأ ظاهر
لأن بلالاً لحق بالشام بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف سعد القرظ على الأذان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما خبرهم الأول قلنا روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن زيد أنه قال في الخبر:
ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: يقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله.
وذكر نحو قولنا إلى آخرها.
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي: قد روي هذا بأسانيد مختلفة وإسناد هذا أصحها وجرى به العمل في الحرمين والحجاز وبلاد اليمن وديار مصر ونواحي المغرب، وحكاه سعد القرظ، وكان أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بقباء، ثم استخلفه بلال وسأل عمر رضي الله عنه، وكان يفرد الإقامة.
[30 أ/ 2]
وأما الخبر الثاني، قلنا: روى الحميدي في الرد على أهل الحذف قال: أدركت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: أدركت أبي وجدي يقيمون فيقولون: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وذكر نحو قولنا، ويشبه أن يكون العمل من أبي محذورة ومن ولده بعده إنما استمر على إفراد الإقامة فاتبعه وكان أمر الأذان ينقل من حال إلى حال وتدخله الزيادة والنقصان، ولأنها إنما تبلع تسع عشرة كلمة بالترجيع، وهم لا يقولون.
وقال بعض أصحابنا: إذا رجع في أذانه ثنى الإقامة لهذا الخبر.
وحكاه شيخنا الإمام ناصر رحمه الله عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، وهذا خلاف مذهب الشافعي.
وقال ابن شريح: الترجيع والتثنية في الإقامة من الاختلاف المباح وليس بعضه بأولى من البعض، وهذا قول مطروح بالإجماع، فإذا تقرر هذا لزم الشافعي رحمة الله عليه نفسه سؤالاً، فقال: فإن قال قائل: فقد أمر أن يوتر الإقامة.
واختلف أصحابنا في معنى هذا السؤال، فمنهم من قال: هذا سؤال من جهة مالك في إفراد التكبير، فكأنه يقول: قد أمر بلال أن يوتر الإقامة، وأنت تأمر بتشفيع التكبير، فأجابه بأن عارض، فقال: قيل له: فأنت تثني الله أكبر، فتجعلها مرتين، يعني مرة في ابتداء الإقامة، ومرة في آخرها، فيلزمك من الخبر ما ألزمتنا.
ومن أصحابنا من قال: هذا سؤال من قوله «القديم» على قوله «الجديد» في إفراد
قوله: قد قامت الصلاة، فكأنه يقول: قد أمر بلال أن يوتر الإقامة، فلم ثنيت، قوله: قد قامت الصلاة، فأجاب على قوله الجديد بقوله: تثني الله أكبر، الله أكبر، فتجعلها مرتين في ابتداء الإقامة ومرتين في آخرها، ولأنه روي استثناء كلمة الإقامة من الإفراد على ما ذكرنا.
مسألة: قال: "وقال في القديم: [30 ب/ 2] ويزيد في صلاة الصبح التثويب وهو: الصلاة خير من النوم" مرتين.
الفصل
وهذا كما قال: السنة أن يقول ذلك نص عليه في «القديم» و «الجديد» في «الإملاء»، و «البويطي»، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال في كتاب استقبال القبلة من «الجديد»: يكره ذلك، لأن أبا محذورة لم يحكه.
قال أصحابنا: هذا القول سهو من الشافعي ونسيان حتى سطر هذه المسالة، فإنه حكي ذلك في الكتاب العراقي عن سعد القرظ، وعن أبي محذورة، ولأن أصحابنا رووا هذا في خبر أبي محذورة على ما سبق بيانه.
وقيل: هذه الرواية لم تبلغ الشافعي ولو بلغه لقال بها، فالمسألة على قول واحد.
وقد قال الشافعي: إذا رأيتم قولي خلاف السنة، فاطرحوا قولي في الحش.
وقال أبو إسحاق: في المسألة قولان: أصحهما الأخذ بالزيادة كما قلنا في الترجيع، وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة مثل قولنا وروي عنه أنه قال: هو بدعة.
وروى محمد عنه أنه قال: لأن التثويب الأول، الصلاة خير من النوم مرتين من الأذان والإقامة، ثم أحدث الناس بالكوفة، حي على الصلاة، حي على الفلاح مرتين من الأذان والإقامة وهو حسن.
وهذا اختيار أبي بكر الرازي.
واحتج بما روي عن بلال أنه أذن، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: إنه نام فقال: الصلاة خير من النوم مرتين، فأقره عليه.
وهذا غلط لما روي عن أبي محذورة أنه قال: «قلت: يا رسول الله، علمني سنة الأذان، فذكر الخبر إلى أن قال بعد قوله: حي على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر».
وأما خبر بلال قلنا: روى ابن المنذر عن سويد بن غفلة أن بلالاً كان يقول في أذانه: الصلاة خير من النوم [31 أ/ 2].
وقال أبو هريرة: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الصبح، فقيل: هو نائم فقال: الصلاة خير من النوم، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «ما الذي زدت في أذانك»؟ فقال: الصلاة خير من النوم، ظننتك وسنت يا رسول الله، وثقلت عن الصلاة، فقال: «زدها في أذانك».
وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: أذن بلال للصبح، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليؤذنه، فقيل: إنه نائم، فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، الصلاة خير من النوم مرتين، ثم دخل فحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: اجعله في أذانك إذا أذنت للصبح، فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم».
وروى الشافعي رحمة الله عليه عن علي رضي الله عنه نحو قولنا، ثم قال المزني: الزيادة أولى في الأخبار كما قال في التشهد وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت.
وأراد بخبر التشهد رواية ابن عباس رضي الله عنه: «التحيات المباركات».
وأراد بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت ما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت ومعه أسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، فأخبرت فبادرت إلى المسجد فوجدته قد خرج فادركت بلالاً، فقلت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: أين صلى؟ فأشار إلى موضع، فنسيت أن أسأله: كم صلى؟».
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «دخل البيت ودعا ولم يصل» فأخذ الشافعي بالزيادة وهذا قاله صحيح، وهو المذهب ومن نصر مخالفيه، أجاب عن هذا بأن الزيادة إنما تكون أولى فيما يجوز أن يخفى على العامة كالتشهد وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكعبة، فإنه لم يدخلها إلا مع نفر يسير، فأمَّا أمر الأذان فهو من الأمور الظاهرة [31 ب/ 2] الشائعة المتكررة في كل يوم وما كان هذا سبيله فالزائد والناقص فيه سواء، لأنه مما لا يخفى على العامة، ولهذا أخذ بإفراد الإقامة دون التثنية.
ثم اعلم أن ابن شجاع قال: قال أبو حنيفة: التثويب الأول في نفس الأذان، والثاني من الأذان والإقامة، فيقول بعد الأذان: حي على الصلاة، حي على الفلاح.
وروى الحسن بن زياد عنه أنه قال: يثوب بعد الأذان بقدر عشرين آية، واحتج بما روى أبو يوسف عن كامل بن العلاء السعدي أنه قال: «كان بلال إذا أذن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فسلم عليه، ثم قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، يرحمك الله».
وهذا عندنا بدعة لما روى مجاهد قال: لما قدم عمر رضي الله عنه مكة أتاه أبو محذورة، وقد أذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فقال: ويحك، أمجنون أنت؟ ما كان في دعائك الذي دعوته ما نأتيك حتى تأتينا؟ ولو كان هذا سنة لم ينكره عمر رضي الله عنه، وسئل الأوزاعي عن التسليم على الأمراء، فقالى: أول من أحدثه معاوية، وأقره عمر بن عبد العزيز.
وأما كامل بن العلاء فلم يلق بلالاً، فلا حجة فيه.
قال أصحابنا: يجوز استدعاء الأمراء إلى الصلاة كما روت عائشة رضي الله عنها أن بلالاً جاء، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مر أبا بكر فليصل بالناس».
قال: إنه قال: فكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر كما كان يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا تقرر هذا لا يستحب التثويب في غير الصبح عندنا.
وقال: يثوب في العشاء وأيضاً لأنه وقت النوم.
وقال النخعي: يثوب في جميع الصلوات، وهذا غلط لما روى يزيد بن غفلة عن بلال رضي الله عنه [32 أ/ 2]، قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في أذان الصبح ولا أثوب في غيرها».
وروي أن عمر رضي الله عنه أنه دخل المسجد يصلي فسمع رجلاً يثوب في أذان الظهر، فخرج عنه فقيل له: إلى أين تخرج؟! فقال: أخرجتني البدعة.
مسألة: قال: "وأحب أن لا يجعل مؤذن الجماعة إلا عدلاً ثقة لإشرافه على الناس".
وهذا كما قال، قوله ثقة تأكيد لأن العدل لا يكون إلا ثقة، وقيل: معناه إلا عدلاً إن كان حراً، ثقة إن كان عبداً، لأن العبد لا يوصف بالعدالة، ولكن يوصف بالثقة والأمانة.
وقيل: أراد إلا عدلاً في دينه ثقة في علمه بمواقيت الصلاة، وجملته أنه
يستحب أن يكون المؤذن عدلاً أميناً لاطلاعه على الناس عارفاً بالمواقيت لأن الناس يعتمدون عليه وقوله: لإشرافه على الناس، يحتمل شرف المكان عند الأذان فيطلع على عورات الناس.
وقيل: أراد الإشراف على المواقيت، وقد قال في «الإملاء» لإشرافه على عوراتهم وأمانته على الوقت.
وقال في «القديم»: لإشرافه على بعض عورات الناس ولأجل المواقيت وهذا أصح، لأنه لا يقدر أن يشرف على عورات الكل، وهذا لأنه إذا لم يكن عدلاً ثقة يخاف منه الفتنة في الإشراف والتلبيس على الناس في الأوقات.
قال: وأحب أن يكون حراً كاملاً من خيار الناس لقوله صلى الله عليه وسلم: «يؤمكم أقرؤكم، ويؤذن لكم خياركم».
وقال عمر رضي الله عنه لرجل: من مؤذنكم؟ فقال: موالينا أو عبيدنا، فقال: إن ذلك لنقص كثير.
وقال في «القديم»: الأولى أن يكون من أولاد المؤذنين الذين جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان فيهم، وهم أبو محذورة وبلال وسعد القرظ، فإن لم يبق منهم أحد فإلى من أنابهم فإن لم يبق منهم أحد جعله في أولاد أحد من الصحابة، فإن انقرضوا جعل إلى الأقرب فالأقرب، [32 ب/ 2] فإن لم يكن جعل إلى من يراه من خيار الناس على ما وصفنا.
وقال أبو محذورة: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان لنا.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الملك في قريشٍ والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة والأمانة في الأزد».
فرع
قال في «الأم»: "ومن أذن من عبد مكاتب وحر أجزأ، فأما الصبي فيكره أن يكون مؤذناً".
قال في «الأم»: «وأحب أن لا يؤذن إلا بعد البلوغ لما رويناه فإن أذن قبل البلوغ أجزأه».
وقال داود: لا يعتد بأذانه، لأنه ليس بمكلف بالشرع فأشبه المجنون، وهذا غلط لما روى ابن المنذر بإسناده عن عبيد الله بن أبي بكرة، قال:
«كان عمومتي يأمرونني بأن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم».
وأنس ابن مالك رضي الله عنه شاهد ولم ينكر، وهذا فيما يظهر ولا يخفى، فثبت أنه إجماع منهم ولأنه تجوز إمامته في النوافل بالإجماع كالعبد، وأما المجنون، فلأنه لا يعقل معنى ما يقول هذا.
فرع آخر
لو كان خصياً أو مجبوباً لا يكره ويجوز، ولو كان فاسقاً يكره ولو أذن جاز لما قلنا في إمامته، والكافر لا يجوز بحالٍ.
فرع آخر
قال: لو كان أعمى فإن معه بصير يؤذن قبله أو يعرفه المواقيت جاز ولا يكره، وإن كان وحده كره ذلك، لأنه لا يشاهد علامات الوقت، فإن أذن جاز، لأن له أن يجتهد في المواقيت.
وجملته: أن الناس على أربعة أضرب: من يستحب أن يكون مؤذناً، وهو من ذكرنا، ومن يجوز أن يكون مؤذناً وإن كان غيره أولى منه، وهو العبد ونحوه، ومن يكره أن يكون مؤذناً، ويجوز كالأعمى إذا كان وحده، والصبي والفاسق، ومن لا يجوز بحال، وهو الكافر والمجنون والمرأة للرجال.
فرع آخر
لو تنازع جماعة في الأذان مع تساويهم استمعوا.
روى ابن المنذر أن الناس تشاحوا يوم القادسية في الأذان، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم.
وروي عن عمر [33 أ/ 2] بن الخطاب رضي الله عنه أنه اختصم إليه ثلاثة نفر في الأذان، فقضى لأحدهم بأذان الفجر وقضى للأخر بالظهر والعصر وللآخر بالمغرب والعشاء.
مسألة: قال: وأحب أن يكون صيتاً.
أي: رفيع الصوت لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله: «ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً»، ولأنه أبلغ في الإعلام.
مسألة: قال: "وأن يكون حسن الصوت ليكون أرق لسامعيه".
وهذا كما قال، أراد أنه إذا كان حسن الصوت يكون أدعى إلى الإجابة، لأن الداعي إلى الطاعة ينبغي أن يكون حلو المقال، ترق القلوب له.
قال الله تعالى: "ولو كنت فظاً غيظ القلب لانفضوا من حولك" [آل عمران: 159]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم»، وأراد به تحسين الصوت بالقراءة.
وقال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام حين أرسلهما إلى فرعون: "فقولا له قولاً لينا" [طه: 44] الآية.
مسألة: قال: "وأحب أن يؤذن مترسلاً بغير تمطيط".
وهذا كما قال، أراد بالترسل إفراد كل كلمة من الأذان وإرسال النفس عند انتهائها.
يقال: جاء فلان على رسله، أي: على هينة غير عجل ولا متعب نفسه.
وروى ابن عمر رضي الله عنه سمع أبا محذورة وقد رفع صوته، فقال له: «أما خشيت أن ينشق من تطاول، فقال: أحببت أن تسمع صوتي».
والتمطيط: التمديد.
وقيل: إنه الإفراط في المد، وقوله: ولا نفي فيه، أراد أن يرفع صوته حتى يجاوز به المقدار.
وقرئ، ولا يغني فيه.
وأراد تشبيهه بالغناء في التطريب والتلحين.
وروي أن رجلاً قال لابن عمر رضي الله عنه: «إني أحبك في الله، فقال: وأنا أبغضك في الله إنك تغني في أذانك».
قال حماد: يعني التطريب.
مسألة: قال: "وأحب الإقامة إدراجاً مبيناً".
وهذا كما قال.
الإدراج: أن يدرج كلمة في كلمة ويجمع بينهما في نفس واحد بخلاف الترسل، ولكن مع الإدراج [33 ب/ 2] يجب أن يكون مبيناً، وإنما قلنا كذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحذر!».
رواه جابر، وروى أبو الزبير مؤذن بيت المقدس، قال: جاءنا عمر بن الخطاب رضي
الله عنه، فقال: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذر، ولأن الأذان يراد الإعلام، والترسل فيه أبلغ في الإعلام، والإقامة تراد لافتتاح الصلاة.
والإدراج فيه أقرب إلى الاستفتاح ولا يستحب فيه الصعود على المنارة، وهل يلتوي فيها في كلمة الحيعلة؟.
قال القفال: مرة يلتوي كما في الأذان، وقال: مرة لا يلتوي، والصحيح عندي الأول، وهو ظاهر المذهب.
وقول الشافعي: «ويلتوي في حي على الصلاة يرجع» إليهما.
وقيل: الصحيح لا يلتوي لأن القوم يسمعون من غير التفات حتى لو كان المسجد كبيراً يلتوي ليحصل الإعلام.
ثم قال الشافعي: «وكيف ما جاء بهما أجزأه».
يعني إن خالف ما قلناه، فأدرج الأذان وأقام مترسلاً جاز، وإن كان تاركاً للسنة لأنهما هيئتان فيهما، فهو كترك الجهر والإبراد في الصلاة.
فرع
إذا أذن بالفارسية للجماعة لم يجز وإن كان لنفسه ولا يحسن العربية أجزأه، وعليه أن يتعلم وإن كان يحسن العربية لم يجز.
كأذكار الصلاة ذكره صاحب «الحاوي».
فرع آخر
متى يقوم الناس إلى الصلاة عند إقامة المؤذن؟ قال أصحابنا: ينبغي لمن كان منهم شيخاً بطئ النهضة أن يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة، ومن كان شاباً سريع النهضة أن يقوم بعد فراغه من الإقامة فيختلف باختلاف القائمين ليستووا في صفوفهم قياماً في وقت واحد.
مسألة: قال: "وأحب أن يكون المصلي بهم عالماً فاضلاً".
وهذا كما قال أراد أن الإمام سفير بين القوم وبين الله تعالى، فيجب أن يكون أفضلهم وأعلمهم، وأي الناس صلى بالإمامة من الرجال [34 أ/ 2] المسلمين جاز، وإن كان فاسقاً وشرح هذا يجيء في موضعه، فإن هذه المسألة ليست من مسائل الأذان، بل هي من مسائل الإمامة.
مسألة: قال: "وأحب أن يكون المؤذنون اثنين".
الفصل
وهذا كما قال: يجب أن يكون لكل مسجد كبير مؤذنان لكل صلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم، فإن اقتصر على مؤذن واحد جاز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على أذان سعد القرظ وعلى أذان زياد بن الحارث.
قال في «الأم»: ولا يضيق أن يؤذن أكثر من اثنين.
قال أصحابنا: ولا يستحب أن يزيد على أربعة، لأن عثمان رضي الله عنه اتخذ أربعة من المؤذنين، ونص في «القديم»: أنه يجوز أكثر من ذلك.
قال الشافعي: وإذا كان المؤذنون أكثر أذن واحد بعد واحد لما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: لم يكن بين أذان بلال وابن أم مكتوم إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا، ولأنهما إذا أذنا معاً كما يعملون اليوم في بلدنا يتشوش، ولو كان مسجد كبير في كل جانب منه منارة، فأذنوا في وقت واحد كل واحد منهم يسمع من يليه، فلا بأس، فكذلك إذا أذنوا في نواحيه معاً جاز.
نص عليه في «الأم».
قال أصحابنا: وإذا اجتمعوا هكذا يتفقون في الأذان كلمة كلمة فإن اشتراكهم في كل كلمة منه أبين في الإعلام.
فرع
لو كثر المؤذنون، فلا يبطئ الإمام بالصلاة لانتظار فراغهم فيؤدي إلى ترك فضيلة أول الوقت، ولكنه يخرج بعد الأذان الأول، ويصلي في أول الوقت، ويقطع من بقي من المؤذنين من الأذان.
فرع آخر
لا يستحب أن يقيم إلا واحداً منهم، فإن أذن واحد بعد واحد، يقيم الأول وإن أذنوا معاً في جوانب المسجد فأيهم أقام فقد أتى بالسنة، فإن تشاجروا أقرع بينهم
[34 ب/ 2]، فيقيم من خرجت قرعته.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أذنوا معاً اجتمعوا في الإقامة ولا يترتبون لأن من سنة الإقامة أن يتصل بطرف الصلاة، والأول أظهر وهذا محتمل إذا كان المسجد كبيراً وأذن المؤذنون في جوانبه يقيمون في كل جانب معاً إذا كانوا لا يسمعون الإقامة إلا هكذا.
مسألة: قال: "ولا يرزقهم الإمام وهو يجد متطوعاً".
الفصل
وهذا كما قال: إذا وجد الإمام من يتطوع بالأذان وكان أميناً لم يجز للإمام أن يعطيه الرزق من بيت المال، لأن منزلة الإمام من بيت المال كمنزلة ولي اليتيم من مال اليتيم لا ينفق منه إلا ما لا غنى باليتيم عنه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعثمان بن أبي العاص رضي الله عنه حين ولاه الطائف: «صل بهم صلاة أضعفهم ولا تتخذ مؤذناً يأخذ على أذانه أجراً»، فإن لم يجد متطوعاً جاز له أن يرزق مؤذناً واحداً، ولا يزيد عليه لأن هذا من جملة مصالح المسلمين.
وهكذا لو وجد فاسقاً متطوعاً ووجد أميناً لا يتطوع به كان له بذل الرزق من بيت المال للأمين.
وقيل: فيه وجه آخر.
المتبرع أولى وإن كان فاسقاً حتى لا يحتاج إلى التزام مؤنة، ولو كان المتبرع ليس بحسن الصوت، فيه وجهان، لأنه تتوفر الجماعة به.
وقال الشافعي في «القديم»: رزقهم إمام هدى عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ولو عظمت البلدة ولم يكمهم مؤذن واحد نصب في كل محلة مؤذناً ورزقهم.
وروي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أجرى الرزق على أربعة مؤذنين بالمدينة، ونص الشافعي رحمة الله عليه في «الأم»، فقال: «رزق منهم قدر ما يحتاج إليه، ولو أراد الإمام أن يرزق مؤذناً من مال نفسه مع وجود من يتطوع به فلا بأس به».
فرع
اختلف أصحابنا في جواز عقد الإجارة على الأذان من الإمام [35 أ/ 2]، أو من واحد من الرعايا، فقال الأكثرون: يجوز كما يجوز على تعليم القرآن وأداء الحج عن الغير وبه قال مالك، وهذا أشبه بالمذهب، واختار القاضي الطبري وجماعة أئمة
خراسان.
وقال أبو حامد: لا يجوز أخذ الأجرة عليه بحال.
وغلط من أجازه وليس للشافعي ما يدل على جوازه.
وقد قال ههنا: «فإن لم يجد متطوعاً فلا بأس أن يرزق مؤذناً» فسماه رزقاً ولم يسمه أجرة.
وقال في الحج: استأجر من يحج عنه فدل على الفرق.
وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: يجوز أخذ الرزق، ولا يجوز أخذ الأجرة.
وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي وأحمد.
وروي عن أبي حنيفة لا يجوز أخذ الرزق أيضاً، وقيل: يجوز من الإمام ولا تجوز الإجارة من آحاد الرعية، وعلى ماذا يأخذ الأجرة؟ فالظاهر أنها على جميع الأذان كما في تعليم القرآن.
وقيل: فيه أوجه:
أحدهما: على مراعاة الوقت.
والثاني: على رفع الصوت.
والثالث: على كلمتي الحيعلة، لأنهما ليستا بذكر الله تعالى، ويجوز أخذ الأجرة على إعادة الدروس واحتجوا بخبر عثمان بن أبي العاص الذي ذكرنا.
وهذا غير صحيح عندي، لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه، ككتبة المصاحف.
والخبر محمول على ما لو وجد متطوعاً 0 ومن نصر قول أبي حامد قال: يجوز أخذ الرزق على القضاء، ولا يجوز أخذ الأجرة عليه 0 وكذلك على الإمامة.
وقال هذا القائل القرب في باب الإجارة والرزق على ثلاثة أضرب:
قربة يفعلها عن نفسه، ولا يعود نفعها إلى غيره، فلا يجوز أن يأخذ عليها رزقاً ولا أجرة بحالٍ كالصلاة والصيام ونحو ذلك.
وقربة يفعلها عن الغير وتقع عنه كالحج وتعليم القرآن وبناء القناطر والمساجد يجوز أخذ الأجرة والرزق عليها معاً.
وقربة يفعلها عن نفسه ويعود نفعها إلى غيره كالأذان والقضاء والخلافة، ويجوز أخذ الرزق عليها دون الأجرة [35 ب/ 2]
قلت: إذا كان الأذان بأجرة فهو قربة يفعلها للغير وهو إعلامهم بوقت الصلاة ودعائهم إلى حضور الجماعة فهو كالحج وتعليم القرآن، فلا يصح هذا التقسيم.
فرع آخر
قال: "ولا يرزقهم إلا من خمس الخمس"، سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد به سهم
النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة والفيء جميعاً فإنه مرصد لمصالح المسلمين وهذا من المصالح، ثم نقل المزني: ولا يجوز أن يرزقه من الفيء ولا من الصدقات، لأن لكل مالكاً موصوفاً وفيه خلل، لأنه معقول أن خمس خمس الفيء مع خمس خمس الغنيمة سهمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مصروفان إلى مصالح الإسلام، فيجوز صرف بعض هذا السهم من الفيء إليهم، والشافعي لم يقل هكذا، بل قال: ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يرزقه من غيره من الفيء يعني من الأخماس الأربعة ألا ترى أنه علَّل فقال: لأن لكل مالكاً يريد فما عدا سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة، والفيء والصدقات ملاكاً موصوفين في القرآن والسنة وليس لسهم النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة ولا من الفيء مالاً موصوف بل هو للمصالح.
وهذا على القول الذي يقول: أربعة أخماس الفيء للمقاتلة.
فأما على القول الثاني، أنها للمصالح فإنه يبدأ بالأهم، فالأهم، والأهم أن يبدأ بالمقاتلة أيضاً، ثم بسد الثغور، ويجوز ذلك فما فضل جاز أن يرزقهم الإمام منه ويرزق الحكام وغيرهم أيضاً.
مسألة: قال: "وأحب الأذان لما جاء فيه".
وهذا كما قال، أراد به يستحب التأذين لما جاء في فضله من الأخبار، ثم روى من الأخبار خبراً واحداً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين».
ومعنى قوله: الأئمة ضمناء، أي: ضمنوا إتمام الصلاة بالقوم كما جاء في خبر آخر.
قال: فإن أتموا فلكم ولهم وإن نقصوا فلكم وعليهم [36 أ/ 2].
وقيل: الضامن في كلام العرب الراعي والضمان معناه الرعاية، فمعنى الخبر أن الإمام يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم.
وقيل: معناه ضمان الدعاء يعمهم به، ولا يختص به دونهم.
ومعنى قوله: «المؤذنون أمناء»، أي: هم مؤتمنون على الأوقات، وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أذن سبع سنين صابراً محتسباً كتبت له براءة من النار».
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أذن اثني عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بكل أذان مسنون حسنة وبكل إقامة ثلاثون حسنة»، أورده الدارقطني.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يشفع المؤذنون يوم القيامة»، فإذا تقرر هذا اختلف أصحابنا في الأذان والإقامة أيهما أفضل؟ فقال أبو حامد وجماعة: الأذان أفضل، قالوا: وهذا هو المذهب، وقد صرح به في كتاب الإمامة، فقال: وأحبّ الأذان لما فيه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اغفر للمؤذنين».
وذكره الإمامة للضمان.
وهذا اختيار أبي إسحق ووجه هذا ما ذكرنا من الخبر، «الأئمة ضمناء» فإن الإمامة موضع السلامة، ولا يخاف منها شيء.
والضمان موضع الخطر والغرامة ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لكل واحد منهما فكان دعاؤه للأئمة بالرشد الذي هو سبب المغفرة، وكان دعاؤه للمؤذنين بنفس المغفرة.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤذنون أطول أعناقاً يوم القيامة».
وفي لفظ: «يحشر المؤذنون أطول الناس أعناقاً»، ومعناه أطول رجاء يقال: طال عنقي إلى وعدك، أي: رجائي.
وقيل: أراد طولاً حتى لا يبلغ العرق إلى أفواههم فيلجمهم كما يلجم غيرهم.
وقيل: لم يرد به أن أعناقهم تطول لكن الناس يعطشون يوم القيامة، فإذا عطش الإنسان انطوت عنقه.
والمؤذنون [36 ب/ 2] لا يعطشون فأعناقهم قائمة.
وقيل: أراد أطول الناس أصواتاً وعبر عن الصوت بالعنق، لأنه محل الصوت.
وقيل: أراد أكثر أتباعاً.
والعنق: الجماعة من الناس، يقال: ما تبعه عنق من الناس.
ومعناه من أجابهم إلى الصلاة تبعهم إلى الجنة يوم القيامة.
وقيل: أراد أطولهم أعناقاً لأمنهم، إذ الأمين مشرفٌ رافع رأسه والخائن متوارٍ منقبض.
وقيل: إعناقا بكسر الألف، ويراد به سرعة السير إلى الجنة.
وروى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم الناس ما في الأذان لتضاربوا عليه بالسيوف».
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يد الرحمن على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه، وأنه يغفر له مدى صوته أين بلغ».
وروي أن عمر رضي الله عنه قال: «لو كنت مؤذناً لما باليت أن لا أجاهد، ولا أحج ولا أعتمر بعد حجة الإسلام».
وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: "ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله" [فصلت: 33] نزلت في المؤذنين.
ومن أصحابنا من قال: الإمامة أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده اختاروا الإمامة، ولأنها أشق فكانت أفضل.
ومن قال بالأول، قال: إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأذان لاشتغاله بما هو أهم.
وكذلك الخلفاء، وهو ظاهر في قول عمر رضي الله عنه لولا الخلافة لأذنت.
ولا بد من الصلاة إن لم يكن إماماً فمأموماً فلهذا تولى الإقامة.
وقيل: إنما تركه لأنه يحتاج أن يشهد لنفسه، ويقول: أشهد أني رسول الله وفيه تغيير نظم الأذان أيضاً.
وقيل: إنما تركه، لأنه لو دعا الناس بنفسه إلى الصلاة لم يسع لأحد منهم التخلف، وفيه ضيق على الناس.
وقيل: كانت الإمامة له أفضل، لأنه كان مأموناً من الخطأ والزلل والتقصير في أداء الضمان [37 أ/ 2]، فإنه لا يقر على الخطأ والسهو.
وقال بعض أصحابنا وهو قول أئمة خراسان، وهو الصحيح عندي: الإمامة أفضل إذا كان عالماً بما يلزم الإمام في صلاته وما ينوب فيها ويعلم من نفسه القيام بحقها، لأنها أشق والإمام الضامن أكثر عملاً من المؤذن الأمين.
وكلما كثر العمل فالثواب أكثر، وهذا اختيار صاحب «الإفصاح» وصرح الشافعي به في كتاب الإمامة، فقال: وأحب الأذان وأكره الإمامة للضمان، وما على الإمام فيها، وإذا أم ينبغي أن يتقي ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإذا فعل رجوت أن يكون خير حال من غيره.
وفيما ذكروه من لفظه في كتاب الإمامة خلل، ولم يذكروا تمام الكلام على هذا الوجه، وهذا يزيل الإشكال.
فرع
قال أصحابنا: لا يستحب أن يتولى واحد كلا الأمرين: التأذين والإمامة، لأن ذلك لم يكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة رضي الله عنهم، ولأن المؤذن والقوم تبع للإمام.
ومن أدب المؤذن إذا أذن أن ينتظر اجتماع القوم، ثم إذا اجتمعوا يأتي نائب الإمام فيؤذنه باجتماعهم كما ذكرنا عن بلال.
وقال صاحب «الحاوي»: «لو أمكن القيام بهما والجمع بينهما أولى، فيجوز
شرف المنزلتين وثواب الفضيلتين»، والأول أصح عندي، وهو ظاهر المذهب.
فرع آخر
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة»، ولم يرد به أن الإمام يقيم بل أراد أن المؤذن يؤذن متى شاء إذا دخل الوقت، ولكن لا يقيم إلا أن يرضى الإمام أو يأذن فيها، ويجوز انتظاره لها.
مسألة: قال: "وأحب للإمام تعجيل الصلاة لأول وقتها"، وهذا كما قال: يستحب تعجيل الصلوات في أول وقتها في الجملة.
وقال أبو حنيفة: يستحب تأخيرها عن أول وقتها، وهذا غلط لما احتج به [37 ب/ 2] الشافعي، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله».
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: رضوان الله أحب إلينا من عفوه، ثم بين الشافعي المعنى فيه، فقال: وأقل ما للمصلي في أول وقتها أن يكون عليها محافظاً، ومن المخاطرة بالنسيان والشغل والآفات خارجاً، وهذه إشارة منه إلى تأويل قوله تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" [البقرة: 238]، وفيه خلل، لأن الشافعي احتج بهذه الآية، ثم ذكر هذه اللفظة على جهة الاستدلال، فترك المزني نقل الدليل ونقل جهة الاستدلال، ولا يحسن ذلك، وفيه خلل آخر.
وقال: «ورضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين» ولم يقل الشافعي هذا، لأن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت موسع فلا ينسب إلى التقصير، ولفظ الشافعي: ورضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو عفوان عفو تقصير وعفو توسعة، ويشبه أن يكون الفضل في غير التوسعة ما لم ينه عن ذلك الغير، ومعنى ذلك أن الفطر رخصة في السفر، والصوم أفضل ما لم يجهده، فيكون الفطر أفضل.
فأما إذا لم ينه عن ترك الرخصة، فالفصل في تركها، فلم يجعل الشافعي التأخير من باب
التقصير، وإنما جعله من باب التوسعة، فألحقه المزني بالتقصير.
وقيل: أراد به أنه مقصر بإضافته إلى ثواب من صلى في أول الوقت كالمصلي عشر ركعات نفلاً مقصر بإضافته إلى من صلى عشرين، ولم يرد به تقصير الإثم.
وقيل: أنه مقصر لولا عفو الله في إباحة التأخير، فإذا تقرر هذا نذكر كل صلاة على التفصيل.
أما الصبح: التغليس بها أفضل إذا تحقق طلوع الفجر، فإذا غلب على ظنه طلوعه يجوز له أن يصلي ولكن يستحب له تأخيرها إلى أن يتحقق.
وبه قال عمر وعثمان وابن الزبير [38 أ/ 2] وأنس وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة ومالك والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق وجماعة.
وقال الثوري وأبو حنيفة: الإسفار بها أفضل ما لم يخشَ طلوع الشمس إلا الصبح بمزدلفة، فإن تعجيلها أفضل.
وروي ذلك عن ابن مسعود والنخعي واحتجوا بما روى رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر».
وروي: «أصبحوا بالصبح» الخبر، هذا غلط لما روي عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلى الصبح بغلس ثم أسفر مرة ثم غلس ولم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى».
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس»، والغلس اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، والغبش قريب منه إلا أنه دون، والمروط أكسية تلبس، والتلفع بالثوب الاشتمال به.
وروي: متلفقات، أورده مسلم في «صحيحه».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل الأعمال عند الله الصلاة لأول وقتها».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ثلاث لا تؤخرها، الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً».
وأما خبرهم أراد به إسفار الفجر، وهو ظهوره واستنارته، وهذا لأنه يحتمل أنه لما
أمر بتعجيل الصلوات كانوا يصلونها ما بين الفجر الأول والفجر الثاني طلباً للأجر في تعجيلها ورغبة في الثواب، فقال لهم: صلوها بعد الفجر الثاني، وأصبحوا بها إذا كنتم تريدون الأجر، فإن ذلك أعظم للأجر، فإن قيل: كيف يقال هذا، والصلاة إذا لم تجز لم يكن فيها أجر؟ [38 ب/ 2] قلنا: لا جواز لها، ولكن أجرهم فيما نووه بالخطأ ثابث كقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ، فله أجر».
وقيل: الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة.
وذلك أن الصبح لا يتبين فيها جيداً، فأمرهم بزيادة التبيين استظهاراً باليقين في الصلاة، فإذا تقرر هذا يستحب أن يدخل فيها بغلس ويخرج منها بغلس.
وهذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: يدخل فيها بغلس ويخرج منها بالإسفار جمعاً بين الأخبار، وهذا حسن.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «صلوا الفجر في الشتاء وتغلسوا بها، وأطيلوا القراءة على قدر ما تطيقون وإذا كان الصيف فأسفر فإن الليل قصير ليدركها النوام».
وأما صلاة الظهر: يستحب تعجيلها في كل وقت لكل أحد إلا أن يشتد الحر، فيستحب أن يؤخرها عن أول وقتها باربع شرائط:
أحدها: أن يكون الرجل إمام القوم يصلي بهم جماعة.
والثاني: أن يكون في شدة الحر في الصيف.
والثالث: أن يكون في البلاد الحارة مثل الحجاز ونحوه.
أن تنتابها الجماعة ويحضرها من مكان بعيد، فإن اختل شرط من هذه الشرائط لا يستحب تأخيرها مثل أن يصلي وحده أو في جماعة في جوار المسجد، أو في زمان معتدل، أو في شدة الحر في البلاد الباردة، أو في مسجد يكون الطرق إليه في ظل أو كنين.
وقال في «البويطي»: القريب والبعيد فيه سواء لأن القريب يلحقه حر المسجد ويشق عليه ذلك.
وقيل: الإبراد في حق من يصلي في بيته قولان:
أحدهما: يسن لعموم الخبر.
والثاني: لا يسن، لأنه لا مشقة، وهذا غريب.
وإذا وجدت هذه الشرائط أخرها حتى تكسر شدة الحر ويتسع فيء الحيطان، ثم صلاها.
قال الشافعي رحمه الله:
«ولا [39 أ/ 2] يبلغ بتأخيرها آخر وقتها حتى يصليها معاً، يعني: الظهر مع العصر من يصيبها، وينصرف منها قبل آخر وقتها».
وقال أيضاً: «يصليها في وقت إذا فرغ منها يكون بينه وبين آخر الوقت فصل».
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا ينبغي أن يبلغ بالتأخير نصف الوقت، وهذا صحيح موافق للنص الذي ذكرنا.
وقيل: يؤخر إلى أن يحصل فيء ويمشي فيه القاصد إلى الصلاة، وهذا قريب مما تقدم، والأصل في هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب قد أكل بعضي بعضاً، فأذن لها في نفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من حرها وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وقوله: فيح جهنم معناه سطوع حرها وانتشاره، يقال: مكان أفيح، أي: واسع.
وقيل: هذا في الحقيقة من وهج حر جهنم.
وقيل: خرج هذا الكلام مخرج التقريب، أي: كأنه نار جهنم في الحر فاحذروها، فإن قيل.
روى خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة حر الرمضاء، فلم يشكنا»، وهذا يدل على أنه لم يجوز لهم التأخير لشدة الحر.
وقال جابر رضي الله عنه: «كنت أصلي الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآخذ قبضة من الحصباء لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر».
قلنا: يحتمل أنه لا يزول ذلك بالإبراد وإنما يزول بالسترة ويحتمل أن يكون رخص بعد ذلك وأمر بالإبراد.
وقال مالك: الأفضل أن يؤخرها أبداً حتى يصير الفيء قدر ذراع لأن الناس يكونون في أشغالهم فإذا أخرت قليلاً اجتمع لها الناس، وهذا غلط لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي الظهر حين ترجع الشمس».
وأما ما قاله لا يصح لأنه لو صح لكان يؤخرها إلى وسط الوقت ليكثر الناس [39 ب/ 2].
وقال أبو حنيفة: «تأخيرها أبداً إلا الظهر في الشتاء»، وهذا غلظ لما ذكرنا.
فرع
الإبراد بالظهر على ما ذكرنا هل هو سنة أو رخصة؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: سنة، وهو ظاهر المذهب، وهو اختيار أبي إسحق لأن شدة الحر تذهب بالخشوع فهي كشدة الجوع، ومنهم من قال: هو رخصة، لأن الشافعي، قال في البويطي: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأخيرها في الحر توسعة منه ورفقاً بالذين ينتابونه مثل توسعته صلى الله عليه وسلم في الجمع بين الصلاتين، فحصل قولان.
فرع آخر
الإبراد بصلاة الجمعة عند اشتداد الحر بهذه الشرائط، هل يستحب؟ وجهان:
أحدهما: لا يستحب، لأن الناس ندبوا إلى التبكير إليها، فإذا اشتد الحر يكونون مجتمعين في الجامع، فتعجيل الجمعة بهم أرفق من تأخيرها، وهذا أظهر.
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا اشتد البرد بكر بها، وإذا اشتد الحر أبرد بها».
والثاني: يستحب فيها ذلك أيضاً، لأنها في يوم الجمعة كالظهر في سائر الأيام.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: وعلى هذا في المسجد الكبير الذي يجتمع فيه الناس الكثير في الجماعات وجهان أيضاً، وهذا محتمل قياساً على الجمعة.
وأما صلاة العصر: فتعجيلها أفضل، وبه قال من ذكرنا من الصحابة وغيرهم.
وقال مالك: يؤخرها يسيراً كما قال في الظهر.
وقال أبو حنيفة: تأخيرها أفضل ما دامت الشمس بيضاء نقية، وبه قال الثوري إلا في يوم الغيم وعن إبراهيم أنه كان يؤخر العصر.
وروي عن أبي قلابة أنه قال: إنما سميت العصر لأنها تعصر، واحتج بما روى رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يأمر بتأخير هذه الصلاة»، يعني صلاة العصر، وهذا غلط لما روى الشافعي بإسناده عن أنسٍ رضي الله عنه [40 أ/ 2] أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي العصر والشمس بيضاء حية ثم يذهب الذاهب إلى العوإلي فيأتيها والشمس مرتفعة».
وحياتها شدة وهجها وبقاء حرها.
وقيل: حياتها صفاء لونها لم تتغير.
وقال الزبيري: والعوالي على ميلين أو ثلاثة.
قال الراوي: وأحسبه قال: أو أربعة.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر» ومعنى الظهور هنا: الصعود.
يقال: ظهرت على الشيء إذا علوته.
ووجه الدليل أن حجرة عائشة كانت ضيقة الرقعة والفناء والشمس تتقلص عنها سريعاً، فلا يكون مصلياً للعصر قبل أن تصعد الشمس عنها، إلا وقد بكر بها.
وأما خبرهم رواه عبد الواحد بن رافع، وهو مطعون فيه.
وقد روى الدارقطني بإسناده عن الأوزاعي عن ابن المجادي عن رافع بن خديج.
قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، ثم ننحر الجزور فنقسمه ثم نطبخ فنأكل لحماً نضجاً قبل أن تغيب الشمس» فدل على ما قلنا.
وأما صلاة المغرب: فلا خلاف بين العلماء أنه يستحب تعجيلها.
والأصل فيه ما روى جابر رضي الله عنه، قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب ثم نخرج فنناضل حتى يخرج صوت بني سلمة فننظر إلى مواقع النبل من الإسفار».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم».
وأما العشاء الآخرة: قال في «الإملاء» و «القديم»: «تعجيلها أولى»، وهو الصحيح لما روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: أنا أعلمكم بوقت هذه الصلاة، صلاة عشاء الآخرة، «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة»، وهذا إخبار عن دوام فعله.
[40 ب/ 2]
وقال في «الأم»: «تأخيرها أفضل».
وبه قال أبو حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل».
وروي إلى نصف الليل.
واختلف قوله في قدر التأخير لاختلاف الرواية.
وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها
أمة قبلكم».
ومعناه أخروها.
فرع
قال أصحابنا: يكره النوم قبلها والحديث بعدها لما روى أبو برزة، قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النوم قبلها والحديث بعدها».
فرع آخر
أوكد الصلوات في المحافظة عليها، الصلاة الوسطى، لأن الله تعالى قال: "والصلاة الوسطى" [البقرة: 238] فخصها بالذكر، والصلاة الوسطى هي صلاة الصبح.
وبه قال مالك، وروي هذا عن علي وابن عباس وابن عمر وجابر رضي الله عنهم.
وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة أنها العصر.
ورواه ابن المنذر عن علي وأبي هريرة وأبي أيوب وأبي سعيد رضي الله عنهم.
وروي عن عائشة وزيد أنهما قالا: هي الظهر.
وروي هذا عن أبي حنيفة وأصحابه.
وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب.
وهذا كله غلط لقوله تعالى: "وقوموا لله قانتين" [البقرة: 238]، فقرنها بالقنوت، ولا قنوت إلا في صلاة الصبح.
وروى مالك عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى وقنت فيها، ثم قال: «هذه الصلاة التي أمرنا الله فيها أن نقوم قانتين».
وروى مالك في «الموطأ»: عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن أكتب لها مصحفاً، فإذا بلغت هذه الآية فأذنتني "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" قال: فلما بلغتها أذنتها فأملت علي: حافظوا [41 أ/ 2] على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، ثم قالت: «سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ولأن صلاة الصبح لا تتبع إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، فهي منفردة قبلها صلاتا الليل وبعدها صلاتا نهار.
واحتج أبو حنيفة بما روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: لما كان يوم الأحزاب صلينا العصر بين المغرب والعشاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «شغلونا عن الصلاة
الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً».
قلنا: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم سماها وسطى ونحن لا نمنع من ذلك وخلافنا في المراد بالآية.
واحتج زيد بن ثابت رضي الله عنه بأن صلاة الظهر وسط صلوات النهار وفيها مشقة لكونها في شدة الحر ووقت القيلولة.
واحتج قبيصة بأن المغرب أوسط أعداد الصلوات ووقتها مضيق فنهى عن تأخيرها.
قلنا: أخبارنا أولى لأنها صريحة منصوصة، ويعارضهم بأن الله تعالى حث على صلاة الصبح دون غيرها، فقال: "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" [الإسراء: 78].
باب
استقبال القبلة وأن لا فرض إلا الخمس
مسألة: قال: "ولا يجوز لأحد صلاة فريضة ولا نافلة ولا سجود قرآن ولا جنازة إلا متوجهاً إلى البيت الحرام".
الفصل
وهذا كما قال: اعلم أنه افتتح الباب ببيان الحال التي يجب فيها استقبال القبلة والحالة التي لا تجب، والمقصود هذا.
وقوله في ترجمة الباب، (وأن لا فرض إلا الخمس) شيء اعترض في الباب وبيانه سيأتي في موضع آخر، وأراد بالبيت الحرام الكعبة.
قال الله تعالى: "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس" [المائدة: 97]، وكذلك المراد بقوله تعالى: "فول وجهك شطر المسجد الحرام" [البقرة: 144]، الكعبة فإنها هي القبلة بعينها [41 ب/ 2]، وشطر المسجد: نحوه.
وجملته: أن استقبال القبلة شرط في الصلاة في الجملة بدليل هذه الآية.
وروى أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «استقبل الكعبة وصلى ركعتين.
وقال: هذه القبلة، هذه القبلة».
مرتين.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان يصلي أول فرض الصلاة بمكة إلى بيت المقدس، وكان يصلي على صفةٍ يكون متوجهاً إلى الكعبة ليكون مستقبلاً لها ولبيت المقدس لمحبته قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما، فلم يزل على هذا
حتى هاجر إلى المدينة وكان يصلي فيها إلى بيت المقدس، ولم يمكنه التوجه إلى الكعبة لأن من استقبل بيت المقدس بالمدينة يكون مستدبراً للكعبة، فلا يمكنه ما كان بمكة فشق عليه ذلك.
ومضى على هذا ستة عشر شهراً أو سبعة عشر، فسأل يوماً جبريل عليه السلام أن يسأل له ربه عز وجل أن يجعل قبلته الكعبة، فقال له: سله أنت فإنك من الله بمكان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرج جبريل عليه السلام وكان يقلب النبي صلى الله عليه وسلم وجهه في السماء، فنزل قوله تعالى: "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنواينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام" [البقرة: 144]. فنسخ القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة.
وكان هذا في وقت صلاة العصر.
وقال أنس رضي الله عنه: كان في صلاة الظهر.
«وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين منها نحو بيت المقدس، فانصرف إلى الكعبة».
وقال الواقدي: كان هذا في يوم الثلاثاء للنصف من شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: كان في رجب قبل بدر بشهرين.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا، والله أعلم شأن القبلة والقيام الأول.
وقال أيضاً: أول من صلى إلى الكعبة، [42 أ/ 2] وأوصى بثلث ماله وأمر أن يتوجه إلى الكعبة البراء بن معرور وابنه بشر بن البراء الذي أكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة المسمومة فمات، واختلف أصحابنا، هل استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس برأيه أو عن أمر الله تعالى على قولين:
أحدهما: برأيه، لأن الله تعالى خيره في قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: 115]، أي: قبلة الله، فاختار بيت المقدس وبه قال الحسن وعكرمة وأبو العالية والربيع بن أنسٍ.
والثاني: استقبله بأمر الله تعالى لقوله تعالى: "وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول" [البقرة: 143]. وبه قال ابن عباس وابن جريج وفي قوله تعالى: "إلا لنعلم من يتبع الرسول" [البقرة: 143] أربع تأويلات:
أحدها: ليعلم رسولي وأوليائي لأن من عادة العرب إضافة ما فعله اتباع الرئيس كما قالوا: فتح عمر رضي الله عنه سواد العراق.
والثاني: ألا ترى والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم.
والثالث: معناه، إلا لتعلموا أننا نعلم، لأن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها.
والرابع: معناه إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك، وهذا قول ابن عباسٍ رضي الله عنه.
وأما قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: 115]، له ست تأويلات:
أحدها: ما قاله الأولون من تخيير الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يستقبل حيث شاء قبل استقبال الكعبة.
والثاني: نزلت في صلاة التطوع للسائر وللخائف في الفرض.
وبه قال ابن عمر رضي الله عنه.
والثالث: نزلت فيمن خفيت عليه القبلة.
والرابع: أنه لما نزل قوله تعالى: "أدعوني استجب لكم" [غافر: 60]، قالوا: إلى أين؟ فنزل هذا، وبه قال مجاهد.
والخامس: أراد وحيث ما كنتم من مشرق أو مغرب فلكم جهة الكعبة فيستقبلونها.
والسادس: سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين استقبل الكعبة، قالت اليهود: قبحاً في ذلك، فنزل هذا.
وبه قال [42 ب/ 2] ابن عباس.
وروى الشافعي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت، فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن نستقبل الكعبة، فاستقبلوها.
وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة».
وروي أن هذا القائل، قال لهم: أشهد أن القبلة قد حولت إلى الكعبة.
وقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، فاستداروا في صلاتهم وبنوا عليها، فإذا تقرر هذا، فكل من لزمه التوجه إليها على ستة أضرب:
ضرب: فرض المعاينة.
والثاني: ضرب فرضه الإحاطة دون المعاينة.
والثالث: ضرب فرضه الخبر.
والرإبع: ضرب فرضه التقليد.
والخامس: ضرب فرضه الاجتهاد.
والسادس: ضرب فرضه التفويض.
فأما من فرضه المعاينة فكل من يقدر على معاينة البيت فمن يكون بمكة في مسجدها أو منزل منها أو سهل أو جبل لا تجوز صلاته حتى يصيب استقبال القبلة، لأنه يدرك صواب عينه بمشاهدة ومعاينة.
وأما من فرضه الإحاطة، وهي اليقين دون المعاينة، فكل من كان بمكة في موضع لا يرى منه البيت إلا أنه نشأ بمكة، ويعلم جهة البيت يقيناً فهذا يلزمه أن يصيب استقبال البيت من طريق الإحاطة واليقين.
وهكذا من يقدر على قبلة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة لأنها مقطوع بصحتها، لأنه لا يقر على الخطأ.
قال أصحابنا: وكذلك القبلة التي صلى إليها الصحابة كقوله قباء والكوفة.
وأما من فرضه الخبر: فكل من كان وراء جبل أبي قبيس وما أشبهه من الجبال، وهو غريب لا يعرف سمت البيت وعلى رأس الجبل من يخبره عنه من طريق المشاهدة، وهو ثقة يلزمه قبول خبره كمن وجد من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [43 أ/ 2] نصاً يلزمه قبوله، ولا يجوز الاجتهاد فيه.
وأما من فرضه التقليد كالأعمى.
وقال داود: يصلي الأعمى إلى أي جهة شاء، لأنه عاجز.
وهذا غلط لظاهر الآية، وهي قوله تعالى: "فولوا وجوهكم شطره" [البقرة: 144]، ولأنه يمكنه السؤال فلا يكون عاجزأ.
وأما من فرضه الاجتهاد فكل من كان على صفة لا يقدر على معاينة ولا إحاطة ولا خبر لبعده عن مكَّة ففرضه الاجتهاد يستدل عليها بالرياح والنجوم والشمس والقمر، فمن غلب على ظنه جهة صلى إليها.
وأما من فرضه التفويض، فهو أن يدخل بلداً كبيراً كثير الأهل، قد اتفقوا على قبلتهم كالبصرة، وبغداد، فيستقبل قبلتهم تفويضاً، لاتفاقهم لأنه يبعد أن يكونوا على خطأ ويستدركه واحد، فإذا تقرر هذا، فكل من كان غائباً عن مكة يجوز له الاجتهاد فيها إذا تعذر معرفتها.
وأما من كان بمكة ذكر الشافعي فيه كلاماً مختلفاً، فقال في «الأم»: فكل من كان يقدر على رؤية البيت لا تجوز صلاته حتى يصيب استقبال البيت، لأنه يدرك صواب استقباله بمعاينةٍ.
ثم قال بعد ذلك: ومن كان بمكة لا يرى البيت وأراد المكتوبة لا يحل له أن يدع الاجتهاد في طلب صواب عين الكعبة بالدلائل، فجعل فرضه الاجتهاد وإن كان بمكة وجعل في الأولى فرضه الإحاطة.
وليست المسألة على قولين بل هي على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال: فرضه اليقين إذا كان الحائل دونها حادثاً كالبناء والسترة، ولا يجوز الاجتهاد بل ينتقل إلى حيث يرى البيت ويصلي إليها على اليقين.
والموضع الذي قال: فرضه الاجتهاد إذا كان الحائل دونها من خلقة الأصل كالجبال والتلول ونحوها، فالحاصل من هذا أنه إذا كان بالبعد من مكة ففرضه الاجتهاد، [43 ب/ 2] وإن كان بالقرب منها ينظر، فإن كان الحائل من خلقة الأصل، ففرضه الاجتهاد، هان كان الحائل حادثاً، ففرضه الإحاطة، ومن أصحابنا من قال: إن كان الحائل أصلياً، ففرضه الاجتهاد، لأنه يشق عليه صعود الجبل، ونحوه، وإن كان حادثاً كالأبنية، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كالأصلي، وهو ظاهر كلام الشافعي، لأنه لو كثف المشاهدة أدى إلى تكليف سيراً يشق عليه، ولأن بينه وبين البيت حائلاً يمنع المشاهدة فأشبه إذا كان بينهما جبل.
والثاني: لا يجوز، لأن الاجتهاد لم يجز في هذا الموضع قبل حدوثه، فلا يجوز بعد حدوثه وطرآنه.
فرع
لو استقبل حجر الكعبة، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: «صلي في الحجر، فإنه من البيت».
والثاني، لا يجوز استقباله وحده، وهو الصحيح، لأنه ليس من البيت قطعاً، بل هو منه بغلبة الظن، فلم يجز العدول عن اليقين لأجله.
فرع آخر
لو اجتهد فتساوت عنده جهتان مختلفتان على كل واحدة منهما.
أمارات دالة ولم يترجح عنده إحداهما، فيه وجهان:
أحدهما: يصلي إلى أي الجهتين شاء.
والثاني: يصلي في إحدى الجهتين ويعيد في الأخرى، وأصل هذين الوجهين اختلافهم في العامي إذا أفتاه فقيهان بجوابين مختلفين، فيه وجهان:
أحدهما: يتخير.
والثاني: يأخذ بالأغلظ، والأغلظ ههنا أن يصلي إلى الجهتين.
ذكره صاحب «الحاوي».
فرع آخر
تعلم دلائل القبلة فرض في الجملة وهل هو على الأعيان أو على الكفاية، وجهان: أحدهما: على الأعيان ليعلم أركان الصلاة.
والثاني: على الكفاية كتعلم دقائق مسائل الفقه.
مسألة: قال الشافعي رحمة الله عليه «إلا في حالين».
الفصل
وهذا كما قال: لا يجوز ترك استقبال القبلة إلا في حالين: [44 أ/ 2]
إحداهما: حالة الخوف، والثاني: حالة السفر.
فأما الخوف، فضربان: خوف لا يقطع عن استقبالها بل يكون بالمسلمين كثرة، وبالمشركين قلة ويمكنهم أن يفترقوا فرقتين، طائفة وجاه العدو وتصلي الطائفة الأخرى ففرضهم التوجه إلى القبلة لا يجزئهم غير ذلك.
وخف يقطعه عن ذلك، وهو شدة الخوف عند المسايفة والتحام القتال، فيجوز له ترك إستقبالها في الفرض والنفل راكباً كان أو نازلاً.
قال الله تعالى: "فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً" [البقرة: 239] ويسقط عنه في هذه
الحالة ثلاثة أشياء: التوجه إلى القبلة، والقيام، واستيفاء الركوع والسجود، فإن قدر على بعضها دون بعض يلزمه.
وأما السفر: فيجوز لأجله ترك الاستقبال في النافلة فقط دون الفريضة، وإن كانت من فرائض الكفايات كصلاة الجنازة ولا فرق فيه بين الماشي والراكب.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز للماشي ذلك، لأنه عمل كثير، وهذا غلط، لأنه أحد اليسرين، فأشبه سير الراكب، ولأن النوافل كثيرة غير محصورة.
ولا بد من الأسفار وتقع الحاجة إلى الأسفار ماشياً كما تقع راكباً، فلو قلنا: لا يجوز النفل ماشياً أدى إلى انقطاع الناس عن أحد أمرين: إما عن نوافلهم، وإما عن أسفارهم ومعايشهم.
قال القفال: وعرفت فضل عبادة الشيخ أبي زيد المروزي، واجتهاده على غيره بأنه كان يعلل في هذه المسألة بأنه يؤدي إلى أن ينقطع الناس عن نوافلهم.
فكان عنده أن النوافل لا بد منها وإن أدى إلى ترك المعاش لها.
والأصل فيما ذكرناه قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: 115].
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: نزلت في التطوع خاصة حيث توجه بك بعيرك.
وروى جابر رضي الله عنه، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي على راحلته في كل جهة» [44 ب/ 2] وروي أنه صلى الله عليه وسلم «كان يوتر على راحلته».
فرع
إذا كان ماشياً فأراد صلاة النافلة يلزمه التوجه إلى القبلة في ثلاثة أحوال: منها عند الافتتاح، فيلزمه أن يفتتحها إلى القبلة، ثم يعدل إلى جهة سفره ويقرأ، ثم إذا حضر الركوع والسجود ركع إلى القبلة وسجد على الأرض إلى القبلة متمكناً لأنه لا مشقة في ذلك، لأن زمانه يسير.
نص عليه في «القديم» و «إلإملاء»، وكأنه اعتبر أن يتوجه إلى القبلة في كل ركن يفتتح بالتكبير.
فرع آخر
إذا سجد إن شاء والى بين السجدتين وإن شاء فرق بينهما وتشهد ماشياً وسلم في