الفصل
وهذا كما قال.
لا شك أن كفنها خمسة أثواب ويزاد لها على الرجال ثوبان استحبابا قال الشافعي: وأحب أن يكون أحدها درعاً، وقال المزني: قد قال به الشافعي ثم خط عليه قال أصحابنا: فيه قولان، ولعله خطأ لا لأنه لم يقل به، ولكن لأنه لم يثبت عنده السنة أحدهما: يكفن به وهو الصحيح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كفن ابنته أم كلثوم بالدرع" في جملة أكفانها، قالت أم عطية: أول ما أعطانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحقو ثم الدرع، ثم الخمار، نم الملحفة، ثم الثوب الآخر، وكان يناولها واحداً واحداً؛ ولأن المرأة في حال حياتها تخالف الرجل في اللباس فكذلك بعد الموت.
والثاني: لا يكفن به كما في الرجل، وهذا لأن القميص يحتاج إليه الحي لتصرفاته وحركاته ولا حاجة بالميت إلى ذلك، وقال في "الأم": ويشد على صدرها ثوب يضم ثيابها واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: ليس هذا الثوب من جملة [309 أ/3] الأكفان، وإنما أمر به ليشد أكفانها عليها فلا يتحرك في أكفانها، فإذا أضجعت في القبر حلت، وهذا هو اختيار أبي إسحاق، وقال ابن سريج: هو من جملة الأثواب الخمسة، لأن الشافعي أمر به ولم يأمر بحله، وظاهر كلام الشافعي الأول لأنه قال: يجمع عليها ثيابها.
وهذا يدل على أنه يكون فوق جميع الكفن، فإذا قلنا: بقول أبي إسحاق، وقلنا: يستحب الدرع فالترتيب فيه أن تؤزر وتدرع وتخمر، ثم يشد على صدرها وثدييها ثوب ثم تروح في الخامس.
وإن قلنا: الدرع لا يستحب فإنها تؤزر وتخمر ويشد على صدرها خرقة ثم يروح في لفافتين وهذا ذكره ابن أبي أحمد.
مسألة: قال: ومؤنة الميت من رأس ماله.
الفصل
وهذا هو كما قال.
مؤنة الميت مقدمة على الميراث والديون والوصايا، لأن ذلك مما استغرقته حاجته في نفسه فهو كالمفلس في حياته يترك له من ماله ما لا غناء به عنه، وقال خلاس بن عمرو: ويكون من الثلث بكل حال، وقال طاوس: إن كان موسراً فمن رأس ماله وإن كان معسراً [309 ب/3] فمن ثلثه، وهذا غلط لما روي في خبر الأعرابي الذي وقصت به ناقته "كفنوه في ثوبيه" ولم يسأل عن ثلثه، ولو أوصى رجل أن يكون كفنه ثلث ماله جازت.
مسألة: قال: فإن اشتجروا في الكفن فثلاثة أثواب.
الفصل
وهذا كما قال.
إذا اختلقت الورثة في الكفن اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يكفن في ثلاثة أثواب لا ينقص منها، كالحي المفلس يترك عليه ثلاثة أثواب قميص
وسراويل ومنديل، وهو ظاهر كلامه هاهنا، ومنهم من قال: يكفن في ثوب واحد؛ لأن ذلك يعمه ويستره وهو الأقل، وتأويل ما ذكر هاهنا أنهم اشتجروا في الأجمل وعلى كل حال يعتبر الجنس والغلظ والرقة بحال الميت.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن لم يكن عليه دين لا ينقص عن ثلاثة أثواب، وإن كان عليه دين فاختلف الغرماء والورثة فقال الغرماء: نكفنه في ثوب واحد وقال الورثة: بل في ثلاثة أثواب، فيه وجهان:
أحدهما: يكفن في ثوب واحد؛ لأنه ليس لمحل التجمل والمباهاة مع الدين، وأما إذا اشتجروا [310 أ/3] في الحنوط، قال أصحابنا: فيه قولان:
أحدهما: ما قال في "الأم" و "القديم" وكفن الميت وحنوطه ومؤنته من رأس المال وليس لورثته ولا لغرمائه منع ذلك.
فظاهره أنه واجب، لأن العادة جارية به كالكفن ويرجع في صفته إلى العرف والعادة لمثله، ولا يجب الكافور على هذا القول لأنه لا حاجة به إليه.
والثاني: لا يجب الحنوط، وإنما هو استحباب؛ لأنه يجري مجرى الطيب ولا يترك للمفلس الطيب كذلك هاهنا، فعلى هذا عند الاشتجار يترك، وقيل: فيه وجهان والصحيح ما ذكرنا.
فرع
كل من كانت مؤنته ونقضه في ماله في حياته كانت مؤنته في تركته بعد وفاته من المناسبين والمملوكين قولاً واحداً، وأما الزوجة قال أبو إسحاق: مؤنتها على زوجها موسرة كانت أو معسرة، وبه قال مالك، كما قلنا: في السيد مع عبده والأب مع ابنه، لأن كفايتها عليه في حياته وهو القياس.
وقال ابن أبي هريرة: يكون في تركتها فإن لم يكن لها تركة فهي كالتي لا زوج لها يكون كفنها على من تجب عليه نفقتها، وهم الوالدون والمولودون [310 ب/3] فإن لم يكن لها قريب فمن بيت المال، وهذا لأن النكاح قد زال بالموت، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، وهذا أصح عندي.
قال في "الحاوي": وهذا ظاهر مذهب الشافعي، لأن النفقة في حياتها تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولهذا سقط بالنشوز والبينونة ويخالف المملوك، لأنه نفقته تجب بحق الملك لا بالانتفاع، بدليل أنه يجب نفقة الآبق، والموت لا يبطل أحكام الملك، لأن السيد هو أحق بدفنه وتوليه.
فرع
لو سرق كفنه من القبر يستحب للورثة أن يكفنوه ثانياً، ولا يجب لأنه يؤدي إلى ما لا
يتناهى ذكره في "الحاوي".
وقال بعض أصحابنا؛ قياس مذهبنا أنه يكفن ثانياً كابتدائه، لأن الميت عورة فلا به من ستره.
وقال الكرخي: إن تفسخ دفن من غير كفن وإلا كفن.
فَرْعٌ آخرُ
لو مات ولا كفن له، فإنه يكفن من بيت المال وفي العدد وجهان: أحدهما: ثلاثة، والثاني: ثوب واحد وهو اختيار القفال لأن مصعب بن عمير "كفن في ثوب واحد" قال: وكذلك لو مات عن ثوب واحد ليس على المسلمين أن يتمموه ثلاثة، ولكن لا بد [311 أ/3] من ثوب سابع ولا يكتفي بقدر ستر العورة، لأن فيه إزراء بحق الميت.
فَرْعٌ آخرُ
لو مات ولا كفن له وهناك من معه فضل ثوب لزمه بذله بالقيمة، فهو كالمضطر إلى طعام الغير سواء.
فَرْعٌ آخرُ
لو مات جماعة من أقاربه دفعة واحدة بهدم أو غرق أو نحو ذلك فإنه يقدم من خيف فساده فإن لم يخف بدأ بالكبير وهو الأب، ثم الأم، ثم الأقرب فالأقرب، وإن كان أخوين قدم أسنهما، وإن كانت له زوجتان وقلنا: المؤنة عليه أقرعنا بينهما ولم ينظر إلى شيء ولا إلى غيره لأنه لا مزية لأحدهما بحال.
فَرْعٌ آخرُ
قال والدي رحمه الله: إذا ماتت المرأة الناشزة، وقلنا: كفن الزوجة على الزوج يحتمل أن يقال: يلزم كفنها عليه؛ لأن النشوز قد زال بالموت فصار كزواله بالعود إلى الطاعة، ويحتمل أن يقال: لا يلزم عليه لأن الطاعة لا توجد منها الآن كما لا يوجد النشوز فاعتبرت الحالة المتقدمة.
فَرْعٌ آخرُ
قال والدي رحمه الله: إذا طلق امرأته ثلاثاً وهي حامل فماتت فإنه يلزم كفنها على الزوج؛ لأن النفقة واجبة [311 ب/3] لها في حياتها فهي كالزوجة.
وعندي يحتمل وجهاً آخر لا يلزم خاصته إذا قلنا: إن النفقة للحمل.
فَرْعٌ آخرُ
قال أيضاً: لو ماتت زوجته الصغيرة، فإن قلنا: نفقتها على الزوج فكفنها على الزوج، وإن قلنا: لا نفقة لها على الزوج لصغرها فهل يجب كفنها على الزوج؟ وجهان: والأصح أنه يجب وعندي الأصح أنه لا يجب.
فرع
لو ماتت نصرانية وهي حبلى من مسلم وتحققنا موت الولد في بطنها قال المزني: القياس أن الحكم لها دون الحمل كما كان في حياتها فتدفع إلى أهل دينها ليتولوا غسلها ودفنها، ومن أصحابنا من قال: يدفن بين مقابر المسلمين ومقابر المشركين أو على طرف مقابر المسلمين؛ لأن للحمل أحكاماً في الشرع، وقيل: على هذا القول: يجعل ظهرها إلى القبلة لأن وجه الجنين يكون إلى ظهرها فيحصل به وجه الصبي إلى القبلة وكذلك إذا اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين يدفنون في مثل هذا الموضع.
ومن أصحابنا من قال: يدفنون في مقابر المسلمين تعليناً بحكم الإسلام وتجعل الأم كأنها [312 أ/3] صندوق الولد وهو الأصح عندي.
وروي أن نصرانية ماتت وفي جوفها ولد مسلم "فأمر عمر رضي الله عنه بدفنها في مقابر المسلمين.
الذمي إذا مات ولا مال له ولا قرابة هل يكفن من بيت المال؟ وجهان: أحدهما لا يكفن، والثاني: يكفن كما يطعم إذا جاع.
فَرْعٌ آخرُ
إذا لمس الرجل امرأة بعد غسلها أو غسل الميت فلمسته المرأة ففيه ثلاثة أوجه مخرجة مما لو خرج من الميت حدث بعد الغسل.
مسألة: قال: ويغسل السقط ويصلى عليه إن استهل.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ألقت المرأة جنينها فاستهل صارخاً، ثم مات فإنه يغسل ويصلى عليه ويدفن كالتكبير، وبه قال عامة العلماء، وقال سعيد بن جبير: لا يصلى على الميت غير البالغ، لما روت عائشة أن إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات وكان ابن ثمانية عشر شهراً فلم يصل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أورده أبو داود.
ولأن هذا لا يحتاج إلى الشفاعة لأنه لا ذنب له والصلاة شفاعة.
وقال بعض العلماء: كان قد صلى عليه وإلا فلا.
وهذا غلط لما روى جابر وابن عباس رضي الله [312 ب/3] عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا استهل السقط صلي عليه"، وروي "وروث" وروى المغيرة بن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يصلى على المولود"، وروي "على السقط"، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة ولأنه ثبت له أحكام الدنيا فأشبه البالغ.
وأما خبرهم قلنا: روى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلى عليه.
وروى عطاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى على ابنه إبراهيم" أورده أبو داود، وقال الخطابي: وهذا أولى وإن كان مرسلاً وقيل: إن الشمس كسفت يوم وفاته فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه وأمر من يصلي عليه.
وقيل: إنه استغنى بنبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قربة الصلاة كما يستغنى الشهيد بقربة الشهادة عن الصلاة عليه، وهذا ليس بشيء، وأما قولهم: إنه لا ذنب له يبطل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - والمجنون.
وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلى على المنفوس، ثم قال: "اللهم أعذه من عذاب القبر"، وروى البراء بن عازب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أحق ما صليتم عليه أطفالكم" وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [313 أ/3] "صلوا على أطفالكم فإنهم أفراطكم"، وروى ابن عباس: لما مات إبراهيم صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "إن له مرضعاً يرضعه في الجنة، ولو عاش لعتقت أخواله القبط وما استرق قبطي"، وإن لم يستهل صارخاً ينظر، فإن بانت فيه الحياة مثل إن اختلج أو تحرك أو تنفس فهو بمنزلة الاستهلال يصلى عليه، وقال مالك: لا يصلى عليه إلا أن يطول ذلك ويتيقن حياته، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشترط الاستهلال، وهذا غلط، لأنه ظهرت فيه علامات الحياة فتجب الصلاة عليه كما لو استهل، وإن لم تبن فيه آثار الحياة فإن كان له دون أربعة أشهر لا يصلى عليه ولا يغسل، ويلف في خرقة ويدفن، وإن كانت له أربعة أشهر فأكثر، وقد تخلق وتصور ولكنه لا روح فيه بحال فلا بد من الكفن والدفن قولاً واحداً.
وأما الغسل والصلاة قال البويطي: لا يغسل ولا يصلى عليه وقال في "الأم" و "القديم": يغسل ويكفن ولم يذكر الصلاة.
وقيل: ذكر في "القديم": ويصلى عليه وقال أبو حامد: قرأت القديم كله فما رأيت هذا، وقال القاضي الطبري: قال في كتبه الجديدة: يغسل السقط ويصلى عليه إن استهل أو استكمل [313 ب/3] أربعة أشهر، فإنه أول ما ينفخ الروح، فصح القولان، وهذا أشهر.
أحدهما: يصلى عليه [لحديث] المغيرة بن شعبة.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا بقي الولد في بطن أمه أربعة أشهر نفخ فيه الروح" ولأنه ثبت له حكمة الحي بوجوب الغرة فيه.
والثاني: لا يصلى عليه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط الاستهلال وهذا لم يستهل، ولأنه لم يثبت له حكم الدنيا، لأنه لا يرث ولا يورث ولا يصلى عليه.
فإذا قلنا: يصلى عليه
غسل، وإذا قلنا: لا يصلى عليه هل يغسل؟ قولان:
أحدهما: لا يغسل كالشهيد.
والثاني: يغسل نص عليه في "الأم"؛ لأن حكم الغسل أوسع، لأن الكافر يغسل ولا يصلى عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قول واحد يغسل وفيه قول مخرج وهذا غلط لما ذكرنا من النص في البويطي.
وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه، فإذا قلنا: بهذا تكفيه خرقة تواريه، لأنه لم يثبت له حكم الأحياء.
فَرْعٌ آخرُ
إذا بلغت البنت حذا شهر لا يغسلها إلا النساء، وقيل: ذلك يغسلها الرجال أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ
لو تحرك ولم يستهل ولم تعلم حياته بالحركة
قال بعض أصحابنا [314 أ/3] بخراسان: فيه قولان: أحدهما: الحركة هي علامة الحياة كالاستهلال فحكمه حكم الكبير.
والثاني: لا يثبت بها حكم الحي لأن الحي قد يختلج بعد الموت ويضطرب فلا حكم له، وقيل: هذا يغسل قولاً واحداً وهل يصلى عليه: قولان وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا بأس أن يدفن الميت ليلاً، ويستحب أن يدفن نهاراً وقال الحسن: يكره وهذا غلط لما روي أن مسكينة امرأة سوداء كانت تقم المسجد فتوفيت ودفنت ليلاً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا آذنتموني بها" فقالوا: كرهنا أن نوقظك وحقروا شأنها.
فقال: "دلوني على قبرها" فدلوه فصلى على قبرها.
وقوله: تقم أي: تكنس وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دخل قبراً ليلاً فأسرج له بسراج فأخذ من قبل القبلة، وقال رحمك الله، وقال: إن كنت لأواها تلاء للقرآن وكبر عليه أربعاً"، وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دفن ليلاً وقالت عائشة رضي الله عنها: توفي أبو بكر ليلة الثلاثاء فما أصبحنا حتى دفناه.
وروي أنه دفن يوم الثلاثاء.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يكره الذبح عند الميت بدليل ما روى أنس أن [314 ب/3] النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"لا عقر في الإسلام".
وأراد أن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك يعقرون الإبل عند قبر الميت الجواد، يقولون: تجازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها عند قبره ليأكلها السباع والطير فتكون مطعماً بعد مماته كما كانت مطعماً في حياته، ومنهم من قال: إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في يوم القيامة راكباً، وكان هذا على مذهب من يرى البعث بعد الموت، وعندنا في الجبال يذبحون الشياه ويجمعون الناس ويتكلفون في ذلك مع لحوق المشقة بالورثة لفقرهم واحتياجهم، وهذا أيضاً مكروه.
باب الشهيد ومن يصلي عليه ويغسله
مسألة: قال: والشهداء الذين عاشوا وأكلوا الطعام.
الفصل
وهذا كما قال.
وجملته أن الشهيد المعروف: هو الذي يقتل في معترك المشركين بغير حق، يدفن بثيابه ودمه، هكذا السنة.
فإن شاء الأولياء بتبديل ثيابهم بأكفان حسنة كان لهم ذلك وهم بالخيار في ذلك لأن ما على بدنه صار ملكهم، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا تذع عنه ثيابه ويكفن فيها، وهذا غلط لما روي [315 أ/3] أن صفية بنت عبد المطب أنفذت ثوبين ليكفن بهما حمزة رضي الله عنه، فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً فعل به مثل ما فعل بحمزة فكفنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثوب وكفن حمزة في ثوب؛ ولأن الكفن لا يتعين كما في غير الشهيد ولا يغسل هذا الشهيد ولا يصلى عليه عندنا، وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة والثوري: إنه لا يغسل واختاره المزني، وروي ذلك عن ابن محمد رضي الله عنه، واحتج بما روى شداد بن الهاد أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - واتبعه، وقال: أهاجر معك؟ فأوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به بعض أصحابه ثم غزا معه غزوة غنم فيها فقسم له، فقال يا رسول الله: ما هذا؟ قال: "قسمت لك"، فقال ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هنا وأشار إلى عنقه بهم فأموت فأدخل الجنة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن يصدر الله تعالى يصدقه" فلبثوا قليلاً ثم نهضوا إلى العدو فحمل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الأعرابي وقد أصابه سهم حيث أشار إليه بيده فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -[315 ب/3]: "أهو هو" قيل: نعم يا رسول الله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صدق الله فصدقه" وكفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقدمه وصلى عليه.
وهذا غلط لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في
شهداء أحد: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة".
وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا، وروى أنس نحو ذلك، وروي أنه قال: "زملوهم بكلوئهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماء اللون لون الدم والريح ريح المسك"، فإن قيل: قد روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين" قلنا: خبر ابن عباس رواه الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث، وأنكر شعبة روايته لهذا الحديث أو نحمله على الدعاء لأنها لا تؤخر الصلاة الواجبة ثماني سنين ولا تتكرر الصلاة على الميت، وقال أنس: "لم يصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أحد من الشهداء غير حمزة"، وقال: لما رأى المثلة به لولا أن صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشو من بطونها والعافية السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها فإن قيل: [316 أ/3] إذا سقط الغسل والصلاة وجب أن يسقط التكفين، قلنا: التكفين ضرب من الستر والمواراة، وفي تركه هتك حرمته فلم يسقط كالدفن والغسل للتطهير والصلاة للشفاعة وهو مستغن عن التطهير، لأن السيف قد طهره فلا يحتاج إلى شفاعة أحد.
فرع
لا فرق في الشهيد بين البالغ والصبي، والرجل والمرأة والعاقل والمجنون والحر والعبد.
وقال أبو حنيفة: لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ لأنه ليس من أهل القتال ولا يحتاج إلى الشهادة، لأنه لا ذنب له وهذا غلط، لأنه مسلم قتل في معترك المشركين فأشبه البالغ وما قاله يبطل بالمرأة.
فَرْعٌ آخرُ
القتل الذي يثبت حكم الشهادة هو أن يقتل المسلم في معترك المشركين بسبب من أسباب قتالهم، مثل أن يقتله المشركون أو يحمل على قوم منهم فيتردى في بئر أو يقع من جبل، أو يسقط من فرسه أو يرفسه فرس غيره، أو يرجع سهم نفسه فيقتله، أو سهم مسلم أخر أو أكرمه الله فقبض روحه في حال اشتغاله بالجهاد فيكون حكم المقتول بسلاح الكافر.
فَرْعٌ آخرُ
لو انكشف الصفان عن ميت من المسلمين فالظاهر أنه مقتول بسبب من أسباب القتال سواء كان [316 ب/3] عليه أثر الدم أو لم يكن حكمه حكم الشهيد، وقال أبو حنيفة وأحمد: إن لم يكن به أثر غسل وصلي عليه وإن كان به أثر فحكمه حكم الشهيد
ثم قال أبو حنيفة: فإن كان به أثر فإن كان قد خرج الدم من عينيه أو أذنيه لم يغسل، وإن خرج من أنفه ذكره أو دبره يغسل وهذا غلط؛ لأن الظاهر أنه مقتول بسبب الحرب فأشبه إذا كان به أثر.
فَرْعٌ آخرُ
لو أسر المشركون رجلاً وقتلوه بأيديهم صبراً ففي غسله والصلاة عليه وجهان:
أحدهما: يغسل ويصلى عليه، لأن خروج روحه لم تكن في المعترك.
والثاني: لا يغسل ولا يصلى عليه لأنه قتل ظلماً بيد المشرك الحربي ذكره في "الحاوي".
فرع
لو كان الشهيد جنباً قال أكثر أصحابنا: لا يغسل ولا يصلى عليه وهو ظاهر المذهب، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد.
وقال ابن سريج: يغسل ولا يصلى عليه وبه قال ابن أبي هريرة وأحمد وهذا غلط لظاهر الخبر الوارد فيه، ولأنه غسل ينوب عند التيمم فيسقط بالشهادة كغسل الميت.
وقال أبو حنيفة: يغسل ويصلى عليه، واحتج بما روي أن حنظلة الراهب قتل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهله [317 أ/3] "ما شأن حنظلة، فإني رأيت الملائكة تغسله فقالوا: إنه جامع ثم سمع هنة فخرج إلى القتال".
ولأنه غسل واجب فلا يسقط بالموت كغسل النجاسة قلنا: لا حجة في الخبر، لأنه لو كان واجباً لم يسقط بغسل الملائكة، وأما إزالة النجاسة فيه وجهان: ولئن سلمنا فلأنه ليس من جنس الغسل، وغسل الجنابة يشبه بغسل الميت، فإذا سقط غسل الميت سقط الغسل الأخير، ولأن النجاسة ليست من آثار العبادة وهذا هو المذهب والوجه الآخر أنها تراد للصلاة وسقطت بالشهادة.
فرع
قال والدي رحمه الله: ولو قتلت الحائض قبل انقطاع الدم، فإن قلنا: إن الجنب يغسل ففي الحائض وجهان مبنيان على أن الغسل يتعلق برؤية الدم أو بانقطاعه فيه وجهان، والأصح أنه يتعلق بوجوده ويتأخر أداؤه.
فَرْعٌ آخرُ
لو خرج في المعترك وعاش حتى انقطعت الحرب، ثم مات غسل وصلي عليه كغيره من الموتى أكل أو شرب، أو لم يأكل، ولم يشرب، أوصى أو لم يوص، وبه قال أحمد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان سواء طعم وتكلم أو لم يطعم ولم يتكلم،
وقال أبو حنيفة: إن خرج عن صفة القتلى وصار إلى حالة الدنيا فذلك حكم [317 ب/3] الشهادة مثل أن يأكل أو يشرب أو يوصي وإلا فلا يزول حكمه، ويسمى هذا المرئت، وقال مالك: لا اعتبار بنقض الحرب وإنما يعتبر أن يأكل أو يشرب أو يبقى يومين أو ثلاثة فيغسل ويصلى عليه وهذا غلط؛ لأنه مات بعد تقضي الحرب فلم يثبت له حكم الشهادة كما لو أوصى أو بقي يوماً كاملاً، وإن مات قبل تقضي الحرب فلا يغسل ولا يصلى عليه، وإن كان قد تكلم بعد الجرح أو أكل أو شرب، وقال أبو حنيفة: إن أكل لا يكون حكمه حكم الشهيد هاهنا أيضاً.
واعلم أن المزني نقل لفظاً غير مستقيم، فقال: والشهداء الذين عاشوا وأكلوا الطعام وبقوا مدة ينقطع فيها الحرب وإن لم يطعموا كغيرهم من الموتى، وقوله في أول المسألة: وأكلوا الطعام مع قوله في آخرها: وإن لم يطعموا متناقض، وكان ينبغي أن يقول: وأكلوا الطعام أو بقوا مدة تنقطع فيها الحرب وإن لم يطعموا حتى يكونا مسألتين.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا زاد الولي أو غيره الصلاة على الشهيد هل له ذلك وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأنا لا نوجب لاشتغالهم بالحرب فيجوز ذلك للفارغ من الحرب [318 أ/3].
والثاني: ليس له ذلك؛ لأن السيف طهره، وهذا أصح عندي والأول ليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ
سائر الشهداء بغير سبب القتال مثل: المبطون، والغريق، والمحرق، وصاحب الهدم، والمولدة إذا ماتت في الطلق يغسلون ويصلى عليهم، وقال الحسن: إذا ماتت المرأة في النفاس لا تغسل ولا يصلى عليها، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على من قال لا إله إلا الله".
فَرْعٌ آخرُ
إذا قتل في غير المعترك ظلماً حكمه حكم سائر الموتى، سواء قتل بحديد أو غيره وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: إن قتل ظلماً بحديد لا يغسل.
وإن قتل بمثقل غسل؛ لأنه يوجب المال، وهذا غلط لما قال الشافعي وعمر رضي الله عنهما: كان شهيداً لكنه غسل وصلي عليه، لأنه لم يقتل في معترك الكفار، ولم ينكر أحد فصار إجماعاً، وقال الشافعي: الغسل والصلاة سنة، أي شريعة وطريقة لا يخرج إلا من أخرجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخرج عن جملتهم المقتول في معترك الكفار والباقي باق على حكم الأصل.
فرع
إذا خرج قوم من المسلمين على الإمام العادل وقاتلوا، فإن كان المقتول [318 ب/3] من أهل البغي غسل وصلي عليه وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه عقوبة له، وهذا غلط لأنه مسلم قتل بحق فوجب أن يغسل ويصلى كالزاني والقاتل، وأما قولهم: إنه عقوبة فينبغي أن لا يدفن أيضاً ولا يكفن عقوبة له.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان المقتول من أهل العدل فالمشهور أنه يغسل ويصلى عليه قاله في "القديم"، و"الجايد" وبه قال مالك، وقال في كتاب أهل البغي: لا يغسل ولا يصلى عليه وعن أحمد روايتان.
وقال أبو حنيفة: لا يغسلون واحتج بأن علياً -رضي الله عنه- لم يغسل من قتل معه، وأوصى عمار بن ياسر أن لا يغسل.
ووجه القول الأول أن أسماء بنت أبي بكر غسلت عبد الله بن الزبير ولم يذكر ذلك منكر، وأما ما روي عن علي قلنا: لم ينقل أنه صلى فكل جواب لهم عن الصلاة فهو جوابنا عن الغسل وحديث عمار روينا خلافه.
فَرْعٌ آخرُ
لو قاتل أهل القافلة قطاع الطريق، فإن كان المقتول من قطاع الطريق كان بمنزلة المقتول من أهل البغي، فإن قلنا: إنه يصلب أبداً [319 أ/3] فعل به قبل الصلب وإن قلنا: يصلب ثلاثاً ثم ينزل فبعد الثلاث يغسل ويصلى عليه.
وعند أبي حنيفة لا يغسل ولا يصلى عليه كما قال في الباغي، وإن كان المقتول في القافلة هل يكون بمنزلة الشهيد؟ وجهان بناء على القولين في المقتول من أهل العدل.
فَرْعٌ آخرُ
من قتل قصاصاً أو رجماً بالزنا غسل وصلي عليه، وقال الزهري: لا يصلى عليه، وقال مالك: لا يصلي الإمام ويصلي غيره، وهكذا عنده حكم كل من مات في حد، واحتج بأن ماعزاً لما رجمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يصل عليه، قال الزهري: ولم ينقل أنه أمر بالصلاة عليه، وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم الغامدية وصلى عليها.
فقال له عمر: ترجمها وتصلي عليها؟ فقال: لقد "تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم"، وروي أن علياً رضي الله عنه لما رجم شراحة الهمدانية جاء أهلها إليه، فقالوا: ما نصنع بها؟ فقال: "اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم"، وقال عبد الله بن مسعود أوصاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أن أصبح يوم صومك [319 ب/3] رضياً مرضياً ولا تصبح يوم صومك عبوساً، وأجب دعوة من دعاك من المسلمين وصلي على من مات من أهل قبلتنا، وإن كان مصلوباً أو مرجوماً.
ولأن تلقى بمثل قراب الأرض ذنوباً خير
لك من أن تثبت الشهادة على أحد من أهل القبلة، فإن سألك عز وجل: من أفتاك فأقبل علي، فإذا أقبلت علي أقبلت على الأمين جبريل - صلى الله عليه وسلم - "، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على زانية ماتت هي وابنتها في نفاسها ونقول: على مالك: إذا لم يكره لغير الإمام لا يكره الإمام كما في سائر الموتى.
وأما خبر ماعز فنحمل أنه أمر غيره ويجوز ذلك، ثم يقابل بما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه أنه صلى على مرجومة.
فَرْعٌ آخرُ
من قتل نفسه يغسل ويصلى عليه، وقال الأوزاعي: إنه لا يغسل ولا يصلى عليه وكان عمر بن عبد العزيز يكره أن يصلى على من قتل نفسه، وحكي عن أحمد: لا يصلي عليه الإمام ويصلي غيره، واحتج بما روى جابر بن سمرة أن رجلاً قتل نفسه بمشقص وهو نصل عريض، فلم يصل عليه النبي [320 أ/3]- صلى الله عليه وسلم - وهذا غلط لأنه مسلم مقتول في غير معترك الكفار فأشبه إذا قتله غيره، وأما الخبر فنحمله على أنه صلى غيره.
فَرْعٌ آخرُ
إذا مات ولد الزنا فإنه يغسل ويصلى عليه وقال قتادة: لا يغسل ولا يصلى عليه وهذا غلط لما ذكرنا فيما تقدم.
مسألة: قال: وينزع عنه الخف والجلود.
وهذا كما قال: إذا كان على الشهيد آلة الحرب من الجلود والفرو والخف وما لم يكن من عام لباس الناس فإنه ينزع عنه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك: لا ينزع عن ذلك واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الشهداء: "ادفنوهم بثيابهم" وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم وهذا أخص مما روي يقدم عليه.
فرع
إذا غرق قوم أو أصابهم هدم أو حريق وفيهم مشركون كانوا أكثر من المسلمين أو أقل غسل الكل وصلي عليهم، وينوي بالصلاة المسلمون منهم، ويقال في الدعاء: اللهم اغفر له إن كان مسلماً.
ويصلى على واحد فواحد أو يقول عنه [320 ب/3] الجمع: اللهم اغفر للمسلمين منهم وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة إن كان عدد المسلمين أكثر صلى عليهم وإن كان أقل سقط الغسل والصلاة، وهذا غلط لأنه اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه فوجبت الصلاة عليه بالقصد والنية إلي المسلمين كما لو كان المسلمون أكثر قال الشافعي: وإذا جاز أن يتثني مشركاً واحداً من مائة مسلم جاز أن يستثني أكثر المائة، قال أصحابنا: وكذلك إذا اختلط الشهيد بغير الشهيد غسل الجميع وصلي عليهم ونوى بالصلاة غير الشهيد.
فَرْعٌ آخرُ
كل من غسلنا كله إذا وجد بعضه غسل ذلك البعض وصلي عليه قليلاً كان أو كثيراً، إذا علم أن صاحبه مات، وهذا بأن يأكله سبع ولم يبق منه إلا هذا القدر، وقال أبو حنيفة ومالك: إن وجد الأكثر صلي عليه وإلا فلا.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال إذا وجد نصفه سواء، فإن قطع عرضاً فوجد النصف الذي فيه الرأس غسل، وصلي عليه وإلا فلا، وإن وجد طولاً لم يغسل واحداً منهما ولا يصلى عليه، وهذا غلط لما روي: أن طائراً ألقى يداً بمكة من وقعة الجمل فعرفت [321 أ/3] بالخاتم، فكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصلى عليها أهل مكة بعدما غلوها، ولم يذكره واحد من الصحابة، وروي عن أبي عبيدة بن الجراح: أنه صلى على رؤوس قتلوا بالشام من المسلمين، وصلى عمر رضي الله عنه على عظام بالشام.
وقال الشعبي: بعث عبد الملك بن مووان برأس ابن الزبير إلى أبي حازم فكفنه وصلى عليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو وجد شعره أو أظفاره لا نص فيه، وقال بعض أصحابنا: لو قلنا: يغسل ويصلى عليه جاز لأنه جزء منه، والمذهب أنه لا يصلى عليه ولا يغسل، لأنه لا حرمة له كحرمة الأعضاء وبيان تعبداً.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان هذا في دار الإسلام ولا نعرف أنها يد مسلم أو يد كافر غسلت، وصلى عليها، لأن الظاهر بالدار الإسلام.
فرع
اختلف أصحابنا أنه كيف سوى على وجهين: أحدهما: ينوي الصلاة على ما وجب بعد غسل العضو وتكفينه، فإن لم يكفنه جاز إلا أن يكون العضو من عورة الميت فلا بد من تكفينه ودفنه بعد الصلاة عليه.
والثاني: ينوي بالصلاة عليه جملة الميت لأن حرمة العضو [312 ب/3] لزمت كحرمة جملته، إلا أن يعلم أن جملة الميت قد صلي عليها فتختص الصلاة بالعضو الموجود وجهاً واحداً.
ذكره في "الحاوي".
فرع
العضو المقطوع من الحي مثل يد السارق ونحوه لا يغسل ولا يصلى عليه، لأنه انفصل من جملته فلا يصلى عليها.
ذكره جميع أصحابنا، وقال في الحاوي: فيه وجهان: أحدهما: يغسل ويصلى عليه كما على عضو الميت وهذا غريب.
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت نصرانية وفي جوفها ولد مسلم وقد تحقق ذلك قال القاضي الطبري: إن قلنا بقوله القديم: إن السقط الذي لم يستهل يصلى عليه، فهاهنا يصلى عليها، وينوي بالصلاة الولد الذي في جوفها.
باب حمل الجنازة
مسألة: قال: روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنه حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين".
وهذا كما قال: القصد من هذا الباب كيفية ما يستحب حمل الجنازة وإن حملها بين العمودين عند كثرة الناس مستحب وهو الأفضل من حملها من الجوانب الأربعة، وقال أحمد: التربيع أفضل، وقال النخعي والحسن وأبو حنيفة والثوري: يكره الحمل [322 أ/3] بين العمودين وروي عن الشافعي أنه قال: لم يرض أبو حنيفة إن حمل ما كان ينبغي أن يعلم حتى غاب على فعل وعلم، وقال مالك: التربيع وبين العمودين سواء، واحتج بما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إذا اتبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربعة، ثم ليتطوع بعد أو ليذر" فإنه من السنة، وهذا غلط لما ذكرنا من حديث سعد بن معاذ.
وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه حمل سرير ابنه بين العمودين، وعن سعد بن أبي وقاص أنه حمل سرير عبد الرحمن بن عوف بين العمودين، وعن أبي هريرة أنه حمل سرير سعد بن أبي وقاص كذلك، وحمل ابن الزبير سرير المسور بن مخرمة، وأما ما رووه رواه أبو عبيدة عن أبيه، ولم يلقه ثم نحمله على الجواز، وقال بعض أصحابنا بخراسان: ذكر الشافعي هذه الأخبار لا لأنه أولى من الحمل بين الجوانب، ولكن ليتبين الجواز، فإن أبا حنيفة ينكره ويقول: ليس بشيء.
وقيل: الأفضل الجمع بين العمودين والتربيع تارة تارة، فإن أراد الاقتصار بالحكم على ما ذكرنا، وقال المزني: أرى أن الأولى من مذهب الشافعي أن يدخل بين العمودين وليس كذلك؛ بل الأولى [322 ب/3] أن يجعل أحد العمودين على منكبه، فإن كثر الناس فلا بأس أن يدخل بين العمودين، فإذا تقرر هذا، فيكفيه حملها بين العمودين أن ينتصب رجل أمامها ويأخذ عموديها بيديه، والجنازة كأنها على كاهله، يعني ما بين العمودين وينتصب وراءها رجلان فيأخذ كل واحد بعمود واحد فيكون محموله بثلاثة، فإن ضعف الأول فمشى تحت الجنازة من يعينه فلا بأس، وإنما قلنا في المؤخر: يحتاج إلى رجلين لأنه لو أدخل رأسه تحت الجنازة لم ير بين يديه ولا يمكن الشيء وإن جعل وجهه إلى ورائه لا يمكن المشي أيضاً.
وقال بعض أصحابنا: يجعل العمودين على عاتقيه وليس هذا باختلاف، بل إن أمكن هذا فعل وإن لم يمكن، فإن كانت الجنازة عريضة واسعة فعل ما ذكرنا أولاً، وقال بعض أصحابنا: فإن لم يمكنه ذلك جعل واحد الخشبة المعترضة بين العمودين من مقدم الجنازة على كاهله ويأخذ آخران العمودين فيحصل الحمل بخمسة ويكون الحاملون في الحملة وتران.
قال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مراد الشافعي في كل حال.
وأما صورة الحمل على التربيع لمن أراد التبرك بحمل الجنازة من جوانبها كلها [323 أ/3] هو ما قال في
"الأم": يضع بأسرة السرير المقدمة على عاتقه الأيمن، لان فيه يمين الميت ويمين الحامل وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "ابدؤوا بميامنكم" ثم ياسرته المؤخرة على هذا العاتق أيضاً، وأراد يسلم ياسرته المقدم إلى غيره ويتقدم فيأخذ ياسرته المؤخرة ثم يأخذ يامنة السرير المقدمة ويضعها على عاتقه الأيسر أي يسلم ياسرته المؤخرة إلى غيره وتتقدم الجنازة فتتحول إلى اليامنة فيأخذ يامنته المقدمة، ثم يسلمها إلى غيره ويتأخر فيأخذ يامنته المؤخرة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال إسحاق: يدور عليها، فيأخذ بعد ياسرة المؤخر يامنة المؤخر، ثم يامنة المقدم، وروي مثل ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير والثوري رضي الله عنهم وروي ذلك عن أحمد لأنه أخف وهذا غلط لأنه أحد الجانبين فوجب أن يبدأ المقدمة كالجانب الأيسر، فإن ثقل عن أن يحمل أربعة أدخلوا تحت السرير عموداً فيصير من يحمله سبعة، وإن أدخلوا عمودين صار من يحمله ثمانية، وعلى هذا ذكره في "الأم" ثم بين أنه إذا كثر الزحام وشق عليه أخذ الجوانب وأحب أن يترك بالحمل ماذا يفعل فقال: إن كثر الناس [323 ب/3] أحببت أن يكون أكثر حمله بين العمودين.
فرع
حمل الرجال والنساء في ذلك سواء لا يختلف، ولا تحمل النساء الميت ولا الميتة.
فَرْعٌ آخرُ
يختار للنساء إصلاح النعش كالقبة على السرير لما فيه من الستر والصيانة، وهو الذي يسمى في وقتنا المكية، وقيل: أول جنازة وضع النعش عليها جنازة فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنه لما حضرتها الوفاة قالت: إني لا أحب أن يراني الرجال، فقالت لها أم سلمة أو أسماء: إن بالحبشة نعوشاً للنساء فاتخذوا لفاطمة النعش وقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضع النعش على ابنته التي ماتت في حياته، وأمر بذلك وأيهما كان فهو سنة.
وقيل: الأصل فيه أن زينب بنت جحش زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ماتت في خلافة عمر بن الخطاب وكانت خليقة ذات جسم، فلما أخرجوها رأى الناس جثتها فاشتد ذلك علي عمر، فقالت أسماء بنت عميس: قد رأيت في بلاد الحبشة نعوشاً لموتاهم فعملت نعشاً لزينب فلما عمل، قال عمر رضي الله عنه: نعم جفا الظعينة، وعندي هذا أصح.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": ويحمل الميت على السرير وهو [324 أ/3] الجنازة التي لها في كل رأس عمودان، فإن تعذر ذلك حمل على لوح، وفي محمل فإن كان في موضح عجلة حاجة أو خيف عليه التغير قبل أن يهيأ له ما يحمل عليه حمل على الأيدي والرقاب.
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي: وليس في حمل الجنازة دناءة ولا إسقاط مروءة بل ذلك مكرمة وثواب وبر، وهو فعال أهل الخير قد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم الصحابة ثم التابعون.
باب المشي بالجنازة
مسألة: قال: والمشي بالجنازة هو الإسراع.
الفصل
وهذا كما قال: يستحب الإسراع بالجنازة وهو فرق سجية المشي لا الإسراع الذي يشق على ضعفه الناس ممن يتبعها، إلا أن يخاف بغيرها أو إنجاسها فيسرعوا بها ما قدروا وزادوا في الإسراع، وهذا لأن عادة الحي إذا دعاه السلطان أن يبادر إليه مسرعاً، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أسرعوا بالجنازة فإن كانت خيراً فإلى خير تقدمونها، وإن كانت شراً فشر تضعونه عن رقابكم".
وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المشي [324 ب/3] مع الجنازة فقال: "ما دون الخبب" وإن خيف من الإسراع الانبجاس والتفجر لعلة كانت من الطاعون أو غيره فالأفضل التأني به والمشي على ما فيه الاحتياط.
مسألة: قال: والمشي أمامها أفضل.
وهذا كما قال: عندنا الأفضل المشي أمامها، ولا خلاف أنه يجوز خلفها وأمامها وعن جانبيها.
وروي ذلك عن أبى بكر وعمر وعثمان وابن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبي قتادة والقاسم بن محمد وشريح وسالم والزهري، وبه قال ابن أبي ليلى وأحمد ومالك، وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل.
وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وسعيد بن جبير والأوزاعي وإسحاق، وقال الثوري: إن كان راكباً مشى خلفها، وإن كان ماشياً مشى كيف ما أراد وبه قال أنس رضي الله عنه، واحتجوا بما روي عن أبي سعيد الخدرى قال: سألت عليا رضي الله عنه فقلت: أخبرني.
يا أبا الحسن عن المشي مع الجنازة فقال: فضل الماشي خلفها على الماشي قدامها كفضل المكتوبة على التطوع.
فقلت: تقول: هذا برأيك [325 أ/3] أو سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: لا بل سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا غلط لما روي عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، وقال الزهري: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، وقال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة وروي ويقولون: هذا أفضل، ولأنهم شفعاء للميت فينبغي أن يتقدموا المشفوع له، وأما خبرهم فلم يذكره أصحاب الحديث وقالوا:
هو ضعيف، وقد نقل عن الحسن بن علي خلافه، ثم نحمله على من تقدمها وتبعها إلى موقع الصلاة أو الدفن وهكذا الجواب إذا رووا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الجنازة متبوعة ولا تتبع ليس منا من تقدمها".
فرع
المستحب والأكمل أن يمشي قدامها قريباً منها، فإن تقدم وجلس قبل أن يؤتى بالجنازة فلا بأس ذكره في "الأم" وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: يكره له ذلك ولا يجلس حتى يوضح وبه قال الثقفي والنخعي وروي عن أبي حنيفة [325 ب/3] لا يجلس حتى يوضع في اللحد، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس وعبيد بن عمير رضي الله عنهما أنهما مشيا أمام الجنازة فتقدما وجلسا يتحدثان فلما جازت بهما قاما، وروي عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجلس حتى يوضح في اللحد، ثم نسخ ذلك فقعد وأمر بالقعود وروي أنه قيل له: إن اليهود يفعلون ذلك فجلس وقال: "خالفوهم".
فرع
قال: إذا مرت الجنازة بقاعد لا يقوم لها، بل يستحب له أن يدعو ويقول: لا إله إلا الله الحي الذي لا يموت، وقال في "الأم": لا يقوم للجنازة من يشهدها والقيام لها منسوخ، وعن علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم، ثم جلس وأمر بالجلوس، ومن أصحابنا من قال: يستحب القيام لها، وإذا كان معها فلا يقعد حتى توضع الجنازة، لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع" ولا يكره ترك القيام ولا الجلوس قبل وضعها وهذا خلاف النص الذي ذكرنا.
وروي أن الحسن بن علي رضي الله عنهما مرت به جنازة فقام [326 أ/3] أصحابه فقال: ما لكم قمتم إنما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأذياً بريح اليهود.
وقال جابر: إنما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نتن ريحها فإنها كانت جنازة يهودي، وقال المزني في "الجامع الكبير": قال الشافعي: لا بأس بالقيام والقعود أحب إلي لأنه الآخر من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروي عن ابن مسعود البدري وجماعة أنه يجب القيام لها إذا مرت به لما روى عامر بن ربيعة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع"، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعدن حتى توضع عن أعناق الرجال"، وهذا صار
منسوخاً على ما ذكرنا وحكي عن أحمد أنه قال: إن شاء قام، وإن شاء لم يقم، لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه قام ثم قعد" وهكذا قال إسحاق.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يستحب أن لا يركب ويكره الركوب لما روي عن ثوبان قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة فرأى ناساً ركباناً فقال: "ألا تستحيون إن ملائكة الله على أقدامهم [236 ب/3] وأنتم على ظهور الدواب"، وروى جابر بن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "اتبع جنازة أبي الدحداح ماشياً ورجع على فرس".
فرع
يكره للمسلم إتباع جنازة أقاربه من الكفار، ويستحب إتباع جنازة المسلم لما روي عن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإتباع الجنازة وعيادة المريض وتشميت العاطس وإجابة الداعي ونصر المظلوم".
وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تبع جنازة وحملها ثلاث مرات، فقد قضى ما عليه من حقها" وقال أنس رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعود المريض ويشهد الجنازة، ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد".
باب من أولى بالصلاة على الميت
مسألة: قال: والولي هو أحق بالصلاة عليه من الوالي.
وهذا كما قال: إذا لم يكن هناك مناسب فالوالي أحق بالصلاة إذا حضر، فإن حضر المناسب دون الوالي كان المناسب أولى، وإن اجتمعا معاً فالمذهب الذي نص عليه في القديم، والجديد أن المناسب أولى، وبه قال مالك، وقال في موضع من القديم: الوالي أولى به وبه قال أبو حنيفة وأحمد [327 أ/3] وإسحاق ويحكى عن مالك أيضاً، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وقد قال أبو حنيفة: إمام الحي والمحلة أولى قياساً على سائر الصلوات، وأشار الشافعي إلى الفرق بينهما فقال: لأن هذا من الأمور العامة، واحتجوا بما روي عن أبي حازم قال: شهدت حسيناً حين مات الحسن رضي الله عنه وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص ويقول: تقدم فلولا السنة ما قدمتك، وسعيد كان أمير المدينة.
قلنا: يحتمل أنه أراد بذلك إطفاء النايرة وتسكين
الفتنة وهو من السنة.
مسألة: قال: وأحق قرابته الأب ثم الجد.
الفصل
وهذا قال.
الكلام الآن في ترتيب المناسبين فالأب أولى من كل أحد، ثم الجد أبو الأب، ثم الابن، ثم ابن الابن على ترتيب العصبات، وقال مالك: الابن أحق من الأب، لأن الابن أقوى تعصيباً من الأب، وهذا غلط لأنهما في الإدلاء سواء، فإن كل واحد منهما يدلي نفسه إلى الميت ودعاء الأب أرجى للإجابة، فإنه أحن وأرق وأشفق، فكان بالصلاة أولى والجد أولى من الأخ، وقال مالك: [327 ب/3] الأخ أولى من الجد، لأنه يدلي بالبنوة والجد يدلي بالأبوة، والبنوة عنده أولى من الأبوة، وهذا غلط لما ذكرنا.
والأخ من الأب والأم هو أولى من الأخ للأب.
قال في أكثر كتبه: وقال بعض أصحابنا فيه قول أخر: إنهما سواء ذكره القاضي أبو حامد "صاحب الإفصاح" واختلف أصحابنا فيه على طريقين، فمنهم من قال فيه قولان: كما في ولاية النكاح، هل يقدم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب؟ قولان.
لأنه لا مدخل للنساء فيها فلم يكن لقرابة الأم في ذلك تأثيراً كما لا مدخل للنساء في ولاية النكاح، ولا يقدم الأخ من الأب والأم فيها في قول، ومن أصحابنا من قال قول واحد: يقام هاهنا الأخ من الأبوين، لأن النساء تدخل في الصلاة على الميت عند الانفراد أو عند الائتمام ولها الإمامة بالنساء فيها، ولا مدخل لهن في ولاية النكاح أصلاً.
قال القاضي الطبري: هذا ليس بمشهور، لأن الشافعي قال: تصلي النساء إذا لم يكن الرجال، فلم يجعل لهن مدخلاً إلا لضرورة، وقال القفال: الأشبه بالمذهب هذا، لأن لمن يدلي بالنساء مدخلاً فيها كالخال والأخ من [328 أ/3] الأم، وهذا غلط، لأنه لا ولاء به للأخ من الأم، ولا للخال فيها ذكره أهل العراق أجمع.
فإذا قلنا: هما سواء فأولادهما سواء، وإذا قلنا: يقام ذو القرابتين فابنه مقدم ثم العم إن لم يكن له أخ، وهل يقدم العم للأب والأم على العم من الأب؟ على الطريقين وكذلك إذا اجتمع أبناء عم أحدهما أخ من الأم هل يقدم على الطريقين أيضا؟ فإن لم يكن أحد من العصبات فالمولى المعتق كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
مسألة: قال: فإن اجتمع له أولياء في درجة واحدة فأحبهم إلي أسنهم.
وهذا كما قال.
إذا اجتمع جماعة من الأولياء في درجة واحدة كالإخوة وبني الإخوة ونحوهم وتشاحوا قدم الأسن، وفي الإمامة في سائر الصلوات قدم الأقرأ والأفقه على المسن، والفرق أن القصد من سائر الصلوات حق الله تعالى فتقام فيها الأعلم والقصد
من صلاة الجنازة حق الميت والدعاء له، فكان الأشفق أولى بالإجابة، والأشفق هو الأسن ودعاؤه أرجى، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى يستحيي أن يرد دعوة ذي الشيبة [328 ب/3] المسلم.
ومن أصحابنا من قال هاهنا أيضاً: يقدم الأفقه والأقدر على الأسن كما في سائر الصلوات وهو ضعيف.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: نص في سائر الصلوات أنه يقدم الفقيه والقارىئ.
ففي كلتا المسألتين قولان: أحدهما: يقدم الأسن في الكل، وهذا غلط ظاهر؛ لأن في سائر الصلوات نص الشافعي أنه يقدم الفقيه والقارئ على الأسن من غير إشكال، فإذا تقرر ما ذكرنا، قال الشافعي: فإن لم يحمد حاله، فأفضلهم وأفقههم.
وأراد فإن كان هذا الأسن فاسقاً أو غير مرض، فإن كان مبتدعاً أو يهودياً أسلم الآن، فحينئذ يقدم أفضلهم وأفقههم، وإن كان شاباً.
وإن استووا بكل حال ولم يترجح بعضهم على بعض، ولم يتفقوا على تقديم واحد أقرع بينهم كما في ولاية النكاح.
فرع
إذا أوصى أن يصلي عليه رجل بعينه من غير أوليائه.
روي عن عائشة وأم سلمة وأنس وابن سيرين وأحمد: أنه أحق بالصلاة عليه من الولي والوالي وهو قياس قول مالك لأنه [329 أ/3] حقه تنفذت فيه وصيته وعندنا الولي أولى؛ لأنه حق الولي، ولا تنفذ وصيته لانقطاع ولايته ويدخل به النقص على وليه كما يقول في ولاية النكاح.
مسألة: قال: والولي الحر أولى من الولي المملوك.
وهذا كما قال: إذا كان له وليان في درجة وأحدهما عبد والأخر حر، فالحر أولى بالصلاة من العبد، لأن للحر ولاية وليست للعبد ولاية، فكان من له الولاية أولى كالقريب والأجنبي، وعلى هذا قال أكثر أصحابنا: وإن كان العبد أقرب درجة فالولي الحر، فإن كان العبد فالعم الحر أولى من الأخ المملوك وهو مراد الشافعي لما ذكرناه أنه لا ولاية للعبد أصلاً.
فإن قيل: فلم سماه الشافعي ولياً؟ قلنا: هذا من كلام المزني والشافعي قال: والحر أولى من المملوك أو سماه ولياً بمجاز الوجود.
والسبب الذي يستحق به الولاية فيه، وليس هذا هو بولي حقيقة.
ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي عند استوائهما في الدرجة، فإذا كان العبد أقرب فيه قولان مخرجان، والأول أصوب، وهو اختيار القفال.
فرع
قال الشافعي: ولا بأس [329 ب/3] بصلاة المملوك على الجنازة؟ لأن الفريضة
والنافلة تجوز خلفه، وكذلك الصبي الذي يعقل الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
وقال والدي رحمه الله: لو صلى الصبيان على الميت، هل يسقط الفرض بصلاتهم؟ ينبغي أن لا يسقط، لأنه لا مدخل للصبي في فرض الكفاية فلا يسقط بفعله الفرض، وهذا كما لو سلم وجل على وجل فرد عليه غيره جواب السلام، لم يسقط عنه الفرض، لأن الراد لم يدخل في الفرض، ويحتمل أن يقال: يسقط الفرض بصلاته، لأنه لو صلى في أول الوقت ثم بلغ في أخر الوقت، فإنه لا تلزمه الإعادة على الصحيح من المذهب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا حضر صبي ولي أو غير ولي مع نسوة نقلاه سواء كان الميت رجلاً أو امرأة فهو أحق بالصلاة من النساء إذا عقل الصلاة، وإن لم يبلغ مملوكاً أو غير مملوك يقدم الصبي والرقيق على النساء، وإنما قدم لأنهما قد استويا في عدم الولاية، وانفرد هو بالذكورة، ولو اجتمع مملوك بالغ وصبي فالمملوك أولى، لأنه مكلف وتجوز إمامته إجماعاً بخلاف الصبي.
فرع
لو لم يكن هناك مملوك [330 أ/3] ولا صبي يعقل، صلت النساء على الميت صفاً منفردات، فإن أمتهن إحداهن قامت وسطهن، لم أر بذلك بأساً، فلم تجز صلاتهن إلا عند الضرورة، ولم يستحب لهن الجماعة في صلاة الجنازة، قال: ولو حضر الرجال بعد لا يلزمهم إعادة الصلاة.
وقال أبو حنيفة: يصلين جماعة لأنهن من أهل الجماعة.
وهذا غلط، لأن النساء لم يسن لهن الصلاة على الجنازة، فلم يشرع لهن الجماعة بخلاف سائر الصلوات.
فرع
قال في "الحاوي": تصلي النساء على المرأة، لأنه يجوز أن تتقدم النساء على النساء إذا لم يكن هناك رجال، وإنما: نص الشافعي أنهن يصلين فرادى بغير إمام في جنازة الرجال.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وسنة وسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الموتى والأمر المعلوم بعده إلى اليوم أن يصلى عليهم بإمام ولو صلي عليهم أفراداً أجزأهم إن شاء الله قد صلى الناس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفراداً لا يؤمهم أحد، وذلك لعظم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي، وتنافسهم لئلا يتولى الإمامة في الصلاة عليه واحد.
ومن [330 ب/3] أصحابنا من ذكر وجهاً يجب فيها جماعة وهو ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ
فرض الكفاية في صلاة الجنازة لا يقع بأقل من ثلاثة إذا وجدوا، لأن الشافعي قال
في "الأم": لو صلى الإمام عليها وهو غير متوضئ، ومن خلفه متوضئون تجوز صلاتهم، فإن كان كلهم غير متوضئين أعادوا، فإن كان منهم ثلاثة متوضئون جازت فاعتبر أقل الجمع.
وقال المزني في "الجامع الكبير": قال الشافعي: عندي إن صلى واحد أجزأه.
فالظاهر أن المسألة على قولين: أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: يكفي أن يصلي عليها واحد، لأنها صلاة ليس من شرطها الجماعة فلم يكن من شرطها العدد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه ثلاثة أوجه: والوجه الثالث: لا بد من أربعة نفر، وهذا ليس بشيء.
فرع
قلت: الأولى كثرة المصلين عليها بالجماعة وأن لا يكون أقل من ثلاثة صفوف لما روى مالك بن هبيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب".
وكان مالك بن هبيرة إذا صلى على جنازة فاستقل الناس [331 أ/3] جزأهم ثلاثة أجزاء.
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يموت أحد من المسلمين فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة فيشفعوا له إلا شفعوا فيه"، وروي: مائة فما فوقها.
وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه".
وروى أن ابناً له مات بعسفان، فقال لكريب: انظر ما اجتمع له من الناس، فأخبره باجتماع الناس فقال: أربعون؟ فقال: نعم قال: أخرجوه.
فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر هذا الخبر.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": وأحب أن تكون الصلاة على الميت صلاة واحدة ولا يحبس بعد الفراغ منها لصلاة من فاتته الصلاة عليه، ويصلي على القبر، اللهم إلا أن يرجى حضور الوالي فلا بأس أن يحبس حتى يحضر ويصلي عليه، وهذا إذا لم يخف التغير.
وأصحابنا لا يختلفون أن من لم يصل عليها يجوز له أن يصلي، وأما من صلى هل يصلي ثانياً؟ وجهان: أحدهما: يستحب أن يصلي مع الجماعة كما في سائر الصلوات.
والثاني: أنه لا يصليها، لأنه لا ينتقل بها وإذا صلى جماعة آخرون ينوون الفرض، لأن [331 ب/3] فعل غيرهم ما أسقط الفرض عنهم، بل أسقط الحرج.
وعند أبي حنيفة لا يصلى عليها إلا مرة واحدة.
فَرْعٌ آخرُ
يجوز أن يصلى على الميت في المسجد.
وبه قال أحمد، وذكر بعض أصحابنا أنه أفضل وهذا ليس بمشهور، وقال في "الحاوي": لا يكره؛ بل يستحب، وقال أبو حنيفة ومالك: تكره الصلاة عليه في المسجد لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له".
أورده أبو داود وهذا غلط لما روي أن سعد بن أبي وقاص لما مات قالت عائشة: أدخلوه المسجد ليصلي عليه، فأنكروا عليها ذلك فقالت: "والله لقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابني بيضاء، سهيل وأخيه في المسجد"، وروي أنها قالت: ما أسرع ما نسيتم، والله ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل ابن بيضاء إلا في المسجد.
وثبت أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صلى عليهما في المسجد ولم ينكر منكر.
وأما خبرهم فراويه صالح مولى التوءمة وهو ضعيف، ثم أراد به نقصان الأجر، لأن الغالب أن من صلى عليها في المسجد ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأن من سعى إلى الجبان وصلى عليها حتى يشهد دفنها يكون له قيراطان من الأجر، [332 أ/3] فصار من صلى عليها في المسجد كمن لا أجر له، بالإضافة إلى من صلى عليها في الصحراء.
باب وقت صلاة الجنازة
مسألة: قال: ويصلى على الجنازة في كل وقت.
وهذا كما قال.
لا يكره الصلاة على الجنازة في وقت، ويجوز في جمع الأوقات.
وبه قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة: يكره في ثلاثة أوقات: عند طلوع الشمس، وعند استوائها وعند اصفرارها حتى تغرب، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق، وقال الأوزاعي: يكره فعلها في الأوقات الخمسة المنهي عن الصلاة فيها.
وبه قال ابن عمر وعطاء والنخعي وابن المبارك وقال أبو سليمان: هذا أول الخبر وأنه قول الأكثرين واحتجوا بما روي عن عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب"، وقوله: تتضيف أي: تميل وقوله: نقبر فيهن موتانا: أراد الصلاة على الجنازة.
وهذا غلط، لما روي
أن عقيل بن أبي طالب صلى عليه علي رضي الله عنه حين اصفرت الشمس.
وقالت عائشة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [332 ب/3] صل على الجنازة أي ساعة كانت.
وروي أن أبا هريرة صلى على جنازة والشمس على أطراف الجدر؛ لأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها في الوقت المنهي عنه، كالعصر عند اصفرار الشمس، وأما... فنحمله على التحري، وعندنا لا ينبغي أن يتحرى بها الأوقات المنهية، ولكن إذا اتفق حضورها في الوقت المنهي جاز فعلها فيه.
وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن تحري هذه الأوقات لصلاة الجنازة وغيرها.
مسألة: قال: وإذا اجتمعت جنائز الرجال.
الفصل
وهذا كما قال: إذا اجتمعت جنائز الرجال والصبيان والنساء فإن لم يكن هناك عجلة فالسنة أن يصلى على كل ميت على الانفراد، وإن كانت هناك عجلة ومبادرة فإنه يصلى عليهم دفعة واحدة، وتقدم المرأة إلى القبلة ثم الصبي ثم الرجل.
فإن كان هناك خنثى فالخنثى يجعل بين المرأة والصبي، فالذي يلي الإمام هو الرجل، ثم الصبي ثم الخنثى، ثم المرأة كما في صلاة الجماعة، وإنما قدم الصبي على الخنثى لجواز أن تكون امرأة، وقدم الخنثى على المرأة لجواز أن يكون رجلاً.
وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والحسن وسعيد بن المسيب.
يقدم [333 أ/3] الرجل إلى القبلة ثم الصبي ثم الخنثى، ثم المرأة تلي الإمام كما لو أرادوا الدفن في مكان واحد فإنه يقدم الرجل إلى القبلة.
وهذا غلط لما روى عمار بن ياسر قال: شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر بن الخطاب، وفي الجنازة الحسن والحسين وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وثمانون رجلاً من الصحابة فوضعوا جنازة الغلام مما يلي الإمام والمرأة وراءه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هذه السنة.
وروي عن ابن عمر أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء، فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة.
وأما الدفن قلنا: الفرق هو أن الرجال يلون الإمام في الصلاة، وقرب الإمام أفضل فجعلنا الرجل أقرب إليه والمرأة أبعد منه، وعند الدفن لا يوجد هذا المعنى.
وإنما الفضيلة هناك هي في القرب من القبلة، فقدمنا الرجل إلى القبلة.
وقال المزني هاهنا: والخناثى في معناه يعني في قياس قول الشافعي، ولا معنى لهذا، لأنه نص عليه في "الأم".
فرع
قال القفال: إذا كان هناك جنائز الرجال والنساء والخناثى، يوضع بعضها خلف بعض، فيلي الإمام الرجال واحداً واحداً، ثم الناس واحدة واحدة، وتجعل [333 ب/3]
الخناثى صفاً واحداً لا يوضع بعضهم خلف بعض، لاحتمال أن يكون المتقدم امرأة والمتأخر رجلاً.
وقال أبو حنيفة: تجعل جنائز الرجال صفاً واحداً، ويقف الإمام عند أخرها لتكون الجنائز عن يمينه، وذكر بعض أصحابنا بخراسان كذلك وقال: يوضع رأس كل واحد عند رجل الآخر.
فَرْعٌ آخرُ
لو تشاح ولاة الجنائز صلى ولي الجنازة التي سبقت.
قال في "الأم" والقديم: ثم إن شاء ولاه ما سواها أن يستغنوا بتلك الصلاة فعلوا.
وإن شاء كل واحد أن يعيد الصلاة على ميته فعل.
قال أصحابنا: هذا هو الدليل على تكرير صلاة الجنازة أنه يجور.
وقال بعض أصحابنا: معنى هذا أنه لم يكن ولي المسبوق صلى مع ولي السابق، فإن كان قد صلى لا يجوز له أن يعيد الصلاة: لأن صلاة الجنازة لا يجوز أن يكررها الواحد.
ولعل القائل الأول أراد بما ذكر هذا فإنه محتمل، ولا يحصل الخلاف.
فإن لم يكن أحدهما سابقاً قال أصحابنا: يقرع بينهما فمن خرجت قرعته فحكمه حكم من تقام بالسبق، وإن تشاحوا في المكان فقال كل واحد منهم: جنازتي تلي الإمام، فإن كانوا رجالاً فالسابق أولى، فإن استووا في [334 أ/3] السبق قال الشافعي: قدم أفضلهم إلى الإمام، وإن كانوا رجالاً ونساء فالرجال يلون الإمام سواء سبق النساء أو تأخرن لأن هذا ترتيب الصلاة.
ولو كانوا رجالاً وصبياناً فالسابق أولى.
فإن اختار ولي الرجل أن تكون جنازته خلف الصبي وإلا ذهب به إلى موضع غيره.
فإن قيل: سويتم بين الرجل والصبي هاهنا وقلتم: الصبي والرجل إذا استويا في السبق فإنه يقدم الرجل من غير قرعة، وفي المرأة قدمتم عليها الرجل في كلتا الحالين فما الفرق؟، قلنا: الفرق أن الصبي قد يكون مساوياً للرجل، فيقف مع الرجل في الصف الواحد، فإذا سبق وليه ووضعه بين يدي الإمام لا يجوز تنحيته وإزالته بخلاف المرأة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو كبر على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين، ثم وافت جنازة أخرى فوضعت فرغ من الصلاة على الأولى، ثم استأنف هو أو غيره الصلاة على الثانية، لأنه ما نوى الصلاة على الثانية.
ولو نوى في أثنائها بطلت صلاته، لأن نيته تعينت في الأولى.
فرع
قال والدي رحمه الله: لو يمم الميت عند عدم الماء وصلي عليه، ثم وجد الماء قبل الدفن، يلزمه غسله به.
وهل تلزم إعادة الصلاة؟ وجهان.
وعندي أنه لا يلزم [334 ب/3] غسله كما لا يلزم الصلاة عليه ثانياً في وجه.
فرع
قال والدي رحمه الله: إذا صلي على ميت وحي دفعة واحدة، فإن كان عارفاً بالحال لا تصح صلاته على الميت.
وإن كان عنده أنهما ميتان جازت صلاته على الميت والنية في الحي ملغاة، كما لو صلى العصر قبل وقته وهو عالم بالحال لم تصح، وإن كان عنده أن الوقت داخل صح عن النفل، ويجئ أن يقال: تصح الصلاة في حق الميت عند العلم أيضاً ويفارق مسألة العصر، لأن نية الفرض مضادة لنية النفل، فإذا نواها فيما يعلم أنه نفل كان قاطعاً لاستدامة نية الصلاة التي هو فيها متعمداً، فبطلت عليه كما لو صرف نيته إلى الفرض في صلاة النفل يبطل عن النفل أيضاً، وهاهنا نية الصلاة على الميت فتلغيها وتجوز الصلاة على الميت.
فَرْعٌ آخرُ
وقال أيضاً: إذا صلى على ميتين ثم نوى في أثناء صلاته قطع صلاته على أحدهما دون الآخر، بطلت هذه الصلاة في حق أحدهما، وفي الآخر وجهان: أحدهما: يبطل أيضاً لأنها إذا بطلت في البعض بطلت في الباقي، كما لو نوى في صلاته إبطال [335 أ/3] إحدى الركعات تبطل كلها.
والثاني: لا تبطل لأنه كان يجوز له في الابتداء أن يصلي على أحدهما دون الآخر، فإذا نوى قطع الصلاة على أحدهما صار كأنه أحرم بالصلاة على أحدهما في الابتداء ويفارق ما ذكر.
ولأنه لا يجوز له في الابتداء أن يحرم بالظهر بنية ثلاثة ركعات، فإذا نوى إبطال ركعة بطل الكل والأول أظهر.
وهذا الفرق يبطل بمن افتتح النافلة ركعتين ثم نوى إبطال إحدى الرطعتين مطلقاً، وإن كان يجوز في الابتداء إفراد إحداهما عن الأخرى.
فَرْعٌ آخرُ
قال أيضاً: إذا صلى على أموات كثيرين دفعة واحدة ولا يعلم عددهم، ولكنه يشاهد لهم صح، لأن المشاهدة هي مغنية عن معرفة العدد، ولو صلى عليهم وعنده أنهم عشرة فإذا هم أحد عشر أعاد الصلاة على جميعهم؛ لأن فيهم من لم يصل عليه بالنية، ويحتمل أن يقال: إنه يعيد على الحادي عشر عينه، وينوي الصلاة على من لم يصل عليه أولًا.
وأصل هذا أنه إذا كان بين يديه أموات فصلى على البعض منهم بغير نية هل تصح أم لا؟ يحتمل وجهين، وإن كان عنده أنهم أحد عشر فصلى ثم علم أنهم أحد عشر فصلى ثم علم أنهم كانوا عشرة يحتمل وجهين.
أحدهما: لا تصح لأنه نوى فعل [335 ب/3] هذه الصلاة على ميت لم يحضر، ولا نعرفه بوجه أو على معدوم، والنية إذا بطلت في البعض بطلت في الباقي.
والثاني: تصح وهو الأظهر.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو دخل في صلاة الجنازة وفي الثاني والمصلون عليها كثرة ليس له الخروج قبل إتمامها، لأنها تلزم جميع الناس في الابتداء ما لم يقع الفراغ من بعضهم.
فإذا
شرع فيها لم يجز الخروج من جهة أن تركها في الابتداء لا يسوغ له على كل وجه، لأنه لو لم يحضره غيره يلزمه الحضور وأداء الصلاة، فهو كالجمعة في حق العبد.
فَرْعٌ آخرُ
وقال: لو شرع في صلاة الجنازة بعدما صلى عليها من نية الكفاية، هل له الخروج؟ يحتمل وجهين: أحدهما: له ذلك.
والثاني: ليس له ذلك.
ولهذا أصل وهو أن هذه الصلاة تقع فرضاً أم لا؟ وفيه جوابان، والقياس عندي أنها لا تقع فرضاً، لأن الفرض ما لايجوز تركه على الإطلاق.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى رجل على جنازة وعنده أن الميت الفلاني عليها، ونوى الصلاة عليه ثم ظهر أن الميت الذي هو صلى عليه مات في بلد آخر ودفن فيه أو ذلك هل تصح الصلاة على ذلك أم لا؟ لاعتقاده أن الميت الذي يصلي على هذه الجنازة يحتمل أن [336 أ/3] يقال: يجوز لأن اعتبار عين الميت أولى من اعتبار المكان، لأن العين لا تتبدل والمكان يتبدل كما لو قال: زوجتك ابنتي الصغيرة فاطمة وسامها عائشة وفاطمة اسم الكبيرة، يصح النكاح على الصغيرة؛ لأن الاسم يتبدل بخلاف الصغير.
فرع
إذا صلى على جنازة الرجل وقف الإمام عند صدره، وإذا صلى على جنازة المرأة وقف الإمام عند عجيزتها، وبه قال أحمد وهو اختيار أصحابنا بالبصرة وصاحب "الإفصاح" ولا نص فيه للشافعي.
وقال البغداديون من أصحابنا: يقف عند رأس الرجل وعند عجز المرأة وهو وسطها، وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وهذا أولى عندي.
وقال أبو حنيفة: يقف عند صدر الرجل والمرأة، وقال مالك: يقوم من الرجل عند وسطه ومن المرأة عند منكبها، لأن الوقوف في أعالي المرأة أمثل وأسلم، وروي عن ابن مسعود في الرجل ما قال مالك، وهذا غلط لما روى سمرة بن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها"، وروى أبو غالب عن نافع قال: "صليت خلف أنس بن مالك رضي الله عنه على جنازة عبد الله بن عمير، فقام عند رأسه فكبر أربع تكبيرات ثم [336 ب/3] صلى على امرأة فقام عند عجيزتها فقيل له: هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعاً ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم".
وهذا خبر صحيح أورده أبو داود وغيره.
ولأن المرأة تخالف الرجل في موضعها مع الإمام في الصلاة فجاز أن يختلفا هاهنا.
فَرْعٌ آخرُ
يجوز أن يصلي على الميت بالنية، سواء كان الميت في جهة القبلة أو غيرها، فلو صلى أهل العراق على ميت بمكة، أو صلوا على ميت بخراسان جاز، ويكون الاعتماد على النية وصفة الصلاة كأن الجنازة موضوعة بين يديه.
وقال الساجي: سمعت الربيع يقول: مات رجل بالصعيد، فخرج بنا أبو يعقوب البويطي وصلينا عليه فعاب علينا أصحاب مالك فقلنا: السنة معنا.
ولا فرق بين أن تكون المسافة قريبة أو بعيدة، تقصر فيها الصلاة أم لا، وقال مالك وأبو جنيفة: لا يجوز ذلك بحال وهذا غلط، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى للناس النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات"، فإن قيل: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخصوصاً به، فإنه كان في حكم المشاهدة للنجاشي [337 أ/3] وقد روي أنه قد سويت له أعلام الأرض حتى أبصر مكانه، قلنا: هذا تأويل باطل، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فعل شيئاً من أفعال الشريعة فإنه يلزمنا متابعة والاقتداء به والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، وكيف يقال هذا وقد خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم وصلوا معه وهم لم يشاهدوه بحال، فإن قيل: النجاشي كان رجلًا مسلماً آمن بنبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه، وكان هو بين ظهراني الكفار ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي عليه إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به، قلنا: أبو جنيفة لا يقول بهذا؛ لأنه قال: لو غرق واحد في البحر لا يصلى عليه أصلًا، ولأن النجاشي كان ملك الحبشة ويستحيل أن يسلم هو ولا يوافقه أحد على دينه يصلى عليه إذا مات، وذهب أبو سليمان الخطابي رحمه الله إلى هذا التأويل وقال: إذا مات الآن مسلم ببلد، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق، فالسنة أن يصلى عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة، وإن علم أنه قد صلى عليه لم يصل عليه من كان غائبا عنه وهذا عندي حسن [337 ب/3].
فرع
لو كان الميت في طرف البلد لم تجز الصلاة عليه حتى يحضره، وكذلمك إن كان في أحد جانبي البلد لم تجز حتى يحضره، لأنه يمكنه الحضور من غير مشقة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهما كالقولين في حواز تقديم المأموم على الإمام قالوا: وهكذا لو كانت الجنازة موضوعة فصلى أمامها وهي خلفه، هل يجوز؟ وجهان، وهذا غير مشهور.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى على أموات غائبين عن بلده وكان أقرباؤه غابوا عن البلد وماتوا ولا يعرف عددهم، فصلى عليهم دفعة واحدة جاز؛ لأنهم صاروا كالمتعينين بسمة القرابة، وهكذا لو
صلى على الأموات الذين ماتوا في يومه وغسلوا في بلده كذا دفعة واحدة ولا نعرف عددهم جاز أيضاً، لأنهم صاروا كالمعنيين بالإضافة إلى ذلك البلد، ذكره والدي رحمه الله.
فَرْعٌ آخرُ
هل تصج الصلاة على الجنازة في حال حملها قبل أن توضع؟ فيه وجهان، ولو افتتح وهي موضوعة بين يديه فرجعت هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: لا تبطل لأن حكم الاستدامة أضعف، والثاني: تبطل لأنه لا يجوز الافتتاح في هذه الحالة.
باب التكبير على الجنازة
مسألة: قال: [338 أ/3] أخبرنا إبراهيم بن محمد.... الخبر.
وهذا كما قال.
الكلام الآن في صفة صلاة الجنازة، ولا تجوز إلا بطهارة والقيام فيها شرط عند القدرة.
قال في "الأم": لو صلوا جلوساً من غير عذر أو ركباناً أعادوا.
وذكر بعض أصحابنا أن القيام جوازها قاعداً، ولكن لم يجوزوها.
وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يلزم القياس فيها ويكبر تكبيرة الإحرام يرفع بها يديه حذو منكبيه، وجملة تكبيراتها أربع تكبيرات لا يزاد عليها ولا ينقص، وكل تكبيرة هي ركن منها، ولهذا قال عمر وابن عمر والحسن بن علي ومحمد ابن الحنفية ويزيد بن ثابت وجابر وأبو هريرة والبراء بن عازب وعقبة بن عامر وعطاء وجماعة الفقهاء.
وقال محمد بن سيرين وأبو الشعثاء وجابر بن زيد: يكبر ثلاثا وروي ذلك عن ابن عباس وأنس رضي الله عنهما ذكره في "الحاوي"، وقال حذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم وابن أبي ليلى يكبر: خمساً وبه قالت الشيعة، وقال ابن مسعود رصي الله عنه يكبر ما شاء من غير حصر وقال: "كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجنائز تسعاً وخمساً وسبعاً وأربعاً" فكبر وما كبر الإمام، وقال إسحاق: يكبر ما يكبر الإمام ولا يزيد على سبع وقد روي [338 ب/3] عن علي رضي الله عنه أنه كبر على أبي قتادة سبعاً وكان بدرياً، وكبر على سهيل بن حنيف ستاً وكان بدرياً، وروى عنه عبد خبر أنه كان يكبر على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - غير أهل بدر خمساً وعلى سائر الناس أربعاً، وقال ابن سريج: هذا هو من الاختلاف المباح وليس بعضه أولى من بعض وهذا قريب من قول ابن مسعود، قال: وقد روى الكل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال إبراهيم النخعي: اختلفت الصحابة فيه فجمع عمر رضي الله عنه الصحابة فاستشارهم فأجمعوا على أن يكبروا أربعاً، فانعقد الإجماع وزال به ما تقدم من الخلاف، والدليل على ما قلناه ما رواه الشافعي عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر أربعاً وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى، وأيضاً خبر النجاشي وعثمان بن مظعون وخبر المسكينة التي دفنت ليلًا، وخبر أنس أنه صلى على عبد الله بن عمير بالبصرة.
وروى أبي بن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الملائكة صلت على آدم - صلى الله عليه وسلم - وكبرت أربعاً وقالت: هذه سنتكم يا بني آدم".
وقال أنس رضي الله عنه: صلت الملائكة على آدم وكبرت أربعاً وقالت ما ذكرنا، وكبر الحسن [339 أ/3] بن علي على علي رضي الله عنه أربعاً وقال ابن عباس وابن أبي أوفى رضي الله عنه: آخر ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر أربعاً، وروي عن إبراهيم النخعي قال: صليت مع ابن أبي أوفى على ابنته فكبر أربعاً، ثم قام حتى ظننا أنه يكبر الخامسة، ثم انصرف فقال: أظننتم أني أكبر الخامسة، لا ولكن هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع، وروى ابن عمر قال: آخر ما كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجنائز أربعاً وكبر أبو بكر على فاطمة أربعاً، وكبر الحسن بن علي على علي أربعاً، وكبر الحسين على الحسن أربعاً، وكبر عبد الله بن عمر على أبيه أربعاً، وكبرت الملائكة على آدم أربعاً وكبر ابن الحنفية على ابن عباس بالطائف أربعاً.
وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه وصلوا على موتاكم أربعاً"، واحتجوا بما روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يصلي على جنائزنا فيكبر أربعاً، فكبر يوماً خمساً، فسألناه عن ذلك فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر خمساً.
قلنا: ما رويناه هو أولى لكثرة روايتها وصحة أسانيدها وأنها متأخرة أو ما ذكرنا يدل [339 ب/3] على أن ما رووا صار منسوخاً.
فرع
لو كبر الإمام خمساً لا نتابعه في الزيادة، لأنها ليست بمسنونة للإمام، وقال أحمد: يتابعه إلى سبع وهذا غلط، لأنه وافقنا أنها لا تسن للإمام فصار كما لو قنت الإمام في الركعة الأولى فإنه لا يقنت معه.
فإذا تقرر هذا، هل يسلم أو ينتظر سلامه؟ وجهان: أحدهما: يسلم لأنه اشتغل بما ليس من صلاته.
والثاني: أنه ينتظر فراغه ليسلم معه حتى يكون خروجه بخروجه وهو الأشهر، وليس كما لو قام إلى الخامسة لا ينتظر تسليمه، لأن في الأفعال لا يمكن إلا متابعته بخلاف الذكر الزائد، ومن أصحابنا بطبرستان من قال: تبطل صلاة الإمام بالتكبيرة الخامسة، لأن كل تكبيرة هي بمنزلة ركعة من الركعات، ولو زاد ركعة تبطل الصلاة ولو كان ناسياً لا يسجد للسهو، لأنه لا سجود فيه ورأيته عن جماعة من أصحابنا.
مسألة: قال: ويرفع يديِه حذو منكبيهِ.
وهذا كما قال.
المستحب أن يرفع يديه في كل تكبيرة منها، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنه، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، وروي عن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه على الجنازة في كل تكبيرة"،
وروي مثله عن [340 أ/3] الحسن بن علي وأنس رضي الله عنهما، وقال زيد بن ثابت: وقد رأى رجلًا فعل ذلك فقال: أصابه السنة، والسنة أن يقبض بيمينه على شماله، وقال ابن المبارك: لا يقبض بيمينه على شماله فيها.
وهذا غلط لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كبر على جنازة زرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى".
أورده أبو عيسى الترمذي - رحمه الله - وينوي الصلاة على الميت مع التكبير لا قبله ولا بعده، وهل يلزم نية الفرض؟ فيه وجهان كما قلنا في سائر الصلوات والأصح وجوبها، وذكر بعض أصحابنا أنه ينوي الفرض مطلقاً ولا ينوي الفرض على الكفاية، وبه أفتى، ولا يحتمل غيره لأنه إذا اختار أداءها كانت فرضاً في حقه، وإن كانت فرضاً على الكفاية في الجملة.
مسألة: قال: ثم يقرأ بفاتحة الكتاب.
وهذا كما قال.
ظاهر ما قال هاهنا: إنه يبتدئ بعد التكبيرة بقراءة الفاتحة يبتديها ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا يأتي بالتعوذ ودعاء الاستفتاح، وبه قال أكثر أصحابنا؛ لأن مبنى هذه الصلاة على الحذف والاختصار، فلا يحتمل التطويل والإكثار.
ومن أصحابنا من قال: يستحب كلاهما ذكره القفال وهو اختيار القاضي الطبري، لأن الذكر المستحب في غير [340 ب/3] صلاة الجنازة إذا وجد محله كالتأمين، ومن قال بالأول أجاب عن هذا، فإن التأمين لا يطول الصلاة بخلاف هذا.
وحكى عن القاضي الطبري أنه قال: عندي لا يأتي بدعاء الاستفتاح، ولكنه يأتي بالتعوذ؛ لأن التعوذ هو من سنة القراءة كالتأمين بخلاف دعاء الاستفتاح فهو مالسورة لا يستحب، فإن أتى بهما جاز وهذا حسن عندي.
وقال صاحب "الحاوي": يتعوذ عندنا وفي دعاء الاستفتاح، وجهان، ولا يجوز الإخلال بالفاتحة لأنها ركن فيها، وقد قال الشافعي في "الأم": وأحب إذا كبر على الجنازة أن يقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى وهكذا نقل المزني في "الجامع الكبير"، وهذا يدل على الاستحباب إلا أن أصحابنا أجمعوا على وجوبها بتأويل قوله: إنه يستحب أن يقرأ بعد التكبيرة الأولى فإن أخرها إلى التكبيرة الثانية جاز.
فرجع الاستحباب إلى موضعها، وروي ذلم عن ابن الزبير وابن مسعود وابن عباس والحسن رضي الله عنهم، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا تجب فيها القراءة ولا يسن فيها قراءة القرآن، وقال أبو حنيفة: لو قرأ القرآن كان دعاء، ويوريه عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما وقال مالك: يكره [341 أ/3] فيها قراءة القرآن.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ فيها بفاتحة الكتاب وجهر بها وقال:
"إنما جعلت ذلك لتعلموا أنها سنة" يعني إنما جهرت بقراءة الفاتحة ليعلموا أن القراءة هي طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشريعته، ولم يرد به أنها غير واجبة؛ ولأن الجهر بها سنة والمستحب أن لا يجهر بقراءتها ليلًا ونهاراً، لأن القراءة إذا كانت مقصورة على الفاتحة لا يجهر كما في الركعتين الأخريين ظاهر النص، قال: ويخفي القراءة والدعاء، وقال الداركي: إن كان بالليل جهر فيها وغن كان بالنهار أسر فيها؛ لأنها صلاة تفعل ليلًا ونهاراً فيجهر فيها إذا كان ليلًا، قال أبو حامد: لا يجئ على المذهب غير هذا، وهذا لا يصح؛ لأن صلاة الليل التي يجهر فيها هي صلاة راتبة في وقت من الليل، ولها نظير راتب في وقت النهار وسن في نظيرها الإسرار فسن فيها الجهر، وصلاو الجنازة صلاة واحدة ليس لها وقت يختص به من ليل أو نهار، ولهذا إنه يسر بالدعاء فيها بلا خلاف، وهذا اختيار القاضي الطبري.
مسألة: قال: ثم يكبر الثانية [341 ب/3] ويحمد الله ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو للمؤمنينَ والمؤمناتِ.
وهذا كما قال في "الأم": إذا كبر الثانية صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات.
وقال في "الجامع الكبير": ويدعو جملة للمؤمنين والمؤمنات ولم يذكر الاستغفار ونقل المزني أنه يحمد الله تعالى ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات يذكر ثلاثة أشياء، قال أصحابنا: أما التحميد فلم يحكه عن الشافعي ولم يذكره في المختصر الكبير، وقيل: رواها سماعاً من لفظه فلا خلاف أن التحميد في التكبيرة الثانية لا يجب، وهل يستحب؟ وجهان: أحدهما: يستحب فيقول: الحمد لله والصلاة على محمد وآله، والثاني: لا يستحب، وقال يعقوب الأبيوردي: لم يذكره الشافعي، ولكن لو أتى بما ذكره المزني كان حسناً، فيقول نحو ما ذكرنا.
وأما الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فواجبة لأن كل صلاة كان من شرطها القراءة فمن شرطها الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كسائر الصلوات، ولأنه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا صلاة لمن لم يصل على نبيه" [342 أ/3]- صلى الله عليه وسلم -، وأما الدعاء للمؤمنين والمؤمنات فيها فلا خلاف أنه لا يجب بل هو استحباب فيقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسليمن والمسلمات الأحياء منهم والأموات، تابع بيننا وبينهم في الخيرات، وألف بين فلوينا وقلوبهم على الخيرات، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - إمك مجيب الدعوات.
وإنما اخترنا الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقيب الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليكون أسرع للإجابة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إذا سأل أحدكم ربه تعالى في حاجة فليبدأ بالصلاة عليّ، فإن الكريم إذا سئل حاجتين لم تجب إحداهما ويترك
الأخرى" ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت وحده لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا الدعاء له: وكان القصد منه الدعاء للميت فيجب ذلك.
وقال في: الأم": يخلص الدعاء وليس في الدعاء ش ئ مؤقت ولا دعاء معين وأحب أن يقول: اللهم إن هذا عبدك وابن عبدك.
وروي وابن عبديك وروي وابن عبدك وأمتك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبابه فيها [342 ب/3] إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولمك، وأنت أعلم به.
اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له.
اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه والقه برحمتك إلا من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك برحمتك يا أرحم الراحمين، رواه أبو قتادة.
وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على جنازة فقال: "اللهم اعفر لحينا وميتنا صغيرنا وكبيرنا ذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره" وقيل: "لا تفتنا بعده"، وذكر ابن أبي احمد هذا وزاد: اللهم اغفر لأولنا وآخرنا وحينا.
إلى آخره وعلى هذا أكثر أهل خراسان.
وروي عن عوف بن مالك قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهم اعفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم [343 أ/3] نزله، ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وأهلًا خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار" قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت.
وروى: وقه فتنة القبر وعذاب النار.
ولو كان الميت طفلًا دعا لوالديه فيقول: "اللهم اجعله لهما فرطاً وسلفاً وذخراً، وعظة واعتباراً وشفقة لهما وثفل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره" وإنما اخترنا هذا الدعاء لأنه مأثور عن السلف، وإن كان الميت امرأة قال: هذه أمتك وابنة عبدك وأمتك بالتأنيث، ثم يكبر الرابعة ويسلم عن يمينه وشماله، ولم يذكر
الدعاء بعد التكبيرة الرابعة في "الأم".
وقال في "البويطي": يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده وقيل: ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله ثم يسلم، وروى أبو هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول نحو ذلك بعد التكبيرة الرابعة، وقال في "الحاوي" قال في "البويطي": إذا كبر الرابعة يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا (343 ب/ 3) وشاهدنا وغائبنا.
قال أصحابنا: ليس هذا باختلاف القول بل هو بالخيار إن شاء سلم عقيب الرابعة، وإن شاء ذكر هذا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يستحب أن يقول هذا، وهذا أحسن عندي ولكن عمل مشايخنا على الأول.
وحكى ابن أبي هريرة أن المتقدمين كانوا يقولون في الرابعة: ربنا آتنا في الدنيا جسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وليس هذا عن الشافعي فإن نقل كان حسنا.
وأنا السلام فقال في "الأم": يسلن تسليمة يسمع من يليه، وإن شاء يسلم تسليمتين وقال في "الجامع الكبير": يسلم تسليمتين، وهكذا قال في البويطي وقال في "القديم": إنه إن كان إماما والناس كثيرون يسلم تسليمتين، فإن قل الناس أو كان منفردا أو مأموما كفاه تسليمة وتحدة يبدأ بيمينه ويختم بشماله، فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من قال قول واحد يسلم تسليمتين استحبابا ويجب تسليمة واحدة.
وروى عبد الله بن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " كان يسلم في صلاة الجنازة مثل التسليم في سائر الصلوات".
والذي يدل على وجوب السلام أنها صلاة يجب لها [344 أ/3] الإحرام فيجب الخروج منها بالسلام كسائر الصلوات.
ومن أصحابنا من قال: المستحب هاهنا تسليمة واحدة قولا واحدا؛ لأنها بنيت على الاختصار، وقال أحمد: يحرج بتسليمة واحدة عن يمينه وأقل ما يجزي عن عمل هذه الصلاة أنه يكبر مع النية ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر فيقول: اللهم صل على محمد، ثم يكبر ويدعو للميت بمايقع عليه الاسم، وهو أن يقول: اللهم ارحمه، ثم يكبر الرابعة ويسلم تسليمة واحدة فيقول: السلام عليكم، وعند أبي حنيفة لا تجب الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا الدعاء للميت.
وأما قراءة السورة فالمذهب المشهور أنها لا تستحب، ومن أصحابنا من قال: يستحب قراءة سورة قصيرة، وروي ذلك عن المسنون وابن عباس رضي الله عنهما.
ذكره القاضي الطبري قال الشافعي: ويجهر بالتسليم وأراد إذا كان إماما ليقتدي به من خلفه كما يجهر بالتكبيرات.
مسألة: قال: ومن فاتته بعض الصلاة مع الإمام افتتح ولم ينتظر تكبير الإمام، ثم يقضي مكانه.
وهذا كما قال.
إذا أدرك المأموم الإمام في أثناء الصلاة كبر ودخل معه فيها ولا
ينتظر تكبيرة الإمام ليدخل معه فيها مكبرا، وبه [344 ب/3] قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: إنه ينتظر تكبيره حتى يكبر معه، وعن مالك روايتان، واحتج بأن التكبيرات تجري مجرى الركعات، بدليل أنه يقضيها بعد فراغ الإمام، فإذا فاتته ركعة مع الإمام، وهذا غلط، لأنه أدرك الإمام في أثناء صلاته، فوجب أن يدخل معه فيها في الحال كما في سائر الصلوات، وأما ما قالوا: لا يصح لأنه لو كان يجري مجرى الركعات لكان إذا حضر وكبر الإمام قبل أن يكبر المأموم لا يكبر حتى يكبر أخرى، كما لو حضر ولم يدخل مع الإمام حتى صلى ركعة، فإنه لا يشتغل بقضائها، فإن كبر هو ثم كبر الإمام التكبيرة الثانية في الحال.
قال بعض أصحابنا: تبعه وسقطت القراءة عنه، وإن أدرك بعض القراءة قرأ ذلك القدر وسقط الباقي إذ كبر الإمام ثانيا والأول أصح، وقال بعض أصحابنا: على هذا، هل يأتي بالقراءة بعد التكبيرة الثانية؟ يحتمل أن يقال: يأتي بالقراءة بعد الثانية، لأن بعد التكبيرة الثانية محل القراءة؛ لأنه لو أدركه في التكبيرة الثانية قرأ المأموم، ويخالف هذا إذا ركع الإمام قبل إتمام المأموم قراءة [345 أ/3] الفاتح لا يقرأ الباقي، لأن الركوع ليس بمحل القراءة أصلا ويحتمل أن يقال: لا يأتي بها لأنه لما أدرك قراءة الإمام صار محل القراءة ما قبل التكبيرة الثانية في حقه فلا يأتي بها بعد الثانية، ولو أدركه وقد كبر التكبيرة الثانية فإنه يكبر في ال حال ويكون ذلك تكبيرة الافتتاح ويشتغل بالفاتحة، وإن كان الإمام يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهكذا إن أدركه في الثالثة يكبر ويقرأ، وإن كان الإمام يدعو لأن ما أدركه يكون أول صلاته عندنا فيأتي بالتكبيرات على الترتيب، ولو أدركه في الرابعة كبر معه، فإذا سلم أتى بهن متواليات، لأن الجنازة ترفع قبل أن يفرغ من الصلاة فلا فائدة لدعائه بعد غيبة الميت.
وقال في البويطي: يقضي ما فاته من التكبيرات تسعا متتابعات، ثم يسلم ثم قال: فقد قيل: يدعو بينهما للميت.
وحكى القاضي أبو علي الزجاجي الطبري أن الشافعي قال في "كتاب الجنائز": إذا سلم الإمام قضى من خلفه من صلاته، وإن زال الخسوف وانقطع المطر يعني عند الجمع في المطر فالظاهر أن المسألة على [345 ب/3] قولين، ولا فرق بين أن ترفع الجنازة أو لا ترفع، غابت عنه أو لم تغب، وتكون، نيته تمام الصلاة عليه وهذا بخلاف ما لو صلى والجنازى خلفه لا تجوز على أجد الوجهين؛ لأن هذا هو إتمام الصلاة الصحيحة وحكم الإتمام أخف فيجوز، وإن رفعت الجنازة قولا واحدا، وقال أبو جنيفة: يقضي كما فاته إلا أن ترفع الجنازة تبطل الصلاة.
فرع
قال في "الأم": ولو أحدث الإمام انصرف وكبر من خلفه ما بقى فرادى.
قال: ولو كان موضع وضوءه قريبا فانتظروه فجاء وبنى على التكبير رجوت أن لا يكون به بأس.
قال الربيع: مذهب الشافعي الذي مات عليه أنه إذا أحدث لا يبني عليه، وأراد بالحدث هاهنا
أن يكون مسبوقا به، وفيه قولان مشهوران، والصحيح أنه رجع عن البناء.
مسألة: قال: ومَنْ لَمْ يدركْ صلى على القبرِ.
وهذا كما قال: يستحب أن تكون الصلاة على الجنازة دفعة واحدة، فإن كررت الصلاى عليها جاز، نص عليه في اجتماع الجنائز وقال في "الأم": ولا بأس أن يصلي على القبر بعدما يدفن بل يستحب، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعمر وأبي موسى الأشعري [346 أ /3] وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن سيرين، وقال النخعي ومالك وأبو حنيفة: لا يصلي على القبر ولا يصلي على الجنازة مرتين.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يصلي على القبر ولي الميت إذا كان غائبا وقت الدفن، قال محمد: إلى ثلاثة أيام، وقال أبو يوسف: إلى أيام وأطلق، واحتج بأنه لو جازت الصلاة على القبر لجازت على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا غلط لما روينا من خبر المسكينة التي توفيت ليلًا، وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبرها.
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة، وقد مات البراء بن معرور وقد وصلا له فقبل الوصية"، وصلى على قبر رجل كان يقم المسجد ودفن ليلًا".
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا وجد الميت قد دفن فليصل وحده وليقم عند رأس القبر"، فإن قيل: لأن صلاة الجنازة لم تكن تسقط فرضها إلا بصلاته ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصلي على ميت ما دمت بين أظهركم أحد غيري، فإن صلاتي عليه رحمة".
قلنا: لم [346 ب/3] تكن الصلاة على الجنازة متعينة عليه، وإنما كان يقصد الفضيلة بها، ولهذا أنه لم يصل على جنائز كثيرة، وقال في الرجل الميت المديون: "صلوا على صاحبكم"، وقال القوم في المسكينة: كرهنا أنو نوقظك.
ولم يقل لهم: الصلاة عليها من دوني لا تجوز، وأما قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أكثر أصحابنا: لا خلاف على المذهب أنه لا يجوز والنبي - صلى الله عليه وسلم - مخصوص بذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تتخذوا قبري مسجدا كما جعلت اليهود قبور أنبيائهم مساجد".
وروي "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم".
ومن أصحابنا من قال: هذا مبني على الأقوال إلى متى تجوز الصلاة على القبر، ومن أصحابنا من قال: تجوز الصلاة عليه إلى شهر ذكره ابن أبي أحمد، ولعله أخذ ذلك من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي النجاشي وكان بينهما مسافة شهر، وهذا غلط لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر البراء بن معرور بعد شهر".
ولم ينقل أكثر من ذلك.
وروي، أنه صلى على أم سعد [347 أ/3] ابن عبادة بعدما دفنت بشهر.
وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر بعد شهرين.
وروى ابن عباس بعد شهر، ومن أصحابنا من قال: يجوز حتى يعلم أنه بلي في قبره فلا يجوز جينئذ لأنه ذهبت حرمته، وهذا أصح عندي، ومن أصحابنا من قال: يجوز أبدًا؛ لأن القصد الدعاء حتى يجوز اليوم أن يصلي على قبر آدم عليه السلام وعلى قبر جميع
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ومن أصحابنا من قال: هو الأظهر، واختيار الشيخ أبي زيد المروزي: يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم مات، فأما من ولد بعده أو كان صبيا فبلغ بعده فلا يصلي عليه؛ لأنه يكون متبوعا، ولا يجوز أن يتطوع لصلاة الجنازة وإذا كان يوم موته من أهل الفرض كان من جملة من يؤدي الفرض؛ لأن المؤدي الفرض على الكفاية وإن كثر ويوصف كلهم بأنهم يؤدون الفرض، وإن كان الفرض يسقط بدونهم.
ومن أصحابنا من لم يقيد بالفرض هاهنا، وقال في الصبي: إذا بلغ: تجوز الصلاة عليه ذكره أهل العراق، وهو اختيار القاضي الطبري، ومن أصحابنا من قال: تجوز إلى ثلاثة أيام ذكره والدي رحمه الله، وعندي أن هذا أخذه مما قال أبو حنيفة: إنه إن دفن [347 ب/3] قبل الصلاة عليه صلى على قبره إلى ثلاثة أيام فقط.
فحصل من الحمالة ستى أوجه عند القائل فإن، قلنا بالأول: كانت تجوز الصلاة على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى شهر وقد مضى، وإن قلنا: بالثاني فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يبلى ولكنه قال: لا أترك في قبري.
فلا تجوز الصلاة على قبره، وإن قلت بالثالث ففيه وجهان: أحدهما: لا تجوز الصلاة على قبره لما ذكرنا.
والثاني: تجوز ولكن يصلون أفرادًا كما صلت الصحابة أفرادًا.
فرع
لو ترك الصلاة على الميت ودفن، فإنه لا ينبش بل يصلي على القبر، ولو دفن من غير غسيل أو لغير القبلة قال في "الأم": لا بأس عندي أن يحاط عنه التراب ويحول وجهه إلى القبلة، وأن يخرج فيغسل ويصلى عليه ما لم يتغير، قال أصحابنا: الغسل فرض فإذا ترط مبش وغسل، وقال أبو حنيفة: إذا أهيل عليه التراب لا ينبش؛ لأن النبش مثلة، وقد نهى عن المثلة وهذا غلط؛ لأن الميت إذا كان بحاله لا يكون النبش مثلة، وأما التوجيه إلى القبلة فهو سنة مؤكدة، فالأولى أن ينبش ويرد إلى السنة إلا أن يكون قد [348 أ/3] تغير فلا ينبش؛ لأن القصد الستر وقد حصل الستر بالتراب ونبشه هتك لستره.
والثاني: ينبش لأن التكفين فرض كالغسل.
فَرْعٌ آخرُ
إذا وقع في القبر ش ئ له قيمة كان لصاحبه أن يكشفه عنه حتى يأخذ ما سقط فيه.
وروي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: خاتمي ففتح موضعًا منه، وأخذ خاتمه وكان يقول: أنا أقربكم عهدا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه يمكن إيصال المال إلى صاحبه فوجب إيصاله إليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو بلع جوهرة لغيره، ثم مات فإنه تشق بطنه وترد إلى صاحبها إلا أن تضمن ورثته مثلها أي قيمتها فلا يخرج، ذكره أصحابنا من غير خلاف، والمثل يكون للدنانير ونحوها وينطلق عليها اسم الجوهر، ولو بلع جوهرة لنفسه ومات هل تخرج منه
وجهان: أحدهما: للورثة إخراجها لأنها صارت ملكهم بموته.
والثاني: ليس لهم ذلك، لأنها ماله استهلكه في حياته فهو كما لو اشترى به الشهوات وأكلها، وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وقال القاضي الطبري: الأول بمذهب الشافعي أن لا يشق جوفه في المسألة قبلها [348 ب/3] ويضمن له قيمتها من تركته، كما في الخيط إذا خاط به الغاصب وأخرجه لا ينزع، وعلى هذا قلت: إذا بلى الميت في القبر ونفقت الجوهرة فيما بين التراب ترد إلى صاحبها وتسترجع القيمة، ومن قال بالأول أجاب وقال: ليس هي كالخيط، لأنه يجوز له ابتداء غصبه بحال ليخبط خرجه لقلة خطره وعظم حرمة الآدمي، ولا يجوز ابتلاع جوهرة الغير بجال وهي الآن ملك الغير مقدور على ردها من غير إيلام حيوان فيلزم الرد عند الإمكان.
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت امرأة وفي بطنها جنين متحرك، قال ابن سريج: يشق بطنها ويخرج الجنين، لأن مراعاة الحي أولى، لهذا يجوز للحي أن يأكل الآدمي الميت عند الضرورة، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا قالت القوابل الثقات: أن مثله يعيش متى أخرجنا فيخرج، وإن كان لا يعيش مثله تركناه فمن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: يشق وبه قال أبو حنيفة، والثاني: لا يشق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كسر عظام الميت ككسر عظام الحي".
وهذت الولد لا يعيش في العادة.
ومن أصحابنا من قال: وهو الصحيح مراد ابن سريج [349 أ/3] مراد هذا القائل أيضًا والذي له ستة أشهر، فإنه لا يخرج بحال.
وذكر شيخنا الإمام ناصر رحمه الله وجهًا في رؤوس المسائل أنه لا يشق أصلًا؛ لأنه لا يتحقق وفيه هتك حرمتها وهو بعيد لم يذكره غيره.
وحكي عن أحمد أنه قال: تصطلمه القوابل، فإن خرج وإلا ترك حتى يموت ثم يدفن، وهذا غلط، لأن هذا شبه القتل فلا يجوز ذلك بحال، فإذا قلنا: يشق فينبغي أن يشق إذا وضعت في اللحد فإنه أستر لها ذكره أصحابنا.
وعندي أنه يشق قبله لأنه ربما يموت بضيق النفس.
وحكي أن محمد بن عجلان ولدته أمه في القبر فجاء نباش فوجده فأخرجه.
وقيل: إذا قلنا: لا يشق تمسح القابلة بطنها فربما يخرج، فإن لم يخرج صبر حتى يسكن.
مسألة: قال: "ولا يُدخِلُ الميتَ قبرَهُ إلًّا الرجال ما كانوا موجودين".
الفصل
وهذا هو كما قال.
وجملته أن ينوي دفن الميت وإدخاله القبر إلا الرجال ما كانوا موجودين، سواء كان الميت رجلًا أو امرأة، لأن هذا فعل يحتاج إلى البطش والقوة، والرجال أقوى على ذلك في نقله ووضعه في اللحد، ولأن المرأة عورة ولا [349 ب/3] يمكنها ذلك إلا بكشفها وجهها وذراعيها.
فإذا تقرر هذا، فإن كان الميت رجلًا وله عصبات تساووا في الفقه فإن يتولى ذلك الأقرب فالأقرب على ما بينا في الصلاة عليه، فإنه لم يكن له عصبة فالأجانب، وإن كان أحدهم أفقه قدم الأفقه، لأن الوضع في اللحد وتناول الميت
إليه يحتاج إلى الفقه، ودعاء الفقيه أسرع إلى الإجابة نص عليه في "الأم"، وإن كان الميت امرأة قال في "الأم": استحب أن يكون الذي يحملها من المغتسل إلى الجنازة ومن الجنازة إلى من يحملها إلى القبر النساء، وأما إدخلها القبر فإن كان لها زوج فالزوج أحق لأنه يتعلق بمباشرتها والنظر إليها، وإن لم يكن لها زوج فعصباتها المحارم فيقدم الأب ثم الجد على الترتيب، وإن لم يكن لها خادم فخصيان الرجال أولى من الفحل، وإن كانوا أجانب فإن لم يكونوا فعصابتها الذين ليسوا بمحارم مثل ابن العم ونحوه، فإن لم يكونوا فسائر القرابات الذين ليس لهم تعصيب فإن لم يكونوا فالأجانب للضرورة.
وأما النساء فلا مدخل لهن [350 أ/ 3] في ذلك ولكن إن كانت أكفانها مشدودة يجوز أن يتولى كل ذلك النساء عتد الضرورة، ومن أصحابنا من قال: عطف الشافعي قوله: وأقربهم به رحما على الزوج بحرف النسق وهذا يدل على أنه لا يقدم الزوج على ذي الرحم ولكن أيهما أدخلها قبرها حسن.
وقال أبو حامد: يقدم من كان محرما لها من ذوي الأرحام كأب الأم والخال والعم من الأم على الخادم.
وهذا أصح عندي، وذكر بعض أصحابنا بخراسان أن الشافعي نص على الخادم والخصيان وهو غريب.
مسألة: قال: "ويسترُ عليها بثوبٍ".
وهذا كما قال.
هذا لا يوهم أن قبر المرأة مخصوص بالستر بثوب وليس كذلك بل الفرق في ذلك بين الرجل والمرأة، هكذا نص في "الكبير" وقال في "الأم": يستر القبر بثوب نظيف حتى يستوي على الميت لحده، وستر المرأة أوكد من ستر الرجل.
وقال أبو حنيفة: إن كان رجلًا فلا يستر بخلاف المرأة، وهذا غلط لما روي أن سعد بن معاذ لما دفنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال سعد بن مالك: كنت متمسكاً بحافة ثوبه، فأصغى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أسامة بن زيد، فقلت له: ما قال لك [350 ب/3] فقال: قال: صرت قوائم العرش لموت سعد بن معاذ، وقال ابن عباس: جلل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبر سعد بن معاذ بثوب.
وإنه ليعظم قدر الميت وهو كاستحباب أن يكون موضع مغتسله مستورا فالرجل والمرأة فيه سواء، والمستحب أن يكونوا وتراً إما ثلاثة أو خمسة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قال إن الله وتر يجب الوتر".
وروي أن عبد الرحمن بن عوف كان رابعهم وأنه الذي نزل القبر، فإن صح هذا دل على أن الشفع جائز، هكذا ذكره أصحابنا بخراسان، وذكر مشايخ العراق أنه دفنه العباس وعلي واختلفوا في الثالث، فقيل: كان الفضل بن
العباس وقيل: كان أسامة بن زيد وهذا أظهر وأصح عندي.
مسألة: قال: ويسلُّ الميتُ مِنْ قبلِ رأسهِ سلًا.
وهذا كما قال.
عندنا يسل الميت من قبل رأسه، وذلك أن يوضع رأس السرير عند رأس القبر، ثم يسل سلَا، لأن القبر منزله، والحي إذا دخل منزله أدخل رأسه فيه من قبل رجليه، وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة بين القبر والقبلة [351 أ/3] ويدخل الميت القبر مغترضاً ويرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدخل معترضاً من قبل القبلة وهذا من أفحش الغلط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قبره ملصقاً بجدار القبلة حتى كان لحده تخت الجدار، فلم يكن هناك بين القبر والقبلة موضع يمكن وضع الجنازة فيه.
وروينا عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سل من قبل رأسه سلًا.
ولأن عليه عمل أهل الحرمين فكان أولى، لأنه يستحيل أن يجمعوا على ترك السنة الظاهرة إلا بسلطان ظالم قاهر، ولم يكن ش ئ من ذلك.
باب ما يقال إذا دخل الميت قبره
مسألة: قال: وإذَا أُدخِلَ الميتُ قبرَهُ.
الفصل
وهذا كما قال الشافعي.
جمع في هذا الباب أذكاراً ودعوات يستحب أن يقولها الذين يدخلون الميت قبره، أي: يدعو كل واحد منهم بذلك، وهو أن يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروي بسم الله، وبالله اللهم أسلمه إليك الأشحاء- أي: المشفقون عليه من [351 ب/3] ولده وأهله وقرابته وإخوانه-، وفارق من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنبه وإن عقوت فأنت أهل العفو، أنت غني عن عذابه، وهو فقير إلى رحمتك.
اللهم اشكر حسنته واغفر سيئته وأعذه من عذاب القبر، واجمع له برحمتك إلا من عذابك، واكفه كل هول دون الجنة.
اللهم أخلفه في تركته في الغابرين - أي: كن خليفته فيمن تركه من الباقين من أهل قرابته - وارفعه في عليين - أي: وارفع درجته في الجنة - وجد عليه أن يفضل عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين.
وهذا كله مما قد جاءت به الأخبار.
وقال بعض أصحابنا: يقول: بسم الله الرحمن الرحيم وعلى ملة رسول الله إلى آخره.
ولا وقت في الدعاء، وروي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي سلمة فضج ناس من أهله فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون.
اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وأخلفه في عقبه الغابرين، واغفر له يارب العالمين اللهم افسح له في قبره ونور له فيه" [352 أ/3].