والثاني: أن يكون طلاقه قيل المطالبة بها، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون بائنًا بثلاث أو خلع، فلا مهر له؛ لأنه راض بتركها.
والثاني: أن يكون طلاقه رجعيًا، فهو موقوف على رجعته، فإن لم يراجع، فلا مهر له، لتركها عن رضي، وإن راجعها، فله المهر لارتفاع الطلاق بالرجعة، فصار باقيًا على التمسك بها.
فإذا ستقر مهرها باستكمال هذه الشروط التسعة، وكانت المطالبة بزوجة أو زوجتين أو ثلاث أو أربع، حكم له بهمورهن كلهن، ولو طالب بعشر زوجات أسلمن عنه وقد نكحهن في الشرك قيل له: اختر من جملتهن أربعًا، ولك مهورهن، ولا مهر لك، فيما عداهن، لاستقرار الشرع على تحرم من زاد على الأربع، وإذا كان المهر مستحقًا، فقد قال أبو حامد الإسفراييني: المستحق فيه هو القدر الذي هو القدر الذي دفعه من قليل وكثير دون مهر المثل، لقول الله تعالى: ﴿وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 10]، والذي عندي أنه يستحق أقل الأمرين من مهر مثلها أو ما دفع، فإن كان أٌلها مهر مثلها رجع به، ولم يرجع بما غرمه من الزيادة عليه؛ لأنه بدل البضع الفائت عليه.
وإن كان أقلها ما غرمه رجع به، ولم يرجع بالزيادة عليه؛ لأنه لم يغرمها، وسواء في استحقاقه المهر بين أن يشترط ردهن في عقد الهدنة، أو لا يشترط، إلا أن الهدنة تبطل باشتراطها ردهن ولا تبطل إن لم يشترط.
فصل:
وأما الفصل الثاني في الرجال فضربان:
أحدهما: في استحقاق رد الأقوياء، فصفة الرد أن يكون إذنًا منه بالعود، وتمكينًا لهم في الرد، ولا يتولاه الإمام جبرًا إن تمانع المردود، وكذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جندل وأبي بصير في العود، فإن أقام المطلوب على تمانعه من العود قيل للطالب: أنت ممكن من استرجاعه، فإذا قدرت عليه لم تمنع منه، وإن عجزت عنه لم تعن عليه، وروعي حكم الوقت فيما يقتضيه حال المطلوب، فإن ظهرت المصلحة في حثه على العود لتألف قومه أشار به الإمام عليه بعد وعده بنصر الله، وجزيل ثوابه، ليزداد ثباتًا على دينه، وقوة في استنصاره وإن ظهره المصلحة في تثبيطه عن العود أشار به سرًا وأمسك عن خطابه جهرًا، فإن ظهر من الطالب عنف بالمطلوب واعده الإمام، فإن كان لفرط إسفاف تركه، وإن كان لشدة منعه، فإن كان مع المطلوب مال أخذه من الطالب الذي نظر فيه:
فإن كان أخذه قبل الهدنة كان المطلوب أحق به، وإن أخذه بعد الهدنة كان الطلب أحق به؛ لأن أمواله قبل الهدنة مباحة، وبعدها محظورة.
فأما إن كان المطلوب منها مقيمًا على شركه بعد ولو يسلم مكن طالبه منه سواء كان
قويًا أو ضعيفًا رجلًا كان أو امرأة خيف عليهم منهم أو لم يخف، لأن الهدنة قد أوجبت أمانه منا، ولو توجب أن تؤمنه منهم، واستحق بمطلق الهدنة تمكينهم منهم، واستحق بمطلق الهدنة تمكينهم منهم، ولم يستحق بها أن نقوم برده عليهم إلا أن يشترطوا ذلك علينا، فيلزمنا بالشرط أن نرده بخلاف المسلم الذي لا يجوز أن يرد، ولا يلزمنا أن نعاوضهم عنه.
فإن شرطها في عقد الهدنة، أن نعاوضهم عمن لحق بنا من كفارهم كان الشرط باطلًا؛ لأنه لا يملك أن يبذل أموال المسلمين عن المشركين للمشركين.
وأما الضرب الثاني: والضعفاء فلا يلزم معاوضة الطالب في دفعه عن المطلوب بخلاف النساء في حقوق الأزواج؛ لأن رقبة الحر ليست بمال يصح فيه المعاوضة بخلاف بضع الحرة، فإن كان المطلوب عبدًا غلب على سيده، وهاجر مسلمًا، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يغلب على نفسه قبل إسلامه، فيعتض بهجرته بعد إسلامه سواء فعل ذلك قبل الهدنة أو بعدها، لأن الهدنة توجب أمانهم منا، ولا تجوب أمان بعضهم من بعض.
والثاني: أن يغلب على نفسه بعد إسلامه، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يفعل ذلك قبل الهدنة، فيعتض بهجرته مسلمًا؛ لأنه أغلب على نفسه في حالة الإباحة.
فإذا أعتق في هذه الحال، فعل يلزم الإمام غرم قيمته لسيده أم لا؟ على قولين كالزوجة.
والثاني: أن يفعل ذلك بعد الهدنة، فلا يعتض لحظره أموالهم بعدها، فلم يملكها مسلم بالغلبة، ويكون على رقه لسيده، ويمنع من دفعه إليه، استيفاء رقه عليه؛ لئلا يستذل بالاسترقاق، ويقال لسيده: إن أعتقه كان لك ولاؤه، ولا قيمة لك عنه بعد عتقه، وإن امتنعت من عتقه لم يعتق عليك جبرًا، لما أوجبته الهدنة من حفظ مالك، وكان الإمام فيه مجتهدًا في خيارين: إما أن يبيعه على مسلم أو يدفع قيمته من بيت المال، ويعتقه عن كافة المسلمين ولهم ولاؤه.
فلو كان المطلوب أمة ذات زوج غلبت على نفسها وهاجرت مسلمة، فحضر سيدها وزوجها في طلبها، كان حكمها مع السيد على ما ذكرنا من حكم العبد في العتق والرد، وغرم القيمة على التقسيم المقدم.
وأما حكمها مع الزوج، فلا يخلو أن يكون حرًا أو عبدًا، فإن كان حرًا كان في استحقاقه لمهرها من بيت المال قولان كالحرة، ولا يكون غرم قيمتها لو أخذها السيد مانعًا من غرم مهرها للزوج.
وإن كان الزوج عبدًا، ففي استحقاق المهر قولان أيضًا، لكنه ملك لسيده دونه، فلا يسلم إذا استحق إلا باجتماع الزوج مع سيده، لأن ملك البضع للعبد.
وملك المهر لسيده، فإن تفرد أحدهما بطلبه منع، وإن اجتمعا عليه دفع باجتماعها إلي السيد دون العبد كما لو ملك العبد بالطلاق قبل الدخول نصف الصداق، كان ملكًا للسيد ولم ينفرد بقبضه، إلا باجتماع مع عبده.
ولو كانت المطلوبة أم ولد، فجاء سيدهما في طلبها كانت في العتق، واستحقاق القيمة كالأمة، ولو كانت مكاتبة، فإن حكم بعتقها على ما قسمناه في الأمة بطلب كتابتها، وفي استحقاقه لقيمتها قولان.
وإن لم يحكم بعتقها، كانت على كتابتها، ولم تبع عليه، وإن أدت مال كتابتها عتقت بالكتابة، وكان له ولاؤها، وسواء كان ما أدته من الكتابة أقل من قيمتها أو أكثر، وإن عجزت ورقت حسب من قيمتها بما أخذه من مال كتابتها بعد إسلامها، ولم يحتسب عليه مأخذه منها قبل الإسلام، فإن بلغ قدر القيمة، فقد استوفى حقه، وعتقت، وكان ولاؤها للمسلمين، وهول يرد عليها من بيت المال أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا يرد إذا قيل: إن سيد الأمة لا يستحقه.
والثاني: يرد إذا قيل إن سيد الأمة يستحقه، فإن كان ما أدته أكثر من القيمة، لم يسترجع فاضل القيمة من سيدها، وإن كان ما أدته أقل من قيمتها استحق سيدها تمام قيمتها قولًا واحدًا؛ لأنه عتق بعد ثبوت الرد، وكان ذلك من بيت المال.
فصل:
فأما من ارتد بعد الهدنة من المسلمين ولحق بهم لم يخل حال الإمام في عقد هدنته من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قد اشترط فيها رد من ارتد إليهم ليؤخذوا برده وتسليمه سواء كان المرتد رجلًا أو امرأة، فإن امتنعوا من رده كان نقضًا لهدنتهم.
والقسم الثاني: أن يشترط فيه أن لا يردوا من ارتد إليهم من المسلمين، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرط ذلك لقريش في هدنة الحديبية.
فأما الآن ففي جواز اشتراطه الهدنة قولان:
أحدهما: يجوز اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية؛ لأن الردة قد أباحت دماءهم فسقط عنا حفظهم.
والثاني: أنه شرط باطل؛ لأن هدنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديبية لما بطلت في رد من
أسلم بطلت في ترك من ارتد؛ لأن أحكام الإسلام عليها جارية.
والصحيح عندي من إطلاق هذين القولين أنها تبطل في ترك من ارتد من النساء ولا تبطل في ترك من ارتد من الرجال كما بطلت في رد من أسلم من النساء، ولم تبطل في رد من أسلم من الرجال؛ لأن النساء ذوات فروج يحرم على الكافر من المرتدة مثل ما يحرم عليه من المسلمة، ولعل اختلاف القولين محمول على ما ذكرنا من الفرق بين الفريقين.
فإن قلنا بوجوب الرد كان عليهم لتمكين منهم، وأن لا يذبوا عنهم، ولا يمكنوا منهم، وكانوا فيه على عهدهم.
والقسم الثالث: أن يكون عهد الهدنة مطلقًا لم يشترط فيه رد من ارتد إليهم، ولإقراره معهم، فإطلاقه يوجب رد من ارتد منا، ولا يوجب رد من أسلم منهم؛ لأن إطلاقه موجب لإمضاء حكم الإسلام فيه؛ لأن حكمه أعلى، فكان العقد عليه بمعنى، فيلزمهم لتمكن منهم، ولا يلزمهم تسليمهم، فإن ذبوا عنهم، ولم يمكنوا انتقض عهدهم، فصارت أحكام المرتد إليهم من هذه الأقسام ثلاثة تنقسم على أحكام ثلاثة:
أحدها: أنه يجب عليهم تسليم المرتدين.
والثاني: أنه يجب عليهم التمكين من المرتدين، ولا يجب عليهم تسليمهم.
والثالث: لا يجب عليهم تسليمهم، ولا التمكين منهم، فإن لم يجب عليهم تسليمهم، ولا التمكين منهم وجب عليهم أن يغرموا مهور من ارتد من نسائنا وقيمة من ارتد من عبيدنا وإمائتنا، ولم يجب عليهم عمن ارتد من الرجال الأحرار غرم كما لم يجب عليهم عمن أسلم من أحرارهم غرم؛ لأن رقبة الحر تضمن بغير جناية، فلو عاد المرتدون إلينا لم نرد على أهل الذمة ما أخذناه من مهور النساء، ورددنا ما أخذناه من قيمة العبيد؛ لأنهم قد صاروا لهم بدفع القيمة ملكًا، فلم يصر لنسائهم بدفع المهور أزواجًا.
وإن وجب عليهم التمكين منهم، ولم يجب عليهم تسليمهم لم يجب عيهم غرم مهر، ولا قيمة مملوك؛ لأننا أن وصلنا إليهم بالتمكين، فقد وصلنا إلى حقنا، وإن لم نصل إليهم مع التمكين فلعجزنا.
وإن وجب عليهم تسليمهم أخذوا به جبرًا إذا كان تسليمهم ممكنًا، ولا غرم إذا سلموهم، فإن فات تسليمهم بالموت أغرموا مهور النساء، وقيمة العبيد والإماء، وإن تعذر تسليمهم بالهرب، فإن كان قبل القدرة على ردهم لم يغرموا مهرًا، ولا قيمة، وإن كان بعد القدرة على ردهم غرموا مهور النساء وقيم العبيد والإماء.
فإذا تقرر هذا ووجب لنا عليهم مهور من ارتد من نسائنا، وقيمة من ارتد من عبيدنا
وإمائنا، ووجب لهم علينا مهور من أسلم من نسائهم وقيمة من أسلم من عبيدهم وإمائهم جعلناه قصاصًا قولًا واحدًا، لما في القبض والتسليم من الخطر الشاق، فإن استويا في القدر برئت منه الذمتان، وإن فضل لنا رجعت بالفضل عليهم، وإن فضل لهم دفعنا الفضل إليهم، ودفع الإمام ما قاصصهم به من بيت المال إلي مستحقيه من المسلمين وكتب إليهم أن يدفعوا ما قصصوا به إلي مستحقه من المشركين، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وليس لأحد أن يعقد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل بأمره لأنه يلي الأموال كلها".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا يصح أن يتولى عقد الهدنة العامة إلا من إليه النظر في الأمور، وهو الخليفة أو من استنابه به فيها الخليفة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد بني قريظة وبني النضير بنفسه، وهادن قريشًا عام الحديبية بنفسه؛ ولأن الخليفة، لإشرافه على جميع الأمور أعرف بمصالحها من أشذاذ الناس؛ ولأن أمره بالولاية أنفذ، وهو على التدبير والحراسة أقدر.
فإن استناب فيها من أمره بعقدها صح؛ لأنها صدرت عن رأيه، فلم يلزمه أن يباشرها بنفسه؛ لأن عام النظر، فلم يفرغ لمباشرة كل عمل، فإن استناب فيها من فوض عقدها إلي رأيه جاز إذا كان من أهل الاجتهاد والرأي، وهما في اللزوم على سواء.
وأما ولاة الثغور، فإن كان تقليدهم تضمن الجهاد وحده لم يكن لواحد منهم أن يعقد الهدنة إلا قدر فترة الاستراحة، وهي أربعة أشهر، ولا يجوز أن يكون سنة، لأن عليه أن يجاهد في كل سنة، وفيما بين أربعة أشهر وسنة قولان؛ لنه فقد في هذه المدة عن الجهاد من غير هدنة جاز، فكان مع الهدنة أولى بالجواز.
وإن تضمن تقليد ولي الثغور أنه يعمل برأيه في الجهاد والموادعة جاز أن يعقد الهدنة عند الحاجة إليها؛ لدخولها في ولايته، والأولى أن يستأذن فيها الخليفة، فإن لم يستأذنه انعقدت.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وعلى من بعده من الخلفاء إنفاذه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا اجتهد الإمام في الهدنة حتى عقدها ثم مات أن خلع لزم من بعده من الأئمة إمضاؤها إلي انقضاء مدتها، ولو يمكن له فسخها، وإن استغنى المسلمون عنها لقول الله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة 4] ولما روي أن نصارى نجران أتوا عي بن أبي طالب عليه السلام في ولايته، وقالوا له: إن الكتاب بيدك وإن الشفاعة إليك، وإن عمر أجلانا من أرضنا، فزدنا إليها، فقال: إن عمر كان رشيد الأمر، وإني لا أغير أمر فعله.
ولأن ما نفذ بالاجتهاد ولم يجز أن يفسخ بالاجتهاد كالأحكام، فإن كان عقد الهدنة فاسدًا، فإن كان فسادها من طريق الاجتهاد لم يفسخ لنفوذ الحكم بإمضائها، وإن كان فسادها من نص أو إجماع فسخت.
ولم يجز الإقدام على حربهم إلا بعد إعلامهم فساد الهدنة، وقد تظاهر يهود خيبر بكتاب نسبوه إلي علي عليه السلام كتبه لهم في وضع الجزية عنهم، ولم ينقله أحد من الرواة عنه، فلم يجز قبول قولهم فيه، ولو كان صحيحًا لجاز أن يكون لسبب اقتضاه الوقت، ثم سقط؛ لأنه لا يستجيز أن يعاملهم بما يعدل فيه عن كتاب الله تعالى وقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة 29] ولذلك لم يعمل عليها الفقهاء، وأوجبوها عليهم كغيرهم من اليهود.
وتفرد أبو علي بن أبي هريرة بإسقاطها عنهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاملهم على نخيل خيبر حين فتحها، وهذا خطأ؛ لأن المعاملة لا تقتضي سقوط الجزية.
وينبغي للإمام إذا أهان قومًا أن يكتب عقد الهدنة في كتاب يشهد فيه المسلمون ليشمل به الأئمة بعده، ويجوز أن يقول فيه: لكم ذمة الله وذمة رسوله وذمته، وكذا في الأمان: لكن أمان الله، وأمان رسوله وأماني، وحرم بعض الفقهاء ذلك، وكرهه آخرون؛ لأنه ربما خفرت الذمة، فأفضى ذلك إلي أن تخفر ذمة الله وذمة رسوله، وهذا خطأ؛ لأن معناه: أن لكم ما أوجبه ورسوله من الوفاء بالذمة والأمان، فلم ينسب إليهما ما تخفر به ذمتهما.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا بأس أن يصالحهم على خرج على أراضيهم يكون في أموالهم مضمونًا كالجزية".
قال في الحاوي: وصورتها أن يصالح أن يصالح الإمام أهل بلد من دار الحرب على خراج
يضعه على أرضهم، يستوفيه كل سنة من أموالهم، فهو على ضربين:
أحدهما: أن ينعقد الصلح على أن تكون أرضهم للمسلمين، فقد صارت بهذا الصلح من دار الإسلام، وصاروا بإقرارهم فيها أهل ذمة لا يقروم إلا بجزية ولا يجزئ الخراج المأخوذ من أرضهم عن جزية رؤوسهم، لأنه أجرة، حتى يجمع عليهم بين خراج الأرض وجزية الرؤوس، فإن أسلموا سقطت عنهم جزية رؤوسهم، لو يسقط عنهم خراج أرضهم.
والثاني: أن ينعقد الصلح على أن تكون الأرض باقية على أملاكهم، والخراج المضروب عليها مأخوذًا منهم، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن ينعقد الشرط على أمانهم منا، ولا ينعقد على ذنبا عنهم، فتكون أرضهم مع هذا الشرط من حملة دار الحرب، ويكونوا فيها أهلي عهد، ولا يكونوا أهل ذمة، ولا تؤخذ منهم جزية رؤوسهم؛ لأنهم مقيمون في دار الحرب، لا في دار الإسلام، فيقتصر على أخذ الخارج منهم قل أو كثر، ويكون الخراج كالصلح يجري عليه حكم الجزية، وليس بجزية.
فإن أسلموا أسقط الخراج عنهم، وصارت أرضهم أرض عشر.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط عنهم خراج الأرض بإسلامهم؛ لأنها قد صارت بالصلح أرض خراج، فلم يجز أن ينتقل إلي العشر؛ لنفوذ الحكم به، وهذا غير صحيح؛ لأن ما استحق بالكفر سقط بالإسلام كالجزية.
واحتجاجه بنفوذ الحكم فنفوذه مقصور على مدة الكفر.
والثاني: أن ينعقد الشرط على أمانهم منا، وذبا عنهم، فقد صارت أرضهم بهذا الشرط دار الإسلام، وصاروا فيها أهل الذمة لا يقرون إلا بجزية، ويكون خراج أرضهم مع بقائها على ملكهم جزية عن رؤوسهم، فلا يلزم أن يجمع عليهم بين خراج الأرض وجزية الرؤوس.
وقال أبو حنيفة: لا تسقط جزية رؤوسهم بخراج الأرض، وأجمع عليهم بين الجزية والخراج، لأن خراج الأرض عوض عن إقرارها عليهم، والجزية عن حراسة نفوسهم، فلم يسقط أحدهما بالآخر، وهذا فاسد؛ لأنه لما جاز أن يقرهم بالجزية دون الخراج، ويكون ذلك عوضًا عنهما جاز أن يقرهم بالخراج دون الجزية، فيكون ذلك عوضًا عنها؛ لأن كل واحد منهما ينوب عنهما.
فصل:
فإذا تقرر الاقتصار على خراج الأرض كانت صحته معتبرة بشرطين:
أحدهما: أن يكون خراج كل رجل منهم لا ينقص عن جزيته، فإن نقص عنها أخذ بتمامها.
والثاني: أن من لا أرض له منهم لا يقر معهم إلا بجزية رأسه، ويؤخذ هذا الخراج من أرضهم زرعت أو لم تزرع؛ لأنها جزية.
فإن شرط أخذ الخراج منها إذا زرعت وإسقاطه إذا لم تزرع كان الشرط باطلًا؛ لأنهم قد يعطلونها فتسقط.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: إن لم يكن لهم معاش غير الزرع جاز، لأنهم لا يعطونها إلا من ضرورة، وإن كان لهم معاش غيره لم يجز.
ويؤخذ هذا الخراج من كل مالك من الرجال والنساء وإن كانت جزية الرؤوس مأخوذة من الرجال دون النساء؛ لأنها في مقابلة منفعة الأرض التي يشترك فيها جميعهم، فصار الخراج أعم نفعًا من الجزية، فلذلك صار أعم وجوبًا.
فإن جمع الإمام عليهم في شرط بين خارج الأرض وجزية الرؤوس جاز، وصار خراج الأرض زيادة على الجزية، فيؤخذ قليلًا كان أو كثيرًا من الرجال والنساء، وتؤخذ جزية الرؤوس من الرجال دون النساء، فإن أسلموا أسقط عنهم الخراج والجزية وأسقط أبو حنيفة الجزية دون الخراج.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يجوز عشور ما زرعوا لأنه مجهول".
قال في الحاوي: وهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون الأرض قد صارت ملكًا للمسلمين، وهي دار الإسلام، وهم فيها أهل ذمة يلزمهم خارج الأرض، وجزية الرؤوس، فلا يجوز الاقتصار منهم على عشور ما زرعوا؛ لأن عليهم حقين: الخراج والجزية، فإن جعل العشر خراجًا بقيت الجزية، وكان الخراج فاسدًا؛ لأنه أجرة لا تصح إلا معلومة، وهذه مجهولة؛ لأنهم قد يزرعون ولا يزرعون، ويكون زرعهم قليلًا أو كثيرًا.
وإن جعل العشر جزية بقي الخراج، وكانت الجزية فاسدة لما ذكرنا من الجهالة بها.
والثاني: أن تكون الأرض لهم وهي دار حرب، وهم فيها أهل عهد، فيجوز أن يصالحوا على عشور ما زرعوا؛ لأنه لا خراج على أرضهم لبقائها على ملكهم، ولا جزية على رؤوسهم لمقامهم في دار الحرب، فيصير عشر زرعهم مال صلح ليس بخراج ولا جزية، فجاز قليله وكثيره في العلم به، والجهل؛ لأنه مال تطوع.
والثالث: أن تكون الأرض باقية على ملكهم، وهي دار الإسلام؛ لأنهم فيها أهل
ذمة تلزمهم جزية رؤوسهم، ولا يلزمهم خارج أرضهم، فيكون صلحهم على عشور ما زرعوا الجزية عن الرؤوس، فقد قال الشافعي: لا يجوز؛ لأنه مجهول.
فاختلف أصحابنا في وجه فساده على ثلاثة أوجه:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي إنه لم يجز، لأنه لم يعلم هل يفي أقله بقدر الجزية أو لا يفي، فإن علم أنه يفي بقدر الجزية جاز.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إنه لا يجوز إذا كان لهم مكسب غير الزرع؛ لجواز أن لا يزرعوا، فإن لم يكن لهم كسب غير الزرع جاز؛ لأنهم لا يدعونه إلا من ضرورة.
والثالث: وهو الأصح أنه لا يجوز إذا لم يضمنوا تمام الجزية عند فصوره أو فواته.
ويجوز أن ضمنوا تمام ما قصر أو فات؛ لأن قدر الجزية إذا تحقق حصوله لم تؤثر الجهالة فيما عداه من الطوع، والله أعلم.
باب تبديل أهل الذمة دينهم
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "أضل ما أبنى عليه أن الجزية لا تقبل من أحد دن دين كتابي إلا أن يكون آباؤه دانوا به قبل نزول الفرقان".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في مواضع شتى، وذكرنا أن من خالف دين الإسلام من الكافر ينقسمون ثلاثة أقسام:
قسم هم أهل كتاب كاليهود والنصارى، فتقبل جزيتهم، وتحل مناكحتهم وذبائحهم.
وقسم لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان فلا تقبل جزيتهم ولا تحل مناكحتهم، ولا تؤكل ذبائحهم تغليبًا لحكم التحريم.
وإذا كان كذلك صار كمال الحرمة فيهم لأهل الكتاب من اليهود والنصارى وهؤلاء ضربان:
أحدهما: بنو إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فبعث الله تعالى نبيه موسى في بني إسرائيل بالتوراة، فآمن به جميعهم، ودعا غيرهم، فآمن بعضهم،
ودخل بعده في دينه قوم ثم بدلوا دينهم حتى عدلوا عن الحق فيه، وسمي من دخل في دينه اليهود، فبعث الله تعالى بعده عيسى ابن مريم بالإنجيل إلى بني إسرائيل وغيرهم، فآمن بع بعض بني إسرائيل من اليهود، وآمن به طوائف من غيرهم ثم بدلوا دينهم حتى عدلوا عن الحق فيه، وسمى من دخل في دينه النصارى، فبعث الله تعالى بعده محمدًا صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وجعله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء المرسلين، فدعا جميع الخلق بعد ابتدائه بقريش؛ لأنهم قومه، ثم بالعرب، ثم بمن عداهم، فآمن به من هداه الله تعالى من كافة الخلق، فصارت شريعة الإسلام ناسخة لكل شريعة تقدمتها فلم يختلف مذهب الشافعي بعد نسخ جميع الشرائع المتقدمة بالإسلام أن النصرانية منسوخة بشريعة الإسلام، واختلف أصحابه في اليهودية بما إذا نسخت، على وجهين:
أحدهما: وهو الأشهر نسخت بالنصرانية، حيث بعث الله عيسى بالإنجيل.
والثاني: أنها منسوخة بالإسلام حيث بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالقرآن: فإذا تقررت هذه الجملة، فكل من كان من اليهود والنصارى من بني إسرائيل، فهم مقرون على دينهم تقبل جزيتهم، وتحل مناكحتهم، وتؤكل ذبائحهم، لعلمنا بدخولهم هذين الدينين قبل تبديلهم، فثبتت لهما حرمة الحق، فلما خرج أبناؤهم عن الحق بالتنزيل حفظ الله فيهم حرمة إسلامهم، فأقرهم على دينهم مع تبديلهم، كما قال تعالى في قصة الجدار: ﴿وكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:82] الآية، وحفظ الله تعالى بينهما إصلاح أبيهما، وقيل: إنه كان الأب السابع حتى أوصلهما إلى كنزهما.
وأما غير بني إسرائيل من اليهود والنصارى، فينقسمون أربعة أقسام:
أحدها: أن يكونوا قد دخلوا اليهودية والنصارى قبل تبديلهم فيكونوا كبني إسرائيل في إقرارهم بالجزية واستباحة مناكحتهم وذبائحهم؛ لدخول سلفهم في دين الحق.
والثاني: أن يكونوا قد دخلوا فيها بعد التبديل مع غير المبدلين، فهم كالداخل قبل التبديل في قبول جزيتهم، وإباحة مناكحتهم وذبائحهم؛ لأنهم دخلوا فيه من أهل الحق.
والثالث: أن يكونوا قد دخلوا فيه بعد التبديل مع المبدلين فيكونوا عن حكم عبدة الأوثان؛ لأنهم لم يدخلوا في حق؛ لأن التبديل باطل، فلا تقبل جزيتهم، ولا تستباح مناكحتهم، ولا ذبائحهم، ويقال لهم ما يقال لعبدة الأوثان: إما الإسلام أو السيف.
والرابع: أن يقع الشك فيهم: دخلوا قبل التبديل أو بعده، وخل دخلوا مع المبدلين أو مع غير المبدلين، فهؤلاء يغلب منهم حكم التحريم في الأحكام الثلاثة، فتحقن دماؤهم بالجزية تغليبًا لتحريمها، ولا تستباح مناكحتهم، ولا ذبائحهم تغليبًا لتحريمها كما فعل عمر رضي الله عنه في نصارى العرب، حين أشكل عليه أمرهم هل دخلوا في
النصرانية قبل التبديل أو بعده، فأمرهم بالجزية حقنًا لدمائهم، وحرم نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم، وجعلهم في ذلك كالمجوس.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فلا تقبل ممن بدل يهودية بنصرانية أو نصرانية بمجوسية أو مجوسية بنصرانية أو بغير الإسلام وإنما أذن الله بأخذ الجزية منهم على ما دانوا به قبل محمد عليه الصلاة والسلام وذلك خلاف ما أحدثوا من الدين بعده فإن أقام على ما كان عليه وإلا نبذ إليه عهده وأُخرج من بلاد الإسلام بماله وصار حربًا ومن بدل دينه من كتابية لم يحل نكاحها.
قال المزني رحمه الله: قد قال في كتاب النكاح.
وقال في كتاب الصيد والذبائح: إذا بدلت بدين يحل نكاح أهله فهي حلال وهذا عندي أشبه وقال ابن عباس: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" قال المزني: فمن دان منهم دين أهل الكتاب قبل نزول الفرقان وبعده سواء عندي في القياس وبالله التوفيق".
قال في الحاوي: وصورتها أن ينتقل أهل الذمة في الإسلام من دين إلى دين، فذلك ضربان:
أحدهما: أن ينتقلوا إلى دين يقر عليه أهله.
والثاني: إلى دين لا يقر عليه أهله.
فأما الضرب الأول: وهو أن ينتقلوا إلى دين يقر عليه أهله كمن بدل يهودية بنصرانية أو بمجوسية أو بدل نصرانية بيهودية أو مجوسية، أو بدل مجوسية بيهودية أو نصرانية، ففي إقراره على ذلك قولان:
أحدهما: إنه يقر عليه، وهو قول أبي حنيفة والمزني؛ لأن الكفر كله ملة واحدة يتوارثون بها مه اختلاف معتقدهم، فصاروا في انتقاله فيه من دين إلى دين، كانتقال المسلمين من مذهب إلى مذهب.
والثاني: وهو أظهر أنه لا يقر عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]؛ ولأنه لما كان الوثني إذا انتقل إلى نصرانية لم يقر، والنصراني إذا انتقل إلى وثنية لم يقر، وجب إذا انتقل النصراني إلى يهودية أن لا يقر؛ لأن جميعهم منتقل إلى دين ليس بحق.
فإذا تقرر القولان، فإن قيل بالأول إنه مقر في انتقاله، لم يخل حاله فيما انتقل إليه من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون مكافئًا لدينه كيهودي تنصر أو نصراني تهود، فأصل هذين الدينين سواء في جميع الأحكام ولا يختلف حكمهما بانتقاله من أحد الدينين إلى الآخر إلا في قدر الجزية، فتصير جزيته جزية الدين الذي انتقل إليه دون جزية الذي انتقل عنه سواء كانت أقل أو أكثر.
والثاني: أن يكون الدين الذي انتقل إليه أخف حكمًا من الدين الذي كان عليه، كنصراني تمجس، فينتقل عن أحكامه من الجزية والمناكحة والذبيحة والدية إلى أحكام الدين الذي انتقل إليه، فتقبل جزيته، ولا تحل مناكحته، ولا تؤكل ذبيحته، وتكون ديته ثلثي عشر دية المسلم، بعد أن كانت نصفها كالمجوس في أحكامه كلها، فيصير بذلك منتقلًا من أخف الأحكام إلى أغلظها.
والثالث: أن يكون الدين الذي انتقل إليه أعلى حكمًا من الدين الذي كان عليه كمجوسي تنصر، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجري عليه حكم الدين الذي انتقل إليه لإقراره عليه في إباحة المناكحة والذبيحة، وقدر الدية، فيصير منتقلًا من أغلظ الأحكام إلى أخفها.
والثاني: أنه يجري عليه أحكام الدين الذي كان عليه في تحريم مناكحته وذبيحته وقدر ديته، تغليبًا لأحكام التغليظ لما تقدم من حرماتها عليه كالمشكوك في دينه من نصارى العرب.
وإن قيل بالقول الثاني: إنه لا يقر على الدين الذي انتقل إليه وجب أن يؤخذ جبرًا بالانتقال عنه إلى دين يؤمر به: وفي الدين الذي يؤمر به قولان:
أحدهما: دين الإسلام، أو غيره؛ لأنه انتقل إلى دين قد يكون مقرًا ببطلانه، وانتقل عن دين هو الآن مقر ببطلانه، فلم يجز أن يقر على واحد من الدينين؛ لإقراره ببطلانهما، فوجب أن يؤخذ بالرجوع إلى دين الحق، وهو الإسلام.
والثاني: أنه إذا انتقل إلى دين الإسلام أو إلى دينه الذي كان عليه أقر عليه؛ فنزل لأننا كنا قد صالحناه على الأول على دينه، وإن كان عندنا باطلًا فجاز أن يعاد إليه وإن كان عنده باطلًا، فعلى هذا اختلف أصحابنا في صفة دعائه إلى دينه الذي كان عليه على وجهين:
أحدهما: ويشبه أن يكون قول أبي إسحاق المروزي إننا ندعوه إلى العود إلى الإسلام، ولا يجوز أن يدعى إلى العود إلى الكفر، فإن عاد إلى دينه في الكفر أقر عليه؛ لأن الدعاء إلى الكفر معصية، ويجوز إذا لم يعلم أنه يقر عل دينه الذي كان عليه يقال له: نحن ندعوك إلى الإسلام، فإن عدت إلى دينك الذي كنت عليه أقررناك.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: إننا ندعوه ابتداءً إلى الإسلام وإلى دينه الذي كان عليه ولا يكون ذلك أمرًا بالعود إلى الكفر؛ لأنه إخبار عن حكم الله تعالى، فلم يكن أمرًا بالكفر، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الشهادة أو الجزية، فلم يكون ذلك منه أمرًا بالمقام على الكفر، ولكنه إخبار عن حكم الله فيهم، فإذا توجه القولان فيما يؤمر بالعود إليه، فإن عاد إلى الدين المأمور به أقر عليه وإن لم يعد إليه ففيما يلزم من حكمه قولان:
أحدهما: وهو الذي نقله المزني هاهنا أنه ينبذ إليه عهده، ويبلغ مأمنه، ثم يكون حربًا، لأن له أمانًا على الكفر، فلزم الوفاء به، فعلى هذا يجوز تركه، ليقضي أشغاله ونقل ماله، ولا يتجاوز به أكثر من أربعة أشهر، فإذا بلغ أدنى مأمنه بذريته وماله صار حربًا.
والثاني: أن يصير في حكم المرتد؛ لأن ذمته ليست بأوكد من ذمة الإسلام، فعلى هذا يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل صبرًا بالصيف، وفي الانتظار بقتله ثلاثًا قولان: ويكون أمان ذريته باقيًا وأما ماله، فيكون فيئًا لبيت المال، ولا يورث عنه؛ لأنه من قتل بحكم الردة لم يورث.
وأما الضرب الثاني: في انتقاله إلى دين لا يقر عليه أهله، كانتقاله من يهودية أو نصرانية أو مجوسية إلى وثنية أو زندقة، فإنه لا يقر عليه، ويؤخذ بالانتقال عنه؛ لأنه لا حرمة لما انتقل إليه، ولا يجوز إقرار أهله عليه، فكان إقرار غير أهله أولى أن لا يجوز، وإذا كان كذلك ففي الذي يؤمر بالرجوع إليه ثلاثة أقاويل:
أحدها: الإسلام لا غير؛ لأنه دين الحق، فكان أحق بالعود إليه.
والثاني: الإسلام أو دينه الذي كان عليه لما تقدم من صلحه عليه.
والثالث: الإسلام أو دينه الذي كان عليه أو دين يقر أهله عليه، ففيما علا كاليهودية، والنصرانية، أو انخفض كالمجوسية؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وفي صفة دعائه إلى ذلك ما قدمناه الوجهين.
فإن عاد إلى المأمور به من الدين أقر عليه، ولا جزية عليه فيما بين انتقاله وعوده؛ لأنه في حكم المرتدة، ولا جزية على مرتد، وإن امتنع من العود إلى الدين المأمور به ففيما يلزم من حكمه قولان على ما مضى.
أحدهما: ينبذ إليه عهده، ويبلغ مأمنه بماله وبمن أطاعه من ذريته، ثم يكون حربًا.
فأما من تمانع عليه من ذريته فمن كان منهم بالغًا من نسائه وبناته، كان أملك بنفسه، ومن كان منهم صغيرًا روعي مستحق حضانته، فإن كان هو المستحق لها، كان له
إخراجهم جبرًا، وعاونه الإمام عليه، وإن كان المقيم أحق بحضانته منع منهم، وأقر مع المقيم.
والثاني: أنه يصير في حكم المرتد يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، ويكون ماله فيئًا لبيت المال.
فأما ذريته فمن كان منهم بالغًا، فله حكم معتقده بنفسه، فإن أقام على دينه أقر عليه، وإن انتقل عنه مع وليه صار على حكمه.
فأما من كان منهم صغيرًا، فهو على دينه الأول لا يزول عنه حكمه بانتقال أبيه كما لا يصير ولد المرتد مرتدًا؛ فإن كان لصغار أولاده أم وعصبة كانوا في كفالة أمهم، وفي جزية عصبتهم.
وإن كان لهم أم، وإن لم يكن لهم عصبة كانوا في كفالة أمهم، وفي جزية قومها، وإن كان لهم عصبة، ولم يكن لهم أم كانوا في كفالة عصبتهم، وفي جزيتهم وإن لم يكن لهم أم ولا عصبة كانوا في كفالة أهل دينهم، وفي جزيتهم، لقول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:73]، فكانوا ألحق بكفالتهم من المسلمين، فإن تمانعوا من كفالتهم أقرع بينهم، وأجبر عليها من قرع منها.
فأما نفقاتهم إذا لم يكن لهم مال، ولا ذو قرابة يلتزمها، ولا وجد في قومهم متطوع بها، فهي مستحقة لمن تركه من مات منهم من غير وارث؛ لأنها وإن كانت تصير إلى بيت المال، فبعد فواضل الحقوق.
ولو قيل: إنها في سهم المصالح من خمس الخمس كان مذهبًا والله تعالى أعلم.
باب نقض العهد
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا نقض الذين عقدوا الصلح عليهم أو جماعة منهم فلم يخالفوا الناقض بقول أو فعل ظاهر أو اعتزال بلادهم أو يرسلون إلى الإمام أنهم على صلحهم فللإمام غزوهم وقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببني قريظة عقد عليهم صاحبهم فنقض ولم يفارقوه وليس كلهم أشرك في المعونة على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولكن كلهم لزم حصنه فلم يفارق الناقض إلا نفر منهم وأعان على خزاعة وهم في عقد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أنفار من قريش فشهدوا قتالهم فغزا النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا عام الفتح بغدر ثلاثة نفر منهم وتركهم معونة خزاعة وإيوائهم من قاتلها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا عقد الإمام الهدنة مع أخل الحرب كان عقدها موجبا لأمرين.
أحدهما: للموادعة، وهي الكف عن المحاربة جهرًا، وعن الخيانة سرًا، قال الله تعالى: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:58].
والثاني: أن يشترك فيها الفريقان، فيلتزم كل واحد منهما حكمهما، ولا يختص بأحدهما، ليأمن كل واحد منهما صاحبه.
قال الله تعالى: ﴿إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة:7].
فإذا ثبت بهذين الشرطين وجب الوفاء بها، ولم يجز نقضها.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أحق من وفى بذمته" فإن نقض المشركون ارتفع حكم العقد، وبطل أمانهم من المسلمين، وصاروا بنقضه حربًا قال الله تعالى: ﴿وإن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ [التوبة:12].
فصل:
فإذا تقررت هذه الجملة لم يخل حالهم في نقض العهد من أحد أمرين.
إما أن يكون من جميعهم أو بعضهم.
فإن كان من جميعهم، صار جميعهم حربًا، وليس لواحد منهم أمان على نفس ولا مال، وإن نقضه، لم يخل حال الناقض من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يظهر منهم الرضا بنقضه في قول أو فعل، فينتقض عهدهم بالرضا كما انتقض به عهد المباشرة، ويصير جميعهم حربًا.
والثاني: أن يظهر منهم الكراهة لنقضه بقول أو فعل، فيكونوا على عهدهم، ولا ينتقض فيهم بنقض غيرهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:165].
والثالث: أن يمسكوا عنه، فلن يظهر منهم رضا به، ولا كراهة له في قول، ولا فعل، فيكون إمساكهم نقضًا لعهدهم.
قال الله تعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:25] وكذلك كانت سنة الله تعالى في عاقر ناقة صالح باشر عقرها
أحيمر وهو القدار بن سالف وأمسك قومه عنه فأخذ الله جميعهم بذنبه، فقال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) ولا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)﴾ [الشمس:14 - 15]، وفي قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس:14] ثلاثة تأويلات:
أحدها: فسوى بينهم في الهلاك.
والثاني: فسوى بهم الأرض.
والثالث: فسوى بهم من بعدهم من الأمم.
وفي قوله: ﴿ولا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)﴾ [الشمس:15] ثلاثة تأويلات:
أحدها: ولا يخاف الله عقبى ما صنع بهم من الهلاك.
والثاني: ولا يخاف الذي عقرها ما صنع من عقرها.
والثالث: ولا يخاف صالح عقبى عقرها؛ لأنه قد أنذرهم، ونجاه الله حين أهلكم.
وقد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود بني النضير، وهمّ بعضهم بقتله، فجعله نقضًا منهم، لعهده، فعزلهم وأجلاهم.
ووادع يهود بني قريظة، فأعان بعضهم أبا سفيان بن حرب على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق.
وقيل: إن الذي أعانه منهم ثلاثة: حيي بن أخطب، وأخوه، وآخر فنقض به عهدهم، وغزاهم، حتى قتل رماتهم، وسبى ذراريهم.
وهادن قريشًا في الحديبية، وكان بنو بكر في حلف قريش، وخزاعة في حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فحارب بنو بكر خزاعة، وأعان نفر من قريش بني بكر على خزاعة وأمسك عنهم سائر قريش، فجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نقضًا لعهد جميعهم، فسار إليهم محاربًا، وأخفى عنهم أثره حتى نزل بهم، وفتح مكة، فدل على أن الممسك يجري عليه في نقض العهد حكم المباشر؛ ولأنه لما كان عقد بعضهم للهدنة موجبًا لأمان جميعهم، وإن أمسكوا كان نقض عهدهم موجبًا لحرب جميعهم إذا أمسكوا.
فصل:
فإذا ثبت ما وصفنا، وجعلنا ذلك نقضًا لعهد جميعهم، جاز أن يبدأ الإمام بقتالهم بإنذار وغير إنذار، كما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناقض عهده فجاءه بغير إنذار، وجاز أن يهجم عليهم غرة وبياتًا، فيقتل رجالهم، ويسبي ذراريهم، ويغنم أموالهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة.
وإن جعلناه نقضًا لعهد من باشر، ولم نجعله نقضًا لعهد من لم يباشر لم يخل حالهم أن يكونوا متميزين عنهم أو مختلطين بهم، فإن تميزوا عنهم في موضع انحازوا عنه أجرى على كل واحد من الفريقين حكمه، فقوتل الناقضون للعهد، وقتلوا، وكف عن غير الناقضين وأمنوا، وإن اختلطوا بهم في مواضعهم غير متميزين عنهم، لم يجز
أن نقاتلهم إلا بعد إنذارهم، ولا يجوز أن يشن عليهم الغارة، ولا يهجم عليهم غرة وبياتًا، ويقول لهم: يتميز منكم ناقض العهد ممن لم ينقضه، فإن تميزوا عمل بما تقدم، وإن لم يتميزوا نظر: فإن كان المقيمون على العهد أكثر أو أظهر لم ينذروا بالقتال، وقيل لهم: ميزوا عنكم ناقضوا العهد منكم، إما بتسليمهم إلينا، وإما بإبعادهم عنكم.
فإذا فعلوه، فقد تميزوا به، وخرجوا من نقض العهد، وإن لم يفعلوا واحدًا منهما، وأقاموا على اختلاطهم بهم بعد المراسلة بالتميز عنهم صاروا مماثلين لهم، فصار ذلك حينئذٍ نقضًا منهم للعهد، فجرى على جميعهم حكم النقض؛ لأن موجب العهد أن لا يمايلوا علينا عدوًا لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة:4] الآية، وقد ظاهروهم بالممايلة، فانتقض عهدهم، وإن كان الناقضون للعهد أكثر وأظهر لم يجز أن يشن عليهم الغارة، ولا يقتلوا في غرة وبيات وحوربوا جهرًا، ولم يجب الكف عن قتالهم؛ لأجل من بينهم من أهل العهد؛ لأنهم كالأسراء فيهم، فإن أسروا لم يجز قتل الأسرى إلا بعد الكشف عنهم: هل هم ممن نقض العهد أو أقام عليه، فإن لم يوصل إليه إلا منهم جاز أن يقبل قولهم في أنفسهم، وكذلك في ذراريهم إن سبوا، وأموالهم إن غنمت، ولا تقبل شهادة بعضهم لبعض، فإن ادعوا من الذراري والأموال ما أنكره الغانمون نظر: فإن كان في أيديهم، فالقول فيه قولهم مع أيمانهم، وإن كان في أيدي الغانمين لم يقبل قولهم فيه إلا ببينة فشهد لهم من المسلمين، ولا يحلف الغانمون عليه؛ لنهم لا يتعينون في استحقاقه، وكان مغنومًا مع عدم البينة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "متى ظهر من مهادنين ما يدل على خيانتهم نبذ إليهم عهدهم وأبلغهم مأمنهم ثم هم حرب قال الله تعالى: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال:58] الآية".
قال في الحاوي: اعلم أن عقد الهدنة موجب لثلاثة أمور:
أحدها: الموادعة في الظاهر.
والثاني: ترك الخيانة في الباطن.
والثالث: المجاملة في الأقوال والأفعال.
فأما الأول وهو الموادعة في الظاهر فهي الكف عن القتال وترك التعرض للنفوس والأموال، فجيب عليهم للمسلمين مثل ما يجب لهم على المسلمين، فيستويان غيه، ولا يتفاضلان، ويجب عليهم أن يكفوا عن أمل ذمة المسلمين، ولا يجب على المسلمين أن يكفوا عن أهل ذمتهم إلا أن يدخلوها في عقد مهادنتهم، فيختلفان في الذمتين، وإن تساويا في الموادعتين، فإن عدلوا عن الموادعة إلى ضدها، فقاتلوا قومًا من المسلمين أو قتلوا قومًا من المسلمين أو أخذوا مال قوم من المسلمين انتقضت هدنتهم بفعلهم، ولم يفتقر إلى حكم الإمام لنقضها.
وجاز أن يبدأ بقتالهم من غير إنذار ويشن عليهم الغارة، ويهجم عليهم غرة وبياتًا، وجرى ذلك في نقض الهدنة مجرى تصريحهم بالقول إنهم قد نقضوا الهدنة.
وأما الثاني: وهو ترك الخيانة، فهو أن لا يستسروا بفعل ما ينقض الهدنة لو أظهروه مثل أن يمايلوه في السر عدوًا أو يقتلوا في السر مسلمًا أو يأخذوا له مالًا أو يزنوا بمسلمة وهذا مما يستوي الفريقان في التزامه، فإن خانوا بذلك حكم الإمام تنتقض هدنتهم، ولم تنتقض بمجرد خيانتهم، ويكونوا على الهدنة، ما لم يحكم الإمام بنقضها لقول الله تعالى: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:58].
وقد نقض رسول الله صلى الله عليه وسلم هدنة قريش بما أسروه من معونة بني بكر على خزاعة، ويجوز أن يبدأ بقتالهم مجاهرة ولا يشن عليهم الغارة والبيات في الابتداء، ويفعل ذلك في الانتهاء، فصار هذا القسم مخالفًا للقسم الأول من وجهين:
أحدهما: أن الهدنة تنتقض في القسم الأول بالفعل، وتنتقض في هذا القسم بالحكم.
والثاني: أنه يجوز أن يبتدأ في الأول بشن البيات والغارة، ويجب أن يبدأ في هذا بقتال المجاهرة.
وإذا خاف خيانة أهل الهدنة جاز أن ينقض هدنتهم، ولو خاف خيانة أهل الذمة لم يجز أن ينقض بها ذمتهم.
والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن النظر في عقد الهدنة لنا، والنظر في عقد الذمة لهم، ولذلك وجب علينا إجابة أهل الذمة إذا سألوها، ولم يجب علينا إجابة أهل الهدنة إذا سألوها.
والثاني: أن أهل الذمة تحت القدرة يمكن استدراك خيانتهم، وأهل الهدنة، خارجون عن القدرة لا يمكن استدراك خيانتهم.
والثالث: وهو المجاملة في الأقوال والأفعال، فهي في حقوق المسلمين أغلظ منها في حقوقهم، فيلزمهم في حقوق المسلمين عليهم أن يكفوا عن القبيح من القول والفعل، ويبذلوا لهم الجميل في القول والفعل، ولهم على المسلمين أن يكفوا عن القبيح في القول
والفعل، وليس عليهم أن يبذلوا لهم الجميل في القول والفعل لقول الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:33] فإن عدلوا عن الجميل في القول والفعل، فكانوا يكرمون المسلمين، فصاروا يستهينون بهم، وكانوا يضيفون الرسل، ويصلونهم، فصاروا يقطعونهم، وكانوا يعظمون كتاب الإمام، فصاروا يطرحونه، وكانوا يزيدونه في الخطاب، فصاروا ينقصونه، فهذه ريبة؛ لوقوفها بين شكين؛ لأنها تحتمل أن يريدوا بها نقض الهدنة، ويحتمل أن يريدوا بها نقضها، فيسألهم الإمام عنها، وعن السبب فيها، فإن ذكروا عذرًا يجوز مثله قبله منهم، وكانوا على هدنتهم، وإن لم يذكروا عذرًا أمرهم بالرجوع إلى عادتهم من المجاملة في أقوالهم وأفعالهم، فإن عادوا أقام على هدنتهم، وإن لم يعودوا نقضها بعد إعلامهم بنقضها، فصارت مخالفة للقسمين الأولين من وجهين:
أحدهما: أنه لا يعدل عن أحكام الهدنة إلا بعد مسألتهم، ولا يحكم بنقضها إلا بعد إعلامهم.
فأما سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما ينتقض به عقد الهدنة، وعقد الذمة وكذلك سب القرآن، فإن كان جهرًا، فهو من القسم الأول، وإن كان سرًا فهو من القسم الثاني.
وقال أبو حنيفة: لا ينتقض بهما عقد الهدنة، ولا عقد الذمة، احتجاجًا لما روى أن رهطًا من اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: "السام عليك" فقال: "وعليكم"، فقالت عائشة رضي الله عنها: "يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ " فقال: "قد قلت: وعليكم"، ثم قال: "مهلًا يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله".
فلم يجعل ذلك نقضًا لعهدهم، وإن كان سبًا، ولأن قولهم: إن الله ثالث ثلاثة أعظم من شتمهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم لم يكن ذلك نقضًا لعهدهم، فهو أولى أن لا يكون نقضًا لعهدهم.
ودليلنا: ما روي أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر: سمعت راهبًا يشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله: لو سمعته أنا لقتلته، إنا لم نعطه الأمان على هذا.
وليس يعرف له من الصحابة مخالف، فكان إجماعًا، ولأن ما كان شرطًا في صحة الإسلام كان شرطًا في عقد الأمان؛ قياسًا على ذكر الله؛ ولأن ما حقن به دم الكافر، انتقض بشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كالإيمان.
وأما الخبر، فعنه جوابان:
أحدهما: أنهم قالوا ذمًا، ولم يقولوه شتمًا.
والثاني: أنه كان في ضعف الإسلام، ولم يكن في قوته.
وأما الجواب عن قولهم: إن الله ثالث ثلاثة فمن وجهين:
أحدهما: أنهم قالوه اعتقاداً للتعظيم، وهذا الشتم اعتقاد للتحقير.
والثاني: أنهم يقرون على قولهم، إن الله ثالث ثلاثة، فلم ينتقض به عهدهم، وغير مقرين على شتم رسول الله صل الله عليه وسلم فانتقض به عهدهم.
باب الحكم في المهادنين والمعاهدين
وما أتلف من خمرهم وخنازيرهم وما يحل منه وما يرد
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "لم أعلم مخالفاً من أهل العلم بالسير أن النبي صل الله عليه وسلم لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية وأن قول الله عز وجل ﴿فَإن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] إنما نزلت فيهم ولم يقروا أن يجري عليهم الحكم وقال بعضهم: نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وهذا أشبه بقول الله عز وجل ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾ [المائدة:43] الآية.
قال: وليس للإمام الخيار في أحد من المعاهدين الذين يجرى عليهم الحكم إذا جاؤوه في حد لله تعالى وعليه أن يقيمه لما وصفت من قول الله تعالى: ﴿وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
قال المزني رحمه الله: هذا أشبه من قوله في كتاب الحدود لا يحدون وأرفعهم إلى أهل دينهم ".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة في مواضع شتى.
وجملته أن من خالف دين الإسلام من أهل الأمان صنفان: أهل ذمة وأهل عهد، فأما أهل العهد إذا تحاكموا إلينا، فحاكمنا بالخيار بين أن يحكم بينهم، وبين أن يمتنع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] فلم يختلف أهل العلم أنها نزلت فيمن وادعه رسول الله صل الله عليه وسلم من يهود المدينة قبل فرض الجزية، فكانوا أهل عهد لا ذمة لهم، واختلف فيها هل نزلت عامة أو على سبب، فالذي عليه قول الأكثرين، أنها نزلت عامة؛ لغير سبب.
وقال بعضهم: بل نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، فكان سببها خاصاً وحكمها عاماً، فإن حكما حاكمنا بينهم كانوا مخيرين بين التزامه، وبين رده.
فإن قيل: فقد رجم اليهوديين الزانيين بغير اختيارهما؛ لأنهما أنكرا الرجم.
قيل لهم: كان الإنكار لوجوب الرجم في الشرع، ولم يكن ذلك امتناعاً من التزام حكمه.
وأما أهل الذمة، ففي وجوب الحكم إذا تحاكموا إلينا قولان:
أحدهما: أنهم كأهل العهد يكون حاكمنا في الحكم بينهم مخيراً، وهم في التزامه
إذا حكم بينهم مخيرين؛ لعموم الآية، لاشتراك الفريقين في المخالفة.
والثاني: وهو أصح اختاره المزني: أنه يجب على حاكمنا أن يحكم بينهم، ويجب إذا حكم أن يلتزموا حكمه عليهم، لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] والصغار أن يجري عليهم أحكام الإسلام، ولأنهم قد صاروا بالذمة تبعاً للمسلمين فجرت عليهم أحكامهم.
فإن كان التحاكم بين مسلم ومعاهد أو بين مسلم وذمي وجب الحكم بينهما، سواء كان المسلم طالباً أو مطلوباً؛ لأن كل واحد منهما يدعو إلى دينه، ودين الإسلام هو الحق المطاع.
ولو كان التحاكم بين ذمي ومعاهد لم يجز قولاً واحداً تغليباً لحكم الإسقاط.
ولو كان بين ذميين من دينين كيهودي ونصراني فعلى وجهين:
أحدهما: أنهما فيه سواء؛ لأن جميع الكفر ملة واحدة، فيكون على الوجهين.
والثاني: وهو قول أبي هريرة: إنه يجب الحكم بينهما قولاً واحداً، ويجب عليهما التزامه؛ لأنه اختلاف معتقدهما يوجب قطع التنازع بينهما بالحق فأما إن كان المتحاكمان من ملة واحدة على مذهبين مختلفين:
أحدهما: نسطوري، والآخر: يعقوبي، فالمعتبر فيه اجتماعهما على أصل الدين، وهو واحد، فصارا فيه كالمذهب الواحد؛ لأن دينهما واحد.
فلو قلد الإمام على أهل الذمة حاكماً منهم كان حكمه غير لازم لهم، وكان فيه كالمتوسط بينهم.
وقال أبو حنيفة: ينفذ حكمه عليهم؛ لأنهم يلتزمون أحكام شرعهم، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن صحة المعتقد شرط في نفوذ الحكم، ومعتقده باطل.
والثاني: أن صحة الحكم شرط في نفوذه، وحكمهم باطل.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وما كانوا يدينون به فلا يجوز حكمنا عليهم بإبطاله وما أحدثوا مما ليس بجائز في دينهم وله حكم عندنا أمضى عليهم.
قال: ولا يكشفون عن شيء مما استحلوه مما لم يكن ضرراً على مسلمٍ أو معاهدٍ أو مستأمن غيرهم ".
قال في الحاوي: وجملة ما يفعله أهل الذمة في بلادنا من عقد وأحكام ينقسم أربعة أقسام:
أحدها: ما كان جائزاً في شرعهم وشرعنا، فهم مفرون عليه في دينهم إذا ترافعوا إلينا فيه.
والثاني: ما كان باطلاً في شرعهم وشرعنا، فهم ممنوعون منه إذا ظهر لنا؛ لأنهم اقروا في دارنا على مقتضى شرعهم.
والثالث: ما كان جائزاً في شرعنا باطلاً في شرعهم، فيقرون عليهم؛ لأنهم فيه على حق، وفيما عداه باطل.
والرابع: ما كان باطلاً في شرعنا جائزاً في شرعهم، فإن تحاكموا فيه إلينا أبطلناه، وإن لم يتحاكموا فيه إلينا تركناه إن أخفوه، فإن أظهروه لنا فهو ضربان:
أحدهما: أن لا يتعلق بالمنكرات الظاهرة، كالمناكح الفاسدة والبيوع الباطلة، فيقرون عليها، ولا يمنعون منها.
والثاني: أن يكون من المنكرات الظاهرة، كالتظاهر بنكاح ذوات المحارم والمجاهرة بابتياع الخمور، والخنازير، فيمنعون، ويعزرون عليها؛ لأن دار الإسلام تمنع من المجاهرة بالمنكرات.
وفي نسخ عقودهم عليهم، وإن لم يتحاكموا فيها إلينا وجهان:
أحدهما: تفسخ عليهم؛ لأن المجاهرة ظهور منكر فيهم.
والثاني: أنها لا تفسخ عليهم، ويتركون في عقدها على ما يرونه في دينهم، لأن تجاهرهم بالكفر الذي يقرون عليه أعظم.
فأما ما تعلق بأفعالهم من دخول ضرر على مسلم أو معاهد من غيرهم، فيمنعون منه، وإن كانوا يعتقدونه ديناً؛ لأنهم يعتقدون إباحة دماء من خالفهم وأموالهم، ولا يقرون على استباحتها فكذا كل مضرة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن جاءت امرأة رجل] منهم تستعدي بأنه طلقها أو آلى منها حكمت عليه حكمي على المسلمين وأمرته في الظهار أن لا يقربها حتى يكفر رقبة مؤمنة كما يؤدي الواجب من حد وجرحٍ وأرضٍ وإن لم يكفر عنه وأنفذ عتقه
ولا أفسخ نكاحه لأن النبي صل الله عليه وسلم عفا عن عقد ما يجوز أن يستأنف ورد ما جاوز العدد إلا أن يتحاكموا وهي في عدةٍ فنفسخه وهكذا كل ما قبض من ربا أو ثمن خمر أو خنزير ثم اسلما أو أحدهما عفي عنه ".
قال في الحاوي: وجملة ذلك أنه لا يخلو حال ما استعدت فيه على زوجها من أن يكون من محظورات دينهم أو من مباحاته.
فإن كان من محظورات دينهم المنكرة وجب على حاكمنا أن يعديها عليه؛ لأن دار السلام تمنع من إقرار ما ينفق على إنكاره، وإن كان من مباحات دينهم، ففي وجوب إعدائها عليه قولان:
أحدهما: أنه يجوز، ولا يجب.
والثاني: أنه يجب، وهو على اختلاف القولين في جريان أحكامنا عليهم.
فإن أعداها عليه وجوباً أو جوازاً لم يحكم بينهما إلا بما يوجبه دين الإسلام، ولا يحكم بينهما بأحكامهم في دينهم، لقول الله تعالى: ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].
فإن كان الحكم من طلاق بائن لم تجر له الرجعة في العدة، إذا كان أقل من ثلاثة، وحرمها عليه بعد الثلاث حتى تنكح زوجاً غيره، وإن كان في إيلاء أصله أربعة أشهر ثم ألزمه الفئ او الطلاق.
وإن كان في ظهار حرمها عليه بعد العود حتى يكفر بعتق رقبة مؤمنة، ولم يجز أن يصوم فيها حتى يسلم، وفي جواز إطعامه فيها وجهان:
أحدهما: يجوز، لأنه إطعام.
والثاني: لا يجوز لأنه بدل عن الصيام.
وإن كان في عقد نكاح راعاه، فإن كانت ممن تحرم عليه من ذوات المحارم أبطل نكاحها، وإن كانت ممن تحل له لم يكشف عنه عقد النكاح، وحكم بينهما بإمضاء الزوجية، كما يقرون عليه إذا أسلموا.
وإن كان في مهر تقابضاه.
أمضاه حلالاً كان أو حراماً، وإن كان يتقابضاه لم يحكم بقبضه، ولا بقيمته، وحكم لها بمهر المثل، وكذلك سائر الأحكام، وكذلك في استعداء غير الزوجين.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ومن أراق لهم خمراً أو قتل لهم خنزيراً لم
يضمن لأن ذلك حرام ولا ثمن لمحرم فإن قيل فأنت تقرهم على ذلك قيل نعم وعلى الشرك بالله وقد أخبر الله تعالى أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله فهو حرام لا ثمن له وإن استحلوه ".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب "الغصب "وذكرنا أن من أراق على ذمي خمراً، أو قتل له خنزيراً لم يضمن سواء كان متلفه ذمياً أو مسلماً.
وأوجب أبو حنيفة ضمانة على المسلم والذمي، وقد مضى الكلام معه، وإن ما لم يضمنه في حق المسلم لم يضمن في حق المشرك كالميتة.
وهكذا لو أراق على مسلم أو ذمي نبيذاً لم يضمنه عندنا؛ لأنه لا قيمة للنبيذ، وإن كان مختلفاً فيه، كما لم يكن للخمر فيه، وإن كان متفقاً عليه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا كسر لهم صليب من ذهب لم يكن فيه غرم وإن كان من عود وكان إذا فرق صلح لغير الصليب فما نقص الكسر العود، وكذلك الطنبور والمزمار ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال؛ لأن شكل الصليب موضوع على زور، وهو أنهم جعلوه شبهاً بما ادعوه من صلب عيسى عليه السلام، فإذا كسر صليبهم، فإن كان من ذهب أو فضة أو ما لا يؤثر كسره في قيمة جنسه، لم يضمنه بالكسر، لأن تأثير الكسر فيه إزالة المطلوب منه.
وسواء كان كاسره مسلماً أو نصرانياً.
وإن كان الصليب من عود أو خشب يؤثر كسره في قيمته، فإن فصله، ولم يتعد تفصيله إلى الكسر، فلا ضمان عليه، وإن تعدى تفصيله إلى الكسر نظر فيه.
فإن كان في شبهه لو فصل لم يصلح لغير الصليب، فلا ضمان عليه، وإن كان يصلح مفصلاً لغير الصليب ضمن ما بين قيمته مفصلاً، ومكسوراً.
وهكذا القول في الطنابير والمزامير، إذا فصلت، ولم تكسر، فلا ضمان فيها، وإن كسرت فإن كان خشبها لا يصلح بعد التفصيل لغيرها لم يضمن وإن كان يصلح لغيرها، ضمن ما بين قيمتها مفصلة ومكسورة.
فأما أواني والفضة إذا كسرها عليهم أو على مسلم، ففي غرم ما نقص بكسرها من العمل وجهان من اختلاف قوليه في إباحة اقتنائها من غير استعمال.
فإن قيل بإباحته ضمن نقص العمل، وإن قيل بحظره لم يضمنه، وكان أبو حامد الإسفراييني يخرج كسر الصليب من الذهب على هذين الوجهين.
وهو خطأ؛ لأن ادخار الصليب محظور باتفاق، وادخار الأواني على اختلاف، فلم يجز الجمع بينهما مع اختلاف حكمهما.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ويجوز للنصراني أن يقارض المسلم وأكره للمسلم أن يقارض النصراني أو يشاركه ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: يجوز أن يأخذ المسلم من النصراني مالاً قراضاً، ولا يكره له؛ لأن عقود المسلم تتوجه إلى المباح، ويكره للمسلم أن يدفع إلى النصراني مالاً قراضاً، لأنه ربما صرفه في محظورات الإسلام من الزنا وأثمان الخمور والخنازير، ولا يبطل القراض تغليباً لحمله على المباح، فإن صرفه النصراني في محظور من أثمان خمور وخنازير، فإن كان المسلم قد صرح له بالنهي عنه، كان النصراني ضامناً لما صرفه في ثمنه؛ لحظره ومخالفته وإن لم يصرح له بالنهي عنه، ففي ضمانه له وجهان:
أحدهما: يضمنه لما أوجبه عقد المسلم من حمله على مقتضى شرعه.
والثاني: لا يضمنه، لجوازه في دين عاقده، فإن ربح في الخمور والخنزير.
حرم ذبحه على المسلم، فإن لم يختلط بأصل ماله حل له استرجاع ماله، وحرم عليه أخذ ربحه، وإن اختلط ربحه بماله حرم على المسلم استرجاعه، وفي رجوعه بغرمه على النصراني وجهان، واختلاف الوجهين في ضمانه، إذا صرفه في ثمنه.
وهكذا يكره للمسلم أن يشارك النصراني في مال ينفرد كل واحد منهما بالتصرف في جميعه، ولا يكره اشتراكهن في مال لا يتصرف أحدهما فيه إلا باجتماعهما؛ لأن النصراني إذا تفرد بالتصرف فيه صرفه في أثمان المحظورات، وإذا اجتمع مع المسلم فيه صار ممنوعاً منه فإن تفرد النصراني بالتصرف، وظهر الربح في المال، فأراد المسلم أن يقاسمه عليه، لم يخل ماله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعلم حصوله من حلال، فيحل للمسلم أن يأخذ حقه من المال وربحه.
والثاني: أن يعلم حصوله من حرام، فيحرم عليه أخذه، فأما المال فإن لم يمتزج ربحه، ولا عاد أصله من ثمنه حل له أخذ حقه منه، وإن امتزج بربحه أو عاد أصله من ثمنه حرم عليه أخذه، وفي رجوعه بغرمه على شريكه ما قدمناه من الوجهين:
والثالث: أن يشك في حصوله هل هو مباح او من محظور، فلا يحرم عليه بالشك حكماً، ويكره له مع الشك ورعاً.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وأكره أن يكري نفسه من نصراني ولا أفسخه ".
قال في الحاوي: إذا آجر المسلم نفسه من نصراني بعمل يعمله له، فهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون الإجارة معقودة في ذمته على عمل موصوف فيها، فالإجارة جائزة، وحصول العمل في ذمته كحصول الأثمان والقروض فيها.
والثاني: أن تكون الإجارة معقودة على عينه، فقد خرجه أصحابنا على قولين، كبيع العبد المسلم على نصراني:
أحدهما: أن الإجارة باطلة إذا قيل: إن البيع باطل.
والثاني: أن الإجارة جائزة إذا قيل: إن البيع جائز.
والصحيح- عندي- أن يعتبر حال الإجازة، فإن كانت معقودة على عمل يعمله الأجير في يد نفسه لا في يد مستأجره، ويتصرف فيه على موجب عقده لا على رأي مستأجره كالخياطة والنساجة والصياغة، صحت الإجازة، وإن كانت معقودة على تصرف الأجير في يد المستأجر عن أمره كالخدمة لم يجز، لأنه في هذا مستذل وفي الأول مصان.
فإن قيل ببطلان الإجارة كان للأجير أجرة المثل فيما عمل، ولم يلزمه إتمام ما بقي.
وإن قيل بصحة الإجارة، فإن كان مما يعمله الأجير في يد نفسه أخذ بعمله، وإن كان يعمله في يد مستأجره، وبأمره منع من استذلاله بالعمل، وأوجر الأجير على ذلك العمل، ودفعت أجرته إلى المستأجر، ليستأجر بها إن شاء من يجوز أن يكون أجيراً له، كما يباع عليه العبد المسلم إذا ابتاعه، إذا صح بيعه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا اشترى النصراني مصحفاً أو دفتراً فيه أحاديث رسول الله صل الله عليه وسلم فسخته ".
قال في الحاوي: أما المصحف فممنوع من بيعه على المشركين، لما روي عن النبي صل الله عليه وسلم "أنه نهى أن يسافر بالمصحف مخافة أن تناله أيديهم "فإذا منعوا من مسه تعظيماً لحرمته كان منعهم من تملكه واستبذاله أولى.
فإن بيع على مشرك كان البيع باطلاً قولاً واحداً وإن كان بيع العبد المسلم على قولين؛ لأن المصحف لتحريم مسه أغلظ حرمة منه العبد الذي لا يحرم مسه.
فأما أحاديث رسول الله صل الله عليه وسلم فقد جمع الشافعي بينها وبين المصحف في المنع من البيع، وإنما يستويان في المنع، ويفترقان في البيع، وإنما منعوا من ابتياع كتب أحاديث رسول الله صل الله عليه وسلم صيانة لها من تعرضهم لاستبذالها، وإن جاز لهم مسها، فإن ابتاعوها، فهي ضربان:
أحدهما: أن يكون فيها سيرته وصفته فابتياعهم لها جائز.
والثاني: أن يكون فيها كلامه من أوامره ونواهيه، وأحكامه، ففي البيع وجهان:
أحدهما: باطل كالمصحف؛ لأنه شرع مصان.
والثاني: جائز لقصوره عن حرمة القرآن.
فأما تفسير القرآن، فهم ممنوعون من ابتياعه كالقرآن لإستبداعهم فيه، وأنهم ربما جعلوه طريقاً إلى القدح فيه، فإن ابتاعوه كان البيع باطلاً.
وأما كتب الفقه، فإن صينت عنهم كان أولى، وإن بيعت عليهم كان البيع جائزاً.
وأما كتب النحو واللغة وأشعار العرب، فلا يمنعون منها، ولا تصان عنهم لأنه كلام لا يتميز بحرمة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولو أوصى ببناء كنيسة لصلاة النصارى فمفسوخ ولو قال ينزلها المارة أجزته وليس في بنائها معصية إلا بأن تبنى لصلاة النصارى ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا أوصى رجل ببناء كنيسة لصلاة النصارى أو بيعه لصلاة اليهود في دار الإسلام لم يجز، وكانت الوصية به باطلة، سواء كان الموصي مسلماً أو ذمياً، لأمرين:
أحدهما: أنها مجمع لما أبطله الله تعالى، من صلاتهم وإظهار كفرهم.
والثاني: لتحريم ما يستأنف إحداثه في بلاد الإسلام من البيع والكنائس فإن أحد من أهل الذمة أوصى أن تبنى داره بيعة أو كنيسة لم يجز، وسواء تحاكموا إلينا في الوصية
أو إلى حاكمهم إلا أنهم إن تحاكموا إلينا أبطلنا الوصية، ومنعنا من البناء، وإن لم يتحاكموا إلينا منعنا من البناء، ولم نعترض للوصية.
فإن كانت الوصية بعمارة بيعة قد استهدمت أبطلنا الوصية إن ترافعوا إلينا، ومنعنا من البناء لبطلان الوصية،
وإن لم يترافعوا إلينا لم نعترض للوصية، فإن بنوها لم يمنعوا الاستحقاق إقرارهم الذي يقدم عليها.
ولو أوصى ببناء كنيسة أو بيعة في دار الحرب لم يعترض عليهم في الوصية، ولا في البناء؛ لأن أحكامنا لا تجري على دار الحرب، فإن ترافعوا في الوصية إلينا حكمنا بإبطالها، ولم نمنع من بنائها.
فصل:
فأما إذا أوصى ببناء دار يسكنها المارة من النصارى، فلذلك ضربان:
أحدهما: أن يجعل لمارة المسلمين بسكناها معهم، فهذه وصية جائزة.
والثاني: أن يجعلها خاصة لمارة النصارى، ففيها وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنها للسكنى كالمنازل.
والوجه الثاني: لا يجوز أن تفردهم بها يقضي إلى اجتماعهم على كفرهم، وصلاتهم فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: 57].
فأما إن أوصى بالصدقة على فقراء اليهود والنصارى جاز، لقول الله تعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]، وسواء كان هذا الموصي مسلماً أو ذمياً.
فصل:
ولو أوصى مسلم أو مشرك بعبد مسلم لمشرك، ففي الوصية ثلاثة أوجه:
أحدها: باطلة؛ لأنه غير مقر عليها، فلا يملك بها، وإن اسلم قبل قبولها.
والثاني: أنها صحيحة يملكه بها، ولو كان مقيماً على شركه، ويقال له: إن أسلمت أقر العبد على ملكك، وإن لم تسلم فبعه أو اعتقه، وإلا بيع عليك، فإن كاتبه أقر على كتابته حتى يؤدي، فيعتق أو يعجز، فيرق، ويباع عليه.
قد بيع سلمان في رقه، فاشتراه يهودي، ثم اسلم، فكاتب اليهودي على أن يغرس
له وادياً، ففعل وعتق.
والثالث: أن الوصية موقوفة مراعاة، فإن أسلم قبل قبولها ملكها، وإن لم يسلم قبل القبول لم يملكها؛ لأن وقف الوصية جائز.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولو قال: اكتبوا بثلثي التوراة والإنجيل فسخته لنبديلهم قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ﴾ [البقرة: 79] الآية ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح بكتب التوراة والإنجيل باطلة، سواء كان الموصى بها مسلماً أو ذمياً، وتصح عند قوم استدلالاً، بأمرين:
أحدهما: أنها من كتب الله المنقولة، بالاستفاضة، فاستحال فيه التبديل كالقرآن.
والثاني: أن التبديل وإن ظهر منهم، فقد كان في حكم التأويل، ولم يكن في لفظ التنزيل والله تعالى قد اخبر عنهم، وخبره أصدق أنهم بدلوا كتبهم، فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [البقرة: 79] وقال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46] فأخبر أنهم قد نسبوا غليه ما ليس منه وحرفوا عنه ما هو منه، وهذا صريح في تبديل المعنى واللفظ، فإذا كان مبدلاً كانت تلاوته معصية لتبديله، لا لنسخه، فإن في القرآن منسوخاً يتلى كتلاوة الناسخ، وإذا كانت تلاوته معصية كانت الوصية بالمعصية باطلة.
فأما قولهم: إنه مستفيض النقل، فاستحال فيه التبديل، فالجواب عنه: أن الاستفاضة شرطان:
أحدهما: أن ينقله جم غفير، وعدد كثير ينتفي عنهم التواطؤ والتساعد على الكذب والتغيير.
والثاني: أنه يستوي حكم طرفي النقل ووسطه.
وهذا، وإن وجد فيه أحد الشرطين من كثرة العدد، فإنه لم يوجد فيه الشرط الثاني في استواء الطرفين والوسط؛ لأن التوراة حين أحرقها بخنصر اجتمع عليها أربعة من اليهود لفقوها من حفظهم، ثم استفاضت عنهم، فخرجت عن حكم الاستفاضة.
فإن قيل: فهذا يعود على القرآن في استفاضة نقله؛ لأن الذي حفظه من الصحابة ستة، فلم توجد الاستفاضة في طرفيه ووسطه.
قيل: لئن كان الذي يحفظ جميع القرآن على عهد رسول الله صل الله عليه وسلم ستة، فقد كان أكثر الصحابة يحفظون منه سوراً أجمعوا عليها،
واتفقوا على صحتها، فوجدت الاستفاضة فيهم بانضمامهم إلى الستة.
وقولهم: إنهم غيروا التأويل دون التنزيل؛ لأنهم قد أنكروا تغيير التأويل كما أنكروا تغيير التنزيل، ولم يكن إنكارهم حجة في تغيير التأويل، وكذلك لا يكون حجة في تغيير التنزيل؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنهم غيروه، فاقتضى حمله على عموم الأمرين غير تخصيص.
فصل:
وإن أوصى أن تكتب شريعة موسى وعيسى نظر: فإن أراد كتب شريعنهم، وأخبار قصصهم الموثوق بصحتها جاز؛ لأن الله تعالى: قصها عليها في كتابه العزيز، وإن أراد الكتب الموضوعة في فقه دينهم لم يجز كالتوراة والإنجيل.
وهكذا لو أوصى بكتب النجوم كانت الوصية بها وصية باطلة، لقول النبي صل الله عليه وسلم: "من صدق كاهناً أو عرافاً، فقد كفر بما أنزل على محمد "ولو وصى بكتب الطب والحساب جاز؛ لأن الشرع لا يمنع منها مع ظهورهما في بلاد الإسلام والانتفاع بها، والله أعلم.
تم الجزء الثالث عشر
ويليه إن شاء الله الجزء الرابع عشر
وأوله؛ كتاب القاضي (إلى) القاضي
بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي
تأليف العلامة القاضي فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502 هـ
تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الرابع عشر
يحتوي على الكتب التالية: القاضي إلى القاضي- الشهادات- الأقضية واليمين مع الشاهد القسامة- الشهادات الثاني- الدعوى والبينات
دار الكتب العلمية DKI
بسم الله الرحمن الرحيم