أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حرم إبراهيم مكة وإني حرمت المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاؤها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد".
وروي علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور، وهما جبلان لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاؤها إلا رجل يعلف بعيره ". وأمّا ما ذكروه لا يصح، لأنه يجوز أن ينقل نقلًا خاصًا، وإن كان شرعًا ظاهرًا كالأذان والإقامة.
فرع آخر
لو خالف وقتل فيها صيدًا، قال في "الجديد": لا جزاء عليه.
وبه قال مالك، لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فلا يضمن صيده كالعرج، وهو وادٍ بالطائف، وقرب اليمن.
وقال في "القديم ": يلزمه الجزاء فيه.
وبه قال أحمد وابن أبي ذئب.
فرع آخر
إذا قلنا بقوله "القديم "، فالجزاء أن يسلب القاتل لما روي أن سعيد بن أبي وقاص رضي الله عنه رأى رجلًا يصيد بالمدينة، فأخذ سلبه، وروي: فسلبه ثيابه، فجاءه مواليه فكلموه فيه، فقال: لا أرد طعمة أطعمنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: "من وجدتموه يقتل صيدًا في الحرم، فاسلبوه، فإن أردتم ثمنه، فخذوه".
وروي أنه قال: هذا شيء طيّبه لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا أعطيه لأحد، ولكن خذوا من مالي ما شئتم.
وروي أنه قال: واته لا أردها.
ومن قال بقوله الجديد أجاب عن هذا بأن هذا كان في أول الإسلام حين كانت العقوبات بأخذ المال، [220/ أ] ثم نسخ.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه جزاؤه مثل جزاء صيد مكة.
فرع آخر
إذا أخذنا سلبه، قال ابن المرزبان: يحتمل أن يقال: يكون للسالب للخبر الذي ذكرنا، وهو اختيار القاضي الطبري، ويحتمل أن يكون لفقراء المدينة كجزاء صيد الحرم في مكة لأهلها من الفقراء.
فرع آخر
إذا قلنا بالسلب، ففي حليته وزينته كالخاتم والطوق والسوار وجهان.
وأمّا ثيابه وأفراسه للسالب وجهًا واحدًا حكمه حكم سلب الكافر إذا قتل مقتلًا في الحرب، ولو كانت عليه ثياب مغصوبة لا تؤخذ.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: لو كان على القاتل سراويل أخذ منه، وقيل له: احتل فيما تستتر به.
وذكر في "الحاوي": أنه يترك عليه ما يستر عورته، وهذا أقرب عندي.
فرع آخر
قال في "الإملاء": أكره صيد وج وقال أصحابنا: يكره ذلك كراهية تحريم لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن صيد وج حرام محرم" لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا نص فيه أنه يلزم الجزاء بقتل صيده، وظاهر المذهب أنه لا يلزم أصلًا.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يكون تحريمه على سبيل الحمى كنوع من منافع المسلمين، ويحتمل أن يكون إلى وقت معلوم، ثم نسخ، لأنه روى أنه قال ذلك قبل نزوله الطائف، وذلك أن عسكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نزلوا بالطائف وحصلوا أملها ارتفقوا بما نالته أيديهم من شجر وصيٍد.
قال الإمام أبو سليمان: ولا وجه إلا هذا.
فرع آخر
البقيع موضع حماة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجوز الاصطياد فيه، ولا يجوز للأغنياء أن يحتشوا من حشيشه، فمن احتّش، فعليه غرمه، ذكره أصحابنا [220/ ب].
فرع آخر
مكة أفضل عند الشافعي من جميع البقاع.
وقال مالك: المدينة أفضل.
وبه قال أهل المدينة، وهذا غلط، لأن مكة حرم الله تعالى، والمدينة حوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهي أفضل، ولأن الصلاة فيها أفضل من غيرها.
باب جزاء الطائر
مسألة: قال: والطائر صنفان: حمام وغير حمام.
الفصل
الطائر ضربان: مأكول وغير مأكول.
فأمّا غير المأكول فلا جزاء فيه سواء كان مما يصطاد، كالبازي والصقر ونحوهما، أو لا يصطاد كالحدأة والغراب، وعند أبي حنيفة: يلزم الجزاء في غير المأكول.
وأمّا المأكول، ففيه الجزاء إذا كان وحشيًا، أو يتولد من وحشي وأهلي، وهو على ثلاثة أضرب حمام، ودونه وفوقه، فأمّا الحمام، فالواجب فيه شاة سواء كان حمام مكة أو حمام غير مكة إذا قتله محرم.
قال الشافعي: والقياس أن تجب فيه القيمة، ولكن أوجبت فيه شاة إتباعًا لأقاويل الصحابة.
وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عباس وابن عمر ونافع بن عبد الحارث
وعاصم بن عمر وسعيد بن المثيب رضي الله عنهم، وهو قول أحمد، وقال أبو حنيفة: تجب فيه قيمته.
وقال مالك: يلزم في حمام الحرم شاة وفي حمام الحل القيمة، واحتج بقول ابن عباس رضي الله عنهما في كل شي، ثمنه إلا حمام مكة، وهذا غلط، لأنه حمام مضمون بالجزاء، فتجب فيه شاة كحمام الحرم.
وأما قول ابن عباس روينا عنه أنه قال: فيه شاة مطلقًا، ثم القياس مقدم على قوله [221/ أ].
وروي عنه أنه قال: في حمامة الحل شاة.
وروي عن نافع بن عبد الحارث، قال: دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكة يوم الجمعة، فدخل دار الندوة يستقرب [منها] الرواح، فوضع رداءه على واقف في البيت، فوقعت عليه حمامة فنفرها مخافة أن تنجسه، فسقطت على واقف آخر فانتهشتها حيّة، فماتت، فدخلت عليه أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال: إني قد فعلت اليوم شيئًا، فاحكموا فيه.
قلنا: وما هو قال: دخلت دار الندوة لأستقرب [منها] الرواح، فطرحت ردائي على واقٍف في البيت، وروى: فعلق رداءه على وتد، فوقعت عليه حمامة فنفوتها فسقطت على واقف آخر فانتهشتها حيّة وأوى أن علي جزاؤها، لأني نفرتها من موضعها الذي كانت فيه إلى موضع كان فيه حتفها، فقال نافع: ترى أن نحكم على أمير المؤمنين بعنز ثنية عفراء، فقال: نعم، فحكمنا عليه بذلك، فرضي به عمر رضي الله عنه.
وروى: فحكموا عليه بشاة وروي أن رجلًا قال لابن عمر رضي الله عنهما: إني أغلقت بابًا على حمامة وفرخها في الموسم، فرجعت وقد متن، فقال: عليك بثلاث شياه.
فرع
قال الشافعي: والحمام كل ما عبّ وهدر، والهدير: تغريده وترخية صوته نسقًا متتابعًا، والعبّ: عبّ الماء إذا شربه، فإن الحمام يشرب الماء جرعًا وسائر الطيور تشرب قطرة قطرة كشرب الدجاج، فليس بحمام.
وقال الكتاني: والحمام ما كان وحشيًا، واليمام ما كان أهليًا يألف البيت.
قال الشافعي: والقماوي والدباسي والفواخت والسقاس حمام، [221/ ب] وقال الكتاني: والحمام ما كان وحشيًا، فدخل تحت هذا ما ذكرنا والقطا والورشان مثله.
وقد كان من العرب يقول: حمام الطير ناس الطير، أي يعقل عقل الناس، وذكر
العرب الحمام في أشعارهم تشبيهًا بالناس، وكان الحمام عند العرب أشرف الطائر وأعلاه ثمنًا، وكانت تألف منازلهم، ويقولون: أعقل الطائر وأجمعه للهداية، وكانوا يستمتعون بأصواتها، وهدايتها، وكانت مع ذلك موكولة، فقالوا: فيها شاة لهذا المعنى.
فرع آخر
الشاة الواجبة في الحمام، هل وجبت توقيفًا أم من جهة المماثلة والشبه؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو المنصوص وجبت إتباعًا للأثر.
والثاني: وجبت من حيث الشبهة والمماثلة، لأن فيهما إنسا وألفًا ويعبّان في الماء عبًّا.
فرع آخر
في فرخ الحمام شاة صغيرة، هكذا ذكر أكثر أصحابنا، وهو المذهب.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان:
أحدهما: فيه شاة كما في أمه.
والثاني: فيه ولد شاة صغير راضع أو فطيم، يكون قدر بدنة من الشاة بقدر بدن الفرخ من أمه وهذان الوجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا في الشاة الواجبة فيه، هل وجبت توقيفًا أم من طريق الشبه؟.
وأما ما دون الحمام، كالقنابر والعصافير، ففيها قيمتها، ولا يتصدق بالقيمة بل يشتري بها طعامًا على ما ذكرنا وكذلك البلابل ونحوها.
وقال داود: لا يجب ضمانها، أن الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، فدل على أن ما لا مثل له لا يضمن، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] وهذا صيد.
وروي عن عمر رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنه [222/ أ]، أنهما أوجبا الجزاء في الجراد.
وروي أن مروان سأل ابن عباس عن الصيد يصيده المحرم ولا مثل له من النعم، فقال: عليه ثمنه يهدى إلى مكة، وأما الآية فلا حجة فيها، لأنا نقول في وجوب الجزاء بما له مثل، وليس فيها حكم بالأمثل له وعرفنا حكمه بدليل آخر.
فرع
قال في "الأم": والصرد طائر دون الحمام، ففيه قيمته.
وروي أنه سأل عطاء عن ذلك، فقال: لا أدري هو أصغر من الحمام أو أكبر، فإن كان أكبر، ففيه شاة.
قال الشافعي: وأنا رأيته، فهو أصغر من الحمام، وفيه قيمته، وقيل: الصرد من جوارح الطير يصطاد العصافير ذكره البندنيجي.
فرع آخر
ظاهر قوله في "الأم" أنه يؤكل الهدهد وفيه قيمته، لأنه ليس بذي مخلب وإنما له منقار.
فرع آخر
قال في "الأم": الوطواط فوق العصفور ودون الهدهد، ففيه أن كان مأكولًا قيمته.
وذكر عن عطاء أنه قال: فيه ثلاثة دراهم، وأمّا ما هو أكبر من الحمام كالحبارى والكركي والكروان والبطوط ونحو ذلك.
قال الشافعي في موضع من "الجديد" ما لا يقع عليه اسم حمامة، فما دونها أو فوقها، ففيه قيمته في الموضع الذي يصاب فيه.
وقال في "القديم": فيها شاة، لأن الشاة إذا وجبت في الحمام كان وجوبها فيما هو أكبر منها أولى تحصل قولان، ووجه الأول أن القياس في الحمام القيمة أيضًا، ولكنا تركناها للآثار، ففي الثاني على موجب القياس، فإن قيل: البّط من صيد البحر، وقد قال تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] قيل: هو من صيد البر، ويأوي إلى البر ويرعى في البحر تعيشًا بالسمك [222 /ب].
فرع
الإوز كالبط سواء، وذكر في "الحاوي": أنه ينظر فيه، وفي البط فإن كان نهض طائرًا بجناحيه، فلا يكون صيدًا، وهو كالدجاج.
وهذا هو القياس، وقول الشافعي متأول عندي.
فرع آخر
قال في "القديم ": الفنج كالحمامء وقال أصحابنا: أن كان يشرب الماء عبًا، فهو كما قال، وإن كان يأخذ قطرة قطرة، فهو على القولين على ما ذكرنا.
فرع آخر
يلزم الجزاء في الدجاج الحبشي لأنه وإن تأنس فهو وحشي الأصل بغير أصله ويسمى بعداد الدجاج السندية، ويشبه الدجاج.
وحكي عن أحمل أنه قال: لا جزاء فيه، وهكذا التذرح والدراج وطير الماء الذي يؤنس وفي قدر الجزاء قولان، لأنها أكبر من الحمام.
فرع آخر
ما تولد من وحشي وأهلي كالمتولد من بين القبج والدجاج والدراج والدجاج يلزم فيه الجزاء سواء كان الأب وحشيًا أم الأم.
فرع آخر
الحمام الأهلي الذي يسمى [الزاعبي]، وهو ما يكون في المنازل مستأنسًا، ولا ينهض طائرًا فيه وجهان:
أحدهما: أنه من جملة الحمام للاسم.
والثاني: لا جزاء فيه، لأنه أنيس كالدجاج وهو اختيار ابن أبي صريرة ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
إذا قتل المحرم جاموسًا لا جزاء عليه، لأنه من النعم، ولهذا لا تجب الزكاة فيه.
مسألة: قال: وما أصيب من الطير، ففيه قيمته في المكان الذي أصيب فيه.
قد ذكرنا أن الصحيح فيما لا مثل له أن يقوم في موضع الاتلاف.
وقال أبو إسحاق: قال الشافعي في بعض أماليه: يقوم بمكة.
مسألة: قال: وقال عمر لكعب في جرادتين: ما جعلت في نفسك، قال: درهمين، [223 / أ] قال: بخ بخ، درهمان خير من مائة جرادة.
الجراد مضمون بالجزاء، ويلزم قيمته.
وبه قال عمر وابن عباس وكافة العلماء.
وقال أبو سعيد الخدري: لا جزاء فيه.
وبه قال عروة وابن الزبير وداود، واحتجوا بأنه من صيد البحر لأنه أول ما خلق خرج من منخر حوت، فهو بحري.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حج أو عمرة، فاستقبلنا رجل من جراد، فجعلنا نضربه بأسياطنا، وعصينا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلوه فإنه من صيد البحر"، وهذا غلط، لأن الجراد من صيد البر مشاهدة، فصار ممنوعًا بحرمة الحرم يلزم الجزاء بقتله.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لكعب في جرادتين ما ذكرنا، وقال له: أفعل ما جعلت في نفسك، يريد به تأويل قوله تعالى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95].
وقال عمر رضي الله عنه: في جرادة تمرة.
وقال ابن عباس: في جرادة تصدّق بقبضة طعام وليأخذن بقبضة جرادات.
وفي هذا إيهام الإباحة، وليس هذا مراده، ولكنه أراد أن يبين حكم القبضة كما بين حكم الجرادة.
قال الشافعي: فدل ذلك على أنهما رأيا في ذلك القيمة وأمر بالاحتياط إلى
إخراج ما يعلم أنه أكثر قيمة من المتلف، وأمّا ما ذكروا من ابتداء خلقه، قلنا: لا اعتبار بهذا، بل الاعتبار يكون جنسه بريًا أو بحريًا، وقيل: الخيل كانت متوحشة.
فأنسها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ولا يجب الجزاء بقتلهما.
وأما خبر أبي هريرة رواه أبو المهزم، وقد تكلم فيه سبعة ثم نحمله على ما لو سد عليه طريقه في قول، وهكذا الجواب أن رووا مطلقًا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المحرم يقتل الجراد، [623 / ب] فقال: "هو من صيد البحر"، وهذا تأويل بعيد، والخبر مذكور في صحيح أبي عيسى فيلزم القول به.
فرع
لو افترس الجراد في الطريق حتى لا يمكنه سلوكه إلا بوطئه وقتله، وأما في "الأم" إلى قولين:
أحدهما: لا جزاء.
وبه قال عطاء لأنه ألجأه إلى قتله كالصيد إذا صال.
والثاني: يلزمه الجزاء إلا أنه قتله لمنفعة نفسه كما لو اضطر إليه فقتله، ويمكنه المشي في طريق آخر.
فرع آخر
قال في "الأم": والدباء جراد صغار، ففي الدباءة منه أقل من تمرة أو لقيمة صغيرة إن شاء وما فديت به، فهو خير منها.
وقال في موضع: في الدباءة نصف ثمرة وكل ما فداها به فهو خير.
فرع آخر
جراد الحرم حرام على المحرم والمحل، وتلزم الفدية محليهما بقتله، وحكي أن رجلًا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك، فقال: مضمون، فقال: أن قومك يأخذونه وهم محتبون في المسجد، فقال: أن قومي لا يعلمون.
فرع آخر
قال في "المناسك الكبير": وإذا كسر بيض الجراد فداه وما فداه به كل بيضة منه من طعام، فهو خير منها وإن أصاب بيضًا كثيرًا احتاط حتى يعلم أنه أدى قيمته أو أكثر من قيمته قياسًا على بيض كل صيد.
فرع آخر
قال أبو حامد في "الجامع": والذي للمحرم حمل للبازي وكل صائد فإن حمله فأرسله على طير فقتله يلزمه الجزاء وإن أرسله فلم يقتله، فلا جزاء، وإن انفلت من غير إرساله فقتله لا جزاء فرط أو لم يفرط.
فرع آخر
قد ذكرنا أن المحرم ممنوع من الاصطياد، فإذا اصطاد صيدًا لم يملك لأنه حصل في يده بسبب محرم وعليه إرساله، لأنه تعدى بأخذه ولو تلف في يده يلزمه ضمانه، لأن يده يد تعدي كيد الغصب، ولو أرسله حتى لحق الوحش زال عنه الضمان كما لو ردّ [224/ أ] المغصوب إلى المغصوب منه، ولو أحرم وفي ملكه صيٍد، فيه قولان، نص عليهما في "الإملاء":
أحدهما: لا يزول ملكه.
وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة، لأنه ملكه فلا يزول بإحرامه كاستمتاع زوجته أو لأن الحج عبادة فلا تزيل ملك الصيد كالصوم.
والثاني: يزول ملكه، وهو الأظهر، لأنه معنى لا يراد للاستدامة والبقاء منع الإحرام أم من ابتدائه فمنع من استدامته كاللباس، ويفارق النكاح، لأنه يراد للبقاء والدوام، وكذلك الطيب.
فرع آخر
إذا قلنا بالأول: يلزمه إرساله حتى يلحق بالوحي، فإن مكه إرساله، فلم يرسله فمه حتى إذ مات حتف أنفه أو أتلفه متلف لزمه ضمانه، وإن أرسله أخر من يده لم يلزمه الضمان، وعند أبي حنيفة، أنه يلزمه الضمان.
وهذا مبني على أمله، أنه لم يزل ملكه عنه، وإن أتلفه من كان في ملكه ضمه سواء أمكنه إرساله أو لا.
فرع آخر
إذا حل من إحرامه المنصوص في "الإملاء": أنه لا يعود ملكه ويلزمه إرساله حتى يلحق بالوحش، وهو اختيار ابن أبي هريرة وجماعة، لأنه كان متعديًا بإمساكه فلا يزول التعدي إلا بإرساله وعلى هذا لو لم يخله وقتله أو مات، يلزمه الجزاء، ولأنه لا خلاف أنه إذا اصطاد في الإحرام، ثم حل من إحرامه يلزمه تخليته حتى يصير ممتنعا بنفسه، كذلك ههنا.
وقال أبو إسحاق: عاد ملكه بإحلاله ولا يلزمه إرساله كالعصير إذا صار خمرًا، ثم إذا عادت خلّا عاد ملكه، وهذا لأنه زال ملكه بسبب إحرامه، وقد زال إحرامه، فوجب عود ملكه.
فرع آخر
إذا قلنا بالقول الآخر: يجوز التصرف فيه بالبيع والهبة ولا تزال يداه عنه لا يد الحكم ولا يد المشاهدة إلا أنه [224 /ب] لا يجوز له ذبحه، فإن ذبحه يلزمه الجزاء،
وإن أرسله غيره كان هو أحق به، فإن ضاع وجب في المرسل قيمته، وإن حلّ من إحرامه حلّ له ذبحه ولم يجب جزاؤه عليه، لأنه ملكه فلا تزال يده عنه.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يلزم إزالة يد المشاهدة عنه دون الحكمية، فلو سلمه إلى الغير ليحفظه له جاز، وكذلك لو أرسله في داره أو في بيته كفاه، لأن إمساكه بيده فعل منه في الصيد، وهو محرم، فلا يجوز كالذبح، وهذا غلط، لأنه إذا لم يلزم إزالة يد الحكمي لا يلزم، إزالة يد المشاهدة كسائر أملاكه ويخالف القتل لأنه إتلاف له ممتنع كما يمنع من استعمال الطيب دون إمساكه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه إرساله؟ قولان، فإذا قلنا: يلزمه إرساله، هل يزول ملكه؟ قولان.
فرع آخر
لو وهب للمحرم صيد، لا يجوز له أن يقبله، فإن قبله لم يملكه وعليه إرساله، وإن لم يرسله حتى مات يلزمه الجزاء، نص عليه في "الإملاء".
وقال أصحابنا: معنى قوله: يلزمه إرساله أي: ردّه لصاحبه، وكذلك إن اشتراه لم يملكه وإن قبضه ضمنه بالجزاء أو القيمة إلى صاحبه، لن البيع يقتضي الضمان دون الهبة.
ومن أصحابنا من قال: قول الشافعي: عليه إرساله يدلّ على أنه ملكه بالهبة، ولهذا أمره بإرساله، وهذا غلط، لأنه ما أراد ما ذكرنا وهو صريح في لفظه، ثم قال أصحابنا: إذا ردّه إلى بائعه أو واهبه سقط عنه الضمان للآدمي في البيع، ولكن لا يزول عنه حكم الجزاء لله تعالى حتى يرسله، فيمنع ويتوحّش ويلزمه ذلك، فإن قيل: إذا لم يزل ملك مالكه عنه بالبيع والهبة كيف يجوز له إرساله ليتوحش؟
قلنا: سقط حق البائع والواهب في ذلك، لأنه كان في السبب في ثبوت يد المحرم عليه [225/ أ]، وإيجاب إرساله عليه، ويحصل للبائع بدله إذا أرسله هو، فيكون جامعاً إبقاء حق الله تعالى وإبقاء حق الآدمي، فهو كالمضطر يأكل مال غيره بالبدل ذكره في "الشامل"، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يملك بالشراء والإيهاب؟ قولان، كما لو اشترى الكافر عبدًا مسلمًا، هل يصحّ الشراء؟ قولان، وعلى كلا القولين، يلزمه إرساله ولو باعه من الغير وصحّحنا شراءه صحّحنا بيعه، ولكنه في ضمانه إلى أن يرسله المشتري، فحينئٍ يخرج من ضمانه وما تقدم أصحّ لما ذكرنا من خبر الصعب بن جثامة، وإن قبول البيع والهبة سبب يملك به الصيد، فيمنه منه المحرم كالاصطياد.
فرع آخر
لو مات مورثه وله صيد، وهو محرم، هل يرث الصيد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يرثه لأن الإرث جهة من جهات التملك، فلا يملك بها المحرم الصيد كالبيع والهبة.
والثاني: يرثه ويملك، لأنه يحصل هذا الملك بغير اختياره وهو كما يملك الكافر
العبد المسلم بالإرث دون الشراء وكذلك المجنون يملك بالإرث دون الشراء.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه غلظ حكم المحرم في باب الصيد، ما لم يغلظ في غيره، فجعل المحرم في الصيد كالابن القاتل في الميراث، وعلى هذا يكون الصيد لباقي الورثة.
وقال القافي الطبري: هذا على الوجه الذي يقول: ملكه لا يزول عن الصيد، فأما إذا قلنا: يزول ملكه، فلا يرثه لأنه إذا منع استدامة الملك منع الإرث.
ومن أصحابنا من قال: هل يملكه في الحال؟ وجهان:
أحدهما: بلى.
والثاني: يكون موقوفًا على ملك الميت حتى يحل، فإذا حل ملكه.
فرع آخر [225/ ب]
إذا اشترى صيدًا وهو حلال من حلال، ثم أحرم البائع ثم وجد به عيبًا، فأراد رده عليه جيء ذلك على مسألة الإرث، فإن قلنا: يرثه رده عليه، لأنه يرده إلى ملكه بغير اختياره، موان قلنا: لا يرثه، فيه وجهان:
أحدهما: يرده لأنه حق المشتري، فلا يسقط بإحرامه.
والثاني: لا يرده.
ثم قال القافي الطبري ههنا: يرد عليه الثمن ويوقف الصيد حتى يتحلل ثم يرد عليه.
وقال غيره: هذا بعيد، لأنه إذا ملك المشتري الثمن بالاسترداد، وزال ملكه عن الصيد ينبغي أن يعود إلى البائع، وينبغي أن يقال: المشتري بالخيار بين أن يقف حتى يتحلل ثم يرده أو يرجع بأرش العيب لتعذر الرد في الحال.
فرع آخر
لو باع الحلال صيدًا من حلال بثمن ثم أفلس المشتري والبائع أحرم والصيد باقٍ بحاله لا يجوز له الرجوع فيه، لأنه ممنوع من تملك الصيد ابتداء باختياره.
فرع آخر
لو استعار المحرم صيدًا من محل فتلف في يده فعليه الجزاء والقيمة، ولو استعار المحل صيدًا من المحرم، فتلف في يد المستعير، فإن قلنا: زال ملكه، فعلى المحرم المعير الجزاء، ولا قيمة على المستعير المحل، لأنه خرج من ملك المستعير، وإن قلنا: لم يزل ملكه فلا جزاء على المحرم المعير، لأنه لا يضمنه إلا بالجناية وعلى المستعير المحل القيمة، لأنه عارية مملوكة، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
لو كان لرجل على آخر صيد فوكل محرمًا بقبضه فقبضه، هل يصحّ القبض؟ نظر، فإن كان الصيد معينا في يد المقبوض منه، ففي جوازه على معنى سقوط المطالبة عمن كان في يده، ويحتمل وجهين:
أحدهما: لا يجوز كما لا يجوز شراءه لنفسه أو بوكالة.
والثاني: يجوز، لأنه من أهل ملك [226/ أ] الصيد فصح منه قبضه كالحلال، وهذا خارج على القول الذي يقول: لا يزول ملكه عن الصيد بالإحرام، وإن كان الصيد في الذمة فعينه من عليه يدفعه إلى الوكيل المحرم هل يبرأ وجهان، ذكره والدي رحمه الله.
فرع آخر
قال الشافعي: لو خلصت حمامة من فم هرة أو سبع أو شقّ حائط لحجت فيه، أي: تعسرت أو أصابها لدغة فسقاها ترياقًا أو غيره ليداويها به، فماتت لم يضمن لأنه أراد إصلاحها ومداواتها، ولو قال رجل: هو ضامن لها، لأنه وإن كان أراد إصلاحها فقد تلفت في يده فضمنها باليد كان وجهًا محتملاً.
قال أصحابنا: فيه قولان:
أحدهما: لا ضمان.
وبه قال عطاء، وهو الصحيح.
والثاني: يلزمه الضمان.
وبه قال أبو حنيفة.
فرع آخر
قال: روي عن ابن جريج أنه قال: قلت لعطاء: بيضة حمامة وجدتها على فراشي، فقال: أمطها عن فراشك.
قال الشافعي: وهذا وجه يحتمل [من] أن له أن يزيله عن فراشه إذا لم يكسرها، ولو فسدت بإزالته ونقل الحمام عنها لم يكن عليه فدية، ويحتمل أنها أن فسدت بإزالته تلزم الفدية، ومن قال بهذا، قال: لو وقع الحمام على فراشه فأزاله عن فراشه، تلزمه فيه الفدية كما زال عمر بن الخطاب رضي أنه عنه الحمام عن ردائه، فتلف بإزالته ففداه فحصل قولان، وإن كان في رواية بيته معتزلًا عنه، فأزاله ضمنه.
مسألة: قال: وما كان من بيض طير يؤكل، ففي بيضه قيمتها.
كل صيد يجب بقتله الجزاء فبيضه مضمون بالجزاء أيضًا، فإذا كسره المحرم يضمن قمته.
وقال المزني: لا جزاء في البيض لأنه كاللحم.
وبه قال داود وأهل الظاهر، وهذا غلط لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وفي بيض النعامة ثمنها إذا أصابها المحرم"، ولأن البيض صيد، لأنه يكون منه مثل أصله [226 / ب].
فرع
قيمته معتبرة باجتهاد فقيهين عدلين.
وقال مالك: يلزم فيها عشر قيمة الصيد كجنين الاصطرام فيه عشر قيمة الأم، وهذا غلط، لأن للجنين حرمة ما ليس لغيره، ولهذا
يضمن المملوك بقيمة مقدرة باليقين بخلاف طرف البهيمة.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: من أتلف بيض صيد، فعليه أن يلقح على نوق بعدد البيض فما نتج من شيء تصدّق به، ولعله أراد في بيض النعامة.
فرع آخر
قال الشافعي: في بيض النعامة أن كان فيه فرخ كان عليه قيمة بيضة فيها فرخ، وهي أكثر من قيمة بيضة لا فرخ فيها.
قال أصحابنا: هذا إذا كان الفرخ ضعيفًا ليست فيه حياة مستقرّة، فأما إذا كان الفرخ حيًا قويًا يعيش مثله كان عليه فصيل صغير ولو خرج وطار وسلم لا شيء عليه وقد أساء.
فرع آخر
قال: ولو كانت البيضة مدرة فاسدة يقوّمها فاسدة أن كانت لها قيمة كبيض النعامة، فإن لم يكن لها قيمة لا شيء عليه فيها.
فرع آخر
قال: لو أخذ بيض صيد وتركه تحت الدجاجة، فإن أنقضه وخرج الفرخ سليمًا، وطار فقد أساء بفعله ولا شيء عليه، وإن أفسدته يلزمه الجزاء، لأنه تلف بجنايته وسببه وإن أخذ بيض الدجاجة وتركه تحت الصيد، فذعر الصيد منه ونفره وترك بيض نفسه ضمنه، لأنه تلف بجنايته، وإن لم ينفر وحصن الجميع إلا أنه لم يتمكن من قلبه وإدارته ففسر ضمن أيضًا.
فرع آخر
قال: ولا يأكلها محرم، لأنها من الصيد، وقد يكون منه الصيد.
قال أصحابنا: إذا كسر بيض صيد فحكم البيض حكم الصيد إذا ذبحه، وهو أنه يحرم عليه قولًا واحدًا، وهل يحرم على غيره؟ قولان، [227/ أ] وإذا كسر في الحرم لم يحل على ما ذكرنا.
قال: وأهل الحرم لا يأكلون من بيض طير في الحرم، وإنما يدخلون البيض من الحل إلى الحرم، وعلى هذا قال أصحابنا.
وكذلك إذا قتل المحرم الجراد، فحكمه هكذا.
وقال بعض أصحابنا يحل لغيره قولًا واحدًا، ويفارق ذبيحة المؤمن، لأن في أحد القولين صارت بذبحه ميتة وإباحتها تقف على الذكاة بخلاف البيض، ولهذا لو بلعه رجل قبل كسره لا يحرم، وهذا اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح وذاك ذكره الشيخ أبو حامد.
فرع آخر
لو صال الصيد عليه، فقتله دفعًا عن نفسه لا جزاء عليه، وحكي عن أبي حنيفة الله قال: يلزمه الجزاء أن كان مأكولًا، وهذا لا يصح عنه، بل الصحيح عنه مثل مذهبنا وعند زفر يضمن عند الصول جميعه.
فرع آخر
لو أكره على قتل صيد، قال ابن المرزبان: حكمه حكم ما لو أكره على قتل المؤمن.
فرع آخر
لو ركب صيدًا، ثم صال على محرم، فقتل المحرم الصيد يلزمه الجزاء، لأن الصول لم يكن من الصيد.
مسألة: قال: وإن نتف طيرًا، فعليه بقدر ما نقص من النتف.
إذا نتف ريش صيد أو جرحه أو كسر رجله أو عضوًا من أعضائه، فلا يخلو إما أن يكون باقيًا على امتناعه كما كان قبل الجناية أو صيره غير ممتنع، فإن كان باقيًا على امتناعه، وطار وغاب عنه، ولم يعلم هل مات منه أم لا؟ يضمن ما نقص على ما سبق بيانه، وإن طار وغاب عنه، ثم وجده ميتًا.
قال الشافعي: الاحتياط أن يجزئه جزاء كاملًا، لأنه يجوز أن يكون مات من جنايته، والقياس أن لا يلزمه، لأن موته من جنايته [227/ ب] مشكوك فيه، ولهذا قال الشافعي: لا يؤكل، لأنه يجوز أن يكون موته من غيره.
وقال أصحابنا: الظاهر أنه إذا طار، وكان ممتنعًا أن الموت لم يحصل من فعله، فلهذا قال: القياس أن لا يلزمه إلا ما نقص.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، كما في حل أكله قولان.
وقال أبو إسحاق: يلزم على هذا إذا غاب، وهو غير ممتنع، ولم يدر أنه مات أم لا أن يلزمه تمام الجزاء، لأنه لما كان غير ممتنع، فالظاهر أنه باقٍ على ذلك، ولم يسلم، وهذا غلط، لأن الشافعي نص ههنا أنه لا يلزمه إلا ضمان النتف، لأن الزيادة شكّ، وإن طار ثم وقع من شدّة ما حمل على نفسه يلزمه الجزاء، وإن صيره غير ممتنع فقد ذكرنا أنه يلزمه كمال الجزاء، وإن قتله محرم آخر بعد ذلك، فالأول، جارح.
والثاني، قاتل فعلى الأول ما نقص لجرحه وعلى الثاني جزاؤه نص عليه.
وقال في موضع آخر: على الأول جزاؤه كاملًا، وعلى الثاني جزاؤه مجروحًا واختلف أصحابنا فيه على طرق، فقال بعضهم: فيه قولان:
أحدهما: يجب على الجارح تمام الجزاء، وعلى الثاني جزاء ناقص كما لو قطع يدي عبد ثم جاء آخر وقتله، يلزم الأول تمام قيمته، ويلزم الثاني قيمة ناقصة.
والثاني: يجب على الجارح ما نقص، وعلى الثاني جزاء ناقص.
وهذا أصح، لأن
الأول لم يتلفه، فيلزمه جزاؤه كاملًا، بل نقص منفعته ويخالف هذا قطع يدي العبد يجب به تمام القيمة، لأن ذلك لحرمة الآدمي.
ومن أصحابنا من قال: القول الثاني أنه يلزم على الأول ما نقص، وعلى الثاني جزاء كامل، وهو ضعيف.
ومن أصحابنا من قال: القول الثاني يلزم على الأول تمام الجزاء [228/ أ]، وعلى الثاني تمام الجزاء، ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد، وهو أنه يلزم على الأول ما نقص وعلى الثاني جزاء ناقص، والقول الآخر احتياط.
فرع
قال: وإن كان جبر أعرج لا يمتنع فداه كاملًا، لأنه صيره غير ممتنع، ثم قال: وهذا احتياط، وهو أحب إليّ.
فرع آخر
لو نتف ريشه، ثم حبسه وأطعمه وسقاه حتى نبت وعاد كما كان، هل يسقط الضمان؟ قولان، وقيل: وجهان بناء على السن إذا عاد بعد القلع، هل يلزم ردّ الأرش؟ قولان، فإذا قلنا: لا يسقط، فالمذهب أنه يلزم ما بين قيمته صحيحًا ومنتوفًا قد نبت ريشه.
ومن أصحابنا من غلط، وقال: تلزمه قيمته صحيحًا ومنتوفًا، والدم سائل، وهذا غلط، لأنه لو جنى على عبد يضمن ما نقص بعد الاندمال كذلك ههنا.
فرع آخر
إذا اضطر ومعه ميتة وصيد وهو محرم، فأيهما يأكل هنا؟ على القولين في الحرم إذا ذبح الصيد، هل يصير ميتة أم لا؟، فإن قلنا: يصير ميتة لا يذبح الصيد، لأنه لا فائدة في ذلك، لأنه قادر على ميتة أخرى، فإن قلنا: لا يصير ميتة لا يأكل الصيد، ولا يأكل الميتة.
وقال أبو يوسف رضي الله عنه: يذبح الصيد ويأكله مع قوله أنه يصير ميتة، واحتج بأن الميتة مجمع على تحريمها، والصيد مختلف في إباحته كان أخف حكما، وهذا غلط، لأن أخذ الصيد وذبحه وأكله محرم عليه، فإذا فعل ذلك، فقد ارتكب ثلاثة أشياء محرمة، وإذا ذبحه صار ميتة، فلا وجه لارتكاب هذه المحرمات مع استغنائه بالميتة الموجودة.
فرع آخر
لو وجد ميتة وصيدًا قد [228/ ب] ذبحه محرم، فإن قلنا: لا يكون ميتة يأكله دون الميتة، وإن قلنا: يكون ميتة.
قال بعض أصحابنا: يأكل لحم الصيد، لأنه مختلف في كونه ميتة، ويحتمل أن يقال: يأكل الميتة، لأنه ممنوع من أكل لحم الصيد لحرمة الإحرام إذا صيد له، ولكونه ميتة، فكان التحريم لسببين بخلاف الميتة، والله أعلم.
بَابُ ما للمحرم قتله
مسألة: قال: وللمحرم أن يقتل الحية.
الفصل
الحيوان ضربان: مأكول وغير مأكول، فالمأكول ضربان: إنسي ووحشي، فالإنسي أكله لا جزاء فيه بهيمة كان أو طائرًا، وفي الوحشي الجزاء بهيمة كان أو طائرًا، وأما لا يؤكل لحمه فعلى ثلاثة أضرب: منها ما فيه الجزاء قولًا واحدًا، وهو السمع، ومنها ما لا جزاء فيه قولًا واحدًا وهو ما وردت به السنة: الحية والعقرب والفويسقة والغراب والحدأة والكلب العقور.
ومنها ما هو مختلف فيه، وهو سباع البهائم كلها وجوارح الطير بأسرها لا جزاء غر شيء منها.
وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة: يجب الجزاء في كلها إلا الذئب، فإنه لا جزاء فيه، ثم جزاؤه أقل الأمرين من قيمته أو شاة.
وقال مالك: ما لا يبتدئ منه بالأذى كالبازي والصقر والكلب وصفار السباع يضمن بالجزاء، وهذا غلط لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يقتل المحرم السبع العادي"، قال أصحابنا: والأسد والنمر من جملته، فإذا تقرر هذا، فالحيوان ضربان: أنسي وحشي، فالإنسي لا تأثر فيه للإحرام ولا للمحرم، فإن كان مأكول اللحم كالنعم والدجاج ونحوهما، فالمحل والمحرم.
ومن في الحرم ومن في الحل [229/ أ] في ذبحه سواء وإن كان مما لا يؤكل لحمه لم يحل ذبحه ولا قتله، كالبغال والحمير.
وأمّا الوحشي، فعلى ضربين: ما فيه الجزاء وما لا جزاء فيه، فما فيه الجزاء يحرم قتله بحرمة الإحرام، وحرمة الحرم سواء كان مأكولًا كظباء أو غيره مأكول كالسمع ونحوه.
وأمّا ما لا جزاء فيه، فعلى ثلاثة أضرب:
منها: ما يستحبّ قتله ويثاب عليه.
ومنها: ما يكره قتله.
ومنها: ما هو مباح قتله، ولا يكره ولا يستحبّ.
فأما ما يستحبّ قتله، فهو كل ما يضر ولا ينفع كالحية والعقرب والفأرة والحية والكلب العقور والنمر والذئب والدب والخنزير.
وفي هذا المعنى: الزنبور والبق والبعوض والبراغيث والقراد، ونحو ذلك.
قالت عائشة رضي الله عنها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم: الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور"، وهذا تنبيه على ما هو شر منها.
وقال سويد بن غفلة: كان عمر رضي الله عنه يأمر بقتل الزنبور ونحن محرمون.
وروى أبو سعيد الخدوي في الخبر: ويرمى الغراب ولا يقتله، فقيل: أراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب، وحكى عن النخعي: أنه لا يقتل الفأرة، وهو خلاف نصّ الخبر.
وأمّا ما يكره قتله، فهو كل ما لا يضر ولا ينفع كالخنافس والديدان والجعلان.
والقطا والحسكاء.
قال الشافعي رضي انأ عنه في "الأم ": لا أحبّ قتلها، فإن قتل: فلا شيء فيه.
وفي هذا المعنى الذباب والنحل والبغاث والرخمة، وإن كان في النحل منفعة العسل، فيكره قتلها، ولا يحرم.
وأما ما يباح قتله، ولا يكره ولا يستحبّ، فكل ما فيه نفع من وجه وضرر من وجه، وهو جوارح الطير كالعقاب والبازي والصقر والشاهين [229/ ب] والباشق يغدو على أموال الناس، وفيه منفعة الاصطياد.
وقال أبو إسحاق: يحرم قتل ما لم يكن مؤذيًا منها، وإن لم يلزم الجزاء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "في كل ذات كبد حرى أجر" وهذا خلاف النص.
فرع آخر
لو قتل قملة ظاهرة على جسده، أو ألقاها أو قتل قمل حلال، فلا فدية عليه، والقملة ليست بصيد نص عليه في "المناسك الكبير".
قال: ولو أخرجها من رأسه، فقتلها أو طرحها يفتدي، لأنها كإماطة الأذى فكرهناه كراهية قطع الظفر والشعر.
وقال: افتدى بلقمة وكل ما افتدى به، فهو أكثر منها.
قال: والصبئان كالقمل فيما أكره من قتله وأجيز، وهو صغار القمل وبيضه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في موضع لا فدية فيه.
وقال في "الأم ": فيه الفدية لإماطة الأذى بها كحلق الشعر، فقيل: قولان.
وقيل: قولا واحدًا لا تجب الفدية، وأراد بما ذكر من الفدية الاستحباب، وهذا أصحّ.
وقيل: أن الشافعي قال: وإن كان القمل على ظاهر بدنه، أوثوبه أماطه عنه، وإن كان في رأسه أو لحيته أكره أن يتوقى ذلك.
وقال بعض أصحابنا: وكذلك البق والبعوض والقردان، ولا فرق هذا بين الرجل والمرأة.
وقال مالك: لا يقرد المحرم بغيره.
وروي عن ابن عمر أنه نهى عن ذلك، وهذا غلط، لأنه يتأذى به، فأشبه الحية، وأما ما روي عن ابن عمر أنه نهى عن ذلك، روينا عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرد بغيره بالسقيا بالطين.
فرع آخر
لو نزا حمار وحش أتانا أهلية أو حمار أهلي أتانا وحشية فولدت يلزمه الجزاء في الولد، وإن لم يحل أكله، تغليبًا للتحريم [230/ أ]، ووجوب الجزاء.
قال الشافعي رضي الله عنه: فإن أشكل شيء من هذا على قاتله، فلم يدر أخالطه وحشي مأكول أم لا؟ فداه احتياطًا، ولا يجب فداؤه حتى يعلم أنه قد قتل وحشيًا، أو ما خالطه وحشي، لأن الأصل براءة الذمة.
باب الإحصار
مسألة: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] الآية
الفصل
اعلم أن الحصر والإحصار في هذا الباب هو أن يمنع المحرم من المضي في نسكه، فإذا أحرم الناس بحج أو عمرة أو بهما، ثم أحصرهم العدو، فصدهم عن البيت ومنعهم من الوصول إليه كان لهم التحلل عنه سوا، كان العدو مسلمًا آو مشتركًا، والأصل فيه هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾.
وهذه الآية نزلت في حصر المشركين، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج سنة ست إلى مكة معتمرًا، فحصره المشركون بالحديبية وصدّوه عن البيت، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فتحلل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من العمرة وصالحوا قريشًا على أن يعودوا في العام القابل معتمرين ويدخلوا مكة ويقيموا بها ثلاثة أيام.
وقال جابر: أحصرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
وروي أن ابن عمر خرج إلى مكة للعمرة في زمان الفتنة.
وقال: أن أحصرنا صنعنا ما صنعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والآية وإن وردت في المشركين، فحصر المسلمين قياسه، ولأنا لو قلنا: لا يجوز التحلل به لأدى إلى مشقّة عظيمة [230/ ب].
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، فإذا تقرر هذا، فإنه ينظر فإن لم يكن لهم طريق سوى هذا تحللوا أو انصرفوا، ولا قضاء عليهم، وإن كان لهم طريق سوى هذا لا يحلو، إمّا أن يكون برًا أو بحرًا، فإن كان بحرًا فهو مشي على ركوب البحر للحج، فإن قلنا: يلزمه ركوبه للحج يلزمه سلوكه، ولا يجوز لهم التحلل.
وإن قلنا: لا يلزمه ركوبه لم يلزمه سلوكه.
قال في "الأم ": وأحبّ لو سلكه، ولو كان برًا نظر، فإن كانوا يخافون على أبدانهم وأموالهم فيه كان لهم التحلل ولا قضاء كما لو لم يكن لهم طريق بحال، وإن كان هذا الطريق آمنًا، فإن كان كالذي صدوا عنه في السهولة، والقرب فهؤلاء ليسوا بمحصرين، وإن كان أبعد فإن لم يكن لهم نفقة هذا الطريق، فإنه يتحلل ولا قضاء أيضًا، فإن كان لهم نفقة هذا الطريق لا يجوز لهم أن يتحللوا أصلًا سواء علموا انهم إذا سلكوه أدركوا الحج، أو لم يدركوه نصّ عليه في "مختصر الحجّ"، فإذا سلكوا نظروا، فإن كان إحرامهم العمرة أقاموا على الإحرام حتى يتحللوا منها آمنوا الفوات وليسوا بمحصرين.
وإن كان إحرامهم بالحج نظروا، فإن ألحقوه فقد تم حجهم، وإن فاتهم الحج تحللوا بعمل العمرة، وهل يلزم القضاء أن كان تطوعًا؟ فيه قولان:
أحدهما: يلزم.
وبه قال أبو حنيفة كما لو أخطأ العدد آو ضل الطريق.
والثاني: لا يلزم.
وبه قال مالك وأحمد، لأن الفوات لم يكن بتفريط منه بخلاف ما قاسوا عليه، وهو الصحيح.
هذا في الحصر العام وآما الحصر الخاص، كأنه أحرم بالحج فحبسه السلطان وحده، فان كان بحق، فلا يجوز له التحلل، لأن الامتناع من جهته، وان بقي في الحبس حتى [231/ أ] فاته الحجّ تحلل بعمل العمرة، وعليه القضاء، وإن كان الحبس بغير حق مثل أن كان عليه دين لا يقدر على قضائه ونحو
ذلك.
قال في "الأم ": نظر فإن كان لحبسه غاية وأن يدرك معها الحجّ، وكانت طريقه آمنة [بمكة] لم يتحللّ، فإن [أرسل] مضى، وإن كانت مدة حبسه مغيبة عنه لا يدري غايتها، أو كانت غايتها بحيث لا يدرك معها الحجّ متى أطلق كان له التحلّل كما في الحصر العام.
وقال جماعة من أصحابنا: لا فرق بين الحصر العام والحصر الخاص في التحلل، ولكن يفترقان في لزوم القضاء، فهل يلزم القضاء في الحصر الخاص؟ قولان:
أحدهما: يلزم القضاء، لأنه لا يعم المشقّة والضرورة.
والثاني: لا يلزم، وفي الحصر العام لا يلزم قولا واحدًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يتحلل في الحصر الخاص؟ قولان، وهذان القولان مبنيان على أنه إذا حبس أهل بلده عن الحج في أول ما يجب عليهم لا يستقر الحج في ذممهم، ولو حبس واحد منهم دون الجماعة هل يستقر؟ قولان.
والأصح أنه لا يستقر وهذا لأنه عذر نادر كالخطأ في العدد والاعتماد على ما سبق، فإذا تقرر هذا، لا يجوز له التحلل ما لم يهد.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك: يتحلّل ولا دم عليه، لأنه غير مفرط، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، والأخبار التي ذكرناها، ولأنه خرج من نسكه قبل تمامه، فيلزمه الدم كالفائت حجّه.
فرع
قد ذكرنا أنه يجوز التحلل بالإحصار عن العمرة، وحكي عن مالك، أنه قال: لا يجوز له أن يتحلّل منها، لأنه لا يخاف فواته، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 156]، [231/ ب] وهذا يرجع إلى الحج والعمرة لقوله تعالى في الابتداء: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان محرمًا عام الحديبية وتحلل، لأن التحلل جاز للمشقة بالمقام على الإحرام وهذا موجود في العمرة.
فرع آخر
لو أحاط بهم العدو من جميع الجوانب، فهل يتحلل؟ وجهان:
أحدهما: لا يتحلل لأنه لا يستفيد بالتحلل شيئًا.
والثاني: يتحللّ لأنه يأمن بذلك من العدو ومن أحد الجوانب.
فرع آخر
لو أحصر في الحرم كأنه أحرم بمكة ثم أحصر، فإن مكن من البيت ومنع ما عداه من الوقوف وغيره كان له التحلل، فإن أقام على إحرامه حتى فاته الحج.
قال أصحابنا: يتحلل بعمل عمرة، وعليه القضاء وشاة إن تحلل قبل الفوات، قال في "الأم": تحلل بطواف وسعي وحلاق وذبح، ويلزمه دم التحلل، وهل يلزمه القضاء؟
نص في "الأم" على القولين:
أحدهما: لا يلزمه القضاء.
والثاني: يلزمه، لأن القضاء إنما يسقط عن الذي صد عن البيت، وهذا متمكن من البيت، وهذا ضعيف، والأول أصحّ، لأنه محصر كالمحصر في الحل.
وقال أبو حنيفة ومالك: ليس له التحلل كما لو أحصر عن البيت ولا فرق بين أن يكون المحصر غريبًا أو مكّيًا أو مقيمًا بها أحرم بالحج ثم صد عن أعماله، فالكل على قولين.
فرع آخر
لو أحصر بعد الوقوف نظر، فأن منع من بقية أفعال الحج كلها كان له التحلل، وهو بالخيار بين التحلل وبين تركه، فإن أراد التحلل، فعليه الهدي ولا قضاء ولا يجزئه عن حجه، لأنه ما أكمله، فإن أمكنه أن يستأجر من يكملها، فعلى قولين على ما ذكرنا في جواز البناء على الحجّ [232/ أ].
فرع آخر
لو أقام على إحرامه في هذه المسألة حتى فاته المبيت بمزدلفة ومنى وفاته الرمي، فهل عليه دم بترك المبيت بمزدلفة ومنى؟ فعلى القولين.
وأمّا الرمي، فعل يلزمه بترك الكل أربعة دماء أم دون ذلك؟ فعلى ما ذكرنا فما سبق، وهل يجعل فوات الرمي في حكم فعل الرمي في باب التحلل الأول؟ مبني على القولين في أن الحلق، هل هو نسك أم لا؟ فإن قلنا: نسك لم يحل التحلل الأول حتى يحلق، وإن قلنا: ليس بنسك فقد حل التحلل الأول، وبقي عليه الطواف، فإن أقام على ما هو عليه حتى يطوف أجزأه عن حجة الإسلام، وإن كان الحصر قائمًا، فأراد أن يتحلل، فالذي يجيء على المذهب أن له ذلك، لأن النساء لا يحللن له إلا بالتحلل.
فرع آخر
لو أحصره بعد خروجه الأول له التحلل، فإن انكشف العدو أحرم إحرامًا ناقصًا، وأتى بما عليه من الرمي والطواف قولًا واحدًا.
فرع آخر
لو أحصر بعد الوقوف عن بعض أفعاله نظر، فإن مكن من البيت، ومنع ما سواه لم يكن له التحلل لأنه يحصل له التحللان معًا بالطواف والحلق وفوات الرمي بمنزلة فعل الرمي ويجزئه عن حجة الإسلام، وإن مكن من كل شيء ومنع من البيت كان له التحلل، لأنه لا يقدر على التحللين معًا مع المنع من البيت، فإذا تحلل، فلا قضاء ولا يجزئه عن حجة الإسلام.
وقال أبو حنيفة: إذا أحصر بعد الوقوف لم يجز له التحلل، وإنما التحلل لمن أحصر عن الوقوف والبيت جميعًا، وهذا غلط، لأنه مصدود عن المضي.
وفي إحرامه
بغير حق فجاز له التحلل كما لو كان قبل الوقوف.
فرع آخر
قال [232/ ب]: والمحصر إن كان يرجو زوال العدو وكان الوقت واسعًا، لا يخاف فوات الحج، فالمستحب له أن لا يتحلل ويؤخر التحلل حتى يأتي بها على الكمال، وإن كان الوقت قد ضاق وخاف فوات الحج وإن لم ينكشف العدو، فالمستحب له أن يتحلل لئلا يفوته الحج، فإن لم يتحلل حتى فاته الحج نظر، فإن كان الحصر باقيًا تحلل منه، وعليه هدي للفوات وهدي الإحصار، وعليه القضاء، وإن كان قد زال الحصر، فلا يجوز أن يتحلل إلا بعمل العمرة وعليه القضاء وهدي الفوات فقط.
فرع آخر
يجوز للمحرمين ترك قتال العدو، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقاتلهم وإن أرادوا قتالهم، فإن كان الحط للمسلمين في قتالهم، فهو الأفضل، وإن كان الحط للمسلمين في ترك قتالهم، فالترك أفضل.
فرع آخر
لو كان العدو من المسلمين، فالمستحب ترك قتالهم سواء كانوا أكثر منهم أو أقل، لأن التحلل من النسك أخف من قتال المسلمين.
فرع آخر
إذا أفسد حجة ثم أحصر تحلل من فاسدة وعليه شاة للتحلل وبدنه الإفساد والقضاء من سنته إذا تحلل قبل الوقوف، وليس في الشريعة موضع يمكن المفسد قضاء الحج من سنته إلا في هذه المسألة، وهكذا إذا فاته الحج، ثم أحصر تحلل، وعليه هديان والقضاء.
فرع آخر
قال وإذا أحصرهم العدو ثم أعطوهم الأمان وأذنوا لهم في الميسر، فإن كانوا يأمنون غدرهم لم يجز لهم أن يتحللوا، وإن لم يأمنوا غدرهم لقلة وفائهم، وسوء معاملاتهم جاز لهم التحلل.
فرع آخر
إذا أراد التحلل فعليه هدي يتحلل به بقيمة مقام [233/ أ] ما بقي من أفعال الحج، فإن كان واجدًا له، تعين عليه إخراجه، ولا يملك التحلل حتى يذبحه قولًا واحدًا، وهذا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ومعناه، فإن أحصرتم وأردتم التحلل فما استيسر من الهدي.
وقال أيضاً ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، ولأن هذا الهدي قائم مقام الأفعال، لأنه وجب عليه لتعذر آدائها ولو قدر عليها لم يتحلل إلا بها، فكذلك عند تعذّرها لا يتحلل إلا بأداء ما يقوم مقامها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: له أن يتحلل ثم يذبح، لأنه جوز له ترك المضي في الحج، فجوز هذا أيضًا، وهذا ضعيف.
فَزعٌ أخرُ
إذا ذبح الهدي فهل يملك التحلّل بعده؟ قولان بنا، على الحلق، فإن قلنا: إنه نسك لم يملك أن يحلّ حتى يحلّق، وإن قلنا: ليس بنسك ملك أن يحلّ قبل الحلق.
فَزعٌ أخرُ
متى ملك أن يحلّ قبل أن يحلّق أو بعده لا يصير حلالاً حتى ينوي الخروج من النسك وما لم ينو هذا كان إحرامه باقياً، وإن نوى ذلك يصير حلالاً يحلّ له جميع ما كان محظوراً عليه لحرمة الإحرام، فإذا قلنا: الحلق نسك يحتاج إلى ثلاثة أشياء ذبح الهدي، ونية التحلّل والحلق، وإذا قلنا: ليس بنسك يحتاج إلى شيئين، فإن قيل: أليس لو رمى وحلق في غير حالة الإحصار يصير خارجاً من الإحرام، وإن لم ينو الخروج من الإحرام؟، وههنا قلتم: يلزمه نية الخروج بالذبح والحلق، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن غير المحصر أكمل للأفعال فلا يحتاج إلى نية الخروج بخلاف المحصر، وأيضًا الذبح والحلق قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره، فلم يختص بالتحلّل إلا بالقصد، [233/ب] والإرادة بخلاف الرمي والأفعال، فإنها لا تراد إلا للنسك، فلم يحتج إلى النية فيه.
فَزعٌ أخرُ
إذا كان مصدوداً عن جملة الحرم، وأراد الذبح جاز له أن يذبح في الحلّ.
قال الشافعي - رضي الله عنه -: نحر هدياً لإحصاره حيث أحصر في حلّ أو حرم، وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: لا يجوز للمحصر الذبح إلا في الحرم فيبعث هدياً على يدي رجل إلى الحرم ولو أعده يوماً يذبح عنه، فيه الهدي، فإن كان عند هذا المحصر أن ذلك الرجل قد ذبح الهدي في الحرم يحلّ له حينئذِ التحلّل من إحرامه، ولو ارتكب شيئاً من المحظورات على اعتقاد أنه ذبح الهدي عنه في الحرم، ثم بان أنه لم يكن ذبح يلزمه الجزاء، وهذا غلط، لأن الهدي تابع للمهدي، فإذا كان يتحلل المهدي في الحرم كان محل هديه الحرم، وإذا كان تحلله في الحل كان محل هديه الحل.
فَزعٌ أخرُ
يجوز ذبح هذا الهدي في غير يوم النحر.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا بجوز إلا في يوم النحر، وهذا غلط، لأنه وقت تحلله، فكان وقت هديه.
فَزعٌ أخرُ
لو كان قادراً على إبلاغه الحرم، بأن كان في قربه لا يلزمه إبلاغه الحرم، والأولى له إبلاغه.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه إبلاغه لأنه يقدر عليه من غير مشقة، وهذا ضعيف.
فرعٌ أخرُ
لو كان معه هدي، ساقه تطوعا، أو واجباً كان له ذبحه في هذا الموضع وكذلك كل هدي لزمه قبل الإحصار، أو بعده قبل التحلّل، فله ذبحه في موضعه نصّ عليه في المناسك قياساً على هدي الإحصار.
فَزعٌ أخرُ
قال الشافعي - رضي الله عنه -: ولا قضاء [234/أ] عليه إلا أن يكون واجباً، فيقضي، وقد ذكرنا الخلاف في حج التطوع، فأما حجة الإسلام، فإن كان وجوبه في تلك السنة، فلا قضاء قبله أن كان قد وجب قبل هذه السنة، فهو باق في ذمته على ما كان.
وفي الحقيقة إذا أداها بعد ذلك لا يكون قضاء ما فات عند الإحصار.
فَزعٌ أخرُ
إذا أحصر في الحج أو العمرة، فلم يتحلل وجامع يلزمه الكفارة، ويفارق هذا المسافر إذا جامع في صوم رمضان، لا كفارة، لأن بالجماع في الصوم، يحصل التحلّل المباح له بحق السفر، لأنه يخرج بهذا الجماع من الصوم كما يخرج بالأكل.
وفي الحج لا يخرج عنه بالإفساد، فلا يحصل التحلّل المباح بوجه آخر، ذكره والدي رحمه الله.
مَسْأَلٌة: قال: وإذا لم يجد هدياً يشتريه أو كان معسراً.
الفصل
قد ذكرنا أنه إذا كان واجداً للهدي لا يتحلل قبل ذبحه، فإن كان عادماً له هل له بدل ينقل إليه؟ نص في "الأم" على قولين:
أحدهما: ليس له بدل، ويكون في ذمته أبداً.
وبه قال أبو حنيفة، لأنه لو كان له بدل لذكره الله تعالى في القرآن كما ذكر بدل هدي التمتع.
والثاني: له بدل ينتقل إليه.
وبه قال أحمد، لأنه دم واجب بسبب الإحرام، فكان له بدل ينتقل إليه كدم التمتع والطيب واللباس، فإذا قلنا بالقول الأول، هل له في الحال أو يقيم على إحرامه حتى يجده؟ قولان:
أحدهما: يقيم على إحرامه حتى يجده.
وبه قال أبو حنيفة؟ لأن الله تعالى قال ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196].
والثاني: له أن يتحلل لأن المقام على الإحرام يؤدي إلى المشقة، وهو الأصح، فعلى هذا يتحلل بالنية والحلق أن قلنا: الحلق نسك [234/ب] وإذا قلنا: الحلق إطلاق محظور، يتحلل بمجرد النية، وإذا قلنا بالقول الثاني، فما ذلك البدل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: بدله الصيام، نص عليه في "مختصر الحج".
وبه قال أحمد، لأن هذا الدم يجب لترك الإحرام، فكان بدله الصيام كهدي المتعة.
والثاني: قاله في "الأوسط " بدله الإطعام، لأنه أقرب إلى الهدي.
والثالث: خرجه أصحابنا: أنه مخير بين الإطعام وبين الصيام، كما في فدية الأذى، فإذا قلنا: بدله الصيام، فما ذلك الصيام؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: صيام التمتع عشرة أيام.
وبه قال أحمد لما ذكرنا من العلة.
والثاني: صيام التعديل، لأن ذلك يستوفي قيمته.
والثالث: صيام فدية الأذى، لأنه وجب لدفع الأذى، وإذا قلنا: ينتقل إلى الإطعام، ففي ذلك الإطعام وجهان:
أحدهما: إطعام التعديل يقوم ذلك دراهم، والدراهم طعاماً، ويتصدق به لكل مسكين مد.
والثاني: إطعام فدية الأذى ثلاثة أصوع لستة مساكين، لكل مسكين مدان، وإذا قلنا: يتخير فهو مخير بين صيام ثلاثة أيام وبين إطعام ستة مساكين كما في فدية الأذى والأصح من الأقوال، أنه يقوم الهدي دراهم، ثم الدراهم طعاماً، فيؤديه أن أمكنه وإن لم يمكنه صام عن كل مد يوماً قياساً على جزاء الصيد في التعديل دون التخيير وعلى دم التمتع في الترتيب.
فَزعٌ أخرُ
إذا أوجبنا الإطعام، فإن كان قادرا أخرجه وتحلل به، وإن كان عادماً له، هل يتحللّ أم يقيم على إحرامه حتى يجده؟ كما قلنا في الهدي، فإذا أوجبنا الصيام، هل يتحلل ثم يصوم أو يصوم ثم يتحلل؟ قولان، وقيل: وجهان [235/أ]:
أحدهما: يصوم ويتحلل، لأنه قادر عليه كالهدي.
والثاني: يتحلل، ثم يصوم، لأنه لا يمكن فعل الصوم في الحال، فيشق عليه الصبر على الإحرام إلى أن يأتي به بخلاف الهدي والإطعام.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: أن قلنا له: التحلّل قبل الذبح، فقبل: الصوم أولى وإلا فههنا قولان، وهذا غير صحيح.
مَسْأَلٌة: قال: وروي عن ابن عباس رضي أنه عنهما أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو.
المحصر بغير العدو مثل الكسر والعرج أو المرض لا يتحلل، بل يبقى على إحرامه حتى يفوته الحج، ثم يتحلل بعمل العمرة.
وبه قال مالك وأحمد وإسحق.
وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومروان.
وقال أبو حنيفة: له التحلّل.
وبه قال الثوري وعطاء وعروة والنخعي كالمحصر بالعدو، واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل"، وهذا غلط، لأنه لا يستفيد بإحلاله الانتقال من حاله، فلا يجوز له التحلّل كما لو أخطأ الطريق.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: الفرق بينه وبين المحصر بالعدو أنه خائف من القتل إن أقام، فهو مضطر إلى التحلّل والرجوع لهذا الخوف، ولهذا رخص لمن لقي
المشركين أن ينحرف لقتال أو يتخير إلى فيئه، فينتقل بالرجوع من خوف قتل إلى أمن والمريض حاله واحدة في التقدّم والرجوع، ولا يستفيد بتحلّله ورجوعه أمناً من مرضه كما يستفيده المحصر بالعدو، ثم استشهد باستصحاب الحال، وما عليه موضوع الإحرام من اللزوم فزال: والإحلال رخصة، فلا يعدى بها موضعها [235/ب]، أي: هو مخصوص بمعنى يمنع من أن يقاس علينه عيره.
وشبه ذلك المسح على الخفين، فقال: كما أن المسح على الخفين رخصة فلم نقس عليه مسح عمامة ولا يفارق لاختصاص الخفين بمعنى لا يشاركهما فيه غيرهما من عموم الابتلاء بهما، فكذلك الإحلال بسبب العدو مخصوص بما ذكرنا من المعنى، وهو استفادة الأمن به من الخوف، فلا يجوز أن يقاس عليه إحصار المريض ثم أوضح الشافعي - رضي الله عنه - إبطال هذا القياس فقال: لو جاز أن يقاس حل المريض على حصر العدو، وجاز أن يقاس حلّ مخطئ الطريق ومخطئ العدو حتى يفوته الحج على حصر العدو، فلنا لم يجز ذلك، لأنه لا يستفيد بتحلله الأمن، فما عرض له، فكذلك المحصر بالمرض مثله.
وقيل: المخصوص بالذكر على ضربين: ضرب لا يعقل معناه كالصلوات وأعدادها تعبداً لله تعالى بها، واستأثر بعلم معانيها، فلا يجوز قياس غيرها عليها، وضرب يعقل معناه، فهو على ضربين: ضرب، لا يوجد معناه في غيره، وضرب يوجد معناه في غيره، فأما الذي لا يوجد معناه في غيره كالمسح على الخفين، لا يوجد معناه في العمامة والقفازين، فلا يجوز أن يقاس عليه، وأما الذي يوجد معناه في غيره كالأشياء المنصوص في الربا يقاس عليها غيرها والحصر بالعدو، عند الشافعي - رضي الله عنه - من القسم الأوسط الذي هو معقول المعنى، ولكن لا يوجد معناه في غيره.
وأما الخبر الذي ذكروا، قلنا: هو متروك الظاهر، لأن بمجرد الكسر والعرج لا يحلّ، وان حملتموه على استباحة التحلّل فنحن نحمله على [236/أ] ما لو شرط التحلّل به، فإذا تقرر هذا قال الشافعي - رضي الله عنه -: فيقيم على حرمه، أي: على إحرامه، فإن أدرك الحج وإلا تحلل من إحرامه بالطواف والسعي، إذا فاته الحجّ، وعليه الحجّ من قابل وما استيسر من الهدي، أي: مثل هدي التمتع، لأنه تمتع فيما بين النسكين لأحدهما تعلق بالآخر فهو في معنى التمتع ولو كان هذا في العمرة، فلا تفوت العمرة، فيجزئه الطواف والسعي متى أتى بهما في جميع عمره عن عمرته إذ العمرة غير مؤقتة بوقت يفوته إذا جاوزه بخلاف الحج.
فرع
قال في "المناسك الكبير": لو كان [ممن] يذهب إلى أن المريض يحلّ بهدي [يبعث به] فبعث بهدي، فذبح هناك لم يحلّ، وكان على إحرامه وإذا رجع إلى بلده كان حراماً كما كان.
قال القاضي الطبري: وهذا يدلّ من مذهب الشافعي على أن من اعتقد مذهباً وعمل
عليه لم يحكم بصحة فعله عنده، لأن هذا اعتقد جواز التحلّل.
وتحلل فلم يجعله حلالاً بذلك ولم يصححه في حقه.
فَزعٌ أخرُ
إذا أحرم واشترط في إحرامه أن يتحلل متى عرض له عارض من مرض أو خطأ الطريق أو خطأ التعدد أو ذهاب النفقة اختلف قول الشافعي - رضي الله عنه - فيه قال في "القديم " يجوز ذلك وقطع به.
وقال في "الجديد": إن صح حديث ضباعة قلت به، فعلق القول فيه، فمن أصحابه من قال: أجمع أصحاب الحديث على صحة حديث ضباعة، وذلك أن الشافعي - رضي الله عنه - رواه مرسلاً عن عروة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد رواه أبو داود مسنداً عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، [236/ب] فقالت: إني أريد الحج أفأشترط، قال: "نعم"، قالت: فكيف أقول؟ قال: "قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث حبستني".
وروت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على ضباعة، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج، وإني شاكية، فقال: "أحرمي واشترطي أن محلي حيث حبستني"، فعلى هذا قولاً واحدًا، أنه ثبت الشرط، وفي الخبر دليل على أن المرض لا يجوز التحلّل، لأنه لو كان يجوز لما احتاجت إلى هذا الشرط، وفيه دليل على أن يحلّ في الموضع الذي يحبس وينحر هديه هناك، وما كان له حلاً وبه قال أحمد، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يصح هذا الشرط.
وبه قال الزهري ومالك وأبو حنيفة، وهذا لأنها عبادة لا يجوز التحلّل منها بغير عذر، فلا يجوز التحلّل منها بالشرط كالصلاة، وهذا يبطل بالصوم المنذور، وإذا شرط الخروج منه بعذر جاز بالإجماع ومن قال بهذا القول، قال: ضباعة مخصوصة بذلك كفسخ الحجّ كان مخصوصاً بمن خصه - صلى الله عليه وسلم - وحكي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه قال: هذا الشرط في المريض يعتد سقوط الهدي إذا تحلّل.
فَزعٌ أخرُ
لو قال: إذا مرضت أتحلل من إحرامي لا يخرج من الإحرام إذا وجد الشرط إلا بالتحلّل، وهو أن ينوي الخروج منه، لأن الشرط يضمن إزالته أو إبطاله فكذلك لو قال: "محلي من الأرض حيث حبستني" مرض فأنا حلال، ففيه وجهان:
أحدهما: يصير حلالاً [237/أ] لوجود الشرط اعتباراً بموجب اللفظ فيه.
وقيل: هذا نص الشافعي، وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كسر أو عرج فقد حل"، ولا يمكن حمل الخبر إلا على هذا.
والثاني: لا يصير حلالاً حتى يتحلل لأن الأصل هو الحصر بالعدو، وهناك لابد من إنشاء التحلّل كذلك ههنا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: يجوز الشرط، فهل يجوز على هذا الوجه؟ وجهان:
أحدهما: لا يجوز، والفرق أن للمتحلل مدخلاً في الحج فيجوز شرطه، وليس لمصيره حلالاً بالعذر أصل في الشرع، فلا يصح شرطه أصلاً.
فَزعٌ أخرُ
إذا قلنا: يتحلل من غير فعله فلا إشكال أنه لا يلزمه الهدي، وإذا قلنا: يتحلل بفعله نص الشافعي - رضي الله عنه - أن لا هدي عليه ومن أصحابنا من قال: عليه الهدي، لأنه إذا افتقر إلى التحلّل كان بمنزلة الإحصار بالعدو، وهذا غلط، والفرق بين الإحصار بالعدو وبين هذ أن الإحرام المطلق يقتضي تمامه، فإذا أحصر قبل التمام وجب الهدي بدلاً مما ترك من الأعمال، وأما إذا اشترط الخروج منه لم يتضمن إحرامه بإتمامه مع العارض، وصار إحرامه منتهياً إلى حين وجود الشرط، فلم يحتج إلى هدي يقوم مقامه.
فَزعٌ أخرُ
لو كان الشرط معلقاً على غير تحلل مثل أن قال: أحرمت بحج على أني إذا شئت خرجت منه لم يثبت هذا الشرط بلا خلاف، لأنه ليس فيه غرض صحيح.
فَزعٌ أخرُ
لو قال: أن مرضت وفاتني الحج كان عمرة كان على ما شرط.
باب حصر العبد يحرم بغير إذن سيده
[237/ب]
مَسْأَلٌة: قال: وإذا أحرم العبد بغير إذن سيده والمرأة بغير إذن زوجها.
الفضل
قد ذكرنا حكم إحرام العبد فيما تقدم أنه ينعقد وأن للسيد أن يحلّله منه، وهكذا حكم العبد المعتق بعضه، والمدبر وأم الولد.
وأما المكاتب، فله منعه أيضًا منه، وهل له أن يسافر للتجارة؟ قولان.
والفرق بين السفرين أن سفر الحج يتضمن إتلاف المال، وسفر التجارة لا يتضمن إتلاف المال.
ومن أصحابنا من قال: في سفر الحج وجهان بناء على القولين في سفر التجارة.
وأما إذا أرادت المرأة أن تحج حجة الإسلام، فهل لزوجها أن يمنعها منه؟ فيه قولان:
أحدهما: أن له منعها، وهو الصحيح المشهور لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال في امرأة لها زوج ولها مال، ولا يأذن لها زوجها في الحج: "ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجه"، ولأن الحج على التراخي على ما ذكرنا، وحق الزوج على الفور فكان مقدماً عليه.
والثاني: ليس له منعها.
وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لأنها عبادة واجبة
عليها، فلا يكون لزوجها منعها منها كالصلاة والصوم، وهذا غلط.
والفرق بين هذا وبين الصوم والصلاة أن مدّتها تقصر فلا تؤدي إلى الضرر بالزوج بخلاف الحج، فإذا قلنا: له منعها، فإن أحرمت بإذنه صح، وليس له أن يحلّلها، وإن أحرمت بغير إذنه، هل له أن يحلّلها؟
قال في "المناسك الكبير": فيه قولان:
أحدهما: له أن يحلّلها كما كان له منعها في الابتداء.
والثاني: ليس له تحليلها، لأن الفرض قد ضيق عليها الشروع فيها، وفي الابتداء لم يكن مضيقاً، وحق الزوج مضيق، فقدمناه كما لو كان عليها صوم القضاء والكفار، كان للزوج منعها منه [638 /أ].
قال القاضي الطبري: وعندي أنه لا يجوز له أن يمنعها من قضا، الصوم في آخر السنة، لأنه لا يجوز له إخراجه إلى السنة الثانية، ولهذا أوجبنا الفدية فيه وجعلناها مشرطة به.
فَزعٌ أخرُ
إذا أرادت حج التطوع له منعها منه قبل الإحرام، فإن أحرمت به، قال الشافعي - رضي الله عنه -: إذا أحرمت بالغرض، فمن قال: لا يحلّلها منه لزمه عندي أن يقول: إذا أحرمت بحج النفل بغير إذنه ليس له أن يحلّلها منه.
فمن أصحابنا من قال: هذا قول آخر في النفل أنه ليس له تحليلها، ففي النفل قولان أيضًا، لأن التطوع يلزم بالدخول فيكون كالفرض، ومن أصحابنا من قال وهو الصحيح.
ذكر هذا على طريق التشنيع، لأنه ذكر مع حجة التطوع صوم التطوع والاعتكاف، فعلى هذا له تحليلها منه قولاً واحداً، وهذا لأن في الفرض غرضاً صحيحاً، وهو إسقاط الفرض عن ذمتها بخلاف التطوع.
فَزعٌ أخرُ
الأمة إذا أحرمت بالتطوع يحلّلها سيدها قولاً واحدًا لأن الأمة ليست من أهل فرض الحج بحال، فإذا أحرمت لم يلتحق نفلها بالفرض بخلاف الحرة.
قال القفال: فعلى هذا يجب إذا كانت زوجته أمة، فأحرمت، فللزوج أن يحلّلها قولاً واحدًا، ومن أصحابنا من فرق بين السيد والزوج بأن أوقات الأمة وأكسابها لسيدها بخلاف الزوجة، فعلى هذا الزوجة الحرة والزوجة الأمة سواء إذا أحرمتا بالتطوع.
فَزعٌ أخرُ
الأمة المزوجة إذا أرادت الحج تحتاج إلى إذن سيدها وزوجها، فإن أذن أحدهما كان للأخر منعها منه.
وروى ابن سماعة عن محمد أنه إذا أذن السيد جاز لها ذلك، وإن لم يأذن الزوج لأن السفر حق للسيد، [238/ب] ولهذا يجوز له أن يسافر بها، وهذا غلط، لأن فيه تعطيل منفعتها على الزوج لا لمنفعة السيد، فلم يكن لها ذلك،
ويفارق مسافرة السيد بها، لأن به حاجة إلى ذلك.
فَزعٌ أخرُ
إذا أذن السيد لعبده في الحج، ثم باعه بعد الإحرام لم يكن للمشتري أن يحلّله.
وقال أبو يوسف له أن يحلّله مع قوله: لا يحلّله السيد إذا أذن له.
وقال محمد: لا يكره مع قوله: يكره للسيد أن يحلّل عبده، وهذا لأن المشتري لم يأذن في إحرامه، وهذا غلط، لأن عقد الإحرام بإذن من له الإذن، فلم يكن لمن يجدد ملكه الاعتراض عليه، كما لو أذن له في النكاح، فنكح لا يبطله عليه.
فَزعٌ أخرُ
إذا دخل وقت الصلاة على الزوجة ليس لزوجها منعها منها في الحال.
وفرق الشافعي - رضي الله عنه - بأن أمر الصلاة خفيف، لأنها تصلي أربع ركعات وترجع إليه والحجّ يطول ويمتد، فيؤدي ذلك إلى الإضرار بالزوج.
وقيل: لا غرض للزوج في منعها من الصلاة في أول الوقت، لأنه مندوب إلى تقديم الصلاة كما ندبت هي إليه، وليس كذلك الحج، لأنه لا حج عليه في حال هي تحج بغير إذنه، وهذا ضعيف، والفرق الأول أصخ.
فَزعٌ أخرُ
المعتدة الرجعية لو أحرمت بالحج فللزوج منعها من الخروج وليس له أن يحلّلها، فإن راجعها، فهل له أن يحلّلها؟ فيه قولان، وإن لم يراجعها حتى انقضت العدة، فإن فات الوقت تحللّت بعمل عمرة، وإن كانت عدتها عن وفاة منعت من مضي العدة، فإن انقضت العدة، وقد فات الوقت لزمها الدم والقضاء [239/أ].
فَزعٌ أخرُ
لو أحرمت المرأة بحجة التطوع ومعها محرم، فمات المحرم كان لها إتمام التطوع مع فقد المحرم.
فَزعٌ أخرُ
إذا أحصرت المرأة في حجية التطوع فطلقها زوجها، فاعتدت ففاتها الحج، هل يلزمها القضا،؟ قولان:
أحدهما: يلزم كمن أخطأ في عدد الأيام.
والثاني: لا يلزم، لأنه لا تقصير منها بخلاف الغالط، لأنه لا يخلو عن تقصير.
فَزعٌ أخرُ
إذا أراد الرجل أن يحجّ، فهل لأبويه أو لأحدهما منعه؟ ينظر فيه، فإن أراد أن يحرم بحجة الفرض، فليس لهما منعه، لأن المقام عند الأبوين مستحب مندوب إليه، فتقديم الفرض أولى، وإن أراد أن يحج حجة التطوع فلهما منعه، فإن أحرم، فهل لهما تحليله منه؟ فيه قولان:
أحدهما: لهما ذلك أشار إليه في "الإملاء"، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يجاهد، فقال: "لك أبوان"؟، فقال: نعم، فقال: "ارجع ففيهما فجاهد" فلما منع من الجهاد مع أنه فرض على الكفاية فلان يمنع من حجة التطوع أولى.
والقول الثاني: نص عليه في "الأم" ليس لهما المنع، لأنه صار لازماً بالشرع، في شبه حج الفرض.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: حكم الولد مع الأبوين في الفرض كحكم الزوج مع الزوجة، وهذا غلط، لأن حق الزوج مستحق مضيق بخلاف حق الأبوين.
فَزعٌ أخرُ
لو أذن له أحدهما، فإن كان الأب الآذن والمانع الأم مضى في حجه، وإن كان المانع الأب له منعه ذكره في "الحاوي"،وهذا مشكل عندي، فإذا تقرر هذا، فكل موضع قلنا: للزوج أو للسيد أو للأب المنع والتحلّل فحكمه حكم المحصر بالعدو، وقد ذكرنا حكمه، ثم اعلم أنه قال في "المختصر": وللسيد [239/ب] والزوج منعهما بالتحليل، وهما في معنى العدو في الإحصار، وفي أكثر من معناه لهما منعهما وليس ذلك للعدو ومخالفون للعدو في أنهما غير خائفين خوفه أي غير خائفين من الزوج والسيد كخوف العدو، فكأنه أشار بهذا إلى القول الآخر في أنه ليس لهما التحلّل، لأن حصرهما خاص.
ذكره بعض أصحابنا بخراسان: وقيل: هذا بيان بعد الجمع والترجيح لنوع من المخالفة بين الحصرين، فقال: العبد والزوجة غير خائفين خوف المحصر بالعدو، وكذلك القياس، فإن الفرع والأمل لا يجتمعان في جميع معانيهما وأنهما يجتمعان مرة ويفترقان أخرى.
باب الأيام المعلومات والمعدودات
مَسْأَلٌة: قال: والأيام المعلومات العشر.
اعلم أن القصد بهذا الباب أن الله تبارك وتعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعلومات، والأيام المعدودات، فقال في سورة البقرة: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:203] الآية.
فقصد الشافعي - رضي الله عنه - أن يبين المعلومات من المعدودات، فالمعلومات العشر آخرها يوم النحر، وهي العشر الأول من ذي الحجة.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس في رواية.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة في رواية مثل قولنا، وفي الرواية الثانية، عنه: المعلومات ثلاثة أيام: يوم عرفة ويوم النحر ويومان بعده ويوم الفطر.
وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما: أنها أربعة أيام: يوم عرفة ويوم النحر ويومان بعده، وأما المعدودات، [240/أ] فثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وعندنا تجوز التضحية فيها، وعند أبي حنيفة: لا يجوز التضحية في اليوم
الثالث، واحتج الشافعي - رضي الله عنه - بأن الله تعالى سمى المعدودات والمعلومات باسمين مختلفين، فلا يقعان على أيام واحدة، لأنه لا خلاف أن يوم النحر من المعلومات، واليوم الثالث من أيام التشريق من المعدودات دون المعلومات، فوجب أن تكون كل أيام منها غير الأخرى، ولا يدخل بعض إحداهما من الأخرى كما أن اسم كل أيام غير الأخر، ثم ألزم نفه سؤالا فقال: فإن قيل: لو كانت المعلومات العشر لكان النحر في جميعها جائز، وأراد به أن الله تعالى حيث ذكر الأيام المعلومات جعلها وقتاً لذبح الأضحية والذبح، فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:28]، أي: يذبحوها، يقال: فلان ذكر اسم الله تعالى على شاته، أي: ذبحها، فلما لم يجز النحر في جميعها بطل أن تكون المعلومات فيها، ثم أجاب، فقال: يقال لهذا المعرض.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (15) وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا (16)﴾ [نوح: 15 - 16] وليس القمر في جميعها، وإنما هو في واحدها أفيبطل أن يكون القمر فيهن نوراً كما قال الله تعالى؟ ولا يبطل ذلك، لأن القمر وإن كان في سماء واحدة، فهذه السماء من جملة السماوات السبع، فلذلك صح إضافة القمر إليهن أنه فيهن كذلك ذبح الأضحية، وإن كان في يوم واحد من المعلومات.
وهذا اخرها صح أن يضاف ذلك إليها كلها.
وروي عن مالك أنه قال: المعلومات: ثلاثة أيام، أولها يوم النحر.
[240/ب] والمعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وهذا السؤال سؤال مالك في الحقيقة.
وقال العنصري من أصحابنا: الذكر يقع في كلها في يوم النحر عند الذبح وقبلها عند سوق الهدي.
وقال بعض: أضاف إليها شهود المنافع والذكر معاً، فقال ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج:28]، فشهود المنافع التجارات قبل النحر والذكر يوم النحر، وقال أبو حامد: معناه الذبح في كلها يوم النحر الأضحية وقيل ذلك دماء الحج غير التطوح، والله أعلم.
باب نذر الهدي
مَسْأَلٌة: قالَ: والهدي من الإبل والبقر والغنم.
الفضل
اعلم أن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم تقرباً من النعم وغيرها من الأموال، إلا أنه عند الإطلاق اسم للنعم فمن نذر لله هدياً، وسمى شيئاً سوى النعم يلزمه أن يهدي ما سمي، وإن أطلقه في نذره، ففيه قولان:
أحدهما: قاله في "الجديد": يجب عليه أقل ما يجوز في الأضحية من النعم، وهو الثنية من الإبل والبقر والمعز أو الجذعة من الضأن، وهو الصحيح.
وبه قال أحمد
ويحكيه أصحابنا عن أبي حنيفة ووجه هذا أن مطلق النذر يحمل على معهود ا~ع والهدي في الشرع من النعم كما قلنا في الصلاة والصوم.
والثاني: قاله في "القديم"، و"كتاب المنذور": يجوز ما يقع عليه الاسم، وإن كانت زبيبة أو تمرة، لأن اسم الهدي يقع على ذلك كله شرعاً ولغةً.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خبر الجمعة "ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة"، فإذا قلنا بالقول الأول يجزئه الذكر والأنثى، لأن المقصود منه اللحم، ولهذا يجب ذبحه، ولا يجوز إيصاله إلى الفقراء قبل الذبح " [24/أ].
وعلى هذا القول لا يجوز ذبحه وتفريقه إلا في الحرم.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه كان يكره الذكر من الإبل فيه، ويرى أن يهدي الأنثى منها.
وهذا لا يصح لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى عام الحديبية مائة بدنة فيها جمل كان لأبي جهل في أنفه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين.
والجمل: الذكر والبرة: حلقة يجعل في أنف البعير ومغايظة المشركين أنه كان ذلك الجمل معروفاً بأبي جهل، فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم - في سلبه، فكان يغيظهم أن يروه في يده وصاحبه قتيل سليب، وإذا قلنا بالقول الثاني، فالأصح أنه لا يجوز إلا في الجرم لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:95]، فجعل الشرط في الهدي إبلاغه الحرم، ومن أصحابنا من قال: يجوز في غير الحرم، كما لو نذر أن يتصدق بشيء جاز في كل موضع، ولأنه لما لم يحمل على معهود الشرع في المقدار لم يحمل عليه في المكان والمصرف.
ثم اعلم أن النذر على ضربين نذر لجاج وغضب ونذر تبرر، فأمّا نذر اللجاج والغضب، فهو ما قصد به الإلزام أو المنع مثل أن يقول: أن كلمت فلاناً، فعلي كذا أو أن لم أكلم فلاناً، فعلي كذا، فإذا وجد الخلاف فهو مخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بذلك على ظاهر المذهب.
وأما نذر التبرر فضربان: فرب علقه بجزاء مثل إسداء نعمه أو دفع نقمة، فإذا وجد شرطه لزمه الوفاء به.
وضرب، يكون مطلقاً مثل أن يقول ابتدأ: لله علي أن أهدي وأتصدق، فالمذهب أنه يلزمه الوفاء.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الوفاء به.
وقيل: وجهان.
والصحيح ما ذكرنا فإذا قلنا: يلزم الوفاء يلزم [24/ ب] ما عين، وإن أطلق، وقال: فلله علي هدي، فالحكم ما ذكرنا، فإذا ثبت هذا فالهدي بأعلى وأدنى، فالأعلى البدنة والبقرة والأدنى شاة أو سُبعُ بدَنَه أو سبع بقرة، فمن وجب عليه هدي، فهو مخير بين أن يهدي الأعلى وبين أن يهدي الأدنى، فإن أهدى الأدنى فكله واجب، لا يجوز أكل شيء منه، وإن أخرج الأعلى فهل يكون كله واجباً، أو سبعه واجباً؟ وجهان:
أحدهما: الكل واجب ولا يجوز أكل شيء منه كما قلنا في كفّارة اليمين، يتخّير بين العتق والإطعام وأيهما أخرج كان كله واجباً.
والثاني: سبعه واجب والباقي تطوع لأنه أقيم مقام سبع من الغنم، ويفارق العتق في
الكفارة، لأنه لا يتبعّض ولا يجوز الاختصار فيها، على بعض الرقبة بخلاف هذا.
وهذا أظهر فعلى هذا يجوز أكل الزيادة، ثم قال: وليس له أن ينحر دون الحرم.
وقد ذكرنا موضع نحر الهدي، وتفرقة اللحم، ولو عين بكذا في النذر يذبح ويفرق في تلك البلدة.
مَسْأَلٌة: قال: وإن كان الهدي بدنة أو بقرة قلّدها نعلين.
الفصل
إذا نذر هدياً لا يخلو إما أن يكون إبلاً أو بقراً أو غنماً، فإن كان إبلاً أو بقراً، فالسنة أن يقلدها ويشعرها والتقليد: أن يقلدها ويعلق في عنقها والإشعار: أن يضرب شقها الأيمن من موضع السنام بحديده حتى يدميها، وهي مستقبلة القبلة، فيرى على جانبها، فيعلم أنه هدي وإن قرن بين اثنين أشعر أحدهما من الأيمن والآخر من الأيسر ليشاهد كل واحد منهما.
وبه قال أحمد ومحمد وقال مالك وأبو يوسف وابن أبي ليلى: يشعرها من الجانب الأيسر.
وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[242/أ] وقال مالك في البقر: أن كان لها سنام يستحبّ الإشعار وإلا فلا.
وقال أبو حنيفة وحده: الإشعار بدعة والتقليد منة.
واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن تعذيب الحيوان"، وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سلت الدم عنها، وقلدها نعلين، ثم أتى براحلته، فلما قعد عليها واستوت به على البيداء أهل بالحج".
وهذا نص صريح.
وقوله: سلت الدم أي: أماطه وأصل السلت القطع، وقيل: ذلله على الموضع الذي خرج منه وقوله: استوت على البيداء، أي: علت فوق البيداء وأما الخبر الذي ذكر قلنا: التعذيب ما كان يفعلونه من قطع أسنمة الإبل واليات الشاءة، وسبيل الإشعار سبيل ما أبيح من الكيّ والتوديج والتبريغ والميسم.
وفي هذا فوائد، منها: أنها إذا تغيرت أو اختلطت بغيرها أو ضلت استدل بها عليها، وميزت من غيره.
ومنها: أنه ربما يقصدها سارق، فإذا رأى عليها علامة الهدي ربما يرتدع فيتركها.
ومنها: أنها ربما تعطب، فتنحر وتترك في موضعها، فإذا رأى المساكين تلك العلامة يعرفونها.
ومنها: أنه إذا رآها المساكين اقتفوا أثرها إلى المنحر، واحتجّ مالك بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يشعر بدنه في جانب سنامها الأيسر.
قلنا: خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولى منه.
ثم روي عنه أنه كان يقرن بين هديين، ويشعر الجانب الذي ظهر من كل واحد منهما، وهو مذهبنا، وإن كانت غنماً، فالتقليد فيها مسنون [242/ب].
قال الشافعي - رضي الله عنه -: قلدها خرب القرب ولا يشعرها، وأراد بخرب القرب أطرافها وعراها، وإنما قلنا: لا يشعرها لأن على موضع الإشعار منها صوفاً يمنع من ظهور الإشعار عليها، ولأنها ضعيفة لا تحتمل الإشعار.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يسن تقليدها، وهذا غلط لما روي عن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى محنهما مقلدة".
وقال جابر: "كان في هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنم مقلدة"، ولأن التقليد سن في الإبل حتى أن ضلت تعرف بذلك.
وهذا في الغنم أولى، لأنها أقرب إلى النفور من الإبل، لأن الإبل تقاد بأزمتها، والغنم مجللة، ثم قال: وإن ترك التقليد والإشعار أجزأه لأنها هيئة مسنونة شرع لتمييز الهدي من غيره.
فرع
لا تأثير للتقليد في الإحرام، فإذا قلد الهدي لم يصر محرماً حتى ينوي الحج أو العمرة.
وبه قال عطاء، وروي عن ابن عباس أيضًا.
وقال الثوري وأحمد وإسحاق: إذا أراد الحج وقلد فقد وجب عليه، وهذا غلط، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهدي وأنا فتلت قلائدها بيدي من عهن كان عنانا ثم أصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الرجل من أهله"، ولأن هذا تجرد عن نية الإحرام، فلا يصير محرماً، كما لو اغتسل ولبس إزاراً أو رداء.
مَسْأَلٌة: قال: ويجوز أن يشترك [لسبعة] في البدنة الواحدة.
الفضل
يجوز أن يشترك السبعة في البدنة الواحدة والبقرة الواحدة سواء أرادوا قوبة واحدة أو قرباً مختلفة، أو أراد بعضهم الفدية، وبعضهم اللحم وسواء كانوا متطوعين أو مؤدين للواجب.
وقال مالك: إن كانوا متطوعين [243/أ] يجوز الاشتراك فيهما أن كانوا من بيتٍ واحدٍ، وإن كانوا من بيوت متفرقة لم يجز، وإن كانوا مؤدين للواجب لا يصحّ منهم الاشتراك.
وقال أبو حنيفة: إن كانوا متفرقين يصحّ الاشتراك اتفقت جهة قربهم أو اختلفت متطوعين أو مؤدين واجباً، وإن كان بعضهم يريد اللحم لا يصح الاشتراك، وهذا غلط لما روى أبو هريرة وعائشة رضي الله عنهما: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن".
وكان واجباً لأنهن كن متمتعات.
وقال جابر: "كنا نتمتع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يشرك السبعة في البدنة"، ولأن كل بدنة جاز أن ينفرد الواحد بإخراجها على جهة جاز أن يشترك السبعة في إخراجها على تلك الجهة كما لو كانوا متطوعين، واحتج مالك بما روي عن ابن رضي الله عنهما، قال: ما كنت أرى دماً يقضى عن أكثر من واحد.
قلنا: خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولى من ذلك.
واحتج أبو حنيفة بأن الدم الواحد لا يتبعض فإذا لم يكن بعضه قربة لا يكون شيء منه قربة.
قلنا: إذا جاز أن تجتمع فيه القربى المختلفة جاز أن تجتمع فيه القربة وغير القربة في السبح من الغنم.
وحكى أحمد وإسحاق أنهما قالا: لا يجوز اشتراك العشرة في البدنة الواحدة، ولا يجوز في البقرة إلا اشتراك السبعة، وهذا غلط، لما ذكرنا من
خبر جابر - رضي الله عنه - في حصر الحديبية، فإذا تقرر هذا فإن أرادوا القربة ذبحوها وسلموا إليهم مذبوحاً ليتصرفوا فيه.
ثم أن قلنا: القسمة إفراز حقّ لهم أن يقتسموها بينهم، فإن قلنا يبيع لم يجز ذلك فيبيع بعضهم من بعض بالدراهم مشاعاً، وإن أراد بعضهم القربة وبعضهم اللحم [24/ ب]، فإن المتقرب يسلم نصيبه إليهم، وأقلهم ثلاثة أنفى، فيقول لهم: فيها السبع وقد سلمته إليكم مشاعاً، ويقبضونه منهم، فإذا قبضوه سقط الغرض عنه، ثم أن أرادوا أن يقتسموا ويفرق كل واحد منهم نصيبه، فالحكم على ما ذكرنا.
قال صاحب "التلخيص ": إذا قلنا: القسمة بيع لا يجوز بيع بعضه ببعض كالرطب والعنب واللحم الرطب إلا في موضع واحد، وهو إذا اشتركوا في بدنة أو بقرة في هدي أو أضحية أو جزاء أو أي دم كان لله تعالى واجباً كان أو غير واجب يجوز أن يقتسموا للضرورة، لأنه لا مدخل للبيع فيها إذ لا يجوز بيع شيء من الهدي والأضحية.
قال: وكذلك إذا أواد بعضهم اللحم، وهذا لا يصح، لأنه يمكنهم بيعه ممن يريد اللحم ويقتسمون ثمنه.
وقال أبو حامد: الحيلة فيه أن يجزأ سبعة أجزاء ويقول كل واحد من الشركاء:
اتبعت حقكم من السبع بدرهم وبعتكم حقي بدرهم، فيحصل لكل واحد منهم السبع، ويكون ذلك بيع لحم وابتياعه بدرهم لا أنه بيع لحم بلحم.
وهذا بعد تسليم نصيبهم مشاعاً إلى المساكين ليكونوا شركا، لأصحاب اللحم، فيصح البيع حينئذٍ، فإن قبل ذلك، لا يصح البيع.
مَسْأَلٌة: قال: فإن كان الهدي ناقة فنتجت سيق معها فصيلها.
الهدايا على ثلاثة أضرب: هدي يسوق المحرم مع نفسه ولا يعين النذر فيه ولا نوى به التطوع، بل ساقه على أنه أن لزمه هدي أخرجها، وإن لم يلزمه أن شاء أخرجها تطوعاً، وإن شاء تركها، فهذه ملكه وله التصرف فيها كيف شاء بالبيع وغيره، وإن نتجت كان النتاج له كالأم، لأنها لم تصر بالسوق هدياً، وإن تلف تلف من ماله، ولا شيء عليه، وهدي عينه نذراً [244/أ].
فقال: لله علي أن أهدي هذه الشاة بعينها فقد زال ملكه بذلك، وصارت ملكاً لمساكين الحرم، ويجوز له التصرف فيها بوجه، وإن تلفت كان تلفها من مال المساكين، وان ولدت ولداً ساق معها ولدها، قال: فإن كان لا يقدر على المشي حمله على أمه، وإن حمل عليها من غير ضرورة، فأعجفها غرم قيمة ما نقصها، وهدي كان في ذمته واجباً بعينه في شاة بعينها، فتعين ذلك فيه، لأن ما كان ثابتأ في الذمة إذا عين في شي، تعين.
ألا ترى أنه لو كان في ذمته عتق فعينه في عبد تعين فيه؟ وليس له النظر فيه بوجه.
ثم ينظر فيه، فإن سلم دفعه إلى المساكين، وإن عاب عاد إلى ملكة، وعليه أن يذبح هدياً سليماً من العيب، لأنه إذا لم يجز عما في ذمته وجب أن يعود إلى ملكه.
وكذلك إذا تلف يجب عليه البدل.
والفصل بين هذا والذي قبله أن هناك لم يكن في ذقته شيء نقله إلى العين، بل نذر هدي شيء بعينه، فيتعلق به حق المساكين وحده، ولا يلزمه الضمان إذا تلف، وههنا في ذمته سليم، فإذا نقله إلى عين كان بشرط السلامة.
ومن أصحابنا من قال: لا يعود بالعيب إلى ملكه كما لو ضل فيخرج هذا المعيب والذي في ذمته أيضًا، وهذا ضعيف.
وبه قال أحمد، فإذا تقرر هذا فإن نتجت هذه، وعاد الأصل إلى ملكه بالعيب، هل يعود الفصيل إلى ملكه.
قال القاضي الطبري: يجب أن يعود الفصيل أيضًا إلى ملكه، ولا يلزمه ذبحه.
ومن أصحابنا من قال: ظاهر المذهب أنه يلزمه ذبحه ويكون للفقراء كما يقول في ولد [244/ب] المبيعة إذا ماتت أمها في يد البائع يبطل البيع فيها، ويبقى الولد للمشتري.
وكذلك لا يبطل التدبير في ولد المدبرة يتلف الأم، ومن أصحابنا من قال هل يتبعها الولد ههنا؟ وجهان:
أحدهما: يتبعها.
والثاني: لا يتبعها لأنه حدث في ملك المساكين ويكون للمهدي، لأن ملك المساكين لم يستقر عليها، ولهذا لو تلف أو غاب كان عليه البدل.
فَزعٌ أخرُ
إذا قلنا: يعود إلى ملكه بعدما غابت لا يجوز له التصرف فيها بالأكل والبيع والهبة وغيرها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز الأكل منها، وهل له أن يبيعها؟ وجهان:
أحدهما: له ذلك.
والثاني: لا يجوز البيع، لأنه كان قد تقرب به.
فَزعٌ أخرُ
لو غاب بعدما وصل إلى الحرم.
قال ابن الحداد في فروعه: أجزأه لأنه بلغ محله.
وقال سائر أصحابنا: لا يجزئه، وهو الصحيح، لأنه عاب قبل وموله إلى مستحقه كما لو غاب قبل ذلك، وما ذكره لا يصحّ، لأنه لم يسقط عنه الفرض بوصوله إلى الحرم، وعلى قول ابن الحداد لو مات أو سرق بعد وصوله إلى الحرم أجزأه أيضًا.
فَزعٌ أخرُ
لو ضل هذا الهدي وجب عليه إخراج ما في ذمته.
قال الشافعي: ويصير إلى أخر أيام التشريق، فإن لم يجد ذبح أخر مكانه، فإن وجده بعد ذلك ذبحه أيضًا، فمن أصحابنا من قال: يجب ذبحه، وبان بالوجود أن الواجب هذا، ويفارق هذا إذا غاب حيث قلنا: يعود إلى ملكه [245/أ]، لأن بالعيب خرج عن صفة الإجزاء وبالضلال لم يخرج عن حدّ الإجزاء، فلم يزل ملك الفقراء عنه، ولا يعود إلى ملكه، وعلى هذا قال
(القاضي) الطبري: لو وجده قبل تفرقة لحم البدل، لم يلزمه تفرقته، ويحتمل أن يقال: يجب تفرقته كما إذا لم يجد ما يتطهر به، فصلى ثم وجد الطهور يتطهر ويصلي أيضًا، وكلاهما واجبان.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب ذبحه بعدما ذبح البدل، وإنما ذكر الشافعي ذلك استحباباً.
والمذهب الأول لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها حجت فأهدت بدنتين فضلتا، فبعث ابن الزبير بهديتين إليها فنحرتهما.
ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدي، وروي: فاشترت مكانهما هديين فقلدتهما، ثم وجدت الأوليين، فنحرت أربعتهن، فكانت كلما حجت بعد ذلك أهدت أربعاً من البدن، وعلى هذا قال في "الحاوي": لو ضل الهدي سائقه المحرم ابتداء حتى خرجت أيام التشريق [فهل عليه مثله بدلاً أم لا؟ على قولين: أحدهما].
قال في "القديم ": عليه بدله، لأن ضلاله بتفريط من سائقه.
والثاني: لا يكون عليه بدله كما لو مات، وعلى هذا لو أبدله ثم وجده نحره.
فَزعٌ أخرُ
لو عين أفضل مما عليه مثل أن يعّين عن الشاة بدنة أو بقرة، ثم غاب، فعادت إلى ملكه، هل يجب عليه ما كان في ذمته أو مثل ما عين؟ وجهان:
أحدهما: مثل ما عين في ذمته أوجب الفضل بتعيينه.
والثاني: يجب ما كان في ذمته، وهو الصحيح، لأن التعيين بطل، فرجع إلى ما في ذمته.
ومن أصحابنا من قال: إن فرط يلزمه مثل الذي عين، لأن الفضل لزمه بالتعيين، وإن لم يفرط، ففيه وجهان على ما ذكرنا [245/ب].
وقال بعض أصحابنا: قال الشافعي في "الجدد": يجب ما كان في ذمته.
وقال في "القديم": أخرج وتصدق بالفضل وليس بشيء.
فَزعٌ أخرُ
هل له أن يشرب من لبن الهدي؟.
قال في "الأوسط ": ليس له أن يشرب من لبن الهدي إلا بعد ري فصيلها، وكذلك ليس له أن يسقي أحداً.
وقال في مواضع آخر: إن كان لبنها وفق حاجة الفصيل لم يشرب شيئاً، وإن فضل عنه، أو لم يكن لها فصيل أحببت أن يتصدق به على المساكين، فإن شربه جاز.
وقال القفال: هذا في التطوع، وفي الواجب هل يجوز شرب لبنها؟ وجهان، وهذا خلاف المنصوص، فإن قيل: إذا لم يجز له أن يأكل النتاج وجب أن لا يجوز له شرب اللبن، لأن كليهما بمائه.
قيل: الفرق أن اللبن يتخلف بخلاف الولد، ولأن تبقية اللبن في الضرع يضر بالهدي وحمله وحلبه إلى مكة لا يمكن، فأبيح له شربه.
وقد روي أن علي بن أبي طالب - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يسوق بدنة ومعها ولدها، فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر، فاذبحها وولدها.
فرعٌ أخرُ
لو شرب منه والولد يحتاج إليه، فهزل الولد فعليه ما نقصه الهزل.
فَزعٌ أخرُ
هل له أن يركبها؟ قال في "لأوسط": إذا ساق الهدي ليس له أن يركبه إلا من ضرورة، وإذا اضطر إليه ركبه ركوباً غير قادح، وله أن يحمل الرجل المعيي والمضطر على هديه، فإن استدام الركوب مع الاستغناء عنه، فعليه ما نقص الركوب.
والدليل على جواز الركوب [246/أ] قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِع إِلَى أَجَل مُسَمًّى﴾ [الحج: 33]، وسئل جابر - رضي الله عنه - عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً".وروي عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً".
وروى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يسوق بدنه، فقال: "اركبها"، فقال: إنها بدنة، فقال: "اركبها ويلك" في الثانية والثالثة.
وقال أحمل وإسحاق: له أن يركبها ولم يشرط الحاجة.
وقال مالك: لا بأس أن يركبها ركوباً غير قادح.
وقال أبو حنيفة: لا يركبها.
وبه قال الثوري، وهذا غلط، لأن المنافع تتلف، فكان له استيفاء ذلك، وإنما شرطنا الحاجة، لأنه ربما يبعضها، ولأن ملكه زال عنها إلى المساكين، ولا يجوز أن ينتفع بملك غيره إلا لضرورة.
وقال القفال: هل يجوز الركوب؟ فيه وجهان:
أصحهما: أن له الركوب قدر ما لا يضر سواء كانت ضرورة أو لا وهذا خلاف النص الذي ذكرنا.
فَزعٌ أخرُ
لا يجوز بيع الهدي المعين نذراً.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه ويشتري بثمنه غيره، ويهدي به، ويجوز له إبداله أيضًا، واحتج بأنه لم يزل ملكه عنه، لأنه لو زال ملكه عنه لما جاز نحره، لأنه لا ينحر ما لا يملكه، وهذا غلط لما روى ابن عمر عن عمر - صلى الله عليه وسلم - أتي النبي - رضي الله عنه -: يا رسول الله أهديت بختياً فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأبتاع بثمنها بدناً فأنحرها؟ فقال: "لا" لكن انحرها إياها"، ولأن هذا حق يتعلق بالرقبة يسري إلى الولد، فوجب أن يمنع [246/ب] البيع كالاستيلاد، وأما ما ذكره لا يصحّ، لأنه لا نسلم ما عينه بالذبح ويجب عليه ذلك.
فَزعٌ أخرُ
لو عاب هذا المعين بعد أن وصل إلى مكة فقد بلغ محله، وليس عليه غيره فيذبحه ويجزئه لما روى ابن الزبير - رضي الله عنه - أتى في هداياه بناقة عوراء، فقال: أن كان أصابها بعدما اشتريتموها فأمضوها وإن كان أصابها قبل أن تشتروها، فأبدلوها، ولأنه لو هلك جميعه لم يضمنه، فإذا نقص بعضه لم يضمنه، وهذا لأنه أماته عنده.
وقال في "الحاوي": هل عليه باله له إذا أعطب في الطريق؟ فيه وجهان مبنيان على الوجهين 0 هل يجوز الأكل منه؟ فإن قلنا: يجوز كان كالتطوع، فلا بدل عليه 0 وهذا أصحّ.
فَزعٌ أخرُ
لو عينه معيباً، فقال: لله علي أن أهدي بهذا.
قال ابن الحداد: يجب عليه ذبحه، ويفارق هذا إذا عينه عن الواجب في ذمته، ثم عاب لأنه لم يقصد التقرب بالمعيب.
فَزعٌ أخرُ
لو ساق هدياً تطوعاً فضل فلا شيء عليه وإن وجده بعد أيام ذهاب الحر فذبح لا يكون هدياً بل يكون شاة لحم، نصّ عليه.
مَسْأَلٌة: قال: تنحر الإبل قياماً معقولة وغير معقولة.
السنة في الإبل النحر لما روي في خبر جابر - رضي الله عنه -: فنحر البدنة عن سبعة.
والسنة في البقر والغنم الذبح لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح عمن اعتمر من نسائه بقوة، فإذ خالف السنة فنحر البقرة والغنم جاز ويكره وتفسير النحر قطع الحلقوم في أسفل العنق عند اللثة فيطعن حربة أو سكيناً في نقرة الحر، وهي الحفرة التي بين أمل العنق والصدر.
[247/أ] والذبح قطع الحلقوم أسفل مجامع اللحيين.
وهذا لأن النحر في الإبل أسرع لخروج روحه من الذبح لطول عنقه بخلاف البقرة والغنم، فإذا تقرر هذا، فالسنة أن ينحر الإبل قياماً معقولة يده اليسرى، فيقوم على رجليها وإحدى يديها.
وقال في "الأوسط": ينحرها غير معقولة، فإن أحب أن يعقل إحدى قوائمها فعل ما ذكرنا، وإن نحرها باركة أو مضطجعة جاز، وقال عطاء: السنة أن ينحرها باركة لئلا يترشش الدم على الناحر، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36] وقرأ الحسن: "صوافي" يعني قياماً على ثلاث قوائم، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:36] أي: سقطت من الحر فدل أنها تذبح قياماً حتى تسقط.
وروى جابر "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر بدنه قياماً معقولة يدها اليسرى"، وإن لم يمكنه النحر قياماً لصعوبتها وامتناعها نحرها باركةً، وروى أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى رجلاً ينحر بدنته باركة، فقال: انحرها قياماً سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -.
وروى أنس - رضي الله عنه - النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر سبع بدنات بيده قياماً.
وقال زياد: رأيت ابن عمر ينحر بدنته قائمة، ويقول: سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -.
فَزعٌ أخرُ
لوكان عليها موف ينظر، فإن كان الصلاح في تركه بأن يكون في الشتاء يحتاج إليه للتدفئة لم يجزه، لأنه ينتفع به الحيوان في دفع البرد وينتفع به المساكين عند الذبح، وإن كان الصلاح في جزه بأن يكون في الصيف، وقد بقي لوقت النحر مدة طويلة جزه، لأنه يترفه به الهدي، وينتفع به المساكين عند سمنه به [247/ب]
فرعٌ أخرُ
يستحب لمن قصد مكة حاجاً أو معتمراً أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام، وينحرها، ويفرق لحمها لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أهدى مائة بدنة" ويستحبّ أن يكون ما يهديه سميناً حسناً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 31]، قال ابن عباس في تفسيرها هو: الاستسمان والاستحسان والاستعظام.
فَزعٌ أخرُ
قال الشافعي - رضي الله عنه -: وأحب إلي أن يذبح النسيكة صاحبها أو يحضر الذبح، فإنه يرجى عند سفوح الدم المغفرة، ويستحب أن يلي تفرقة اللحم بنفسه، فإن وكل فيه جاز سواء وليها بنفسه أو استناب فيها، فعلى من ولي ذلك أن يفرقها وله أن يخلي بينها وبين المساكين.
وهذا لما روي عن عبد الله بن قرظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ويوم القر وقرب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، قال: لما وجبت جنوبها تكلم بكلمة خفية لم أفهمها.
قال: قلت ما قال؟ قال: من شاء اقتطع " فدل أنه خلى بينهم وبينها.
وقوله: يزدلفن أي: يقربن، يقال: زلف الشيء إذا قرب.
وقوله: وجبت جنوبها، أي: زهقت أنفسها، فسقطت على جنوبها.
وقوله: من شاء اقتطع يدلّ على جواز هبة المشاع، وقيل: يدلّ على جواز أخذ النثار في العرس، وأنه ليس من باب النهي بل هو من باب الإباحة، فإن قيل: عندكم النثار مكروه، فما الفرق؟ [248/أ]
قلنا: النثار لا يزيلّ ملك صاحبه فربما يأخذه من لا يحبه مصاحبه وههنا صار ملكاً للفقراء.
فَزعٌ أخرُ
إذا كان واجباً يلزمه أن يفرق لحمه وجلده.
وقال في "القديم": وجلالها ونعالها يعني الذي قلد بها البعير ويستحب هذا، لأنه من توابعها، ولا يعطي الجازر أجرته من لحمها، ولا من جلدها، لأن الأجرة على المهدي الموفي، فإن كان فقيراً أعطاه منه سوى الأجرة.
وهذا لما روي عن علي - رضي الله عنه -، قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقوم على بدنه وأقسم جلودها وجلالها، وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئاً، وقال: "نعطيه من عندنا".
وقال الحسن: لا بأس أن يعطي الجازر الجلد.
فَزعٌ أخرُ
لو ترك تفرقة اللحم حتى أنتن، قال في "مختصر الحج" أعاد يعني يضمنه بمثله، فيذبح هدياً آخر.
وقال في "القديم": عليه قيمته.
وقال أصحابنا: هذا هو المذهب، وقوله: أعاد، أراد إخراج القيمة، لأنه إتلاف لحم وبالذبح حصل المقصود، وهو كما
لو ضحى شاة، ثم أتلف رجل اللحم غرم القيمة، ولا يلزم المضحي أن يشتري بتلك القيمة شاة أخرى.
وقيل: يشتري بالقيمة لحماً ويتصدق به.
وقال أبو حنيفة: يسقط الفرض بالذبح ولا شيء عليه، وهذا غلط، لأن الذبح إنما يصير قربة بتفريق اللحم، وهو المقصود، فإذا لم يكن قربة يعيد.
مَسْأَلٌة: قال: فإن كان معتمراً نحره بعدما يطوف بالبيت.
الفضل
المعتمر أن لم يرد الحج بعدها لم يكن متمتعاً، ولا يلزمه الدم، ولكنه يستحب فينحر عند المروة، ولو ذبح في غيرها جاز، وإذا كان متمتعاً نحر بمنى، وقد تقام الكلام فيه.
مَسْأَلٌة: قال: وما كان منها تطوعاً أكل منها [248/ب].
الفضل
الهدايا على ثلاثة أضرب: واجب يتعلق بالإحرام وواجب يتعلق بالنذر وتطوع.
وهل يجوز الأكل منها؟ قد ذكرنا فيما قبل، وقيل ما وجب النذر أن كان على سبيل المجازاة لا يجوز الأكل منها، وإن كان مطلقاً غير معلق يجزئ.
وقلنا: ينعقد نذره، ففي جواز الأكل وجهان، وظاهر المذهب أنه يجوز الأكل والقياس لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز الأكل من الأضحية الواجبة، لأن لفظ الأضحية دليل على جواز الأكل ولا أصل لوجوبها شرعاً بخلاف الهدي ولو عين هدياً، هل يجوز الأكل؟ ينظر، فإن قال: جعلت هذا هدياً له أن يأكل ولو نذر مطلقاً، ثم عين هذا هل يأكل؟ وجهان:
أحدهما: لا يأكل، لأنه أفرغ ذمته بهذه العين.
والثاني: يأكل، ولو قال: لله علي أن أهدي شاة، هل له أكلها؟ وجهان:
أحدهما: لا لأنه لزمه بهذا النذر إراقة دم.
والثاني: له ذلك لأنه لم يجب في الأصل، ولو قال: لله علي أن أهدي بهذه الشاة بعينها، فيه طريقان:
أحدهما وجهان كما لو قال: لله علي أن أهدي شاة.
والثاني: هو كما لو قال: جعلت هذا هدياً، ولم يقل: لله علي فيجوز أكله، وكل موضع لا يجوز الأكل، فخالف وأكل ضمن، وما الذي يضمن فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يضمن قيمة اللحم الذي أكله كما لو أتلف أجنبي، لأنه أتلف على المساكين مالا مثل له [249 /أ].
والثاني: يجب عليه لحم مثله، لأنه أقرب وجميعه مضمون عليه بمثله حيواناً، فلذلك بعضه.
والثالث: يعتبر كم هو من الهدي، فإن كان نصفاً يلزمه النصف من الهدي الحي،