بحر المذهب للرويانيصفحات 243-282

التَّصْرِيح وَهُوَ تَعْرِيضُ الرَّجلِ لِلمَرْأَةِ بِمَا يَدُلُّهَا بِهِ عَلَى إِرَادَةِ خِطْبَتِهَا بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ وَتُجِيبُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَالقُرْآن كَالدَّلِيل إِذَا أَبَاحَ التَّعْرِيضَ وَالتَّعْريضُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ جَائِزٌ سِرًّا وَعَلَانِيَةً عَلَى أَنَّ السِّرَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ هُوَ الجِمَاعُ قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أَلَا زَعَمَتْ بِسْبَاسَةُ القَوْمِ أَنَّنِي كَبِرتْ وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي كذَبَتِ لَقَدْ أُصْبِي عَنْ المَرْءِ عِرْسَهُ وَأَمْنَعُ عِرْسِي أَنْ يُزَنَّ بِهَا الخَالِي قال في الحاوي: اعلم أن النساء ثلاث: خلية وذات زوج ومعتدة فإن الخلية التي لا زوج لها وهي في عدة فيجوز خطبتها بالتعريض والتصريح وأما ذات الزوج فلا يحل خطبتها بتعريض ولا تصريح وأما المعتدة فعلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون رجعية.
والثاني: أن تكون بائنًا لا تحل للزوج.
والثالث: أن تكون بائنًا تحل للزوج.
فأما الرجعية فلا يجوز لغير الزوج أن يخطبها تصريحًا ولا تعرضًا لأن أحكام الزوجية عليها جارية من وجوب النفقة ووقوع الطلاق والظهار منها, وإنما يتوارثان إن مات أحدهما, ويعتد عدة الوفاة إن مات الزوج ومتى أراد الزوج رجعتها في العدة كانت زوجته.
فصل وأما البائن لا تحل للزوج فالمطلقة ثلاثًا أو المتوفي عنها زوجها وإن لم يتوجه إلى الزوج بعد موته تحليل ولا تحريم, فإذا كان في عدة من وفاة زوج فحرام أن يصرح أحد بخطبتها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَه﴾ [البقرة: 235] يريد بالعزم على عقدة النكاح التصريح بالخطبة وبقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَه﴾ يريد انقضاء العدة ولأن في المرأة من غلبة الشهوة والرغبة في الأزواج ما ربما يبعثها على الإخبار بانقضاء العدة قبل أوانها.
وقولها في انقضاء العدة مقبول فتصير منكوحة في العدة فحظر الله تعالى التصريح بخطبتها حسمًا لهذا التوهم, فأما التعريض بخطبتها في العدة بما يخالف التصريح من القول المحتمل فجائز, قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235] يعني بما عرضتم من جميل القول أو كنتم في أنفسكم من عقد النكاح.
وروى عن أم سلمة أن النبي صَلَى الله عليه وسلم جاءها بعد موت أبي سلمة وهي تبكي وقد وضعت خدها على التراب حزنًا على أبي سلمة فقال النبي صَلَى الله عليه وسلم: "قولي إنا لله وإنا إليه راجعون, اللهم اغفر لي وله واعقبني منه وعوضني خيرًا منه" قالت أم سلمة: فقلت في نفسي من خير من أبي سلمة أول المهاجرين هجرة, وابن عم رسول الله صَلَى الله عليه وسلم, وابن عمي, فلما

تزوجني رسول الله صَلَى الله عليه وسلم علمت أنه خير منه.
فدَّلت الآية, والخبر على جواز التعريض بخطبة المعتدة من الوفاة, وأما المعتدة من الطلاق فثلاث فلا يجوز للزوج المطلق أن يخطبها بصريح ولا تعريض؛ لأنها لا تحل له بعد العدة فحرمت عليه الخطبة.
وأما غير المطلق فلا يجوز له أن يصرح بخطبتها, ويجوز أن يعرض لها لما روي أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص ثلاثًا فقال لها النبي صَلَى الله عليه وسلم وهي في العدة: "إذا أحللت فآذنيني" وروت أنه قال لها: "إذا حلت فلا تسبقيني بنفسك" فكان ذلك تعريضًا لها.
وفي معنى المطلقة ثلاثًا: الملاعنة, والمحرمة بمصاهرة أو رضاع, فإذا حل التعريض بخطبتها ففي كراهيته قولان: أحدهما: قال في كتاب "الأم": إنه مكروه؛ لأن الآية واردة في المتوفي عنها زوجها.
والثاني: أنه غير مكروه قاله في القديم "والإملاء".
قال الشافعي: لو قال قائل: أمرها في ذلك أخف من المتوفي عنها زوجها جاز ذلك لان هناك مطلق به يمنع من تزويجها قبل العدة.
فصل: وأما البائن التي تحل للزوج فهي المختلفة إذا كانت في عدتها يجوز للزوج أن يصرح بخطبتها لأنه يحل أن يتزوجها في عدتها فأما غير الزوج فلا يجوز أن يصرح بخطبتها وفي جواز تعريضه لها بالخطبة قولان: أحدهما: لا يجوز لإباحتها للمطلقة كالرجعية قال في كتاب البويطي.
والثاني: لا يجوز لأن الزوج لا يملك رجعتها كالمطلقة ثلاثًا قال في أكثر كتبه وفي معنى المختلعة الموطوءة بشبهة يجوز للوطء أن يصرح بخطبتها في العدة لأنها منه ويحل له نكاحها في العدة ولا يجوز لغيره أن يصرح بخطبتها وفي جواز تعريضه قولان: فصل: فإذا ثبت فرق ما بين التصريح والتعريض فالتصريح ما زال عنه الاحتمال وتحقق منه المقصود مثل قوله: أنا راغب في نكاحك وأريد أن أتزوجك أو يقول إذا قضيت عدتك فزوجيني بنفسك.
وأما التعريض: فهو الإشارة بالكلام المحتمل إلى ما ليس فيه ذكر مثل قوله: رب

رجل يرغب فيك أو أنني أرغب أو ما عليك إثم أو لعل الله أن يسوق إليك خيرًا أو لعل الله أن يحدث لك أمرًا فإذا أحللت فآذنيني إلى ما جرى مجرى ذلك وسواء أضاف ذلك إلى نفسه أو أطلق إذا لم يصرح باسم النكاح وكان محتمل أن يريده بكلامه أو يريد غيره وإذا حل للرجل أن يخطبها بالتصريح حل لها ان تجيبه على الخطبة بالتصريح وإذا حرم عليه أن يخطبها إلا بالتعريض دون التصريح حرم عليها أن تجيبه إلا بالتعريض دون التصريح ليكون جوابها مثل خطبته.
فصل: وإذا حل التعريض لها بالخطبة جاز سرًا أو جهرًا وقال داود وطائفة من أهل الظاهر: لا يجوز أن يعرض لها بالخطبة سرًا حتى يجهر استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235] وهذا خطأ لأن التعريض لما حل اقتضى أن يستوي فيه السر والجهر.
فأما قوله: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ ففيه لأهل التأويل أربعة أقاويل: أحدها: أنه الزنا قاله الحسن, والضحاك, وقتادة والسدي.
والثاني: ألا تنكحوهن في عددهن سراً, قاله عبد الرحمن بن يزيد.
والثالث: ألا تأخذوا ميثاقهن ووعودهن في عددهن أن لا ينكحن غيركم قال ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي.
والرابع: أنه الجماع قال الشافعي وسمى سرًا لأنه يسر ولا يظهر واستشهد الشافعي بقول أمرئ القيس: أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ القَوْمِ أَنَّنِي كَبِرتْ وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي كَذَبَتِ لَقَدْ أُصْبِي عَنْ المَرْءِ عِرْسَهُ وَأَمنَعُ عِرْسِي أَنْ يُزَنَّ بِهَا الخَالِي وقال آخر: وَيحْرٌمٌ سِرُّ جَارَتهُمُ عَلَيْهِمْ وَيَاكُلُ جَارُهُمْ أُنُفَ القِصَاعِ مواعدته لها بالسر الذي هو الجماع أن يقول لها: أنا كثير الجماع قوي الإتعاظ فحرم الله تعالى ذلك لفحشه وأنه ربما أثار الشهوة فلم يؤمن معه مواقعة الحرام وقد روى ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صَلَى الله عليه وسلم: "إنه نهى عن الشياع" يعني المفاخرة بالجماع.

فصل: فلو أن رجلًا صرح بخطبة معتدة وتزوجها بعد انقضاء العدة كان النكاح جائزًا وإن لم يصرح بالخطبة.
وقال مالك: يفرق بينهما بطلق ثم يستأنف العقد عليها وهذا خطأ؛ لأن ما قدمناه قبل العقد من قول محظور كالقذف أو فعل محظور كإظهار سوأته أو تجرده عن ثيابه لا يمنع من صحة العقد وإن أثم به كذلك التصريح بالخطبة والله اعلم بالصواب.

باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "أَخْبَرَنَا مَالِك بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِع عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا يَخْطُبُ أَحَدَكُمُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ" وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: "إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي" قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ أَخْبَرْتُهُ أَنَّ مُعَاوِيَة وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ: "أَمَّا مُعَاوِيَةَ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ انكِحِي أُسَامَةَ" فَدَلَّتْ خِطْبَتُهُ عَلَى خِطْبَتِهِمَا أَنَّهَا خِلَافُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِذَا كانَتْ قَدْ أَذِنَتْ فِيهِ فَكَانَ هَذَا فَسَادًا عَلَيْهِ وَفِي الفَسَادِ مَا يُشْبِهُ الِإضْرَارَ وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَفَاطِمَةُ لَمْ تَكُنْ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَذِنَتْ فِي أحدهما".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وقد روى ابن عمر أن النبي صَلَى الله عليه وسلم قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَى الله عليه وسلم: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" وهذان الحديثان صحيحان وليس النهي فيهما محمولًا على الظاهر من تغيير حال المخطوبة فإذا خطب الرجل نكاح امرأة لم يخل حالها من أربعة أقسام: القسم الأول: إما أن يأذن له في نكاحها فتحرم بعد إذنها على غيره من الرجال أن يخطبها لنهيه صَلَى الله عليه وسلم عنه حفظًا للألفة ومنعًا من الفساد وحسمًا للتقاطع وسواء كان الأول كفؤًا أو غير كفء.
وقال ابن الماجشون: إن كان الأول غير كفء لم تحرم على غيره من الأكفاء خطبتها بناء على صله في أن نكاح غير الكفؤ باطل وأن تراضى به الأهلون وقد تقدم الدليل على صحة نكاحه فإن رجع الأول عن خطبته أو رجع المرأة عن إجابته ارتفع حكم الإذن وعادت إلى الحال الأولى في إباحة خطبتها لحديث أبي هريرة أن رسول الله صَلَى الله عليه وسلم قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك".

والقسم الثاني: أن ترد خاطبها وتمنع من نكاحه فيجوز لغيره من الرجال أن يخطبها لأن المقصود بالنهي عن الخطبة رفع الضرر والمنع من التقاطع فلو حمل النهي على ظاهره فيمن لم تأذن له حل الضرر عليها.
والقسم الثالث: أن تمسك عن خطبتها فلا يكون منها إذن ولا رضا ولا يكون منها رد ولا كراهية فيجوز خطبتها وإن تقدم الأول بها لحديث فاطمة بنت قيس المخزومية أن زوجها أبا عمرو بن حفص بت طلاقها.
فقال النبي صَلَى الله عليه وسلم: إذا حللت فأذنيني فلما حلت جاءت إلى النبي صَلَى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد خطبني معاوية وأبو جهم فقال النبي صَلَى الله عليه وسلم: "أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه".
وروى عطاء عن عبد الرحمن بن عاصم عن فاطمة بنت قيس أن النبي صَلَى الله عليه وسلم قال لها: "أما أبو الجهم فأخاف عليك فسفاسته, وأما معاوية فرجل أخلق من المال" أما الفسفاسة: فهي العصا وأما الأخلق من المال فهو الخلو منه, انكحي أسامه بن زيد قالت: فكرهته ثم أطعت رسول الله صَلَى الله عليه وسلم فنكحته فرزقت منه خيرًا واغتبطت به فكان الدليل من الحديث من وجهين: أحدهما: أن أحد الرجلين قد خطبها بعد صاحبه فلم يذكر النبي صَلَى الله عليه وسلم تحريمه.
والثاني: أن النبي صَلَى الله عليه وسلم قد خطبها لأسامة بعد خطبتها فدل على أن الإمساك عن الإجابة لا يقتضي الخطبة.
والقسم الرابع: أن يظهر منها الرضا بالخاطب ولا تأذن في العقد وذلك بأن تقرر صداقها أو بشرط ما تريد من الشروط لنفسها ففي تحريم خطبتها قولان: أحدهما: وبه قال في القديم وهو مذهب مالك أنها تحرم خطبتها بالرضا استدلالًا بعموم النهي.
والثاني: وبه قال في الجديد انه لا تحرم خطبتها بالرضا حتى يصرح بالإذن لأن الأصل إباحة الخطبة ما لم تتحقق شروط الحظر فعلى هذا وإن اقترن برضاها أذن الولي فيه نظر فإن كانت ثيبًا لا تزوج إلا بصريح الإذن لم تحرم خطبتها وإن كانت بكرًا فيكون الرضا والسكوت منها إذنًا حرمت خطبتها برضاها وإذن وليها وهاهنا قسم خامس وهو أن يأذن وليها من غير أن يكون منها إذن أو رضي فإن كان هذا الولي ممن يزوج بغير إذن كالأب والجد مع البكر حرمت خطبتها بإذن الولي وإن كان ممن لا يزوج إلا بإذن لم تحرم خطبتها بإذن الولي حتى تكون هي الآذنة فيه.
فصل: فإن ثبت تحريم خطبتها على ما وصفنا من أحكام هذه الأقسام فأقدم رجل على

خطبتها مع تحريمه عليها وتزوجه فكان آثمًا بالخطبة والنكاح جائز وقال داود: النكاح باطل.
وقال مالك: يصح بطلقة استلالًا بأن النهي يقتضي فساد النهي عنه ولقول النبي صَلَى الله عليه وسلم: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" وبقوله صَلَى الله عليه وسلم: "من عمل ما ليس عليه أمرنا فهو رد".
والدليل على صحة النكاح هو أن ما تقدم من العقد غير معتبر فيه فلم يؤثر في فساده لأن النهي إذا كان لمعنى في غير المعقود عليه لم يمنع من الصحة كالنهي عن أن يسوم الرجل على سوم أخيه أو أن يبيع حاضر لبادٍ فأما الاستدلال بالخبرين فيقتضي روما توجه النهي إليه وهو الخطبة دون العقد.
فصل: فأما حديث فاطمة بنت قيس ففيه دلائل على أحكام منها ما ذكرناه من أن السكوت لا يقتضي تحريم الحظر.
ومنها جواز ذكر ما في الإنسان عند السؤال عنه لأن النبي صَلَى الله عليه وسلم قال في معاوية: "إنه صعلوك لا مال له" والتصعلك التحمل والاضطراب في الفقر.
قال الشاعر: غَنَيْنَا زَمَانًا بِالتَّصَعْلُكِ وَالغِنَى وَكُلًّا سَقَانَاهُ بِكَاسَيْهِمَا الدَّهْرُ فَمَا زَادَ بَغْيًا على ذِي قَرَابَةٍ غِنَا وَلَا أَزْرَى بِأَحْسَابنَا الفَقْرُ وقال في أبي جهم: "لا يضع عصاه عن عاتقه" وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه أراد به كثرة ضربه لأهله.
والثاني: أنه أراد به كثرة أسفاره يقال لمن سافر: قد أخذ عصاه ولمن أقام قد التقى عصاه, قال الشاعر: فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالِإيَابِ المسَافِرُ والثالث: أنه أراد به كثرة تزويجه لتنقله من زوجة إلى أخي كتنقل المسافر بالعصي من مدينة إلى أخرى ومن دلائل الخبر أيضًا جواز الابتداء بالمشورة من غير استشارة فإن النبي صَلَى الله عليه وسلم أشار بأسامة من غير أن تسأله عنه.
ومنها أن طلاق الثلاث مباح لأن النبي صَلَى الله عليه وسلم ما أنكره في فاطمة حين أخبرته ومنها جواز خروج المعتدة في زمان عدتها لحاجة لأنها خرجت إليه فأخبرته بطلاقها فقال لها: "إذا حللت فآذنيني" ومنها جواز كلام المرأة وإن اعتدت وإن كلامها ليس بعورة.

ومنها جواز نكاح غير كفء لأنها في صميم قريش من بني مخزوم وأمرها أن تتزوج أسامه وهو مولى إلى غير ذلك من سقوط نفقة المبتوتة ووجوب نفقة الرجعية على ما سنذكره والله ولي التوفيق.

باب نكاح المشرك ومن أسلم وعنده أكثر من أربع

قَالَ الشَّافِعيُّ: "أَخْبَرَنا الثِّقَةُ أَحْسَبُهُ إِسْمَاعِيل بْنِ إِبْراهِيمَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَسْلَمُ غَيْلانُ بْن سَلَمَةَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَى الله عليه وسلم: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَى الله عليه وسلم قَالَ لِرَجُل يُقَالُ لَهُ الدَّيْلَمِي أَوْ ابْنُ الدَّيْلَمِي: أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ: "اخْتَرْ أَيَّتُهُمَا شِئْتَ وَفَارِق الأُخْرَى" وَقَالَ لِنُوْفَلِ بْن مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ خَمْسٌ: "فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا" قَالَ: فَعَمِدتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ فَفَارَقْتُهَا, قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَبِهَذَا أَقُولُ وَلَا أُبَالِي أَكُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَة أَوْ فِي عُقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ إِذَا كَانَ مَنْ يُمْسِكُ مِنْهُنّ يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئ نِكَاحَهَا فِيِ الإِسْلَام مَا لَمْ تَنْقَضِ العِدَّةُ قَبْلَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِمَا لَأنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَحَكِيمَ بْنَ حِزَام أَسْلَمَا قَبْلُ ثُمَّ أَسْلَمَتِ امْرَأَتَاهُمَا فَاسْتَقَرَّتْ كُلُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِنْدَ زَوَجِهَا بِالِّنكَاحِ الأَوَّلِ وَأَسْلَمَتِ امْرَأَةُ صَفْوَانَ وَامْرَأَةُ عِكْرِمَةَ ثُّم أَسْلَمَا فَاسْتَقَرَّتَا بِالنِكَاحِ الأَوَّلِ وَذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: الأصل تحريم التناكح بين المسلمين والمشركين قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] وقال النبي صَلَى الله عليه وسلم: "أنا برئ من كل مسلم مع مشرك" وإذا كان كذلك المسلمة لا تحل لكافر بحال سواء كان الكافر كتابيًا أو وثَنِيًا فأما المسلم فيحل له من الكفار الكتابيات من اليهود والنصارى على ما ذكرنا ويحرم عليه ما عداهن من المشركات.
فأما إذا تناكح المشركون في الشرك فلا اعتراض عليهم فيها فإن أسلموا عليها فمنصوص الشافعي في أكثر كتبه جواز مناكحهم وإقرارهم عليها بعد إسلامهم لأن النبي صَلَى الله عليه وسلم أقر من أسلم على نكاح زوجته.
وروى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: قال: رد رسول الله صَلَى الله عليه وسلم بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيء.
وقال الشافعي في كتبه: إن مناكحهم باطلة.
وقال في موضع آخر: إنها معفو عنها, فغلظ بعض أصحابنا فخرج اختلاف هذه النصوص الثلاثة على ثلاثة أقاويل الذي عليه جمهورهم أنه ليس ذلك لاختلاف أقاويله فيها ولكنه لاختلاف أحوال مناكحهم وهي على ثلاثة أقسام: صحيحة, وباطلة, ومعفو عنها.

فأما الصحيح منها فهو أن يتزوج الكافر الكافرة بولي وشاهدين بلفظ النكاح وليس بينهما نسب يوجب التحريم فهذا النكاح صحيح فإذا أسلموا عليه أقروا وهو الذي أراده الشافعي بالصحة.
فأما الباطل منها فهو أن يتزوج في الشرك بمن تحرم عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة فهذا النكاح باطل فإذا أسلموا عليه لم يقروا وكذلك لو نكحها بخيار مؤبد وهذا الذي أراده الشافعي بأنه باطل.
وأما المعفو عنه: فهو أن يتزوج من لا تحرم عليه بنسب ولا رضاع ولا مصاهرة بما يرونه نكاحًا من غير ولي ولا شهود ولا بلفظ نكاح ولا تزويج فهذا معفو عنه.
فإذا أسلموا قروا عليه لأن رسول الله صَلَى الله عليه وسلم لم يكشف عن مناكح من أسلم من المشركين وهو الذي أراده الشافعي بأنه معفو عنه والله أعلم.
فصل: فإذا تقرر جواز مناكحهم فلهم إذا حدث بينهم إسلام حالتان: أحدهما: أن يسلم الزوجان معًا.
والثانية: أن يسلم أحدهما فإن أسلم الزوجان معًا فإن يكن للزوج أكثر من أربع زوجات بأن كان له أربع فما دون وأسلمن كلهن معه في حالة واحدة ثبت نكاحهن كلهن سواء كان إسلامه وإسلامهن قبل الدخول أو بعده وإن كان له خمس زوجات فما زاد وقد أسلم جميعهن بإسلامه كان له أن يختار من جملتهن أربعًا سواء نكحهن جميعهن في الشرك في عقد واحد أو في عقود وسواء أمسك الأوائل والأواخر وينفسخ نكاح البواقي بغير طلاق وبمثل قولنا قال مالك ومحمد بن الحسن وأبو ثور إلا أن مالكًا قال: لا ينفسخ نكاح البواقي بعد الأربع إلا بطلاق وهكذا لو نكح في الشرك أختين ثم أسلمتا معًا أمسك أيتهما شاء وانفسخ نكاح الأخرى بغير طلاق عندنا وبطلاق عند مالك.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا اعتبار بخياره وإنما الاعتبار بعقده فإنه تزوج في الشرك عشرًا في عقد واحد ثم أسلمن معه بطل نكاح جميعهن فإن تزوجهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل وبطل نكاح من بعدهن من الأواخر اعتبارًا بنكاح المسلم وهكذا لو أنكح أختين أسلمتا معه نظر فإن كان من نكحهما في عقد واحد بطل نكاحهما وإن كان في عقدين ثبت نكاح الأولى منهما وبطل نكاح الثانية.
وقال الأوزاعي: إن نكحهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل وإن نكحهن في عقد واحد لم يبطل نكاحهن واختار منهن أربعًا واستدل أبي حنيفة بما روي أن النبي صَلَى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمين فقال له: "أدعهم إلى الشهادة أن لا إلاه إلا الله فإن أجابوك أعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ثم ثبت أن المسلم لو نكح خمسًا في عقد بطل نكاحهن ولو نكحهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل وبطل نكاح من بعدهن من الأواخر كذلك نكاح المشرك إذا أسلم.

قال: ولأنه تحريم جميع فوجب أن لا يثبت فيه خيار قياسًا على إسلام المرأة مع زوجين قال: ولأنه تحريم يستوي فيه الابتداء والاستدامة منه فوجب أن يستوي فيه المسلم والكافر قياسًا على تحريم ذوات المحارم.
قال: ولأنه عقد اشتمل على أكثر من أربع فوجب أن يكون باطلًا قياسًا على عقد المسلم.
ودليلنا ما رواه الشافعي في صدر الباب أن غيلان بن سلمة أسلم وأسلم معه عشر نسوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربع منهن" ولم يسأله عن عقودهن فدل على أنه قد رد ذلك إلى اختياره فيهن، بل قد روي أن غيلان بن سلمة قال: فكنت من أريدها أقول لها: اقبلي.
ومن لا أريدها أقول لها: أدبري وهي تقول: بالرحم بالرحم.
وهذا نص صريح في تمسكه بمن اختار لا بمن تقدم.
وروي عن نوفل بن معاوية أنه قال: أسلمت وعندي خمس نسوة فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أمسك أربعاً وفارق واحدة" قال: فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها فدل على جواز إمساك الأواخر دون الأوائل.
وروى الضحاك ابن فيروز الديلمي عن أبيه قال: أسلمت وتحتي أختان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى".
وهذا نص في التخيير.
وروي أن رجلًا من بني أسد أسلم وتحته ثمانية نسوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اختر منهن أربعًا" قال: فاخترت منهن أربعًا.
وكل هذه الأخبار نصوص في التخيير.
ومن طريق القياس: أن كل امرأة حل له ابتداء العقد عليها في الإسلام حل له المقام عليها في الإسلام بالعقد الناجز في الشرك قياسًا على النكاح بعد الشهود.
وقولنا بعقد ناجز: احترازًا من نكاحها في الشرك بخيار مؤبد ولأنه عدد يجوز له ابتداء العقد عليهن فجاز له إمساكهن كالأوائل.
ومن الاستدلال أنه لو تزوج في الشرك أختين واحدة بعد الأخرى ثم ماتت الأولى وأسلمت معه الثانية جاز له استبدالها فكذلك إذا كانت الأولى باقية ولأنه لما جاز أن يستديم المقام في الإسلام على عقد نكاح في الشرك لا يجوز أن يبتدئ مثله في الإسلام وهو أن يكون قد نكحها بغير شهود جاز مثله في جمع العدد وفي الأواخر.
فأما الجواب عن استدلالهم بالخبر فمن يقول بموجبه إننا نحرم عليه الزيادة على أربع كالذي لم يزل مسلمًا.

فأما قياسهم على المرأة إذا أسلمت مع زوجين تعليلًا بأن تحريم جمع فالتعليل غير مسلم لأنه لم يحرم على المرأة الزوج الثاني بعد الأول لأجل الجمع ولكن لأن الأول قد ملك بضعها فصارت عاقدة مع الثاني على ما قد ملكه الأول عليها فجرى مجرى من باع ملكًا ثم باعه من آخر بطل البيع الثاني لأجل الجمع ولكن يعقده على ما قد خرج عن ملكه كذلك نكاح الزواج الثاني وخالف نكاح الخامسة لأنها غير مملوكة البضع كالرابعة.
وأما قياسهم على ذوات المحارم فالمعنى فيهن: أنه لما حرام ابتداء العقد عليهن حرم استدامة نكاحهن وليس الأواخر.
وأما قياسهم على المسلم فالمعنى فيه أن عقود المسلم أضيق حكمًا وأغلظ شرطًا من عقود المشرك ألا تراه لو نكح في عدة أو بغير شهود بطل ولو أسلم المشرك عليه أقر كذلك الأواخر.
فصل فأما الحال الثانية: وهو أن يسلم أحد الزوجين فينظر فإن أسلم الزوج وزوجته كتابية فالنكاح بحاله لأنه يجوز أن يبتدئ نكاحها في الإسلام فجاز أن يستديم نكاحها في الشرك وإن كانت زوجته أو أسلمت وكان زوجها كتابيًا أو وثنيًا فكل ذلك سواء لأن الجمع بينهما بعد إسلام أحدهما محرم وإذا كان كذلك نظر في إسلام أحدهما فإن كان قبل الدخول بطل النكاح وإن كان بعده كان موقوفًا على انقضاء العدة فإن أسلمتا المتأخر في الشرك منهما قبل انقضائها كانا على النكاح وإن لم يسلم حتى انقضت بطل النكاح وسواء تقدم بالإسلام الزوج أو الزوجة وسواء كان الإسلام في دار الحرب أو دار الإسلام.
وقال مالك: إن تقدمت الزوجة بالإسلام كان الحكم على ما ذكرناه إن كان قبل الدخول بطل النكاح وإن كان بعده على انقضاء العدة وإن تقدم الزوج بالإسلام كان النكاح باطلًا إلا أن تسلم الزوجة بعده بزمان يسير كيوم أو يومين.
وقال أبو حنيفة: إن أسلم أحدهما فلهما ثلاثة أحوال: حال يكونان في دار الحرب وحال يكونان في دار الإسلام وحال يكون أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام.
فإن كانا في دار الحرب فأسلم أحدهما فالنكاح موقوف على انقضاء العدة سواء كانت قبل الدخول أو بعده.
وإن كانا في دار الإسلام فأسلم أحدهما كان النكاح موقوفًا على الأبد قبل الدخول وبعده إلا أن يعرض الإسلام على المتأخر في الشرك فيمتنع فيوقع الحاكم الفرقة بطلقة وإن كان أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام فإسلام من حصل في ذلك الإسلام يوجب لفسخ النكاح في الحال قبل الدخول وبعده من غير وقف وسواء كان المسلم هو الزوج أو الزوجة.
وقال داود وأبو ثور: إسلام أحدهما دوم الآخر موجب لفسخ النكاح في الحال من

غير وقف على أي حال كان إسلامه وفي أي مكان كان.
فأما مالك فاستدل لمذهبه بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] فوجب أن يحرم على المسلم التمسك بعصمة كافر ولأن إسلام أحد الزوجين إذا كان مؤثرًا في الفرقة كان معتبرًا بإسلام الزوج دون الزوجة لأن الفرقة إلى الرجل دون النساء.
والدليل عليه ما روي أن أبا سفيان وحكيم بن حزام أسلما على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرّ الظهران وزوجناهما في الشرك بمكة فأنقذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا هريرة إلى هند زوجة أبي سفيان فقرأ عليهما القرآن وعرض عليها الإسلام فأبت ثم أسلمت وزوجة حكيم أسلمت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقرهما على النكاح مع تقدم إسلام الزوجين ولأن حظر المسلمة على الكافر أغلظ من حظر الكافرة على المسلم لأن المسلمة لا تحل للكتابي والمسلم تحل له الكتابية فلما لم يتعجل فسخ نكاح المسلمة مع الكافر فأولى أن لا يتعجل فسخ نكاح الكافر مع المسلمة.
فأما الآية فلا دليل فيها لأنه ممنوع أن يتمسك بعصمتها في الكفر وإنما تمسك بعصمتها بعد الإسلام.
وأما استدلاله بأن الفرقة إلى الزوج دون الزوجة فذاك في فرقة الاختيار التي يوقعها المالك والطلاق فأما فرقة الفسوخ فيستوي فيها الزوجان.
فصل: فأما أبو حنيفة فاستدل على وقوع الفرقة باختلاف الدارين من غير توقف بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] فاقتضى أن تحرم عليه بالإسلام سواء أسلم بعدها أو لم يسلم وبرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجرت إليه وتخلف زوجها أبو العاص بن ربيع كافرًا بمكة، ثم أسلم فردها عليه بنكاح جديد، فدل على وقوع الفرقة.
قال: ولأن اختلاف الدار بهما حكمًا وفعلًا يوجب الفرقة بينهما قياسًا على سبي أحدهما واسترقاقه.
قال: ولأن دار الحرب غلبة وقهر، لأن من غلب فيها على شيء ملكه ألا ترى لو غلب العبد سيده على نفسه صار العبد حرًا وصار السيد عبدًا ولو غلبت المرأة زوجها على نفسه بطل نكاحها وصار الزوج لها عبدًا فاقتضى أن تصير الزوجة بإسلامها إذا هاجرت من دار الحرب متغلبة على نفسها فوجب أن يبطل نكاحها.
والدليل على أن اختلاف الدارين لا يوجب وقوع الفرقة بإسلام أحد الزوجين ما روي أن أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام أسلما بمرّ الظهران وهي بحلول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها واستيلائه عليها دار إسلام وزوجناهما على الشرك بمكة وهي إذ ذاك دار

الحرب ثم أسلمتا بعد الفتح فأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على النكاح.
فإن قيل: مرّ الظهران من سواد مكة وتابعة لها في الحكم فلم يكن إسلامها إلا في دار واحدة، ففيه جوابان: أحدهما: أن مرّ الظهران دار الخزاعة محازة عن حكم مكة لأن خزاعة كانت في حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت بنو بكر في حلف قريش ولنصرة النبي صلى الله عليه وسلم لخزاعة صار إلى قريش بمكة.
والثاني: أن مرّ الظهران لو كان من سواء مكة لجاز أن ينفرد عن حكمها باستيلاء الإسلام عليها كما لو فتح المسلمون سواد بلد من دار الحرب صار ذلك السواد دار إسلام.
وإن كان البلد دار الحرب ويدل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام الفتح هرب صفوان بن أمية إلى الطائف وهرب عكرمة بن أبي جهل إلى ساحل البحر مشركين فأسلمت زوجاتهما بمكة وكانت زوجة صفوان برزة بنت مسعود بن عمرو الثقفي وزوجة عكرمة أم عكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة وأخذتا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانًا لهما فدخل صفوان من الطائف بالأمان وأقام على شركة حتى شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا وأعار سلاحًا ثم أسلم وعاد عكرمة من ساحل البحر وقد عزم على ركوبه هربًا فأسلم فأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجتيهما مع اختلاف الدارين بهما؛ لأن مكة كانت قد صارت بالفتح دار إسلام وكانت الطائف والساحل دار الحرب.
فإن قيل: هما من سواء مكة وفي حكمها.
فالجواب عنه بما مضى، ومن القياس: أنه إسلام بعد الإصابة فوجب إذا اجتمعا عليه في العدة أن لا تقع به الفرقة قياسًا على اجتماع إسلامها في دار الحرب ولأن ما كانت البينونة بعد منتظرة لم يؤثر فيه اختلاف الدارين كالطلاق الرجعي وما كانت البينونة معجلة لم يؤثر فيه اتفاق الدارين كالطلاق الثلاث فوجب أن يكون الفرقة بالإسلام ملحقة بأحدهما.
فأما الجواب عن استدلالهم بالآية فنحن نقول بموجبها لأنها لا ترد المسلمة إلى كافر ولا تحلها له ولا تمسك بعصمة كافرة.
وإنما يردها إلى مسلم ويمسك بعصمة مسلمة وأما الجواب عن حديث زينب فمن وجهين: أحدهما: ما رواه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها عليه بالنكاح الأول.
والثاني: أنه يجوز أن استأنف لها نكاحًا لأنه أسلم بعد انقضاء العدة حين أسره أبو بصير الثقفي بسيف البحر من نحو الجار.
وأما قياسهم على السبي والاسترقاق فليس المعنى فيه افتراق الدارين إنما حدوث الاسترقاق ألا ترى أنه لو استرق أحدهما وهما في دار الحرب بطل النكاح ولو استرقا معًا بطل النكاح فصار السبي مخالفًا للإسلام على أن الفرقة بالاسترقاق غير منتظرة بحال والفرقة بالإسلام منتظرة في حال فافترقا.
وأما الاستدلال بأنها متغلبة على بعضها فلا يصح لأن الأعيان تملك بالتغلب دون الأبضاع.
ألا ترى أن مسلمًا لو غلب على بضع مشركة لم تصر زوجة ولم يصر زوجًا ولو تغلب

على رقبتها صارت ملكًا.
فصل: واستدل أبو حنيفة على أن إسلام أحدهما قبل الدخول لا يوجب تعجيل الفرقة بأنه إسلام طرأ على نكاح فوجب أن لا يبطله قياسًا على إسلامهما معًا ولأن الإسلام سبب يستباح به النكاح لأن الكافر لا يستبيح المسلمة إلا يسلم وما كان سببًا في إباحة المحظور لم يكن سببًا في حظر المباح.
ودليلنا عليه هو اختلاف الدارين إذا منع تأييد المقام على النكاح تعجلت به الفرقة إذا كان قبل الدخول كالردة ولأن كل سبب إذا وجد بعد الدخول لم تقع به الفرقة إلا بانقضاء العدة وجب إذا وجد قبل الدخول أن تعجل به الفرقة كالطلاق الرجعي.
فأما قياسه على إسلامهما معًا فلأنه يجوز بإسلامهما تأبيد المقام على النكاح فكان على صحته وإسلام أحدهما يمنع تأبيد المقام فتعجل به فسخ العقد على أن القياس منتقض بالردة قبل الدخول فإنه يقول: لو ارتدا معًا قبل الدخول كانا على النكاح ثم لم أسلم أحدهما بطل النكاح.
وأما استدلاله بأن ما كان سببًا في الإباحة لم يكن سببًا في الحظر ففاسد بالطلاق وهو سبب لتحريم المطلقة وإباحة أختها وسبب لإباحتها لغير مطلقها وإن كان سبب لتحريمها على مطلقها ثم لما لم يمنع أن يكون الإسلام الذي هو سبب الإباحة سببًا للتحريم بعد انقضاء العدة وكذلك قبلها.
واستدل أبو حنيفة على إن إسلام أحدهما في دار الإسلام فوجب بقاء النكاح على الأبد ما لم يعرض الإسلام عن المتأخر منهما في الشرك فإذا عرض عليه فامتنع أوقع الحاكم الفرقة بطلقة تعلقًا بأن الفرقة لا تكون إلا بالحادث وليس يخلو الحادث من ثلاثة أمور: إما أن يكون لإسلام من أسلم أو للكفر منه تأخر أو لحكم حاكم فلم يجز أن يكون للإسلام لأنه مأمور به فلم يكن سببًا ملكه ولم يجز أن يكون للكفر لأنه قد كان والنكاح بحالة فلم يبق إلا أن يكون بحكم فاقتضى أن تتعلق الفرقة به تقدم الحكم أو تأخر قال: ولأن إسلام أحد الزوجين لا يوقع الفرقة بينهما كما لو أسلم زوج الكتابية.
ودليلنا: هو أن اختلاف الدين إذا منع ابتداء النكاح أوجب وقوع الفرقة من غير حكم قياسًا على إسلام أحدهما في دار الحرب ولأن دار الإسلام أغلظ في أحكام النكاح من دار الشرك ثم كانت دار الشرك لا تراعي في وقوع الفرقة بإسلام أحدهما حكم الحاكم فدار الإسلام بذلك أولى.
فأما الاستدلال الأول فالجواب عنه أن الفرقة إنما وقعت باختلاف الدين المانع من ابتداء النكاح وليس من الأقسام المذكورة فلم يصح الاستدلال بها.
وأما قياسه على إسلام أحد الزوجين فالمعنى فيه: أنه لما لم يمنع ذلك من ابتداء النكاح لأنه يجوز أن

يتزوج المسلم كتابية لم تقع الفرقة بإسلام الزوج الكتابي وليس كذلك في ملتنا لأنه لا يجوز أ، يتزوج المسلم وثنية ولا الوثني مسلمة فجاز أن تقع الفرقة بإسلام أحد الوثنيين.
فصل: فإذا ثبت وتقرر أن النكاح بإسلام أحد الزوجين قبل الدخول باطل وأنه بعد الدخول موقوف على انقضاء العدة وأنه لا فرق بين إسلام الزوج أو الزوجة ما قاله مالك وأنه لا فرق بين اختلاف الدارين أو اتفاقهما بخلاف ما قاله أبو حنيفة فإن الزوجة المدخول بها قبل اجتماع إسلامهما جارية في عدة الفرقة فإن لم يسلم المتأخر منهما في الشرك حتى انقضت العدة بأن الفرقة وقعت بتقدم الإسلام وصلت بعد انقضاء هذه العدة للأزواج.
وقال أبو حنيفة: ليست تلك العدة عدة فرقة وإنما هي عدة يعتبر بها صحة النكاح باجتماع الإسلاميين فيهما فإذا لم يجتمع إسلامهما وقعت الفرقة بانقضائها وهذا خطأ لأنه لا يخلو من أن يوجب عليها بعد الفرقة إلا عدة واحدة وإن لم يوجب عليها عدة أخرى بطل قوله من وجهين: أحدهما: أنه أوجب العدة قبل الفرقة وأسقطها بعد الفرقة.
والثاني: أن العدة تجب إما لاستبراء أو فرقة وقد أوجبها لغير استبراء ولا فرقة وإذا صح ما ذكرنا من وقوع الفرقة تقدم الإسلام فطلقها في حال العدة أولى أو إلى منها أو ظاهر كان ذلك موقوفًا على ما يكون من اجتماع الإسلاميين فإن اجتمعا عليه في العدة صح الإيلاء والظهار لصحة النكاح ووقوعه فيه وإن لم يجتمعا على إسلام في العدة حتى انقضت لم يصح الطلاق ولا الإيلاء ولا الظهار لتقدم الفرقة عليها بالإسلام المتقدم والله أعلم بالصواب.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَسْلَمَ وَقَدْ نَكَحَ أُمًّا وَابْنَتَهَا مَعًا فَدَخَلَ بِهِمَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَبدًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهِمَا قُلْنَا.
أَمْسِكْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ وَفَارِقِ الأُخْرَى.
وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَرَ: يُمْسِكُ الابْنَةَ وَيُفَارِقُ الأُمَّ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا أَوْلَى بِقوْلِهِ عِنْدِي وَكَذَا قَالَ فِي مَوْضِع آخَرَ: يُمْسِكُ الابْنَةَ وَيُفَارِقُ الأُمَّ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا أَوْلَى بِقَوْلِهِ عِنْدِي وَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِ التَّعْرِيضِ بِالخُطْبَةِ.
وَقَالَ أَوَّلًا: كَانَتْ الأُمُّ أَوْ آخِرًا".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في مشرك تزوج في الشرك أمَّا وبنتها ثم أسلم وأسلمتا معه فلا يخلو حاله معها من أربعة أقسام: أحدهما: أن يكون قد دخل بهما.
والثاني: أن لا يكون قد دخل بهما.

والثالث: أن يكون قد دخل بالأم دون البنت.
والرابع: أن يكون قد دخل بالبنت دون الأم.
فأما القسم الأول: هو أن يكون قد دخل بهما فقد حرمتا عليه جميعًا لأن دخوله بالأم يحرم البنت لو كان بشبهة فكيف بنكاح؟ ودخوله بالبنت يحرم الأم لو كان بشبهة فكيف بنكاح؟ فإن قيل: فإذا كان نكاح الشرك معفو عنه فهلا كان الوطء في الشرك معفو عنه.
قيل: لأن الوطء يحدث من تحريم المصاهرة وما يجري مجرى تحريم النسب لثبوت التحريم فيهما على الأبد وليس يعفي عن تحريم النسب فكذلك لا يعفي عن تحريم المصاهرة وخالف العقد الذي تخلف أحواله وينقطع زمانه.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن لا يكون قد دخل بواحدة منهما فلا يجوز له أن يتمسك بهما ولو أن يتمسك بإحداهما سواء كان قد عقد عليها في عقد واحد أو في عقدين وسواء تقدمت الأم بالعقد أو تأخرت كمن نكح خمسًا في الشرك بخلاف ما قال أبو حنيفة في تقديم الأوائل على الأواخر وإذا كان كذلك ففي التي يتمسك بها قولان: أحدهما: أنه يتمسك بنكاح البنت ويقيم عليها ويحرم الأم نص في كتاب "أحكام القرآن" وفيما نقله المزني عنه لأنه العفو عن مناكح الشرك يمنع من التزام أحكامها وتصير بالإسلام بمثابة المبتدئ لما شاء منهما وإذا كان مخبرًا بين الأوائل والأواخر فكذلك يكون مخيرًا بين الأم والبنت فعلى هذا إن اختار البنت حرمت عليه الأم حينئذٍ تحريم تأبيد وإن اختار الأم حرمت البنت باختيار الأم تحريم جمع فإذا دخل بالأم حرمت البنت تحريم تأبيد.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يكون قد دخل بالأم دون البنت فالبنت قد حرمت عليه بالدخول بالأم وفي تحريم الأم عليه قولان: أحدهما: أنها محرمة ونكاحها باطل وهو اختيار المزني من قوليه إذا لم يدخل بهما أنه يثبت نكاح البنت ويبطل نكاح الأم هاهنا نكاح البنت بالدخول بالأم ويبطل نكاح الأم بالعقد على البنت.
والثاني: أ، الأم لا تحرم ويكون نكاحها ثابتًا وهذا على قول الآخر أنه لو لم يدخل بها لكان مخيرًا في التمسك بمن شاء فيبطل خياره هاهنا لتحريم البنت بالدخول بالبنت ويصير ملتزمًا لنكاح الأم.
فصل: فأما القسم الرابع: وهو أن يكون قد دخل بالبنت دون الأم فنكاح البنت ثابت

ونكاح الأم باطل، وبماذا أبطل يكون على القولين: أحدهما: بالعقد على البنت على القول الذي اختاره المزني.
والثاني: بالدخول بالبنت على القول الآخر.
فصل: فإذا شك بالدخول فهذا على ضربين: أحدهما: أن يشك هل دخل بواحدة منهما أو لم يدخل فالورع أن يحرمها احتياطًا فأما في الحكم فالشك مطروح لأن حكم اليقين في عدم الدخول أغلب وإذا كان كذلك صار في حكم من لم يدخل بواحدة منهما فيكون على ما مضى من القولين: أحدهما: وهو اختيار المزني أن يقيم على نكاح البنت.
والثاني: يكون مخيرًا في إمساك أيتهما شاء.
والضرب الثاني: أن يتيقن الدخول بواحدة منهما ويشك في التي دخل بها منهما فلا يعلم أهي الأم أم البنت فيكون نكاحهما باطلًا لأن تحريم أحدهما متيقن وإذا تيقن تحريم واحدة من اثنين حرمت عليه اثنتان كما لو تيقن أن إحدى امرأتين أخت حرمتا عليه.
فصل: فأما إذا كانت المسلمة بحالها في أن نكح في الشرك أمًا وبنتًا واختلف إسلامهم فحكم النكاح معتبر بما ذكرنا من الأقسام الأربعة في الدخول.
الأول: أن يكون قد دخل بهما فلا يوقف نكاح واحدة منهما بالإسلام لتحريم كل واحدة منهما بدخوله بالأخرى ويكون نكاحهما باطلًا.
والقسم الثاني: أن لا يكون قد دخل بواحدة منهما فلا يخلو حال من تقدم بالإسلام من أربعة أحوال: إحداهما: أن يتقدم الزوج وحده بالإسلام فيبطل نكاحهما في الشرك.
والثانية: أ، يتقدم إسلام الأم والبنت على الزوج فيبطل نكاحهما في الإسلام.
والثالثة: أن يتقدم إسلام الزوج والبنت ويتأخر إسلام الأم فيثبت نكاح البنت ويبطل نكاح الأم.
والرابعة: أن يتقدم إسلام الزوج والأم ويتأخر إسلام البنت فيبطل نكاح البنت لتأخرها وفي بطلان نكاح الأم قولان فهذا حكم القسم الثاني.
والقسم الثالث: أن يكون قد دخل بالأم دون البنت فنكاح البنت باطل بكل حال وهل يوقف نكاح الأم على اجتماع إسلامهما على القولين.
والقسم الرابع: أن يكون قد دخل دون الأم فنكاح الأم باطل لدخوله بالبنت ونكاح البنت موقوف على اجتماع إسلامهما.

فصل: وإذا نكح في الشرك أمًا وبنتها وبنت بنتها ثم أسلم وأسلمن معه فله معهن خمسة أقسام: أحدهما: أن يكون قد دخل بجميعهن فيكون نكاحهن باطلًا.
والثاني: أن لا يكون قد دخل بواحدة منهن ففيه قولان: أحدهما: يقسم على السفلي وهي بنت البنت ويبطل نكاح العليا التي هي الجدة ونكاح الوسطى التي هي الأم.
والقول الثاني: أنه بالخيار بالتمسك بأيتهن شاء.
والثالث: أن يدخل بالعليا دون الوسطى والسفلى فيكون نكاح الوسطى والسفلى باطلًا وفي بطلان نكاح العليا قولان.
والرابع: أن يدخل بالوسطى دون العليا والسفلى فيبطل نكاحهما وفي بطلان نكاح الوسطى لأجل السفلى قولان.
والخامس: أن يدخل بالسفلى دون العليا والوسطى فيثبت نكاح السفلى ويبطل نكاح العليا والوسطى فإذا اعتبرت ذلك بما قدمناه من التعليل وجدت الجواب فيه صحيحًا، والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ إِمَاءٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْسِراً يَخَافُ العَنَتَ أَو فِيهِنَّ حُرَّةٌ انْفَسَخَ نِكَاحُ الإِماءِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِدُ مَا يَتَزَوَّجَ بِهِ حُرَّةً وَيَخَافُ العَنَتَ وَلَا حُرَّةَ فِيهِنَّ اخْتَارَ وَاحِدَةً وَانْفَسَخَ نِكَاحُ البَوَاقِي".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في مشرك تزوج في الشرك بإماء مشركات ثم أسلم وأسلمن معه فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون معهن حرة.
والثاني: أن لا يكون فإن لم يكن معهن حرة وكن إما لا حرة فيهن فلا يخلو حاله عند إسلامه وإسلامهن من أمرين: أحدهما: أن يكون ممن يجوز له نكاح الإماء لعقد الحرة وعدم الطول وخوف العنت فيجوز له أن يختار واحدة منهن ويفارق من سواها.
لأنه في حال يجوز له أن يبتدئ فيها نكاح الأمة فجاز أن يستديم فيهما نكاح الأمة.
والثانية: أن يكون عند إسلامه وإسلامهن ممن لا يجوز أن يبتدئ نكاح الأمة لوجود الطول أو أمن العنت فنكاح الإماء قد بطل اعتبارًا بحال إسلامه معهن وأنه ممن لا

يجوز له أن يبتدئ نكاح أمة فلم يكن له أن يستديم بالاختيار نكاح أمة.
وقال أبو ثور: يجوز له أن يستديم نكاح أمة منهن باختياره وإن كان ممن لا يجوز له أن يبتدئ نكاح أمة استدلالًا بأن الشرط في نكاح الأمة معتبر في ابتداء العقد عليها وليس بمعتبر في استدامة نكاحها ألا تراه لو تزوجها لخوف العنت ثم أمن العنت جاز أن يستديم نكاحها وإن لم يجز أن يبتدئه كذلك المشرك إذا أسلم مستديم لنكاحها وليس بمبتدئ فجاز أن يقيم على نكاحها مع عدم الشرك وإن لم يجز أن يبتدئه.
قال: ولأنه لو وجب أن يعتبر شروط الابتداء في وقت استدامته عند الإسلام لوجب اعتبار الولي والشاهدين فلما لم يعتبر هذا لم يعتبر ما سواه.
ودليلنا: هو أن نكاح الأمة لا يحل إل باعتبار شروطه فلما لم تعتبر وقت عقده في الشرك وجب أن تعتبر وقت اختياره في الإسلام لئلا يكون العقد عليها خاليًا من شروط الإباحة في الحالين وفي هذا انفصال عن استدلاله الأول لأننا قد اعتبرنا شروط الإباحة في الابتداء فلم تعتبرها في الاستدامة ويكون الفرق بين هذا وبين استدلاله الثاني بأن الولي والشاهدين وإن كان شرطًا في العقد فهو غير معتبر في الحالين لأن الولي والشاهدين من شروط العقد وعقد الشرك معفو عنه فعفي عن شروطه وليس كذلك شروط نكاح الأمة لأنها من شروط الإباحة وشروط الإباحة معتبرة وقت الاختيار ألا تراه أو نكح في الشرك معتدة ثم أسلما وهي في العدة كان النكاح باطلًا لأنها وقت الاختيار غير مباحة كذلك الأمة.
ويتفرع على هذا التفريغ ثلاثة فروع: أحدهما: أن تسلم المشركة مع زوجها وهي في عدة من وطء وشبهة فقد اختلف أصحابنا في إباحتها على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن سريج: أن نكاحها باطل اعتبارًا بما قررناه بأنه لا يستبيح العقد عليها وقت الإسلام كما لو نكحها في العدة ثم أسلما وهي في العدة.
والوجه الثاني: وهو أظهر أن النكاح جائز لأن حدوث العدة في النكاح بعد صحة عقدها لم يؤثر في نكاح المسلم فأولى أن لا يؤثر في نكاح المشرك.
والفرع الثاني: أن يسلم أحد الزوجين المشركين ويحرم بالحج ثم يسلم الثاني في العدة فالأول على إحرامه وفي النكاح وجهان: أحدهما: وهو قول أبي بشار الأنماطي: أن النكاح باطل اعتبارًا بما قررناه منه أنه لا يستبيح العقد عليها عند اجتماع الإسلاميين فصار كما لو ابتدأ نكاحهما في وقت الإحرام.
والثاني: وهو أظهر وقد نص عليه الشافعي: أن النكاح جائز لأن حدوث الإحرام في النكاح بعد صحة عقده لا يؤثر في فسخه.
والفرع الثالث: أن من تزوج أمة على الشرط المبيح ثم طلقها وقد ارتفع الشرط

طلاقًا رجعيًا فله أن يراجعها وإن كان من لا يجوز له أي يبتدئ نكاحها وهذا متفق عليه بين جميع أصحابنا لأن الرجعية زوجة ولذلك ورثت ووارثت وإنما يزال بالرجعية تحريم الطلاق فلم يعتبر في هذه الحال شروط الإباحة في ابتداء ألا تراه لو رجع وهو محرم جاز وإن لم يجز أن يبتدئ نكاحها محرمًا, والله أعلم.
فصل: أما الضرب الثاني: وهو أن يكون مع الإماء حرة فقد تزوجها المشرك مع الإماء في الشرك ثم أسلم فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تسلم الحرة دون الإماء فنكاح الحرة ثابت ونكاح الإماء باطل بإسلام الزوج مع الحرة وبآخرهن.
والثاني: أن يسلم الإماء دون الحرة فنكاح الحرة قد بطل بتأخرها ونكاح الإماء معتبر باجتماع إسلامهن مع الزوج فإن كان موسرًا بطل نكاحهن لأنه لمل لم يجز في هذه الحال أن يبتدئ نكاح أمة لم يجز أن يختار نكاح أمة وإن كان معسرًا يخاف العنت كان له أن يختار نكاح واحدة منهن لأن يجوز أن يبتدئه فجاز أن يختاره لأنه ما لم تنقص عدة الحرة في الشرك اختار حينئذٍ من الإماء واحدة وانفسخ نكاح من سواها من وقت اختياره فاستأنفن عدد الفسخ فلو صار وقت اختيار موسرًا وقد كان وقت اجتماع إسلامه وإسلامهن معسرًا صح اختياره اعتبارًا بحاله عند اجتماع الإسلاميين لأنه الوقت الذي استحق فيه الاختيار.
والثالث: أن تسلم الحرة والإماء جميعًا فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يجتمع إسلام الحرة والإماء في حالة واحدة فيثبت نكاح الحرة وينفسخ نكاح الإماء من وقت إسلامهن مع الحرة لأنه لا يجوز أن يختار نكاح أمة مع وجود حرة كما لا يجوز أن يبتدئه.
والثاني: أن تسلم الحرة قبل الإماء فنكاح الحرة ثابت ونكاح الإماء باطل ثم ينظر في إسلامهن فإن كان بعد انقضاء عددهن وقع الفسخ بتقدم إسلام الزوج وتأخرهن.
وإن أسلمن قبل انقضاء عددهن وقع الفسخ بتقدم إسلام الحرة فعلى هذا لو كانت الزوجة الحرة حين أسلمت ماتت ثم أسلم الإماء في عددهن.
قال أبو أحمد الإسفرايبني: نكاحهن باطل لأن نكاحهن قد انسخ بإسلام الحرة فلم يعد إلى الصحة بموتها وهذا عندي غير صحيح بل يجب أن يكون موقوفًا يختار واحدة منهن لأن إسلام الحرة معه قبل إسلام الإماء يجري مجرى يساره في تحريم الإماء فلما لم يعتبر يساره إلا عند إسلام الإماء وجب أن لا يعتبر وجود الحرة إلا عند إسلام الإماء.
والثالث: أن يسلم الإماء قبل الحرة فيعتبر حال الزوج عند إسلامهن واستأنفن عدد الفسخ وإن كان معسرًا يخاف العنت كان

نكاح الإماء معتبرًا بإسلام الحرة وهو فيهن مخير بين أمرين: إما أن يتركهن على حالهن ترقبًا لإسلام الحرة فإن أسلمت بعد انقضاء عدتها اختر من الإماء واحدة وانفسخ نكاح البواقي في وقت اختياره وإن أسلمت الحرة في عدتها انسخ نكاح الإماء من وقت إسلامها فهذا أحد خياريه.
والثاني: أن يمسك الزوج من الإماء واحدة يترقت إسلام الحرة ويفسخ نكاح سواها من الإماء ليتعجلن الفسخ إذ ليس له أن يقيم على أكثر من واحدة فإذا فعل ذلك انفسخ نكاح من عدا الواحدة من وقت فسخه وكان نكاح الواحدة معتبر بإسلام الحرة فإذا أسلمت في عدتها ثبت نكاحها وانفسخ نكاح الأمة وإن أسلمت بعد انقضاء عدتها بطل نكاحها وثبت نكاح الأمة ولا يكون ثبوته باختيار متقدم ولكن لأنه ليس معه غيرها فعلى هذا لو طلق الحرة في الشرك قبل إسلامها ثم أسلمت نظر فإن كان إسلامها بعد العدة لم يقع طلاقها وانفسخ نكاحها بإسلام الزوج وثبت نكاح الأمة وإن كان إسلامها في العدة وقع الطلاق عليها لأنها زوجة وانفسخ بإسلامها نكاح الأمة فيصير إسلامها وإن كانت مطلقة موجبًا لفسخ نكاح الأمة لأن الطلاق لا يقع إلا على زوجة والأمة لا يثبت اختيار نكاحها مع حرة هذا جواب أصحابنا على الإطلاق وعندي أنه يجب أن يكون معتبر بزمان الطلاق.
فإن كان قد طلقها قبل إسلام الإماء جاز له أن يقيم على وحدة منهن لأن الحرة وإن أسلمت في عدتها فقد وقع الطلاق عليها قبل إسلام الإماء فصرن عند إسلامهن لا حرة معهن وإن كان طلاق الحرة بعد إسلام الإماء فعلى ما قاله أصحابنا من اعتبار إسلام الحرة قبل العدة وبعدها والله أعلم بالصواب.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ بَعْدَهُ فَسَوَاءٌ وَيَنْتَظرُ إِسْلَامَ البَوَاقِي فَمَنْ اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامُ الزَّوْجِ قَبْلَ مُضِيِّ العِدَّةِ كَانَ لَهُ الخِيَارُ فِيهنَّ".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في حر تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء لا حرة فيهن ثم أسلم وأسلمن وذلك بعد دخوله بهن فهذا على أربعة أسام: أحدها: أن يسلمن معه.
والثاني: أن يسلمن قبله.
والثالث: أن يسلمن بعده.
والرابع: أن يسلم بعضهن قبله وبعضهن بعده وقد يجيء فيه قسمان آخران: أحدهما: أن يسلم بعضهن معه وبعضهن بعده ولكن يدخل جوابهما في جملة الأقسام الأربعة فلم نذكرها اكتفاء بما ذكرنا.

فأما القسم الأول: وهو أن يسلم معه الإماء الأربع فيعتبر حاله وقت الإسلام فإن كان موسرًا بوجود الطول انفسخ لنكاحهن بالإسلام واستأنف عدد الفسخ وإن كان معسرًا لا يجد الطول كان له أن يختار منهن واحدة لا يزيد عليها لأن الحر لما لم يجز له أن ينكح أكثر من أمة واحدة لم يكن له أن يختار أكثر من أمة واحدة وانفسخ نكاح الثلاث الباقيات من وقت اختياره للواحدة لا من وقت إسلامه.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يسلمن قبله ثم يسلم بعدهن في عددهن فيراعي حال وقت إسلامه لا وقت إسلامهن لأن الاعتبار باجتماع الإسلاميين وذلك إسلامه بعدهن فإن كان واجدًا للطول انفسخ نكاحهن بإسلامه واستأنفن عدد الفسخ وإن كان عادمًا للطول كان له أن يختار منهن واحدة وينفسخ نكاح الثلاث البواقي باختياره فيستأنفن عدد الفسخ.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يسلمن بعده فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون الزوج عند إسلام جميعهن موسرًا واجدًا للطول.
والثاني: أن يكون عند إسلام جميعهن معسرًا عادمًا للطول.
والثالث: أن يكون عند إسلام بعضهن موسرًا وعند إسلام بعضهن معسرًا.
فإن كان موسرًا عند إسلامك جميعهن بطل نكاحهن كلهن وانفسخ نكاح كل واحدة منهن من وقت إسلامها لأنه وقت اجتماع الإسلاميين.
فتستأنف منه عدة الفسخ وإن كان معسرًا عند إسلام جميعهن فله أن يختار منهن واحدة سواء تقدم إسلامها عليهن أو تأخر إسلامها عنهن فإذا اختار منهن واحدة انفسخ نكاح الثلاث البواقي من وقت اختياره للواحدة فاستأنفن منه عدد الفسخ وإن كان عند إسلام بعضهن موسرًا وعند إسلام بعضهن معسرًا بكل نكاح التي أسلمت في يساره ولم يبطل نكاح التي أسلمت في إعساره لأن التي أسلمت في يساره لا يجوز أن يستأنف نكاحها فلم يكن له أن يختارها فبطل نكاحها بإسلامها والتي أسلمت في إعساره يجوز أن تستأنف نكاحها فجاز أن يختارها فعلى هذا لو أسلمت الأولى والثانية وهو موسر وأسلمت الثالثة والرابعة وهو معسر بطل نكاح الأولى والثانية ولم يبل نكاح الثالثة والرابعة وكان له أن يختار أحداهما فإذا اختارها بطل نكاح الأخرى باختياره ولو أسلمت الأولى والثانية وهو معسر وأسلمت الثالثة والرابعة وهو موسر بطل نكاح الثالثة والرابعة بإسلامها وكان نكاح الأولى والثانية موقوفًا على اختياره فإذا اختار أحداهما انفسخ حينئذٍ نكاح الأخرى فلو أسلمت الأولى وهو موسر ثم أسلمت الثانية وهو معسر ثم أسلمت الثالثة وهو موسر ثم أسلمت الرابعة وهو معسر بكل نكاح الأولى والثالثة بإسلامهما وكان نكاح الثانية والرابعة موقوفًا على أحداهما فإذا اختارها انفسخ نكاح الأخرى من وقته.

فصل: أما القسم الرابع: وهو أن يسلم بعضهن قبله وبعضهن بعده.
مثاله: أن يسلم قبله اثنتان وبعده اثنتان فهذا على أربعة أقسام: أحدها: أن يكون موسرًا عند إسلام الأوائل والأواخر فنكاح الجميع باطل لكن ينفسخ نكاح الأوائل بإسلام الزوج لا بإسلامهن قبله وينفسخ نكاح الأواخر بإسلامهن لا بإسلام الزوج قبلهن لأن كل واحد من الناكحين ينفسخ باجتماع الإسلاميين واجتماعهما في الأوائل فيكون إسلام الزوج واجتماعهما في الأواخر يكون بإسلام الأواخر.
والثاني: أن يكون معسرًا عند إسلام الأوائل والأواخر فله أن يختار نكاح واحدة إن شاء من الأوائل وإن شاء من الأواخر لأن كل واحدة من الفريقين يجوز عند اجتماع الإسلاميين أن يستأنف نكاحها فجاز أن يختارها فإذا اختار واحدة من أحد الفريقين انفسخ باختياره نكاح الباقيات واستأنفن عدد الفسخ.
والثالث: أن يكون عند إسلام الأوائل معسرًا وعند إسلام الأواخر موسرًا فيبطل نكاح الأواخر بإسلامهن وله أن يختار من الأوائل واحدة وينفسخ باختياره نكاح الأخرى.
والرابع: أن يكون موسرًا وعند إسلام الأواخر فنكاح الأوائل باطل بإسلام الزوج وله أن يختار من الأواخر واحدة فإن أسلمتا معًا اختار آيتهما شاء وانفسخ باختياره نكاح الأخرى.
وإن أسلمت أحداهما شاء وانفسخ باختياره نكاح الأخرى.
وإن أسلمت أحداهما بعد الأخرى فهو مخير بين تعجيل اختيار الأولى وبين تأخيره إلى إسلام الثانية فإذا كان كذلك فلها أربعة أحوال: أحدها: أن يمسك عن الاختيار إلى أن تسلم الثانية فله إذا أسلمت أن يختار أيتهما شاء فإذا اختار إحداهما ثبت نكاحها وانفسخ به نكاح الأخرى.
والثاني: أن يعجل اختيار الأولى فإذا اختارها ثبت نكاحها باختيار تلك فإن كانت هذه قد أسلمت فأولى أن يبطل به نكاحها وإن لم تسلم فإذا أسلمت ثبت على ما مضى من عدتها من وقت الاختيار في الشرك.
والثالثة: أن يطلق الأولى قبل إسلام الثانية فيقع الطلاق عليها ويكون ذلك اختيارًا لنكاحها لأن الطلاق لا يقع إلا على زوجة فيصير الطلاق موجبًا لاختيار موقعًا للفرقة يبطل نكاح المتأخرة لأنه قد صار مختارًا لغيرها.
والرابعة: أن يفسخ نكاح الأولى قبل إسلام الثانية فلا تأثير لفسخه في الحال لأنه يفسخ نكاح من لا يجوز له إمساكها وقد يجوز أن لا تسلم الثانية فيلزمه إمساك الأولى فلذلك لم يؤثر فسخه في نكاحها فإن لم تسلم الثانية ثبت نكاح الأولى وبأن نفسخ نكاحها كان مردودًا وإن أسلمت الثانية فإن اختارها وفسخ نكاح الأولى جاز وثبت نكاح الثانية وانفسخ نكاح الأولى وإن اختار الأولى وفسخ نكاح الثانية ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن فسخ نكاحها في الأول لمل لم يؤثر في الحال فبطل أن يقع حكمه.

والثاني: قد لزمه نسخها ولا يجوز له اختيارها لأنه لم يؤثر في الحال لعدم غيرها فلما وجد غيرها صار مؤثرًا, والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "وَلَوْ أَسلَمَ الإِمَاءُ مَعَهُ وِعُتِقْنَ وَتَخَلَّفَتْ حُرَّةٌ وَقَفَ نِكَاحُ الِإمَاءِ فَإِنْ أَسْلَمَتِ الحُرَّةُ انْفَسَخَ نِكَاحُ الِإمَاءِ وَلَوْ اخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ وَلَمْ تُسْلِمُ الحُرَّةُ ثَبَتَتْ".
قال في الحاوي: وصورتها في حر تزوج في الشرك أربع زوجات إماء وحرة وخامسة ثم أسلم وأسلم معه الإماء وحاله حال من ينكح الإماء ويقف نكاح الإماء على إسلام الحرة فإن عتق الإماء قبل إسلام الحرة فحكم نكاحهن نكاح الحرائر وإن اعتقن بعد اجتماع إسلامهن مع الزوج فإن حكمهن نكاح الإماء وإن صرن حرائر اعتبارًا بحالهن عند اجتماع الإسلاميين ولا اعتبار بما حدث بعدها ممن عتقهن كما يعتبر حال يساره وإعساره عند اجتماع الإسلاميين دون ما حدث بعدها وإذا كان كذلك قيل: ليس لك أن تختار من الإماء وإن عتقن أحدًا ما كانت الحرة باقية في عدتها فإن اختار منهن واحدة لم يصح اختيارها في الحال وروعي إسلام الحرة فإن أسلمت قبل مضي عدتها وملك نكاح الإماء المعتقات كلهن المختارة منهن وغرها وإن لم تسلم الحرة حتى انقضت عدتها انفسخ نكاحها بإسلام الزوج وكان له أن يختار واحدة من المعتقات ولا يزيد عليها وهل يثبت نكاح المختارة منهن باختيار الأول.
قال الشافعي: "فإن اختار منهن واحدة ولم تسلم الحرة ثبت" فاختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: ثبت إن استأنف اختيارها فأما بالاختيار الأول فلا يثبت لأنه لمل لم يثبت الاختيار في الحال لم يصح أن يكون موقوفًا على ثاني حال فبطل فعلى هذا الوجه يكون مخيرًا بين اختيار تلك الأولى واختيار غيرها.
والثاني: أنها تثبت بالاختيار الأول على الظاهر من قول الشافعي ويكون حكم الاختيار موقوفًا وإن لم يجز أن يكون أصله موقوفًا لأنه لما جاز أن يكون ملك الخيار موقوفًا على إسلام الحرة فإن أسلمت علم أنه لم يكن مالكًا له جاز أن يكون حكم الخيار موقوفًا على إسلام الحرة.
فإن أسلمت علم أنه لم يثبت وإن لم تسلم على أنه يثبت فلو قال في الاختيار الأول إن تسلم الحرة فقد اخترتكن لم يصح هذا الاختيار وجهًا واحدًا لأن هذا خيار موقوف الأصل لا موقوف الأصل لا موقوف الأصل لا موقوف الحكم ونحن إنما نجوز في أحد الوجهين وقف حكمه لا وقف أصله فتصور فرق بينهما.

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ عُتِقْنَ قَّبْلَ أَنْ يَسْلِمْنَ كُنَّ كَمَن ابْتُدِئَ نِكَاحُهُ وَهُنَّ حَرَائَرُ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يتزوج الحر في الشرك بأربع إماء وحرة خامسة ثم يسلم الزوج ويعتق الإماء في الشرك ثم يسلمن في عددهن فيكون نكاحهن نكاح حرائر وله أن يقيم على الأربع كلهن لأن الاعتبار بحالهن عند إسلامه وإسلامهن وما اجتمعا إلا وهي حرائر فلذلك صار نكاحهن نكاح الحرائر وإذا كان كذلك كان بالخيار عند إسلام المعتقات بين ثلاثة أمور: أحداهما: أن يختار الأربع فيصح اختيارهن وينفسخ به نكاح الحرة الخامسة إن أسلمت في العدة وإن لم تسلم انفسخ نكاحها بإسلام الزوج.
والثاني: أن يوقف نكاح الأربع انتظارًا لإسلام الحرة الخامسة فإن أسلمت في العدة اختار من الخمس أربعًا وفسخ نكاح الخامسة من أيتهن شاء وإن شاء وإن لم تسلم الحرة ثبت نكاح الأربع المعتقات.
والثالث: أن يختار من الأربع ثلاثًا ويوقف الرابعة على إسلام الحرة فإن لم تسلم ثبت نكاح الرابعة وإن أسلمت كان مخيرًا في اختيار آيتهما شاء وفارق الأخرى.
فصل: وهكذا لو أسلم الإماء قبل الزوج وأعتقن ثم أسلم الزوج كان نكاحهن نكاح حرائر ولأنه لما جمع إسلامه وإسلامهن إلا وهن حرائر وإذا كان كذلك واقبله أمتان لحرة متأخرة فهو بالخيار بين ما ذكرنا من الأمور الثلاثة ولكن لو أسلم وأعتقنا ثم أسلم الزوج وأعتق الأمتين المشركتين في الشرك ثم أسلمتا فنكاح هاتين المعتقتين في الشرك على قياس قول أبي حامد الإسفرايني يحل لرقهما عند معتق المسلمين فبطل نكاحهما بالرق لعتق المسلمين فعلى هذا المذهب يكون نجاح المسلمين بائنًا فإن أسلمت الحرة بعدها في العدة ثبت نكاحها وحدت ثلاثًا وإن لم يسلم بطل نكاحها وثبت نكاح المعتقتين.
فأما على الوجه الذي أراه صحيحًا فنكاح المعتقتين في الشرك لا يبطل بعتق المسلمتين من قبل فإذا أسلمت المشركتان بعد عتقهما في عدتهما صدق أربعًا وفي الشرك حرة وخامسة فيكون حينئذٍ مخيرًا بين الأمور الثلاثة.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ عِنْدَهُ إِمَاءٌ وَحَرَائِرُ مُسْلِمَاتٌ أَوْ كِتَابِيَّاتٌ ولَمْ يَخْتَرْنَ فِرَاقَهُ أَمْسَكَ اثْنَتَيْنِ".

قال [في] الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك ست زوجات منهن أمتان وثنيتان وبقى الكتابيتان على دينهما فله أن يختار من الست اثنتين لأن العبد لا يستبيح أكثر منهما وهو في الزيادة عليهما كالحر في الزيادة على الأربع, إلا أن الشافعي قال: لم يختزن فراقه أمسك اثنتين أما الأمتان فإن اعتقهما فلهما الخيار لأن الأمة إذا أعتقت تحت عبد فلها الخيار مسلمًا كان العبد أو كافرًا وأن يعتقا فلا خيار لهما لأنهما قد ساويا في نقصه بالرق.
وأما الحرائر ففي ثبوت الخيار لهن بإسلامه وجهان: أحدهما: لأنه لا خيار لهن لعلمهن برقه ورضاهن مع كمالهن بنقصه فلم يحدث لهن بالإسلام خيار لأن الإسلام يؤكد النكاح ولا يضعفه وهذا اختيار أبي حامد المروزي.
والثاني: لهن الخيار في فسخ نكاحه لأن الرق في الإسلام نقص وفي الكفر ليس بنقص لإطلاق تصرفه في الكفر وثبوت الحجر عليه في الإسلام ونقص أحكامه في طلاقه ونكاحه وحدوده وعدم ملكه وقهر السيد له على نفسه فيكون الرق في الإسلام نقصًا للحرائر من زوجاته الخيار في إسلامه وإن لم يثبت لهن في شركه وهذا اختيار أبي القاسم الداركي فعلى هذا إن قيل: لهن الخيار فاخترن المقام على نكاحه كان له أن يختار منهن هن الست, اثنين من أيهن شاء إما أن يختار الحرتين المسلمتين أو الحرتين الكتابيتين أو الأمتين المسلمتين أو واحدة من الأمتين وواحدة من الحرائر لأنه عبد يجوز أن يجمع بين أمتين وبين أمة وحرة.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ عُتِقْنَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ فَاخْتَرْنَ فِرَاقَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُنَّ لأَنَّهُ لَهُنَّ بَعْدَ إِسْلامِهِ وَعِدَدُهُنَّ عَدَدُ الحَرَائِرِ فَيُحْصَيْنَ مِنْ حِينِ اخْتَرْنَ فِرَاقَهُ فَإنْ اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامَّهُنَّ فِي العِدَّةِ فَعِدَدُهُنَّ عِدَدُ حَرَائِرِ مِنْ يَوْمِ اخْتَرْنَ فِراقَهُ وإِلَّا فعددُهُنَّ عدَدُ حَرائِرِ من يَوْمِ أَسْلَمَ مُتَقَدِّمُ الإِسْلَامِ مِنْهُمَا لأَنَّ الفَسْخَ مِنْ يَوْمَئِذٍ وِإِنْ لَمْ يِخْتِرْنَ فِرِاقَهُ وَلَا المُقَامَ مَعَهُ خُيَّرْنَ إِذَا اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامُهُنَّ مَعًا".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء ودخل بهن ثم أسلمن وعتقن قبل إسلامه فلهن أن يخترق فسخ نكاحه بالعتق وإن كن جاريات في الفسخ يتقدم الإسلام أمرين: أحدهما: أنهن جاريات في فسخ فلم يمتنع أن يستحق معه حدوث فسخ لأن الفسخ لا ينافي الفسخ لاجتماعهما وإنما ينافي في المقام لتعادهما.
والثاني: أنهن يستفدن بتعجيل الفسخ قصور أحد العدتين لأنهن لو انتظرن إسلام

الزوج لاستأنف العدة بعد إسلامه وإذا قدمن الفسخ تقدمت العدة قبل إسلامه.
فإن قيل: فهلا أعني جريانهن في الفسخ بتقدم الإسلام عن أن يحدثن فسخًا بحدوث العتق.
قيل: لا يعني لأن الفسخ بالإسلام متردد بين إفضائه إلى الفرقة إن تأخر إسلام الزوج وبين إفضائه إلى ثبوت النكاح إن تعجل والفسخ بالعتق مفض إلى الفرقة في الحالتين فإذا تقرر هذا فلهن ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يخترن الفسخ فذلك معتبر بإسلام الزوج فإن لم يسلم حتى انقضت عددهن فقد وقعت الفرقة باختلاف الدين بأن أنهن غير زوجاته من يوم اسلمن فلم يقع فسخن بالعتق لأنهن قدمن قبله فأول عددهن من وقت إسلامهن وقد بدأت بالعدة هن إماء وأنهينها وهن حرائر فهل يعتددن عدد إماء أو عدد حرائر؟ على قولين: أحدهما: وهو قوله في القديم يعتددن عدد إماء اعتبار بالابتداء.
والثاني: وهو قول في الجديد يعتددن عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء وإن أسلم الزوج في عددهن وبأن اختلاف الدين لم يؤثر في فسخ نكاحهن وإنهن اخترن الفسخ بالعتق وهن زوجات فينفسخ نكاحهن باختيار الفسخ ويعتددن من وقت الفسخ عدد حرائر قولًا واحدًا لأنه بدأن وهو حرائر.
فصل: وأما الحالة الثانية: وهو أن يخترن المقام على نكاحه فهو معتبر أيضًا بإسلام الزوج فإن لم يسلم حتى انقضت عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدين من وقت إسلامهن ولم يكن لاختيارهن المقام تأثير وفي عددهن قولان: أحدهما: عدد إماء اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء.
وإن أسلم الزوج في عددهن بأن أنهن زوجات وأن اختلاف الدين لم يؤثر في نكاحهن وقد اخترن المقام في وقت لم يؤثر فيه اختيار المقام فهل يؤثر حكمه بعد إسلام الزوج ويسقط به خيار الفسخ أم لا؟ فيه وجهان مبنيان على اختلاف الوجهين في الزوج إذا اختار واحدة من الإماء المسلمات معه وفي الشرك حرة منتظرة فلم تسلم حتى انقضت عدتها هل يثبت حكم اختياره أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين كذلك هاهنا يثبت حكم اختيارهن المقام أم لا على وجهين: أحدهما: قد يثبت ويبطل به خيار الفسخ.
والثاني: وهو الأصح أنه لا يثبت لعدم تأثيره في وقته فبطل ولهن خيار الفسخ بعد إسلام الزوج فإن اخترن الفسخ استأنف عدد حرائر من وقت الفسخ وإن لم يخترته من زوجات وهن أربع وليس للعبد إلا اثنتين فيصير له بالخيار في إمساك اثنتين وفسخ نكاح

اثنتين يستأنفان من وقت الفسخ عدد حرائر فصل: أما الحالة الثالثة: وهو أن يمسكه عن اختيار فسخ أو مقام فهن إذا أسلم الزوج على حقهن من خيار الفسخ لا يبطل بإمساكهن لأمرين: أحدهما: أنهن كن يتوقعن الفسخ بغير اختيار فلم يناف وقوع الفسخ باختيار.
والثاني: أن خيارهن قبل إسلام الزوج مظنون وبعد إسلامه متحقق فجاز أن يؤخر به من وقت الظن إلى وقت اليقين وإذا كان كذلك وجب بغير إسلام الزوج فإن لم يسلم حتى انقضت عددهن بأن باختلاف الدين وبطل خيار الفسخ بالعتق وفي عددهن من وقت إسلامهن قولان: أحدهما: عدد إماء اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء وإن أسلم الزوج في عددهن منهن زوجات ولا تأثير لاختلاف الدين في نكاحهن ولسن بالخيار في فسخ النكاح بالعتق فإن اخترن الفسخ استأنفن في وقت الفسخ عدد حرائر وإن اخترن المقام كان للزوج أن يختار منهن اثنتين ويفسخ نكاح اثنتين يستأنفان من وقت الفسخ عدد حرائر.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمَ إِسْلامَهُنَّ قَبْلَ إِسْلَامِهِ فَاخْتَرْنَ فِرَاقَهُ أَوْ المُقَامَ مَعَهُ ثُمَّ أَسْلَمْنَ خُيِّرْنَ حِينَ يُسْلِمْنَ لأَنَّهُنَّ اخْتَرْنَ وَلَا خَيَارَ لَهُنَّ".
قال الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء ودخل بهن ثم أسلم قبلهن وأعتقن في شركهن فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يخترن فسخ النكاح.
والثاني: أن يخترن المقام على النكاح.
والثالث: أن يمسكن فلا يخترن فسخًا ولا مقامًا.
فأما الأول: وهو أن يجعلن في الشرك فسخ النكاح فقد نقل المزني عن الشافعي أنه قال: "فاخترن فراقه أو المقام معه ثم أسلمن خيرن حين يسلمن" فجمع بين اختيار الفرقة واختيار المقام في إبطال حكمهما قبل الإسلام فدل الظاهر على أن ليس لهن أن يخترن فسخ النكاح قبل إسلامهن فاختلف أصحابنا فيه على وجهين وهو قول أبي الطيب بن سلمة: أن الجواب على ظاهره وأنهن إذا أعتقن في الشرك لم يكن لهن اختيار الفسخ قبل أن يجتمع إسلامهن مع إسلام الزوج وفرق بينهما بأنه إذا تقدم إسلامهن لم

(يقدرن) على تعجيل اجتماع الإسلاميين فكان لهن تعجيل الفسخ ليستفدن قصور إحدى العدتين وإذا تقدم إسلام الزوج قدرن بتعجيل إسلامهن على اجتماع الإسلاميين فلم يستفدن بتعجيل الفسخ قبل الإسلام ما لم يقدرن عليه بعد الإسلام فعلى هذا يكون اختيارهن الفسخ قبل إسلامهن بإطلاه ولهن إذا أسلمن في عددهن يخترن الفسخ أو المقام.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي وجمهور أصحابنا أنهن يملكن في الشرك اختيار الفسخ كما ملكته في الإسلام لأنهن قد ملكن بالعتق اختيار الفسخ فكان تقديمه وهن جاريات في الفسخ أولى وتأخيره إلى خروجهن من الفسخ لأن الفسخ لا ينافي الفسخ ولمن قال بهذا الوجه فيما نقله المزني تأويلان: أحدهما: أنه غلط من المزني في روايته أو الكاتب في نقله لأن الشافعي قد ذكر هذه المسألة فيما نقله الربيع في كتاب "الأم" فقال: ولو أعتقن قبل إسلامهن فاخترن المقام معه ثم أسلمن خيرن حين يسلمن ولم يذكر إذا اخترن فراقه فيها وإنما غلط المزني أو الكاتب في النقل فقال: فاخترن فراقه أو المقام معه وهذا تأويل أبي إسحاق المروزي.
والثاني: أن النقل الصحيح وأن الشافعي ذكر اختيار الفرقة واختيار المقام ثم عطف بالجواب على اختيار المقام دون الفرقة لأنه قد قدم حكم اختيارهن للفرقة وأفرد هاهنا حكم اختيارهن للمقام ومن عدة الشافعي أن يجمع بين مسألتين ويعطف بالجواب المرسل على أحدهما ويجعل جواب الأخرى محمولًا على ما عرف من مذهبه أو تقدم من جوابه وهذا تأويل أشار إليه أبو علي الطبري في كتاب "الإيضاح" فعلى هذا الوجه يكون اختيارهن الفسخ معتبرًا بإسلامهن فإن أسلمن في عددهن وقعت الفرقة بفسخهن ويستأنفن عدد حرائر من وقت فسخهن وإن لم يسلمن حتى انقضت عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدين وبطل حكم الفسخ بالعتق لوقوع الفرقة قبله وفي عددهن قولان: أحدهما: عدد إماء اعتبارًا بالابتداء.
الثاني: عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يخترن المقام معه قبل إسلامهن ففي هذا الاختيار وجهان ذكرناهما: أحدهما: أنه لغو لا حكم له لأنهن جاريات في فسخ ينافي اختيار المقام فبطل حكمه تغليبًا لحكم الفسخ وهذا هو المنصوص عليه هاهنا فعلى هذا إن أسلمن بعد عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدين وإن أسلمن في عددهن كان لهن الخيار في المقام أو الفسخ.
والوجه الثاني: أن اختيار المقام قد أبطل حقهن في الفسخ بعد الإسلام ويكون موقوف الحكم على إمضائه زمانه فعلى هذا إن لم يسلمن حتى انقضت عددهن (بان)

باختلاف الدين وإن أسلمن في عددهن سقط حقهن في اختيار الفسخ لما تقدم من اختيار المقام.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يمسكن في الشرك فلا يخترن بعد العتق مقامًا ولا فسخًا فمذهب الشافعي أن لهن إذا أسلمن أن يخترن الفسخ ولا يكون إمساكهن عنه إسقاطًا لحقهن منه لأن اختيارهن قبل الإسلام موقوف وبعد الإسلام نافذ فجاز تأخير منه قال لأن ما تقدم من الشرك هدر والإسلام يجبّ ما قبله وهذا خطأ لأنه لو أوجب أن يكون الخيار هدر لأوجب أن يكون النكاح والطلاق هدر ولما لزم في الإسلام حكم عقد تقدم في الشرك وفي فساد هذا دليل على فساد ما أفضى إليه وإذا ثبت أن لهن الخيار بعد الإسلام فالجواب فيه إن اختزن الفسخ أو المقام على ما مضى.
مسألة؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ اجْتَمَعَ إِسْلامُهُنَّ وَإِسْلَامُهُ وَهُنَّ إِمَاءٌ ثُمَّ أُعْتِقْنَ مِنْ سَاعَتِهِنَّ ثُمَّ اخْتَرْنَ فِرَاقَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُنَّ إِذَا أَتَى عَلَيْهُنَّ أَقَلَ أَوْقَاتَ الدُّنْيَا وَإِسْلَامُهُنَّ وَإِسْلَامُهُ مُجْتَمِعٌ".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء وأسلم وأسلمن معه ثم أعتق الإماء فلهن الخيار بالعتق وبين المقام أو الفسخ وفي مدة خيارهن ثلاثة أقاويل: أحدها: وهو أصح أنه على الفور معتبر بالإمكان فمتى أمكنهن تعجيل الفسخ فأخرنه بعد المكنة زمانًا وإن قل بطل خيارهن لأنه خيار استحقته لنقص الزوج بالرق عما حدث من كمالهن بالحرية فجرى خيار الرد بالعيوب واستحقاقه على الفور.
والثاني: أنه ممتد الزمان إلى ثلاثة أيام كالخيار في المصراة.
والثالث: أنه باق لهن وإن تطاول بهن الزمان ما لم تمكن من أنفسهن أو يصرحن بالرضي اعتبارًا بأن ما لا يخالف حالهن في الفسخ فهن باقيات على حكمه.
فأما المزني فإنه اعترض على الشافعي فيما ذكره من استحقاق الخيار على الفور بثلاثة فصول: أحدها: أن حكي عنه بخلاف فقال: قطع في كتابين بأن لها الخيار وهذا الاعتراض ليس بشيء لأن قول الشافعي في مدة الخيار مختلف وإنما ذكر في هذا الموضع أصح أقاويله عنده.
والثاني: احتج فيه على أن الخيار على التراخي دون الفور بأن الشافعي قال: وإن أصابها فادعت أنها كانت على حقها وهذا على ضربين:

أحدهما: أن يدعي الجهالة بالعتق.
والثاني: أن يدعي الجهالة بالحكم.
فأما إذا ادعت الجهالة بالعتق أو قالت مكنته من نفسي ولم أعلم بعتقي فإن علم صدقها قبل قولها وإن علم كذبها رد قولها.
وإن جوز الأمران فالقول قولها من يمينها إن كذبت وهي على حقها من الخيار وأما إذا ادعت الجهالة بالحكم بأن قالت: مكنته من نفسي مع العلم بعتقي ولكن لم أعلم أن لي الخيار إذا أعتقت وأمكن ما قالت ففيه قولان: أحدهما: أنه لا خيار لها وأن لم تعلم لأنه قد كان يمكنها أن تتعلم كما لا خيار في رد العيب إذا أمسكت عنه جهلًا باستحقاق ردة.
والثاني: لها الخيار ولأنه قد يخفي إلا عن خواص الناس وليس كالرد بالعيب الذي يعرفه الخاصة والعامة وفي هذا التفصيل جواب على احتجاج المزني به.
والثالث: إن عارض الشافعي في عبارته وهي قوله: «لم يكن لها الخيار إذا أثنى عليهن أقل أوقات الدنيا» فأفسد هذه العبارة وأحالها من وجهين: أحدهما: قوله إن على السلطان أن لا يؤجلها أكثر من مقامها.
فكم يمر بها من أوقات الدنيا من حين أعتقت إلى أن جاءت إلى السلطان وقد يبعد ذلك ويقرب.
والثاني: أنها لا تقدر على اختيار الفسخ إلا بكلام يجمع حروفًا كل حرف منها في وقت الآخر وفي هذا إبطال الخيار وهذا اعتراض من الوجهين فاسد من وجهين: أحدهما: أن للكلام عرفًا وإذا تقدر استعمال حقيقته كان محمولًا عليه وصار مخرجه مخرج المبالغة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أبي جهم: «لا يضع عصاه عن عاتقه» ومعلوم أنه ما أحد يمكنه إلا أن يضع عصاه عن عاتقه في أوقات نومه واستراحته لكنه قال ذلك على طريقة المبالغة لأنه الأغلب من أحواله.
والثاني: أنه أراد أوقات الدنيا بقدر زمان المكنة وشروط الطلب ويكون مراده بأقلها بعد الوقت الذي يمكنها فيه الاختيار فيمسك فيه عن الاختيار.
فأما مراد المزني بكلامه هذا فقد اختلف أصحابنا على وجهين: أحدهما: أنه أراد به إثبات الخيار على التراخي فعلى هذا يكون منه اختيار الآخر من قول الشافعي.
والثاني: أنه أراد به أن اختيار الفسخ لا يكون إلا على حكم فعلى يكون ذلك منه مذهبًا اختياره لنفسه وليس بمذهب الشافعي وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن الموقوف على حكم الحاكم يكون فيما ثبت باجتهاد وهذا ثابت النص.
والثاني: أنه خيار نقص فجرى خيار الرد بالعيب.

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عِتْقُهُ وَهُنَّ مَعًا.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَيْسَ هَذَا عِنْدِي بِشَيءٍ قَدْ قَطَعَ فِي كِتَابَيْن بَأَنَّ لَهَا الخِيَارَ لَوْ أَصَابَهَا فَادَّعَتِ الجَهَالَةَ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُؤَجِّلَهَا أَكْثَرَ مَقَامِهَا فَكَمْ يَمُرُّ بِهَا مِنْ أَوْقَاتِ الدُّنْيَا مِنْ حِينَ أُعْتِقَتْ إِلَى أَنْ جَاءَتْ إِلَى السُّلْطَانِ وَقَدْ يَبْعُدُ ذَلِكَ وَيَقْرُبُ إِلَى أَنْ يُفْهَمَ عَنْهَا مَا تَقُولُ ثُمَّ إِلَى انْقِضَاءِ أَجَلِ مُقَامِهَا ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى فَكَيْفَ يَبْطُلُ خِيَارُ إِمَاءٍ يُعْتَقْنَ إِذَا أَتَى عَلَيْهُنَّ أَقَلَّ أَوْقَاتِ الدُّنْيَا وَإِسْلَامُهُنَّ وَإِسْلَامُ الزَّوْجِ مُجْتَمِعٌ.
وَقَالَ المُزَنِيُّ: وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا قَدَرْنَ إِذَا أُعْتِقْنَ تَحْتَ عَبْدٍ أَنْ يَخْتَرْنَ بِحَالٍ لأَنَّهُنَّ لَا يَقْدِرْنَ يَخْتَرْنَ إِلَّا بِحُرُفٍ وَكُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا فِي وَقْتٍ غَيْرِ وَقْتِ الآخَر وَفِي ذَلِكَ إِبْطَالُ الخِيَار".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء وأسلم وأسلمن معه ثم أعتقن والزوج معًا في وقت واحد وذلك قد يكون من أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون الجميع لسيد واحد فيعتقهم جميعًا بلفظة واحدة وإما أن يكونوا لجماعة فيوكلوا جميعًا واحد فيعتقهم الوكيل بلفظة واحدة وإما أن يعلق كل واحد من ساداتهم عتق من يملكه بصفة واحدة كأن كل واحد منهم قال: إذا أهل المحرمات فأنت حر فيكون إهلال المحرم موجبًا لعتق جميعهم في حالة واحدة وإذا كان كذا وأعتق الزوج وهن معًا فلا خيار لهن لاستوائهن مع الزوج في حال الرق بالنقص وفي حال الكمال بالعتق فلم يفضلن عليه في حال يثبت لهن فيها خيار وقول الشافعي: «وكذلك لو كان عتق وهن معًا» يعني في سقوط الخيار على ما علمك في المسألة الأولى فيمن أمسكت عن الخيار حتى مضى أقل أوقات الدنيا إلا أن في ذلك سقط بعد أن وجب وفي هذا لم يجب.
فصل: فأما إذا أعتق الإماء قبل الزوج ولم يخترن الفسخ حتى أعتق الزواج إما لأنهن لم يعلمن بعتقهن حتى أعتق الزوج ثم علمن وإما لأنهن علمن.
وقيل: إن خيارهن على التراخي دون الفور فلم يعجبه الخيار حتى أعتق الزوج وفي خيارهن قولان: أحدهما: قد سقط السقوط موجبه من النقص وحصول التكافؤ بالعتق.
والثاني: أنه باق بحاله ولهن الخيار بعد عتقه لأن ما استقر وجوبه استحق استيفاؤه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامُ حُرَّتَيْنِ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ عَتَقَ ثنَّ أَسْلَمَتِ

اثْنَتَانِ فِي العِدَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ إِلَّا اثْنَتَيْنِ مِنْ أَيِّ الأَرْبَعِ شَاءَ لَا يَثْبُتُ لَهُ بِعَقْدِ العُبُودِيَّةِ إِلَّا اثْنَتَانِ وَيَنْكِحُ تَمَامُ أَرْبَعٍ إِنْ شَاءَ".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات حرائر ثم أسلم وأعتقن فلهن إذا أسلمن بعده في عددهن ثلاثة أحوال: إحداهما: أن يسلمن قبل عتقه.
والثاني: أن يسلمن بعد عتقه.
والثالث: أن يسلم بعضهن قبل عتقه وبعضهن بعد عتقه.
فإن أسلمن قبل عتقه وهو عبد ثم أعتق له أن يمسك منهن إلا اثنتين لأنهن أسلمن وهو عبد لا يستبيح منهن إلا اثنتين فاستقر الحكم باجتماع الإسلاميين فلم يغيره ما حدث بعده كمن اجتمع إسلامه وإسلامه أمة وهو موسر ثم أعسر أو كان معسر ثم أيسر فإن حكمه معتبرًا باجتماع الإسلاميين في يساره وإعساره ولا تغيره ما حدث بعده من يسار بعد إعسار أو إعسار بعد يسار كذلك هذا وإن أعتق الزوج ثم أسلمن بعد عتقه فله إمساك الأربع كلهن لأنه عند اجتماع الإسلاميين حر تحل له أربع فجاز له إمساك الأربع وإن أسلم بعضهن قبل عتقه وأسلم بعضهن بعد عتقه فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا يستكمل إسلام من يحل له في الرق.
والثاني: أن لا يستكمل فإن استكمل وذلك بأن يسلم قبل عتقه اثنتان وبعد عتقه اثنتان فليس له أن يمسك منهن إلا اثنتين كما لو أسلم جميعهن قبل عتقه لأنه لما اجتمع إسلامه وإسلام اثنتين في العبودية فقد استوفي حقه من عدد المنكوحات في العبودية صار حرًا من الزيادة ممنوعًا فاستقر حكم المنع وإن لم يستكمل العدد قبل عتقه بل أسلمت واحدة قبل العتق وثلاث بعده فالذي يقتضيه حكم التعليل أن يجوز له إمساك الأربع لأنه لم يستوف حقه في العبودية حتى بحدوث الحرية فصار كما لو أسلمن بعدها وإن كان فيه احتمال ضعيف أنه قد وصل منهن إلى بعض حقه فلم يكن له منهن إلا باقية وهو واحدة فلا يمسك منهن إلا اثنتين ثم هكذا لو تقدم إسلامهن عليه ثم أعتق اعتبر حال عتقه فإن أعتق قبل إسلامه أمسك الأربع وإن أعتق بعد إسلامه أمسك اثنتين.
فصل: فإذا تقرر ما ذكرنا فإن جوزنا له إمساك الأربع فلا خيار له كما لا خيار للحر إذا أسلم مع أربع وإن معناه إلا من اثنتين كان له أن يختارهما من الأربع وسواء اختار من أسلم قبل عتقه أو بعده وينفسخ باختيارهما نكاح الباقين وهكذا لو فسخ نكاح اثنتين ثبت نكاحهما اختيار الباقين فإذا اختار اثنتين وفسخ نكاح اثنتين فله أن يستأنف العقد عليهما لأنه حر يستبيح أربع أو يجوز له أن يعقد عليهما في العدة لأنهما منه.

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَ مَعَهُ أَرْبَع فَقَال قَدْ فَسَخْتُ نِكَاحَهُنَّ سُئِلَ فَإِنْ أَرَادَ طَلَاقًا فَهُوَ مَا أَرَادَ وَإِنْ أَرَادَ حِلَّهُ بِلَا طَلَاقٍ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا وَأُحْلِفَ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال لأربع زوجات أسلمن معه قد فسخت نكاحهن سئل: فإن أراد بالفسخ لا حسمًا له فإن قال: أردت به الطلاق قبل منه لأنه الفسخ كتابه فيه وهن زوجات يقع عليهن الطلاق ويكون إيقاعه للطلاق عليهن تحقيقًا لثبوت نكاحهن فإن أكذبنه في إرادة الطلاق فلا يمين عليه لأنه لو رجع عنه لم يقبل منه وإن قال: أردت بالفسخ حل النكاح ورفع العقد بغير طلاق كما يفسخ نكاح من زاد على الأربع لم يكن له ذلك وهو على الزوجية لأن الفسخ يقع على من لا يجوز له إمساكها ويجوز له إمساك الأربع فلم يجز أن يفسخ نكاحهن فإن أكذبنه وقلن: أراد بالفسخ الطلاق أحلف بالله تعالى ما أراد به الطلاق فإن نكل حلفن وطلقن وإن قال: أردت بالفسخ طلاق اثنتين وحل نكاح اثنتين وقع الطلاق على من أرادهما بالفسخ ولهما إطلاقه ولا يمتنع أن يكون اللفظ واحدًا ويختلف حكمه فيهن باختلاف النية، والله أعلم بالصواب.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ كُنَّ خَمْسًا فَأَسْلَمَتْ وَاحِدَةً فِي العِدَّةِ فَقَالَ: قَدْ اخْتَرْتُ حَبْسَهَا حَتَّى قَالَ ذَلِكَ لأَرْبَعِ ثَبَتَ نِكَاحُهُنَّ بِاخْتِيَارِهِ وَانَفَسَخَ نِكَاحُ البَوَاقِي».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا تزوج المشترك بأكثر من أربع كأنه تزوج ثماني زوجات ثم أسلم وأسلم معه منهن أربع فهو بالخيار بين ثلاثة أمور ذكرناها: أحدها: أن الخيار للأربع المسلمات فينفسخ باختياره لهن نكاح الأربع المشركات سواء أسلمن في عددهن أم لا؟ وهذا لو فسخ نكاح الأربع المتأخرات كان اختيار النكاح الأربع المسلمات لأن الاختيار والفسخ يتقابلا فكان في كل واحد منهما دليل على الآخر.
والثاني: أن يمسك عن اختيار الأربع المسلمات انتظار الأربع المشركات فيكون له ذلك فإن لم يسلمن حتى مضت عددهن ثبت نكاح الأربع المتقدمات وإن أسلمن في عددهن كان له أن يقيم على أربع من أيتهن شاء.
إما الأربع المتقدمات.
وإما الأربع المتأخرات وإما على بعض المتقدمات ويستكمل أربعًا من المتأخرات فلو مات الأربع المتقدمات.
ثم أسلم الأربع المتأخرات كان خياره باق في الموتى كبقائه في الأحياء؛ لأن اختياره لهن إبانة على تقدم نكاحهن فإن اختار الأربع الموتى انفسخ نكاح الأحياء وكان له الميراث في الموتى ومن في زوجتيه وإن اختار الأربع الأحياء وبعض الموتى

وإنهن متن أجنبيات فله يرثهن وإن اختار بعض الأحياء وبعض الموتى فعلى ما مضى.
والثالث: أن يختار الزوج عند إسلام الأربع معه بعضهن وانتظر إسلام الباقيات كأنه اختار من الأربع اثنتين وتوقف عن الاثنتين انتظارًا لإسلام الأربع المتأخرات فثبت نكاح الاثنتين المختارتين فإذا أسلم الأربع المتأخرات كان له يختار الجميع وهن ست اثنتين تمام أربع من أيتهن شاء وينفسخ نكاح الأربع الباقيات.
فإذا تقررت هذه الجملة فمسألة الكتاب أن يقول وقد أسلم معه من الثماني واحدة قد اخترتها ثم تسلم ثانية فيقول: قد اخترتها ثم تسلم ثالثة فيختارها ثم تسلم رابعة فيختارها فقد ثبت نكاح الأربع المسلمات لاختيار كل واحدة بعد إسلامها وانفسخ به نكاح الأربع المتأخرات ثم تراعى أحوالهن وإن يسلمن حتى انقضت عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدينين من وقت إسلام الزوج وإن أسلمن في عددهن وقعت الفرقى بالاختيار واستأنفن العدة من اختياره الرابعة لأن باختيارها ممن سواها فلا يكون الفسخ طلاقًا سواء وقع باختلاف الدينين أو بالاختيار.
وقال أبو حنيفة: إن وقع الفسخ بإسلام الزوجة وتأخر الزوج كان طلاقًا وإن وقع الفسخ بإسلام الزوجة لم يكن طلاقًا وكلا المذهبين خطأ لأن ما وقعت الفرقة فيه بغير طلاق لم يكن طلاقًا كسائر الفسوخ والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ فَقَدِ اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكَاحِهَا لَمْ يَكُنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ طَلَاقًا فَإِنْ اخْتَارَ إِمْسَاكَ أَرْبَع فَقَدْ انْفَسَخَ نِكَاحُ مَنْ زَادَ عَلَيْهِنَّ.
قَالَ المُزَنِيُّ القِيَاسُ عِنْدِي عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَذَفَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ أَوْ ظَاهَرَ أَوْ آلَى كَانَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا فَإِنْ اخْتَارَهَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا مَا عَلَيْهِ فِي الزَّوْجَاتِ وَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا سَقَطَ عَنْهُ الظِّهارُ وَالإِيلَاءُ وَجُلِدَ بِقَذْفِهَا».
قال في الحاوي: وصورتها في مشرك تزوج بثماني زوجات ثم أسلم قبلهن فيتعلق بها ثلاثة فصول: أحدها: أن يقول لنسائه كلما أسلمت منكن فقد اخترت إمساكها فهذا لا يصح لمعنيين: أحدهما: أنه اختيار معلق بصفة والاختيار للنكاح لا يجوز أن يعلق بصفة.
والثاني: أنه اختيار لمبهمة غير معينة والاختيار لا يصح إلا لمعينة كالنكاح.
والفصل الثاني: أن يقول لهن: كلما أسلمت واحدة فقد فسخت نكاحها فهذا لا يصح لمعنيين:

أحدهما: أنه فسخ معلق بصفة لا يجوز تعلق الفسخ بالصفات.
والثاني: أنه فسخ قبل وقت الفسخ لأنه يستحق فسخ من زاد على الأربع وقد يجوز أن لا يسلم أكثر من أربع فلا يستحق فيه فسخ نكاحهن.
والفصل الثالث: أن يقول لهن: كلما أسلمت واحدة فقد طلقتها ففيه وجهان: أحدهما: أنه يصح لأنه الطلاق يجوز تعليقه بصفة فإذا أسلم منهن أربع طلقهن وكان ذلك اختيارًا لهن لأن الطلاق لا يقع على زوجة وينفسخ الأربع الباقيات لأن الطلاق في المتقدمات قد يتضمن اختيارهن فصار فسخًا لنكاح من سواهن وهذا هو الظاهر من كلام الشافعي؛ لأنه قال: «وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ فَقَدِ اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكَاحِهَا لَمْ يَكُنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ طَلَاقًا» فدل على أنه لو قال: كلما أسلمت واحدة فقد طلقتها صح طلاقها.
والفرق بين الفسخ في أن لا يجوز تعليق بصفة وبين الطلاق في أن جواز تعليق بالصفة أن الفسخ موضوع لتمييز الزوجة عن الزوجة فلم يجز تعليقه لعدم التمييز المقصود فيه والطلاق حل لنكاح الزوجة فجاز تعلقه بالصفة لوجود حل النكاح به.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وطائفة معه: أن قوله للمثاني المشركات كلما أسلمت واحدة فهي طالق لا يصح لأن الطلاق وإن جاز تعلقه بالصفة فهذا الطلاق هاهنا لا يجوز تعليقه بالصفة لأنه يتضمن اختيارًا أو فراقًا ولا يجوز تعليق الاختيار بالصفة كذلك لا يجوز تعليق الطلاق الذي قد تضمنه اختيار الصفة ويتأول قائل هذا الوجه كلام الشافعي هاهنا بتأويلين: أحدهما: أن قول الشافعي: «كلما أسلمت واحدة فقد اخترت فسخ نكاحها لم يكن هذا شيئًا إلا أن يريد طلاقها» فيصح ويقع الطلاق إذا كان زوجاته في الشرك أربعًا لا يزدن عليها فيقع طلاق كل واحدة منهن إذا أسلمت لأنه طلاق محض لا يتضمن اختيار فجاز تعليق بالصفة.
والثاني: أن كلام الشافعي حكاية عن حال الزواج وليس من لفظ الزوج ويكون معنى قوله: «كلما أسلمت واحدة» أن الزوج قال عند إسلام كل واحدة قد فسخت نكاحها يريد الطلاق طلقت لأنه لو اختارها في هذه الحال صح فصح أن يطلقها فعلى هذا لو أسلم معه الثماني كلهن فقال لهن: أيتكن دخلت الدار فقد فسخت نكاحها لأنه فسخ بصفة ولو قال: أيتكن دخلت الدار فهي طالق كان على ما ذكرنا من الوجهين: أحدهما: لا يصح لأنه يتضمن اختيارًا بصفة.
والثاني: يصح تغليبًا لحكم الطلاق فإذا دخلها أربع طلقن وانفسخ نكاح الباقيات فيصير الطلاق معلقًا به ثلاثة أحكام: أحدها: اختيار المطلقات.
والثاني: فراقهن.

والثالث: نسخ نكاح من عداهن فعلى هذا لو دخل الثماني الدار كلهن في حالة واحدة لم يتقدم بعضهن بعضًا ووقع الطلاق على الزوجات الأربع منهن وجهًا واحدًا لأنه طلاق لا يتضمن الاختيار.
وقيل له: اختر أربعًا منهن فإذا اختارهن تعين وقوع الطلاق فيهن وانفسخ نكاح الباقيات بغير طلاق والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «وَلَوْ أَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَلَ لَا أَخْتَارُ حُبِسَ حَتَّى يَخْتَارَ وَأَنْفَقَ علَيهنَّ مِنْ مَالِهِ لَأَنَّهُ مَانِعٌ لَهُنَّ بِعَقْدٍ مُتَقَدِّمٍ ولَا يُطَلِّقُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ كَمَا يطَلِّقُ عَلَى المَوْلَى فَإِنْ امْتَنَعَ مَعَ الحَبْس عُزِّرَ وَحُبِسَ حتَّى يَخْتَارَ وَإِنْ مَاتَ أَمَرْنَاهُنَّ أَنْ يَعْتَدِدْنَ الآخَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرِ وَعَشَرٍ أَوْ ثَلَاثِ حَيْضةٍ وَيُوقَفُ لَهُنَّ المِيراثُ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ فِيهِ».
قال في الحاوي: وصورتها في مشرك أسلم وأسلم معه ثماني زوجات فعليه أن يختار منهن أربعًا لئلا يصير جامعًا بين ثمان فإن توقف عن الاختيار سأله الحاكم عن توقفه وأمره بتعجيل اختياره لأن لا يستديم ما حظره الشرع في الجمع فإن سأل إنظاره ليفكر في اختياره ويرتئي في أحظهن له أنظره ما قل من الزمان الذي يصح فيه فكره وهل يجوز أن يبلغ بأنظاره ثلاثة أيام أم لا؟ على قولين كالإنظار للمولى والمرتد فإذا اختار بعد الأنظار فهو مخير بين أن يختار أربعًا فيكون اختياره لهن فسخًا لمن عداهن وبين أن يفسخ نكاح أربع فيكون فسخه اختيارًا لنكاح من عداهن إلا أن يكون الباقيات بعد فسخ نكاح الأربع أكثر من أربع كأنهن عشر فيحتاج بعد فسخ الأربع أن يختار من الست أربعًا أو يفسخ منهن نكاح اثنتين فيثبت نكاح الأربع واختياره وفسخه بالقول فاختياره قولًا أن يقول: قد اخترت نكاحها أو قد اخترت إمساكها أو قد اخترت جنسها فإن قال: قد أخرتها صح فكذلك لو قال: قد أمسكتها لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: 229] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لغيلان: «أمسك أربعًا» وإن قال: قد حبستها لم يصح اختياره لاحتماله ولأن الشرع لم يأت به وإن قال: قد ردتها لم يصح اختيارها لاحتمال أن يكون ردها إلى أهلها أو ردها إلى نفسه فلو أراد به الاختيار لم يصح الاختيار يجري مجرى عقد النكاح الذي لا يصح إلا بالتصريح دون الكناية.
وفسخه قولان: أن يقول قد فسخت نكاحها أو قد رفعت نكاحها أو قد أنزلت نكاحها فكل ذلك فسخ صريح لأنها ألفاظ مشتركة المعاني.
ولو قال: قد صرفتها أو أبعدتها كان كناية يرجع إلى إرادته فيه فإن أراد به الفسخ صح لأن الفسخ يجري مجرى الطلاق الذي صح بالتصريح وبالكناية فلو قال قد حرمتها كان كناية يحتمل الفسخ ويحتمل الطلاق فإن أراد به الطلاق كان اختيارًا وإن أراد به الفسخ كان فسخًا وإن لم يكن له إرادة

لم يكن طلاقًا وهل يكون فسخًا أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يكون فسخًا لأن المفسوخ نكاحها محرمة.
والثاني: لا يكون فسخًا لأمرين: أحدهما: أن الكناية إذا تجردت عن نية لم يتعلق بها حكم.
والثاني: أنه حكم ثبت بعد الفسخ فاقتضى أن يتقدمه ما يقع به الفسخ فلو قال: قد فارقتها كان فسخًا ولو قال: قد طلقتها كان اختيارًا.
والفرق بينهما وإن كانا صريحين في طلاق الزوجات أن الطلاق لا يقع إلا على زوجة فلذلك جعلنه اختيارًا والفراق قد يقع على زوجته فيكون طلاقًا وعلى غير زوجته: فيكون إبعادًا فلذلك جعل فسخًا فلو قال: أردت بالفراق الطلاق قبل منه وصار اختيارًا وطلاقًا ولو قال: أردت بالطلاق الفسخ لم يقبل منه لأنه الطلاق لا يصح إلا على زوجته والفسخ لا يكون هاهنا إلا بغير زوجته فأما إذا قال: قد سرحتها كان كالفراق فسخًا لأنه أشبه بمعناه فإن أراد به الطلاق صار اختيار كالفراق فأما إذا ظاهر منها أو آلى لم تكن اختيارًا ولا فسخًا لأن الظهار والإيلاء قد تخاطب به الزوجة وغير الزوجة وإن لم يستقر حكمها إلا في زوجته وإذا لم يكن الظهار في الحال اختيارًا ولا فسخًا نظر في التي ظاهر منها وإلى فإن اختار فسخ نكاحها سقط حكم ظهاره وإيلائه وإن اختار جنس نكاحها ثبت ظهاره وإيلاؤه منها لأنها كانت زوجته وقت ظهاره وإيلائه.
فصل: فأما إذا وطئ من الثماني الموقوفات على اختياره وفسخه أربعًا فهل يكون وطؤه اختيارًا لهن كما يكون وطء البائع للجارية المبيعة في خيار الثلاثة اختيارًا لفسخ البيع؟ فعلى هذا قد ثبت بوطئهن اختيار نكاحهن وانفسخ به نكاح من عداهن.
والثاني: أن لا يكون اختيارًا لأن الاختيار يجري مجرى عقد النكاح والنكاح لا يعقد إلا بالقول دون الفعل كذلك الاختيار وخالف الفسخ في البيع لأنه استفادة ملك والأملاك قد تستفاد بالملك كالسبي وبالقول كالبيع فجاز أن يستفاد ملكه بالقول والفعل فعلى هذا يكون على خياره من شاء من الموطوءات وغيرهن فإن اختار إمساك الموطوءات ثبت نكاحهن وكانت إصابته لهن إصابة في زوجته فلا يجب لهن مهر ولا يجب عليهن عدة وإن اختار إمساك غير الموطوءات ثبت نكاحهن بالاختيار وانفسخ نكاح الموطوءات وكانت إصابته لهن إصابة شبهة لأجنبيات فلا حد عليه لأجل الشبهة وعليه لهن مهور أمثالهن وعليهن العدة وتكون عدة الفسخ والإصابة معًا يتربص بأنفسهن أبعد الأجلين وهو الفسخ لأنه بعد الوطء.
فصل: فإذا تقرر ما وصفناه من حكم اختياره وفسخه فأقام عن الامتناع منهما فلم يختر ولو

يفسخ حبسه السلطان تأديبًا لمقامه على معصية ولامتناعه من حق ولإضراره بموقوفات على اختياره فإن أقام على الامتناع بعد حبسه عزره ضربا بعد أن عزره حبسًا ولم يجز أن يختار السلطان عليه أو يفسخ وإن جاز في أحد قوليه أن يطلق على المولى إذا امتنع من الفيئة أو الطلاق والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الاختيار كالعقد الذي لا يجوز أن يعد عليه جبرًا فلم يجز أن يختار عليه جبرًا والطلاق كالفسخ الذي يجوز أن يفسخ عليه جبرًا فجاز أن يطلق عليه جبرًا.
والثاني: أن الطلاق في الإيلاء معين لا يقف على الشهود فجاز إيقاعه عليه جبرًا وإذا كان هكذا أطيل حبسه وتعزيره حتى يجيب إلى الاختيار والفسخ بنفسه.
فصل: ثم لهن في زمان حبسه ووقفهن على اختياره وفسخه النفقة والسكنى لأنهن موقوفات عليه بنكاح سابق فكان أسوأ أحوالهن أن يجرين مجرى المطلقة الرجعية في زمان عدتها في وجوب النفقة والسكنى لها فإن مات الزوج سقطت نفقاتهن لزوال ما أوجب النفقة من وقت نكاحهن فلم يجز أن يختار الوارث بعد موته لأن الاختيار لا يصح فيه النيابة ولا يجوز أن يوقعه الحاكم جبرًا وتعلق بموته فصلان: أحدهما: في العدة.
والثاني: في الميراث.
فأما العدة ففيها أربع زوجات يلزمهن الوفاة وفيهن أربع مفارقات يلزمهن عدة الاستبراء من وطء ليس يتميز الزوجات عن غيرهن ولا يخلو حالهن فيها من ثلاثة أقسام: وإما أن يكن من ذوات الحمل أو ذوات الأقراء أو من ذوات الشهور فإن كن حوامل اعتددن بوضعه وقد استوت فيه عدة الوفاة وعدة الاستبراء وإن كن من ذوات الشهور لصغر أو إياس فعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا وعدة الآيسة ثلاثة أشهر فتعتد كل واحدة بأطول العدتين وهي أربعة أشهر وعشرًا وإن كن من ذوات الأقراء فعدة الوفاة فيهن أربعة أشهر وعشرًا وعدة الاستبراء ثلاثة أقراء فتعتد كل واحدة منهما بأبعد الأجلين من أربعة أشهر وعشرًا أو ثلاثة أقراء لتكون مستبرئة لنفسها بيقين فإن مضت ثلاثة أقراء قبل أربعة أشهر وعشرًا استكملت تمام أربعة أشهر وعشرًا لجواز أن تكون زوجة أو مضت أربعة أشهر وعشرًا قبل أقراء استكملت ثلاثة أقراء لجواز أن تكون مستبرأة من غير زوجية.
فصل: فأما الميراث فيوقف لهن إن لم يحجبن الربع وإن حجبن الثمن لأن فيهن أربع زوجات وارثات وإن لم يتعين فيكون موقوفًا على محلهن فإن اصطلحن عليه متساويات أو متفاضلات أو على تعيين أربع منهن يقتسمنه وتحرم الباقيات جاز أن لا يكون فيهن

محجور عليها لصغر أو جفون قال الشافعي في كتاب "الأم" فليس لوليها أن يصالح عنها بأقل من نصف ميراث زوجته وهو ثمن الموقوف لهن من ربع أو ثمن لأنه لما كان ثمانيًا متساويات الأحوال كان الظاهر من وقف ذلك عليهن يساويهن فيه وأن الموقوف على كل واحد منهن ثمن الوقف فلم يجز أن يصالح الولي على أقل من مقتضى الوقف فلو كان وقف ميراثهن على حاله فجاءت واحدة تطلب من الموقوف شيئا لم تعط لجواز أن تكون أجنبية وكذلك لو جاء منهن اثنتان أو ثلاث أو أربع لجواز أن يكن الأربع كلهن أجابت والباقيات زوجات فإن جاء منهن خمس تحققنا حينئذٍ أن منهن زوجته فدفعنا إليهن إذا طلبن بعين مالهن وهو ربع الموقوف من ربع أو ثمن يدفع ذلك إليهن بشرط الرضي به عن حقهن فيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه لا يدفع ذلك إليهن إلا على شرط الرضى به عن حقهن وإلا منعه منه حتى يتراضى جميعهن فعلى هذا إذا دفع ذلك إليهن على هذا الشرط وجب دفع الباقي من الميراث وهو ثلاثة أرباعه إلا الثلاث الباقيات.
والثاني: أنه لا يلزمه اشتراط ذلك عليهن في الدفع هذا يكون الباقي من ثلاثة أرباع ميراثهن موقوفًا لا يجوز أنه ينفرد بعضهن بشيء من الموقوف جميعهن إلا عن تراض واصطلاح فلو كان المطالبات منهن ستًا دفع إليهن نصف الموقوف من ميراثهن لأن فيهن زوجتين وكان النصف الباقي على الوجهين ولو كان فيهن سبع دفع إليهن ثلاثة أرباع الموقوف لأن فيهن ثلاث زوجات وكان الربع الباقي على الوجهين ولو كان الثمان كلهن يطلبن دفع إليهن جميع ميراثهن لأنه موقوف عليهن وليس فيه حق لهن.
فصل: وإذا أسلم المشرك عن ثمان زوجات مشركات: أربع منهن وثنيات أسلمن معه وأدرج كتابيات بقين على دينهن كان بالخيار بين أن يختار إمساك الأربع الكتابيات فإن مات عنهن لم ترثنه وبين أن يختار بعض المسلمات وبعض الكتابيات فإن مات ورثه المسلمات دون الكتابيات فلو مات قبل اختيار أربع منهن فقد اختلف أصحابنا هل يوقف ميراثهن من تركته أم لا على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي القاسم الداركي لا يوقف لهن شيئا لأننا نوقف ما تحققنا استحقاقه وجهلنا مستحقه وقد يجوز أن يكون الزوجات منهن الذميات فلا يرثن فلذلك لم توقف ميراث الزوجات.
والثاني: يوقف ميراث الزوجات لأن لباقي الورثة لا يجوز أن ندفع إليهم إلا ما تحققنا استحقاقهم له فلا يدفع إليهم مشكوكًا فيه وقد يجوز أن يكون زوجاته منهن المسلمات فلا يكون لباقي الورثة في ميراثهن حق فلذلك كان موقوفًا والله أعلم.

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ وَثَنِيَّةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا فِي عِدَّتِهَا فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ.
وقَالَ الْمُزَنِيّ: أَشْبَهَ بِقَوْلِهِ أنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ كَمَا جَعَلَ نِكَاحَ مَنْ لَمْ تُسْلِمْ مَوْقُوفًا فَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ امْرَأَتَهُ وَإنْ انْقَضَتَ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا امْرَأَةً لَهُ فَيَصِحَّ نِكَاحُ الأَرْبَعِ لأنَّهُ عَقَدَهُنَّ وَلَا امْرأَةَ لَهُ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أسلم المشرك عن زوجة وثنية هي جارية في عدتها في الشرك فنكح أختها أو خالتها أو عمتها أو أربعًا كان نكاحه باطلًا.
وقال المزني: يكون موقوفًا على إسلام الوثنية فإن أسلمت بطل عقده على أختها وعلى أربع سواها لعلمنا أنها كانت زوجة وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها صح على أختها وعلى أربع سواها لعلمنا أنها لم تكن زوجة.
قال: لأنه لما كان نكاح الوثنية موقوفًا جاز أن يكون نكاح أختها موقوفًا وهذا خطأ لأن عقد النجاح إذا لم يقع ناجزًا لم يقع موقوفُا وكان باطلًا والعقد على أخت زوجته الوثنية ليس بنكاح فبطل ولو يكن موقوفًا ألا تراه لو نكح مرتدة ليكون العقد عليها موقوفٌا على إسلامها لم يجز وكان باطلًا لأنه لم ينعقد ناجزًا ولأنه لو نكح أخت زوجته المرتدة كان باطلًا ولم يكن موقوفًا على إسلامها كذلك إذا نكح أخت زوجته الوثنية ولأنه نكح من لا يقدر على الاستمتاع بها فكان ناكحها باطلًا كنكاح المرتدة والوثنية فأما استدلاله يوقف على نكاح المشرك ففاسد لأن حل النكاح يجوز أن يكون موقوفًا وعنده لا يجوز أن يكون موقوفًا لوقوع الفرق بين ابتداء العقد واستدامته ألا تراه لو نكح محرمة أو معتدة بطل نكاحها لوجود المنع في ابتدائه ولو طرأت العدة أو الإحرام عليها بعد نكاحها لم يمنع من استدامته.
فصل: فأما إذا أسلمت الزوجة قيل الزوج فنكح الزوج في الشرك أختها أو خالتها صح النكاح وإن كانت الأخت المسلمة في العدة لأن مناكح الشريك معفو عنها فإن أسلم وأسلمت معه المنكوحة في الشرك وأختها باقية في العدة صار كالمشرك وإذا أسلم مع أختين فيكون بالخيار ويبطل نكاح المتأخرة لأن نكاحها ثبت بالإسلام من نكاح المتأخرة وهذا غير صحيح لأن نكاح الزوج لهما معًا في الشرك فصار حكم نكاحه للثانية بعد إسلام الأولى كحكم نكاحه لها مع شرك الأولى اعتبارًا بالمتعاقدين دون غيرها والله أعلم.

جارٍ التحميل