بحر المذهب للرويانيصفحات 229-268

فصل الأصل في وجوب الصيام الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] معناه فرض عليكم وإنما قال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ تسلية للقلوب وتهوينا للخطب ولم يعين الصوم [255 أ/4] في هذه الآية ثم عين في آية أخرى فقال: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وأما السنة: فما روي ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس" 1،... الخبر إلى أن قال: "وإيتاء الزكاة وصوم رمضان"، وروي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لصوته دوي لا يفقه ما يقول فدنا منه فإذا هو يسال عن الإسلام فذكر له إلى أن ذكر له صوم شهر رمضان فقال: هل عليَّ غيره قال: "لا إلا أن تطوع" 2، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها قلوبكم وحجوا بيت ربكم تدخلوا جنة ربكم" 3. وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه فإذا تقرر هذا فاعلم أن معنى الصوم والصيام واحد وهما في حقيقة اللغة الكف عن الشيء والإمساك، ولهذا سمي الساكت صائمًا قال الله تعالى: ﴿إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] أي: صمتًا ويقال: صام النهار إذا استوت الشمس للزوال لأن لها وقفًا عن السير ويقال: خيل صائمة إذا وقفت عن [255 ب/4] السير، ومنه قول النابغة 4: خيلٌ صيامٌ وخيلُ غيرُ صائمةٍ... تحت العجاجِ وأُخْرىَ تَعْلِكُ اللُّجَما ومعناه في الشرع الإمساك عن أشياء مخصوصة مثل الطعام والشراب، والجماع واستنزال المني فكأنه نقل من اللغة على الشريعة وهو أخصر من اللغوي ولكنه ضمت إليه النية، ثم اعلم أن عند الشافعي المراد بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] شهر رمضان وصوم رمضان هو أول ما فرض وليس هو بمنسوخ بل بين بقوله

تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وهذه الآية الثانية بيان لا ناسخة، وقيل: أول ما فرض صوم يوم عاشوراء، وروي عن معاذ رضي الله عنه أنه قال: فرض الله تعالى أولاً صوم يوم عاشوراء ثم نسخه بشهر رمضان 1 وقيل: أول ما فرض صيام ثلاثة أيام من كل شهر وهو المراد بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] ثم نسخ بشهر رمضان وقيل: أول ما فرض صيام أيام البيض وفي وجهان: أحدهما: أنه الثاني عشر وما يليه والثاني: أنه الثالث عشر وما يليه وهو الأصح ثم نسخ [256 أ/4] بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وقيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليهم شهر رمضان إلا أن اليهود تركوه إلى يوم واحد من السنة، والنصارى نقلوه إلى وقت وزادوا عشرة أيام ثم مرض ملكهم فزادوا عند شفائه عشرة أيام شكرًا لله تعالى فيصومون الآن خمسين يومًا، ولهذا قال تعالى: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]. يعني هداكم لهذا الشهر وضل عنه من كان قبلكم.
واعلم أن صفة الصوم في ابتداء الإسلام هو أن يمسك من حين يصلي العشاء الآخرة أو ينام إلى أن تغيب الشمس فإذا غربت الشمس حل الطعام والشراب إلى أن يصلي العشاء أو ينام والأصل في ذلك ما روي عن البراء بن عازب أنه قال: كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثله.
وإن صرمة بن قيس الأنصاري أتى امرأته وكان صائمًا فقال: عندك شيء فقالت لا ولكني أذهب فأطلب لك فذهبت وغلبت عينه فنام فجاءت فقالت: خيبة لك وصام من الغد فلما انتصف النهار غشي عليه وكان يعمل في أرض فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [256 ب/4] إلى قوله: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ [البقرة: 187] الآية 2، وروى ابن عباس رضي الله عنه أن رجلاً اختان نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله تعالى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 187] تفتعلون من الخيانة 3. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: أصاب عمر بن الخطاب أهله بعد العشاء الآخرة ونام حمزة رضي الله عنه قبل أن يشبع من الطعام ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فأكل وشرب ثم أتيا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبراه فأنزل الله تعالى هذه الآية فكأن ذلك عفوًا من الله تعالى ورحمته.
واختلفوا لما سمي رمضان فقال ابن عمر: سمي بذلك لأن وجوبه وافق رمضان الحر فسمي رمضان من قولهم رمضت الفصال ورمضت الأرض إذا حميت، وقيل وهو الأولى: إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي: يحرقها، قاله أنس رضي الله عنه.
ثم اعلم أن الله تعالى كان قد أوجب الصوم في الابتداء [257 أ/4] على التخيير بين الصوم والإفطار بالفدية فقال

تعالى: ﴿وَعَلَى اّلَّذِينَ يُطِيقُونِهُ فِدّيَةُ﴾ [البقرة: 184], وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184] ثم نسخ التخيير بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185], هكذا قاله ابن عباس وسلمه بن لأكوع رضي الله عنهما.
وقيل: إن هذا للشيخ الهرم يتخير بين الفطر والفدية, وبين تكلف الصوم ولم يكن القادر مخيراً قط والأول أصح, واعلم أنه نزل فرض صوم رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة لليلتين خلتا منه وفي هذا الشهر فرض استقبال الكعبة واختلف السلف في الأفضل فقال بعضهم: الصلاة هي أفضل من الصيام لتقدم فرضها ومقارنتها للإيمان, وقال آخرون: الصيام أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله: "كل عمل ابن ادم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى عليه" 1، وقال آخرون: الصلاة بمكة أفضل من الصيام والصيام بالمدينة أفضل من الصلاة مراعاة لموضع نزول فرضهما فإذا تقرر هذا فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقولوا [257 ب/4] رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان" 2، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" 3، وذكر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "جاء رمضان شهر مبارك" 4، قال أصحابنا وجه الجمع بينهما أنه يلفظ بذكر رمضان ولم يعرف به ما يدل على أن المراد به الشهر يكره ذلك, وإذا قرن به ما يدل على أن المراد به الشهر لا يكره ذلك.
مسألة: قال 5: وَلاَ يُجوزُ لِأَحَدٍ صيامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضان.
الفصل وهذا كما قال: نية الصوم شرط في صحته ولا يصح شئ من الصيام من غير نية سواء صام في الحضر أو في السفر وسواء كان صحيحاً أو مريضاً وسواء كان فرضاً أو تطوعاً, وقال زفر: صوم رمضان لا يفتقر إلى النية أصلاً إذا كان متعيناً فإن لم يكن متعيناً مثل أن يكون مريضاً أو مسافراً يفتقر إلى النية [258 أ/4] وكذلك غير صوم عطاء ومجاهد واحتجوا بأنه مستحق العين فلا يفتقر إلى النية أصلاً كرد المغضوب وهذا غلط, لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" 6.

وروى "لمن لم ينو" وروي "لمن لم يعزم"، وروي "لمن لم يفرض"، وروي "لمن لم يجمع", وروي "لمن لم يبيت"، وروي "لمن لم يورض"" أورده الدار قطنى رحمه الله, والتوريض هو التمهيد, وروي "لا صيام لمن يورضه قبل الفجر" أي: لم يهيئه, يقال أرضت المكان إذا سويته وهيأته, وروت ميمونة بنت سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أجمع الصوم من الليل فليصم ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم" 1 ولأنه عبادة لا تصح بعض أنواعه بغير نية فلا يصح شئ منه بغير نية كالصلاة والزكاة, وأما رد المغصوب فمن باب المعاملات لأن باب العبادات بخلاف هذا فافترقا فإذا تقرر هذا فالكلام في وقت النية فالفرض لا يصح إلا بالنية من الليل سواء كان صوم [258 ب/4] رمضان أو قضاء غير رمضان أو صوم نذر أو صوم كفارة, ويه قال مالك وأحمد, وقال أبو حنيفة: صوم رمضان يجوز بالنية قبل الزوال واحتج بأن هذا يدل عن صوم عاشوراء وصوم عاشوراء جاز بالنية قبل الزوال لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل العوالى يوم عاشوراء, وقال: "من أكل منكم فليمسك بقية نهاره ومن لم يأكل فليصم" 2، وهذا غلط لما ذكرنا من الأخبار, ولا نسلم أنه بدل عن صوم عاشوراء ولم يكن صوم عاشوراء واجباً قط في قول بعض أصحابنا بدليل أنه قال: "من أكل فليمسك" ولم يأمر بالقضاء ومن أصحابنا من قال: كان واجباً ولكنه وجب في بعض النهار فوجبت النية من ذلك الوقت بخلاف صوم رمضان فإذا تقرر هذا تجب النية لكل يوم ولا تجزيه أن ينوى في أول ليلة رمضان لجميع صوم رمضان, وقال مالك: يجوز ذلك, وروى ذلك عن أحمد واحتجا بأن صوم كل شهر رمضان هو كعبادة واحدة لأن له حرمة واحدة كل يوم هو ركن منها [259 أ/4] وهذا غلط, لأنه صوم يوم مفروض فيفتقر إلى النية من ليلته كاليوم الأول وقولهم إنه كعبادة واحدة غلط, لأن إفساد بعضه لا يفسد الباقي وقد يلزم بعضه دون بعض إذا أسلم الكافر في أثناء شهر رمضان وبلغ الصبي, وأما كيفية النية عندنا صوم الفرض يفتقر إلى تعيين النية ويه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يفتقر صوم رمضان إلى التعيين ولو نوى صوماً مطلقاً يجوز عن صوم رمضان ولو نوى صوم التطوع يقع عن رمضان, وإن نوى صوم القضاء أو صوم ألمذر أو صوم الكفارة وقع ما نوى ويلزمه قضاء رمضان وقال أبو يوسف ومحمد: حكم المسافر حكم المقين ولو نوى النفل في السفر فعن أبى حنيفة روايتان فإذا تقرر هذا فكيفية التعيين قال أبو إسحاق: ينوى أن يصوم غداً عن رمضان صوم الفرض وقيل: هل يلوم أن يقول لله تعالى وجهان, وقال ابن أبى هريرة: لا يحتاج إلى نية الفرض وهذا هو المذهب، لأن صوم رمضان ممن عليه الفرض لا يكون إلا فرضاً [259 ب/4]

وهو كالاختلاف في كيفية تعيين نية الصلاة ثم إذا نوى من الليل صحت نيته سواء نوى في أول الليل أ, في أخره, أو فيما بينهما وسواء أكل بعد النية أو جامع أو نام وانتبه بعد ذلك وإذا بقى عليه من الليل قدر النية تعينت عليه كما إذا بقى من وقت الصلاة يتعين فعلها وهذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: لا تصح النية في النصف الأول من الليل وتصح في النصف الثاني لأن النصف الأول هو تابع لليوم الماضي لا للمستقبل, وحكي عن أبى إسحاق أنه إن نوى ثم أكل بعده أو جامع فسدت نيته وعليه أن يستأنف النية, وحكي عن الاصطخرى أنه لما بلغه عنه هذا قال: استثنيت من قال هذا فإن تاب وإلا قتلته لأنه خلاف الإجماع وهو خلاف نص الشافعي أيضاً لأنه قال: طلع الفجر وفي فيه طعام لفظه فإن ازدراده أفسد صومه, وإن كان مجامعاً أخرجه مكانه ونيته تكون قبل ذلك ولأن الله تعالى قال: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: 187], [260 أ/4] فأباح الأكل إلى أخر الليل, فلو اشترطت النية بعد الطعام لبقى جزء من أجزاء الليل يجب فيه الإمساك والصحيح أن هذا حكي عنه حكايته ولا يوجد ذلك في كتبه وليس بمذهب له وقيل: رجع عنه عام حجته وأشهد على نفسه.
فرع لو نوى فكان انتهاء النية مع انتهاء الليل أجزأته وإن كان انتهاء الليل قبل انتهائها مثل إن كان بعضها بعد الفجر وبعضها قبله لم يجزئه, ولو وافقت مع الطلوع حتى وقعت النية والطلوع معاً ولم يفت من النهار جزء لا يجوز لأنه يمضى جزء من النهار عند الطلوع فيكون بغير كمال النية وهذا هو المذهب, وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز لأنه استغرق النهار بالنية والنية والنية تجرى مع أول العبادة وإنما رخص في تقديمها للمشقة, قال القفال: وهذا أقيس.
فرع آخر لو قالت الحائض: نويت ان أصوم غداً إن انقطع حيضي فاتفق انقطاعها قبل الفجر فإن لم يكن انضم إلى نيتها ما يدل على انقطاعها لا يجوز, وإن انضم دليل إلى [260 ب/4] نيتها فإن كانت مبتدئة يتم لها خمسة عشر في تلك المدة يصح, وإن كانت معتادةً وهى أخر عادتها فيه وجهان: أحدهما: يجوز لان العادة دلالة, والثاني لا يجوز لأن العادة قد تتغير والأصل بقاء الحيض.
فرع آخر لو قام في أخر الليل وقال: أتسحر لأقوى على الصوم فهذا لا يكفي في النية بلا خلاف.
فرع آخر إذا كان رمضان في سنة سبعين فقدر أنها سنة تسع وستين أو إحدى وسبعين فنوى

في صومه ذلك لا يصح لأنه... 1 من السنة التي قبلها ولم ينو الصوم الواجب ولو نوى ليلة الثلاثاء أن يصوم غداً واعتقد أنه يوم الاثنين أو يوم الأربعاء فنوى صوم ذلك اليوم قال الثاضى الطبري: الصحيح عندي أنه يصح صومه ولأنه عين صوم الغد وخطأه في اعتقاده أنه يوم أخر لا يضره كما لو نوى أن يصوم غداً من هذه السنة التي هو فيها واعتقد أنها سنة سبعين فكانت سنة إحدى تصح نيته وصومه لأنه عين نيته أن يصوم غداً سنته فكان اعتقاده لغواً كذلك هاهنا وليس كذلك في المسألة المتقدمة، لأنه نوى أ، يصوم غداً [261 أ/4] عن نية ماضية أو مستقبلة ولم ينو عن السنة التي هو فيها فلم يجز, وقال والدي رحمة الله: فيه وجهان, وقال في "الشامل": عندي أنه يجوز هذا أيضاً لأن تعينه الغد هو بمنزلة تعيين هذه السنة.
فرع آخر لو كان عليه قضاء أ, ل يوم من رمضان فقال: أصوم قضاء عن اليوم الثاني لا يجوز ذكره القاضي, وأبو حامد من غير خلاف ووجهه أنه نوى غير ما عليه كما لو كانت عليه كفارة اليمين فأعتق عن الظهار ويحتمل وجهاً أخر يجوز لأن تعيين الصوم غير واجب, وقال أبو حنيفة: إن كان عليه قضاء أ, ل يوم نوى قضاء الثاني منه جاز, وإن كان عليه قضاء اليوم الثاني فنوى قضاء اليوم الأول لا يجوز.
فرع لو نوى أن يصوم غداً وقال بلسانه إن شاء الله لا يضره لقوله تعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 24,23], وإن نوى ذلك بقلبه لا يضره ذلك أيضا, لأن معناه في نيته أنه يقف فعله على مشيئته وتمكينه وتوفيقه فإن ذكره على وجه الاستثناء والشك فلا يجوز صومه حينئذ, وقال في "الحاوي" 2: إن قال: إن [261 ب/4] شاء زيد لم يجز, ولو قال: إن شاء الله فالصحيح أ، هـ لا يجوز, لأ، هـ استثناء يرفع حكم مانيط عليه, ومن أصحابنا من قال: يجوز لان قوله: إن شاء الله قول باللسان فلا يؤثر في اعتقاد القلب وهذا باطل بمشيئة زيد.
وربما يقولون: إن الله تعالى شاء صومه لأنه خير وهذا يبطل بما لو قال: أ، ت حر إن شاء الله لا يقع والتحرير خير.
فرع لو اعتقد ترك صومه هل يبطل صومه؟ وجهان: احدهما: يبطل صومه وهذا أصح, لأن النية شرط في جميعه فإذا قطعها في أثنائه بقى بغير نية فبطل لأنه لا يتبعض, والثاني: لا يبطل ويه قال أبو حنيفة: لأ، هـ عبادة تلزم الكفارة بإفسادها فلم تبطل بنية الخروج كالحج وهذا لا يصح لأنه لا يخرج من الحج بالفساد بخلاف الصوم.

فرع آخر إذا قلنا: يبطل صومه ففي زمان فطره وجهان أحدهما: في الحال, والثاني: إذا مضى من الزمان قدر الأكل أ, الجماع إن نوى تركه بالجماع يفطر وقبله لا يفطر.
فرع آخر لو نوى أن يفطر بعد ساعة لم [262 أ/4] يكن مفطراً وكان على صومه وقيل: فيه وجها أخر: ولو نوى أن يكون غير مصلٍ بعد ساعة يحتمل وجهين.
فرع آخر لو نوى في صوم النذر نقله إلى صوم الكفارة لا ينتقل إلى الكفارة وهل يبطل أصلاً أو يبقى نافلة؟ فيه قولان ذكره أصحابنا بخراسان.
مسألة: قال 1: فَأَمَّا التطَوع فَعلاَ بأسَ إِنْ أَصْبَحَ وَلَمْ يُطْعَمْ شَيْئَاً أَنْ يَنْوى الصَّوْم قَبْلَ الزًوَالِ.
وهذا كما قال: صوم التطوع يجوز بالنية من النهار ويه قال أحمد وجماعة العلماء, وروى ذلك عن أبى طلحة والأصل أن ينويه من الليل, وقال مالك والمزني وداود: لا يجوز إلا بالنية من الليل, وروى ذلك عن عبد الله بن عمر وجابر بن زيد أبى الشعثاء رضي الله عنهما قال القفال: وهذا أقيس, ولكنا جوزنا للخبر واحتجوا بأن ما بقى من النهار كيف يصير عبادة بنية متأخرة, ولأن محل نية النفل ونية الفرض سواء كما في الصلاة ولأنه أحد طرفي النهار فلا يجوز فيه نية الصوم كما بعد الزوال وهذا غلط لما روى عن عائشة [262 ب/4] رضي الله عنها أنها قالت: دخل علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل من غداء" فقلت: لا, فقال: "إني إذا صائم" 2, وروى أنه كان يدخل على أزواجه ويقول ذلك الخبر ولا يجوز أن يقال هذا محمول على أنه أصبح صائماً ثم أفطر إذا وجد طعاماً لأن المداومة على هذا لا تستحب, وفي الخبر كان إخباراً عن المداومة ولأنه لو كان على هذا الوجه لقال: إني إذا لا أفطر إذا تمم الصوم, وروى إني إذا صائم, فلا يحتمل ما قلتم, وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار" 3، ولأنه لا بد من أن يدخل الرخصة في النقل كما في صلاة النفل فإن قيل: قد دخلت الرخصة على أن الكفارة لا تجب بالفطر فيه قلنا: هذا موجود في أكثر الصيام المفروضة من القضاء وصوم النذر والكفارة ولا يختص به التطوع.

وأما دليلهم الأول قلنا: اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إذا نوى في النهار يجعل صائما من أ, ل الليل ويثاب على صوم جميع النهار لأنه [263 أ/4] لا يتبعض كمن أدرك الإمام يكون له ثواب كل الركعة وهذا هو المذهب الصحيح.
وقال بعضهم: يجعل صائما من وقت النية ويثاب من هذا الوقت وهو اختيار القفال, وقال: هذا هو المذهب, لأن الإمساك عن الطعام لا يصير قربة إلا بالنية, ولا ترجع النية قهقرى ولو أكل في أول النهار ثم نوى الصوم في بقية النهار لا يصح الصوم نص عليه في "الأم", وحكي صاحب "الإفصاح" عن بعض أصحابنا أنه خرج فيه وجهاً أخر: أنه يجوز ويه قال ابن جرير وابن سريج وأبو زيد المروزى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا هو القياس لأنا نجعله صائماً من وقت النية فلا اعتبار بما قبله وهذا غلط, لأن من الشروط أن يكون غير أكل في أ, ل النهار لتتميز العادة عن العبادة, فإن عادة أكثر الناس الغداء والعشاء فترك الأكل شرط وليس ذلك بصوم, وإنما الصوم هو من وقت ما نوى على ما ذكر القفال ويجوز أن يشترط تقدم شرط على وقت العبادة كما لو أدرك [263 ب/4] الجمعة فصلاته من وقت الشروع في الصلاة ويشترط تقدم الخطبة على ذلك الوقت كذلك هاهنا, وأما الصلاة فتؤدى بأفعال فما خلا عن النية لا يكون عمل الصلاة وما ليس بعمل الصلاة هو يفسدها بخلاف الصوم, وألا بعد الزوال قال في حرملة: في أي وقت من النهار نوى الصوم جاز, وقال في القديم والجديد: لا يجوز بالنية بعد الزوال, فالمسألة على قولين والصحيح أنه لا يجوز, ويه قال أبو حنيفة ومحمد لأنه لم يستغرق معظم النهار بالنية بخلاف ماذا نوى قبل الزوال وهذا كما لو أدرك الإمام راكعاً فإنه يصير مدركا للركعة ولو أدرك ساجداً لا يصير مدركاً لفوات المعظم.
فرع إذا دخل في الصوم تطوعاً ثم أفطر هل يثاب على ما مضى؟ المذهب أنه لا يثاب لأنه لم يتم العبادة, وحكي عن الشافعي أنه قال: يثاب عليه..... 1 له أجر ما أحتسب.
فرع آخر لو نسى النية في صوم رمضان حتى طلع الفجر عليه إمساك بقية نهاره [264 أ/4] وهل يكون صوماً شرعياً؟ قال أبو إسحاق: يكون صوما شرعيا والمذهب أنه لا يكون صوماً شرعياً لا يحتسب به.
فرع آخر لو كان كافراً في أول النهار ثم أسلم فنوى الصوم فإن قلنا بالإفساد: لا يجوز, وإن

قلنا: الصوم من وقت النية فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه لم يوجد عند الشروع في العبادة ولا بعدها ما يضادها, والثاني: لا يجوز لأنه يشترط خلو أول النهار عما بضاده.
مسألة: قال 1: وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ رمضانَ حَتّى يَسْتَيْقِنَ أَنّ الهلالَ قَدْ كَانَ.
الفصل وهذا هو كما قال: صوم شهر رمضان لا يجب عندنا إلا بأحد شرطين: إما برؤية الهلال, وإما يعد شعبان ثلاثين يوماً, وقيل: إن المزني أخذ ينقله عبارة الاستيقان والشافعي لم يقل ذلك بل قال: حتى يعلك وهذه العبارة هي أصح لأن اليقين هو عبارة عن القطع والتحقيق, وذلك ليس يشرط فيه وجوب الصوم إذ لا يحصل ذلك إلا برؤية كل أحد والعلم يقع ظاهراً وإن لم يكن مقطوعا به ويجب به الصوم [264 ب/4] ويمكن أن تؤول هذه الكلمة بأنه أراد به يقين الشاهد الذي يخبر عنه ولم يُرد في حق كل أحد, وقال بعض العلماء: يجب بهذين الشرطين ويجب بشرط أخر وهو أن يكون عارفا بالنجوم أ, يشهد شاهدان من أهل المعرفة بالنجوم أن الشهر قد دخل, وعندنا أنه لا يقبل قول المنجمين في ذلك بحال, وإن أكثروا والدليل عليه ما احتج الشافعي فقال: قال صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" 2: "لا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة", وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقته فيما يقول فقد كفر بما انزل على محمد" 3، فإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وعَلامَاتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] قلنا: أراد بالاهتداء بالنجم معرفة الطرق والمسالك والبلدان لا ما قلتم وحكي عن بعض الشيعة أنه قال: يعتبر العدد في شهر رمضان ولا يعتبر الهلال وهو غلط ظاهر.
مسألة: قال 4: وَقَدْ كَانَ ابنُ عُمَرَ يَتَقَدَّمُ الصيامَ [265 أ/4] بيوم.
الفصل وهذا كما قال: صوم يوم الشك مكروه سواء صامه عن رمضان أو عن غيره من فرض أو تطوع إلا أن يوافق يوماً جرت العادة منه بصومه فلا يكره ويه قال عمر وعلى وعمارة بن ياسر رضي الله عنهم, والعبى والنخع ومالك والأوزاعى, وروى عن ابن عائشة وأسماء رضي الله عنه أنه إذا كان صحواً يكره, وان كان غيماً لا يكره عن رمضان, ويه قال أحمد وقال الحسن وابن سيرين: الناس في صومهم تبع لإمامهم فإن صامه الإمام

صاموا, وإن أفطر أفطروا, وروى هذا عن أحمد وعنه رواية ثالثة مثل قولنا.
واختلف أصحابنا في قيام ليلة الشك, وقال أبو حنيفة: إن نوى التطوع فيه لا يكره, وإن نوى عن رمضان يكره, ويه قال مالك في رواية وهذا كله غلط, لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: " نهى عن صيام ستة أيام: يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق واليوم [265 ب/4] الذي تشك فيه من رمضان" 1، وروى ربعى بن حراش رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين ثم صوموا ثم ان غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا" 2، وروى عن صلة بن زفر أنه قال كنا عند عمار بن ياسر رضي الله عنه في اليوم الذي يشك فيه من رمضان فأتى بشاة مصيله فتنحى بعض القوم وقال: أنى صائم, فقال عمارك من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم 3، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقدموا هلال رمضان بيوم ولا يومين إلا ان يوافق صوما كان يصومه أحدكم" 4، وقال سماك: دخلت على عكرمة في يوم وقد أشكل على أمن رمضان هو أم من شعبان فأصبحت صائماً فقلت: إن كان من رمضان لم يسبقني, وان كان من شعبان كان تطوعاً فدخلت على عكرمة وهو يأكل خبزاً وبقلاً ولبناً فقال: هلم إلى الغداء فقلت: إني صائم, فقال أحلفت بالله لتفطرنه قلت: سبحان الله قال: أحلف بالله لتفطرنه [266 أ/4] قال: فلما رأيته لا يستثنى أفطرت قم قلت: هات فقال: ابن عباس يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حالت بينكم وبينه كآبة أ, غيمة فكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً ولا تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان" 5. قال أصحابنا: فإن وافق يوم عادة صومه فصامه عن فرض عليه لا يكره لأنه إذا جاز أن يصوم فيه تطوعاً له سبب فلئن يجوز الفرض فيه أولى كما في الوقت المنهي عن الصلاة فيه إذا جاز أن يصلى تطوعاً له سبب يجوز الفرض, وقال القاضي الطبارى: يكره ذلك عن فرضه, وقال أيضاً: لو كان عليه يوم من رمضان فقد ضاق وقت القضاء في هذا اليوم فيكره له أن يصوم فيه لأن الفرض به القربة ولا قربة في ذلك, وقال غيره: يجوز هاهنا أن يصومه, وإن لم يكن يوم عادته لأنه ضاق وقت القضاء, وهذا

أصح عندي, وأما قول الشافعي: كان ابن عمرو رضي الله عنه يتقدم الصيام بيوم قال القفال: لم يُرد به الأخبار عن عادته لأنه نهى عنه [266 ب/4] كما ورد... 1 يخالفه ولكنه روى أنه لما كبر وضعف بصره يبعث من ينظر له الهلال من علمائه وأمنائه إلى الصحراء حتى ينظروا إلى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإن رأوه كان يصوم وإن لم يروه, وكانت السماء مصحية أصبح مفطراً وان كانت السماء متغيمة أصبح متلوماً أي: ممسكاً عن المفطرات منتظراً ثبوت رؤية الهلال لئلا يكون اكلأ في شهر رمضان, وان لم يجز صومه والدليل عليه ما روى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: لو صمت الدهر لأفطرت يوم الشك 2، وأيضاً فإنه كان يفطر على هذا الحساب في أخر الشهر إذا تم ثلاثون بل كان يصوم يوماً أخر سوى اليوم الأول وعلى هذا ما رواه الشافعي بعد هذا عن على رضي الله عنه قال: لئن أصوم يوماً من شعبان أحب إلى من أفطر يوماً من رمضان 3 أي: لئن أمسك في يوم من شعبان فلا أطعم فيه أحب الى من ذاك واحتج بما روى في خبر ابن عمر رضي الله عنه, وإن كانت السماء متغيمة أصبح صائماً, قلنا: أراد ممسكا أو يحتمل أنه كان ذلك اليوم يوم عادته في الصوم وشاهد [267 أ/4] للراوي يفعل ذلك مرتين على الموافقة فحكي فعله بلفظ كان.
فرع لو شرع في صوم يوم الشك هلي ينعقد وجهان والمذهب أنه لا ينعقد.
مسألة: قال 4: وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الهلالَ رُئيَ قَبْلَ الزَوُالِ أَوْ بَعْدَهُ فهو لِلَّيْلَّةِ المُسْتَقْبِلةِ وَوَجَبَ الصيامُ.
يعنى: من الغد وهذا كما قال: إذا أهل الهلال في يوم الشك فهو لليلة المستقبلة دون الماضية سواء كان قبل الزوال أو بعده, وسواء كان في أول رمضان أو في أخره فإن كان في أوله فإنه يصوم من الغد, وإن كان في أخره فالعيد من الغد ويه قال مالك وأبو حنيفة ومحمد, وقال ابن أبى ليلى وسفيان وأبو يوسف: إن كان قبل الزوال فهو لليلة السالفة, وإن كان في أخره ففيه روايتان إحداهما: الليلة الماضية.... 5 الثانية للمستقبلة احتياطياً للصوم, وتعلقوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته" فيجب الصوم عليهم برؤيته, وان ما قبل الزوال هو أقرب الى الماضية وهذا غلط لما روى أبو وائل قال: جاءنا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن [267 ب/4] بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس ويه قال على بن أبى طالب وابن مسعود رضي الله عنهما

ولا مخالف لهم وخبرهم يقتضى وجوب الصوم بعد الرؤية وعندهم أنه يصوم جميع اليوم, وأما القرب قلنا: هو في أ, ل النهار أقرب إلى الليلة المستقبلة منه إلى وقت طلوعه من أول الليلة الماضية وما ذكره أحمد من الاحتياط في وجه له لأن هذا ان كان لليلة الماضية ثبت فيها, وان كان للمستقبلة في دليل فيه فلا يحتاط مع عدم الدليل على أنه يبطل به إذا اشتبه الفجر فإنه لا يجب الإمساك احتياطا.
مسألة: قال 1: وَإِنْ شَهِدَ عَلى رؤيتِهِ عَدْلٌ وَاحِدٌ رَأَيْتُ أن أَقْبَلْهُ لِلأَثَرِ فيهِ والاحتياطِ.
ٍ وهذا كما قال: إذا رأى الهلال وحده فإنه يلزمه الصوم لأنه علم قطعا ويقيناً وإذا شهد شاهد واحد قال في "الأم": رأيت أن [268 أ/4] أقبل عدلاً واحداً للأثر والاحتياط وأراد بالأثر خبراً, روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن أعرابياً جاء إليه من الحرة فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله" قال: نعم, قال: أتشهد أن محمداً رسول الله قال نعم [268 ب/4].................... 2 [269 أ/4] ثم قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غداً" 3، وقال ابن عمر رضي الله عنه: "ترى أي الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنى رأيته فصام وأمر الناس بالصيام" 4، وروى عن عمر رضي الله عنه أنه قبل شهادة الواحد, قال: يكفي المسلمين أحدهم 5، ويه قال على بن أبى طالب رضي الله عنه قالت فاطمة بنت الحسين بن على رضي الله عنه: أن رجلاً شهد عند على رضي الله عنه على هلال رمضان وأراد بالاحتياط قاله على رضي الله عنه, ويه قال ابن المبارك وأحمد وهو الصحيح, وقال في "الويطى": ولا يصام رمضان ولا يفطر منه بأقل من شاهدين حرين مسلمين عدلين فحصل قولان وبهذا قال مالك والأوزاعى والليث وإسحاق واحتجوا بما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: صحبنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلمنا منهم وأنهم حدثونا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا" 6 قلنا هذا احتجاج بدليل الخطاب والنطق [269 ب/4] أولى منه فإن قاسوا على هلال الفطر قلنا: قال أبو ثور: يقبل فيه قول الواحد أيضا لأن هذا خبر يستوي فيه المخبر والمخبر فأشبه أخبار الديانات وقيل: هذا قول مخرج ولا يصح وهذا لما روى طاوس قال: شهدت المدينة

وبها ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما فجاء رجل إلى واليها فشهد عنده على هلال رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته [فأمره] أن يجيزه وقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلا رمضان، قالا: وكان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين 1، فنقول: السنة فرقت بينهما ولأن الاحتياط للصوم في كل واحد من الموضعين يفرق بينهما.
وقال أبو حنيفة: بين أول الشهر وآخره، فإن كانت السماء متغيمة فإنه يقبل فيه شهادة واحد، وإن كانت السماء مصحية فلابد من الاستعاضة وقد يحصل ذلك بالخمسين في البلد الكبير مثل مصر وبغداد.
واحتج بأنه يجوز أن ينظر الجمع الكثير والجمع الغفير إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة والموانع مرتفعة فيراه واحد ولا يراه الباقون.
قلنا [270 أ/4] يجوز هذا مع لطافة المرئي وبعده ويحتمل أن يختلف موضع قصدهم ولهذا لو حكم برؤيته حاكم بشهادة واحد جاز ولو حكم على ما قلتم لما صح فيه حكم الحاكم فإذا قلنا: بالمذهب اختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: لو شهد عبد أو امرأة فإنه يقبل لأن طريقه طريق الخبر دون الشهادة بدليل سقوط العدد فيه وبه قال أبو حنيفة، وقال سائر أصحابنا، لا يقبل وهو المذهب ونص عليه في "الأم".
ونص أيضًا على أنه يعتبر أن يقيد لفظه بلفظ الشهادة حتى يقبل منه، ولو جرى مجرى الخبر للزم فيه قبول قول واحد عن الواحد فيقول أخبرني فلان عن فلان.
وقيل: لا يعتبر فيه لفظ الشهادة من وجه ولا شك أنه يعتبر فيه العدالة.
وقال بعض أهل خراسان: لا تعتبر العدالة الباطنة فيه.
وهو غلط، وإذا قلنا بالقول الثاني وهو القياس كما قال، والقياس أن لا يقبل على مغيب أي على أمر خفي إلا شاهدان، وأراد به القياس على هلال شوال لا يقبل إلا ذكرين حرين بالغين عاقلين مسلمين بلا إشكال، فإن قيل: كيف قال الشافعي: "يصوم بشهادة الواحد للاحتياط" [270 ب/4] وليس من الاحتياط يجري يوم الشك للصوم، قلنا: هذا سؤال من لا يعرف صوم يوم الشك وذلك أن الشاهد الواحد متى شهد فقد خرج اليوم عن حد الشك إلى حد الاحتياط أو حد الوجوب، وكذلك إذا كانت السماء كلها متغيمة فاليوم ليس بيوم الشك، فأما إذا كانت السماء قطع سحاب متفرّع بحيث يحتمل الرؤية في مكان وإن تعذرت في مكان، ولم يشهد على رؤية الهلال شاهد فمن أصبح في هذا اليوم كرهنا له الصوم لأنه صبيحة يوم الشك، وقال القفال: صورة يوم الشك أن يقول بعض الناس رئي الهلال ولا يقول عدل منهم: أنا رأيت وسواء ذكر الفساق ذلك أو الصبيان أو الكفار فإن قيل: ظاهر ما حكي عن علي رضي الله عنه يوهم أنه كان يستحب صوم يوم الشك، قلنا: ليس كذلك بل الظن بعلي رضي الله عنه أنه لا يخالف السنة، وقد قال عمران بن الحصين رضي الله عنه يوم الشك: "من صام هذا اليوم فقد عصى أبا

القاسم" والمراد بما ذكرنا ما قدمنا إذا شهد واحد وإذا شهد واحد خرج اليوم عن الشك ولو أراد المزني [271 أ/4] قطع هذا الإشكال في اختصاره لأمكنه ذلك بحذف الواو من قوله: وقال علي، ورواه عن علي لئن أصوم يومًا من شعبان فيكون معناه، ورواه الشافعي كما روينا ثم نختصر من تلك القصة قول علي فلما أدخل الواو أوهم أن قول علي منفصل عن رواية الشافعي وروايته منفصلة عن قوله فيفهم.
فرع قال في "الأم" 1: لو غُمَّ الشهران معًا فصاموا ثلاثين ثم جاءتهم البينة بأن شعبان قبل صومهم بيوم قضوا يومًا لأنهم قد أفطروا أول يوم من رمضان، وإن جاءتهم البينة بأنهم صاموا يوم الفطر أفطروا أية ساعة منه وصلوا العيد.
فرع آخر الشاهد الواحد إذا شهد بإسلام ذمي لا يقبل في الإرث وهل يقبل في حكم الصلاة عليه وجهان بناء على هلال رمضان ووجه المقاربة أنها شهادة تقتضي إيجاب عبادة.
فرع آخر لو صاموا بشاهدين فعدوا ثلاثين ولم يروا الهلال وكانت السماء مصحية كان لهم الفطر نص عليه في "الأم"، و"أمالي حرملة"، وقال ابن الحداد في تفريعه: لا يجوز لهم الفطر لأن عدم الهلال [271 ب/4] يقين والحكم بشهادة شاهدين مظنون واليقين مقدم على المظنون وهذا خطأ في المذهب وقوله: أنه من تفريعه خطأ أيضًا لأن الشافعي نص عليه وما قاله مذهب مالك والدليل عليه أنه لو شهد الآية برؤيته جاز الفطر فجاز الفطر أيضًا بناء على شهادتهما وإذا جاز أن يراه الواحد والاثنان دون غيرهما جاز أن لا يراه الجماعة فلا يتحقق كذلك الشاهدين.
فرع آخر لو صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا وكانت السماء متغيمة فلم يروا الهلال نص في "الأم" 2: أنهم يفطرون وبه قال أبو حنيفة، ومن أصحابنا من قال: وبه قال محمد يصومون يومًا آخر لأنهم لو أفطروا كان إفطارًا بشهادة واحد وهو غلط، لأن الإفطار يثبت على طريق التبع كشهادة النساء تثبت الولادة ثم يثبت الميراث والنسب تبعًا.
فرع آخر إذا رأى الهلال أهلّ بلد دون أهل بلد آخر نظرت فإن كان البلدان بينهما مسافة قريبة لا يختلف المطلع لأجلها كبغداد والبصرة تجب على أهل البلد الآخر برؤيتهم الصوم، وإن كان البلدان [272 أ/4] متباينين كالعراق والحجاز أو الشام وخراسان قال أبو حامد: لا يلزم أهل أحدهما رؤية أهل الآخر لأن الهلال يجوز أن يهل في إقليمه ولا

يهل في إقليم آخر واختاره القاضي أبو حامد والدليل عليه ما روي عن كريب مولى ابن عباس رضي الله عنه قال: بعثني أم الفضل بنت الحارث إلى الشام في حاجة عرضت لها عند معاوية رضي الله عنه فرأى الناس الهلال ليلة الجمعة وصاموا وصمت فرجعت إلى المدينة فسألني ابن عباس متى رأيتم الهلال فقلت ليلة الجمعة فقال: أما نحن فقد رأينا ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو ستكمل العدة ثلاثين فقلت: أما يكفيك رؤية أمير المؤمنين والناس فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أصحابنا: يحتمل أنه كان عنده نص في ذلك ويحتمل أنه أراد به قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته" وبهذا قال أبو حنيفة.
قال أبو حامد: وحكي لي ثقة أن من البلاد ما لا يزيد الليل فيه عن النهار ومنها ما تكون الشمس طالعة فيه ولا تكون في غيره فإذا كان [272 ب/4] كذلك كان لكل بلد طلوع نفسه وغروب نفسه ورؤية نفسه، وقال القاضي الطبري وجماعة: هذا غلط، وإذا رآه في بلد وجب على أهل سائر البلاد الصوم وحكي هذا عن أحمد لأن الأرض مسطحة مبسوطة فإذا رُئي في بلد عرفنا أن المانع في بلد آخر عارض يمنع الرؤية لأن الهلال لم يستهل والأول أظهر عندي فإذا قلنا بهذا فلو رأى الهلال ليلة السبت فحكمه حكم البلد الذي انتقل إليه وليس له أن يفطر قبلهم لما روي في حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه أمر كريبًا أن لا يفطر وأن يقتدي بأهل المدينة ذكره أصحابنا بخراسان، وقيل فيه وجهان، والأصح أنه لا يفطر لئلا يخالف أهل تلك البلدة وذكروا أيضًا أنه يعتبر القرب والبعد بمسافة القصر في هذا الحكم وهو غلط، بل الاعتبار في أحد الوجهين بالإقليمين.
فرع آخر لو أن واحدًا من أهل البلد الذي لم يرقبه الهلال سافر إلى البلدة التي رأوا فيها الهلال ثم هم أفطروا في آخر الشهر فإن أفطروا برؤية الهلال أفطر معهم [273 أ/4] وإن أفطروا بكمال العدد ثلاثين يومًا فإن قلنا: حكمهم يلزمهم أهل البلاد يفطر معهم لا يلزم فيه وجهان على عكس المسألة الأولى، فإن قلنا: هناك لا يفطر تبعًا لأهل البلدة التي هو فيها فهاهنا يفطر، وإن قلنا: هناك يفطر لاعتبار حكم البلدة التي سافر عنها فهاهنا لا يباح له الفطر حتى يرى الهلال أو يكمل العدد.
مسألة: قَالَ 1: وَمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا من جِمَاعٍ أَوِ احْتِلاَمٍ.
الفصل وهذا كما قال: إذا جامع بالليل وأصبح وهو جنب لم يضر صومه، وكذلك إذا احتلم في النهار اغتسل وأتمّ صومه، وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر

وعائشة وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو ذر رضي الله عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يفطرون الصائم الحجامة والقيء والاحتلام" 1 وكذلك الحائض إذا طهرت قبل الفجر ولم تغتسل حتى أصبحت صح صومها وليس من شرط الصوم الطهارة لا من الحدث ولا من الجنابة ولا من الحيض وحكي عن أبي هريرة وسالم بن عبد الله والحسن بن صالح بن حي يبطل صومه إذا أصبح جنبًا من جماع وبه قال [273 ب/4] الشيعة، وقال طاوس وعروة: إن كان علم بجنابته ففرط في الاغتسال حتى أصبح لم يصح صومه، وإن لم يعلم حتى أصبح لم يجب قضاؤه وقال النخعي يجزيه في التطوع ويقضي في الفريضة، واجتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أصبح جنبًا فلا صوم له" 2 وهذا غلط لما روي خبر عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله يصبح جنبًا من جماع 3، ثم يصوم" أي: كان لا يحتلم فإن الأنبياء لا يحتلمون.
وأما خبر أبي هريرة قلنا: روي أن عائشة لما روت هذا الخبر رجع أبو هريرة وقال: أخبرني به الفضل بن عباس وروي أن عيسى بن أبان طعن فيه وقال: روى أبو هريرة خبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما روجع فيه أحال به على ميت يعني على الفضل، فإنه كان يومئذٍ ميتًا وهذا الطعن فيه أحق لأنه ثبت كثير من أحكام الشرع برواية أبي هريرة ولم يقل هو سمعت النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون بقوله سمعت الفضل مناقضًا للأول بل قال: من أصبح جنبًا أفطر قاله محمد ورب الكعبة [274 أ/4] وهذا يحتمل أنه ذكر ذلك برواية الفضل، وروي عن جابر رضي الله عنه قال: ليس كل ما يروى سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن سمع بعضنا بعضًا ونحن لا نكذب وروي أن مروان بعث إلى أبى هريرة أن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما قالتا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم فقال: "أهما قالتاه، قال: نعم، قال: فهما أعلم" 4 ويحتمل أنه منسوخ فإن الخبرين إذا تعارضا ولم يعلم التاريخ ورأينا الصحابة تلقوا أحدهما بالقبول وعملوا به دل على أنه ناسخ للحديث الآخر الذي تركوه أو يكون تأويله من أصبح مجامعًا أفطر وقد يسمى الشيء باسم ما هو سبب فسمى الجماع جنابة وهذا بعيد.
مسألة: قال 5: وَإنْ كَانَ يَرَى الفَجْرَ لَمْ يَجِبْ وَقَدْ وَجَبَ أَوْ يَرَى أنَّ اللَّيْلَ قَدْ وَجَبَ وَلَمْ يَجِبْ أعاد.
وهذا كما قال: إذا أكل ظانًا أن الشمس قد غربت ولم تكن قد غربت يلزمه القضاء بلا خلاف على المذهب، وبه قال عامة الفقهاء، وقال إسحاق وأهل الظاهر: لا قضاء

عليه ويمسكوا بقية [274 ب/4] النهار عن الأكل حتى تغرب الشمس، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد وعطاء وعروة واحتجوا بما روي عن زيد بن ثابت أنَّه قال: كنت جالسًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنا فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة فعجل الناس يقولون: تقضي يومًا مكانه فقال عمر: والله لا نقضيه ما تجانفنا الإثم 1، ولأنه بمنزلة الناسي لأنه أكل وعنده أنه غير صائم وهذا غلط، لما روي أبو أسامة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أفطرنا يومًا في رمضان في غيم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس قال أبو أسامة: قلت لهشام: أمروا بالقضاء قال: وبد من ذلك أورده أبو داود في سننه وروي أصحابنا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقضاء وأما خبر عمر قلنا: روى حنظلة قال كنا بالمدينة في شهر رمضان وفي السماء شيء من السحاب فظننا أن الشمس قد غابت فأفطر [275 أ/4] الناس فأمر عمر رضي الله عنه من كان قد أفطر أن يصوم يومًا مكانه، وروي مالك في الموطأ أنه قال: الخطب يسير وقد اجتهدنا قال مالك: أراد به حقه وجوب القضاء، وروي أصحابنا أنه قال: الخطب يسير يقضي يومًا مكانه، وأما الناسي فلا يمكنه أن يحترز من الأكل ناسيًا وهذا يمكنه أن يمكث فلا يأكل حتى يتيقن غروب الشمس فالنسيان خطأ في الفعل، وهذا خطأ في الوقت، والتحرز منه ممكن، وقال القفال: أما في آخر النهار فيلزمه القضاء بلا خلاف، وأما في أول النهار فقد نقل المزني أنه يقضي، وما نقله ليس هو من لفظ الشافعي بل لفظه واجب تأخير السحور فإذا صار إلى وقت يخشي طلوع الفجر أمسك وأحب تعجيل الفطر فإن خاف أن يكون النهار باقيًا أمسك فإن أفطر فبان أن النهار كان باقيًا فعليه القضاء ثم ذكر حديث عمر رضي الله عنه، فمن أصحابنا من صوّب المزني في هذا التخريج وسوى بين أول النهار وآخره، وقال: لعل المزني سمعه منه، ومن أصحابنا من غلط المزني وقال: في أول النهار [275 ب/4] لا يبطل صومه وبه قال مجاهد وهو اختيار المزني لأن الأصل بقاء الليل فهو معذور وفي آخر النهار الأصل بقاء النهار فعليه أن يحتاط ويؤخر فإذا لم يفعل أفطر ولم يساعده على هذا أحد من أهل العراق.
مسألة: قَالَ 2: وَإِنْ طَلَعَ الفَجْرُ وَفِيْ فِيهِ طَعَام لَفَظَهُ فإنْ ازدَرَدَهُ أَفْسَدَ صَوْمَهُ.
وهذا كما قال: العرب تسمي فجر الصبح خيطًا كما قال الله عز وجل فاعلم أنه يدخل في الصوم بطلوع الفجر ويخرج منه بغروب الشمس لما روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغابت الشمس

من هاهنا فقد أفطر الصائم" 1 ويجوز أن يأكل ويشرب ويباشر إلى طلوع الفجر لقوله تعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] وإذا طلع الفجر وفي فيه طعام أخرجه كما طلع الفجر فإن ازدرده أي: ابتلعه بعد طلوع الفجر أفسد صومه إذا كان ذاكرًا للصوم، وحكي عن ابن سريج وأبي إسحاق أنهما قالا: هذه [276 أ/4] المسألة لا تتصور إلا في رجل كان على سطح أو ربوة من الأرض يراقب الفجر فانشق عموده وفي فيه بقايا طعامه لفظها وصح صومه، وأما إن كان مطلع الفجر متواريًا عن بصره يستره حائل يأكل حتى يخبر بطلوع الفجر فعليه قضاء اليوم لا ينفعه أن يلفظ ما في فيه عند اتصال الخبر به لأن الطعام لا محالة قد وصل إلى جوفه بطلوع أوائل الفجر إلى أن يسمع الخبر اللهم إلا أن يتصور إمساك لقمة في الفم قبل طلوع الفجر واتصال الخبر به قبل ازدراد شيء مها فيلفظها بجملتها بعد طلوع الفجر إن تصور ذلك.
فرع لو طلع الفجر وفي فيه طعام فسبقه الطعام ودخل جوفه من غير اختيار لازدراده وهو ذاكر لصومه هل يفطر؟ وجهان مخرجان من المضمضة إذا شق منها الماء وأصحهما أن عليه القضاء.
مسألة: قال 2: وَإِنْ كَانَ مُجَامِعًَا أخْرَجَهُ مَكَانَهُ.
وهذا كما قال: إذا أولج قبل طلوع الفجر فوافاه الفجر مجامعًا نظر فإن وقع النزع والطلوع معًا بأن كان الفجر يطلع وهو شرع لم يقدح ذلك في صومه وإنما يتصور ذلك على [276 ب/4] ما صوره أبو إسحاق وابن سريج قال ابن سريج: وسواء أنزل في حال الإخراج أو لم ينزل لم يفسد صومه لأنه متولد من مباح، وقال مالك وأحمد وزفر والمزني: يفسد صومه، وعن أحمد أنه يلزمه الكفارة أيضًا، واحتجوا بأن النزع هو جماع يلتذ به كما يلتذ بالإيلاج فيفسده وهذا غلط، لأن النزع ترك الجماع وترك الفعل ليس بفعل، ألا ترى أنه لو حلف أنه لا يلبس ثوبًا وهو لابسه فنزع في الحال لا يحنث، وأما الالتذاذ فلا يتعلق به الفساد بل يتعلق بالوطئ وهذا ليس بوطء ولهذا لا يتعلق بالمباشرة دون الفرج إذا لم ينزل وإن التذ.
مسألة: قال 3: فَإِنْ مَكَثَ شَيْئًَا أَوْ تَحَرَكَ لِغَيْرِ إِخْرَاجِه أَفْسَدَ صَوْمَهُ وَقَضَى وكفَّرَ.
وهذا كما قال: إذا مكث على الجماع كما ذكرنا مع العلم والقدرة على إخراجه أو تحرك لغير إخراجه فسد صومه وعليه القضاء والكفارة وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والمزني: يجب القضاء ولا كفارة وذكره والدي رحمه الله عن بعض أصحابنا

وهذا غلط لأنه مع الانعقاد بالجماع فصار كما لو أفسد بالجماع [277 أ/4] ولو كان جاهلًا بطلوع الفجر فلا كفارة وعليه القضاء وإن مكث بعد ذلك متعمدًا وليس على قولنا جماع يمنع صحة الصوم ولا كفارة إلا هذا واختلف أصحابنا إذا مكث متعمدًا فمنهم من قال: لم ينعقد صومه أصلًا والكفارة تجب بمنع الانعقاد بالجماع ومنهم من قال: انعقد صومه ثم فسد إذا أحرم مجامعًا انعقد ثم فسد والأول أولى عندي وقال الإمام أبو محمد الجويني: لو اشتغل عند الطلوع بالإخراج ولكن قصد بالحركة للإخراج طلب اللذة صار كالمكث على الجماع لأن اللذة تلتمس بالإيلاج مرة وبالإخراج أخرى فليكن قصده ترك الجماع لا يشوبه ابتغاء اللذة حتى لا يبطل صومه.
فرع لو طلع الفجر وهو مجامع وظن أن صومه قد بطل وإن أقلع فمكث ممسكًا عن خراجه يلزمه القضاء ولا كفارة لأنه غير قاصد لهتك الحرمة ذكره في "الحاوي" 1، فإن قيل: أليس إذا قال لامرأته إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا فوطئها طلقت ثلاثًا وإن مكث مع القدرة عن النزول عنها لا يجب الحد ولا المهر فما الفرق؟ قلنا: اختلف أصحابنا فيه فقال صاحب "الإفصاح" [277 أ/4] لا نص فيه للشافعي والذي يقتضيه نصه في كتاب الصوم أنه يلزمه الحد إذا كان عالمًا بتحريمها فإن لم يكن عالمًا فلا حد ويلزمه مهر مثلها فلا سؤال ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الحد ولا المهر لأن الشافعي قال في كتاب الإيلاء: ولو قال: إن قربتك فأنت طالق ثلاثًا فإذا غابت الحشفة طلقت ثلاثًا فإن أخرجه ثم أدخله بعد فعليه مهر مثلها فاشترط أن يخرج ثم يدخل فدل على أنه إذا مكث أو تحرك لغير إخراجه لا شيء عليه والفرق أن في الصوم لم يتعلق بابتداء الوطئ غرم لأنه كان قبل طلوع الفجر فجاز أن يتعلق باستدامته بعده غرم وفي الإيلاء يتعلق بابتدائه غرم وهو البينونة واستقرار المهر المسمى فلم يتعلق باستدامته بعده بشيء.
مسألة: قال 2: وَإِنْ كَانَ بَيْنَ أسْنَانِهِ مَا يَجْرِيْ بِهِ الرَّيقُ.
وَلاَ يُمْكِن الاحترازُ مِنْهُ لا يفطر، وإن كانت جسمًا يقدر على لفظه من فيه وإلقائه عنه فازدرده أفطره.
وبه قال أحمد، ومن أصحابنا من قال فيما يجري به الريق نقل الربيع أنه يفطر ففيه قولان وهذا لا يصح [278 أ/4] وقد بينه الشافعي في "الأم" على ما ذكرنا فالنصان على حالين ولا معنى لتخريج القولين فيه.
وقال القفال: أراد إذا جرى به الريق من غير قصد فإن قصد ابتلاعه وأمكنه دفعه عن أن يجري به الريق فلم يفعل بطل صومه وصغره لا يكون عذرًا خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: إن كان قدر سمسمة فابتلعه عمدًا لا يفطره لأن الاحتراز عنه مثله لا يمكن وهذا لا يصح، لأنه إذا لم يمكنه الاحتراز يكون معذورًا عندنا أيضًا وكلامنا إذا أمكن ذلك وفسّره الربيع على هذا الوجه الذي حكاه القفال ولو صح فقال: إن تعمد ازدراده فطر.

فرع آخر في الريق والنخامة إذا بلع الريق الذي يجتمع في فيه على العادة لا يفطره لأنه يمكنه الاحتراز منه فإن الريق لو انقطع جف حلقه وفسد وإن بزق في كمه ثم أخذه وبلعه فطره، وهكذا إذا أخذه بإصبعه ثم رده إلى فمه وبلعه فطره وهكذا لو رمى به فتدلى من فيه ثم رده وبلعه فطره ولو جمع الريق في فمه حتى كثر ثم بلغ فيه، وجهان: أحدهما: يفطره لأنه خرج عن العادة ويمكنه الاحتراز منه [278 ب/4].
والثاني: لا يفطره وهو الأصح لأنه لم يفارق محله ولم يوجد منه غير الجمع ومجرده لا يوجب الفطر ولو أخرج لسانه وعلى رأسه ريق ثم رده إلى فمه لا يفطره لأنه لم يفارق محله ولو مص ريق غيره وبلعه فطره فإن قيل: "روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها" 1 قلنا: يحتمل أن يكون مص اللسان في غير الصوم ويحتمل أنه لم يبتلغ فإن مجرد المص لا يفطره قد جرت عادة الخياطين أنهم يبلون الخيط بالريق ثم يردون الخيط إلى الفم ويفتلون فإن لم يكن على الخيط من الرطوبة ما ينفصل عنه لا يبطل صومه بلا خلاف، فإن كانت تنفصل عنه فابتلعها عالمًا أنه يبطل الصوم بطل صومه وإن كان جاهلًا ففيه وجهان: أحدهما: لا يبطل صومه لأن مثل هذا يخفي ويشتبه على العوام.
والثاني: يبطل صومه لأنه علم أن الواصل إلى الجوف مبطل للصوم وإذا علم ذلك كان من سبيله أن يحترز عن كل واصل إلى الجوف فإذا لم يحترز بطل صومه ولو أخرج البلغم من صدره إلى فيه ثم بلعه فطره قاله صاحب [279 أ/4] "الإفصاح" وغيره لأنه كالقيء وعلى هذا لو جذبه من رأسه فدخل في فيه ثم بلعه يجب أن يفطره قولًا واحدًا ذكره القاضي الطبري، وقال في "الحاوي" 2:فيه وجهان والصحيح أنه إذا أخرجه من حلقه أو دماغه لم يفطره كالريق ولو لم يحصل في فيه ولكن وصل إلى حلقه ومن هناك نزل إلى جوفه لا يفطره عندي لأنه نزل من الجوف إلى الجوف.
مسألة: قال 3: وَإِنْ تَقَيَأَ عَامِدًا أَفْطَر، وَإِنْ ذَرَعَهُ القَيءُ لَمْ يُفْطِرْ.
وهذا كما قال: إذا تقيأ عامدًا أفطر وعليه القضاء ولا كفارة كما لو أكل عامدًا، وإن غلبه القيء لم يفطره كما لو كان ناسيًا وقال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: القيء لا يفطر بحال، وقال عطاء وأبو ثور: إن تعمد يلزمه القضاء والكفارة وبقولنا قال مالك وأبو حنيفة، وروي ذلك عن علي وابن عمر رضي الله عنهما والدليل عليه ما روى محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض" 4. واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يُفطر من

قاء [270 ب/4] أو احتجم أو احتلم" 1. قلنا: أراد به إذا ذرعه القيء بدليل خبرنا وحكي عن الحسن البصري أنه قال في رواية يفطره، وإن غلبه وهو خطأ لما ذكرنا.
وروي عن أبي الدرداء أنه قال: قاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفطر فقال ثوبان: صدق أنا صببت له الوضوء 2. وذكر المزني واحتج في ذلك بابن عمر وفي بعض نسخ المزني وقد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت ذلك مرفوعًا من رواية أبى هريرة على ما ذكرنا واختلف أصحابنا إذا تعمد القيء كيف يفطر فمنهم من قال: إنما يفطر لأنه لا يقيء أحد إلا ويترادّ منه شيء إلى جوفه ولولا ذلك لم يفطره لأن ابن عباس رضي الله عنه قال: الصوم مما دخل والوضوء مما خرج ومنهم من لا يعتبر ذلك لأنه لو قاء منكسًا رأسه بحيث يعلم أنه لم يرجع إلى جوفه شيء يفطره وهذا أصح فإذا تقرر هذا قال المزني بعد هذا أقرب ما يحضر لي للشافعي فيما يجري به الريق أنه لا يفطره ما غلب الناس من الغبار في الطريق وغربلة الدقيق وهدم الرجل الدار وفي نسخة الجدار وما يتطاير من ذلك وفي نسخة وما يتكاثر من ذلك أي: يغلب بالكثرة [280 أ/4] في العيون والأنوف والأفواه فيصل إلى الحلق حتى يتنخمه فيدخل في فيه أي: فيجد لونه في نخامته التي يخرجها من فيه فيشبه ما قال الشافعي في قلة ما يجري به الريق، والأمر على ما ذكر وهذه الجملة هي تشتمل على خمس مسائل إحداها: أن الرجل إذا مشى في طريق وهو صائم فيصعد غبار الطريق إلى جوف رأسه أو ينزل إلى أقصى حلقه لم يبطل صومه لأنه مغلوب به، والثانية: لو غربل دقيقًا كان كالغبار ولو غربل الدقيق وفتح فاه عمدًا حتى وصل إلى جوفه فيه وجهان كمن تعمد جمع الريق وبلعه، والثالثة: لو لم يلتئم عند الهدم حتى وصل التراب إلى الجوف لم يضره، والرابعة: أن العين والأنف والفم في هذه المسائل فلا يفسد صومه ما يصل من هذه السبل إلى الجوف، والخامسة: أن الصائم إذا تنخم فانقلعت النخامة وخرجت إلى فيه وهو غير قاصد لم يفسد صومه، وإن كان قاصدًا قلعها عن حد الباطن بالتنخم اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا يفسد صومه وهو ظاهر كلام المزني واختياره، ومنهم من قال: يفسد صومه كما لو قصد الاستقاءة ولا فرق إذ لا فرق في الاستقاءة بين قلع الشيء من المعدة وبين قلعه من الصدر فإن كل ذلك جوف وإن كانت [280 ب/4] به سلعة فانقلعت النخامة من غير قصده فهو كمن ذرعه القيء وهذا هو القياس الواضح ذكره أصحابنا بخراسان، وقيل: جملة هذا هو أن الفم يقع الفطر بالواصل إلى الجوف منه

والخارج إليه، وكذلك القبل من الرجل والمرأة يقع الفطر بالداخل فيه والخارج منه، وأما الدبر فإنه يقع الفطر بالداخل فيه دون الخارج منه، وكذلك الأنف والأذن، وأما العين فلا يقع الفطر بالداخل فيها ولا الخارج منها، وقال أبو حامد: أخطأ المزني في "المختصر" حيث عد العين من جملة منافذ البدن وشبهها بالأفواه والأنوف وعلى هذا لو تثاءب إنسان إلى فوق فقطرت في حلقه قطرة ماء المطر لا يفطره كالذباب سواء ولو صب في حلقه ماء وهو نائم أو حبر مكرهًا أو وطئت نائمة مكرهة لا يفطره، وقال أبو حنيفة: يفطره كلها وهذا غلط، لأنه مغلوب عليه فأشبه ما ذكرنا ولو أكره وخوف بالسيف حتى شرب أو أكل بنفسه فيه قولان أحدهما: لا يفطره وهو المذهب الصحيح لأن هذا أشد من عذر النسيان، والثاني: يفطر لأن التناول حصل بفعله.
فرع لو أعمي عليه فعولج بدواء يصل إلى جوفه قال القفال: فيه وجهان [281،4] أحدهما: لا يفطره كما لو أولج لغير علة، والثاني: يفطره لأنه فعل لمصلحته فصار ما لو باشر باختياره وهكذا المحرم إذا أغمي عليه فعولج بدواء فيه طيب هل يلزم الفدية على المداوي فيه وجهان.
مسألة: قال 1: وَإِنْ أَصْبَحَ لاَ يُرَى أَنَّ يَوْمهُ مِنُ رَمَضَانَ وَلَمْ يُطُعَمْ ثُمَّ اسَتَبانَ.
الفصل وهذا كما قال: إذا أصبح يوم الثلاثين من شعبان وهو يراه من شعبان ولم ينو الصوم من الليل ثم بان في أثناء النهار أنه من رمضان فإن قامت البينة فلزمه إمساك لحرمة الوقت كما لو نوى الصوم ثم أفسده بالجماع أو بالأكل فإنه يلزمه إمساك البقية ويفارق هذا الحائض إذا طهرت في بعض النهار لا يلزمها إمساك بقية النهار، لأنا أبحنا لها أن تأكل مع علمها بأنه يوم من رمضان فجازت لها الاستدامة على الأكل وهاهنا لا يجوز به أن يأكل الطعام مع العلم بالحال، وإنما أبحنا على أنه ليس من رمضان فإذا بان ذلك حرمنا عليه الأكل ومن أصحابنا من قال: هل يلزم الإمساك في المسألة الأولى [281 ب/4] قولان أحدهما: لا يلزمه الإمساك لأنه قال في البويطي: أحببت له أن يمسك لأنه أبيح له الفطر فلا يلزمه الإمساك بعده ولا فرق بين أن يكون أكل أو لم يأكل وإنما صور الشافعي المسألة فيمن لم يطعم لقصد الخلاف مع أبي حنيفة، فإنه يقول: إذا لم يطعم ونوى الصوم قبل الزوال يجوز صومه لا لأن وجوب الإمساك يختلف بذلك عندنا، وإذا أمسك على ما ذكرنا يلزمه القضاء لأنه لم ينعقد الصوم وهل يثاب عليه فيه وجهان: أحدهما: لا يثاب عليه لأنه لا يعتد به كما لو أكل متعمدًا ثم أمسك في الباقي.

والثاني: يثاب عليه وهو الصحيح لأنه لو تركه استحق العقاب وهو مطيع بإتيانه فإذا أتى به يثاب عليه، وإن لم يكن ثواب الصوم وقال أبو حامد: قال أبو إسحاق: يكون صائمًا صومًا شرعيًا لأنه لا يجوز في شهر رمضان أن يصوم غير رمضان وهذا أصح، ولأنه لا يجوز أن يقع نقلًا في رمضان ونحن نوجبه عليه فهذه العبارة خطأ فينبغي أن يعتبر بما ذكرنا.
مسألة: قال: 1: وَإِنْ نَوَى أَنْ يَصُومَ غَدًا فَإِنْ كَانَ أَوَّلَ الشهرِ فَهْوَ فَرْضٌ وَإِلاَّ فَهْوَ تَطَوُّعٌ.
الفصل [282 أ/4] وهذا كما قال: إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان ولم يثبت رؤية هلال رمضان فنوى أن يصوم غدًا من رمضان إن كان من رمضان وإن لم يكن من رمضان فهو تطوع فكان من رمضان لا يجوز لأن الأصل بقاء شعبان ودخول رمضان مشكوك فيه فلا يصح الدخول في العبادة بالشك، وإن كان ذلك في آخر رمضان فإنه يجزيه أن يقول أصوم غدًا من رمضان إن كان من رمضان فإن لم يكن من رمضان فأفطر لأن الأصل بقاء رمضان ودخول شوال مشكوك فيه واليقين لا يزول بالشك.
وقال أبو حنيفة والمزني: يجوز في المسألة الأولى أيضًا قياسًا على المسألة الثانية، وعند أبي حنيفة يجوز صوم رمضان بمطلق النية ولو نوى أن يصوم غدًا من رمضان أو نافلة لم يجز سواء كان في أول رمضان أو في آخره لأنه لم يقطع النية بأحدهما، وإنما يترك بين النفل والفرض فلم يجز.
وقال بعض أصحابنا: نظير هذه المسألة في صلاة الجمعة إذا قال: إن كان الوقت باقيًا فهي جمعة أو نافلة لم يجز، وإن بان بقاء الوقت لأنه شرك بين جمعة ونافلة، ولو قال: إن كان الوقت باقيًا فهي جمعة [282 ب/4] وإن كان خارجًا فهي نافلة فبان أنه لم يكن خرج الوقت كانت جمعة لأنه بني على أصل ولم يشرك وفي هذا نظر لأن من شك في وقت الجمعة هل خرج أم لا لا يجوز له أن يحرم بالجمعة على الصحيح من المذهب لأنه لم يتيقن وجود شرط جواز الجمعة ولابد من اليقين في ذلك.
فرع لو نوى في غير رمضان فقال: أصوم غدًا عن قضاء رمضان أو نافلة فإنها تنعقد نافلة وبه قال محمد، وقال أبو يوسف: تنعقد قضاء لأن التطوع لا يفتقر إلى التعيين فكأن نوى القضاء وصومًا مطلقًا وهذا غلط، لأن زمان القضاء يصلح للتطوع، فإذا سقطت نية الفرض بالشك بقيت نية الصوم فوقع تطوعًا، وما قاله لا يصح لأن التطوع ينافي الفرض ونية الصوم لا تنافي الفرض، فإذا نواه نافي به الفرض في يوم شك.

مسألة: قال 1: وَلَوْ عَقَدَ رَجُلٌ على أنَّ غدًا عَندَهُ من رَمَضانَ في يَومِ شَكِّ ثُمَّ بان له أنه كان من رمضان أجزأه.
الفصل وهذا كما قال: إذا عقد الرجل على أن غدًا عنده من رمضان عقدًا صحيحًا غير ممرض، إما بشهادة شاهد واحد يشهد عنده على رؤية الهلال أو بإخبار من يثق بخبره من امرأة أو عبد يغلب على ظنه صدقه أجزأته نيته وصح صومه لأن غلبة [283 أ/4] الظن في جواز الدخول في العبادة تجري مجرى اليقين، ألا ترى أنه إذا سمع أذان المؤذن فغلب على ظنه دخول وقت الصلاة جاز له أن يصلي، وكذلك إذا غلب على ظنه دخول وقت الصلاة بورده أو عمله يجوز له أن يصلي، وكذلك لو كان يعرف منازل القمر وتقدير سيره فعلم أن الهلال قد أهل هل يجوز له أن يصوم به؟ قال ابن سريج: يجوز، واختاره القاضي الطبري لأن علمه الحاصل من جهة الحساب هو آكد من غلبة الظن بخبر غيره فجاز أن يصوم به وهو اختيار القفال أيضًا، ومن أصحابنا من قال: لا تصح نيته به لأن الحساب ليس بطريق شرعي ولا يتعلق به وجوبه، وإنما الطريق الرؤية أو العدد، وهكذا الوجهان فيمن لا يعرف الحساب لكنه أخبره به من يثق هو بخبره فصام على ذلك، ولو عرف ذلك بالنجوم ففيه طريقان: أحدهما: قول واحد لا تجوز نيته به، والثاني: فيه وجهان أيضًا لأنه استند إلى دلالة علم والصحيح الأول لأن النجوم لا مدخل لها في أحكام الشرع.
فرع هل يلزمه الصوم به إما بالحساب أو النجوم فلا خلاف أنه لا يلزمه به لأنه يكفي في الجواز ما لا يكفي في الجوب [283 ب/4] كما قلنا في وقت الصلاة: يجوز أن يدخل فيها بغلبة الظن، ولكن لا يجب وقيل: إذا كانت السماء متغيمة فقال أهل العلم بالحساب: لو لم يكن غيم أمكنت رؤية الهلال من طريق الحساب سير القمر فمن لا يعرف الحساب لا يعتمد ذلك ومن عرفه هل يلزمه أن يصوم وجهان والصحيح أنه لا يلزمه حتى يثبت عند الحاكم.
فرع لو أخبره صبي عاقل برؤيته فغلب على ظنه صدقه، قال أبو حامد: يجوز أن ينعقد الصوم به وقال سائر أصحابنا بخراسان: لا يجوز ذلك لأنه لا حكم لقوله.
فرع لو عقد من غير دليل وقال: غلب على ظني أنه من رمضان لا يجوز له أن يصوم ولو

صام لا يجوز، وإن أصاب ولو قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأخبرني أنه من رمضان وقال لي: صم لا يجوز العمل عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم أنه لا يجب إلا برؤية الهلال أو استكمال العدة ذكره القاضي الحسين رحمه الله ثم أعلم أنه في لفظ "المختصر" أو في إشكال، وذلك أنه قال: لو عقد رجل ولم يبن سبب العقد [284 أ/4] وأطلق قوله ثم بان ومعناه بان للناس لا لهذا الرجل لأن هذا الرجل بان له بالأمس ما بان للناس اليوم.
مسألة: قال 1: وَإِنْ أَكَلَ شَاكًَّا فِْي الفّجْرِ فَلاَ شَيءَ عَلَيْهِ.
وهذا كما قال: وقت الصوم هو ما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس كما أن وقت تركه ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الثاني وليس للفجر الأول تعلق بعبادة بحال فما لم يطلع الفجر الثاني فله الأكل فإن كان شك في طلوعه فالمستحب أن لا يأكل فإن أكل ولم يتبين له طلوع الفجر وبقي على الشك فلا شيء عليه وصومه صحيح، وقال مالك: فسد صومه وعليه القضاء ولا يذكر أصحابه هذا وهذا غلط، لأن الليل يقين وطلوع الفجر شك فلا يزال حكم اليقين بالشك ومتى تحقق الليل أفطر ويستحب له تعجيل الفطر، وإن لم يتحقق وغلب على ظنه دخوله نظر فإن كان غير دليل فالمستحب أن لا يأكل حتى يغرر بالصوم فإن أكل ونفي الأمر على ذلك فلا قضاء عليه، وإن غلب على ظنه بغير دليل فأكل وبقي على الشك يلزمه القضاء لأنه لا يجوز له الأكل مع هذا الشك إذ الأصل تحريم الطعام وهو شاك في إباحته [284 ب/4] فلا يجوز استباحته بالشك فإذا أكل يجب القضاء، وإن بان أن الشمس كانت قد غربت فلا قضاء عليه، فإن قيل: قال الشافعي نصًا: إذا شك الناس عند افتتاح الجمعة أن الوقت باقٍ أو لا، لا تجوز جمعتهم والأصل بقاء الوقت فخالف هذا الأصل الذي ذكرتم قلنا: لم يخالف وذلك أن الشك وقع هاهنا حين لم يبق من الوقت إلا قليل وذلك القدر لا يمتد حتى يصلى فيه جميع الصلاة بل يتيقن خروج الوقت قبل فراغه منها فلهذا لم..... 2 أن تبتدئ الجمعة حتى.... 3 عرض الشك في خلال الصلاة نص الشافعي أنهم يتمونها جمعة إذ يمكن الفراغ قبل خروج الوقت والأصل بقاء الوقت وصحة الجمعة ذكره القفال.
مسألة: قال 4: وَإِنْ وطِئَ امْرَأَتَهُ فَأَوْلَجَ عَامِدًا الفصل وهذا كما قال: الجماع محرم على الصائم فإذا جامع في الفرج عامدًا في صوم رمضان أفسد صومه وعليه القضاء بكل حال، وحكي أن الشافعي قال في "الأم": إذا كفر الواطئ يحتمل أن لا يكون عليه القضاء، وإن القضاء هو داخل في الكفارة ويحتمل

أن يكون عليه القضاء ولكل وجه وأن يصوم أحب إلّي فأومأ إلى قولين، أحدهما: لا قضاء [285 أ/4] وهو بعيد ولا فرق بين أنواع الكفارة ففيه وجهان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي بالكفارة ولم يأمره بالقضاء، والثاني: يلزمه القضاء وقد روي أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: "وصم يومًا مكانه" والصحيح أن المسألة على قول واحد يلزمه القضاء، وقال بعض أصحابنا: إن كفَّر بالعتق والإطعام يلزمه وإن كفَّر بالصيام فقولان ووجه أن قضاء اليوم دخل في صوم شهرين.
وهذا غلط لأن هذا من مذهب الأوزاعي ولا يصح، لأن الصوم نوع من أنواع الكفارة فوجب معه القضاء كالعتق، ولأن هذا الصوم وقع عن الكفارة فيستحل أن يدخل فيه قضاء رمضان وتجب الكفارة وهي عتق رقبة، ولا فرق بين الزنا وغيره.
وقال سعيد بن جبير، وقتاده، والشعبي، والنخعي: لا تلزم الكفارة كما في الأكل، وحكي عن سعيد بن جبير أنه إذا زنى لا كفارة وإذا....... 1 ورد من وطئ الزوجة، وهذا غلط لخبر الأعرابي المذكور في المختصر وتمامه وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسًا [285 ب/4] في المسجد يومًا بين أصحابه إذ أقبل أعرابي ينتف شعره ويضرب صدره ويقول: ألا هلك الأبعد ألا هلك الأبعد يريد نفسه حتى دخل المسجد فدنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لك يا أعرابي"، فقال: هلكت وأهلكت، فقال: "ماذا فعلت" فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: "أعتق رقبة" فضرب يده على رقبته وقال: والذي بعثك بالحق لا أملك غيرها، فقال: "صم شهرين متتابعين" فقال: وهل أتيت إلا من الصوم أي: هل وقع إلا من قلة الصبر من الصوم، فقال له عليه الصلاة والسلام: "أطعم ستين مسكينًا".
فقال: لا أجد، فقال له: "اجلس" فجلس فأتى بعرق فيه تمر فقال: "خذها فتصدق بها" فقال: أعلى أهل بيت أحوج من أهل بيتي، فوالله ما بين لابتيها - أي جبلي المدينة - أهل بيت أحوج من أهل بيتي، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال له: "كل وأطعم عيالك" فحمل الأعرابي المكتل على كاهله ورجع إلى قومه وقال لهم: خوفتموني من محمد فقد ذهبت وأعطاني هذا التمر 2. فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في قدر الكفارة وفيمن تجب [286 أ/4] عليه فأما قدر الكفارة قال في "القديم": كفارة واحدة وهو الصحيح لأنه صلى الله عليه وسلم أوجب كفارة واحدة، وبه قال أحمد وقال في الإملاء: يجب كفارتان كفارة عليه وكفارة عليها، وحكي عن ابن أبي هريرة من أصحابنا أنه قال: قال الشافعي: هذا في مناظرة جرت بينه وبين مالك وليس بمشهور وهو قول أبي حنيفة ومالك وأبي ثور واختاره ابن المنذر وروي هذا عن أحمد، وإذا قلنا: تجب كفارتان فعلى كل واحد منهما أن يكفر عن نفسه على حسب حاله من عتق أو صيام أو إطعام وإذا قلنا: كفارة واحدة ففي كيفية

الوجوب قولان أحدهما: تكون الرقبة عليهما وعلى الزوج تحملها عنها في ماله لأنهما اشتركا في هتك حرمة الصوم فاشتركا في وجوب الكفارة وهو ظاهر قول الشافعي عنه وعنها، والثاني: يكون عن الزوج خاصة ولا مدخل لها في وجوب هذه الكفارة كما لا مدخل لها في وجوب المهر وهو الصحيح، وقال بعض أصحابنا: إنما لا تجب الكفارة عليها بالجماع لن فطرها سبق جماعها وهذا لا يصح لأنه يتصور فطرها بالجماع من ثلاثة [286 ب/4] أوجه: أحدها: أن تكون نائمة فتنبهت بعد الإيلاج ومكثت على الجماع.
والثاني: أن تكون ناسية للصوم فتتذكر في أثناء الجماع وتمكث عليه.
والثالث: أن يكرهها في الابتداء ثم ترضى، فأول الإيلاج ما حصل به الفطر وإنما حصل بدوامه وقول الشافعي عنه وعنها أراد يجري عن فعله فعلها فلا يجب شيء آخر، وقيل: حصل ثلاثة أقوال: أحدها: كفارتان، والثاني: كفارة عنهما، والثالث: كفارة عليه خاصة وقال والدي رحمه الله قول التحمل باطل لأنه لو صح لوجبت كفارتان تامتان، ألا ترى أنه لما تحمل زكاة الفطر عنها يجب صاعان صاع عن نفسه وصاع عنها ويستحيل إيجاب نصف رقبة ثم تحمله وهو على ما ذكر، وقال القفال في كيفية التحمل: وجهان: أحدهما: أنه يجب نصف الكفارة عليها ويتحمل الباقي.
والثاني: على كل واحد منهما كفارة تامة ثم يتحمل عنها ثم يتداخلان وهذا ضعيف لأن التداخل لا يجري في الكفارة عندنا، وذكر بعض أصحابنا بالعراق: أنه يجب على كل واحد منهما كل الكفارة ولكن إذا أخرجها الزوج [287 أ/4] سقطت عنها كما لو كان عليها دين هو ألف وضمنه الزوج عنها فالدين متعلق بكل واحدة من الذمتين فإذا أدى ذلك برئت الذمتان، كذلك هاهنا فإذا قلنا: لا يجب عليها أصلًا تعتبر حالة فيها فإن كان واجدًا للرقبة أعتقها، وإن لم يكن واجدًا لها صام شهرين متتابعين، وقال ابن أبي ليلى: يجوز متفرقًا فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا وهذه الكفارة هي على الترتيب عندنا، وحكي عن الحسن البصري أنه قال: يتخير بين أن يعتق أو ينحر بدنة لما روى ابن المسيب مرسلًا "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي بعد الرقبة هل تستطيع أن تهدي بدنة فقال: لا" وهذا غير مشهور فلا يعتمد عليه، وقال مالك: على التخيير بين هذه الثلاثة واحتج بما روي في خبر الأعرابي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكينًا" ولأنها كفارة تجب بالمخالفة في موجب عقد فكانت على التخيير ككفارة اليمين وهذا غلط للخبر الذي روينا وروايته اختصار من خبرنا بعينه ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكانت مرتبة [287 ب/4] ككفارة القتل، وليست كاليمين ولأنها خفف الأمر فيها بقلة المقدار وغيرها فخفف بالتخيير أيضًا وإذا قلنا بقول التحمل فلا يخلو حالهما من أحد أمرين: إما أن يتفقا أو يختلفا فإن اتفقا نظر فإن كان من أهل العتق أعتق الزوج رقبة واحدة تجزي عنهما ويقع حكمنا

عن كل واحد منهما، فإن كانا من أهل الصيام صام كل واحد منهما شهرين متتابعين، لأنه لا يدخل التحمل في الصيام ولا يتبعض، وإن كانا من أهل الإطعام أطعم ستين مسكينًا يقع عن كل واحد منهما كالعتق سواء، وإن اختلف الحالان فلا يخلو الزوج عن أحد أمرين: إما أن يكون أعلا أو أدنى فإن كان أعلا نظر فإن كان من أهل العتق وهي من أهل الصيام أعتق وأجزأهما وسقط عنها الصيام، لأن معنى التحمل أن ينقلها إلى مثل حاله ويكفر عنه وعنها هذا إذا كان العتق عنها فإن كانت فيمن لا تكفر بالعتق وهي الأمة أعتق عنه نفسه وصامت عن نفسها لأنه لا يقدر أن ينقلها إلى منزلته في العتق، وقيل: إذا قلنا: يملك بالتمليك يجزي العتق وحكمها حكم الحرة المعسرة، وإن كان من أهل [288 أ/4] الصيام وهي من أهل الإطعام صام عن نفسه وأطعم عنها فإن تكلف العتق نقلها إلى مثل حاله وأعتق وسقطت الكفارة عنها فإن لم يفعل ذلك ولكنه اختار الصيام وصام عن نفسه ولا يصح فيه التحمل ويطعم عنها على ما ذكرنا إن قدر وإلا فلا يلزمه، وإن كان الزوج من أهل العتق وهي من أهل الإطعام أعتق وسقط عنها الإطعام لأنه نقلها إلى مثل حاله فصارت كأنها من أهل العتق، وإن كانت هي أعلا من الزوج فإن كانت من أهل العتق وهو من أهل الصيام صام عن نفسه وكان العتق في ذمته يعتق عنها متى قدر لأن من هو من أهل العتق لا يكفر بالصيام، وإن كانت من أهل الصيام وهو من أهل الإطعام أطعم عن نفسه وصامت عن نفسها لأن من كان من أهل الصيام لا يكفر بالإطعام ولا يدخل التحمل في الصيام، وإن كان من أهل الصيام وهي من أهل العتق أطعم عن نفسه وكان العتق عنها في ذمته حتى يقدر فيعتق عنها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا اختلف الحالان على هذا القول فيه وجهان: أحدهما: عليها [288 ب/4] كفارتان لأن الكفارتين إذا كانتا من جنسين لم يتداخلا، والثاني: يتداخلان وهو الأصح وفي هذا نظر.
فرع لو قدم من سفر وقد طهرت زوجته من حيض فجامعها لا كفارة على واحد منهما، وإن كانت صائمة دونه نظر فإن أكرهها فعلى الوجهين لا كفارة لأن الإكراه اسقط الكفارة في حقها وهو مفطر فلا كفارة عليهما، وإن طاوعته لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تغره أو لا تغره فإن لم تغره ولكنها طاوعته مع العلم بذلك فعلى الوجهين، فإن قلنا: إن الكفارة عليه وحده لا كفارة هاهنا لأنه مفطر، وإن قلنا: عليهما فعليهما الكفارة ويتحملها عنها فيعتبر حالها فإن كانت من أهل العتق أعتق عنها، وكذلك إن كانت من أهل الإطعام أطعم عنها، وإن كانت من أهل الصيام صامت عن نفسها لأنه لا يحمل في الصيام.
ولو غرته مثل أن قالت: أنا مفطرة ثم بانت صائمة فإن قلنا: الكفارة عليه وحده فلا كفارة، وإن قلنا: بالقول الآخر قال أبو إسحاق: يحتمل وجهين: أحدهما: الكفارة عليها لأنها غرته فلا يلزمه أن يتحمل عنها [289 أ/4] والثاني: لا كفارة على أحد

منهما لأن الزوج معذور في قبول قولها والمرأة لا يلزمها إخراج هذه الكفارة إذا كانت...... 1 والأول اختيار أبي حامد....... 2 لم يذكر غيره وإن هددها فطاوعته لا تجب الكفارة وفي إفطارها قولان.
فرع آخر لو كان الرجل نائمًا فجاءت امرأته فاستدخلت ذكره لا يفطر قولًا واحدًا، وأما المرأة فإن قلنا: إن الكفارة عليهما تجب الكفارة في مالها، وإن قلنا: عليه واحده لا شيء عليهما ولو كانت هي نائمة لا يلزمها القضاء ويلزمه القضاء والكفارة، وقال مالك: عليها القضاء والكفارة، وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء دون الكفارة وهذا غلط، لأن هذا أكثر من النسيان فلا يفطرها.
فرع آخر لو كان الزوج مجنونًا والمرأة عاقلة فمكنته من نفسها فإن قلنا: لا كفارة على المرأة لا شيء هاهنا، وإن قلنا: على المرأة الكفارة هل يتحمل فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يتحمل لأنها وجبت بوطئه والوطء يجري مجرى الجناية وما يجب بجناية المجنون يجب في ماله، وقال ابن سريج: لا يتحمل عنها ويلزم في مالها لأنه لا قصد له ولا حكم [289 ب/4] لفعله ولأنه معذور دونها وهذا أظهر عندي وقيل: هذان الوجهان مبنيان على القولين فيمن أحرم بالحج ثم جن فجامع هل تلزمه الكفارة قولان، ولو أكرهها المجنون فلا كفارة قولاً واحدًا.
فرع آخر لو أصبح صائمًا مقيمًا ثم جن فجامع وقلنا: لا يبطل صومه بالجنون قال ابن سريج: لا كفارة، وقال أبو إسحاق: عليه الكفارة ذكره بعض أصحابنا بخراسان وفيه نظر.
فرع آخر لو أكره زوجته على الوطئ فإن لم يوجد منها تمكين فإن شدها ووطئها لا تفطر قولًا واحدًا تلزمه والزوج يفطر وعليه القضاء والكفارة وإن هددت بالضرب أو الطلاق حتى مكنته من نفسها هل تفطر، قولان: أحدهما: لا تفطر والحكم على ما ذكرنا.
والثاني: تفطر ولا كفارة عليها قولًا واحدًا، لأنها معذورة في هذا الفطر غير عاصية به والزوج يفطر وعليه القضاء والكفارة، ولو أكره الرجل على الوطء بأن شدت يداه وأدخل ذكره في فرجها فإن لم ينزل فهو على صومه، وإن أنزل فيه وجهان: أحدهما: يفطر لأن الإنزال لا يحدث إلا عن قصد، والثاني: لا يفطر لأنه مكره فإذا قلنا: [290 أ/4] بالأول هل تلزمه الكفارة وجهان أحدهما: لا كفارة للشبهة، والثاني: تلزمه

الكفارة ذكره في "الحاوي" 1، وعند أحمد تلزمه الكفارة لأن الانتشار بالاختيار.
فرع لو زنا رجل بامرأة فإن قلنا: تلزمه الكفارة وحده تجب على الزاني وحده ولا شيء عليها سوى القضاء، وإن قلنا: إن الكفارة عليهما وتتداخل أو لا تتداخل ولكنه يتحمل عنها وجب على كل واحد منهما أن يعتق رقبة لأن التحمل إنما يجب على الزوج دون الزاني، وقال القاضي أبو حامد: لا خلاف في هذا لأن الخبر لم يرد فيه ولا الزاني في معناه.
فرع 2 لو وطئ أربع زوجت له في يوم واحد فإن قلنا: الكفارة عليه فتكفيه كفارة واحدة، وإن قلنا: عليهما يلزمه أربع كفارات، ولو كانت له زوجتان مسلمة وذمية فوطئهما في يوم واحد فإن وطئ الذمية أولًا ثم المسلمة فعليه كفارتان في أحد الوجهين، وإن وطئ المسلمة أولًا ثم الذمية فليس عليه إلا كفارة واحدة.
فرع لو وطئ زوجته هل يجب عليه ثمن الماء لغسلها من هذا الجماع، قال القاضي الطبري: لا أعرف هذه المسألة لأصحابنا والذي عندي أنه بمنزلة النفقة لقضاء [290 ب/4] الحج إذا وطئها الزوج فأفسده عليها وقد قال الشافعي على الزوج إن حج بها من قابل والظاهر من المذهب أنها في ماله، ومن أصحابنا من قال: تجب في مالها وقول الشافعي: عليه أن يحج بها من قابل أراد عليه أن يأذن لها في الحج ولا يمنعها من الخروج فيكون ثمن الماء بمنزلة نفقة الحج الذي أفسده عليها.
واعلم أن الشافعي ذكر خبر الأعرابي وتكلم عليه فقال: قوله خذ هذا فتصدق به يحتمل أمرين: أحدهما: أنه لم يملكه إياه وإنما تطوع بالتكفير عنه من ماله فلما أخبره بحاجته صرف إليه، والثاني: أنه ملكه إياه وأمره بالتصدق به فلما أخبره بحاجته أذن له في أكله قال: وفي قوله أطعمه عيالك ثلاثة تأويلات: أحدها: أمره بأن يطعم عياله ويكون الفرض في ذمته باقيًا وهذا أحب إليَّ وأقرب إلى الاحتياط، وإن لم يكن مذكورًا في الخبر، والثالث أمره أن يطعم عياله ويسقط الفرض عنه بعجزه فهي خمس تأويلات ولكل واحد منها فائدة، فأما الأول يدل على أن من وجبت عليه كفارة يجوز لغيره أن يكفر عنه من ماله بإذنه لأنه دفع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم [291 ب/4] ولم يملكه إياه ولكنه أمره بالتصدق به ليسقط الفرض عنه.
والتأويل الثاني: يدل على أن الكفارة لا تلزم إلا في الفاضل عن الكفاية لأنه لما أخبره بالاحتياج أجاز له أكله ولم يأمره بالتكفير.

وأما الثالث: ففائدته أن من تطوع بالتفكير عن غيره يجوز له أن يدفع الكفارة إلى عيال المفكر عنه إذا كانوا محتاجين.
وأما التأويل الرابع: فائدته أن من وجبت عليه كفارة فعجز عنها فإنه يسقط فرضها عنه.
فحصل من التأويل الرابع والخامس قولان وهما: أن من عجز عن الكفارة هل تسقط عنه؟ قولان قال أصحابنا: حقوق الله تعالى المتعلقة بالمال هي على ثلاثة أضرب: حق يجب لا بسبب من جهته ولا هو على جهة البذل مثل زكاة الفطر فلا خلاف أنها تجب في حال الوجوب عند القدرة ولا تجب عند العجز ويسقط رأسًا، وحق يجب بسبب من جهته على جهة البذل كجزاء الصيد فلا خلاف أنه يجب إخراجه عند القدرة ويثبت في الدية عند الإعسار إلى أن يجد، وحق يجب بسبب من جهته لا على وجه البذل ككفارة الجماع [291 ب/4] والقتل واليمين والظهار فإن كان قادرًا في الحال يلزمه إخراجه، وإن كان عاجزًا هل يسقط؟ قولان: أحدهما: يسقط كزكاة الفطر، والثاني: وهو الصحيح أنه لا يسقط كجزاء الصيد ولا تجب الكفارة إذا وطاء في قضاء رمضان، وقال قتادة وأبو ثور: تجب الكفارة وهذا غلط، لأنه ليس لزمان القضاء حرمة رمضان فلا كفارة.
مسألة: قَالَ 1: وَإنْ كَانَ نَاسِيًا فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في أَكْلِ النَّاسي.
وهذا كما قال: إذا أكل ناسيًا لم يفطر ولا قضاء عليه وليس في الصيام ما يقضي إذا فعله ناسيًا أو جاهلًا إلا في الناسي لطلوع الفجر وإن جامع ناسيًا فقد نقل المزني أنه لا كفارة قياسًا على أكل الناسي للخبر في ذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "من أكل أو شرب في الصوم فليتم صومه فالله أطعمه وسقاه" 2. وروي عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في الذي صام ثم جامع أشياء مثل الذي يأكل ناسيًا وبقولنا قال على وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة [292 أ/4] ومن أصحابنا من غلط المزني فيه وقال: لا نص فيه الشافعي فيحتمل أن يخرج على قولين كما نقول في جماع الناسي في الحج قولان ذكره أهل خراسان وحدهم أحدهما: لا تلزمه الكفارة لأنها تسقط.
والثاني: تلزمه الكفارة لأن الأعرابي جاهل بحكم الفطر والرسول صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة عليه والناسي هو مثل الجاهل وهذا أصح، ومن قال بالأول فرق بين الحج وهذا بأن المحظورات هناك تنقسم إلى ما هو استمتاع كاللباس وإلى ما هو إتلاف كالحلق ويستوي في هذا حكم العامد والناسي دون ذاك فجاز أن يلحق الجماع بما يستوي فيه السهو والعمد ومحظورات الصوم كلها على قسم واحد لا تختلف وكلها

تفترق بالسهو والعمد فيختلف هذا أيضًا، وقال مالك وربيعة: عليه القضاء في الأكل والجماع ولا تلزم الكفارة، وقال أحمد: تجب بالجماع الكفارة والقضاء ولا تجب بالأكل شيئًا، وقال في "الحاوي" 1: عن أحمد إذا أكل ناسيًا فإنه يلزمه القضاء دون الكفارة، وقال عطاء والأوزاعي والليث يجب القضاء في الجماع دون أكل ولا كفارة فيهما [292 ب/4] واحتج مالك بأنه قاس على ترك النية وهذا غلط والفرق أن النية مأمور بها والأكل منهي عنه فيختلفان كما في الصلاة لو تكلم ناسيًا لا تبطل، ولو ترك الركوع ناسيًا بطلت واحتج أحمد بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل المجامع في رمضان هل كان عامدًا أو ناسيًا وهذا غلط، لأنه روي أنه قال: "هلكت وأهلكت" وروي أنه قال "احترقت" فدل أنه كان عامدًا.
فرع لو أكل ناسيًا فظن أنه قد أفطر ثم جامع عامدًا أو أكل عامدًا حكي القاضي أبو علي البندنيجي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: لا يبطل صومه كمن سلم من اثنتين من الظهر فتكلم فاعتقد أنه خرج من الصلاة لم تبطل صلاته، ونص الشافعي في "الأم" 2: أنه لا كفارة ولم يتعرض للقضاء، وكذلك لو احتجم أو اغتاب أو قبل ولم يُنزل واعتقد أنه يفطره أو اعتقد أنه نسي النية من الليل فوطئ ثم تذكر النية الباب كله واحد، وقال سائر اصحابنا: يلزمه القضاء ولا كفارة لأن الكفارة تسقط بالشبهة دون القضاء، ولم يذكر صاحب "الحاوي" 3 [293 أ/4] غيره والمسألة معروفة بالوجهين والأقيس الأول، وقال القاضي الطبري: يحتمل عندي أنه يلزمه الكفارة، لأن الذي ظنه لا يبيح له الوطء بخلاف ما لو جامع طانًا أن الشمس غربت لأن ظنه هاهنا يبيح الوطء، ولو علم أنه على صومه فجامع فإنه تلزمه الكفارة، وقال أبو حنيفة: لا كفارة وجعل المتقدم شبهةً وهذا غلط، لأن كل وطء يوجب الكفارة إذا لم يتقدمه بعفو عنه يوجب الكفارة، وإن تقدمه معفو عنه كالوطئ في الحج.
فرع آخر لو استكثر الأكل ناسيًا قيل: فيه وجهان لأنه نادر.
فرع آخر لو تقيأ عامدًا وهو جاهل ببطلان الصوم قال القاضي الحسين رحمه الله: يبطل صومه إلا أن يكون حديث العهد بالإسلام وهكذا المحرم إذا تطيب جاهلًا تلزمه الفدية إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام قلت: ويحتمل أن يقال لا يفطره لأن هذا مما يشتبه على من نشأ في الإسلام أيضًا.

مسألة: قال 1: وَالكَفَّارةُ عِتْقُ رَقَبَة.
وهذا كما قال: أراد سليمة مؤمنة خلاف قول أبي حنيفة لأنه أجاز الكفارة وهي على الترتيب [293 ب/4] عندنا على ما ذكرنا وحكي عن الحسن أنه قال: يتخير بين عتق رقبة وبين أن ينحر بدنة واحتج بما روى ابن المسيب في حديث الأعرابي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "هل تستطيع أن تُهدي بدنة" وروي عطاء بن أبي رباح عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر يومًا من شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعًا" 2، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر المشهور وخبر الجماعة أولى من خبر عطاء الخراساني، وحديث جابر رواية الحارث بن عبيدة هو ضعيف، ثم قال: فإن لم يجد أي: فإن لم يجد الرقبة ولا ثمنها فصيام شهرين متتابعين لايفطر في شيء منها نهارًا من غير عذر ذكر بعد هذا أن لكل مسكين مدًا بمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: لكل مسكين مدان من الحنطة ومن الشعير والتمر صاع وقد وجد في خبر الأعرابي أنه أتى بعرق قال سفيان: والعرق هو المكتل [294 أ/4].
قال الشافعي: والمكتل خمسة عشر صاعًا وهي ستون مدًا، وروي هذا في الخبر فدل على صحة قولنا، ثم قال: وإن دخل في الصوم ثم وجد الرقبة فله أن يتم صومه وقصد به خلاف قول أبي حنيفة والمزني: يلزمه العود إلى الرقبة ويستحب أن يعتق نص عليه وفي التيمم إذا رأى الماء هل يستحب له الخروج من الصلاة وجهان والأصح أنه يستحب والفرق على الوجه الآخر أنه يخير المسافر في الصوم بعد الشروع بخلاف الصلاة، وإن وجد الرقبة قبل الشروع في الصوم فيه قولان بناء على أن الاعتبار بحال الوجوب أو بحال الأداء والأظهر أنّ الاعتبار بحال الأداء.
مسالة: قال 3: وَنْ أَكَلَ عَامِدًا فِيْ صَوْمِ رَمَضَانَ فَعَليْهِ الْقَضَاءُ وَالعُقُوبَةُ.
الفصل وهذا كما قال: إذا أفطر بالأكل أو الشرب أو بما دون الجماع لا يلزم الكفارة ويلزمه القضاء والعقوبة يعني التعزيز ولا تلزم الكفارة العظمي عندنا إلا بجماع تام دون غيره ولو وطئ دون الفرج فلا كفارة أنزل أو لم ينزل وبه [294 ب/4] قال سعيد بن جبير والنخغي ومحمد بن سيرين وحماد وأحمد وداود وقال الأوزاعي والثوري والحسن والزهري وإسحاق وعطاء وأبو حنيفة: إنه تلزم الكفارة في صوم رمضان بالجماع التام والأكل التام وتفسيره عند أبي حنيفة أن يكون الفطر بمتبوع الجنس وهو الجماع التام أو ما يقصد به التغذي أو التداوي.

فأما إذا ابتلع حصاة أو لؤلؤة أو جوزة فلا كفارة، وقال: ولو ابتلع لوزة رطبة بقشرها يلزمه الكفارة لأنها تؤكل بقشرها، ولو ابتلع جوزة رطبة بقشرها فلا كفارة لأنها لا تؤكل بقشرها في العادة، وقال مالك: كل من أفطر بمعصية تلزمه الكفارة فدخل في هذا الفطر بالجماع دون الفرج إذا أنزل والقبلة إذا كان معها إنزال والنظر بالشهوة عمدًا حتى ينزل وابتلاع الحصاة والقيء عمدًا، وبه قال أبو ثور وناقض فقال: لو ارتد لا تلزم الكفارة، وقالت طائفة: أنه يغلّط فيه بالقضاء دون الكفارة ثم اختلفوا في قدر التغليظ فقال ربيعة: يصوم اثنى عشر يومًا مكان يوم وقال ابن [295 أ/4] المسيب: يصوم شهرًا مكان يوم، وقال النخعي: يصوم ألف يوم عن كل يوم، وروي عنه ثلاثة آلاف يوم وهو الصحيح عنه، وقال علي وابن مسعود رضي الله عنهما: لو صام الدهر لم يقض حرمة ذلك اليوم.
واحتج ربيعة بأن السنة اثنا عشر شهرًا، وصوم رمضان يجزي عنها وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأعرابي: "وصم يومًا مكانه" وروى أبو داود: وصم يومًا واستغفر الله ولأن قضاء العبادة لا يختلف بالترك بعذر وغير عذر كقضاء سائر العبادات، وحكي عن مالك أنه قال: لو تقيأ عمدًا لا كفارة واعتذر أصحابه بأن في الاستقاءة مشقة وأذى فلا يفعله لغرض صحيح وضرر كبير حتى لو أن ماجنًا استقاء من غير حاجة.... 1 فإذا تقرر هذا فظاهر المذهب أنه لا فدية عليه أيضًا، وقال ابن أبي هريرة تلزمه الفدية فقال بعضهم: مد من طعام عن كل يوم، وقال بعضهم: يلزمه أن يطعم فوق فدية الحامل دون كفارة المجامع [295 ب/4] لأن هذا غير معذور والحامل معذور، وحكي هذا عن أبي هريرة وهذه آراء لا ترجع إلى خبر ولا قياس فإذا تقرر هذا فكل وطء أوجبنا فيه الكفارة نظر فإن تكرر منه في يوم واحد فعليه بالأول ولا كفارة عليه بالثاني، وقال أحمد: إن كفَّر عن الأول وجبت بالثاني كفارة، وإن لم يكفر لم يجب ويوقف في اليومين إذا لم يكفر عن الأول واختلف أصحابه فيه واحتج بأنه وطء محرَّم كالأول وقاس على الحج إذا وطئ فيه مرتين، وقال: يلزمه الإمساك كما يلزمه قبل الجماع وهذا غلط، لأن الوطء الثاني لم يصادف الصوم فأشبه إذا كان ليلًا، وأما الأول فقد خالف الصوم وأفسده فلا يصح القياس عليه، وأما الحج فالوطء لا يرفع لإحرامه ولا يخرج عنه بالفساد بخلاف هذا، وأما الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة، ألا ترى أنه لو لم ينو من الليلة يلزمه الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة ألا ترى أنه لو لم ينوِ من الليلة يلزمه الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة ألا ترى أنه لو لم ينوِ من الليل [296 أ/4] يلزمه الإمساك ولا صوم وإن تكرر ذلك في كل يوم فعليه بكل وطء كفَّارة حتى قال في البويطي: لو جامع ثلاثين يومًا فإنه يلزمه ثلاثون كفارة سواء كفَّر عن الوطء الأول أو لم يكفر، وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: إن لم يكفر عن الأول فلا كفارة للثاني، وإن كفر عن الأول ففيه روايتان، قال: ولو

كان في رمضانين ففيه روايتان والأشهر أنها تتكرر وهذا غلط لأن كل يوم....... 1 مسألة: قال 2: وَإِنْ تَلَذَّذَ بامرأتهِ حَتى يَنْزلَ فَقَدْ أَفْطَرَ وَلاَ كَفَّارَةَ.
وفي ذكرنا الخلاف فيه مع مالك، وقال أحمد: تجب الكفارة بالوطء دون الفرج وفي القبلة واللمس إذا أنزل روايتان وهذا غلط، لأنه وطء غير تام كما لو قبّل.
فرع لو حك ذكره لعارض فأنزل هل يلزمه القضاء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأنه لم يتعمد، والثاني يلزمه لأنه اختار سببه ذكره في "الحاوي".
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله لو لمس شعرها فأنزل هل يبطل [296 ب/4] صومه وجهان: أحدهما: يبطل لأنه جزء من بدنها، والثاني: لا يبطل لأن لمس شعرها كالنظر، ولهذا فإنه لا ينتقض الوضوء ولو لمس أذنها الملصقة بالدم فأنزل فإنه يحتمل وجهين، ولو أنزل عن لمس العضو المنفصل عنها لم يبطل الصوم بلا خلاف.
مسألة: قال 3: وَإِنْ أَدْخَلَ فِيْ دُبُرِهَا.
الفصل وهذا كما قال: إذا لاط بغلام أو أتى امرأة في الموضع المكروه فإنه يفسد صومه ويلزمه القضاء والكفارة، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: في أشهر الروايتين لا تلزمه الكفارة وذكر شيخنا الإمام ناصر رحمه الله قولًا مخرجًا: أنه يعزر به ولا يحد وفي وجوب الكفارة على هذا القول وجهان وهذا غير صحيح، وأما إذا أتى بهيمة فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، كما في اللواط أحدهما: يلزمه القتل بكل حال، والثاني: أنه كالزنا يجلد إن كان بكرًا ويرجم إن كان محصنًا ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوالٍ [297 أ/4]..... 4 والثالث: يجب به التعزيز فإذا أوجبنا الحد أوجبنا الكفارة، وإذا أوجبنا التعزيز هل تلزم به الكفارة؟ وجهان أحدهما: لا يجب لأنه جماع لا يوجب الحد كالجماع دون الفرج، والثاني: يجب لأنه فرج يلزم بالإيلاج فيه الغسل كفرج المرأة ومن أصحابنا من قال قول واحد: تجب الكفارة لأن لا يعتبر فيه الغسل كفرج المرأة ومن أصحابنا من قال قول واحد: تجب الكفارة لأن لا يعتبر بالحد كما في وطء زوجته في رمضان تلزم الكفارة ولا يتصور به وجوب الحد، وقال أبو حنيفة: تلزم الكفارة به وربما يقولون: لا يلزم به الغسل إذا لم ينزل.
مسألة: قال 5: وَالحَامِلَ والمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدِهِمَا أَفْطَرَتَا وَعَليْهِمَا القَضَاءُ.
وهذا كما قال: الحامل والمرضع إذا خافتا من الصوم فإن كان خوفهما على أنفسهما يلزمهما القضاء ولا فدية عليهما كالمريض والمسافر، وإن كان خوفهما على

ولدهما قال الشافعي: أفطرتا وتصدقتا عن كل يوم مدّ من حنطة، وأراد إذا كان قوت مثلهما الحنطة وإلا فمن قوتهما إلا أن يتطوعا بالحنطة وصامتا إذا أمنتا على [297 ب/4] ولديهما وبه قال مجاهد وأحمد، إلا أن أحمد يقول: مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير وهذا هو الصحيح.
وقال في البويطي: يجب على المرضع القضاء والفدية ويجب على الحامل القضاء دون الفدية والفرق أن حملها متصل بها فصارت كأن العذر في نفسها كالمريضة بخلاف المرضع، وبه قال مالك في أصح الروايتين والليث بن سعد، وقال صاحب "الإصلاح": قال الشافعي في موضع الكفارة عليهما استحباب وبه قال الحسن وعطاء والزهري وربيعة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأبو عبيد وداود وهو اختيار المزني وابن المنذر وهو قول أبي حنيفة، وروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: عليهما الفدية ولا قضاء وهو الأصح، لأن القضاء لزم المريض بالنص ففيه تنبيه على وجوبه على الحامل وقد روي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم نصف صاع".
وقال [298 أ/4] القفال قول واحد في المرضع: يلزمها الفدية والقولان في الحامل والفرق ما ذكرنا وأيضًا الضرر الذي تخاف الحامل لو لحق ربما يتصل بالأم فإن الحمل هو جزء منها والأصل الضرر من ولد المرضع إلى بدنها، فليس فيها معنى المرض بل هي رخصة مخصوصة بشرط الفدية، واحتج المزني فقال: كيف يكفَّر من أبيح له الأكل والإفطار ولا يكفر من لم يبح له الأكل فأكل وأفطر؟ قلنا: من أصحابنا من لم يسلم ذلك الأكل عمدًا على ما ذكرناه، ومن أصحابنا من سلم وهو المذهب والفرق أن االمستمتع بالفطر شخص واحد فلم يلزم بذلك الفطر إلا بدل واحد وهو القضاء وهاهنا المستمتع بالفطر شخصان الأم والولد، فجاز أن يتعلق بهذا الفطر بدلان القضاء والفدية كما لو جامع؛ ولأن مدار الكفارة ليس على الإثم لأن المحتقن والمستعط وتارك النية عامدًا من الليل هو مأثوم ولا كفارة عليه، ثم قال المزني: وفي القياس أن الحامل كالمريض والمرضع كالمسافر، وكل مباح له [298 ب/4] الفطر وأراد به أن المريض إنما يفطر لضعف في نفسه لا لعجز عن أمر كان يباشره، كذلك الحامل، وأما المسافر فإنما يفطر لا لضعف في نفسه ولكن لعجز عن أمر يباشره وهو قطع المسافة، وكذلك المرضع إنما تفطر للعجز عن الإرضاع فهو في القياس سواء والجواب ما ذكرنا من الفرق ثم احتج أيضًا بما حكاه عن الشافعي فقال: واحتج بالخبر من استقاء عامدًا هل عليه القضاء؟، قال عليه القضاء قال المزني: ولم يجعل عليه أي: على المستقيء عامدًا هل أحد من العلماء علمته فيه كفارة وقد أفطر عامدًا، وكذلك قالوا: في الحصاة يبتلعها الصائم والجواب من وجهين: أحدهما: أنهم إنما لم يوجبوا هناك الكفارة العظمى، فأما الفدية فغير مسلمة، والثاني: مثل ما قلنا إن المستمتع بالفطر هناك شخص واحد وهاهنا بخلافه.

فرع إذا كانت ترضع ولد الغير بالأجرة لها أن تفطر وتفتدي كما في السفر إذا كان قبيحًا له أن يفطر.
فرع آخر إذا أفطر ليخلص الغريق فيه [229 أ/4] وجهان، والظاهر أنه لتزمه الفدية لأن العذر في غيره.
فرع آخر لو كانت حبلى بولدين هل يلزم فديتان؟ وجهان: أحدهما: تلزم فديتان لارتفاق شخصين عاجزين عن الصوم، والثاني: وهو الأظهر يلزم فدية واحدة لأنه تحصل المزية بها على فطر المريض.
مسألة: قال 1: وَمَنْ حَرَّكَتِ القُبلةُ شَهْوَتَهُ كَرِهْتُهَا لَهُ.
الفصل وهذا كما قال: إذا كان الصائم شابًا لا يأمن من القبلة الإنزال فإنه تكره القبلة ولا تباح وهل تطلق أنها حرام فيه وجهان: أحدهما: أنها حرام لأنه يخاف الفطر كالخلوة بالأجنبية هي حرام، والثاني: أنها إن أفضت إلى إنزال الماء كانت حرامًا وإلا فلا يكون حرامًا، وهذا أصح لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه حين سأله عن القبلة: "أرأيت لو تمضمضت" فإن قبَّل ولم ينزل لم يفسد صومه، وإن كان شيخًا يأمن الإنزال لم يكره له ذلك والأفضل له تركها، قال الشافعي في "الأم" ومالك يكره في الحالين جميعًا عنها أفضل لأنه مع شهوة يرجى من [299 ب/4] الله تعالى ثوابها وفيما نقل المزني خلل لأنه قال: كرهتها له فإن فعل لم ينتقض صومه وتركها أفضل، لأن من تحرك القبلة شهوته لا يقال تركها أفضل لأن فعلها مكروه وسقط عن المزني نقل الشافعي ومن لم تحرك القبلة شهوته فلا بأس وترك هذا أفضل على ما ذكرناه من لفظه، وقال القاضي الطبري: هذه الكراهة في الحالة الأولى هي كراهة تحريم لأنه إذا كان يخاف منها إنزال الماء يخاف إفساد الصوم فلا يجوز له أن يعرض الصوم للإفساد في الغالب من حاله.
وقال محمد ابن الحنفية وابن شبرمة: القبلة تفطر الصائم بكل حال، وقال مالك: القبلة مكروهة للصائم بكل حال، وعند أحمد روايتان، وروي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما أنه لا تكره القبلة للصائم سواء كانت تحرك الشهوة أو لا، وهذا كله غلط، لما روي "أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن قبلة الصائم فنهاه ثم أتاه آخر فسأله فأباحها له" قال أبو هريرة رضي الله عنه فنظرنا فإذا الأول [300 أ/4] شاب والآخر شيخ 2، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل وهو صائم" وبينت عائشة رضي الله

عنها أن ذلك إنما كان منه لأنه لا يخاف على نفسه فقالت بعد رواية الخبر:- وكان تعني النبي صلى الله عليه وسلم - أملككم لإربه بأبي هو وأمي، أي: أنه كان يملك حاجته ولا تغلبه نفسه وشهوته فقيل لها نظن أنك هي فضحكت 1 فعلموا أنها إنما تعني نفسها، ويقال: أرب مفتوحة الألف والراء وإرب مكسورة الألف ساكنة الراء معناهما واحد وهو حاجة النفس ووطرها والإرب الوضوء أيضًا، وروي "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة ويمص لسانها وهو صائم"، وقالت عائشة رضي الله عنها: "تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم مني قبلة وأنا صائمة فقلت: إني صائمة فقال: ناوليني قرصًا فناولته كسرة فوضع على فيه ثم قال: ترى هذا فطرني".
وقالت أم سلمة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو صائم وأنا صائمة"، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصائم يقبل قال: "ذاك ريحانة [300 ب/4] تشمها ولا بأس بذلك" وروي أنه قال: "لا بأس إنما هي ريحانة تشمها" 2، وروي عن جابر رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه قال: "هششت يومًا فقبلت وأنا صائم قال: فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبلت وأنا صائم قال: أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم، وروي أنه قال لو تمضمضت أيضرك؟ قال لا قال ففيم إذاً" 3 يعني: أن القبلة الخالية من الإنزال كمضمضة خلت عن سبق الماء إلى الجوف وهذا دليل على أن القياس حجة وروي أن امرأة أتت أم سلمة رضي الله عنها فقالت: بعثني زوجي لأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قبلة الصائم، فقالت أم سلمة: إنه كان يقبل إحدانا وهو صائم فرجعت إلى زوجها فلم تزده إلا شرًا وقال: إنه ليس مثلنا إنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة فأخبرته به أم سلمة فقال: [301 أ/4] ألم تخبريها أني أفعل ذلك وأنا صائم قالت: نعم رجعت إلى زوجها فما زاد إلا شرًا وقال: كذا وكذا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" 4. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فأعرض عني فقلت له ما لي فقال: إنك تقبل وأنت صائم".
وروي عن أبي هريرة وعائشة مثل قولنا وبه قال عطاء والشعبي والحسن.
وروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما كرهاها للشاب ولم يكرهاها للشيخ وهذا لأنه يخاف لتحرك الشهوة في الشباب دون الشيخ في الغالب وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه: من فعل ذلك يصوم يومًا مكانه 5. أورده الإمام البيهقي وهذا أصح مما تقدم.

عن ابن عمر وابن مسعود وتلك الرواية رواها أهل العراق وحكم الملامسة حكم القبلة.
فرع لو قبل فوق خمار فأنزل لا يفطره.
فرع آخر لو قبل امرأته وفارقها ساعة أو ساعتين، ثم أنزل فيه وجهان، والأصح أنه يفطره إن [301 ب/4] كانت الشهوة مستصحبة والذكر قائمًا حتمًا أنزل.
ولو قليل، أو يمسح فأمذى لم يفطر خلافًا لأحمد، لأنه خارج لا يوجب الغسل كالبول، ويفارق المني لأنه يلنذ بخروجه ويوجب الغسل.
مسألة: قال 1: "وإِنْ وَطاءَ دُونَ الفَرْج فَأَنْزَلَ أَفْطَرَ وَلَم يُكَفَّر".
الفصل وهذا كما قال، قد مضت هذه المسألة، وهل أراد بقوله ولم يكفر الكفارة العظمى أو الكل من العظمى والصغرى؟ فيه خلاف بين أصحابنا، ثم قال: "وإِنْ تَلَذَّذ بِالنَّظَر [فَأَنْزَل] لَمْ يُفْطِر" وقصد به الرد على مالك حيث قال: إن أنزل في أول النظر قضي ولم يفكر، وإن كرر النظر حتى أنزل قضى وكفر.
واختلف أصحاب مالك فيمن أنزل بالفكر وهل يفطر أم لا؟ وأكثرهم يسلمون ذلك وعندنا لا يفطر بحال، لأنه حديث النفس من غير مباشرة كالاحتلام.
وأما الإثم فإنه جاءه نظر فأنزل لم يأثم، وإن كرر النظر أثم ولو استنزل الماء بكفه أفطر وعليه القضاء دون الكفارة خلافًا لمالك، والأصل ما ذكرنا أنه لا كفارة في غير الجماع.
وقد روي عن عمر - رضي الله عنه -[302 أ/4] أنه أتي بسكران في رمضان فعاقبه وقال للمنخرين والفم أو لليدين والفم ولو أننا صيام وأنت مفطر ولم يأمره بكفارة ولا أحد من الصحابة أمره بها.
مسألة: قال 2 الشافعي: وَإِذا أُغْمٍىَ عَلَى رَجُلٍ فَمَضَى لَهُ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ مِنْ شَهْرِ رمضانَ وَلَم يَكُنْ أَكَلَ وَلاَ شَرِبَ فعليه القضاءُ.
إِلى آخر كلام المزني.
وهذا كما قال: أراد به إذا أغمي على صائم لا أن الرجل يختص به وجملته أنه إذا أغمي على إنسان في رمضان في الليل ولم يفق إلا في النهار لم يصح صومه من الغد لأنه لم ينو من الليل وإن أغمي عليه بالنهار وكان قد نوى من الليل فإن استغرق النهار كله لم يصح صومه قولًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة والمزني يصح صومه كما لو نام في كل النهار وهذا غلط لأن النية قد انفردت عن الإمساك فلم يجز كما لو انفرد الإمساك

عن النية وأما النائم فقال أبو سعيد الإصطخري: لا يصح صومه إذا نام في كله.
وقال عامة أصحابنا يصح صومه والفرق أن النوم جبلة وعادة لا يزيل العقل لأنه متى نبه تنبه ويلزم [302 ب/4] قضاء الصلوات بخلاف الإغماء وإن لم يستغرق جميع النهار.
قال في كتاب الصوم إذا أفاق في بعض النهار أجزأه، وقال في كتاب الظهار إن كان في أول النهار مفيقًا صح صومه وإن لم يكن مفيقًا في أوله لم يصح صومه.
وقال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى: إن أغمى عليها وهي صائمة أو حاضت فإنه يبطل صومها فجعل الإغماء منافيًا للصوم كالحيض واختلف أصحابنا فيه على طرق فقال أبو إسحاق: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يحتاج أن يكون مفيقًا في أوله وبه قال مالك لأن الصوم يفتقر على الإفاقة كما يفتقر إلى النية ثم محل النية ابتداء الصوم كذلك الإفاقة.
والثاني: إذا كان مفيقًا في جزء من الصوم أجزأه لتحصل النية مع الإفاقة في جزء منه كما لو أفاق في أوله.
والثالث: أنه إذا أغمي عليه في جزء من الصوم بطل صومه لأنه معنى يُزيل العقل، ويفسده إذا وجد في جميعه فكذلك في بعضه كالجنون.
والطريق الثاني: قال ابن سريج المسألة على قول واحد يحتاج [303 أ/4] أن يكون مفيقًا في أوله على ما ذكر في الظهار وما قال في الصيام أجمل ولم يفصل وبينه في الظهار وأما ما قال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى فله تأويلان، أحدهما: أنه ذكر الحيض والإغماء وأجاب عن الحيض.
والثاني: أنه أراد بالإغماء الجنون.
ثم خرج ابن سريج قولًا آخر أنه إذا اعتبرت في أوله اعتبرت في آخره لأنه أحد الطرفين كنية الصلاة تعتبر في طرفها أولها وآخرها.
والطريق الثالث: المسألة على قول واحد تعتبر الإفاقة في جزء منه حتى يحصل القصد إلى الإمساك إلا أنه ذكر في الظهار أول النهار لأنه جزء منه ولم يرد أن الأول بخلاف الاثنان والذي ذكر قال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى تأويله ما ذكرنا وبه قال أحمد.
والطريق الرابع: فيه أربعة أقوال ثلاثة منصوصة وواحد مخرج وهو ما خرجه ابن سريج.
والطريق الخامس: فيه خمسة أقوال ثلاثة منصوصة وقولان مخرجان أحدهما ما ذكره المزني والثاني ما ذكره ابن سريج وهذا والذي قبله ضعيف.
فرع لو شرب بالليل وبقي سكران طول نهاره يلزمه القضاء [303 ب/4] فإن صحا في بعض النهار فهو كالإغماء، وكذلك لو شرب دواءً سفاهة فزال عقله فهو كالسكران.
فرع لو جن في أثناء الصوم فيه قولان، قال في الجديد: يبطل الصوم لأنه عارض يسقط فرض الصلاة فابطل الصوم كالحيض وهو الصحيح.
وقال في القديم لا يبطله كالإغماء لأن كليهما يزيل العقل والولاية وهذا لا يصح لأن حكم الجنون أغلظ، فعلى قوله

جارٍ التحميل