كتاب صلاة الخوف
مسألة: قال: وإذا صلوا في سفرٍ صلاة الخوف من عدو غير مأمون.
الفصل
وهذا كما قال: الأصل في صلاة الخوف قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: 102] الآية.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الخوف بذات الرقاع وبعسفان وببطن نخل".
واعلم أنها باقية لم تنسخ، وقال المزني رحمه الله: كانت ثابتة ثم نسخت بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر يوم الخندق أربع صلوات اشتغالاً بالقتال، ولم يصل صلاة الخوف.
وقال أبو يوسف رحمه الله في رواية: مثل قولنا وفي الرواية الثانية كانت خاصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يجوز لغيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ﴾ [النساء: 102] الآية فيشترط كونه فيهم وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً﴾ [سبأ: 20].
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني [167 أ/ 3] أصلي"، وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه صلى صلاة الخوف ليلة الهرير، فصلى المغرب بالطائفة الأولى ركعة، وبالطائفة الثانية ركعتين، وصلى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه صلاة الخوف بأصحابه، وكذلك صلاها أبو هريرة رضي الله عنه بأصحابه، وروي أن سعيد بن العاص كان أميراً على الجيش في حرب طبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة رضي الله عنه: أنا فقدمه حتى صلى بهم، وأما الذي كان يوم الخندق من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذلك قبل نزول صلاة الخوف.
وأما الآية قلنا: خطابه لا يوجب اختصاصه إلا أن يقول: خالصة لك، وهو كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] ولم يرد به التخصيص.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن هذا الباب هو يشتمل على ثلاثة أقوال في الخوف، الحالة الأولى منها هي مذكورة في القرآن مبينة في السنة، والحالة الثانية: مذكورة في القرآن لم ترد بها السنة، والحالة الثالثة: وردت بها السنة ولم تذكر في القرآن [167 ب/ 3] ..
وأعلم أن الخوف لا يؤثر في نقصان ركعات الصلاة بل يؤثر في هيئاتها، فإذا كان في السفر صلى ركعتين، وإن كان في الحضر صلى أربعاً، وإنما صور الشافعي أولاً في
الجزء: 2 - الصفحة: 419
السفر حتى يفرغ عليها صلاة الحضر، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "صلاة الخوف ركعة".
وقال جابر رضي الله عنه: الركعتان في السفر ليستا بقصر، وإنما القصر واحدة عند القتال، وروي عن طاوس والحسن أنه يصلي الإمام ركعتين، وكل طائفة ركعة، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله عنه، وروى حذيفة في خبر صلاة الخوف بطبرستان وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطائفة ركعة، وبطائفة ركعة ولم يقضوا، وقال عطاء وطاوس والحسن ومجاهد والحكم وحماد وقتادة رحمهم الله: الصلاة في شدة الخوف ركعة واحدة يومئ بها إيماء.
وقال إسحاق رحمه الله: أما عند السلة يعني سل السيف تحريك ركعة يومئ بها إيماء فإن لم يقدر فسجدة واحدة فإن لم يقدر فتكبيرة؟ لأنها ذكر الله عز وجل.
وقال أحمد رحمه الله: كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز [168 أ/ 3].
وقد روي ستة أوجه أو سبعة وكلها جائز، وهذا كله غلط لخبر ذات الرقاع، ولأنها حالة يستوي فيها الإمام والمأموم متساوياً في عدد الركعات كما لو كانوا مقيمين أو مسافرين في غير حالة الخوف، وبقولنا قال جماعة العلماء، وروي ذلك عن ابن عمر والنخعي والثوري فإذا تقرر هذا رجعنا إلى مسألة الكتاب.
قال في "الأم": ولا يجوز لأحد أن يصلي صلاة الخوف إلا أن يعاين عدواً قريباً غير مأمون.
أن يحمل عليه من موضعه أو يأتيه من يصدقه أن العدو قد قرب، أو يسيرون إليه ويصلون إليه، وإذا لم يكن واحد منهما لم يكن له ذلك، فإن عاينوا عدداً أو أخبرهم من يصدقونه إلا أن بينهم وبين العدو حائلاً من خناق عميق عريض لا يصلون إليه إلا بوقت يطول أو تعب يمتد لم يجز لهم أن يصلوا صلاة الخوف، وان عاينوا العدو؛ لأنهم في الحال آمنون وقال: وفي كل حال أحببت أن لا يصلون فيها صلاة الخوف وأمرت الإمام أن يصلي بطائفة ويكمل ما يصلي في غير خوف وتحرسه طائفة أخرى، فإذا فرغ من صلاته حرس من معه وأم تلك [168 ب/ 3] الطائفة الأخرى، وأما لبقية صلاة الخوف فإنها ضربان صلاة الخوف الأدنى وصلاة شدة الخوف، فأما صلاة الأدنى فالعدو لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون في ناحية القبلة أو في غير ناحية القبلة، فإن كانوا في غير ناحية القبلة وهو الذي افتتح الشافعي رحمة الله عليه به هذا الباب، فإن الإمام يجعل أصحابه طائفتين فطائفة في وجه العدو، وطائفة خلفه، فيصلي بها ركعة ثم يقوم الإمام ويلبث قائماً وتفارقه الطائفة وينوي الخروج من صلاته، لأنها تفارقه ولا يعود إلى صلاته فيلزمه أن ينوي الخروج من صلاته ثم يتمم الركعة الثانية منفردة ويسلم وينصرف إلى وجه العدو، وهل يقرأ الإمام إذا فارقته الطائفة الأولى في حال الانتظار؟ نقل المزني رحمه الله عن الشافعي رحمة الله
الجزء: 2 - الصفحة: 420
عليه أنه لا يقرأ لأنه قال: وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها الإمام الركعة الثانية التي بقيت عليه فيقرأ فيها بعد إتيانهم بأم القرآن وسورة قصيرة، وهذا يدل على أنه لا يقرأ قبل إتيانهم، وقال في "الأم": أن ينظرهم وهو يقرأ ويأخذ سورة طويلة [169 أ/ 3] أو يجمع سوراً حتى يقضي من خلفه صلاتهم وتفتتح الطائفة الأخرى ويقرأ بعد افتتاحهم قدر أم القرآن ولو زاد في قراءته ليزيدوا على أم القرآن كان أحب إلي، وهكذا قال في البويطي و"الإملاء"، وهذا النص والذي قبله يدل على أنه يسن للمأموم قراءة السورة.
وكان القفال رحمه الله يقول: لا تسن قراءة السورة خلف الإمام أصلاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كنتم خلفي فلا تقرؤوا إلا بفاتحة الكتاب" فألزم عليه هذا النص فاجتهد في تأويله مما تيسر له، فالصحيح أنه يستحب له في صلاة البرد، الخبر محمول على صلاة الجهر، ذكره الشيخ أبو محمد الجويني رحمه الله ثم اختلف أصحابنا فيما ذكرنا، فمنهم من قال فيه قولان: أحدهما يقرأ.
والثاني: لا يقرأ.
ومنهم من قال: هو على اختلاف حالين فالذي قال: يقرأ إذا أراد تطويل القراءة والذي قال: لا يقرأ هو إذا أراد بقصر القراءة، والصحيح أنه يقرأ ويطول لأنه يجوز أن يسكت، لأن أفعال الصلاة لا تنفك عن ذكر، ولا يجوز أن يسبح لأنه موضع القراءة لا التسبيح فلم يبق إلا أن [169 ب/ 3] يقرأ.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قول واحد إنه يقرأ، وغلط المزني رحمة الله لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: فيقرأ بعد إتيانهم قدر أم القرآن فيسقط عن المزني قدر.
وأراد المزني بما نقل هذا، فإذا قلنا: لا يقرأ فإذا جاءت الطائفة الثانية قرأ الفاتحة وسورة قصيرة، وإذا قلنا: يقرأ فعل ما مرح به في "الأم"، فإن خالف وقرأ وحين جاءت الطائفة الثانية وأحرمت خلفه ركع في الحال ركعوا معه وأجزأتهم الصلاة نص عليه في "الأم"، ولكنه ترك سنة صلاة الخوف، فإذا تقرر هذا وجاءت الطائفة الثانية وصلى بهم الركعة الثانية وقعد في التشهد فهل تفارقه هذه الطائفة إذا قعد للتشهد أو عند الفراغ من التشهد قبل التسليم؟ فيه قولان: أحدهما: وهو الأصح المنصوص في "الأم" والبويطي يفارقه إذا قعد للتشهد لأنها تعود إليه لتسلم معه فلا فائدة في التطويل على هذه الطائفة بالجلوس معه وقراءة التشهد وصلاة الخوف مبنية على التخفيف.
والقول الثاني: نص عليه في باب سجود السهو في "الأم" يفارقونه بعد التشهد قبل [170 أ/ 3] التسليم لأن المسبوق لا يفارقه الإمام إلا بعد التشهد وهذا غلط، لأن في المسبوق يسلم الإمام وينتظر المسبوق سلامه، وهاهنا لاختلاف أنه لا ينتظر سلامه، وقال مالك رحمه الله مثل قولنا ثم رجع وقال: يسلم الإمام ولا ينتظر فراغ الطائفة الثانية، وإنما تقوم الطائفة الثانية إذا سلم الإمام وهو غلط، لأنه يؤدي إلى ترك التسوية
الجزء: 2 - الصفحة: 421
بين الطائفتين وهو خلاف فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ومن أصحابنا من قال: قول واحد: إنها تفارقه إذا قعد للتشهد، وما قال في "الأم": أراد به في صلاة الحضر، فإن الطائفة الثانية تقعد ويتشهد معه لأن موضع التشهد الأول لهذه الطائفة وهذا غير صحيح لأن الشافعي رحمه الله قال: وإذا سها الإمام في الركعة الأولى ثم صلت الطائفة الأخيرة تفارقه إذا سجد للسهو معه، وهذا لا يكون إلا في صلاة السفر فإذا فارقته الطائفة الثانية إذا قعد للتشهد أو عند التسليم قبل السلام فإنها لا تنوي الخروج من صلاته لأنها لا تفارقه ويعود [170 ب/ 3] إلى صلاته ويخالف الطائفة الأولى لأنها تفارق الإمام ولا يعود إلى صلاته.
فإذا تقرر هذا فإذا قلنا: يفارقه إذا قعد للتشهد فهل يتشهد الإمام قبل رجوع الطائفة الثانية إلى صلاته؟.
اختلف أصحابنا فيه على طريقين: فمنهم من قال: فيه قولان كالقراءة ومنهم من قال: يتشهد قولاً واحداً ويفارق القراءة، لأن تفويت التشهد على الطائفة الثانية لا يوجب تفضيل الطائفة الأولى على الثانية، لأن الأولى لم تأخذ بإزاء التشهد شيئاً آخر، وهذا هو الصحيح لأن القول الذي يقول لا يقرأ إنما أثبتنا من رواية المزني.
وقد فرق المزني بينهما فقال في هذا الموضع: ثم يجلس الإمام قدر ما يعلمهم يشهدوا، ثم يسلم فدل أن الإمام قدم التشهد فلا يجوز إثبات قول آخر، ولم يرد الشافعي رحمه الله أن يجلس ساكناً بل يقرأ التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يطول بذكر الله تعالى والدعاء إلى أن يعلمهم قد تشهدوا على ما ذكرنا، ثم قال الشافعي رحمه الله: وقد صلت الطائفتان مع [171 أ/ 3] الإمام وأحدث كل واحدة منهما ما أحدث الأخرى، يعني من الاقتداء بالإمام، لأن الأولى صلت معه الركعة الأولى بالتحريم، والأخرى صلت معه الركعة الأخرى بالتسليم، وبقولنا قال أحمد رحمه الله.
وقال ابن أبي ليلى رحمه الله: يحرم بالطائفتين معاً ويصلي بهم على ما ذكرنا، وقال أبو حنيفة رحمه الله: الطائفة إذا صلت مع الإمام ركعة انصرفت وهم في الصلاة ووقعت وجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى وتصلي مع الإمام ركعة ويسلم الإمام، وينصرف الذين هم في الصلاة إلى مصاف الطائفة الأولى، وترجع الطائفة الأولى إلى موضع صلاتها، ويتمون لأنفسهم بغير قراءة وينصرف إلى مصاف الطائفة الثانية، ويأتي الطائفة الثانية إلى موضع ضلاتها ويتمون الصلاة بالقراءة، لأن الأولى لما أدركوا التحريمة سقطت القراءة عنهم في جميع الصلاة بخلاف الطائفة الثانية، ولأن الطائفة الثانية فارقت الإمام يوم فراغه من الصلاة فلا تسقط عنهم القراءة لهذا، واحتجوا بأن ابن مسعود وابن عمر رضي الله [171 ب/ 3] عنهما رويا مثل قوله.
قالوا: وهذا أولى مما رويتم، لأنكم تجوزون للمأموم أن يفارق الإمام قبل فراغه من الصلاة وهم الطائفة الأولى، ويجوزون للثانية أن تخالفه في الأنفال فيكون جالساً، وهم قيام يصلون، وهذا
الجزء: 2 - الصفحة: 422
غلط؛ لأن خوات بن جبير وسهل بن أبي حثمة رويا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ما روينا يوم ذات الرقاع، وبه نسخ ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما، لأن هذا آخر غزوة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأن هذا أشبه بظاهر القرآن، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ﴾ [النساء: 102] فجعل إقامة الصلاة لهم كلها إلا بعضها وقال: ﴿فإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآئِكُمْ﴾ [النساء: 102] أي: إذا صلوا كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" أي: فليركع ركعتين ثم قال: ﴿وَلْتَاتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ [النساء: 102] بدليل مفهومه أن هؤلاء قد صلوا، وقال: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فيقتضي تمام الصلاة وعندهم لا يصلون معه إلا بعضها، وقد ذكر الطائفتين ولم يذكر عليهما القضاء فدل [172 أ/ 3] على أن كل واحدة منهما قد انصرفت عن كمال الصلاة، وهذا المذهب هو أحوط للصلاة؛ لأن الصلاة تحصل مؤداة على سننها في استقبال القبلة، وعندهم تبع الاستدبار للقبلة ويكثر العمل في الصلاة وفيها احتياط للحرب أيضا حتى يمكن متابعة الضرب والكلام والصياح على قولكم لا يمكن لأنه يكون في الصلاة.
وأما الخروج من صلاة الإمام للعذر فجائز وقد ذكرنا.
واختلفوا لما سمي ذات الرقاع فقيل: إن هذه الحرب كانت عند جبل متلون أحمر وأسود وأصفر كرقعة وقعة، وقيل: كانت في شدة الحر وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفاة: رقعوا أقدامهم بالخرق والجلود؛ لئلا تحترق.
وقال: أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: كانت في موضع مر به ثمانية نفر حفاة، فثقبت أرجلهم وتساقطت أظفلرهم، وكانوا يلفون عليها الخرق فسميت ذات الرقاع لهذا، وهذه الصلاة التي ذكرناها لا تتم إلا بأربع شرائط:
أن يكونوا مسافرين، وأن يكون خوف العدو على ما ذكرنا، وأن يكون العدو في غير جهة القبلة، وأن [155 ب/ 3] يكون بالمسلمين كثرة إذا فرقهم فرقتين كانت كل فرقة تقاوم العدو.
ثم اعلم أنه ليس الفرض أن يؤمهم إمام واحد، لأنه لو صلى إمام بقوم وأمروا واحداً ليصلي بآخرين، أو بعضهم صلى منفردا جاز، ولكن إذا أرادوا أن يصلوا خلف إمام واحد فهذا حكمهم وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يكرهون أن لا يستووا في فضيلة الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلهذا اختار لهم الصلاة هكذا، فإن خالف الإمام ما ذكرنا فصلى بالأولى ركعة وثبت جالساً وفارقته هذه الطائفة تقدمت صلاتها، وأما صلاة الإمام فإنه جلس في موضع قيامه، فإن كان لمرض وضعف جاز، وإن كان قادراً فإن كان ساهياً أو حاملاً فصلاته جائزة، وإن كان عالماً فإن لم يطل جلوسه لا تبطل صلاته، وان طال جلوسه بطلت صلاته ثم إذا جاءت الطائفة الثانية وأحرمت خلفه فصلى بهم الثانية، فمن علم بطلان صلاته فصلاته باطلة، ومن جهل فصلاته صحيحة،
الجزء: 2 - الصفحة: 423
قال الربيع رحمه [156 أ/ 3] الله: وفيه قول آخر إذا كان الإمام عالماً بإفساد صلاته بطلت صلاة من خلفه علم به أو لم يعلم.
وهذا لا يجيء على قول الشافعي.
قال أبو حامد رحمه الله: وما رأيت واحداً من أصحابنا حكى هذا، وقال القاضي الطبري رحمه الله: هذا قول غريب وفي المسألة قولان.
مسألة: قال: والطائفة ثلاثة فأكثر.
وهذا كما قال المستحب أن يصلي صلاة الخوف إذا كانت الطائفة التي تصلي ثلاثة فأكثر والتي تحرسه ثلاثة فأكثر، فإن صلى بأقل من ذلك أو حرسه أقل من ذلك كرهته.
وقال في "الأم": واجب أن يحرسه من يمنع عنه إذا أريد سواء كثر من معه أو قل.
والطائفة عند الشافعي لا حد لها، وإنما يعمل في عددها على ما يدل عليه قرينتها، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122] وأراد واحداً لأن الله تعالى قال: ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ وفرض طلب العلم يسقط بواحد يطلبه، وقال في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] استحب أربعة لأنه بلغ العدد الذي يثبت به العذاب [156 ب/ 3] وقال في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9].
أن المراد به الخلق الكثير؛ لأن الباغية على الإمام لا تكون إلا فئة مجتمعة ممتنعة فلما قال هاهنا: ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآئِكُمْ﴾ [النساء: 102] كان هذا كفاية الجمع وأقل الجمع ثلاثة، فحمل الشافعي فقال: لم قال الشافعي، وأقل الطائفة ثلاثة على الإطلاق وليس كذلك؟ قلنا: أراد في آية صلاة لخوف بدليل ما ذكرنا، فإذا ثبت هذا فإن كانوا خمسة نفر يصلي واحد منهم باثنين وركعتين تامتين، وإن كان لا تحصل الحراسة باثنتين إذا كانا في وجه العدو، ولو كانت الحرب في شعب أو مضيق فقال: واحد من الشجعان الشجعاء إن أسد هذا الشعب لكم فاشتغلوا أنتم بالصلاة فإنه يكره ذلك ذكره القفال.
مسألة: قال: وإن كانت صلاة المغرب.
الفصل
وهذا كما قال.
الصلاة على ضربين صلاة بقصر وحكمها على ما تقدم، وصلاة لا تقصر وهي الصبح والمغرب، فالصبح حكمها على ما ذكرنا.
وأما المغرب فحكمها في الحضر والسفر واحد، ولا يمكن الإمام أن يسوي [157 أ/ 3] بين الطائفتين، فيها فلا بد من تفضيل إحداهما.
فنقل المزني رحمه الله أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، وهكذا قال في "الأم"، ثم قال: فإن صلى بالطائفة الأولى ركعة ثم بالثانية وركعتين أجزأه إن شاء الله، وأكره له ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 424
وقال ابن خيران رحمه الله قولاً آخر في "الإملاء": أنه يستحب أن يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين وهو قول علي رضي الله عنه وقد فعل مثل هذا ليلة الهرير.
واختلف أصحابنا في هذا؛ فمنهم من قال: فيه قولان أحدهما: ما نقل المزني وهو الأصح، لأن الطائفة الأولى هي أولى بالتفضيل لأنها أسبق ولا بد من تفضيل إحداهما ولأن تخصيص الأولى بالركعتين لا يؤدي إلى تغيير نظام صلاة الطائفتين، ولو خص الطائفة الثانية يؤدي إلى تغيير نظام صلاة هذه الطائفة، لأنها تحتاج حينئذ إلى القعود مع الإمام في الركعة الأولى: لأنها ثانية الإمام فيزيد في صلاتهم تشهد ومبني صلاة الخوف على التجوز والتخفيف.
والثاني: ما ذكر في "الإملاء"؛ لأن الطائفة الثانية تفضل [157 ب/ 3] على الأولى في غير المغرب بالتشهد فينبغي أن يفضل في المغرب أيضاً، ومن أصحابنا من قال: قول واحد وهو ما ذكره المزني، وأنكر قول "الإملاء" لما ذكرنا من المعنيين.
فإذا تقرر هذا، فإذا قلنا بقول "الإملاء" فلا تفريع لأنها تفارقه إذا قام إلى الثانية كما في غير صلاة المغرب، وإذا قلنا بالمذهب فإذا صلى بالأولى ركعتين يفارقون الإمام إذا فرغ من التشهد قولاً واحداً: لأنه التشهد الأول للكل، وهل الأفضل أن يثبت الإمام جالساً حتى تجيء الطائفة الثانية أو يقوم وينتظر في حال القيام؟ نص عليه في "الأم"، وهو المذهب.
والثاني: ينتظر في حال، الجلوس، لأن الشافعي رحمه الله قال هاهنا: إن انتظرهم قائماً فيحسن وإن انتظرهم جالساً فجائز، وإنما استحسن الشافعي انتظارهم قائماً وخوف انتظارهم جالساً في الثانية، لأن القيام هو محل القراءة والتطويل بخلاف الجلوس؛ ولأن القيام أفضل من الجلوس، ولأن في انتظاره جالساً تحوجه عند إتيان الطائفة الثانية إلى الانتقال عن الحالة التي هو فيها إلى القيام بخلاف انتظاره قائماً في الثالثة.
ومن [158 أ/ 3] أصحابنا من قال: الأفضل ما ذكره في "الأم".
وقد قال في صلاة الخوف في الحضر: انتظرهم جالسا وقائماً، وهذا على ما قيد من قبل، وهو أنه إن انتظرهم جالساً فجائز وإن انتظرهم قائماً فحسن، ولأن ظاهر قوله يقتضي التسوية ولا يقتضي أن الانتظار في الجلوس أفضل فإذا قلنا: ينتظرهم قائماً فإذا جاز أحرموا معه، وإذا قلنا: ينتظر جالساً فإذا جاز قام وكبر، ويكبرهم ثم متى يفارقونه بعد التشهد أو عقب السجود قبل التشهد؟ على ما ذكرنا من الطريقين فإذا صلوا الركعتين اللتين بقيتا عليه جلسوا للتشهد، وهل يتشهد بعد فراغهم من الركعتين أو قبل ذلك يتشهد ويطول الدعاء؟ طريقان على ما ذكرنا.
وعندي أنه لا تجيء الطريقة الأخرى أنه يتشهد قبل مجيئهم قولاً واحداً؛ لأنه يؤدي هاهنا إلى تفويت فضيلة على الثانية أدركتها الطائفة الأولى، فإن الإمام يتشهد بالطائفة الأولى، فإذا قلنا بقول "الإملاء" فصلى بالأولى ركعة وثبت قائماً حتى أتموا لأنفسهم، ثم جاءت الطائفة الثانية فصلى بهم ما
الجزء: 2 - الصفحة: 425
بقي من صلاته وهي ركعتان يفارقونه بعد التشهد [158 ب/ 3] قولاً واحداً، لأنه تشهده الأخير وتشهدهم الأول، ثم يصلون الركعة الباقية عليهم، فإذا جلسوا صبر الإمام لم حتى يتشهدوا ثم يسلم بهم.
مسألة: قال: وإن كانت صلاة حضر فلينتظر جالساً في الثانية.
الفصل
وهذا كما قال: صلاة الخوف تجوز في الحضر كما تجوز في السفر، وقال مالك رحمه الله: فيما حكى عنه أصحابنا: أنه لا يجوز في الحضر وأصحابه ينكرون هذا، والدليل على جوازها ظاهر الآية: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ﴾ [النساء: 102] الآية.
ولم يفصل.
فإن قيل في هذه الآية: ذكر ركعتين وهذه صلاة السفر قلنا: قد تكون في الحضر ركعتين كصلاة الصبح والجمعة، فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصلها إلا في السفر، قلنا: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتفق له الخوف في الحضر لأنها وردت بعد الخندق.
فإن قيل: في السفر انتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الركعة يصلونها، وفي الحضر يحتاج إلى الانتظار لركعتين فيطول، قلنا: جاز الانتظار لموضع الحاجة فإذا دعت الحاجة إلى أكثر من ذلك جاز، وهذا لأن سببه الخوف [159 أ/ 3] والضرورة وهو موجود في الحضر وجوده في السفر.
فإذا تقرر هذا فالمستحب أن يجعل أصحابه طائفتين، فيصلي بهم بالطائفة الأولي ركعتين، ثم تقوم هذه الطائفة وتصلي ما بقي عليها، والمستحب أن ينتظر الإمام قائماً في الثالثة على الصحيح من القولين، وإنما لم يذكر الشافعي استحسان انتظاره قائماً في الثالثة هاهنا اقتصاراً على ما ذكر في صلاة المغرب، ولا شك أنه يجوز الانتظار قائماً وقاعداً والطائفة الثانية هاهنا يفارقونه بعد تشهده قولاً واحداً، لأن هذا التشهد هو محسوب لهم من الأول، وهكذا الحكم لو كانوا في السفر واختاروا الإتمام في الخوف، فإن خالف هذا الذي ذكرنا وجعل أصحابه أربع طوائف، وصلى بكل طائفة ركعة مثل إن كان المسلمون أربعمائة وكان المشركون ستمائة، فصلى بالمائة ركعة من الأربعة، وثبت قائناً حتى أتمت المائة صلاتها، وانتظر المائة الأخرى فصلى بها ركعة أخرى، وثبت جالساً وأتمت المائة لنفسها، وانتظر الثالثة أيضاً حتى أتمت صلاتها وانتظر الرابعة فصلى بها ركعة وثبت جالساً، وانتظرهم [159 ب/ 3] حتى صلوا ما بقي عليهم من صلاتهم ثم سلم بهم فحصل في هذا أربع ركعات، وأربع انتظارات لأنه انتظر الثانية، والثالثة مرة مرة، وانتظر الرابعة في موضعين انتظرهما حتى جاءت وأحرمت خلفه، ثم انتظرها حتى صلت ما عليها ولحقت به، ثم سلم بهم، فإذا فعل هذا فقد أساء، وما الحكم في صلاتهم؟.
قال في "الأم": ونقله المزني رحمه الله إلى هاهنا فيه قولان: أحدهما: أن صلاته
الجزء: 2 - الصفحة: 426
وصلاة جميع المأمومين جائزة.
والثاني: أن صلاته للإمام باطلة، وصلاة الطائفة الأولى والثانية جائزة، ومن علم من الطائفة الثالثة والرابعة ببطلان صلاة الإمام فصلاته باطلة، ومن لم يعلم ذلك فصلاته صحيحة.
وقال في "الإملاء": صلاة الإمام صحيحة وصلاة الطائفة الرابعة صحيحة وصلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة باطلة، وترتيب هده المسألة أن يقول: فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن صلاة الإمام وجميع المأموين جائزة وهو الأصح، لأنه إن انتظر في حال القيام فليس فيه أكثر من تطويل القراءة، وإن انتظر في حال القعود فليس فيه أكثر من تطويل التشهد والذكر [160 أ/ 3] وهذا لا يبطل الصلاة في حال الأمن، ققي حال الخوف أولى وأكثر ما في المأموم أنه خرج من صلاة الإمام من غير عذر، والأصح من القولين فيه أنه لا تبطل الصلاة.
والثاني: أن صلاة الإمام باطلة لأنه انتظر أكثر مما جعل له، ولأنه إنما جعل له أن ينتظر انتظارين، وصلاة الطائفة الأولى والثانية جائزة لأنهما فارقتا الإمام قبل بطلان صلاته.
وأما صلاة الطائفة الثالثة والرابعة، فإن علمتا ببطلان صلاة الإمام بطلت صلاتهما، وإن لم تعلما لم تبطل.
ومن أصحابنا من قال: هاهنا: إذا علم أن الإمام زاد في الانتظار بطلت صلاته، وإن لم يعلم أنه تبطل به صلاة الإمام كما إذا علم جنابة الإمام بطلت صلاته، وهذا هو ظاهر كلام الشافعي رحمه الله، لأنه قال: وتفسد صلاة من علم من الباقين بما صنع، والأول أصح لأنه لا تبطل صلاته إلا أن يعلم أن ذلك مبطل لصلاة الإمام؛ لأنه مما يخفى على العوام بخلاف الجنابة.
وحكى أبو إسحاق عن ابن سريج أنه قال: إذا قلنا: بهذا القول الثاني يجب أن تبطل صلاة الطائفة الرابعة وحدها مع صلاة الإمام، [160 ب/ 3] تبطل صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة، لأنه انتظر الثانية وكان له ثم انتظر الثالثة، وكان له، فلما انتظر الرابعة بطلت صلاته وفارقته الطائفة الأولى والثانية والثالثة قبل بطلان صلاته، فوجب أن تكون صلاته صحيحة.
وقال سائر أصحابنا: هذا غير صحيح، لأنه إذا انتظر حتى تفرغ الطائفة الثانية من الركعتين فإن انتظاره بعد ذلك حتى تمضي هذه الطائفة إلى وجه العدو وتجيء الطائفة الثالثة إليه انتظاراً زائداً على ما جعل إليه، فكان بمنزلة ابتداء الانتظار فبطلت صلاته قبل مجيء الطائفة الثالثة فبطل ما قاله.
وأصل هذا الاختلاف: أن في وقت بطلان صلاة الإمام وجهين.
قال ابن سريج: تبطل بالانتظار لفراغ الثالثة، وعلى مذهب الشافعي تبطل بانتظاره لمجيء الطائفة الثالثة.
والقول الثالث: ما قاله في "الإملاء": وهو أن صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة باطلة، لأنهم خرجوا من صلاة الإمام من غير عذر، وصلاة الإمام جائزة لأنه لم يفعل أكثر من تطويل القراءة، والذكر في القيام والجلوس وذلك لا يبطل الصلاة والطائفة [161 أ/ 3] الرابعة خرجت من صلاة الإمام في موضعه لأنه لم يبق على الإمام إلا ركعة فلا تبطل صلاتهم، وان اخترت ترتيب الحفظ نقل في صلاة الطوائف ثلاثة
الجزء: 2 - الصفحة: 427
أقوال ووجه لأصحابنا أحدها: صحة صلاة الكل.
والثاني: تصح صلاة الطائفة الأولى والثانية دون الثالثة والرابعة.
والثالثة: صحة صلاة الطائفة الأولى، والثانية دون الثالثة والرابعة، والثالث: صحة صلاة الطائفة الأخيرة وحدها، والرابع: وهو الوجه ما قال ابن سريج رحمه الله: صحة صلاة الطوائف الثلاث.
وفي الإمام هل تصح صلاته؟ قولان وان كان في جهتين أو ثلاث جهات فإنه يفرقهم فرقة تصلي معه، وفرقة تقاوم الجهات كلها، فإن احتاج أن يفرقهم أربع فرق بنيت على القولين، فإن قلنا: لا تبطل صلاتهم فرقهم أربع فرق على ما بينا ولا يكره ذلك، وان قلنا: تبطل صلى بكل فرقتين صلاة بأحدهما فرض وبالأخرى نفل.
فرع
لو صلى على نحو ما ذكرنا في حال الأمن، فالذي يقتضيه مذهب الشافعي أن يكون فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: صلاة الكل جائزة على القول الذي نقول للانتظار [161 ب/ 3] الطويل من غير حاجة، والخروج من صلاة الإمام من غير عذر لا تبطلها.
والثاني: صلاة الجميع باطلة على القول الذي نقول للانتظار الطويل من غير حاجة والخروج من صلاة الإمام من غير عذر يبطل الصلاة.
والثالث: تصح صلاة الإمام وتبطل صلاة المأمومين على قياس قوله في "الإملاء": لأنه لم تبطل الصلاة بالانتظار في غير موضعه وإنما بطلت بخروج المأمومين من صلاة الإمام بلا عذر، وهاهنا خرجت الطوائف كلها من صلاة الإمام بلا عذر فبطلت صلاة الكل، وقال صاحب "الإفصاح": يجيء فيه أن تكون صلاة الطائفة الرابعة خرجت من صلاته، وليس لها أن تخرج في حال الأمن، فكانت الرابعة وسائر الطوائف سواء، وإنما قياس قوله في "الإملاء": على ما بيناه، وقيل فيه ترتيب إن قلنا في الخوف: لا يجوز ففي الأمن أولى، وان قلنا في الخوف: يجوز ففي الأمن وجهان.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": لو صلى بطائفة ثلاث ركعات، وبطائفة ركعة كرهت ذلك له ولا تفسد صلاته؛ لأن الإمام لم يزد في الانتظار إلا أن الإمام يسجد سجدتي السهو، وكذلك تسجد الطائفة الأخيرة [162 أ/ 3] لأنه وضع للانتظار في غير موضعه، وهذا يدل على أن العامد هو كالساهي في سجدتي السهو وهذا هو المذهب، ويجب على هذا أن يقال: إذا قلنا: إنه إذا فرقهم أربع فرق تصح صلاة الكل وعليه أن يسجد سجدتي السهو: لأنه وضع الانتظار في غير موضعه قياساً على ما قاله الشافعي هاهنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 428
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالثانية ثلاث ركعات فعلى قياس قوله في "الأم": يسجد سجدتي السهو وكذلك تسجد الطائفة الأخيرة وتكون صلاتهم صحيحة، وعلى قياس قوله في "الإملاء": تبطل صلاة الطائفة الأولى لأنها خرجت من صلاة الإمام في غير موضعه فبطلت صلاته، ولا يجيء هذا القول في المسألة التي قبلها، لأن الطائفة الأولى خرجت من صلاة الإمام وقد استباحت الخروج من صلاته؛ لأنها استباحت الخروج حين صلى الإمام ركعتين فكان ائتمامها بالإمام في الركعة الثالثة لا يرفع تلك الاستباحة فلم تبطل صلاتها.
فإذا تقرر هذا، اختلف ألفاظ نسخ المختصر، ففي هذه المسألة نفى بعضها، لأن له انتظاراً واحداً بعده آخر، وفي نسخة أخرى [162 ب/ 3] لأن له انتظارين واحداً بعد واحد وهذا قريب من الأول، وفي نسخة لأن له انتظار واحد بعد أخرى وهذا دليل على ما قلنا: إنه إذا طول الإمام جلوسه لمجيء الثالثة بطلت صلاته لأن استدامة الانتظار هي كابتداء الانتظار.
مسألة: قال: وأحب للمصلي أن يأخذ سلاحه في الصلاة ما لم يكن نجسا أو يمنعه من الصلاة.
وهذا كما قال هذا الذي نقله المزني رحمه الله ذكره الشافعي رحمه الله في "الأم"، وقال في أثناء الباب: ولا أجيز له وضع السلاح كله؛ وقال في آخر الباب: وإن وضع سلاحه كله من غير مرض ولا مطر كرهت له، ولم يفسد ذلك صلاته لأن معصيته في ترك أخذ السلاح ليس من الصلاة، وهذا يدل على أن حمل السلاح في الصلاة واجب؛ لأنه جعل تركه معصية، واختلف أصحابنا فيه؛ فقال أبو إسحاق وغيره: المسألة على قولين:
أحدهما: واجب لأن الله تعالى أمر به في الآية في موضعين فقال: ﴿وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وقال: ﴿وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وبه قال داود رحمه الله.
والثاني: لا يجب ولكنه يستحب وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما [163 أ/ 3] الله أنه إنما يجب على من يحرس العدو والمصلي ليس بحارس، ولأنه لو كان واجباً فيها لكان شرطاً كالسترة، والآية محمولة على الاستحباب، ومنهم من قال: هذا على اختلاف حالين بالموضع الذي قال: يجب السلاح الذي يدفع به عن نفسه كالسكين والسيف، والذي قال: لا يجب إذا كان السلاح مما يدفع به عن غيره كالرمح والقوس ونحو ذلك، وهذا أشبه بكلام الشافعي في "الأم"، وهذا لأن الدفع عن نفسه هو واجب وعن غيره لا يجب، ومن أصحابنا من قال: قول واحد إنه واجب لأمر الله، والذي قال: أحب لأنها في الوجوب، لأن الشافعي رحمه الله كثيرا ما يعبر
الجزء: 2 - الصفحة: 429
بالاستحباب عن الوجوب، وكما لا يجوز أن ينهزم ويترك الحرب لا يجوز أن يضع السلاح.
ذكره القفال رحمه الله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قول واحد إنه يستحب وما قاله في "الأم" في آخر الباب متأول على تأكيد الاستحباب، وهذا ليس بشيء، فإذا قلنا: المسألة على اختلاف الحالين فالسلاح على خمسة أضرب: ما يحرم حمله، وما يكره حمله، وما يجب حمله، وما يستحب حمله، وما [163 ب/ 3] [172 ب/ 3] اختلف حكمه باختلاف مكان حامله بالحرام هو ما كان نجساً كالريش الذي في النشاب فإنه ريش النسور والعقاب ونحو ذلك، وذلك نجس وكذلك ما يمنعه من الاعتدال في الركوع والسجود يحرم حمله، والمكروه ما كان ثقيلاً يشغله عن الصلاة كالجوشن والمغفر السابغ على الوجه.
أو كان ذا أنف، وإنما كرهت لبسه لئلا يحول بينه وبين موضع إكمال السجود بأن لبسه.
قال الشافعي: إذا سجد وضعه أو حرفه أو حسره حتى تماس جبهته الأرض متمكناً قال في "الأم": وكذلك الجعبة والتنور والترس فالجعبة هي غلاف النشاب والتنور: هو الجوشن الثقيل والواجب ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين، والمستحب ما يدفع به عن نفسه وعن غيره كالقوس ونحوها، وما اختلف حكمه باختلاف المكان هو ما يتأذى به جاره كالرمح إن كان في حاشية الناس لم يكره له حمله، وإن كان في أثناء الصف كره له حمله فإنه يؤذي عند اضطجاعه من بين يديه ومن خلفه، وإذا قلنا المسألة على قولين: فالسلاح على أربعة أضرب: محرم، ومكروه، وما [173 أ/ 3] اختلف باختلاف المكان، وما اختلف القول فيه وهو ما يدفع عن نفسه أو عن نفسه وعن غيره.
فرع
قال في "الأم": ولو كان معه نشاب قد أحمي فسقي لبناً أو سم بسم شجر فصلى فيه لا بأس؛ لأنه ليس من الأنجاس وان سم بسم حية أو ودك ميتة فصلى فيه أعاد الصلاة إلا أن يطهره.
فَرْعٌ آخرُ
لو سمت الحديدة ثم أحميت بالنار ولا يطهر شيء إلا بالماء خلافاً لأبي حنيفة، ولو كان نجساً يغسله بدهن لئلا يصدأ الحديد أو مسحه بتراب لم يطهر.
فرع
قال في "الأم": لو أحمي ثم صب عليه سم نجس أو نجس فيه فقيل: قد شربته الحديدة ثم غسلت بالماء طهرت، لأن الطهارات كلها إنما جعلت على ما يظهر لا على الأجواف.
الجزء: 2 - الصفحة: 430
وقال بعض أصحابنا: هذا يدل على أن الشيء إذا تنجس ظاهره وباطنه يغسل ظاهره طهر وجازت الصلاة معه، وهذا خلاف نص الشافعي في الآجر إذا نجس ظاهره وباطنه ثم نجس ظاهره طهر الظاهر دون الباطن، وجازت الصلاة عليه، ولا تجوز فيه فعلى هذا تجوز الصلاة على هذا السيف ولا يجوز إذا كان حاملاً له، وهذا [173 ب/ 3] هو الصحيح الذي لا يحتمل على المذهب غيره عندي.
فرع
لو صلى بعض الصلاةء ثم انتضح عليه دم قبل أن يكملها.
قال في "الأم": أعاد الصلاة فإن طرح الثوب عن نفسه ساعة ما مسه الدم ومضى في الصلاة أجزأه، قال: وإن انحرف يغسل عنه الدم كرهت ذلك له وأمرته أن يعيد، وقد قيل: يجزيه أن يغسل الدم ولا آمره بهذا القول وأمره بالإعادة، وان كان عذر من مطر أو غيره يجوز وضع السلاح بلا إشكال.
مسألة: قال: ولو سها في الأولى أشار إلى من خلفه بما يفهمون سهوه.
الفصل
وهذا كما قال: إذا صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعة وسها فيها، فإن الطائفة إذا قاموا وصلوا الركعة الأخرى سجدوا سجدتي السهو في آخر صلاتها، ثم سلمت؛ لأن الإمام إذا سها بحق المأموم حكم سهوه.
فإذا ثبت هذا قال الشافعي رحمه الله: أشار الإمام إلى من خلفه بما يفهمون أنه سها.
واختلف أصحابنا في هذا قال أبو إسحاق رحمه الله: هذا إذا كان قد سها بأصل خفي لا يظهر للمأمومين مثل أن يتكلم خفياً على طريق السهو، أو [174 أ/ 3] شك هل سجد سجدتين أم سجدة واحدة، فسجد أخرى للبناء على اليقين، فعليه سجود السهو والمأمومون لم يرد منه إلا سجدتين أو قرأ في موضع التشهد، أو تشهد في موضع القراءة، فيومئ إلى المأمومين بما يوقفهم على سهوه، وذلك يمكن بأن يقول للمأموين: إذا سهوت أشرت بإشارة كذا فاعلموا، فإما إن كان سهواً ظاهرا لا يحتاج إلى الإشارة، وهذا لأن الإشارة عمل في الصلاة فلا يجوز إلا عند الحاجة.
وهذا نصه في "الإملاء".
ومن أصحابنا من قال: يشير إليهم بكل حال، لأنهم ربما جهلوا أن عليهم أن يسجدوا لسهو الإمام فإن ذلك لا يعرفه إلا أهل العلم وربما ينسون ذلك، وهذا ظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه هاهنا: لأنه أطلق السهو ولم يفصل؛ ولأنه قال في "الأم": وان اغفل الإشارة إليهم وعلموا بسهوه، سجدوا لسهوه، فدل انه يشير إليهم ثم علمهم بسهوه، وان لم يسنه الإمام وسهت الطائفة فإن كان في الركعة الأولى فإنهم لا يسجدون لسهوهم، لأن الإمام يتحمل عنهم، وان كان في الركعة [174 ب/ 3] الثانية
الجزء: 2 - الصفحة: 431
يسجدون سجدتي السهو لأنهم خرجوا من إمامة الإمام في الركعة الأولى والثانية وانفردوا لصلاتهم.
ولو سها الإمام في الركعة الأولى وسهت الطائفة في الركعة الثانية ففيه وجهان: هل يكفي سجدتان أم أربع سجدات؟ وقد ذكرنا وإن سها في الركعة الأولى، ثم جاءت الطائفة الثانية وأحرمت خلفه فقد تعلق بهم حكم سهوه.
فإذا صلى الإمام الركعة الثانية بأن قلنا: إنهم يفارقون الإمام قبل التشهد فارقوه وصلوا الركعة الثانية، فإذا قعدوا للتشهد تشهد بهم، وسجد سجدتي السهو وسلم، وإن قلنا: الإمام يتشهد ولا ينتظر جلوسهم قال الداركي رحمه الله: إذا تشهد الإمام هل يسجد سجدتي السهو؟ وجهان.
قال أبو إسحاق رحمه الله: لا يسجد إلا يومئ الأفعال الظاهرة فلا يفوتهم إياه.
وقال ابن أبي هريرة رحمه الله: يسجد سجدتين في السهو منفردا كما يتشهد منفرداً، فإذا جلسوا للتشهد تشهدوا وسجد سجدتي السهو ثم سلم الإمام بهم، وإن قلنا: يفارقون الإمام عند السلام، فالإمام يتشهد [175 أ/ 3] ويسجد للسهو ويسجدون معه على طريق التبع لأنه يلزم على المأمومين إتباع الإمام في الأفعال الظاهرة، فإذا قعد الإمام من السجدتين لم يسلم وتقوم الطائفة فيصلون الركعة الثانية، فإذا تشهدوا قال الشافعي رحمه الله: سجدوا، لأن سجدتي السهو، وقد تقدم فيه ذكر القولين وانه لم يسنه الإمام، وقامت الطائفة الثانية ليصلوا الركعة الثانية فسهوا.
قال الداركي قال ابن خيران رحمه الله: إنهم يسجدون لسهوهم لأنهم سهوا في الركعة التي انفردوا بها كما يقول في الطائفة الأولى.
وقال أبو إسحاق وغيره: إنهم لا يسجدون وهو المذهب، لأنا بينا أنهم لم يخرجوا من صلاة الإمام حكماً ولهذا إنهم لا يجهرون بالقراءة، فإذا سهوا، يتحمل الإمام عنهم، فإن سها الإمام والطائفة الثانية في الركعة الثانية سجدوا لسهو الإمام، فعلى قول الجماعة لم يسجدوا على قول ابن خيران.
فرع
ذكره ابن سريج رحمه الله قال: إذا قلنا: إنهم يفارقونه عقب السجود وقبل التشهد، فالإمام ينتظرهم حتى يسجدوا [175 ب/ 3] معه، فإن تركهم حتى جلسوا للتشهد ثم سجدوا، وهم لم يتشهدوا بعد هل يتبعونه في السجود؟ وجهان: أحدهما: يتبعونه لأنهم مؤتمون به.
والثاني: لا يتبعونه، لأن هذا موضع تشهدهم فإذا قلنا: بهذا أتموا لأنفسهم، وإذا قلنا: إنهم يتبعونه فإذا قاموا وصلوا لأنفسهم هل يعيدون السجود؟ على ما ذكرنا، من القولين، وعلى قياس ما ذكرنا.
قال أصحابنا في مسألة الزحام: إذا قلنا: إنه يشتغل بقضاء ما عليه فسها فلا سجود عليه؛ لأنه متابع للإمام حكماً.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهاً آخر: قال: وكذا الوجهان إذا وصل صلاته بصلاة الإمام وجوزنا الفصل، وكان قد سها من قبل هل يسجد؟ وجهان.
الجزء: 2 - الصفحة: 432
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": يقرأ الإمام بأم القرآن وسورة قدر ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ ونحوها في الطول للتخفيف في الخوف.
ونقل السلاح، ولو قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقدر ذلك لم أكره، وإذا قام في الركعة الثانية قرأ بأم القرآن وسورة طويلة لانتظار القوم وليس في الصلاة موضع تكون القراءة في الركعة الثانية [176 أ/ 3] أطول منها في الركعة الأولى إلا في هذه المسألة.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": ويقنت في صلاة الصبح في صلاة الخوف ولا يقنت في غيرها، لأنه لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت في صلاة الخوف خلاف قنوته في غيرها، فإن فعل فجائز؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قنت في الصلوات قبل قتل أهل بئر معونة.
قلت: من هاهنا أقول: يجوز أن يقنت في الوتر في جميع السنة وان لم يستحب.
قال في "الأم": لو صلى الإمام بطائفة ركعة وثبت قائماً وقاموا يتمون لأنفسهم فحمل عليهم عدو وحدث لهم خوف فحملوا على العدو منحرفين عن القبلة ثم أمنوا فقد قطعوا صلاتهم، وكذلك لو فرغوا فانحرفوا عن القبلة بلا قتال ولا خروج من الصلاة.
وهم ذاكرون الصلاة حين استدبروا القبلة استأنفوا.
قال أصحابنا: هذا لأنهم انحرفوا عن القبلة من غير ضرورة؛ لأن الذين في وجه العدو يحرسونهم وإنما لحقهم خوف لا يجوز ترك القبلة لأجله؛ لأنهم لو صاروا إلى شدة الخوف لوجب أن يجوز [176 ب/ 3] لهم ترك القبلة، وبنوا على ما مضى من صلاتهم؛ لأن في هذه الحالة لما جاز الاستفتاح إلى غير القبلة جاز الانتقال إليها والبناء عليها، كالمصلي إذا مرض قعد وبنى.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو حملوا عليهم مواجهين القبلة قدر خطوة فأكثر، كان ذلك قطعاً للصلاة بنية القتال وعمل الخطوة.
قال أصحابنا: وهذا، لأن من نوى في الصلاة أن يعمل عملاً كثيراً وعمل شيئاً معه، وان قلَّ بطلت الصلاة.
وعلى هذا لو نوى في الصلاة أن يمشي كثيراً ومشى خطوة بطلت صلاته، وكذلك لو حمل العدو عليهم فتهيأوا بسلاح أو بترس كان قطعاً للصلاة بالنية مع العمل، وهكذا لو أخذ السلاح بنية دفع العدو بطلت صلاتهم لما ذكرنا من التعليل ولا فرق بين أخذ السلاح بنية القتال وبين الحمل عليهم.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو حمل عليهم وخافوا فبنوا القنوت في الصلاة، وأن لا يقاتلوا حتى يكملوها
الجزء: 2 - الصفحة: 433
إلا إن يغشاهم العدو، فلا يكون قطعاً للصلاة: لأنهم لم ينووا في الحال القتال بل نووا القتال إن حدث غشيان العدو، وهذا لا يبطل الصلاة، وان تهيأوا سيراً خفيفاً مع هذه [177 أ/ 3] النية؛ لأن العمل اليسير لا يبطلها ولم توجد نية العمل الكثير.
فَرْعٌ آخرُ
لو تكلم من الخوف وهو ذاكر بطلت صلاته: لأن الكلام يحرم في صلاة الخوف أيضاً ولو نووا القتال ولم يحدثوا عملاً لا تبطل حتى يحدثوا عملاً وإن قل، وعلى هذا لو نوى رجل أن يتكلم في الصلاة في ثاني الحال لا تبطل صلاته في الحال، هذا هو المذهب: ولهذا قال الشافعي رحمه الله: لو فرق الإمام أربع فرق وصلى بكل فرقة ركعة لا تبطل صلاة الإمام حتى يزيد في الانتظار؛ وإن لم تبطل صلاته حين أحرم وهو نوى أن ينتظر انتظاراً يبطل الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانوا في المصر وأراد الإمام أن يصلي بهم الجمعة عند الخوف.
ذكر الشافعي رحمه الله في "الأم" فيها أربع مسائل:
إحداها: قال: فرقهم فرقتين يخطب بفرقة ويصلي بهم ركعة، ثم يثبت قائماً ويتموا لأنفسهم بقوله: يجهرون فيها ثم وقفوا بإزاء العدو.
وتأتي الطائفة الأخرى فتحرم خلفه وتصلي معه ركعة ويثبت جالساً حتى يقضوا ما بقي عليهم، ثم سلم بهم الإمام: لأن شرائطها قد وجبت، وإنما تجهر الطائفة الأولى في الركعة [177 ب/ 3] الثانية لأنهم منفردون ولا تجهر الطائفة الثانية في الركعة الثانية لأنهم متابعون حكماً نص عليه، وقد ذكر القفال هذه المسألة عن الشافعي على هذه العبارة وأول بتأويل لا يساعده هذا اللفظ، والصحيح هو الذي ذكرنا، فإن قيل: إذا خطب بأحديهما وصلى بها ركعة، فإن هذه الطائفة تصلي الركعة الأخرى منفردة عن الإمام فينفرد المأموم عن الإمام، وينفرد الإمام عن المأمومين، ومن شرط صحة الجمعة بقاء العدو والجماعة من أولها إلى آخرها على أصح الأقوال حتى لو انفضوا لا تصح جمعتهم، قلنا: من أصحابنا من قال: إنما قال هذا على القول الذي نقول لا يعتبر العدد من أول الصلاة إلى آخرها، فأما على القول الأخر لا تصح الجمعة هاهنا، ومنهم من قال: هاهنا يجوز قولا واحداً للضرورة والعذر في فراق الإمام هاهنا، بخلاف الانفضاض، ولأنهم إذا انفضوا لا يتوقع من يحضره غيرهم، وهي الطائفة الأخرى، فلهذا [178 أ/ 3] يتمونها جمعة، فإن قيل: إذا انصرفت الطائفة الأولى بعد فراغها من الجمعة، ثم جاءت الأخرى كيف يحرمون بالجمعة، وقد أقيمت الجمعة بمصر مرة؛ قلنا: إنما منع ذلك إذا أتمها الإمام، وهاهنا لم يفرغ الإمام من الجمعة، وإنما أدركت الطائفة الأولى معه ركعة، وأصل الجمعة التي عقدها الإمام لم تتم فانعقد بها الثانية وجرت مجرى المستعين وهو كما لو
الجزء: 2 - الصفحة: 434
انعقدت الجمعة وصلوا ركعة، ثم وافى أربعون فأحرموا خلفه ينوون فإذا كانت الجمعة انعقدت قبل حضورهم كذلك هاهنا.
واعلم أن الشافعي رحمه الله فرض المسألة إذا كانت الطائفة الأولى أربعين، فإن نقصت الأولى عن أربعين لم تجز جمعتهم؟ لأن الجمعة أقيمت بهم مع الأولى وهي أربعون فلا يضر نقصان الثانية بعد انعقادها، هكذا ذكر أبو حامد رحمه الله، ومن أصحابنا من قال: إذا انقضت الثانية عن أربعين فيه قولان وهو ضعيف.
المسألة الثانية: قال: لو خطب بهم وهم أربعون، ثم خرجوا إلى وجه العدو، ثم جاءت الطائفة الثانية فأحرم بهم لا تجوز الجمعة [178 ب/ 3] حتى يخطب بهم ويصلي بهم ركعة ثم يصلي بالطائفة الثانية الركعة الثانية.
المسألة الثالثة: قال: لو صلى بالطائفة الأولى كمال الجمعة، ثم جاءت الطائفة الثانية فأراد أن يصلي بهم جمعة ركعتين لم يجز، لأنه استفتاح جمعة بمصر بعد انعقاد غيرها.
المسألة الرابعة: قال: لو أقاموا هذه الجمعة في الصحراء لا في جوف البلد لم يجز، وحكي عن أبي إسحاق رحمه الله أنه يجوز وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وليس بمذهب الشافعي رحمه الله.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو لم يمكنه صلاة الجمعة فصلى الظهر أربعاً ثم حدث الأمن، ويمكن من الجمعة لا تجب ذلك عليهم، ويجب على من لم يصل معه إن كانوا أربعين أن يقدموا رجلاً يصلي بهم الجمعة، فإن لم يفعلوا كرهت وأجزأهم، ولو أعاد هو ومن معه صلاة الجمعة مع إمام غيره لم أكره، وان أعادها هو إماماً لم أكره للمأمومين وكرهت لأنه يمكنه أن يتأخر حتى يتقدم من لم يصل الظهر فيحرم بفرض الجمعة، والمأمومون لا يمكنهم غير ما فعلوا فلا يكره لهم ذلك.
قال أصحابنا: هذا ذكره [179 أ/ 3] على القول الذي يقول الواجب: يوم الجمعة فعل الظهر، فأما على القول الآخر لا يجيء هذا.
فَرْعٌ آخرُ
قال في:"الأم": ولو أجدب وهو محارب لا بأس أن يدع الاستسقاء وإن كان في عدد كثير ممتنع فلا يأمن أن يستسقي ويصلي صلاة الخوف في الاستسقاء كما يصلي في المكتوبات.
فرع
وإن كانت شدة الخوف لم يصل الاستسقاء لأنه يمكن تأخيرها ويصلي للخسوف
الجزء: 2 - الصفحة: 435
والعيدين؛ لأنه لا يصح له تأخيرها يريد بذلك أن صلاة الاستسقاء لا يتحقق فواتها وصلاة العيدين والخسوف يتحقق قراءتهما هذه بخروج وقتها وهذه بالتجلي.
مسألة: قال: وإن كان خوفاً أشد من ذلك وهو المسابقة والتحام القتال.
الفصل
وهذا كما قال، هذه في الحالة الثانية من أحوال صلاة الخوف، وجملته: أنه إذا اشتد الأمر بالمسلمين بحيث يمكنهم أن يفترقوا فرقتين للصلاة والتحمت الحرب وصاروا إلى المسايفة والمصادمة لم يجز تأخير الصلاة عن وقتها، فيصلي كل واحد منهم على حسب حاله مضارباً ومطاعناً رجالاً وركباناً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قعوداً على دوابهم [179 ب/ 3] وقياماً على الأرض يومئون برؤوسهم للركوع والسجود، ويكون السجود أخفض من الركوع، ويتقدمون ويتأخرون.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: له أن يؤخر الصلاة عن وقتها في هذه الحالة، وإن خرج وقتها، ويجوز أن يصلي قائماً على الدواب على كل حال ولا يجوز ماشياً على القدم وهذا غلط؛ لقوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: 239].
وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال في تفسير هذه الآية: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أي: هذا التفسير.
وروى ابن المنذر وغيره من أصحابنا ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بالصلاة في هذه الحالة، والأمر على الوجوب، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم الخندق وآخرها بهذه العلة، قلنا: قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: لأن ذلك قبل نزول صلاة الخوف، ويحتمل أن يكون شغله المشركون عن ذكرها فنسيها، ثم إذا صلوا على ما ذكرنا جازت صلاتهم ولا إعادة [180 أ/ 3] لظاهر الآية؛ ولأن ذلك يجوز في النوافل في حال الاعتبار فجاز مثله في الفرائض عند شدة الخوف.
فرع
إذا كانوا في شدة الخوف وأمكنهم الجماعة فالصلاة جماعة أفضل.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز جماعة، واحتج بأن بينهم وبين الإمام طريقاً وذلك يمنع الاقتداء، قلنا: لا نسلم؛ ولأن عندهم لا يجوز، وإن كان الإمام وسطهم، ثم يقول: كل ركوب لا يمنع فعل الصلاة في الانفراد لا يمنع فعل الصلاة في الجماعة كركوب السفينة.
مسألة: قال: ولو صلى على فرسه في شدة الخوف ركعة ثم أمن نزل فصلى أخرى.
الفصل
وهذا كما قال.
ذكر الشافعي رحمه الله حكم شدة الخوف والأمن إذا اشتركا في صلاة واحدة فقال: ولو صلى على فرسه في شدة الخوف ركعة، ثم أمن فنزل بنى،
الجزء: 2 - الصفحة: 436
وعكس هذا لو صلى آمناً ركعة، ثم صار إلى شدة الخوف فركب ابتداء ..
وقال في "الأم" في المسألة الأولى: إذا نزل أحب أن يعيد فإن لم ينقلب وجهه عن جهته فلا إعادة؟ لأن النزول خفيف وإن انقلب وجهه عن جهته حتى يولى قفاه أعاد، لأنه تارك [180 ب/ 3] قبلته، وفي الركوب يلزم الاستئناف؛ لأن الركوب عمل أكثر من النزول واعترض المزني رحمه الله على هذا الفرق فقال: قد يكون الفارس أخف ركوباً وأقل شغلاً لفروسيته من نزول ثقيل غير فارس.
قال أصحابنا: لم ينصف المزني في مقابلة ركوب الخفيف بنزول الثقيل، بل كان من حقه أن يقابل بل ركوب كل واحد منهما بنزوله بنفسه، ولا شك أن نزول كل واحد منهما إذا قوبل بركوبه كان عمل الركوب أكثر من عمل النزول.
وقال بعض أصحابنا: خرج كلام الشافعي على العادة في الفارس الحاذق بترك أو بركب.
فإذا صورت على الضد كان الجواب على الضد.
وقيل: النزول أخف بكل حال لأنه وإن لم يكن فارساً يمكنه أن يرمي بنفسه عن الدابة، وينزل وهذا ليس بشيء، وقيل: نص في موضع من "الأم": على أنه إذا ركب بنى على صلاته ففي المسألة قولان: سواء كان لغير حاجة أو لحاجة، أحدهما: يبطلها، لأنه عمل كثير، والثاني: لا يبطلها لأن العمل الكثير لا يؤثر في صلاة شدة الخوف كالمشي.
ومن أصحابنا من قال: هذا على [181 أ/ 3] اختلاف حالين، فإن كان لغير حاجة بطلت صلاته، وان كان للحاجة إلى الركوب للدفع عن نفسه أو للهرب عند الضرورة فلا تبطل الصلاة قولاً واحداً لأن الشافعي رحمه الله نص في "الأم" فقال: وإذا صلوا رجالاً وركباناً في شدة الخوف لم يتقدموا فإن احتاجوا إلى التقدم لخوف تقدموا ركباناً ومشاة، وكانوا في صلاتهم بحالهم وكذلك إن احتاجوا إلى ركوب ركبوا وهم في الصلاة، وان لم يحتاجوا إليه فركبوا ابتدؤوا الصلاة.
وقال في موضع آخر من "الأم": لو تفرق العدو فابتدؤوا الصلاة بالأرض، ثم جاءهم طلب فلهم أن يركبوا، ويتمون الصلاة ركباناً، ويومؤون إيماء.
وقال القاضي الطبري رحمه الله: نص في هذين الموضعين على أنه إذا أتى الركوب ركبه ومضى في صلاته.
قال: وقرأت أن صلاة الخوف من "الأم" وغيره وأعدت نظري فيه كثيرا، والذي يقتضيه كلام الشافعي أن الركوب عمل طويل، فإذا فعله المصلي من غير حاجة بطلت صلاته، وإن فعله للحاجة بأن يشتد الخوف على ما ذكرنا يركبون ويمضون في صلاتهم [181 ب/ 3] ثم يعيدون على ما سنذكر من بعد إن شاء الله، وهذا يدل على بطلان قول من قال فيه قولان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا تبطل عند الحاجة قولاً واحداً ولا إعادة وهذا أقيس.
الجزء: 2 - الصفحة: 437
مسألة: قال: ولا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة.
الفصل
وهذا كما قال.
نقل المزني رحمه الله أنه يجوز أن يضرب الضربة، ويطعن الطعنة وأراد عند الحاجة.
فإما من غير حاجة فيكره، وإن كانت الصلاة لا تبطل لعلته، ثم قال: فإن تابع الضرب أو زود الطعنة أو عمل ما يطول بطلت صلاته، وقال في "الأم": على هذا الوجه ثم قال: وإن بطلت صلاته يمضي فيها، ثم إذا قدر على أن يصليها ولا يعمل فيها ما يقطعها أعادها لا يجزيه غير ذلك، ولا يدعها في هذه الحالة إذا خاف ذهاب وقتها ويصليها ويعيدها، وقال أيضاً: لا تقطع صلاتهم يوجههم إلى غير القبلة أو ضرب الضربة الخفيفة إن رهقه عدو أو يتقدم التقدم الخفيف، فإن أعاد الضرب وأطال التقدم قطع صلاته ومتى لم يمكنه صلى وهو يقاتل وعاد إذا أمكنه.
فإذا ثبت هذا قال القاضي [182 أ/ 3] الطبري: الظاهر من كلام الشافعي أن الضربتين من العمل الكثير الذي يبطل الصلاة، وغلط بعض أصحابنا فجعل الضربتين قليلاً وأول الكثير ثلاث ضربات أو ثلاث طعنات، والأول هو الصحيح الذي نص عليه.
وقال أبو حامد رحمه الله: لا نص في الضربتين، وقياس المذهب أنهما كالضربة، لأنه لا ينطلق عليها اسم الجمع المطلق.
وقال مشايخ خراسان: الضربتان والخطوتان من القليل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: في المار بين يدي المصلي: "فليدفعه فإن أبى فليقاتله" فأباح له فعلين، ودرأ أبو سعيد الخدري رضي الله عنه شرطي مروان مرتين حين منعه من تحية المسجد، ولم تبطل صلاته، فإذا تقرر هذا فالقليل لا يبطل الصلاة بحال، وأما الكثير إذا عمله في صلاة شدة الخوف فإن لم يكن به حاجة إليه بطلت صلاته قولا واحداً، وان كان للحاجة.
قال القاضي الطبري: الذي يقتضيه كلام الشافعي في "الأم" أنه يفعله ويمضي في صلاته، فإذا قدر أعاد، وغلط بعض أصحابنا، فقال: لا إعادة عليه، لأنه كان مضطرا إليه كما إذا صلى على فرسه بالإيماء إلى غير [182 ب/ 3] القبلة لا تلزمه الإعادة وهذا خلافه النص، والجواب عن الإيماء هو أن وقوع هذه الأفعال التي ليست من جنس الصلاة فيها أغلط من تغيير أركانها، ألا ترى أن المريض يستبيح تغيير الأركان ولا يستبيح فعل ما ليس من جنسها وكذلك المسافر يستبيح الإيماء في النوافل وفعلها في حال السير، ولا يستبيح فعل ما ليس من جنسها فيها فظهر الفرق، وهذا لأن هذا العمل ضاد الصلاة بكل حال فاستوى فيه حالة الأمن وحالة شاة الخوف كالحدث.
وقال القفال رحمه الله قول واحد: لا تبطل الصلاة وان اضطر إلى الضرب والطعن من أول الصلاة إلى آخرها، وهذا اختيار ابن سريج رحمه الله، وهو القياس لكنه خلاف النص الذي ذكرناه.
الجزء: 2 - الصفحة: 438
والآخر من هذا عندي أن تخريج المسألة على قولين: ولا يقطع بخلاف المنصوص.
وذكر أبو حامد رحمه الله فيه وجهين، ولا معنى لهذا أيضاً مع النص.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص الشافعي رحمه الله أنه لا تبطل، وخرج أبو حامد قولاً إنه تبطل وهذا أفسد من الكل.
فرع
قال بعض أصحابنا: مد القوس وتحلية [183 أ/ 3] السهم عمل قليل بمنزلة الضربة الواحدة.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": لو عمد في شيء من الصلاة كلمة عذر بها مسلماً أو يسترهب بها عدواً وهو ذاكر أنه في صلاته انتقضت صلاته وعليه الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو أسر رجل ووضع من الصلاة فمقدر على أن يصليها مومئاً صلاها ولم يدعها وكذلك إن لم يقدر على الوضوء صلاها في الحضر متيمماً، وكذلك إن حبس تحت سقف لا يسوي فيه قائماً، أو ربط فلم يقدر على ركوع أو سجود صلاها ولم يدعها وعليه القضاء؛ لأنه عذر نادر.
وكذلك إن منع الصوم فعليه قضاؤه، وهذا على القول الذي نقول: إذا دفع إليك فتناوله بيده مكرهاً أنه يفطره وإذا قلنا: لا يفطره فلا يصح المنع منه.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو كمنوا في موضع وصلوا قعوداً وكانوا يخافون أنهم إن قاموا يرون فيصطلموا فعليهم الإعادة لأنه عذر نادر.
فرع
قال: ولو ضرب ضربة فتنجس سلاحه بالدم رمى به وأخذ غيره 0 فإن لم يجد أمسكه للدفع وأعاد الصلاة إذا قدر كالمصلي وعلى جراحته دم يعجز عن غسله وفيه وجه آخر [183 ب / 3] أنه لا إعادة وهو ضعيف.
فرع
قال بعض أصحابنا: لو جعله في الحال تحت ركابه فلا تبطل أيضاً؛ لأنه غير حائل للنجاسة، ويحتمل عندي أن يقال: تبطل لأنه يمكنه أن يطرحه من يده في الحال، فإذا أمسك إلى أن يجعله في ركابه فقد فرط، وإن كان له غمد فجعله في غمده بطلت صلاته.
فرع
قال في "الأم": إذا صلوا يومؤون إيماء فعاد عليهم العدو من جهة توجهوا إليهم
الجزء: 2 - الصفحة: 439
وهم في صلاتهم لا يقطعونها وداروا معهم أين داروا، لأن ترك القبلة جائز في صلاة شدة الخوف، وإن صلى صلاة شدة الخوف، ثم أمكنه أن يصلي صلاة الخوف الأدنى بنى على صلاة شدة الخوف، ولم يجزه إلا أن يصلي صلاة الخوف الأدنى، كما إذا صلى قاعداً ثم أمكنه القيام لم يجزه إلا القيام.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا صلوا صلاة شدة الخوف غير مستقبلي القبلة جاز لبعضهم أن يأتم بالبعض، وإن كان الإمام متوجهاً إلى جهة والمأمومون متوجهين إلى جهة أخرى أو كان وجه الإمام في وجه المأموم، لأن المأموم يعتقد أن إمامه في صلاة صحيحة كما قلنا في الجماعة [184 أ/ 3] حول البيت خلف المقام.
فَرْعٌ آخرُ
لو سقط عن دابته أو هبت ريح فأسقطته في الحرب عن القبلة أو الجهة التي كان متوجهاً إليها، انحرف إليها إلى القبلة في الحال على حسب الإمكان وأجزأته الصلاة؟ لأن انحرافه كان بغير اختياره.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا بأس أن يصلي الرجل في الخوف ممسكاً عنان دابته؛ لأنه عمل يسير فإن نازعته فجبذها إليه جذبة أو اثنتين أو ثلاثة أو نحو ذلك، وهو غير منحرف عن القبلة فلا بأس، وإن كثرت مجاذبته وهو غير منحرف عن القبلة قطع صلاته وعليه استئنافها وهذا صحيح، وقد جعل الشافعي رحمه الله جبذ الدابة ثلاث مرات ههنا من العمل اليسير، وقد قلنا: إن ثلاث ضربات عمل كثير والفرق أن الضرب والطعن أكثر من الجبذ لأنه يحط السيف ويرفعه ويرسل الرمح للطعن ويجذبه وليس كذلك جبذه لعنان دابته.
فإنه لا يحتاج أن يعمل فيه أكثر من الجبذ فكان ذلك أخف وأسهل من ذلك وهذا يدل على أن الاعتبار بكثرة العمل لا بالعدد.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وإن جبذته فانصرف وجهه عن [184 ب/ 3] القبلة فأقبل مكانه على القبلة لم يقطع صلاته، لأن انصراف وجهه عن القبلة حصل بغير اختياره، فإذا رجع إليها في أول حال الإمكان أجزأته صلاته، وان طال انحرافه ولا يمكنه الرجوع إليها انتقضت صلاته؛ لأنه يقدر على أن يدعها يعني ينزل عنها أو يتوجه إلى القبلة، فإذا لم يفعل ترك القبلة باختياره فبطلت صلاته.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وإن ذهبت دابته فلا بأس بأن يتبعها، فإذا تبعها على القبلة شيئاً يسيراً لم تفسد
الجزء: 2 - الصفحة: 440
صلاته، وإن اتبعها كثيراً فسدت صلاته، وإن تبعها لا إلى القبلة قليلاً أو كثيراً بطلت صلاته.
مسألة: قال: لو رأوا سواداً مقبلاً فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف.
الفصل
وهذا كما قال: إذا رأوا سواداً فظنوه عدواً وخافوا أن يظهر بهم فصلوا صلاة شدة الخوف بالإيماء، ثم بان لهم أنه لم يكن عدواً، وإنما كان إبلاً أو شجراً أو إظلالاً أو وحشاً، نقل المزني رحمه الله عن "الأم": أن عليه الإعادة ونقل عن "الإملاء": أنه لا إعادة.
قال أصحابنا: هذا سهو منه، لأن الشافعي نص في "الإملاء" على وجوب الإعادة أيضا، وإنما [185 أ/ 3] سها عن مسألة قالها الشافعي في "الإملاء": وهي أنه لو أخرهم ثقة أن ذلك السواد عدو فلا إعادة، فنص في خبر الثقة أنه لا إعادة، ونص فيما ظنوه عدواً فصلوا أن عليهم الإعادة، فقال أصحابنا: كل واحدة من المسألتين على قولين لأنه لا فرق أن يصلوا برؤية العين، أو يخبر من يصدقونه.
أحدهما: يلزم الإعادة وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني، لأن سبب جواز هذه الصلاة وجود الخوف من العدو ولم يوجد العدو هاهنا، وقيل: لم يذهب المزني رحمه الله إلى لزوم الإعادة، لأن عنده كل من صلى بالعذر لا إعادة عليه، ولكنه قال: الأشبه بقوله: يعني بمذهب الشافعي رحمه الله لزوم الإعادة.
والثاني: لا يلزم الإعادة وهذا هو اختيار أبي إسحاق، وقال: هذا أقوى القولين؛ لأن الاعتبار بوجود الخوف دون تحقيق المخوف منه، ألا ترى أنه لو كان المشركون بإزائهم وظنوا أنهم يكرون عليهم فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان أنهم يكونوا هموا بذلك فإنه تجزيهم الصلاة، وإن لم يتحقق المخوف منه، وكذلك لو شاهدوا العدو فصلوا صلاة شدة [185 ب/ 3] الخوف، ثم بان أنهم كانوا على المصالحة والمشاركة لا يلزم الإعادة قولا واحداً، لا الخوف متحقق.
ومن أصحابنا من قال: تجب الإعادة فيما ظنوه بأنفسهم ولا تجب في خبر الثقة على ما نص عليه، والفرق أن الاعتماد على خبر الثقة أقوى من الاعتماد على الظن والتخمين فحصل التفريط هاهنا.
ومن أصحابنا من قال: في خبر الثقة قولان، وفي الظن يجب قولاً واحداً.
فرع
لو كان هذا في بلد الإسلام فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان خلافه.
قال في "الحاوي": لا نص فيه وقال أصحابنا: يلزمهم الإعادة قولاً واحداً، لأن ظنهم في أرض العدو أقوى من ظنهم في بلاد الإسلام.
الجزء: 2 - الصفحة: 441
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص في "الإملاء": أنه إذا كان في دار الإسلام يلزم الإعادة دون دار الحرب، واعتبر في ذلك غالب العادة وظاهر الحال وهذا غريب.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": لو جاء خبر عدو فصلوا هذه الصلاة، ثم ثبت أن العدو كانوا يطلبونهم، ولكن لم يفرقوا منهم القريب الذي يخاف من غلبتهم عليهم في الحال يلزمهم الإعادة، وعلى قياس [186 أ/ 3] قوله في "الإملاء": لا إعادة فحصل قولان.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلوا صلاة شدة الخوف، ثم وجدوا بين أيديهم خندقاً يعلم أن العدو لا يمكنه العبور إليهم ولا إفساد الصلاة عليهم فيه طريقان:
أحدهما: فيه قولان: وهو الصحيح، لأنهم علموا أنهم أخطؤوا في الخوف، وقال أبو إسحاق رحمه الله: تلزمهم الإعادة قولاً واحداً، لأن هؤلاء تمكنهم معرفة حقيقته ففرطوا فتلزمهم الإعادة.
فرع
لو صلوا صلا ة شدة الخوف في المسألة السابقة، ثم شكوا أنهم كانوا عدواً أم لا، يلزمهم الإعادة في قول الشافعي في "الأم"؛ لأنه على شك أن الصلاة مجزية عنهم والوجوب متيقن فوجبت الإعادة.
فرع
لو كان رجلاً وحده فرأى سواداً فظنه علج من علوج الروم أو سبعاً، فصلى صلاة شدة الخوف خوفاً أن يقله، ثم بان خلاف ذلك ففيه قولان، ولا فرق بين أن يقع الغلط في ذلك لجماعة أو لواحد.
فَرْعٌ آخرُ
لو ظنوا أن الكفار يزيدون على ضعف المسلمين فانهزموا وصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان خلاف ذلك يلزمهم الإعادة على قوله في "الأم"، وكذلك لو لحقهم مددد وعلموا أنهم لو لم يصلوا [186 ب/ 3] يلحقهم ذلك قبل لخوف الكفار إياهم، وازدادوا بذلك على ضعف الكفار نص عليه، وأصل القولين أن السبب المجوز للصلاة بالإيماء حقيقة وجود العدو أو وجود الخوف، ويقرب القولان من القولين فيمن نسي الماء في رحله فتيمم وصلى، ففي قول لا إعادة؛ لأن ظنه عدم الماء موجودء والثاني: يلزم الإعادة لأن الماء موجود.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلوا صلاة ذات الرقاع في حال الأمن هل يجوز أم لا؟ من أصحابنا من قال:
الجزء: 2 - الصفحة: 442
صلاة الإمام يجوز قولا واحداً، وفي صلاة المأمومين قولان: أحدهما: تجوز صلاتهم؛ لأنه ليس فيه أكثر من الانتظار، والخروج من صلاة الإمام قبل التمام، وكل هذا لا يبطل الصلاة على القول الذي يقول الخروج من صلاة الإمام لغير عذر لا تبطل الصلاة، والثاني: صلاة الجميع باطلة على القول الذي يقول: الخروج من صلاة الإمام بغير عذر، والانتظار الطويل من غير حاجة يبطل الصلاة، هذه الطريقة هي اختيار ابن سريج رحمه الله وابن [187 أ/ 3] خيران.
ومن أصحابنا من قال: هذا عند ابن سريج وابن خيران رحمهما الله أن الطائفة الثانية عندهم فارقت الإمام فعلاً وحكماً، فأما على المذهب الصحيح القولان في الطائفة الأولى لا تبطل صلا ة الطائفة الثانية قولاً واحداً لأنها تركت متابعة الإمام وهي غير خارجة من صلاة الإمام، وهذا هو الصحيح، وعندي هذا الاختلاف يحتمل في مسألة "الأم": عند توهم الخوف؛ لأن هذا المعنى هو موجود أيضاً.
وقال القاضي الطبري رحمه الله: هذه المسألة في بطلان صلاة الإمام هي مبنية على القولين فيه إذا فرقهم أربع فرق، لأنه انتظر في غير موضع الانتظار فتبطل صلاته أيضاً على أحد القولين.
فرع
لو صلوا صلاة الخوف، كما قال أبو حنيفة رحمه الله برواية ابن عمر رضي الله عنهما هل يجوز أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز لأن ذاك صار منسوخاً بالمتأخر.
والثاني: يجوز لأنه من الاختلاف المباح، وقد صح الحديثان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن الأفضل ما ذكرنا لما بينا من الدلائل، وأما صلاة الإمام فتجوز [187 ب/ 3] قولاً واحداً لأن المشي والعمل إنما يحصل من الطائفتين دون الإمام، ولو صلى صلاة شدة الخوف في حال الأمن لا يجوز قولاً واحداً.
مسألة: قال: وإن كان العدو قليلاً من ناحية القبلة والمسلمون كثيرون يأمنونهم.
الفصل
وهذا كما قال: هذه في الحالة الثالثة من أحوال صلاة الخوف التي وردت السنة بها، وهي صلاة الخوف الأدنى، ولا بد في هذه الصلاة من ثلاث شرائط:
إحداهما: أن يكون العدو في ناحية القبلة.
والثانية: أن يكون بالمسلمين كثرة بحيث ينظر بعضهم ويصلي بعضهم، فإذا وجدت هذه الشرائط فإنه يصلي صلاة الخوف فيقفون خلفه صفوفاً، ويحرم بجماعتهم، ويقرأ ويركع ويرفع بالكل، فإذا سجد سجد الكل إلا الصف الذي يليه، فإنه يثبت قائماً بعد
الجزء: 2 - الصفحة: 443
الركوع حتى يفرغ الإمام والباقون من الركعة الأولى، فإذا قاموا إلى الثانية سجد بعد هذا الصف الأول سجدتين، ويلحق الإمام قائماً ويصلي ويقرأ ويركع بالكل أيضاً، فإذا اعتدلوا عن الركوع سجد معه الذين حرسوه في الأولى، ووقف الباقون قائمين أو بعضهم، فإذا فرغ من السجود [188 أ/ 3] وجلس للتشهد سجد الباقون ولحقوا به جالساً فيتشهد ويسلم بالكل، هذا هو المختار.
وقال الشافعي رحمه الله: فإن كانت المسألة بحالها: وصلى على ما قلنا: إلا أن الصف الأول تأخر في الركعة الثانية إلى مكان الصف الثاني، وتقام الثاني إلى مكان الأول ليكون من يحرسه أبداً هو الصف الأول فلا بأس، لأن ذلك عمل يسير، ويحصل بعمل قليل فإن يتخلل بين كل رجلين متقدماً أو متأخراً بخطوة أو خطوتين ولو لم يفعل هكذا بل حرس في الثانية من حرس في الأولى.
قال في "الأم": رجوت أن يجزيهم ولا إعادة عليهم ولا أعاد ما كان أحب إلي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي رحمه الله: هاهنا أحببت له أن يعيد الركعة ثم قال أصحابنا: لا يجوز أن يعيد ركعة دون كل الصلاة فمعناه بطلانها هو حراستها في الركعة الثانية، لأنه ليس لها أن تحرس في الركعتين، بل يجب أن تحرس كل فرقة مرة واحدة وهذا يدل على أن صلاتهم تبطل، وهو قول بعض أصحابنا.
ويمكن أن يقال: هذه عبارة عن استحباب إعادة كل الصلاة [188 ب/ 3] وعبر عنها بالركعة، والمذهب ما نص في "الأم": لأنه لا تلزمه الإعادة.
وقال القاضي الطبري: إنما قال ذلك لأنه لم يكن لها الحراسة، وفي هذه الركعة الثانية فاستحب الإعادة، وفي هذا نظر عندي: لأن الاستحباب كيف يزاد في ركعات الصلاة فلا وجه إلا ما ذكرت والله أعلم، فإن قيل: لم استحب الشافعي أن يحرس أهل الصف الأول ويسجد مع الإمام أهل الصف الثاني؟ قلنا: كل واحد منهما جائز، وإنما استحب ذلك لأنه أحوط لهم وذلك لأن أهل الصف الأول يصيرون جنة لأهل الصف الثاني إذا سجدوا، فلا يصيبهم من العدو سهم، ولأنهم إذا حرسوا وليس بين أيديهم صف كانت الحراسة أمكن لكونهم أقرب إلى العدو من الصف الثاني؛ ولأن العدو لا يمكنهم الوقوف على عدو من ورائهم من الساجدين فكان أولى، ولو لم يفعل هكذا بل حرس أهل الصف الثاني وسجد أهل الصف الأول يجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرسه أهل الصف الثاني.
وقال الشيخ أبو حامد رحمه الله: السنة المؤدية في هذا ترتيب الشافعي من كل طريق [189 أ/ 3]، فإن السنة تدل على أن الصف الثاني هو الذي يحرس أبداً وذلك أن أبا داود رحمه الله روى في سننه بإسناده عن أبي عياش الزرقي رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد رضي الله عنه فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر فلما حضر العصر قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبل القبلة والمشركون أمامه فصف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يلونه وقام الآخرون
الجزء: 2 - الصفحة: 444
يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعاً فسلم بهم جميعا وصلى هكذا [189 ب/ 3] يوم بني سليم ".
وروي أن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال لأصحابه قد دخل عليهم وقت الصلاة: هي أحب إليهم من أهاليهم وأموالهم فنصبر حتى يسجدوا فيها.
فنحمل عليهم حملة فنستأصلهم، فنزل جبريل عليه السلام، وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وعلمه هذه الصلاة عن الله تعالى.
قال أبو حامد: فيجب أن يكون المذهب هكذا، لأن الشافعي رحمه الله قال: إذا رأيتم قولي مخالفاً للسنة فاطرحوه وعندي أن هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدل على الجواز، والأحسن والأفضل ما ذكره الشافعي لما ذكرنا العلة، وليس في هذا مخالفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحال.
فإذا تقرر هذا، قال أصحابنا: في نقل المزني خلل، وذلك أنه قال في الركعة الثانية سجد معه الذين حرسوه إلا صفاً أو بعض صف تحرسه، وهذا الاستثناء يقتضي أن الحارسين في الركعة الثانية هم الحارسون في الركعة الأولى ولا يختلف المذهب أن الحراسة على التناوب في هذه الصلاة، ولفظ الشافعي في الكبير بخلاف ما نقل المزني وذلك أنه [190 أ/ 3] قال: فإذا سجد سجد معه الذين سجدوا أولاً إلا صفاً أو بعض صف يحرسه منهم، وهذا هو الصحيح بلا خلاف.
مسألة: قال: ولو صلى في الخوف بطائفة ركعتين، ثم سلم بالطائفة الأخرى ركعتين ثم سلم.
الفصل
وهذا كما قال: إذا صلى الإمام بالناس صلاة الخوف والعدو في غير جهة القبلة، فصلى بطائفة ركعتين وسلم بهم أجزأته وإياهم؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها ببطن النخل هكذا وكانت صلاة الظهر مقصورة في رواية جابر رضي الله عنه.
قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن يصليها صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع، وهي أولي من صلاة بطن النخل، لأنها أعدل بين الطائفتين، ولأن في الفريضة خلف النافلة خلافاً بين العلماء.
وقال أبو إسحاق رحمه الله: صلاته ببطن النخل أحب إلينا، لأن فيها تسوية بين الطائفتين، ويحصل لكل واحدة منهما فضيلة الجماعة على التمام، وهذا خلاف نص الشافعي.
الجزء: 2 - الصفحة: 445
قال المزني رحمه الله: هذا عندي يدل على جواز الفرض خلف النفل [190 ب/ 3] وهذا الاحتجاج ذكره الشافعي رحمه الله أيضا فلا معنى لقوله عندي، وهذه الصلاة في الخوف لا تتم إلا بثلاث شرائط:
إحداها: أن يكون المشركون في غير جهة القبلة وأن لا يأمن الكرة من جهتهم، وأن يكون بالمسلمين كثرة يمكن تفريقهم فرقتين كل فرقة تقاوم المشركين، ولو صلى الإمام بالناس هكذا في حال الأمن أجزأته وإياهم، لأن الفريضة خلف النافلة تصح، ولو صلى في الأمن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعسفان لصح صلاة الإمام، وكذلك صلاة من لم يحرسه صحيحة أيضاً وفي صلاته من حرسه منهم وجهان:
أحدهما: باطلة لأنهم تركوا متابعته حتى سبقهم بثلاثة أركان سجدتان وجلسة بينهما.
والثاني: لا تبطل صلاتهم وهو ظاهر المذهب، واختاره أبو إسحاق؛ لأن السجدتين والجلسة بينهما كالركن الواحد، لأنه جنس واحد لأن الجلسة للفصل والجدتين كلتيهما واحد، ومن نصر القول الأول علل بعلة أخرى.
وقال: التأخر عن الإمام ركن واحد إنما يجوز لعذر، وهو أن يقصد إتمام القراءة أو الركن الذي هو [191 أ/ 3] فيه، فأما إذا وقف من غير عذر وترك متابعته حتى ركع أو سجد بطلت صلاته وهذا أحسن وليس بمذهب.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان عن الشافعي أنه قال هاهنا: أحببت للطائفة الحارسة أن يعيدوا الصلاة، وهذا غريب وفيه نظر عندي والله أعلم.
مسألة: قال: وليس لأحد أن يصلي صلاة الخوف في طلب العدو لأنه آمن وطلبهم تطوع.
وهذا كما قال: إذا كانوا في طلب العدو فإن لم يكونوا خائفين، مثل إن خرجوا من بلاد الإسلام في طلب العدو وهم مستظهرون يأمنون الكرة عليهم لم يكن لهم أن يصلوا صلاة الخوف، فإن كانوا خائفين من كمين أو مدد أو كرة عليهم أو فتحوا بلد من بلاد العدو فلم يأمنوا أن يلحق المدد بهم كان لهم أن يصلوا صلاة الخوف، فإن كان الخوف أشد من ذلك صلوا صلاة شدة الخوف، وذلك أن يخاف أن تكون هزيمتهم هكذا منهم، ولم يكن في المسلمين كثرة فتهيأ لبعضهم أن يقوى بهم أو يخاف عود العدو إن تولوا عنهم نص على كل هذا في "الأم".
باب من له أن يصلي صلاة الخوف
مسألة: قال: كل قتال كان فرضاً أومباحاً لأهل الكفر والبغي.
الفصل
وهذا كما قال: جملته أن القتال على ثلاثة أضرب:
قتال واجب، وقتال مباح، وقتال محظور.
الجزء: 2 - الصفحة: 446
فالواجب: كقتال المشركين وهو الأصل في صلاة الخوف، وفيه نزلت الآية وفي معناه قتال أهل البغي لأن الله تعالى قال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9]، وقتال قطاع الطريق: فتجوز صلاة الخوف في كلها.
وأما المباح: فهو الدفع عن حريمه وماله ونفسه، وكذلك عن نفس الغير وماله وحريمه فإن الصحيح من المذهب إن دفع المسلم عن نفسه مباح غير واجب، لأن حميته في قصده الإسلام بخلاف المسلم الظالم.
وقد روي عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "يكون في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فقال رجل: يا رسول الله إن أدركنا هذا الزمان كيف نفعل؟ فقال: "احتمل ذكرك وادخل بيتك"، قال: يا رسول الله [أفرأيت إن] دخل علي بيتي قال: إن أفرقك شعاع السيف فاجعل طوف ثوبك على رأسك ولتكن عبد الله المقتول [192 أ/ 3] ولا تكن عبد الله القاتل"،وروي "اتخذ سيفاً من خشب"، فتجوز صلاة الخوف في هذا القتال أيضاً؛ لأن كل رخصة تعلقت بالأمر الواجب فعلقت بالمباح كالقصر في السفر.
قال صاحب "التلخيص": إذا قاتل في الدفع عن ماله هل يجوز له أن يصلي صلاة شدة الخوف؟ قولان:
أحدهما: لا يجوز نص عليه في "الجامع الكبير"، وفي "الإملاء"؛لأن الدفع عنه غير واجب بل هو مباح.
والثاني: يجوز وقال القفال رحمه الله: نص الشافعي رحمة الله عليه على قولين فيمن غشيه سيل فوجد ملجأ لنفسه دون ظهره وماله، هل له أن يهرب ويصلي صلاة شدة الخوف في هربه؟ والأصح له ذلك لأن في الدفع المباح يجوز القتال، وإن أتى على نفسه كما في النفس سواء فلا فرق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان ماله ذا روح فعلى وجهين، وإن لم يكن ذا روح فهو مرتب على ذلك، وهو بناء على أن له أن يقتل في الدفع عن المال أم لا؟ فيه وجهان، والأصح له ذلك، وفي هذا نظر والاعتماد على ما سبق، وقد أدخل الشافعي حجة كلامه في خلال الفصل، وهو قوله: من قتل دون ماله فهو شهيد [192 ب/ 3] على أن له صلاة الخوف في الدفع عن المال وهذا من فصيح الكلام أن يذكر المسألة، ثم الحجة ثم الجواب.
وأما المحظور: فهو القتال لقطع الطريق أو المعصية، أو لمنع الحق، أو أي وجه من وجوه الظلم فليس له أن يصلي صلاة شدة الخوف في هذا القتال، وإن فعل يلزمه الإعادة لأن الرخصة لا تكون لعاص، ولو انهزم قوم من المسلمين وصلوا في حال انهزامهم صلاة شدة الخوف، فإن كان ذلك ليتحولوا من جهة إلى جهة أخرى ليتمكنوا
الجزء: 2 - الصفحة: 447
من القتال، أو يتحيزوا إلى فئة من المسلمين في مواضع أخرى ليتقووا بهم، فهؤلاء لا تصح صلاتهم ولا تجب الإعادة؛ لأن انهزامهم لهذا السبب مباح، وان انهزموا للعجز والفشل، فإن كان بإزاء كل واحد من المسلمين ثلاثة من المشركين فأكثر فهؤلاء لا تصح صلاتهم ولا إعادة عليهم لأن للواحد أن يفر من الثلاثة، وإن كان بإزاء كل واحد منهم واحد أو اثنان لا تصح صلاتهم: لأنه لا يجوز للمسلم أن يفر من مشركين وإذا فر منهما كان عاصياً وصلاة شدة الخوف رخصة ولا تستباح الرخصة بفعل هو معصية.
وقال في "الحاوي" [193 أ/ 3] إذا عرفوا أنهم لا يطيقون قتال مثليهم من المشركين هل يجوز لهم أن يولوا من غير تحرف القتال أو تحيز إلى فئة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] الآية.
والثاني: لا يجوز لأن لهم طريقاً إلى ما يجوز، إذ لا يعدم الانحياز إلى فئة قربت أم بعدت، وقال أبو حنيفة رحمه الله: جواز التولي الانحراف إلى القتال أو التحيز إلى فئة كانا في ابتداء الأمر ثم نسخا معاً وعليهم أن يقاتلوا ما أمكن.
مسألة: قال: ولو غشيهم سيل ولا يحدون نجوة.
الفصل
وهذا كما قال: النجوة الموضع المرتفع يلتجأ إليه لينجو به، وجملته: أن الرخصة في صلاة الخوف لا تختص بخوف القتال، بل كل خوف كان المصلي غير عاص في سببه فهو مثله، فإذا كان الرجل في واد فغشيه سيل وخاف إن وقف للصلاة لحقه السيل وغرقه، فإن كانت نجوة يأوي إليها فعدا في طول الوادي من السيل وصلى في حال عدوه لم يجز وان لم يجد نجوة جاز، وهذا إذا كان بالالتجاء إلى النجوة لا ينقطع عن أهله، ولا يخاف من المقام هناك الجوع وهلاكه منه ونحو ذلك [193 ب/ 3].
قال الشافعي رحمه الله: وإن أمكنهم نجوة لا بد أنهم دون ركابهم فلهم أن يهربوا ويصلوا صلاة الخوف، لأن الخوف على المال هو بمنزلة الخوف على النفس ذكره القاضي الطبري رحمه الله، وقد ذكره رحمه الله على وجه آخر وقد ذكرنا ذلك.
فرع
قال في "الأم": ولو كان في الصحراء في موضع حشيش وحطب يابس، فوقعت فيه نار فاشتعلت فخاف إن ثبت يصلي يحترق، فإن كان يجد نجوة يأمن بها من الحريق لجأ إليها، وان لم يجد وصلى في حال عدوه تجوز صلاته، وهكذا لو طلبته حية أو غيرها من السبع وخاف على نفسه منها وهرب، وكذلك لو طلبه جمل صائل أو فيل، فإنه تجوز صلاة الخوف بالإيماء أينما توجه.
الجزء: 2 - الصفحة: 448
وقال المزني رحمه الله: يلزم الشافعي على أصله أن يأمره بإعادة الصلاة، لأنه عذر نادر قلنا: لا يلزم ذلك، لأن الخوف معتاد وقد يكون عرضاً نادراً،، ولكن حكم نادره كحكم معتادة.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": ولو خافوا الحريق على متاعهم أو منازلهم أحب أن يصلوا جماعة، ثم جماعة أو فرادى، ويكون من [194 أ/ 3] لم يكن معهم في الصلاة في إطفاء النار، ويكره أن يصلوا في هذه الحالة صلاة الخوف التي صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع: لأن هذه الصلاة شرعت في خوف القتال والحرب.
فَرْعٌ آخرُ
لو هرب من غريمه فإن كان معسراً فله صلاة الخوف في الهرب، لأن له الهرب وإلا فلا.
ولو هرب من عليه القصاص من الولي له أن يصلي صلاة شدة الخوف في عدوه؛ لأنه يرجو العفو لأن العفو مندوب إليه فربما يرغب في العفو، ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وعندي ليس له ذلك إذا كان صاحبه يطلبه: لأنه عاص بالهرب، لأنه لا يجوز أن يمنع حقاً مستحقاً من مستحقه، فإن كان عليه حد فهرب لا يصلي هكذا.
باب ما له لبسه وما يكره له والمبارزة.
مسألة: قال: واكره لبس الديباج.
الفصل
وهذا كما قال القفال رحمه الله، أراد بالكراهة هنا التحريم، وجملته: أنه يحرم في حالة القتال من الملابس ما يحرم في غير حالة القتال إلا أن يكون حاجة وضرورة.
وقال سائر أصحابنا: الديباج والحرير وسائر الثياب [194 ب/ 3] في العرف لا يحرم لبسها، لما روى أبو داود عن مولى لأسماء بنت أبي بكر، يقال له: عبد الله بن عمر قال: رأيت عبد الله بن عمر رضي الله عنه في السوق اشترى ثوباً شامياً فرأى فيه خيطاً أحمر فرده، فأتيت أسماء وذكرت ذلك لها، فقالت: يا جارية ناوليني جبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأخرجت جبة [طيالسة] مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج " وهدا نص.
وروى بعض أصحابنا زيادة: أنه "كان يلبسها للقاء العدو"، وقال علي رضي الله عنه: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاث أو اربع ".
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الإملاء" و "الأم": لو لبس رجل قباء محشواً بالقز فلا بأس؛ لأن
الجزء: 2 - الصفحة: 449
الحشو باطن، وإنما أكره إظهار القز للرجال، ومشايخ خراسان ذكروه عن أصحابنا ولم يذكروا هذا النص.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": إذا كان منسوجاً بالقز، والقز غالب كرهته في الحرب وغير الحرب، وان كان قزاً خالصاً كان مباحاً في الحرب؛ لأن القز الخالص يحصنه، وإذا لم يكن خالصاً لا يحصنه تحصين الخالص، ويرجع المعنى إلى ما تقدم في الحقيقة [195 أ/ 3] وقيل: فيه وجه أنه يباح لبس ثوب القز؛ لأنه ليس من ثياب الزينة، وإن كان القز أصل الإبريسم.
فَرْعٌ آخرُ
الذهب حرام على الرجال قليله وكثيره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهي عن التختم بالذهب".
وهو قليل، وكذلك أزرار الذهب والدرع المنسوج بالذهب حرام، وكذلك لو كان الذهب على سيفه أو حمائل سيفه أو منطقته أو كان مموهاً بالذهب، وكان ظاهراً فيه لا يجوز استعماله، ويخالف الديباج، لأنه لا يعمل فيه السلاح ولا حاجة في الذهب، وان كان في الدرع يجد بثمن ذلك درعاً جديداً والجديد أخص.
فإن قيل: أليس أجزتم بيسير الحرير دون يسير الذهب فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن يسير الذهب يظهر كما يظهر كثيره ويحصل به السرف والخيلاء من طريق العادة بخلاف يسير الحرير.
فَرْعٌ آخرُ
إذا فاجأته الحرب فلا يكره لبسه، لأنه موضع ضرورة، ويحل في حال الضرورة ما يحرم في حال الاختيار، وكذلك لو كان له سيف عليه حلية ذهب ففاجأته الحرب لا بأس أن يتقلده، فإذا انقضت الحرب، قال الشافعي رحمه الله: "أحببت [195 ب/ 3] له نقضه"، وهكذا في حمائل سيفه وترسه ومنطقته، لأن كل هذا جنة أو صلاح جنة ولا يجوز لبس الخاتم من الذهب، وان فاجأته الحرب؛ لأنه لا جنة فيه.
فَرْعٌ آخرُ
يجوز لبس الحرير عند الحاجة إلى لبسه لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهما في قميص الحرير في سفر من حكة كانت بهما"
الجزء: 2 - الصفحة: 450
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو نسخ الذهب المنسوخ في الذرع وصدئ حتى لا يظهر لونه حل لبسه؛ لأنه سرف فيه وكذلك لو كان مموها بالذهب ولا يظهر لونه فصار مستهلكا فيه، ويستحب تركه مع هذا وقيل: الذهب لا يصدأ.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا أكره للرجل لباس اللؤلؤ إلا من جهة الأدب فإنه لباس النساء وزينتهن لا للتحريم، وكذلك لا أكره لبس الياقوت والزبرجد إلا من جهة السرف أو الخيلاء، يعني: أنه لا يحرم أيضا، وهذا لأن الشرع لم يرد بتحريم لبسها ولكن كره الشرع التشبه بالنساء.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: يكره للنساء البياض والفضة لما فيه من التشبه بالرجال وفي هذا نظر عندي "196 أ/3".
فَرْعٌ آخرُ
التختم باليمين واليسار جائز إلا أن المستحب التختم باليسار، لأنه الآخر من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: اليمين أولى إلى الاحتراز من النسبة إلى البدعة والاشتهار بهم.
فرع
قال أصحابنا: المشي في نعل واحدة أو خف واحد مكروه للخبر في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة: قال: ولا أكره لمن يعلم من نفسه في الحرب بلاء أن يعلم ولا أن يركب الأبلق.
وهذا كما قال: إذا علم المحارب من نفسه الشجاعة والشدة جاز له أن يعلم، وأراد بالبلاء الشجاعة، وهو أن يجعل في صدره ريش نعامة أو يشد على عمامته عصابة ملونة، أو يركب الأبلق من الخيل، وإن عرف من نفسه الضعف والفشل كره له ذلك؛ لأنه ربما يقصد فينهزم فإذا انهزم من ظهر بعلامة الشجعان كان ذلك قوة للمشتركين ووهنا على المسلمين فيؤدي إلى كسرتهم وهزيمتهم.
وروي عن الحسن رحمه الله أنه كره الإعلام في الحرب، وهذا غلط، لأن حمزة رضي الله عنه أعلم يوم بدر بأن غرز ريش نعامة في صدره، أي في لحيته، وشدد أبو دجانة "196 ب/3" على عمامته عصابة حمراء، وركب أبو محجن الأبلق وكل هؤلاء كانوا أهل شدة وشجاعة.
مسألة: قال: ولا أكره البراز.
الجزء: 2 - الصفحة: 451
الفصل
وهذا كما قال، أراد بالبراز المبارزة، وجملته: انه إذا خرج رجل من المشركين ووقف بين الصفين وطلب البراز من المسلمين، لا يكره لمن يعلم من نفسه بلاء من المسلمين أن يخرج إليه فيقاتله، فإن كان مثله في الشجاعة والآلة والسلاح كان الخروج في مقاتلته مباحا وإن كان فوقه كان خروجا مستحبا، وإن كان دونه كان مكروها، وإن لم يطلب أحد من المشركين ذلك فهل يجوز للمسلم أن يبتدئ بطلب المبارزة وجهان:
أحدهما: يكره له، وبه قال صاحب " الإفصاح"؛ لأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما خرجوا للمبارزة عند الطلب منهم؛ ولأنه لا بأس أن يخرج من المشركين من هو أشجع منه.
والثاني: يجوز ذلك وهو الأصح لما فيه من الرهبة في قلوب العدو.
وذكر بعض أصحابنا على هذا الوجه الثاني أنه يستحب ذلك له.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يكره كل ذلك إلا بإذن الإمام، وقال الحسن رحمه الله: تكره "197 أ/3" المبارزة بكل حال.
واحتج الشافي رحمه الله بما روي أن عبيدة وحمزة وعليا رضي الله عنهم بارزوا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه إشارة إلى قصة نذكرها، وهي: أن يوم بدر خرج من مصاف المشركين ثلاثة نفر عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وهما أخوان، والوليد بن عتبة، وهو ابن أخي شيبة، وطلبوا البراز فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار أبناء عفراء وعبد الله بن رواحة وكانوا متلثمين فاستنسبوهم فنسبوا لهم، وقالوا: نحن الأنصار فقالوا: أكفاء كرام ولكنا نريد قومنا، ثم نادوا: يا محمد اخرج لنا قومنا من قريش، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبيدة بن الحارث بن عبد المطب وهو ابن عمه، ولحمزة بن عبد المطلب عمه، ولعلي بن أبي طالب ابن عمه رضي الله عنه: "اخرجوا لهم"، وكان عبيدة شيخا له سبعون سنة فخرجوا لهم، فقالوا: من القوم فاستنسبوا لهم، فقالوا: أكفاء كرام فدار حمزة مع عتبة فلم يمهله أن قتله، ودار علي مع الوليد فلم يمهله أن قتله، واختلف بين شيبة وعبيدة ضربتان فضرب عبيدة لشيبة ضربة على عاتقه "197 ب/3" الأيسر فأرخى كتفه، وضربه شيبة ضربة جزمت ساقه، فكر حمزة وعلي رضي الله عنهما على شيبة وقتلاه، ثم حملا عبيدة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومخ ساقه يسيل فدعا له النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم مات بعد انقضاء الحرب بالصعواء عند منصرفه من بدر فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفن"، وروي أنه لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومخ ساقه يسيل قال: أشهيد أنا يارسول الله؟ فقال: "نعم"، فقال: ووددت أنا أبا طالب كان حيا ليعلم أنا نحن أحق بهذا البيت منه حيث يقول:
ونسلم حتى ما نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ثم أنشأ يقول:
فإ تقطعوا رجلي فإني مسلم أرجي به عيشا من الله عاليا
وأبسني الرحمن من فضل منه لباسا من الإسلام غطى المساويا
الجزء: 2 - الصفحة: 452
مسألة: قال: ويلبس فرسه وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير.
وهذا كما قال.
اختلف أصحابنا في هذا، فقال ابن خيران رحمه الله: أراد به الشافعي رحمه الله الجلود التي لم تدبغ فيجوز له أن يلبس فرسه ذلك وإن كان نجسا؛ لأنه لا تعب على الفرس، وإنما لا يجوز للرجل لبسه، لأن عليه في نفسه "198 أ/3" تعبدا فلا يجوز له لبس النجاسات، وإنما استثنى الشافعي منها جلد الكلب والخنزير؛ لأن الانتفاع بالخنزير لا يحل حال.
وأما الكلب فلا يجوز الانتفاع به إلا فيما أذن فيه من اقتنائه للصيد والماشية والزرع وهذا غيره فلا يحل استعماله.
وحكى الداركي عن أبي إسحاق رحمه الله أنه قال: أراد به الجلود المدبوغة واستثنى جلد الكلب والخنزير، لأنهما لا يظهران بالدباغ، قال: وقول الشافعي رحمه الله لأنه جنة الفرس، ولا تعبد على قوس، أراد به أن لبس الجلود في الحرب مكروه للرجل، لأنا نحتاج أن ننزعها من الشهيد، والمستحب أن يدفن الشهيد على حاله بخلاف الفرس، فإنه لا تعبد عليه فلا يكره له أن يلبسه إياه، وأما غير المدبوغ من جلود الميتة فكما يلزمه لبسه في نفسه يكره لبسه في فرسه وأداته، ولو خالف لا يحرم إلا للصلاة، وذا غلط لأن الشافعي صرح في "الأم" فقال: ليس كل جلد طاهر، وهو جلد ما يؤكل لحمه إذا كان ذكيا، وإن كان جلد ميتة أو جلد ما لا يؤكل لحمه فإنه يلبسه فرسه، ولا يلبسه هو إلا أن يدبغ لأنه يكره للإنسان حمل النجاسة ولبسها "198 ب/3" بلا ضرورة.
وأما إذا اضطر عند الحرب فيجوز لبس كله في نفسه وأدته، وإن كان جلد الكلب والخنزير.
الجزء: 2 - الصفحة: 453