بحر المذهب للرويانيصفحات 269-308

القديم فيه طرق كما ذكرنا في الإغماء.
وذكر القاضي أبو علي البندنيجي أن المذهب هو قوله القديم ذكره في البويطي أيضًا.
وقيل في المسألة وجهان وكلاهما غلط ولو امتد الإغماء إلى الليلة القابلة واليوم بعد..... 1 وإن أفاق في بعضه لفقد النية من الليل، وعند أبي حنيفة لو كان قبل الزوال فنوى فإنه يصح صومه.
مسألة: قال 2: وَإِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فَلا صَوْمَ عَلَيْها فإذَا طَهُرَتْ قَضِيت الصَّومَ.
وهذا كما قال لا يصح الصوم من الحائض ولكن يلزمها في ذمتها، ومعنى قوله فلا صوم عليها أي: لا يصح منها مباشرة الصوم [304 أ/4] في الحيض ولو قصدت الصوم تأثم ثم إذا طهرت قضت الصوم ولا تقض الصلاة إلا ما أدركت في وقت العذر والضرورة وهذا إجماع.
وروت معاذة العدوية عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يصيبنا الحيض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" وإنما افترق حكم الصوم والصلاة في ذلك لأن الصوم لا يشق قضاؤه لأنه في السنة مرة واحدة والصلاة تكثر ويشق قضاؤها فافترقا.
مسألة: قال 3: وأحبُّ تَعْجِيلَ الفِطْرِ وَتَاخِيرَ السّحورِ.
وهذا كما قال: يستحب ذلك إذا تحقق الأمر وهو بقاء الليل أو دخوله لما روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور" 4 وروي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من سنن المرسلين تعجيل الفطر وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال في الصلاة" 5، وروي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: "كنت أتسحر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [304 ب/4] ثم أقوم إلى الصلاة فقيل له كم كان بينهما قال قدر قراءة خمسين آية" 6. وروي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت رضي الله عنه تسحرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فقيل لأنس كم كان بينهما فقال: "قدر ما بينهما قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية" 7 وفي تأخير السحور تقوية على الصوم ولهذا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الغداء فقال لبعض أصحابه - وهو العرباض بن سارية-: "هلم إلى الغداء المبارك" 8. وفي تعجيل الفطر مخالفة اليهود والنصارى لأنهم يؤخرون الإفطار.

واعلم أنا نريد بتعجيل الإفطار الأكل والشرب لأن الإفطار يحصل بغروب الشمس من طريق الحكم لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أدبر النهار وأقبل الليل وغابت الشمس فقد أفطر الصائم"، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحقق الفطر بفعله حتى يوافق فعله الحكم ويحصل به الشارع إلى قبول الرخصة وإظهار الفرق بين الوقتين وقت الإمساك ووقت الفطر، فلو أخر قال في "الأم" 1: إذا تعمد [305 أ/4] ذلك ورأى الفضل في تأخيره كرهت ذلك وإن لم ير ذلك فلا بأس لأنه لا يصير صائمًا بالليل وإن نواه ولو شك في طلوع الفجر الثاني، قال في "الأم" 2: أستحب له قطعه والامتناع منه، قال أصحابنا: ويكره له الأكل ولكنه يجوز لأن الأصل بقاء الليل.
وأعلم أن السحور سنة لما روي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تسحروا فإن في السحور بركة" 3. وروي ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استعينوا بقايلة النهار على قيام الليل وبأكل السحور على صيام النهار" 4. فرع قال في "سنن حرملة" أحب أن يفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء والأصل فيه لما روي سلمان بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء فإنه طهور" 5، وروي أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم يكن فعلى تمرات فإن لم يكن حسا حسوات من الماء" 6. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر [305 ب/4] على تمر زيد في صلاته أربع مائة صلاة" 7. فرع آخر يستحب في زماننا هذا أن يفطر بكف من الماء يأخذه بيده من نهر ليكون أبعد من الشبهة فإن الشبهات كثرت فيما في أيدي الناس قاله القاضي الحسين.

فرع آخر قال في "سن حرملة": وأحب للصائم أن يدعو عند إفطاره فإن له دعوة مستجابة.
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" 1، وكان يقول في رواية ابن عمر إذا افطر: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله" 2، وروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول إذا أفطر: "يا واسع المغفرة أغفر لي" 3، وري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قدم أحدكم عشاه فليذكر أسم الله تعالى وليقل اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك وبحمدك تقبل منا إنك أنت السميع العليم".
فرع آخر قال أصحابنا: يستحب أن يفطر الصائم لما زيد بن خالد الجهيني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فطر صائمًا فله مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم [306 أ/4] شيء" 4.وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: "من فطر صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره" 5 هذا إن قدر عليه فإن لم يقدر يفطره على تمرة أو شربة من الماء أو اللبن، لما روى أن واحدًا من الصحابة قال: "يا رسول الله ليس كلنا نجد نفطر به الصائم فقال: يعطي الله تعالى هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن" 6. فرع آخر جرت عادة بعض الناس بترك الكلام في شهر رمضان وليس له أصل في الشرع، والرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يفعلوا إلا أن له أصلًا في شرع من قبلنا، قال الله تعالى لزكريا عليه السلام ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًا﴾ [مريم: 10]، وقالت مريم عليها السلام ﴿إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنسِيًا﴾ [مريم: 26]، وقد قال بعض أصحابنا إن شرع من قبلنا يلزمنا فيكون هذا قربة تستحب.
ومن قال: إنه لا يلزمنا شرع من قبلنا قال: هذا لا يستحب.
مسألة: قال 7: وإذا سافر الرجل بالمرأة [306 ب/4] سفرًا يكون ستة وأربعين ميلا بالهاشمي كان لهما أن يفطرا.

الفصل وهذا كما قال قد ذكرنا حد السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر فإذا خرج إلى مثل هذا السفر له أن يفطر فيأكل أو يجامع وهذا لقوله تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "غن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" 1. وقال أحمد: لا يجوز الإفطار بالجماع وإن جامع وجبت عليه الكفارة لأنه أبيح له الأكل والشرب للحاجة إليه ولا حاجة به إلى الجمال وهذا غلط لأنه لو كان لا يحتاج إلى الأكل فأجل فجاز له صوم يجوز أن يفطر فيه بالأكل يجوز أن يفطر فيه بالجماع كصوم التطوع، وإن صام في سفره أجزاه.
وروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إن صام في السفر قضى في حضر وبه قال داود وقال يحرم عليه الصوم.
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم "ليس البر الصيام في السفر 2 كالمفطر في الحضر"، وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الإسلامي قال للنبي صلى الله عليه وسلم [307 أ/4]: يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر فقال: "صم إن شئت وأطر إن شئت" 3. وروى عن أنس قال: "سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصام بعضنا وأفطر بعضنا فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة فر رمضان فلما انصرفنا قال لي:"ماذا فعلت قلت: صمت وما أفطرت وأتممت وما قصرت فقال: أحسنت" 4 ولأن من لا يترك الصلاة لا يكون فطره عزيمة كالمريض.
وأما الخبر الأول قلنا روى ابن المنذر بإسناده عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى زحاما على رجل قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم فقال: هذا وعندنا إذا أضعفه الصوم لا يكون له الصوم برآ.
وأما الخبر الأخر أراد من لم ير الفطر رخصة في السفر كمن لم ير الصوم في الحضر، وروى؟ أنهم كانوا في الحرب فأمرهم بالفطار ليتقووا على عدوهم في الحرب فصام قوم منهم فقال: هذا وقال أيضًا: أولئك العصاة وأما الأفضل فإنه إن كان يلحقه [307 ب/4] مشقة شديدة في الصوم فالأفضل له الفطر، وإن كان لا يلحقه ذلك فالأفضل له الصوم.
وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري وأبو ثور وروى ذلك عن أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص.
وروى عن ابن عباس وابن عمر المسيب رضي الله عنهم وأنهم قالوا: الفطر أفضل بكل حال، وبه قال الاوزعي والشعبي وأحمد وإسحاق كالقصر أفضل من الإتمام، وروى هذا عن مالك أيضًا وهذا غلط لما روى يلمه بن المحبّق رضي الله

عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من كانت له حمولة تتساوى غلى شبع فليصم حيث أدركه " 1، ورزة أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أفطرت فرخصة الله، وإن صمت فهو أفضل"، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصوم في السفر أفضل" ولأن من خير بين الصوم والإفطار كان الصوم له الأفضل كالمتطوع".
وأما القصر فيه قولان، أحدهما: الإتمام أفضل وإن سلمنا وهو الصحيح فإنه لا يلزم القضاء الركعتين المتروكتين يلزم القضاء ها هنا في الذمة في الذمة فافترقا.
فرع قال بعض أصحابنا [308 أ/4] بخراسان: لو أفطر المسافر بالجماع غير مترخص به فيه وجهان: أحدهما: لا تلزمه الكفارة لأن هذا الصوم غير لازم فهو كالمترخص.
والثاني: تلزمه الكفارة وبه قال أحمد لأنه إذا لم يترخص صار كمقيم جامع فأفسد صومه فهو كما لو نوى القصر مترخصًا جاز ولو بدا له أن يتم في خلال الصلاة فقام بنية الإتمام جاز، ولو قام متعمدًا لا بنية الإتمام بطلت صلاته، والأول أظهر وأصح.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله أن الحامل إذا كانت سافرة فأفطرت نظر فإن كان للترخص برخصة السفر لا يلزمها الفدية، وإن كان للولد يحتمل وجهين، أحدهما: لا يلزمها أيضًا لأن الفطر جائز لها لا لأجل الولد.
والثاني: يلزم كالشيخ الهرم إذا أفطر في السفر، والأول أصح.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله أيضًا إذا وطئ امرأته الحامل وهي ممن يباح لها الفطر للولد فلا كفارة عليها وإن قلنا تلزم الكفارة على المرأة لأن الفطر مباح لها في الجملة كالمسافرة فإن قيل هل يباح لها الفطر على هذا الوجه قلنا الأوضح أنه مباح كحالة السفر ولا يصح أن يقال الفطر] 308 ب/4] إنما أبيح للولد فلا يباح إلا بما يعود نفعه إلى الولد وليس في الجماع نفعه لأن الفطر إذا أبيح بجهة فلا تخصيص، كما في المسافر أبيح له الفطر ليقوى على السفر ثم له أن يجامع.
وإن لم يكن فيه هذا المعنى قلت: ويحتمل وجهًا آخر قياسًا على ما تقدم من الوجه في المسافر إذا جامع غير مترخص به.
فرع آخر ذكره والدي أيضًا إذا شرع السافر في صوم رمضان ثم نذر الإتمام، قال: عندي لا يلزمه الإتمام لأن الإيجاب شرعًا هو أقوى من الإيجاب نذرًا وذلك لا يوجب الإتمام

ولهذا أنه لو نذر المسافر أن يقصر الصلاة أو يتمها لم يتغير الحكم بهذا النذر لأن الإيجاب الشرعي إذا لم يوجب أحد هذين على التعيين لم يصح التعيين فيه بجهة النذر.
وقال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله ويحتمل عندي..... 1 أدخل المسافر في الصوم أن يفطر بعده لأنه دخل في فرض المقيم كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام ثم أراد القصر لا يجوز ولم يقله غيره.
مسألة: قال 2 وليس لأحد أن يصوم في شهر رمضان نذرًا الفضل وهذا كما قال [309 أ/4] وفي نسخة دينا أراد بقوله دينًا صومًا كان عليه دينًا عن كفارة أو نذرًا وغيرهما ثم قال ولا قضاء لغيره وأراد قضاء رمضان غيره.
وجملته: أن عندنا لا يجوز للمسافر أن يصوم عن غير رمضان بحال لأن زمان رمضان هو مستحق لصوم رمضان وحده فلو نوى المسافر صومًا آخر لا ينعقد له ذلك الصوم ولا صوم رمضان.
وقال أبو حنيفة: له أن يصوم عن النذر والقضاء والكفارة وعن التطوع روايتان، وخالفه أبو يوسف ومحمد وقالا ت يقع عن رمضان وهذا غلط لأنه يجوز له الإفطار للعذر فلا يجوز له أن يصوم عن غيره كالمريض والشيخ الهرم.
مسألة: قال 3: وإن قدم رجل من سفره نهارًا مفطرًا كان له أن يأكل حيث لا يراه أحد.
وهذا كما قال الأصل في هذا الباب هو أن كل من لم يلزمه صوم أول النهار ظاهرًا وباطنًا لا يلزمه إمساك باقي النهار، فإذا قدم المسافر في نهار رمضان بلده أو بلدًا يريد المقام فيه غير بلده فإن كان مفطرًا أو تاركًا للنية يستحب له أن يمسك باقي النهار ولا يلزمه ذلك وهكذا المريض [309 ب/4] إذا بدأ في أثناء النهار والحائض والنفساء إذا طهرتا في أثنائه، والصبي يبلغ، والمجنون يفيق، والكافر يسلم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الصحيح في الحائض أنه لا يلزمها التشبه لأن عذرها أعظم.
ونص في "حرملة" أن الكافر إذا أسلم كان الكفر بمنزلة الأعذار.
وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم "يجب ما قبله".
وبه قال مالك وأبو ثور وداود وأحمد في إحدى الروايتين، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يجوز لهم أن يأكلوا في بقية النهار وهذا غلط لأنه أبيح له الإفطار ظاهرًا وباطنًا فإذا أفطر كانت له استدامته إلى آخر النهار كما لو داوم عذره.
ومن أصحابنا من قال: يجب الإمساك على الصبي والمجنون إذا بلغ وأفاق وكذلك على الكافر إذا أسلم لأنه لا يجب القضاء عليهم، ولأن الكافر كان مخاطبًا بالصيام مفرطًا بتركه.
وقال القفال: هل يلزم قضاء ذلك اليوم على هؤلاء وجهان: فإن قلنا يلزمهم القضاء لا يلزمهم التشبه.

وإن قلنا لا يلزمهم القضاء فيلزمهم التشبه، ومن أصحابنا بخراسان من قال: فيه أربعة أوجه، [310 أ/4] اثنان: وهو ما ذكرنا، والثالث: يلزم الكافر التشبه وحده دون الصبي والمجنون لأنه غير معذور.
والرابع: يلزم الكافر والصبي ذلك دون المجنون لأنه يصح منهما الصوم إذا أتيا بالشرائط، بأن ينوي الصبي ويسلم الكافر وينوي، والمجنون لا يمكنه ذلك فكان معذورًا.
ومن أصحابنا من فال في المريض: إذا صح أنه يلزمه الإمساك، بخلاف المسافر لأنه أبيح له الفطر لعجزه عن الصوم.
فإذا زال العجز ارتفع معنى الإباحة فيلزم الإمساك والمسافر يفطر وإن أطاق الصوم وهذا هو اختيار البصريين من أصحابنا وقالوا: هذا أشبه ذكره في "لحاوي" 1 ونص في "البويطي" في المغمى عليه يفيق ليس عليه الإمساك فلا يصح هذا التخريج على المذهب.
وحصل خمسة أوجه في الجملة والمنصوص ما تقدم.
وقال الشافعي: وإن كانت امرأته حائضًا فطهرت أي امرأة هذا القادم قد طهرت في هذا اليوم كان له أن يجامعها ولو ترك ذلك كان أحب إلىَّ أيْ: للاحتياط أو الخروج من الخلاف ثم اعلم أن الشافعي قال: له أن يأكل حيث لا يراه أحد لا لأنه لا يجوز له الأكل حيث يراه الناس ولكن [310 ب/4] لئلا يتهم بأنه ترك فرض الله تعالى إذ ليس كل أحد يعلم إباحة الأكل له.
فرع قال بعض أصحابنا؛ إذا تبين يوم الشك أنه من رمضان ولم يكن أكل فحكي البويطي عن الشافعي أنه قال: أحببت له الإمساك لأنه أصبح ولم يكن الفطر محرمًا عليه ولو كان أكل، فإن قلنا هناك لا يحرم الأكل فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك يحرم الأكل فهل يحرم هاهنا؟ وجهان، والصحيح أنه يحرم لأنه بان أنه لم يكن الأصل مباحًا وعلى هذا فإذا قلنا أنه يلزمه الشبه يلزمه القضاء على الفور، لأن قلنا لا يلزمه التشبه فالقضاء على التراخي.
فرع لو دخل المسافر أو المريض في الصوم ثم زال العذر في أثناء النهار فظاهر ما ذكره في المختصر أنه يلزمه الإتمام ولا يجوز له أن يفطر لأنه قال.
لأن قدم من سفره نهارًا مفطرًا فشرط أن يقدم مفطرًا، وبه قال أبو إسحاق وهذا لأن عذره زال قبل الترخص فهو كالمسافر إذا أقام قبل أن يقصر الصلاة لم يجز له القصر، وهذا هو الصحيح.
وقال القفال: لا خلاف فيه، وقال ابن أبي هريرة: يجوز له الإفطار وهو القياس.
[311 أ/4] وقيل نص عليه في البويطي لأنه لما أبيح له الإفطار في أول النهار مع علمه

بالحال بقيت الرخصة إلى آخر النهار كما لو أفطر ثم أقام فحصل قولان وقيل وجهان، وهو غلط.
وقال يعض أصحابنا بخراسان: إن أصبحا تاركين للنية لم يكونا أكلا فزال العذر هل يلزم التشبه لأنه لم يلحقه الرخصة في السفر.
لأن أكلا لم يلزم التشبه، وإن صاما فلا يجوز الفطر وهذا لا يصح لأنه إذا لم ينو من الليل كان مفطرًا، ولو شرع الصبي في المحرم ثم بلغ لا يلزمه الإتمام قولًا واحدًا.
وفي هذا نظر لأنه ليس من أهل اللزوم وقت الشروع وذكر في "الشامل" في المريض إذا صام ثم زال المرض لا يجوز أن يفطر قولًا واحدًا ولا وجه للفرق بينه وبين المسافر عندي.
فرع آخر هل يثابون على الإمساك في بقية النهار فيه ثلاثة أوجه: احدها: لا يثابون لأنه لا يعتد به، والثاني: وهو الأصح يثابون عليه لأنهم يستحقون العقاب بتركه، والثالث: أنهم لم يكونوا مفرطين بالفطر، فإنهم يثابون عليه وإلا فلا عقوبة على تعديه [311 ب/4].
مسالة: قال 1: ولو أن مقيمًا نوى الصوم قبل الفجر ثم خرج بعد الفجر مسافرًا لم يفطر يومه.
وهذا كما قال إذا أصح في رمضان وهو مقيم صائم ثم سافر ذلك اليوم لا يجوز له أن يفطر في بقية اليوم بخلاف ما إذا مرض لأن المرض ضرورة والسفر اختيار، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والنخعي ومكحول والزهري وأبو ثور، وقال إسحاق وداود والمزني وابن المنذر وهو رواية عن أحمد: يجوز له الفطر وهذا غلط لأنه عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا أنشأه في الحضر ثم سافر فوجب أن يغلب حكم الحضر كالصلاة.
واحتج المزني بما روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم صام في مخرجه إلى مكة في رمضان حتى بلع كراع الغميم وصام الناس معه ثم أفطر وأمر من صام معه بالإفطار" 2، فلو كان لا يجوز له الفطر ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ما أفطر.
قلنا ظن المزني أن كراع الغميم قريب من المدينة وأن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح في المدينة ثم خرج إلى كراع الغميم فأفطر وليس كما توهم بل بين المدينة وبين كراع الغميم ثمانية أيام فصام رسول الله [312 أ/4] صلى الله عليه وسلم في السفر مع الناس ثم أفطر في هذا اليوم حين رأى رجلًا يظلل عليه وينفح بالماء فقال: ما ذاك؟ فقيل: صائم جهده الصوم فأفطر وأمر الناس بالإفطار، وقيل: لما احتج المزني بهذا الخبر قيل: له هذا فقال: خطوا عليه وفي بعض النسخ خط عليه وفي بعضها لم يخط وأمر بالخط على هذا الاحتجاج لا على مذهبه، وقيل خط على مذهبه في المنثور ووافق الشافعي، فإذا تقرر ما ذكرنا فلو خالف فأفطر فإن أفطر بالأكل فلا كفارة ووجب القضاء لأن أفطر بالجماع يلزمه القضاء والكفارة.
وقال أبو حنيفة ومالك في رواية أنه لا كفارة وكذلك عبد الملك إذا أنشأ الصوم في الفر ثم أفطر ففي

الكفارة روايتان وهذا غلط لأن الفر الذي لا يبيح الفطر لا يسقط الكفارة كالسفر القصير.
فرع لو شك هل سافر قبل طلوع الفجر أم بعده؟ ليس له أن يفطر لأنه في شك من تقدم السفر وبالشك لا تباح الرخص.
فرع آخر لو قدم من سفره مفطر فجامع امرأته وهي صائمة فإنه يلزمه الكفارة عنها فلو حاضت في آخر النهار فإنه تسقط الكفارة عنه في الصحيح من المذهب.
وقال في اختلاف العراقيين:] 213 ب/4] قد قيل عليه عتق رقبة، وقيل لا شيء عليه فحمل قولان: لا يسقط، وبه قال مالك وابن أبى ليلى وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود قياسًا على ما لو جاع ثم سافر سفرًا يبيح له الفطر.
والثاني: يسقط، وبه قال أبو حنيفة والثوري لأنه خرج هذا اليوم من أن يكون صومه مستحقًا فلا كفارة وهكذا الخلاف إذا وطئ في أول النهار وطئًا يوجب الكفارة ثم جن في آخر النهار أو مات أو مرضًا يبيح له الفطر وقيل في الجنون والحيض الصحيح إنما تسقط؛ لأن الجنون ينافي الصوم فقد بان أنه لو لم يفطر ما كان يحصل له الصوم بخلاف المرض وقوله إنه غير مستحق لا نسلم بل كان الصوم مستحقًا قبل وجود هذا القدر.
وقال زفر: الحيض والجنون يسقطانها والمرض لا بمثلها لأن المرض لا يبطل الصوم بخلاف الحيض والجنون وهذا غلط لأن هذا السفر الطارئ لا يبيح له الفطر وهو إلى اختياره بخلاف ذلك.
مسألة: قال 1: ومن رأى الهلال وحده وجب عليه الصيام.
وهذا هو كما قال: إذا رأى هلال رمضان وحده يلزمه أن يصوم [313 أ/4] سواء شهد عند الحاكم فرد شهادته أو لم يشهد بلا خلاف.
وقال عطاء والحسن وشريك وإسحاق لا يلزم الصوم حتى يحكم الحاكم برؤية الهلال وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، ولم يعتبر حكم الحاكم ولأنه إذا رأى الهلال بنفسه فقد تعين دخول رمضان وإذا شهد الشهود عرف ذلك بغلبة الظن،.
فإذا لزم هناك فهاهنا أولى فإذا تقرر هذا فلو فطر في هذا اليوم بالجماع فإنه يلزمه الكفارة.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة لأنها تسقط بالشبهة وهذا غلط لأن هذا اليوم قد لزمه صومه من رمضان فتلزمه الكفارة بالجماع فيه كما لو قبلت شهادته.
مسألة: قال 2: فلا رأى هِلاَلَ شَوَّالَ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأكُلَ حَيْثُ لا يراه أحد.

وهذا كما قال: إذا رأى هلال شوال وحده ورد الحاكم شهادته حل له أن يأكل حيث لا يراه أحد وهذا لئلا يلحقه إنكار من السلطان وممن لا يعرف حاله، وقال أبو حنيفة: لا يحل له أن يفطر بل عليه أن يصوم مع الناس فلو أفطر فلا كفارة.
وقال مالك وأحمد لا يحل له [313 ب/ 4] الفطر ويخالف الابتداء للاحتياط وهذا غلط لأنه تبقيه من شوال فجاز له الأكل كما لو قامت البينة.
وأما الاحتياط الذي ذكره فإنه ينتقض به إذا شك في الفجر يجوز له الأكل بالجماع والاحتياط بالإمساك.
فرع لو رئي هذا الرجل يأكل فقال: كنت رأيت الهلال فإنه لا يعذر بل يعزر ولا يبلغ بالتعزيز الحد إلا أن يكون فطره بشرب الخمر فيحد ويندرج التعزيز تحته وإن أراد أن يشهد الآن لا تقبل شهادته لأنه منهم في دفع التعزيز عن نفسه ولا تقبل شهادة الظنين وهو المتهم والأصل في مثل هذا ما روي "أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه استأذن على عمر رضي الله عنه فلم يجبه أحد فأعاد الاستئذان مرة ثانية وثالثة فلم يجبه أحد وكان عمر في بيته مشتغلًا ببعض أشغاله ويسمع صوته فانصرف أبو موسى فبعث عمر في أثره وقال: ما دعاك إلى الانصراف فقال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الاستئذان ثلاث مرات فإن أذن لكم وإلا فانصرفوا 1، فقال ائتني بمن يشهد لك وإلا [314 أ/4] أذيتك فانصرف أو موسى إلى الأنصار وقال: من يشهد لي فقالوا: لا يقوم معك إلا أصغرنا فقام أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فشهد بذلك عند عمر رضي الله عنه لأبي موسى فقال: عمر لأبي موسى: أما أني لا أتهمك ولكن خشيت أن لا أراجع أحدًا في أمر إلا ويروي لي خبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبل رواية أبي موسى لأنه أراد أن يدفع عن نفسه بذلك عتاب عمر رضي الله عنه ذكره القفال.
مسألة: قال 2: وَلاَ أقْبَلُ علي رُؤيَةِ الهِلاَلَ للفِطْرِ إلاَّ عدلين.
قال المزني: هذا يقضي لأحد قوليه أن لا يقبل في الصوم إلا عدلان وقد ذكرنا هذا فيما تقدم واختيار المزني السوره بين الطرفين في الشهادة والفرق ظاهر وهو أن التهمة متمكنة في الطرف الأخير دون الأول.
مسألة: قال: 3 وإن صحا قبل الزوال أفطر وصلى بهم.
وهذا كما قال: أراد بقوله: صحا أي: صحت عدالة الشاهدين على رؤية الهلال قبل الزوال من يوم الثلاثين وإذا صح ذلك أفطر، وهذا يقضي صلاة العيد، واحتج بأنه لا يقضي [314 ب/4] بعد الزوال ولا يقضي بعد شهر وقد ذكر بعض أصحابنا..... 4 وقال القفال: عندي ينبنى القولان في قضاء صلاة العيد على أن صلاة العيد كالجمعة لا تُقضى أو كسائر النوافل هل يقضي وفيه قولان.

مسألة: قال 1: وَمَنْ كَانَ عَلَيهِ صوم رمضان لسفر أو مرض فلم يقضه يقدر عليه حتى دخل شهر رمضان آخر كان عليه أن يصوم الشهر ثم يقضي من بعد الذي عليه ويكفر لكل يوم بعد.
وهذا كما قال: كل من أفطر في رمضان بعذر أو بغير عذر وأوجبنا عليه القضاء فوقت القضاء ما بين رمضان الذي يقضيه وبين رمضان الذي يليه كان قضاؤه في وقت القضاء فلا شيء عليه وإن أخره عن وقته فإن كان لعذر مثل أن استدام السفر أو اتصل به المرض قضاه ولا شيء عليه وإن كان بغير عذر صام الشهر الذي أدرك عن فرضه ولا يجوز له إيقاع القضاء فيه كما يتذكر الفائتة في وقت لضيق الحاضرة فليس له الاشتغال بالفائتة وقضى الذي أفطر ولا يسقط عنه بتداخل الأحوال وعليه لكل يوم لأجل التأخير مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم.
[315 أ/4] يتصدق به على مسكين واحد، ولا يجوز أن بدفع إلى مسكينين ولو دفع مدين ليومين إلى مسكين واحد جاز بخلاف ما لو دفع مدين من كفارة بمد إلى مسكين واحد لم يجز.
والفرق: هو أن كل مد يوم من رمضان كفارة على حدة فكأنه أعطاه من كفارتين بخلاف ذلك وبه قال مالك والثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة والزهري، وقال يحيى بن أكثم القاضي وحدثه عن ستة من الصحابة ولم يذكر أسماءهم.
وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه وهو اختيار المزني وهذا غلط لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر في رمضان لمرض فلم يقضه حتى دخل رمضان آخر صام الذي أدركه وقضى ما فاته وأطعم عن كل يوم مسكينًا" 2، وقال بعض أصحابنا إنما قيد الشافعي من كان عليه ذلك بسفر أو مرض لأن من أفطر بغير عذر يتضيق عليه القضاء عند الإمكان ومن أفطر بعذر كان في فسحة من قضائه إلى رمضان آخر لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يكون علي الصوم من [315 ب/4] شهر رمضان فلا أقضيه لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدخل شعبان" 3 وهذا خلاف ما عليه أهل العراق.
فرع لو أخره سنتين أو ثلاث فيه وجهان: أحدهما: يجب لكل سنة مد قياسًا على السنة الأولى، وبه قال عامة أصحابنا واختاره القاضي الطبري وهذا لأن كل واحد من المتأخرين لو انفرد لوجب المد فإذا اجتمعا لم يتداخلا.
الثاني: وبه قال ابن سرج يكفيه مد واحد لأن القضاء موقت بما بين رمضانين فإذا آخر عن السنة الأولى فقد أخره عن وقته فوجب الكفارة وهذا المعنى لا يوجد فيما بعد السنة الأولى فلم يجب بالتأخير كفارة، قال القاضي أبو علي البندنيجي: هذا هو المذهب والوجه الآخر ليس بشيء وهذا أظهر عندي.

فرع آخر ذكره والدي رحمه الله لو كان عليه قضاء يوم من رمضان فلما طلع الفجر من اليوم الثاني من شوال سافر بعده وامتد السفر إلى رمضان ثان ولم يقض، هل تلزمه الفدية؟ يحتمل أن يقال يجب كفارة التأخير لأن السفر الحادث بعد الفجر لا يمنع وجوب الكفارة بالجماع لأنه لو سافر بعد طلوع [316 أ/4] الفجر لا يجوز الفطر ولو جامع فيه يلزمه الكفارة فلا يمنع أيضًا وجوب كفارة التأخير لأن كل واحدة من الكفارتين تسقط عند وجود العذر وتلزم عند فقده ويحتمل أن يقال: لا يلزم الكفارة لأن حكم القضاء أضعف من حكم الأداء، قلت: هذا أصح عندي لأنه لم يحصل إمكان القضاء فلا يلزم الفدية إلا بوجود القضاء.
مسألة: قال 1: فإذا مات أطعم عنه.
وهذا كما قال: إذا أفطر في رمضان لعذر سفر أو مرض فلم يقض حتى مات.
قال الشافعي: في كتبه القديمة يصوم عنه وليه، وقال فيه إن صح الخبر قلت به وقد صح الخبر فحصل قولان: أحدهما: لا يصوم عنه وليه وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري.
وقال مالك لا يلزم الولي أن نطعم عنه أيضًا حتى يوصي بذلك.
وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم ووجهه ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين" 2 ولأن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة فكذلك بعد الموت كالصلاة.
والثاني: يصوم عنه [361 ب/ (4)] وليه.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ركبت امرأة البحر فنذرت أن الله تعالى إن نجاها أن تصوم شهرًا فأنجاها الله تعالى فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إلى النبي.
فذكرت ذلك له فقال لها: "صومي عنها" 3، ولأنها عبادة يدخلها الجيران بالمال فجاز أن يدخلها النيابة بعد الوفاة كالحج وهذا غلط لأن في الخبر كلامًا لأن صح يحمله على أنه أراد به أدى عنه وليه ما يقوم مقام الصوم بدليل خبرنا، ولا يجوز قيامه على الحج لأنه يجوز الاستئجار عليه بخلاف هذا وروي عن أحمد وإسحاق، أنه إن كان صوم نذر صام عنه وليه وإن كان صوم رمضان أطعم عنه جمعًا بين الخبرين، وهذا أيضًا غلط لأنه لا فرق في القياس بينهما وعندنا كل صوم وجب عليه ثم مات بعد إمكان الأداء، فحكمه الإطعام عنه.
وذكر في " الحاوي" 4 عن أحمد

وإسحاق وأبي ثور أنه يصوم عنه وليه في صوم رمضان إن شاء أو يستأجر من يصوم عنه.
ومن أصحابنا من قال: المسالة على قول واحد وأنكر أصحابنا [317 أ/4] أن يكون قوله القديم مذهباً له فإذا قولنا بقوله القديم بعض أصحابنا: يصوم عنه وارثه أي قدر كان.
وقال بعضهم: لو أمر أجنبياً في أحد فصام عنه بأجره أو بغير أجرة فإنه يجوز كالحج عن الميت يجوز من الأجنبي في أحد الوجهين.
وإذا قلنا بالمذهب لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يموت قبل فوات وقت القضاء وهو بعد دخول رمضان آخر فإن مات قبل فوات القضاء أطعم عنه وليه عن كل يوم مسكينا مداً.
وعند أبي حنيفة يطعم صاعاً من تمر أو نصف صاع من برَّ إن أوصى به وهذا غلط لما روينا في الخبر أطعم عنه كل يوم مد وإن مات بعد فوات وقت القضاء فيه وجهان: أحدهما: انه يطعم عنه وليه عن كل يوم مدين مداً عن الصوم ومداً عن التأخير وهو الصحيح من المذهب لأن كل واحد منهما لو انفرد فإنه يوجب مداً.
والثاني: قاله ابن سريج، وبه قال مالك يجزيه مد واحد لأنه إذا أخرج بدل الصوم فقد زال التفريط بالتأخير فلم يجب لأجله شيء وحكي عن ابن سريج أنه قال يجزيه مد التأخير ويسقط المد الذي [317 ب/4] هو بدل عن الصوم وهذا غلط عليه وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر في رمضان بمرض فلم يصمه حتى مات أطعم عنه كل يوم مدان" 1، فأراد ما ذكرنا وغن كان هذا الموت قبل أن يتمكن من القضاء بان أفطر في السفر، ثم استدام المرض حتى مات فلان شيء.
وحكي عن طاووس، وقتادة أنهما قالا: يجب الإطعام عنه.
وهذا غلط لأن العبادة تجب عند وجود شرط الوجوب، ولكن لا يستقر غلا بإمكان الأداء كالصلاة، وها هنا لا تستقر فتسقط بالعذر، فإن قيل: أليس يلزم الفدية على الشيخ الهم مع العجز؟ قلنا: لا يجوز ابتداء الوجوب عليه بخلاف الميت.
فرع لو كان عليه قضاء عشرة أيام فاخرها حتى بقي بينه وبين رمضان خمسة أيام هل يجب في الحال فدية خمسة أيام قبل دخول رمضان حتى لو مات يقضي من تركه فدية التأخير؟ فيه وجهان: أحدهما: نحكم بالوجوب لانا غرفنا عجزه عن القضاء قبل رمضان.
والثاني: لا نحكم بوجوب لأنه لم يدخل وقت مثله.
[318 أ/4] وأصل هذا إذا قال: والله لأشربن هذا الماء غداً فأنسي اليوم هل يحل حانثا في الحال؟ وجهان.

فرع إذا أدرك رمضان آخر وأخر القضاء.
فإن قلنا: يصوم عنه وليه يصوم يوماً مكان يوم ويخرج مد التأخير.
وإذا قلنا يطعم عنه فقد مُد بدلاً عن الصوم، ومدُ بالتأخير هل يتداخلان؟ وجهان، أحدهما: يتداخلان لأنهما لله تعالى والجنس واحد.
والثاني: لا يتداخلان بينهما.
فرع آخر ذكره والدي- رحمه الله- لو كان عليه قضاء يومين فتمكن من قضاء أحد اليومين، وبقي الإمكان إلى نصف اليوم الثاني، ثم مات وجب الإطعام عنه لليوم الأول، وفي اليوم الثاني وجهان: أحدهما: يلزم الإطعام عنه.
والثاني: لا يلزم.
وأصل هذا إذا نذر صوم نصف يوم هل يلزمه صوم يوم أم لا يلزمه شيء؟ وفيه وجهان وهو في الكافر يسلم في أثناء اليوم.
مسألة: قال 1: "ومن قضى متفرقا أجزأه ومتتابعا أحب إليَّ".
وهذا كما قال، إذا كان عليه قضاء أيام من رمضان فالمحتسب أن [318 ب/4] يقضيها متتابعاً فإن قضاها متفرقاً أجزاه، وبه قال ابن عباس، ومعاذ وأبو هريرة، وأنس.
وقال علي وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم يجب قضاؤها متتابعا وبه قال النخعي والحسن وداود وروى أصحابنا بخرسان عن أحمد ولا يصح عنه بل مذهبه مثل مذهبنا.
وقال الطحاوي: التتابع والتفريق سواء وهذا غلط لأنه إذا تابع يكون فيه مبادرة إلى الطاعة، واحتجوا بما روي "أن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه" 2 وهذا غلط لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عليه شيء من قضاء رمضان فإن شاء صامه متتابعا وإن شاء صامه متفرقا" 3، ولأن صيام شهر رمضان يتابعها من حيث الوقت لا من حيث العبادة بدليل أن فساد بعضها لا يفسد الباقي، فإذا فات الوقت لا معنى لمراعاة التتابع فيه بخلاف صوم الشهرين في الكفارة وهذا بقضاء الصلوات يجوز من غير ترتيب لهذا المعنى.
وأما [319 أ/4] خبر عائشة فروي عنها أنها قالت: نزلت ﴿سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] متتابعات ثم سقط متتابعات 4 وهذا يدل على أنه صار منسوخا وأما الخبر الآخر فنحمله على الاستحباب.

مسألة: قال 1: ولا يصام يوم الفطر.
الفصل وهذا كما قال: روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه "نهى عن صيام ستة أيام" على ما ذكرنا فأما العيدان فلا يجوز صيامهما، ولا ينعقد الصوم فيهما وإن نذر صيامهما لا ينعقد النذر خلافا لأبي حنيفة حيث قال: ينعقد ويصوم يوما آخر ولو حلف بالطلاق أن يصوم يوم الفطر، قال بعض أصحابنا: لا يصح فيه الصوم وطلقت امرأته ولزمه الجنث..... 2 أمسك وفي زمان..... 3 كان احدهما: بمضي اليوم كله، والثاني: يحنث في الحال.
وأما أيام المنى وهي أيام التشريق قال في الجديد: لا يجوز صومها بحال فرضاً كان أو تطوعاً.
وقال في "القديم": يجوز للمتمتع أن يصوم الثلاثة فيها فإذا قلنا بهذا عل يجوز لغير المتمتع فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وإنما هو رخصة للمتمتع خاصة وبه قال مالك، وروي عن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: "لم يرخص في [319 ب/4] صوم أيام التشريق إلا لمتمتع لم يجد الهدي"، وقال أبو إسحاق: يجوز فيها كل صوم له سبب من نذر أو كفارة وقضاء او تطوع راتب.
فأما الصوم الذي لا سبب له لا يجوز بلا خلاف.
وأما صوم يوم الشك فقد ذكرنا.
فرع قال المزني: في "جامعه"، قال الشافعي: ولا يبين لي أن أنهي عن صيام يوم الجمعة إلا على اختياره لمن كان إذا صامه منعه عن الصلاة التي لو كان مفطراً فعلها وذهب أبو حامد وجماعة من أصحابنا إلى أنه يكره صومه منفردا لما روي أن أبا هريرة رضي الله عنه سأل عن صيام الجمعة فقال: على الخبير رجعت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن يوم الجمعة يوم عيد وذكر فلا تجعلوا عيدكم يوم صيامكم ولكن اجعلوه يوم ذكر إلا أن تخلطوا بأيام" 4. وروي عن أبي الأوبر أنه قال: كنت عند أبي هريرة فأتاه رجل فقال: يا أبا هريرة أأنت نهيت الناس أن يصوموا يوم الجمعة قال: لا لعمرو الله ما نهيتهم أن يصوموا يوم الجمعة ولكن ورب هذه الحرمة ثلاث مرات لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يصومن أحد منكم يوم الجمعة إلا أياما يصومه [320 أ/4] معها أو يصومها معه" 5. وروي عن أبي قتادة العدوي قال: ما يوم أكره إلي أن أصومه من يوم الجمعة............ 6 من يوم الجمعة، فقيل وكيف في أيام متتابعة لما أعلم من فضيلته وأكره أن أخصه من بين الأيام.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يكره فإن وصله بيوم

قبله أو بيوم بعده لم يكره لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يصومن أحدكما يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله او يصوم بعده"، وروي عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: "صمت أمس قالت: لا قال: وتريدين أن تصومي غداً قالت: لا قال: فأفطري" 1. وروي عن محمد بن عباد بن جعفر أن رجلا سأل جابر بن عبد الله وهو يطوف فقال أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم الجمعة قال: نعن ورب هذا البيت" 2، وبهذا القول قال أحمد وإسحاق وأبو يوسف واختاره ابن المنذر.
وقال بعض أصحابنا: هذا خلاف ما حكاه المزني عن الشافعي، وفي التحقيق مذهب الشافعي أن معنى النهي فيه أن يضعف عن حضور الجمعة والدعاء فيها فإن كان هكذا فإنه يكره له صومه وإلا فلا بأس، ومن أصحابنا من قال: إنما يكره لأنه يوم عيد كيوم الفطر وهذا [320 ب/4] ليس بشيء ولا يكره إقرار عيد من أعياد أهل الملل بالصوم كيوم الشعانين وفصح النصارى وفطر اليهود ويم النيروز ويوم المهرجان.
مسألة: قال 3: وإن بلع حصاة أو ما ليس بطعام.
الفصل وهذا كما قال الصائم إذا أكل أو شرب ما يعتاد أكله أو شربه أفطر بلا خلاف وإن أكل ما لا يؤكل في العادة أو شرب ما لا يشرب في العادة كابتلاع الحصاة أو الزجاجة أو التراب أو التبن، ونحو ذلك أفطر وبه قال العلماء.
وروي عن أبي طلحة الأنصاري أنه كان يستف البرد في الصوم ويقول: هذا ليس بطعام أو شراب وهذا غلط لقول تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: 187]، والصيام هو الإمساك عن كل شيء ولأنه ذاكر لصومه وصل إلى جوفه باختياره ما يمكنه الاحتراز عنه فيفطره كالمعتاد.
مسألة: قال 4: ولو احتقن أو داوى جرحه حتى وصل إلى جوفه.
الفصل وهذا كما قال: الحقن يفطر الصائم وقال مالك: إن كان كثيرا فطر وإلا فلا، وقال الحسن بن صالح وداود: لا يفطر به وإنما يفطر بما يصل إلى جوفه من فمه وهذا غلط لأنه وصل إلى جوفه باختياره مع ذكر الصوم ما يمكن الاحتراز منه فيفطره كما لو وصل من الفم فإن قيل: أليس قلتم: إنه لو حقن الصبي باللبن [321 أ/4] لا يثبت الحرمة في أحد القولين، فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن الرضاع لإنبات اللحم وانتشار العظم وذلك لا يحصل بالحقنة والفطر لوصول الواصل إلى حرف الجوف وقد وصل.

وأما إذا رزق في إحليله شيئا أو دخل فيه ميلاً أو قطعه يفطره قولا واحداً لأنه منفذ يتعلق الفطر بالخارج منه وهو المني ُّ يتعلق بالواصل إليه كالفم، ولا فرق بين أن يصل إلى مثانته أولاً.
ومن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا يفطره، وبه قال أبو حنيفة وأحمد لأن ما يصل إلى المثانة لا يصل إلى المثانة لا يصل إلى الجوف فصار كما لو أوصل إلى فمه لا يفطره.
وقال القفال: لا نص فيه والأظهر هذا واختاره القاضي الحسين، وقال القفال: الوجه الأول خرجه ابن أبي أحمد قال: ويفارق نقض الطهارة بخروج الخارج منه لأن ذلك بخروج الخارج من محل الحدث، والفطر بوصول الواصل إلى الجوف وهذا ليس بجوف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان إن وصل إلى المثانة فطره، وإن وصل إلى القضيب دون المثانة وجهان/ والمذهب الأول وهو المنصوص عند أهل العراق.
وأما إذا كانت في بطنه جراحة فداوها به واتصل إلى الجوف فطره سواء كان الدواء رطبا أو يابساً، [321 ب/4] وبه قال أحمد وأبو حنيفة.
وروى أصحابنا عن أبي حنيفة أنه كان رطبا فطره وإن كان يابساً لم يفطره وهذا لأن الغالب من الرطب أنه يصل إلى الجوف ومن اليابس أنه يقف ولا يصل إلى الجوف.
وعلى هذا يرتفع الخلاف، وقال مالك: لا بفطره وهذا غلط لما ذكرنا من العلة ولو أسقط الدهن أو غيره حتى وصل إلى جوف رأسه فطره، ويعني به إن تجاوز ذلك خياشيمه لا أن يصل إلى خريطة الدماغ، وهكذا إذا كانت برأسه شجة مأمومة فأوصل دواء ألى باطن الرأس وإن لم يوصل إلى باطن الأمعاء فطره.
قال أبو يوسف ومحمد لا يفطره لأنه يستعمله علاجاً لا اعتداء فجرى مجرى الضرورة، وقال الأوزاعي ومالك وداود السعوط لا يفطره إلا أن ينزل إلى حلقه وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً" فيرفق وهذه الحشية للفطر فأما إذا أوصل إلى ما ليس بجوف وإن كان له حكم الباطن لا يفطره مثل جراحه في فخذه أو يده فأوصل إلى باطنه شيئا وإن أوصل إلى باطن العظم حيث يكون فيه المخ وكذلك لو اقتصد وأوصل المبضع إلى باطن العرق ولو أوصل بالسعوط إلى باطن الأنف ولم يتصعد إلى جوف الرأس لا يفطره بخلاف [322 أ/4] ما لو غيب في إحليل الذكر فإنه يفطره، والفرق أن ذلك جوف بدليل أنه لو جرح جراحة وصلت إلى جوف الذكر كانت جائفة فوجب ثلث الدية ولو أجاف أنف رجل أو جلدة خده حتى وصل إلى فمه يجب الحكومة على الصحيح من المذهب ولو جرح نفسه بالسكين أو جرحه غيره باختياره حتى وصل إلى جوفه فطره، وقال أبو يوسف ومحمد وداود: لا يفطره.
وقال أبو حنيفة: إن وصلت الطعنة إلى الجانب الآخر فطره وإلا فلا يفطره وهذا غلط لما ذكرنا.
ولو صب في أذنه شيئا فوصل إلى الدماغ بطل صومه لأن الدماغ هو أحد الجوفين على ما ذكرنا/ ولو لم تصل إلى الدماغ بأن أدخل أصبعه أو خشبة للحك لا يبطل صومه، وإن غاب عن رأى العين.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يفطره أصلا لأنه لا منفذ من الأذن إلى الدماغ

وإنما يصل إليه في المسام كما يصل الكحل من العين إلى الحلق حتى يجد طعمه في حلقه ولا يفطره، وكذلك لو دهن بطنه يتشرب ذبك الدهن ويتحقق أنه وصل إلى الباطن لا يفطره لهذه العلة وهذا غريب بخلاف المذهب المشهور.
فرع لو ابتلع خطياً ورأس الخيط بيده لم يبتلعه فطره إذا وصل شيء منه إلى الجوف خلافا [322 ب/4] لأبي حنيفة حتى قال: لو شد خرزة في رأس خيط وابتلعها والخيط بقي خارجا لم يفطره فإن قطع الخيط بقى خارجا لم يفطره فإن قطع الخيط وبقي الخرزة داخل الجوف فطره وعلى هذا عندنا لو أدخل في حلقه أصبعاً حتى وصل إلى حد الباطن من حلقومه فطره خلافاً لأبي حنيفة وكذلك الخلاف إذا أدخلت أصبعها في فرجها.
فرع لو ابتلع خيطا وبقى طرفه خارجا فإن ابتلع الباقي فسد وإن أخرجه كان كالقيء يبطل صومه أيضاً وإن ترك كذلك لا تصح صلاته، فلو جاء رجل وأخرجه قهراً أو في حال نومه لا يبطل صومه وإذا لم يكن هناك من يخرجه قهراً يمتنع الصلاة والصوم فإنهما يراعي فيه وجهان: أحدهما: يراعي الصلاة فيخرج لأن حرمة الصلاة أعظم لأن بترك إخراجه تفوت صلوات ثلاث وبإخراجه لا يفوت إلا صوم واحد فكان اعتبار الصلاة أولى.
والثاني: يراعي الصوم لأنه شرع فيه دون الصلاة فمراعاة المشروع فيه أولى فيصلى على حاله ويعيد بعد الغروب.
فرع آخر لو ابتلع ريقا نجسا فإن كانت نجاسته لاختلاط شيء به فطره لان غير الرفق فيه وإن جاوزه نجس ولم يخالطه فابتلع الريق النجس مفردا فيه وجهان، أحدهما: لا يفطره وهو [323 أ/4] اختيار القفال لأنه ليس في الريق غيره وإنما نجاسته من طريق الحكم فلا يضر الصوم وهذا أصح، والثاني: يفطره لأنه مأمور بإلقائه وإبعاده عن فمه فصار كالطعام في فيه، وهكذا لو تناول بالليل نجسا ثم أصبح وابتلع الريق.
مسألة: قال 1: وإن استنشق رفق.
الفصل وهذا كما قال: إذا أراد الصائم المضمضة والاستنشاق يكره له المبالغة فيهما وهي المراد بقوله: رفق لما رويناه في حديث لقيط بن صبره فإن خالف ففعل فسبق الماء إلى جوفه فإن كان ناسيا للصوم لا يبطل صومه وإن كان ذاكراً للصوم اختلف أصحابنا فيه على طرق، فمنهم من قال: قولان لأنه منهي عنه مع ذكره للصوم وإن لم يبالغ فقول واحد لا يفطره ذكره القفال، ومنهم من قال: إذا بالغ يفطره قولاً واحداً وهو الصحيح

لخبر لقيط بن صبره ولأنه حادث بسبب مكروه فأشبه الإنزال مع القبلة وإن لم يبالغ فيه قولان: احدهما: يفطره وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزني لأن الماء وصل إلى جوفه بفعله مع ذكره للصوم فوجب أن يفطره، كما لو بالغ.
والثاني: لا يفطر وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو اختيار الربيع وهو الصحيح لأنه وصل [323 ب/4] إلى جوفه بغير اختيار فلا يفطر كغبار الطريق وغربلة الدقيق، وقال الشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وهو قول ابن عباس رضي الله عنهم: أنه إن توضأ لمكتوبة لا يفطره وإن كان لنافلة فطره لانه في الفريضة مضطر بخلاف النافلة.
ومن أصحابنا من قال: بالغ او لم يبالغ فيهما قولان لأن وصول الماء لا يكون غلا بزيادة على المحدود فيهما وهو مغلوب في كلتا الحالتين ولأن الشافعي لم يفصل بين ان يكون بالغ او لم يبالغ وهذا أضعف الطرق.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين لا على قولين فالذي قال في "الأم": لا يفطره أراد أنه إذا لم يتعمده والذي قال في راوية المزني والقديم يفطره أراد إذا تعمد وفسر في كتاب ابن أبي ليلى فقال: لا يلزمه حتى يحدث ازدراداً أي: يقصد ذلك.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين من وجه آخر فإن بالغ فإنه يفطره قولاً واحداً وإن لم يبالغ لم يفطره قولاً واحداً واحتج المزني بالغلط في الوقت يفطره.
فقال: إذا كان الآكل لا يشك في الليل أي: في بقاء الليل فيوافي الفجر مفطراً بالإجماع وهو بالناسي أشبه، ووجه الشبه أن كليهما لا يعلم [324 أ/4] أنه صائم وقت أكله وهذا السابق إلى جوفه يعلم أنه صائم فإذا أفطر في الأشبه بالناسي كان الأبعد من الناسي وهو هذا المستنشق بالفطر أولى والجواب عن هذا أن يقول: تشبيهك أولا المخطئ في الوقت بالناسي غير صحيح لأنه لو كان كذلك لكان المخطئ لا يفطر كالناسي، ثم الفرق بين مسألتنا وبين المخطئ في الوقت هو أن الفطر إنما يقع بشيئين الازدراد مع ذكر فالمخطئ في الوقت ذاكر للصوم قاصد إلى الازدراد ففطره وهذا المستنشق ذاكر للصوم ولكته غير ذاكر للصوم فلم يجتمع فيه المعنيان فلم يفطره ثم يبطل ما ذكره بما لو صب الماء في حلقة فإنه ذاكر للصوم ولا يفطره.
فرع لو غلبه العطش فأدخل الماء في فمه ليسكن عطشه أو أدخل الماء في فمه لا لغرض فسبق إلى جوفه فيه طريقتان، أحدهما: فيه قولان، والثانية: قول واحد يفطره لأنه لا حاجة إليه.
مسألة: قال 1: وإن اشتبهت الشهور على أسير.

الفصل وهذا كما قال: هذا الحكم لا يختص بالأسير بل الأسير وغيره سواء، ولكن الشافعي فرض المسألة في أسير من المسلمين في مطورة المشركين لأن الغالب أن الشهر إنما يشتبه على مثل هذا [324 ب/4] والمذهب فيه أنه إذا غلب على ظنه دخول رمضان يلزمه أن يصوم فإن وافق شهر رمضان يجزئه، وبه قال جماعة العلماء وقال الحسن بن صالح بن حي لا يجزئه لأنه صامه على الشك كما لو صام يوم الشك لا يجزئه.
وإن بان أنه من رمضان وهذا غلط لأنه أداه بالاجتهاد فإذا وافق الصواب أجزأه كنا في القبلة.
ويفارق صوم يوم الشك لأنه أداه من غير إمارة حتى لو صام بالإمارة مثل أن أخبره عدل برؤية الهلال أو بمعرفة منازل القمر أجزأه، ولو صام ها هنا من غير أمارة ولكنه وقع في نفسه أنه الشهر لا يجوز والإمارة مثل الحر والبرد والخريف والربيع وإدراك الثمار ونحو ذلك وإن بان أنه كان يفطر بالنهار ويصوم بالليل فإنه يلزمه القضاء بلا خوف وإن وافق ما قبل رمضان فإن علن قبل مضي رمضان صامه قولاً واحداً وإن علم وقد مضى رمضان كله فيه طريقان: أحدهما: يلزمه القضاء قولاً واحداً لأن الشافعي قال "الأم": ولو قال قائل يجزيه كان مذهبا وأرد مذهب الغير لا مذهبه ومفهوم ما ذكر هنا انه لا يجزئه لأنه قال: فوافقه أو ما بعده ولم يقل أو ما قبله [325 أ/4] ومنهم من قال: فيع قولان وبه قال عامة أصحابنا لأن الشافعي قال في "القديم" صريحا: فإن وافق قبله ثم تبين له بعد انقضاء رمضان ذلك أجزأه ووجه هذا أنه لو اشتبه يوم عرفة فأحرموا ووقفوا ونحروا فوافق ما قبله فإنه يجوز بالإجماع والصحيح انه لا يجوز، وبه قال جماعة العلماء لأنه أدى العبادة المفروضة قبل وقتها فلا يجوز كالصلاة.
وأما خطأ عرفة فذاك للجمع الكثير يشق عليهم القضاء ولا يؤمن مثله في القضاء بخلاف هذا.
وقال القفال: معنى القولين عندي أنه إذا وافق شهراً بعد رمضان أجزأه بذلك على معنى القضاء أو الأداء فإن كان على معنى الأداء جاز ها هنا لأنه إذا صار الشهر أداء بالاجتهاد فما قبل رمضان وبعده سواء وإن كان على معنى القضاء فالقضاء قبل الوقت لا يجوز قال: ويبني على هذين المعنيين انه إذا صام شهراً بعد رمضان يجوز بلا خلاف ثم الاعتبار بعدد أيام رمضان أو بعدد أيام الشهر الذي صامه، فإن جعلناه قضاء اعتبرنا أيام رمضان فإن كان رمضان ثلاثين والشهر الذي صامه تسعة وعشرين فعليه صوم يوم آخر وإن كان رمضان تسع وعشرين وصام شهراً هو ثلاثون ولكنه أفطر منه يوماً كفاه ما صام [325 ب/4] وإن جعلنا أداء اعتبرنا أيام الشهر الذي صامه، ففي المسألة الأولى يكفيه ما صام، وفي المسألة الثانية عليه قضاء اليوم الذي أفطر فيه.
وقال أهل العراق: إن كان رمضان تاماً والشهر الذي صامه بين الهلالين ناقصاً يحتمل أنه يجزئه وبه قال الحسن بن صالح ويحتمل أن لا يجزئه لأن بفوات رمضان استقر عليه عدده.
وقال أبو حامد: والأول أشبه لأن الشافعي نص في "الأم" أنه يجزئه

فقال: ولو اشتبهت الشهور على أسير فيجزئ شهر رمضان فوافقه، أو ما بعده فصام شهراً أو ثلاثين يوماً.
وقال القاضي الطبري: المذهب أنه لا يجزئه لأنه إنما يجب عليه قضاء ما ترك ألا ترى أنه إذا فاته بعضه يجب أن يقضي قدر ما فاته لا كله ولا يقال: يلزمه أن يكمل ثلاثين لأنه فرق صومه.
وأما قول الشافعي في"الأم" أراد يجزئه إذا لم يفصل بين أن يوافق شوالاً وأشهراً أخر ومعلوم أنه لو وافق شوالاً أنه يجزئه حتى يتم عدد الشهر الماضي [326 أ/4] لأن في هذا الشهر ما لا يصح صومه فيه فإن قيل: أليس لو نذر صوم شهر أجزأه ما بين الهلالين؟ قلنا: لأن الإطلاق يحمل على ما يتناوله الاسم وقد تناوله وها هنا يجب قضاء ما فات وتركه فيجب أن يراعي عدد ما ترك.
ألا ترى أنه لو نذر صلاة لزمه ركعتان، ولو ترك صلاة لزمه ركعتان، ولو ترك صلاة لزمه بعددها وإن لم يتبين، ولو بان له ذلك وقد مضى بعض رمضان صام الباقي وفيما مضى قولان، وقيل قول واحد يلزم قضاء ما مضى وما تقدم أصبح فإن قيل: إذا وافق ما بعد رمضان فقد صام القضاء بنية الأداء فيجب أن لا يجوز؟ قلنا: أداء القضاء بينة الأداء يجوز ألا ترى أنه لو دخل في الصلاة في وقتها ثم خرج وقتها صحت صلاته، وإن كان بعضها قضاء والنية كانت للأداء.
وإن اتفق صومه ذا الحجة لم يجزئه صوم النحر وأيام التشريق وحسب الباقي من جملة ما ترك.
فرع لو لم يغلب على ظن هذا الأسير شهر رمضان عن أمارة، قال أبو حامد: يلزمه أن يصوم على سبيل التخمين إذا وقع في نفسه أنه شعر رمضان ويلزمه القضاء متى تيقن الحال [326 ب/4] كالمصلي إذا بم يغلب على ظنه القبلة يصلي على حسب حاله ويعيد.
وقال بعض أصحابنا وهو الأصح أنه لا يلزمه ذلك لأنه لا يعلم دخوله لا يقيناً ولا ظناً كمن شك في دخول وقت الصلاة لا يلزمه الصلاة ويفارق القبلة لأن وقت الصلاة معلوم فلا يجوز أن يخيله من فعلها وها هنا لا يعلم وجود وقت العبادة فلم يجب عليه الشك في سبب الوجوب.
فرع آخر لو شرع في الصوم بالاجتهاد ثم جامع يلزمه الكفارة لأن الوقت موجود وإن علمه بنوع اجتهاد، وإن صادف شهراً غير رمضان فلا كفارة.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله لو صام الأسير بنية قضاء رمضان شهراً لظنه بالاجتهاد أن رمضان قد مضى ثم بان أن صومه وافق رمضان صح صومه عن الأداء اعتباراً.
بما قاله الشافعي: لو أنه صام على أنه أداء ثم تبين له أنه صام بعد رمضان جاز، ووجه الجمع أن الأداء لا يصح بنية القضاء مع العلم بالحال وكذلك القضاء بنية الأداء ثم جاز

القضاء بنية الأداء في الأسير للعذر الموجود فيصح منه الأداء بنية القضاء لهذا [327 أ/4] العذر ولا فرق بينهما بل جواز هذا أولى؛ لأن القضاء بنية الأداء ترك نية القضاء، وفعل الأداء بنية القضاء زيادة القضاء والزيادة أخف من الترك.
مسألة: قال وللصائم أن يكتحل.
الفصل وهذا كما قال لا يكره الكحل للصائم بالإثمد والصبر سواء وجد طعمه في حلقه أو لا، وسواء وجد لون الكحل في نخامته أو لا، العين لا مجرى لها إلى الحلق إلا من طريق العروق ولا حكم لمجرى العروق ولهذا فإنه يدلك أسفل رجله بالحنظل فيجد طعمه ولا يفطره.
وإذا قبض البلح بيده وجد برده في فؤاده.
وقال مالك وأحمد: يكره له ذلك ولكن لا يفطره، وقال مكحول وابن أبي ليلى وابن شبرمة: إذا وجد طعمه في حلقه، ويرويه أصحاب مالك عن مالك وهذا غلط لما روى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ونزلت معه فدعا بكحل واكتحل به في رمضان وهو صائم" 1. وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم "كره السعوط للصائم"، أو أن يصب في أذنه شيء ولم يكره الكحل 2. وروى مثل قولنا عن ابن [327 ب/4] أبي أوفي وسئل ابن عمر رضي الله عنه عن هذا فقال: هل هو إلا مثل الغبار ينزل في الحلق ولا يعرف لهما مخالف وبه قال جماعة العلماء وهو مذهب عطاء والحسن والنخعي والشعبي.
وكذلك لو دهن رأسه حتى وجد طعم الدهن في حلقه أو انغمس في الماء فوجد برده في دماغه أو في كبده لم يضره ولا يكره ذلك.
ومعنى قوله: وينزل الحوض فيغطس فيه أي: ينغمس ليقطع العطش، يقال هما متغاطسان ويتماقلان في الماء.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يصبح جنباً من جماع ثم يغتسل ويصوم" 3 وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه قال: "حدثني من رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم صائف يصب على رأسه الماء من شدة الحر والعطش وهو صائم" 4. وروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما "أنهما كانا يتماقلان في الماء وكانا صائمين".
فرع إذا غاص في الماء فدخل الماء إلى دماغه ولم يدخله بنفسه قيل: فيه قولان، وقيل قول واحد أنه يفطره.
قال أصحابنا: ويجوز أن يتمضمض أيضاً كذلك ولا يكره وحكي عن بعض [328 أ/4] أصحابنا أنه إن دهن رأسه بالنهار بعد الصلاة فدخل جوف

الرأس بالليل فيجوز، وإن دهن بالليل فدخل جوف رأسه بالنهار فلا يجوز وهذا ليس بشيء.
مسألة: قال 1: ويحتجم.
وهذا كما قال: يجوز للصائم أن يحتجم، قال في "الأم" 2: ولو ترك كان أحب إلى وهذا لأنه يضعفه وربما أحوجه إلى الأفطار.
وروى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: "إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والوصال في الصوم إبقاء على أصحابه".
وقال بعض أصحابنا: يكره له ذلك وظاهر المذهب أنه لا يكره لأنه قال: ويحتجم بعد قوله وينزل الحوض وذلك لا يكره كذلك هذا وبهذا قال ابن عمر وابن عباس وابن مسعود والحسن بن علي وأبو سعيد الخدرى وزيد ابن أرقم وأنس وأم سلمة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وطاوس والقاسم بن محمد وسالم وعروة والشعبي والنخعي وأبو العالية وجماعة الفقهاء رضي الله عنهم.
وروى عن على بن أبى طالب وعائشة وأبى هريرة رضي الله عنهم وهو مذهب الحسن وعطاء والأوزاعي وأحمد [328 ب/4] وإسحاق وداود أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعًا واختاره ابن المنذر ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وقال أحمد في رواية يلزم بها الكفارة واحتجوا بماروى رافع بن خديج وثوبان رضي الله عنهما" أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يحجم رجلًا فقال: أفطر الحاجم والمحجوم" 3، وهذا غلط لما روى مقسم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرمًا في حجة الوداع بالقاحة" 4. وقال أنس: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم في رمضان بعد ما قال: أفطر الحاجم والمحجوم"، وقال أنس إنما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجامة للصائم مخافة الضعف.
وروى البخارى مفصلاً فقال: "روى أنه احتجم وهو صائم"، وروى أنه احتجم وهو محرم.
وروى أبو عريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا يفطرن الصائم، الحجامة والقيء والاحتلام".
وأما خبرهم أنهما قلنا: هو منسوخ بخبرنا ويحتمل أن يريد بذلك تعريفهما بذلك لأنه روى أنهما كانا يغتابان واحدًا فقال: هذا على طريق المجاز ومعناه [329 أ/4] بطل أجر صومهما كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صيام لأهل بيت اللحم، قيل: من هم يا رسول الله، فقال: الذين يصبحون يأكلون لحوم الناس" أي يغتابون، والذي يدل على هذا أن الحاجم لا يفطر إذا لم يصل إلى حلقه شيء على الصحيح من مذهبهم.

مسألة: قال 1: وَأَكْرَهُ العَلْكَ لأَنَّه يَجْلِبُ الرِّيقَ.
وهذا كما قال، يكره للصائم أن يمضغ العلك وهو الموميا الذي مضغه وعلكه وصلب وقوي....... 2 الذي لا ينحل ولا......... 3 فإن خالف وفعل فجلب الريق واجتمع وابتلعه لم يفطره وجد في حلقه طعمه أو لم يجد كالكحل سواء.
وإن كان علكًا يتفتت بالمضغ وهو الكندر نظر فإن لم ينزل إلى حلقه شيء لم يفطره، وإن نزل في حلقه فطره.
وقيل: معنى قوله: يجلب الفم أي: يطيب النكهة ويزيل الخلوف.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم صائم أطيب عند الله من ريح المسك" 4، فلهذا كره وقيل: معناه تجمع الريق في الفم ويفطر بابتلاعه في قول بعض أصحابنا يكره ذلك، وقيل: يحلب بالحاء فمعناه يمتص الريق ويجهد الصائم فيورث العطش فكره لذلك.
وقال [329 ب/4] أصحابنا: ويكره أن يمضغ الخبز للصبي فإن كان له ولد صغير ولم يكن له من يمضغ له غيره لا يكره له ذلك ولو فعل ولم ينزل منه شيء إلى حلقه لم يفطر.
مسألة: قال 5: وَصَومُ شَهْرِ رَمَضَانَ واجبُ عَلى كل بالغٍ مُحْتَلِمٍ.
الفصل وهذا كما قال: صوم رمضان يجب على المكلفين من المسلمين ذكوروهم وإناثهم وأحرارهم وعبيدهم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، ولا يلزم على الصبي والمجنون لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ".
وذكر الشافعي البالغ ولم يذكر العاقل لأنه مفهوم في ذكره البالغ فإذا تكرر هذا فالصبي إذا بلغ حد التمييز وهو سبع سنين أو ثمان سنين يؤمر بالصوم ويعلم ذلك.
وإذ بلغ عشراً فإنه يضرب عليه كما قلنا في الصلاة وإذا صام كان صومه شرعياً خلافاً لأبي حنيفة وهذا لأن كل من صحت طهارته صح صومه كالبالغ، وصوم في رمضان لا يصح إلا بالنية من الليل وليس على أصلنا صوم نفل لا يجوز إلا بالنية من الليل إلا هذا.
مسألة: قال 6: وَمَن احْتَلَمَ مِنَ الغِلْمَانِ أَوْ أّسْلّمَ مِنَ [330 أ/4] الكُفَّارِ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ شَهْرِ رمضانَ فَإِنَّهُمَا يَسْتَقْبِلاَنِ الصَّومَ ولا قضاءَ عليهما.
وهذا كما قال: الصبي إذا بلغ بعد مضى شهر رمضان فلا قضاء عليه بالإجماع.
وإن بلغ في خلال رمضان فإن كان ليلًا استقبل الصوم فيما بقى ولا قضاء عليه مما مضى.
وإن بلغ نهارًا فإن كان مفطرًا كان له أن يستديم الإفطار ويستحب له الإمساك وهل يجب عليه قضاؤه؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا يجب وهو المنصوص في "مختصر البويطي"، وبه قال أبو حنيفة لأنه سقط عنه حكم هذا اليوم في أوله فسقط في آخره أيضاً لأن الآخر تابع الأول.
والثاني: يلزم القضاء لأنه صار من أهل التكليف في آخره فلزمه ذلك القدر من الصوم ولا يمكن الشروع في ذلك القدر فيقضي ولا يمكن القضاء إلا بيوم كامل، والأول أصح وإن بلغ صائماً في هذا اليوم لزمه إتمامه ولا يجب القضاء إذا قلنا لا تجب إذا كان مفطرًا.
وإن قلنا يجب القضاء إذا كان مفطرًا فهاهنا وجهان: أحدهما: يقضي لأنه لم يبق الصوم الواجب من أوله، والثاني: هو اختيار أبي إسحاق أنه لا يلزمه القضاء لأنه حصل في الصوم من أوله.
ويمكن بناء الباقي على الأول إلا أنه يكون متنفلًا [330 ب/4] في أوله مفترضًا في آخره ولا يمتنع مثل ذلك كما لو شرع في الصوم... 1 إذا أسلم بعد انقضاء الشهر فلا قضاء عليه.
وإن أسلم في أثنائه فما مضى لا يقضيه.
وأما اليوم الذي أسلم فيه هل يلزمه قضاؤه؟ وفيه وجهان كما ذكرنا في الصبي، وقيل: قول واحد يلزمه القضاء لأنه متعد واختلف أصحابنا هل يوصف بالوجوب عليه أم؟ وقد مضى هذا وحكي عن الحسن وعطاء أنهما قالا: إذا أسلم الكافر في شهر رمضان يلزمه قضاء ما مضى وهذا غلط، لأن الصيام هو في حكم عبادات فوجوب بعضها لا يستدعي وجوب الباقي.
وقال القفال من أصحابنا من قال: يجب قضاء هذا اليوم على الكافر يسلم والصبي يبلغ لأنهما مفرطان بترك الصوم ولا يجب على المجنون إذا أفاق، وقيل: لا يجب إلا على الكافر إذا أسلم لأنه عاص بخلاف غيره وأما المجنون إذا أفاق بعد مضي الشهر لا قضاء عليه.
وقال مالك: يلزمه القضاء وحكي هذا عن ابن سريج وقد تفرد به من بين أصحابنا وهو رواية عن أحمد قياساً على الإغماء، وقيل: هذا لا يصح عن ابن [331 أ/4] سريج وهذا خطأ ظاهر بخلاف الإجماع، ولأن التكليف عنه ساقط بخلاف المغمى عليه وإن أفاق في أثناء الشهر لا قضاء عليه لما مضى وفي اليوم الذي أفاق فيه وجهان على ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة: يلزمه قضاء ما مضى وإذا بلغ مجنونًا ثم أفاق في أثناء شهر رمضان فيه روايتان عنه وهذا غلط لأنه معنى لو دام الشهر كله لا يلزمه القضاء، فإذا زال في بعض الشهر لا يلزمه قضاء ما مضى كالصَّغير.
وحكي عن المزني أنه قال في "المنثور" إذا أفاق في أثناء الشهر يقضي ما مضى في قول للشافعي وأهل الكوفة ولم يقبله أصحابنا أجمع وقالوا: لا نعرف هذا للشافعي، وأما المغمى عليه فإنه يلزمه القضاء بكل حال.
وحكي عن أبى حنيفة أنه قال: إذا امتد الإغماء شهرًا كالمجنون فإذا أفاق

بعد مضي تمام الشهر لا يلزمه القضاء.
مسألة: قال 1: وَأُحبُّ للصَّائِمِ أنْ يُنَزَّه صيامَهُ عنِ اللَّغَطِ القَبِيحِ.
الفصل وهذا كما قال: أراد أنه يستحب له أن يطهر صومه ويصونه عن اللغط القبيح من الغيبة والنميمة والكذب والمشاتمة ويكره له ذلك والكراهة في [331 ب/4] المشاتمة أشد لأنها أقطع، وقيل يجب عليه أن يصون سمعه وعينه فلا ينظر إلى ما لا يحل ويسمعه فلا استمع إلى ما لا يحل وبلسانه فلا ينطق إلا بخير وهذه الأشياء وإن كانت حراماً ففي رمضان هي أشد تحريمًا وهذا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به- يريد العمل بالزور وهو الربا - فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" 2 ويستجب إذا شوتم أن يقول: إني صائم فقيل يقول ذلك باللسان أو لا يشتغل بالانتصار وقيل أراد فليعلم أنه صائم ليمنعك ذلك من المقابلة لأن ستر الطاعة أولى.
وقال الشافعي للخبر في ذلك وأراد ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الصوم جنة وحصن حصين من النار فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يفسق ولا يرفث فإن امرؤ شاتمه أو سابه فليقل إني امرؤ صائم" 3. وقيل: لقوله إني صائم ثلاث تأويلات: أحدها: أن في قوله هذا شفاء لغيظه وسكوناً لنفسه، والثاني: ليتذكر صوم نفسه فيمتنع من جواب خصمه، والثالث: ليعلم خصمه صيامه فيكف عن شتمه وإذائه.
ومن أصحابنا [332 أ/4] من قال: أنه في صوم رمضان يقول ذلك بلسانه وفي صوم التطوع وجهان، والفرق أنه لا يؤدي هناك إلى إظهار الطاعة والرياء ليعلم الناس أنه صائم في ظاهر الحال وفي التطوع يؤدي إلى ذلك فلا يقول هذا باللسان ولكن ليعلم في نفسه ذلك وهذا حسن فإن اغتاب أو شتم أو قذف لا يبطل صومه.
وقال الأوزاعي وبعض الشيعة: يبطل صومه، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "خمس يفطرن الصائم وينقضن الوضوء، الغيبة والنميمة والكذب والنظر بالشهوة واليمين الفاجرة" 4. وهذا غلط لأن ما لا يفطره مباحة لا يفطره محظورة كالقبلة أو نوع كلام لا يخرج به عن الإسلام كغيره وأمَّا الخبر فمحمول على بطلان الأجر كما قال صلى الله عليه وسلم "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائم ليس حظه من قيامه إلا السهر" 5، وأراد به لبطلان أجره.

مسألة: قال 1: وَالشَّيْخُ الكبيرُ الذي لاَ يَسْتَطِيعُ الصَّوَّمَ.
الفصل وهذا كما قال: الشيخ الهرم والشيخة الهرمة إذا عجزا عن الصوم يجوز لهما أن يفطرا وهل يجب عليهما لكل يوم مد من طعام فيه قولان، قال في عامة كتبه: يلزمه ذلك وهو الصحيح وبه قال جماعة العلماء، [332 ب/4] وهو قول سعيد بن جبير وطاوس وقال ابن عباس وابن عمر يطعم كل يوم مسكينًا 2 وقال أبو هريرة: عليه لكل يوم مد قمح 3. وروي أن أنسًا ضعف عن الصوم عاماً قبل وفاته فأفطر وأطعم مكان كل يوم مسكينًا 4، وعن أحمد أنه يطعم مدًا من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير، وقال في "حرملة" و "البويطي": يستحب له الفدية ولا يجب، وبه قال مالك وربيعة ومكحول وأبو ثور واحتجوا بأن من جهده العطش يفطر ويفضي ولا فدية كذلك هاهنا، واحتج الشافعي بما روي أن ابن عباس أوجب الفدية وقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة:184]، قال: أراد به المرأة الهرمة والشيخ الكبير يتكلفان الصوم فلا يطيقان يفطران ويطعمان لكل يوم مسكيناً، ثم إن الشافعي خالفه قراءة وتأويلاً ولم يخالفه مذهباً فقال وغيره من المفسرين يقرؤونها يطيقونه، وكذلك يقرأها ويزعم أنها نزلت حين نزل فرض الصوم ثم نسخ ذلك قال الشافعي: وآخر الآية يدل على هذا المعني لأن الله تعال قال: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة:184] وزاد على مسكين، أي: أطعم مسكينين فهو خير له.
ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] [333 أ/4] قال فلا يؤمر بالصوم من لا يطيقه أي: لو كان المراد بالآية ما قاله ابن عباس عن الشيخ الهرم لكان لا يأمره بالصوم لأنه لا يطيقه قال ثم بيّن من نسخه فقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185] قال وإلى هذا يذهب وهو أشبه بظاهر القرآن.
قال المزني: هذا بين في التنزيل أي: في ظاهر القرآن مستغنى فيه عن التأويل وهو على ما ذكر.
واحتج بعض أصحابنا بأن الله تعال خير في ابتداء الإسلام على ما ذكرنا ثم ختم الصوم بما ذكرنا من الآية فالشيخ الكبير تناول من يحتم عليه الصوم دون الشيخ الهرم فهو باق على أصل التخيير فإذا تكرر هذا قال في "الأم" 5: والحال الذي يترك به الكبير الصوم هو أن يجهده الجهد غير المحتمل وكذلك إذا كان الصوم يزيد في مرض المريض يفسده وزيادة بينة أفطر، وإن كانت زيادة محتملة لم يفطر وكذلك المرضع إذا

أضر الصوم بلبنها الإضرار البين.
فأما ما كان من ذلك محتملًا فلا يفطر والصوم قد يزيد في عامة العلل ولكن زيادة محتملة وينقص بعض اللبن ولكن نقصاناً محتملاً فإذا تفاحش أفطر.
هذا كل لفظ الشافعي [333 ل/4] رحمه الله ولم يرد بما ذكر في "المختصر" لا يستطيع الصوم بحاله ولكن أراد ما فسرها هنا وهذا الذي ذكرنا هو إذا انتهى إلى حد الهرم بيقين لا يرجى قدرته في المستقبل على القضاء فإنه إن كان يرجى ذلك فحكمه حكم المريض ثم هذا الذي ذكرنا هو إذا كان قادراً على الإطعام فإن كان فقيراً لا يقدر على الإطعام حتى مات فلا شيء عليه وإن أيسر بعد الإفطار فقد وجب عليه الإطعام فإن مات قبل أن يطعم وجب الإطعام عنه لأن الإطعام من الشيخ الهرم هو بمنزلة القضاء في المريض والمسافر لو ماتا قبل زوال عزرهما ويمكنهما من القضاء لا يجب عليهما شيء، وإن زال عزرهما وقدر على القضاء لزمهما القضاء، وإن ماتا قبل القضاء وجب أن يطعم عنهما مكان كل يوم مُداً من الطعام فلذلك هاهنا.
فإن قيل: قال الشافعي هاهنا: والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم ويقدر على الكفارة يتصدف.
فقيل: وجوب الكفارة بالقدرة عليها، وهذا يقتضي أنه لو كان معصرًا لم يلزمه ذلك.
قلنا: مذهب الشافعي وغيره أن الكفارة لا تسقط بوجود الاعتبار عند [334 أ/4] سبب وجوبها وأراد الشافعي بهذا التقييد تعجيل المباشرة حتى إن كان موسرًا فأفطر عجل مباشرة الكفارة ولم يرد بذلك أنه إذا كان معصرًا ثم أيسر لا يلزمه.
وقد حكي الشافعي حديث الأعرابي المجامع، ثم قال: لما أمره بصرفه إلى عياله احتمل أن يقال: لا تجب الكفارة على معصر، واحتمل أنها واجبة ولكن لم يكن مخاطباً بها في الحال للعصرة، والصحيح أنه لم يذكر هذين الاحتمالين على معنى تخريج القولين، بل تكلم على الخبر بما يحتمل ثم بين مذهبه على ما سبق ذكره.
وقال داود: كيف ما كان المرض يسيرًا أو شديدًا فله النظر، وقال الحسن والنخعي: إن كان مرضه بحيث له أن يصلى قاعدًا فله الفطر وإلا فلا.
وسمعت بعض أصحابنا يفتى بهذا الصحيح ما تقدم.
فرع لو أفطر الشيخ الهرم فأوجبنا الفدية، ثم قدر على القضاء بعده تلزمه الفدية، وهو كالمغضوب إذا أحج رجلًا عن نفسه ثم قدر على الحج يلزمه أداؤه بنفسه.
فرع آخر ذكره والدي- رحمه الله - لو كان على الشيخ الهرم صوم نظر أو قضاء فعليه الإطعام عن كل يوم مُدًّا، ولو نظر الصوم [334 أ/4] وهو شيخ هرم هل ينعقد نظره؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يصح ويلزمه الإطعام وهذا أصح، والثاني: لا يصح.
وقيل: الوجهان مبنيان على أنه يلزمه صوم رمضان ثم بالعجز يفتدي أو الواجب عليه الفدية أولًا ابتداء، وفيه وجهان، فظاهر المذهب أنه يلزمه الصوم لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183] فعلى هذا ينعقد بدؤه، ليس من أهل وجوب الصوم ولم ينظر الفدية حتى يوجبها.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله لو شرب شراباً قصداً منه إلى المرض قبل الفجر فطلع الفجر وهو مريض قال: عندي يحل الفطر لأن المرض من فعله الله تعالى وإن كان سببه معصية وعلة الإباحة وجود المرض.
ويفارق هذا إذا جُن فشرب دواء قصداً منه إلى زوال العقل فإنه يلزمه قضاء الصلوات لأن لو علقنا الحكم على ذلك أدى إلى إسقاط الصلاة، وهاهنا لا يؤدي إلى إسقاط الصوم وإنما يؤدي إلى التأخير فلهذا فصلنا بينهما.
ومثاله: إذا وجد نصف الرقبة في الكفارة لم يلزمه إعتاقه ولو وجد نصف الصَّاع دون الثاني ويفارق سفر المعصية لأن السفر فعله بخلاف المرض.
يؤكده أنه يمكنه أن يقطع نية المعصية ويفطر فإذا لم يقطع كان هو الجاني على نفسه ولا يمكنه أن يقطع بسبب المرض فإن المرض لا يختلف ولا يتغير حاله بذلك فأبيح الفطر للضرورة ولهذا لا يجوز للمسافر العاصي بسفره أن يقصر الصلاة ويجوز لهذا المريض أن يصلي الفرض قاعدًا فهما يفترقان.
فرع آخر ذكره والدي رحمة الله إذا أدى الشيخ الهرم الفدية قبل دخول رمضان لصومه لم يجز.
وغن أداها بعد دخول رمضان فإن أداها بعد الفجر لذلك اليوم جاز، وإن أداها قبل الفجر يحتمل أن يقال: يجوز كما تجوز فيه النية لو كان قادرًا على الصوم قلت: ويحتمل أنه لا يجوز لأنه لم يدخل وقت وجوب الصوم.
قال: وإن أداها بعد الفجر لذلك اليوم واليوم الثاني يجوز للأول وهل يجوز لليوم الثاني؟ يحتمل أن يقال: كما يجوز أداء زكاة الفطر بعد دخول رمضان، ويحتمل أن يقال: لا يجوز والأصل فيه أن سبب وجوب الفدية هو الإياس من القدرة [335 ب/4] على الصوم وله سبب آخر وهو دخول زمان رمضان وحالة وجوب وهي إذا غربت الشمس ي اليوم أل ترى أنه لو مات قبل غروب الشمس لم يلزم في ماله فدية ذلك اليوم لعدم القدرة، فإذا أدى الفدية بعد وجود السبب الأول وبعد دخول زمان السبب الثاني جاز وإلا فلا يجوز كما جاز أداء زكاة المال بعد وجود النصاب قبل الحول ولا يجوز قبل النصاب وأما الحامل إذا احتاجت إلى الفطر فلا يجوز لها تقديم الفدية.
فرع آخر قال: رأيت في تعليق الإمام الزيادي رحمه الله أنه يجوز لأنه لما رخص لها في فعل سبب الفدية هو الفطر وجب أنه يجوز تقديمها كتقديم كفارة اليمين على الحنث بعد اليمين ولا يجوز لها إلا تقديم فدية يوم واحد فلو قدمت فدية يومين أو أيام لا يجوز

لأن العارض الذي يبيح الفطر في هذا اليوم قد يزول في اليوم الثاني.
فرع ذكره والدي رحمه الله إذا تركت الصوم خوفاً على الولد ولم تشرع فيه هل يلزمها الفدية يحتمل وجهين: أحدهما: يلزم وهو الأظهر كما في الشيخ الهرم، والثاني: لا يلزم [336 أ/4] وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه ذكر المسألة بلفظ الإفطار وليس كالشيخ الهرم لأن لو أسقطنا الفدية هناك أدى إلى إسقاط بدل الصوم رأساً ولا يؤدي إلى هذا هاهنا لأن القضاء يلزمها.
فرع آخر لو رأى الصائم من يفرق في ماء ولا يمكنه تخليصه منه إلا بأن يفطر فيقوى له الفطر وهل تلزمه الفدية فيه وجهان، أحدهما: تلزمه الفدية لأنه بسبب الغير كفطر الحامل، والثاني: لا يلزمه لأنه ليس ذلك من طريق الخلقة والاتصال به.
مسألة: قال 1: ولا أَكْرًهُ في الصَّوْمِ السَّوَاكَ بالعُودِ الَّطْبِ وغيره.
وهذا كما قال: السواك مستحب لغير الصائم في جميع الأوقات.
وأما للصائم قال الشافعي: يستحب له أن يصوم بالغداة ويكره له ذلك بالعشي، ولم يجده الشافعي بالزوال ولكن قال أصحابنا يستحب له إلى أن تزول الشمس فإِن زالت الشمس يكره له إلى آخر النهار وبه قال: على علي وابن عمر وعطاء ومجاهد والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك وأبو حنيفة لا يكره أصلاً واحتجوا بما روى أبو إسحاق الخوارزمي قال: سألت عاصم الأحوال أيستاك الصائم؟ قال: نعم قلت: [336 ب/4] برطب السواك ويابسه قال: نعم قلت: أول النهار وآخره، قال: نعم، قلت: عمن، قال: عن أنس، قال: عمن، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم 2 وهذا غلط لما روى خباب ابن الأرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا صممت فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كانتا نورًا بين عينه يوم القيامة" 3، ولأن الخلوف تكره إزالته لقوله صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
وروى عن على رضي الله عنه أنه قال: إذا صممتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي 4. وروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يستاك ما بينه وبين الظهر ولا يستاك بعد ذلك 5. وأما خبرهم قال الدارقطني أبو إسحاق الخوارزمي [ضعيف] ويحتمل

أن يكون ذلك استدلالًا من عاصم الأحوال لا سماعًا فإذا تكرر هذا لا فرق عندنا بين رطب السواك ويابسه، وبه قال جماعة العلماء، وقال مالك وإسحاق وأحمد في رواية يكره بالعود الرطب لأنه يجلب الفم كالعلك وهو مذهب عباة والشعبي والحكم.
وهذا غلط لأنه روي عن ابن عمر رضي الله عنه [337 أ/4] أنه قال: لا بأس بالسواك الرطب واليابس (1). قال علي رضي الله عنه: لا بأس بالسواك الرطب الأخضر، وأما ما قالوا قلنا رطوبة ليست بأكثر من رطوبة الماء ولا يجاوز به الأسنان فلا يجلب الفم والعلك يدعو القيء ويورث العطش ويجلب الفم فافترقا.
وقال القفال: إن كان رطبًا يخاف أن يصل إلى جوفه يكره السواك وبه ولو وصل ذلك فطره.
وحكي بعض أصحابنا عن أحمد أنه قال: يكره ذلك في الفرض دون النفل لتخفيف حكم النفل فلا بأس بإزالة الخلوف فيه وهذا لا يصح لأن ما يكره في الفرض فإنه يكره في النفل كالمبالغة في المضمضة.

باب صيام التطوع والخروج منه قبل إتمامه

قال أخبرنا سفيان..... الخبر.
وهذا كما قال: إذا دخل في صوم التطوع أو صلاة التطوع فهو مخير إنشاء أتمه وإن شاء خرج منه والإتمام أفضل.
وقال بعض أصحابنا: يكره له الخروج منهما فإن خالفا وخرج لا يأثم ولا يلزمه القضاء، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنه.
وقال أبو حنيفة: يجب المضي في ولا [337 ب/4] يجوز له الإفطار إلا بعذر وهو شفاعة الصديق والوالدين وإذا أخرج يلزمه القضاء وبه قال الأوزاعي وقال مالك يجب بالدخول فيه ولا يخرج إلا بعذر فإن خرج بعذر لا يلزمه القضاء وإن خرج بغير عذر يلزم القضاء، واحتجوا بما روي أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي لهما حيس فأفطرتا ثم سألتا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اقضيا يومًا مكانه" 2، وهذا غلط للخبر الذي رواه الشافعي عن عائشة رضي الله عنهما قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا خبأنا لك حيسًا فقال:"أما أني كنت أريد الصوم ولكن قربيه" 3 والحيس طعام يتخذونه من سويق وخبز وقيل من تمر وأقط وفيه نظر.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل عندك شيء قلت: لا، قال: إذا أصوم ثم دخل علي يومًا آخر فقال: عندك شيء فقلت نعم فقال إذا فطر وإن فطر وإن كنت قد فرضت الصوم" 4، واحتج بخبر آخر وهو"أن النبي صلى الله عليه وسلم1

صام في [338 أ/4] سفر حتى بلغ كراع الغميم ثم أفطر" ووجه الدليل أن المسافر هو مخير في ابتداء نهاره بين الشروع في الصوم وبين الفطر وإذا شرع كان مخيرًا أيضًا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك هاهنا، واختلف أصحاب أبى حنيفة في هذا وظاهر مذهبهم جواز الفطر له ثم احتج بعده بآثار الصحابة في الصوم والصلاة فقال: وركع عمر ركعة ثم انصرف فقيل له في ذلك أي: روجع فيه فقال: إنما هو تطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص وعند أبي حنيفة ليس له أن ينقص عما نواه.
قال الشافعي: ويخالف هذا الحج والعمرة فإنه إذا شرع فيهما ثم أفسدهما فإنه يلزمه القضاء لأنهما أكد لزوماً وأغلظ حكماً ترى أنه يلزم المضي في فاسدهما بخلاف غيرهما واحتج في سقوط القضاء بما روت أن هانئ رضي اللهم عمها قالت: دخل رسول صلى الله عليه وسلم وأنا صائمة فناولني فضل شرابه فشربت ثم قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني كنت صائمة وإني كرهت أن أرد سؤرك فقال: إن كان قضاء من رمضان فصومي يوماً مكانه وأن كان تطوعاً [338 ب/4] فإن شئت فاقضيه وإن شئت فلا تقضيه" 1، وأما خبر عائشة وحفصة فنحمله على الاستحباب بدليل هذا الخبر.
فرع إذا دخل في صوم واجب أداء أو صلاة واجبة أداء أو صوم نذر بعينه لم يكن له الخروج فيه من غير عذر لأنه أوجب عليه فيه بعينه، وإن كان في الذمة غير متعين كقضاء الصوم والصلاة والنذر المطلق والكفارة لا يجوز له الخروج منه إذا دخل فيه، نص عليه "الأم"، لأن هذا واجب عليه في زمان لا يعينه وإذا تلبس به كان تعييناً كذلك الزمان وصار بمنزلة الفرض المعين بخلاف النافلة.
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أحدكم على أخيه وهو صائم فسأله أن يفطر إلا أن يكون ذلك الصوم نذراً أو كفارة أو قضاء من صوم شهر رمضان" 2. ومن أصحابنا بخراسان من قال: إن كان يفطره في رمضان عاصيًا عصى بفطره في القضاء لأن قضاءه مضيق الوقت فما من يوم يؤخر القضاء فيه إلا وهو عاصٍ به، وكذلك الكفارة إذا لزمته بسبب غير مباح لا يجوز له الفطر لأنه مضيق الوقت، وإن كان يفطره معذورًا [339 أ/4] كالمريض والمسافر لا يعفي إذا أفطر في القضاء لأن وقته موسع وهو متبرع بالشروع فيه وهو اختيار القفال، وكذلك لو لزمته الكفارة بسبب هو غير عاصٍ به وهذا حسن، ولكنه خلاف المنصوص.
فرع ذكره والدي رحمة الله: لو كان عليه قضاء رمضان فسهي عنه حتى دخل رمضان

آخر، فإن كان الإفطار الذي وجب به القضاء لعذر لم يلزم الإطعام، وإن كان لغير عذر يحتمل وجهين أحدهما: يلزمه الإطعام مع القضاء، والثاني: لا يلزم.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله لو نوى في النهار قبل الزوال صوم القضاء لم يجز عنه وهل يجوز عن النفل؟ وجهان والصحيح جوازه كما لو أحرم بالصلاة قبل وقتها انعقدت نفلًا.
فرع آخر قال والدي رحمه الله: لو شك في الليل هل نوى أو لم ينو فعليه إعادة النيَّة، وإن كان الشك بعد الفجر فإن كان من صوم النفل يلزمه إعادة النية قبل الزوال، وإن كان في الفرض في وجهان أحدهما: لا معنى لصومه، والثاني: لا تأثير للشك في صومه وصومه صحيح.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله أيضًا: [339 ب/ 4] لو نوى لصوم كفارة اليمين قبل الحنث ثم حنث قبل طلوع الفجر هل يصح أداء صوم الغد عن الكفارة بتلك النية يحتمل وجهين.
فرع آخر لو قال: لله عليَّ إتمام كل صوم أدخل فيه فنوى صوم يوم بعد الفجر صح وصار فرضًا بعد الشروع، لأن ابتداءه نفل ولهذا لو قال: لله علىَّ إتمام كل صلاة أشرع فيها كان له الشروع في صلاة بعد أداء الفريضة بتيممه الأول، وقال القاضي الحسين لو قال: هذا على وجه اللجاج يعني لا أشرع فيه فموجبه موجب نذر اللجاج يخرج عنه بكفارة يمين في أحد الأقوال.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله: إذا كان صائمًا صوم القضاء فاعتذر بعد الفجر أنه صائم عن النفل أو النذر غربت الشمس وهو على هذا الاعتقاد هل يصح صومه عن القضاء أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح وهذا إذا قلنا: إذا نوى إبطال الصوم يبطل وهو أصح الوجهين وينبغي أن يقال على هذا الوجه لا فرق بين علمه أنه في صوم القضاء........... غيره ولا فرق بين أن يمضي على هذا الاعتقاد إلى الليل أولًا لأن الاحتساب لا يقع بالنذر الذي [340 أ/ 4] قارنه هذا الاعتقاد، وإذا لم يكن صوم بعض اليوم محسوبًا من صوم الفرض لم يصح باقيه ويفارق الصلاة إذا كان في فرض فاعتقد أنه في النافلة ثم يذكره قبل التحلل لم يبطل، لأنه يمكنه إعادة ما فعله بنية النفل

على الاتصال، فإذا أعاده صحت صلاته ولا يمكنه في الصوم إعادة ما فعله بنية النفل على الاتصال لأن زمان الليل لا يقبل الصوم بحال فبطل وعلى هذا لو كان في صوم النفل فاعتقد بعد الفجر أنه في صوم الفرض، وإن تعمد إلى هذه النية ففي بطلان الصوم عن النفل وجهان وأصلهما إذا نوى إبطال الصوم، وإن لم يتعمد إلى هذه النية بل ظن أن شروعه كان في صوم الفرض ومضى على ذلك حتى غربت الشمس فهل يقع الاحتساب بالقدر الذي قارنه الفرض؟ عندي يقع الاحتساب به لأن الصوم المفعول بنية الفرض إذا لم يصح عن الفرض صح عن النفل إذا كان الزمان قابلًا للنفل، كما لو كان عنده أن علي صوم القضاء فشرع فيه بنية القضاء ثم بان أنه لم يكن عليه صوم [340 ب/ 4] القضاء صح عن النفل ويفارق ما ذكرناه، إذا كان في صوم القضاء فظن أنه في النفل واعتقد ذلك بعد الفجر لم يقع الاحتساب لصوم ذلك اليوم في أحد الوجهين لأن الصوم بنية النفل لا يصح أداء القضاء به بوجه من الوجوه والمفعول... الفرض قد يؤدي به النفل فهما يفترقان، وهذا واضح.
فرع آخر قال والدي رحمه الله: إذا نوى في الليل أنه يصوم هذا عن قضاء رمضان وهو يعلم أن لا قضاء عليه هل يقع صومه عن النفل وجهان: أحدهما: لا يقع كما لو أحرم بالصلاة بنية القضاء وهو يعلم أنه لا قضاء عليه لم يصح عن النافلة، وإن صح عنها عند الخطأ فكذلك يفصل بين العلم والخطأ في الصوم، وهذا إذا قلنا: إن طريان نية الفرض على صوم النفل مع التعمد لا يبطل الصوم لأن هذ النية لما لم تقدح في حال الاستدامة لم تقدح في حال الابتداء.
فرع ذكره والدي إذا شرع في صوم التطوع ثم نذر إتمامه يلزمه الإتمام في أصح الوجهين ولا فرق بين ما قبل الزوال أو بعده لأن ما يلزم به الإتمام لا فرق بين وجوده قبل الزوال أو بعده [341 أ/ 4] كالإقامة الطارئة على السفر يلزم بها الإتمام في أحد الوجهين، ولا فرق بين ما قبل الزوال أو بعده في ذلك فإن لم يكن صائمًا فنذر صوم ذلك اليوم فإن كان قبل الزوال صح النذر في أحد الوجهين وهو الصحيح، وإن كان بعد الزوال فإن قلنا: صوم النفل يصح بعد الزوال صح النذر، وإن قلنا بالقول الآخر وهو الأصح لم يجز النذر والله أعلم.

باب الوصال

قال: أحبرنا مالكُ.... وذكر الخبر.
وهذا كما قال: أعلم أن معنى الوصال وصل صوم الليل بصوم النهار، وقد كان

ذلك جائز لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دوننا لأخبار جاءت فيه روى الشافعي منها واحدًا في هذا الباب بإسناده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال فقالوا: يا رسول الله إنك تواصل أي: كيف تنهانا عن أمر أنت تفعله؟ فقال: "إني لن مثلكم إني أطعم وأسقى 1 "وروي: "أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني "وقيل في ذلك معان.
أحدها: أنه كان يُطعم ويسقى من طعام الجنة.
والثاني: أنه أراد [341 ب/ 4] إني على ثقة من أن يطعمني طعام الجنة.
والثالث: وهو الأصح معناه: إني أعطى قوة الطاعم والشارب، لأنه لو كان ذلك إطعامًا على الحقيقة لم يكن مواصلًا وقيل: أراد محبة ربي تمنعني من الطعام والشراب، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لم يكتب عليكم صيام الليل فمن شاء فليُعن نفسه ولا أجر له 2 " وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل فواصلوا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم فلم ينتهوا فقال: "لو أن الشهر مدَّ لي لواصلت وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم إني لست مثلكم إني يطعمني ربي ويسقيني 3 "ولأن فيه ضعفَا ومشقة في أداء الفرائض والعبادات فيكره ثم بيَن الشافعي جواز تخصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم لا يشاركه فيه غيره من أمته فقال وفرق الله تعالى بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له وحظرها عليهم، وفي أمور كتبها عليه وخففها عنهم، فإذا تقرر هذا فالوصال المكروه هو أن لا يطعم بالليل بين يومي الصوم ويستديم جميع أوصاف الصائمين فلو ذاق يئًا وإن قل [342 أ/ 4] فقد خرج عن الكراهة، ولو ترك الأكل بالليل لا على قصد التقرب ولا نوى أن يصوم من الغد لا يكون مواصلًا، ولو واصل من سحر إلى سحر جاز لما روى ابن المنذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر ". فرع هل هذا النهي نهي تحريم أم تنزيه؟ ظاهر كلام الشافعي أنه تحريم لأنه قال: فرق الله تعالى بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له وحظرها عليهم فقد ذكر الوصال وهو ظاهر النهي في الخبر يدل على تحريمه، ومن أصحابنا من قال: النهي نهي تنزيه لأنه ترك أكل المباح فنهى عنه لما يلحقه من الضعف والمشقة وذلك لا يقتضي التحريم، وروي أن ابن الزبير كان يواصل وعلى كلى الوجهين لو خالف وفعل لم يكن بالليل صائمًا بل يكون مفطرًا ممسكًا لأن الفطر يحصل بدخول الليل نوى الإفطار أو لم ينو، وإذا أصبح من غده صائمًا صح صومه لأن النهي ما تناوله وإنما تناول ترك الأكل ليلًا.

باب صوم يوم عرفة وعاشوراء

قال: أخبَرَنا شفيانُ... وذكر الخبر.
وهذا كما قال: [342 ب/ 4] جملته أن صوم يوم عرفة هو مستحب لغير الحاج الواقف بعرفة، فأما الحاج فيستحب له أن يفطر يوم عرفة بكل حال، قال الشافعي: لأن الحاج مسافر مُضح وأراد به أنه متعرض للشمس، فإذا صام ضعف عن الدعاء يوم وأفضل الدعاء يوم عرفة فحيازة فضيلة الدعاء في ذلك الوقت أفضل من الصوم فيه، وقبل: يستحب أن يصوم يوم التروية معه للاحتياط حتى لا يفرته فضيلة يوم عرفة، وقيل: غلط المزني في حكاية هذا التعليل في قوله: مضح وإنما هو ضاح ذكره في "الإملاء "، أي: تأزر للمس ومنه قوله تعالى: ﴿وأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا ولا تَضْحَى﴾ [طه: 119] أي: لا تصيبك الشمس فتؤذيك فأما المضحي فهو الداخل في وقت الضحوة وليس ذلك وقت الوقوف بعرفة، وقيل: المضحي هو الواقف في الضحى والضحى هو الفضاء، وقال عطاء: إن كان صيفًا فالأولى له الإفطار، وإن كان شتاًء فالأولى له الصوم، وقد قال به بعض أصحابنا، وهذا لأنه إذا كان قويًا في الشتاء لا يؤثر فيه الصوم فيكون [343 أ/ 4] جامعًا بين العبادتين، وروي أن عائشة رضي الله عنها كانت تصوم يوم عرفة 1، وقال هذا القائل هذا اصح وأنا أقول به مثله، وبالله التوفيق وذا غلط، بدليل ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن صوم يوم عرفة 2 "، وقال ابن عمر: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر بصيامه ولا أنهي عنه 3، وروي عن سعيد بن جبير قال: أتيت ابن عباس بعرفة وهو يأكل رمَّانَا فقال: ادن فكل لعلك صائم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم هذا اليوم 4، وحكي عن أبي حنيفة أنه يستحب له صومه إلا أن يضعفه عن الدعاء ويقطعه عنه، وروت أم الفضل بنت الحارث: أن أناسًا اختلفوا عندها في يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو قائم بعرفة فشرب 5، وأما صوم يوم عاشوراء يستحب أيضًا وهو صوم اليوم العاشر من المحرم والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم [343 ب/ 4] قال: "صيام يوم عرفة كفارة السنة والسنة التي تليها وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة 6 " وأراد بقوله كفارة السنة والسنة التي تليها ما جاء في

خبر آخر مفسرًا صيام يوم عرفة يكفّر سنة قبلها وسنة بعدها، ولا يوجد في ثواب شيء من العبادات أن يكون تكفير ذنوب زمان لم يأت بعد، وإنما حض الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]، وقيل: أراد به أنه كفارة سنتين ماضيتين وقيل: صوم يوم عرفة هو أفضل من كل يوم يتطوع به الإنسان لهذا المعنى، وقال زؤيبة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا في يوم عاشوراء أن نتفل في أفواه الصبيان، وقال: "لا تسقوهم شيئًا إلى الليل ". قال أصحابنا: ويستحب أن يصوم اليوم التاسع من المحرم مع اليوم العاشر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صام يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان في العام المقبل صمنا اليوم التاسع "ثم لم [344 أ/ 4] يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم 1 وأراد بقوله صمنا اليوم التاسع أي: مع العاشر.
وقال بعض أصحابنا: الأكمل أن يصوم اليوم التاسع معه فإن لم يصمه يصوم الحادي عشر معه حتى يخالف اليهود وإذا قلنا: يؤمر به احتياطًا لما روى شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه كان يصوم عاشوراء يومين يوالي بينهما مخافة أن يفوته 2. فعلى هذا لو لم يصم التاسع لا يصوم الحادي عشر بدله، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عشت إن شاء الله إلى قابل صمت التاسع مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء "، وقيل: أمر بصوم يوم تاسوعاء للاحتياط من أن يخرج ذو الحجة ناقصًا وهو لا يعلم ذلك فيفوت عنه صوم العاشر ومن العلماء من قال: صوم يوم عاشوراء هو صوم اليوم التاسع من المحرم وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة وجد اليهود يصومون يومًا فقال: "ما هذا "قالوا يوم أنجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وأغرق فرعون فقال: "أنا أحق بموسى منهم "فأمر مناديه "ألا من [344 ب/ 4] أكل فليمسك بقية نهاره ومن لم يأكل فليصم 3 "، وكان غرق فرعون في اليوم العاشر من المحرم، وروي أنه "سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اليوم الذي يصومون فيه فقالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وأغرق فرعون فسكت حتى أصبح يوم عاشوراء فأمر الناس بالصيام وأخبر.... 4 موسى هذا وإن اليهود ضلوا عنه كما ضلوا عن يوم الجمعة "قال القفال: وهذا أصح لأن اليهود لا يصومون الآن يوم عاشوراء بل يصومون يومًا آخر وقد ذكرنا أنه لم يكن واجبًا قط، وهو ظاهر المذهب لما روى الشافعي عن حميد بن

عبد الرحمن: أنه سمع معاوية رضي الله عنه يوم عاشوراء على المنبر يقول يا أهل المدينة أين عطاؤكم سمعت رسول الل صلى الله عليه وسلم يقول: "هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر 1 "، ومن أصحابنا من قال: إنه كان واجبًا وهو قول أبي حنيفة، ومن أصحابنا من قال: صوم المحرم أفضل من صوم سائر شهور السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي: الصوم أفضل [345 أ/ 4] بعد رمضان؟ فقال: "شهر الله المحرم 2 ". فصل قال أصحابنا: يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بستة من شوال ليكون جميع صيامه سنة وثلاثين يومًا فيكون له صيام السنة كلها كما قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان وأتبعه بستة من شوال فكأنما صام الدهر 3 "، وبه قال أحمد وجماعة العلماء، وقال أبو يوسف: كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صيامًا خوفًا من أن تلحق ذلك بالفرض وحكاه محمد عن مالك ولم يذكر خلافه، وقال في الموطأ: يكره له ذلك وما رأيت أحدًا من أهل الفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه وهذا كله غلط، لما ذكرنا والأولى أن تكون متتابعة عقيب الفطر فإن... 4 الفضيلة، وقد روى أبو حنيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام ستة أيام بعد الفطر فكأنما صام السنة 5 "، وهذا خبر غريب، وروى ابن عباس [345 ب/ 4] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصائم الستة بعد رمضان كالكار بعد الغار "قال أصحابنا: ومن أراد أن يصوم شهرًا فأفضل الشهور بعد المحرم شهر رجب لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصوم أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: "شهر الله الأصم "وروي: "الأصم "لأن الله تعالى يصب فيه الرحمة صبًا.
وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوم أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين، وصوم الثاني منه كفارة سنتين، وصوم اليوم الثالث منه كفارة

سنة ثم صوم كل يوم منه كفارة سنة ثم بعد رجب شهر شعبان 1 "، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يذهب كثير من وحر صدره فليصم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر "وأراد بشر الصبر شعبان، وقيل: رمضان 2، ومعنى وحر صدره أي: غل صدره وبلابله ومن أراد أن يصوم أيامًا فيستحب له أن يصوم أيام البيض، قال أعرابي: يا رسول الله إني أصوم ثلاثة أيام من الشهر فقال: "إن كنت صائمًا فصم الغر 3 "، قال ابن قتيبة [346 أ/ 4] الغر: البيض بطلوع القمر في جميعها.
وروى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان صائمًا من الشهر فليصم الأيام البيض 4 "، وروي أنه قال: "هي كهيئة صوم الدهر "يعني: أن صوم ثلاثة أيام بشهر وإن صام ثلاثة من الشهر غيرها فيستحب أيضًا لما روي عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت منها صوم ثلاثة أيام من كل شهر 5 "، وقالت حفصة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من الشهر الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى 6 "، وروت عائشة رضي الله عنها قالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبالي أي أيام الشهر يصوم هذه الثلاثة 7 " فقيل: هذه الثلاثة صوم أيام البيض وقيل: إنها يوم الاثنين والخميس والاثنين الآخر من الجمعة الأخرى، ويستحب أن يصوم يوم الاثنين والخميس، قال أسامة بن زيد رضي الله عنه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع صيام يوم الاثنين والخميس، وقال: هما يومان [346 ب/ 4] تعرض فيهما الأعمال فأحب أن يعرض لي فيهما عمل صالح 8. وروى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: "فيه ولدت وفيه أنزل القرآن 9 " ويستحب لمن قدر أن يصوم صوم داود عليه السلام وقيل: إنه أفضل من صوم الدهر لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب الصيام إلى الله تعالى صيام أخي داود صلى الله عليه وسلم كان يصوم يومًا ويفطر يومًا وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود وكان يرقد شطر الليل ويقوم ثلثه ثم يرقد آخره 10 ".

فرع قال أصحابنا: لا يكره صوم الدهر إذا أفطر في أيام النهي ولم يترك فيه حقًا ولم يخف ضررًا ولفظ الشافعي في "مختصر البويطي "لا بأس بسرد الصيام إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها وبه قال عامة الفقهاء، وهذا لما روت أم كلثوم مولاة أسماء رضي الله عنها قالت: قيل لعائشة رضي الله عنها: تصومين الدهر وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر؟ قالت: نعم وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [347 أ/ 4] ينهى عن صيام الدهر ولكن من أفطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إنما نهى رسول الله صلى الله علي وسلم عن صوم الدهر لأنه يضعف عن العبادات وهو يشبه النفل الذي نهى عنه ولو أراد بالنهي صوم هذه الأيام كلا ما كان لتخصيص الأيام الستة بالنهي معنى ولما خص الأيام الستة دل على أن صوم الباقي جائز وهكذا إذا خاف ضررًا وضعفًا في أداء العبادات لا يستحب ما ذكرنا من صيام الأيام المستحبة لما روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين سليمان وبين أبي الدرداء فجاء سليمان يزور أبا الدرداء فرأى أم سلمة متبذلة فقال ما شأنك فقالت: إن أخاك ليست له حاجة في شيء من الدنيا فقال: سليمان يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا وعبيدك عليك حقًا فصم وافطر وقم ونم وآت أهلك وأعط كل ذي حق حقه فذكر أبو الدرداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال سليمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "مثل ما قال سليمان.
والدليل على ما ذكرنا أن أبا طلحة الأنصاري كان لا يفطر في حضر ولا في سفر فلم يعبه رسول الله [347 ب/ 4] صلى الله عليه وسلم ولا نهاه عن ذلك، ومن العلماء من قال: يكره ذلك لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله كيف تصوم؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله فلما رأى ذلك عمر رضي الله عنه قال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، فلم يزل عمر يرددها حتى سكن غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال عمر: يا رسول الله كيف من يصوم الدهر كله؟ قال: "لا صام ولا أفطر "قال: يا رسول الله كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال: "أو يطيق ذلك أحد "قال: كيف يا رسول الله كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: "ذلك صوم داود "قال: يا رسول الله كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال: "وددت لو أني أطقت ذلك "، قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله 1 "قلنا: يشتبه أن يكون غضب النبي صلى الله عليه وسلم من كراهة أن يقتدي به السائل في صومه فيتكلفه ثم يعجز عنه أو يمله بقلبه فيكون صيامًا من غير إخلاص، وقوله: "لا صام ولا أفطر "معناه لم يصم ولم يفطر [348 أ/ 4] ومعناه الدعاء عليه كراهة لصنيعه وزجرًا له عن ذلك إذا لم يفطر في شيء من الأيام، وإن نهى عن صيامها أو إذا لم يقوِ على ذلك على ما ذكرنا.

جارٍ التحميل