بحر المذهب للرويانيصفحات 398-437

حلف بعتقه عتق، وإن تزوج عليها بعد انقضاء عدتها لم يلحقها بالحنث طلاق، لأنه لا يلحقها بالمباشرة طلاق، فلو تزوجها بعد انقضاء العدة نم تزوج عليها نظرت، فإن كان قد تزوج عليها بعد انقضاء عدتها وقبل استئناف نكاحها لم تطلق إذا تزوج عليها بعد استئناف نكاحها لسقوط الشرط بالتزوج الأول وإن لم يتزوج عليها إلا بعد استئناف العقد الباقي عليها، ففي حنثه بوقوع الطلاق عليها قولان: أحدهما: يطلق لوجود عقد اليمين وشرط الحنث في نكاحها.
والثاني: لا يطلق بالحنث لاختصاص يمينه بنكاح مضى فلم يجز أن يقع الحنث بها، في نكاح مستقبل، لأنه لا طلاق قبل نكاح.
والثالثة: أن يتزوج عليها في النكاح وهي في عدةً من طلاق بائن، فلا يحنث بطلاقها، لأنه لما لم يقع عليها الطلاق لو باشرها بالطلاق، كذلك لم تطلق إذا حنث بالطلاق، فإن تزوجها من بعد نكاح مستجد، وتزوج عليها بعد أن كان قد تزوج لم يحنث، ولو تزوج عليها وإن لم يكن قد تزوج، فإن قيل في الطلاق الرجعي: لا يحنث، ففي هذا أولى أن لا يحنث وإن قيل في الطلاق الرجعي: إنه يحنث ففي هذا الطلاق البائن قولان: أحدهما: يحنث.
والثاني: لا يحنث وقد مضى مثل هذا في كتاب الطلاق مشروحًا معللًا.
مسألة: قال الشافعي: " فإن قال: أنت طالق ثلاثا إن لم أتزوج عليك ولم يوقت، فهو على الأبد لا يحنث حتى يموت أو تموت هي قبل أن يتزوج عليها، وإن تزوج عليها من يشبهها أو لا يشبهها خرج من الحنث دخل بها أو لم يدخل بها، وإن ماتت لم يرثها، وإن مات ورثته في قول من يورث المبتوتة إذا وقع الطلاق في المرض.
قال المزني: قد قطع في غير هذا الكتاب أنها لا ترث قال المزني: وهو بالحق أولى: لأن الله تبارك وتعالى ورثها منه بالمعنى الذي ورثه به منها، فلما ارتفع ذلك المعنى، فلم يرثها لم يجز أن ترثه.
" قال في الحاوي: وهو كما قال: والحنث في هذه المسألة يخالف الحنث في التي تقدمها، لأنه جعل تزويجه عليها في الصالة الأولى شرطًا في وقوع الحنث، وجعله في هذه المسألة شرطًا في البر، وإذا قال في هذه المسألة إن لم أتزوج عليك فأنت طالق، فإنه على التراخي لا يحنث إلا أن يفوته التزوج عليها بموته أو موتها، فلو قال: إذا لم أتزوج عليك فأنت طالق كان على الفور يحنث إن أخر التزوج عليها، والفرق بين إن وإذا في هذا الموضع، حيث جعلنا إن على التراخي وإذا على الفور من وجهين:

أحدهما: بأن "إن" موضوعةً للفعل، فاعتبر فيه فوات الفعل بموت أحدهما، فصار كقوله: إن فاتني التزويج عليك فأنت طالق، "وإذا" موضوعة للزمان، فاعتبر فيها إمكان الزمان، فصار كقوله: إذا مضى زمان التزويج عليك، فأنت طالق، وهو فرق أكثر أصحابنا.
والثاني: ذكره أبو علي بن أبي هريرةً أن "إن" موضوعةً للشك فيما قد يكون فلم يثبت حكمها إلا بعد زوال الشك بالفوات فصارت على التراض، وإذا موضوعةً لليقين فاعتبر فيها التعجيل فصارت على الفور.
فهذان الفرقان بين "إن" و"إذا" كانا على نفي فعل فقال: إن لم أتزوج، وإذا لم أتزوج، وأما إذا كانا شرطًا في إثبات فعل، فقال؛ إن تزوجت عليك، وإذا تزوجت عليك، مهما سواء، في آن الفعل متى وجد على الفور أو على التراخي، تعلق به حكم واستوي فيه "إن" و"إذا"؛ لأن ما تعلق بالفعل كان وجوده هو الشرط المعتبر فاستوي فيه الفور والتراخي فأما إذا جعلا شرطًا في معاوضةَ الخلع، فقال: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق، أو قال: إذا أعطيتني ألفًا فأنت طالق فهما سواء في اعتبار العطية على الفور، ويستوي حكم: "إن" و"إذا"؛ لأنه يغلب فيه حكم المعاوضةَ التي يعتبر الفور فيها، وذلك على ما يقضيه افتراق الحرفين.
ولو قال: متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق كان على التراض بخلاف "إن" و"إذا"؛ لأن لفظةً متى صريحةً في اعتبار الفعل فاستوي فيه حكم الفور والتراخي.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا فلا يخلو حاله في يمينه هذه ومن بر أو حنث؟ فإن بر في يمينه بأن تزوج عليها على الفور في قوله: إذا لم أتزوج عليك فأنت طالق، أو على التراخي في قوله: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق؛ كان بره معتبرًا بوجود عقد نكاح صحيح على مكافئة لها في النسب والجمال؟ أو غير مكافئةً، وقال مالك: لا يبر حتى يتزوج عليها من يكافئها في نسبها وجمالها، فإن تزوج دونها في النسب والجمال لم يبر؟ لأن قصده بيمينه إدخال الغيظ عليها، وغيظها يخص بمن يكافئها، فأما من لا يكافئها فهو نقص يدخل عليه دونها، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن حكم الأيمان معتبر بصريح الألفاظ دون المقاصد والأغراض، والاسم موجود في الحالين فاستوي حكمهما في البر، لأنه لما استوي حكمهما في الحنث، إذا قال إن تزوجت عليك فأنت طالق، أنه متى تزوج عليها مكافئةٍ أو غير مكافئةٍ حنث كذلك وجب أن يستوي حكمهما في البر إذا قال: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق، أنه منى تزوج عليها مكافئةٍ أو غير مكافئةٍ أن يبر، وما اعتبر من إدخال الغيظ عليها، ولو قلب عليه بأن إدخال الغيظ عليها بنكاح غير المكافئةً أكثر لكان أشبه، وإن لم يكن إدخال الغيظ عليها معتبرًا ومتى وجد العقد استمر البر، ولم يكن الدخول فيه شرطا في البر،

وقال مالك: لا يبر بالعقد حتى يقترن به الدخول؛ لأن مقصود العقد في إدخال الغيظ عليها وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنه لما لم يعتبر الدخول فيه إذا علق بالحنث كذلك لا يعتبر إذا علق بالبر.
والثاني: أنه زيادةً لم تذكر فكان ملغى كالحبل.
فصل: وإن حنث في يمينه لم يخل حنثه أن يكون بالثلاث أو دونها، فإن كان بما دون الثلاث توارثًا في العدةً، ولم يتوارثا فيما بعدها، وإن كان حنثه بالثلاث لم يخل أن يكون معتبرًا بالفوز أو التراخي، فإن كان معتبرًا بالفوز، لأنه قال: إذا لم أتزوج فأنت طالق ثلاثًا، لم يتوارثها فيه إذا كان عقد اليمين في الصحةَ، وإن كان معتبرًا بالتراخي، لأنه قال: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق ثلاثًا، فلا حنث ما لم يمت واحد منهما، فإن مات أحدهما وسر الحنث قبل الموت بزمان يضيق عن عقد النكاح، فيحنث بفوات العقد لقصور زمانه قبل الموت، وتصير كالمبتوتةً في مرض الموت، وإن كانت هي الميتةً لم يرثها لوقوع الفرقةَ باختياره، وإن كان هو الميت ففي ميراثها منه قولان من ميراث المبتوتةً في المرض؛ لأنه بالامتناع من التزويج عليها كالموقع إطلاقها في مرض موته، والله أعلم.

باب الإطعام في الكفارة في البلدان كلها ومن له أن يطعم وغيره

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: " ويجزئ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِنْطَةٍ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ بَلَدٍ يَقْتَاتُونَ الذُّرَةَ أَوِ الْأُرْزَ أَوِ التَّمْرَ أَوِ الزَّبِيبَ أَجْزَأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَا مُدٌّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يَجْزِي لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى بِعِرْقِ تَمْرٍ فَدَفَعَهُ آلي رَجُلٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَالْعرقُ فِيمَا يُقَدَّرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَذَلِكَ سِتُّونَ مُدَّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ في كل بلادٍ سواءٌ" قال في الحاوي: اعلم آن الكفارةَ تنقسم ثلاثةَ أقسام: قسم وجب على الترتيب في جميعه.
وقسم وجب على التخيير في بعضه والترتيب في بعضه، فأما ما كان بوجوبه على الترتيب في جميعه فكفارة الظهار والقتل والوطء في شهر رمضان، يبدأ بالعتق فإن لم يجده فالصيام، فإن عجز عنه فالإطعام، وأما ما كان وجوبه على التخير فكفارةُ الأذى، وهو مخير بين دم شاةً أو إطعام ستةَ مساكين أو صيام ثلاثةُ أيام، وجزاء الصيد هو مخير بين مثله من النعم أو قيمةَ المثل طعامًا أو عدل ذلك صيامًا، وأما ما كان وجوبه على

التخيير في بعضه، والترتيب في بعضه فكفارةُ اليمين، قال الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: (89)] الآية، فجعله مخيرًا بين هذه الثلاثة، ثم قال: فمن لم يجد فصيام ثلاثةَ أيام، فجعل الصيام مرتبًا على العجز بعد المال، فبدأ الشافعي بالإطعام، لأن الله تعالى بدأ به لقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: (89)] فنص على عدد المساكين أنهم عشرةً فلا يجوز الاقتصار على أقل منهم لمخالفةَ النص وقال في طعام كل مسكين احتمالًا يقدره بحد فقال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: (89)] فاختلف العلماء في قدر ما يطعم كل مسكين منهم على مذاهب شتى: أحدها: ما حكاه الحارث عن علي بن أبي طالب وقاله محمد بن كعب القرظي، والحسن البصري: إنه غداء وعشاء لكل مسكين.
والثاني: ما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير أن يعتبر المكفر في عياله فإن كان يشبعهم أشبع المساكين، وإن كان لا يشبعهم فيقدر ذلك في طعام المساكين.
والثالث: ما قاله بعض فقهاء البصرةَ أنه أحد الأمرين من غداء وعشاء.
والرابع: ما قاله أبو حنيفةَ: أنه إن كفر بالحنطةً أعطى كل مسكين نصف صاع، وإن كفر بالتمر أو الشعير أعطى كل مسكين صاعًا، وعنه في الزبيب روايتان: أحداهما: صاع كالتمر.
والثانيةُ: نصف صاع كالبر.
والخامس: ما قاله الشافعي أنه يعطي كل مسلم مدًا واحدًا من أي صنف أخرج من الحبوب وبه قال من الصحابة عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأبو هريرةً رضي الله عنهم ومن التابعين عطاء وقتادةَ، وهكذا كل كفارةً أمسك عن تقدير الإطعام فيها مثل كفارةَ الظهار والقتل إذا قيل: إن في كفارة القتل إطعامًا على أحد القولين يقدر إطعام كل مسكين بمد واحد في أي يد كفر، ومن أي جنس أخرج، وقد تقدم الكلام فيه مع أبي حنيفةً في كتاب الطهارةَ، ومن الدليل عليه الكتاب والسنةَ والدليل.
فأما الكتاب، فقوله تعالى: "مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ " [المائدة: (89)] فكان الأوسط محمولًا على الجنس والقدر، فأوسط القدر فيما يأكله كل إنسان رطلان من خبز، والمد رطل وثلث من حب إذا أخبز كان رطلين من خبز هو أوسط الكفارةً.
وأما السنة فما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الواطئ في شهر رمضان أن يطعم ستين مسكينًا فقال: لا أجد، فأتي بفرق من تمر فقال: أطعمه ستين مسكينًا، والفرق: خمسةَ عشر صاعًا يكون ستين مدًا، فجعل لكل مسكين مدًا، وآما الاستدلال فهو أن إطلاق الإطعام لو لم يقدر بالنص لكان معتبرًا بالعرق، وعرف من اعتدل أكله من الناس ولم يكن من المسرقين ولا من المقترين أن يكتفي بالمد في أكله، وليس ينتهي إلى صاع، هو عند

أبي حنيفة ثمانيةَ أرطال، وما خرج عن الفرق لم يعمر إلا بنص.
فإن قيل: فقد قدر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإطعام في فديةَ الأذى بمدين لكل مكين فلما لا جعلتموه أملًا في كفارةً اليمين وقدرتموه بمدين لكل مسكين قيل: لأمرين: أحدهما: أنه لما قدر في كفارة الواطئ بمد وفي كفارةَ الأذى بمدين، وترددت كفارةُ اليمين بين أصلتن وجب أن يعبر الأقل لأنه تعين.
والثاني: أنه لما خففت فديةَ الأذى بالتخيير بين الصيام والإطعام تغلظت بمقدار الطعام، ولما غلظت كفارةَ الأيمان بترتيب الإطعام، على الصيام تخففت بمقدار الإطعام تعديلا بينهما في أن تتغلظ كل واحدةً من وجه وتتخفف من وجه.
مسألة: قال الشافعي: "ولا أرى أن يجزئ دراهم وان كانت أكثر من قيمة الإمداد".
قال في الحاوي: لا يجوز أن يخرج في الكفارةَ قيمةُ الطعام، كما لا يحق أن يخرج في الزكاةَ قيمتها، وجوز أبو حنيفةَ إخراج القيمةَ في الزكاةً والكفارةَ وقد مضى الكلام معه.
فأما ما نقله المزني ها هنا: " ولا يجزئ طعام" فلم يرد به طعام البر في إطعام المساكين، لأنه هو الأصل الأغلب فيما يستحق، وله أحد تأويلين، إما أن يكون محمولًا على أن لا يخرج الطعام في قيمةَ الكسوةً، كما لا يخرج الكسوةً في قيمةَ الطعام، وإما أن يكون محمولًا على الطعام المطبوخ من الخبز لآن المستحق عند الشافعي إخراج الحب من البر جميع الحبوب دون الخبز وإن كنت أفتي بإخراج الخبز في الكفارة اعتبارًا بالأرفق الأنفع في الغالب، وأن يعطى كل مسكين رطلين من الخبز، وحكي ابن أبي هريرةَ عن أبي القاسم احسبه أراد الأنماطي، أنه جوز إخراج الدقيق في الكفارةَ وزكاةَ الفطر اعتبارًا بالأرفق.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وما اقتات أهل البلدان من شيء أجزأهم من مد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وهو مقصور على الحبوب المقتاةَ، فكما جاز إخراجه في زكاةَ الفطر جاز إخراجه في الكفارات، ثم فيه قولان: أحدهما: أنه مخير بين جميع الأقوات، فمن أيهما شاء أطعم.
والثاني: أته يخرج من الغالب من الأقوات وفي اعتبار الغالب وجهان: أحدهما: من غالب قوت بلده.

والثاني: من غالب قوته في نفسه، لقول الله تعالى: "مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ " [المائدة: (89)] وإن عدل عن غالب القوت إلى غيره لم يخل ما عدل إليه عن الأغلب من أن يكون أدون منه أو أعلى، فإن كان دون منه لم نجزه، وإن كان أرفع منه كإخراج البر إذا كان أغلب قوته شعيرًا ففي جوازه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروري يجوز لفضله.
والثاني: لا يجوز لأنه يصير بالعدول إليه كالقيمة.
مسألة: قال الشافعي: "ويجزئ أهل البادية مد أقط قال المزني رحمه الله أجاز الأقط هَهُنا ولم يجزه في الفطرة".
قال في الحاوي: أما إذا اقتات أهل البادية غير الأقط لم يكن لهم إخراج الأقط في الكفارةً ولا في زكاةَ الفطر، وإن لم يكن لهم قوت غير الأقط فقد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نخرج إذ فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعًا من أقط، فإن صح هذا أنه كان بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بعلمه وإقراره عليه جاز إخراج الأقط في زكاةً الفطر والكفارات، وإن لم يمح أنه كان بأمره أو بعلمه، ففي جواز إخراجه في زكاةَ الفطرةً والكفارات قولان: أحدهما: يجوز على ما نص عليه ها هنا في الكفارةً لأنه قوت مدخر تحت الزكاةً في أصله.
والثاني: لا يجوز على ما نص عليه في زكاةَ الفطر، لأنه مما لا تجب فيه الزكاةً فلم يجز إخراجه قي الكفارةً الزكاةً، وقد جعل أبو علي بن أبي هريرةً هذين القولين بناء على اختلاف قول الشافعي في قول الصحابي إذا لم يعضده قياس، هل يؤخذ بقول الصحابي أو يعدل إلى القياس، فعلى قوله في القديم يؤخذ بقول الصحابي فعلى هذا يجوز إخراج الأقط في الكفارةً، وزكاة الفطر، أخذًا بقول أبي سعيد الخدري، وعلى قوله في الجديد يعدل عنه إلى القياس فعلى هذا لا يجوز إخراج الأقط.
مسألة: قال الشافعي: "وَإذاً لَمْ يَكِنْ لِأَهِلُ بِلادَ قُوتِ مِنْ طعامِ سِوَى اللُّحَمِ أَدَّوْا مَدَّا مِمَّا يَقْتَاتُ أَقُرْبَ الْبُلْدانِ إِلَيهُمْ ". قال في الحاوي: إذا اقتات قوم ما لا يزكى من الأقوات، مثل أن يقتاتوا اللحم كالترك، أو اللبن كالأعراب، أو المسك كسكان البحار، فإن قيل: إن إخراج الأقط لا

يجزئ لم يجز إخراج غيره من اللحم أو اللبن أو المسك، وإن قيل: إنه يجزئ ففيهما وجهان: أحدهما: يجزئ، لأنها أقوات كالأقط.
والثاني: أنها لا تجزئ، بخلاف الأقط، للفرق بينهما من وجهين: أحدهما: وجود الأثر في الأقط، وعدمه في سواه.
والثاني: أن الأقط يبقى ويدخر، وليس يبقى ما سواه ويدخر ولا يكال، وهذا قول أبي علي بن أبي هريرةً، وإذا لم يجزهم إخراج ذلك عدلوا في كفارتهم، وزكاةً فطرهم إلى أقوات غيرهم من أهل البلاد، وفيها قولان: أحدهما: يكونون مخيرين بين جميعها.
والثاني: يعدلون إلى الأغلب من قوت أقرب البلاد بهم فيخرجونه، فإن عدلوا عنه إلى ما عنه أدنى لم يجزهم وإن عدلوا عنه إلى ما هو أعلى كان على ما ذكرنا من الوجهين والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي:" وَيُعْطِي الرَّجُلُ الْكَفَّارَةُ وَالزَّكاَةُ مِنْ لَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيه مِنْ قَرَابَتِهُ، وَهُمْ مِنْ عَدَا الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالزَّوْجَةِ إذاً كَانُوا أَقَلُّ حاجَةَ، فَهُمْ أَحَقَّ بِهَا مِنْ غَيْرَهُمْ، وَإِنَّ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيهُمْ تَطَوَّعًا " قال في الحاوي: وهو كما قال: كل من يلزمه الإنفاق عليه بنسب كالوالدين والمولودين، أو بسبب كالزوجات لا يجوز أن يدفع إليهم من كفارته ولا من زكاةً ماله ومن لا يلزمه الإنفاق عليهم جاز أن يعطيهم من كفارته وزكاته إذا كانوا فقراء فهذا أصل معتبر، هما لم يجز أن يدفعها إلى من تلزمه نفقته لأمرين: أحدهما: أنهم قد صاروا كالأغنياء.
والثاني: أنها تصير كالعائدةً إليه لما سقط من نفقتهم عنه، وإذا كان كذلك فمتى كان الولد صغيرًا فقيرًا لم يجز دفع كفارته إليه لوجوب نفقته عليه، وإن كان كبيرًا ناقصًا بزمانه أو جنون لم يجز دفعها إليه، لوجوب نفقته عليه كالصغير، وإن كان كامل الصحةً والعقل لم تجب نفقته عليه فجاز دفع كفارته إليه، وفيه من الخلاف ما نذكره وكذلك أولاد أولادهم وإن سفلوا، وأما الوالد فإن تعطل عن الاكتساب بزمانه أو جنون وجبت نفقته عليه، فلم يجز دف كفارته إليه وإن كان من أهل الاكتساب بالصحةً والعقل لكنه فقير ففي وجوب نفقته عليه قولان:

أحدهما: وهو القديم يجب اعتبارًا بوجود الفقر، فعلى هذا لا يجوز دع كفارته إليه.
والثاني: وهو الجديد لا تجب اعتبارًا بالقدرةً على الكسب، فعلى هذا يجوز دفع كفارته إليه.
فإن قيل: بأن الوالد لا تجب نفقته إلا بالفقر والزمانةً على قوله في الجديد فالولد أولى، وإن قيل: إنها تجب بالفقر وحد، على قوله في القديم ففي الولد وجهان: أحدهما: أنه كالوالد تجب نفقته بالفقر وحده.
والثاني: أنها تجب بالفقر وعدم الاكتساب، بخلاف الوالد، لتأكيد نفقة الوالد كما تتأكد بوجوب إعقاب الولد دون الولد، وهكذا الأم كالأب والأجداد كالأب، والجدات كالأم، وأما من عداهم من المناسبين كالإخوةَ والأخوات والأعمام والعمات، فلا تجب نفقاتهم بحال، ويجوز دفع كفارته وزكاته إليهم، وهم أحق بها من غيرهم لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خير الصدفةَ على ذي رحم محتاج" وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يقبل الله صدقة امرئ" وذو رحم محتاج"، وسواء كأن يتطوع بالإنفاق عليهم أم لا.
وقال بعض الفقهاء: إن تطوع بالإنفاق عليهم لم يجزه، وإن لم يتطوع أجزأه وهذا خطأ، لأن للمتطوع أن يمتنع، وفي دفع ذلك إليهم امتناع بها من الإنفاق عليهم وأما الزوجات فلا يجوز للزوج أن يدفع كفارته إلى زوجته لوجوب نفقتها عليه؟ فصارت غنيةً به، وأما الزوجة فيجوز أن تدفع كفارتها إلى زوجها وكذلك زكاتها ومنع أبو حنيفةً من دفعها إليه، لأن نفقته عليها فصار عائدًا إليها، وهذا غير صحيح؛ لأنه لا تجب عليها نفقته فصار باقيًا على فقره فجرى على حكم الإيجاب، وإنفاقه عليها لا يمنع من دفعها إليه كما لو دفعها آلي أجنبي وأطعمه إياها أو وهبها له وقد مضت هذه المسألة مستوفاةً من قبل.
مسألة: قال الشافعي: "ولا يجزئه إلا أن يعطي حرا مسلمًا محتاجًا" قال في الحاوي: اعلم أن مصرف الكفارةً فيمن يجوز أن يصرف إليه سهم الفقراء والمساكين من الزكاةً، وهو من جميع من الفقر والمسكنةً ثلاثة أوصاف: الحرية، والإسلام، وأن لا يكون من ذوي القربى، فأما العبد فلا يجوز دفعها إليه، لأنه لا يملكها ولأنه غني بسيده، وكذلك المدبر وأم الولد، والمعتق بعضه؛ لأن سيد رقه يأخذ منها قدر حقه وهو غنى، وكذلك المكاتب ولا يجوز صرف الكفارةَ إليه، وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه صرفها إليه كالزكاةَ، وهذا فاسد، لأن حكم الزكاةً أوسع لما يجوز من صرفها إلى

الأغنياء من المجاهدين، وأحد صنفي الغارمين والكفارةً أضيق، لأنه لا يجوز صرفها إلى غني بحال؛ ولأن المكاتب تجري عليه أحكام الرق.
وأما الكافر فلا يجوز دفع الكفارة إليه، وكذلك الزكاة سواء كان ذميًا أو حربيًا.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز آن تصرف إليه زكاةَ المال ويجوز أن تصرف إليه الكفارةَ وزكاةَ الفطر، إن كان ذميًا أو معاهدًا؛ لأنه يجوز دفعها إليه إن كان حربيًا.
ودليلنا هو أنه لا يجوز دفع زكاة المال إليه لم يجز آن يدفع إليه الكفارة، وزكاة الفطر كالحربي ولأنه حق يخرج للطهرةً فلم يجز صرفه لأهل الذمةَ كزكاةُ المال وأما ذوو قربى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز آن تصرف إليهم الزكوات ولا الكفارات، وإن جوزه أبو حنيفة فيما قدمناه، واستوفيناه والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: " ولو علم انه أعطى غيرهم فعليه عندي أن يعيد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أخطأ في دفع الزكاةً والكفارةً اعتبر حال المدفوع إليه، فإن كان عبدًا ظنه حرًا أو كافرًا ظنه مسلمًا آو من ذوي القربى ظنه من غير ذوي القربى لم يجزه ما دفع، وعليه الإعادةً لأمرين: أحدهما: أن حقوق الأموال إذا لم تقع موقع الإجراء مع العهد لم تقع موقع الأجزاء الخطأ، كرد الودائع إلى غير أهلها.
والثاني: آن لأسباب المنع من الرق والكفر والنسب علامات يستدل بها وأمارات لا تخفي معها، فكان الخطأ من تقصير في الاجتهاد، وإن بان أنه دفعها إلى غني يظنه فقيرًا ففي وجوب الإعادةَ قولان: أحدهما: يعيد ولا يجزئه للتعليل الأول بأن الخطأ في حقوق الأموال كالعهد والقود.
والثاني: يجزئه ولا يعيد لعدم التعليل الثاني في فقد الأمارةً الدالةً على غناه، لأن المال يمكن إخفاؤه والرق والكفر لا يمكن إخفاؤهما، فكان بخطئه في الغنى معذورًا وفي العبد والكافر مقصرًا.
وإن دفع كفارته وزكاته إلى السلطان وأخطأ السلطان في دفعها إلى غير مستحقها نظر، فان بان أنه دفعها إلى غني أجزأ لخفاء حاله عليه، وإن بان أنه دفعها إلى عبد أو كافر أو ذوي قربى ففي وجوب ضمانها عليه قولان: أحدهما: يضمنها ويمدها، كما يلزم رب المال أن يعيدها.
والثاني: لا يضمنها وتقع موقع الإجزاء بخلاف رب المال لوقوع الفرق بينهما بأن

مباشرة السلطان لعموم الأمور يقطع عن التفرد بالاجتهاد فيها، ولا يقطع رب المال عن التوفر في الاجتهاد.
مسألة: قال الشافعي: "وَلَا يُطْعِمُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ وَاحْتَجَّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا مِائَةً وَعِشْرِينَ مُدًّا فِي سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ لَمْ يُجْزِهِ فَقَالَ أَرَاكَ جَعَلْتَ وَاحِدًا سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فَإِنْ شَهِدَ الْيَوْمَ شاهدٌ بحقٍّ ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ فَشَهِدَ بِهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهَا مَرَّتَيْنِ فَهُوَ كَشَاهِدَيْنِ فَإِنْ قَالَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ الْعَدَدَ قِيلَ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ لِلْمَسَاكِينِ الْعَدَد" قال في الحاوي: وهو كما قال: لأن الله تعالى قد نص على عددهم في الكفارةً فوجب آن يستحقها عشرة مساكين، وإن دفع إلى مسكين واحد مدين أجزأه أحدهما، ولم يجزم الآخر سواء دفعه إليه في يوم واحد أو في يومين.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه "إذا دفع له حق مسكين في يوم واحد لم يجز، وإن دفع إليه في يومين أجزأه حتى قال لو دفع إلى مسكين حق عشرةَ مساكين في عشرةَ أيام أجزأه وقام مقام عشرةَ مساكين فاعتبر عدد الإطعام ولم يعتبر عدد المساكين، والشافعي يعتبرهما معًا، ويمنع أن يأخذ مسكين واحد من كفارةً واحد مرتين ليستوفي العدد الذي أمره الله تعالى به كما يستوفيه في الوصايا لو أوصى بإطعام عشرة مساكين؟ فكان في حقوق الله تعالى من الكفارات أولى، وقد مضت هذه المسألة مع أبي حنيفة في كتاب الظهار.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: " ولو أطعم تسعة وكسا واحدا لم يجزه حتى يطعم عشرة كما قال الله عز وجل ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89] قال في الحاوي: قد جعل الله تعالى للمكفر عن يمينه الخيار في التكفير بأحد ثلاثة أشياء: الطعام أو الكوة أو العتق، فبأيها كفر أجزأه، إذا استوفاه ولم يفرق، فإن أطعم خمسةً وكسا خمسةً لم يجزه، وكان مخيرًا إن شاء تمم إطعام عشرةَ مساكين وكان متطوعا بالكسوةً، وإن شاء تتم كسوة عشرةَ مساكين، وكان متطوعًا بالإطعام، وقال مالك: يجزئه أن يطعم خمسةَ ويكو خمسةً، لأنه لما أجزأه إطعامهم أجزأته كسوتهم أجزأه أن يجمع بين إطعامهم وكسوتهم.
وقال أبو حنيفة: إن أطعم خمسةً وكسا خمسةً، وجعل كسوةَ الخمسةً بقيمةَ إطعام

الخمسةً لم يجز، وإن جعل إطعام الخمسةً بقيمةُ كوة الخمسةً أجزأه فأجاز إخراج قيمةَ الكسوةً طعامًا ولم يجز إخراج قيمةَ الطعام كسوةُ فلم يستمر في جواز القيمةً على أصله، ولا في المنع منها على أصلنا، والدليل على أن الله تعالى خير المكفر بين ثلاثةً، من طعام أو كسوةً أو عتق، فلم يجز أن يجعل له خيارًا رابعًا في التبعيض، ولأنه لما امتنع في الكفارةً تبعيض العتق والصيام امتنع فيها تبعيض الكسوةً والإطعام.
مسألة: قال الشافعي:" وَلَوْ كَانَتْ عَلَيه كَفَّارَةً ثَلاثَةً أَيمانَ مُخْتَلِفَةٍ فَأَعْتَقَ وَأَطْعَمَ وَكُسًا يَنْوِي الْكَفَّارَةُ، وَلَا يَنْوِي عَنْ أَيُّهَا الْعتقَ وَلَا الإطعام وَلَا الْكُسْوَةَ أَجْزَأُهُ، وَأَيُّهَا شَاءَ أَنْ يُكَوِّنَ عَتَّقَاً أَوْ طعامَاً أَوْ كُسْوَةَ كَانَ، وَإِنَّ لَمْ يُشَا، فَالنِّيَّةَ الأولى تُجَزِّئُهُ.
" قال في الحاوي: وهو كما قال إذا كانت عليه ثلاث كفارات عن ثلاث أيمان مختلفةً كنا في التكفير عنها بالخيار بين أن يكفر عنها من جنس واحد فيطعم عن جميعها ويكسو عن جميعها، أو يعتق عن جميعها، وبين أن يكفر عنها من أجناس مختلفةً فيطعم عن أحدها، ويكسو عن أحدها ويعتق عن أحدها، لأن لكل كفارةً حكم نفسها، وسواء عينها أو أطلقها؛ لأن عليه النيةَ في الكفارةً وليس عليه أن يعين عن أي كفارةً كالوضوء يلزمه أن ينوي أنه عن الحدث، ولا يلزمه عن أي حدث.
وقال أبو حنيفة: يلزمه تعيين النيةَ عن أي كفارةً كما يلزمه تعيين النيةَ للصلاةً من ظهر أو عصر، فيقال له: لما لم يلزمه في قضاء الصلوات, الفوائت أن يعين عن أي يوم لم يلزمه في الكفارات أن يعين عن أي حنث، فلا يكون في إثباته التعيين في الأداء بأولى من نفيه للتعيين في القضاء، فاستويا ثم ترجح ما ذكرنا باتفاقنا على أنه لو نسي صلاةً لم يعرفها بعينها لم يجزه في قضائها أن ينوي قضاء ما وجب عليه، لعدم التعيين، ولو كانت عليه كفارةً لا يعرف موجبها أجزأه أن ينوي بالتكفير ما وجب عليه فعلم أن تعين النيةً في الصلاةً واجب، وتعيينها في الكفارةً غير واجب فأما الفرق بين الطهارةً والصلاةَ في تعيين النيةً في الصلاةَ دون الطهارةً مع اشتراكهما في وجوب النيةَ فمن وجهين: أحدهما: ما حكاه أبو القاصم الأنماطي عن المزني قال: قلت للمزني: لم افتقرت الصلاة إلى تعين النيةَ ولم تفتقر الطهارةً إلى تعيين النية؟ فقال: لأن الصلاةً تراد لغيرها، والطاهرةً تراد لغيرها وهذا صحيح؛ وهكذا الكفارةً تراد لغيرها، وهو تكفير الحنث، فلذلك لم يلزم فيها تعين النيةَ.
والثاني: قاله أبو علي بن أبي هريرةً أن الطهارةَ بسبب متقدم، وهو ما سبق من الحدث فلم يلزم تعيين النيةً له، والصلاةً لأمر مستقبل فجاز آن يلزم تعيين النية فيها،

وهذا صحيح وهكذا الكفارةً بسبب متقدم، وهو ما سبق من اليمين؟ فلم يعتبر تعيين النيةَ فيها.
فإن قيل: النيةَ في الكفارةً أغلظ منها في الطهارةً لأنه لو نوى بطهارته أنها عن نوم فكانت عن بول أجزأه، ولو نوى بعتقه في الكفارةَ أنه عن ظهار فكان عن قتل لم يجزه فجاز أن تتغلظ الكفارة بتعين النيةَ، وإن لم تغلظ بها الطهارة.
قيل: إنما أجزأته الطهارةً ولم تجزه الكفارةَ بمعنى آخر، وهو أن الطهارةَ ترفع جميع الأحداث لأنها تتداخل؛ فكذلك أجزأت في مخالفةَ التعيين، والعتق لا يسقط جميع الكفارات، لأنها لا تتداخل، فلذلك لم تجز في مخالفةَ التعيين.
مسألة: قال الشافعي: "ولا يجزئ كفارةً حتى يقدم النيةً قبلها أو معها".
قال في الحاوي: أما النية في دفع الزكاةَ والكفارةَ فواجبةً على ما قدمناه في الزكاةً؛ لأن دفع المال يتنوع فرضًا وتطوعًا، فافتقر الفرض إلى تمييزه بالنيةً، وله في النيةَ ثلاثةَ أحوال، تجزئةُ في إحداها ولا تجزئه في الآخر، ومختلف في إجزائه في الثالث، فأما ما تجزئه فهو أن ينوي عند دفعها فيجزئ؛ لأن أغلظ أحوال النيةً أن يكون مع الفعل، وأما ما لا يجزئ فهو أن ينوي قبل عزلها من ماله، لأنها تجردت عن الفعل، فكانت قصدًا ولم تكن نيةً، وأما المختلف فيه فهو أن ينوي عند عزلها من ماله وقبل دفعها ففي إجرائها وجهان: أحدهما: تجزئ وإن لم تجزئ مثله في الصلاةً، وهو الظاهر من كلام الشافعي حتى يقدم النيةَ قبلها، لأن الاستنابة في دفعها يصح، ولا يمكن المستنيب أن ينوي مع الدفع، فأجزأته النيةَ مع العزل، وخالفت الصلاةَ التي لا يجوز الاستنابة فيها، فلزم أن تكون النيةً مقارنةً لأولها وجرت الضرورة مجرى الصيام الذي تجزئ النيةً فيه قبل دخوله للضرورةً عند تعذرها مع دخوله.
والثاني: لا يجزئه لبقائها مع القود على ملكه فأشبه النية قبل عزله، وتأول من قال بهذا الوجه قول الشافعي حتى يقدم النيةَ قبلها، أو معها بتأويلين: أحدهما: أن ينوي قبلها إذا استصحب النيةَ إلى دفعها.
والثاني: قبلها في الصيام ومعها في الكسوةَ.
مسألة: قال الشافعي: "وَلَوْ كفرَ عَنْه رَجِلَ بأمره أَجْزَأُهُ وَهَذِهِ كَهِبَّتِهُ إِيَّاهَا مِنْ مَالِهُ وَدفعَهُ

إِيَّاهَا كَقَبْضِ وَكِيلِهُ لَهَبَتَهُ لَو وَهَبَّهَا لَهُ وَكَذَلِكَ إِنَّ قَالَ أَعتقَ عَنْي فولاؤه لِلْمُعْتَقِ عَنْه لِأَنَّه قَدْ مَلَّكَهُ قَبْلَ الْعُتَّقُ وَكَانَ عتقَهُ مِثْلُ الْقَبْضَ كَمَا لَو اشتراه فَلَمْ يُقَبِّضُهُ حَتَّى أَعْتُقَهُ كَانَ الْعُتَّقُ كَالْقَبْضِ".
قال في الحاوي: وهو كما قال: إذا وجب عليه الكفارةَ فكفر عنه رجل بأمره فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مال التكفير للآمر، فيكون المأمور هاهنا وكيلًا للآمر في إخراج الكفارةً، وهذا متفق على جوازه لجواز النيابةً في التكفير، لأن مقصودها المال والعمل تبع، فأجريت مجرى حقوق الأموال، وتكون النيةً في إخراجها مستحقةً، لما تضمنها من العبادةً، وللآمر والمأمور فيها أربعة أحوال: أحدها: أن ينوي الآمر عند أمره وينوي المأمور عند دفعه، فهذا أكمل أموال الجواز.
والثاني: أن لا ينوي واحد منها فلا يجزئ المخرج عتقًا كان أو إطعامًا لعدم الشرط المستحق في الإجراء ولا يضمنه المأمور، ويكون متطوعًا في الأمر.
والثالث: أن ينوي المأمور عند دفعه، ولا ينوي الآمر عند أمره، فهنا أجزيء لأن اقتران النية بالدفع أصح.
والرابع: آن ينوي الآمر عند آمره، ولا ينوي المأمور عند دفعه، ففي إجرائه وجهان على ما مضى من وجوب اعتباره النيةَ عند العزل والدفع، فإن آمره أن يكفر عنه بنوع فعدل إلى غيره كان المأمور ضامنًا لما كفر به سواء عدل عن الأدنى إلى الأعلى كعدوله عن الإطعام إلى العتق، أو عدل عن الأعلى إلى الأدنى، كعدوله عن العتق إلى الإطعام، لأن المأمور مقصور التصرف على ما تضمنه الأمر، وإن أطلق الآمر الإذن للمأمور في التكفير ولم يعين له على جنس ما يكفر به لم تخل الكفارةً من أن تكون كفارةً تربب كالقتل والظهار، فإطلاق إذن الآمر يوجب حمله على اعتبار حاله، فإن كان من أهل العتق أوجب إطلاق إذنه أن يعتق عنه، وإن أطعم ضمن ولم يجزه، وإن كان من أهل الإطعام أوجب إطلاق إذنه آن يطعم، عنه، وإن أعتق لم ينفذ عتقه، ولم يضمن بخلاف المال الذي قد ملكه المعطى، فضمنه المعطى وإن كانت كفارةً لحنث مثل كفارةَ الأيمان، فإن كفر المأمور بأقل الأجناس ثمنًا، فكفر بالإطعام دون العتق أجزأه سواء كان موجودًا في ماله أو غير موجود، وإن كفر بأكثر الأجناس ثمنًا فكفر بالعتق دون الإطعام، فلا يخلو مال الآمر من أربعة أحوال: أحدها: أن يوجد في ملكه للأدنى من الإطعام، ولا يوجد فيه الأعلى من العتق فيصير المأمور بعد عدوله إلى العتق من غير ملكه خارجًا من حكم الأذى، فلا يجزئ العتق، ويكون عن المأمور دون الآمر، والكفارةَ باقيةً في ذمةُ الآمر.
والثانية: أن يوجد في ملكهِ الأعلى على العتق، ولا يوجد في الأدنى من الطعام

فهذا العتق يجزئ عن الآمر، وله ولاؤه؛ لأن إطلاق إذنه متوجه إلى ملكه.
والثالثة: أن لا يوجد في ملكه الأدنى من الإطعام، ولا الأعلى من العتق، فليس له التكفير عنه بالأعلى من العتق، لأمرين: أحدهما: أن فضل القيمة غبر مستحق.
والثاني: أنه يدخل ولاء المعتق في ملك الآمر بغير إذن.
والرابعة: أن يوجد في ملكه الأدنى من الطعام والأعلى من العتق، فهل يكون إطلاق الإذن يوجب تخيير المأمور، كما كان موجبًا لخيار الأمر على وجهين: أحدهما: أنه موجب لخياره لأنه قد أقامه بالإذن فيه مقام نفسه، فعلى هذا لا يبطل العتق ويجزئ عن المكفر.
والثاني: أن التخيير يسقط في حق المأمور، وإن كان ثابتًا في حق الآمر، لأنه مخير في ملكه دون المأمور، فعلى هذا يكون عتقه باطلاً؟ والعبد على رقه والكفارة باقية في ذمة الآمر.
فصل: والثاني: أن يكون مال التكفير ملكًا للمأمور، فقد اختلف الفقهاء في إجزائه على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي، أنه يجزئ سواء كان بجعل أو بغير جعل.
والثاني: وهو مذهب مالك، لا يجزئ سواء كان بجعل أو بغير جعل.
والثالث: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يجزئ إن كان بجعل، ولا يجزئ إن كان بغير جعل.
ودليلنا وإن كان قد مضى في كتاب الظهار مستوفي أنه إن كان بجعل جرى مجرى البياعات، وإن كان بغير جعل جرى مجرى الهبات، والإخراج فيها قبض يلزم به الهبة، ويستقر به البيع، فإن قيل: فكيف يصح ملك الآمر له، ححتي يجزئه في كفارته، قيل: قد حكي فيه أبو علي بن أبي هريرة وجهين خرجهما من اختلاف قولي الشافعي في دية النفس، هل يملكها المقتول في آخر أجزاء حياته، أو يملكها الورثة في أول أجزاء موته، ويجري عليها في قضاء ديونه، وإنفاذ وصاياه، حكم ملكه على قولين كذلك ها هنا على وجهين: أحدهما: أنه يصير بإحراجها مالكًا لها قبل إخراجها، فإن كان عتقًا بأن بالعتق أنه كان ملكًا له قبل العتق، وهو الظاهر من مذهب الشافعي فيما نص عليه في هذا الموضع قال الشافعي لأنه ملكه قبل العتق.
والثاني: أنه ليس بملك، وإنما يجري عليه حكم الملك، لأنه قبل العتق لا يملك، وبعد العتق لا يصح أن يملك، فصار حكم الملك جاريًا عليه، وإن لم يملك كما نقول

في حافر البئر إذا تلف فيها حيوان بعد موته كان في حكم الجاني عليه، وإن لم يكن جانيًا، لأنه قبل موته لم يجن، وبعد موته لا يصح منه الفعل، فجرى عليه حكمه وإن لم يفعل، ويكون ولاء المعتق للآمر على الوجهين معًا، ومثل هذين الوجهين في التكفير إذا قال: ألق متاعك في البحر وعلي قيمته، هل يصير مالكًا له قبل إلقائه أم لا على هذين الوجهين: أحدهما: أننا نعلم قبل إلقائه أنه قد كان مالكًا له قبل إلقائه.
والثاني: أنه لايصير مالكًا له، وإنما يجري عليه حكم الملك، لأنه قبل الإلقاء لم يملك، وبعد الإلقاء لا يصح أن يملك.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً كَفَّرَ عَنْ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَطْعَمَ أَوْ أَعْتَقَ لَمْ يُجْزِهِ وَكَانَ هُوَ المُعْتِقَ لِعَبْدِهِ فَوَلاَؤُهُ لَهُ ". قال في الحاوي: أعلم أنه لا يخلو حال من كفر عن غيره بغير إذنه من أن يكون مكفرًا عن حي أو ميت، فإن كفر عن حي لم يجز الكفارة عن الحي، لأن النية فيها مستحقة، وعدم الإذن مانع من صحة النية، فكان ما أخرجه النائب واقعًا عن نفسه، فإن كان إطعامًا كان صدقة، وإن كان عتقًا كان تطوعًا منه وله ولاؤه، وإن نواه عن غيره كمن حج عن حي بغر أمره، كان الحج واقعًا عن الحاج دون المحجوج عنه.
وقد اختلف الفقهاء في ولاء من أعتق عبده عن غيره، فجعله أبو حنيفة للمعتق بكل حال، وجعل مالك للمعتق عنه بكل حال، وجعل الشافعي للمعتق إن عتق بغير أمره، وللمعتق عنه إن أعتق بأمره، وإن كفر عن ميت فلا يخلو أن يكون بوصية أو بغير وصية، فإن كان بوصية كانت الوصية أمرًا، فيصير كالمكفر بأمر، فيكون على ما مضى، وإن كفر عنه بغير وصية منه، فلا يخلو المكفر عنه من أن يموت موسرًا أو معسرًا، فإن مات موسرًا فوجوب الكفارة باق في تركته، فإن كفر عنه منها غير وارث ولا ذي ولاية كان ضامنًا متعديًا، ولم يسقط به الكفارة، وإن كفر عنه منها وارث، فإن كان التكفير طعامًا أجزأ، وصار كقضاء الديون الواجبة عنه، وإن كان التكفير عتقًا فضربان: أحدهما: عتق لا تخيير فيه كعتق كفارة الظهار والقتل، فيجزئ، وإن كان بغير أمر ولا وصية؛ لأنه عتق مستحق، فإذا فات من ضمنه بالموت وجب على من قام مقامه في ماله كالحج لا يجوز أن يحج عنه في حياته إلا بإذنه، ويجب على وراثه الحج عنه فيما وجب بعد موته.
والثاني: أن يكون عتقًا فيه تخيير، كالعتق في كفارة اليمين، ففيه وجهان:

أحدهما: لا يصح، لأن التخيير فيه يمنع من تعيين وجوبه.
والثاني: يصح، لأنه إذا ناب عن واجب صار واجبًا وهذان الوجهان بناء على اختلاف أصحابنا في ما وجب في كفارة اليمين وسائر كفارات التخيير هل وجب بالنص أحدها، أو وجب به جميعها، وله إسقاط الوجوب بأحدهما، فأحد وجهي أصحابنا أن الواجب بالنص أحدها على وجه التخيير، فعلى هذا لا يصح العتق.
والثاني: أن جميعها واجب بالنص، وله إسقاط جميعها بفعل أحدها، فعلى هذا يصح العتق.
وإن مات المكفر عنه معسرًا فقد اختلف أصحابنا هل يكون التكفير بعد موته معتبرًا بالواجب أو بالتطوع على وجهين: أحدهما: يكون معتبرًا بالواجب فيكون على ما مضى.
والثاني: يكون معتبرًا بالتطوع، فيكون على ما يأتي.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَكَذَبِكَ لَوْ أَعْتَقَ عَنْ أَبَوَيْهِ بَعْدَ المَوْت إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُمَا ". قال في الحاوي: أما التطوع بذلك عن وصية الميت فجائز، سواء كان عتقًا أو صدقة ويكون الولاء للميت؟ ينتقل عنه إلى الذكور من عصبته، وأما التطوع به عن الميت من غير وصية، فإن كان صدقة جاز من وارث وغير وارث؟ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر سعد بن أبي وقاص "أن يتصدق عن أمه بعد موتها ". وروي أن رجلاً قال: يا رسول الله إن أمي اقتلتت، وأظن لو تكلمت لتصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها، قال: نعم ". وأما العتق فإن تطوع به غير وارث لم يجز، والفرق بين الصدقة والعتق أن الصدقة بر محض لا يتعدى إلى غير الثواب، والعتق تكسب ولاء يجري مجرى النسب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولاء لحمة كلحمة النسب "وليس لأحد إلحاق نفسه بغيره، كذلك الولاء وإن كان المعتق وارثًا، فإن تطوع به بعض الورثة، لم يجز كالأجنبي، لأن بعض الورثة لا يجوز أن يلحق بالميت نسبًا، وإن تطوع جميع الورثة ففي جوازه وجهان: أحدهما: لا يجوز كما لو تطوع به بعضهم.
والثاني: يجوز كما يصح لحوق النسب بالميت إذا أقر به جميع الورثة ولا يصح إذا أقر به بعضهم.

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ صَامَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ بِأَمْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ لأَنَّ الأَبْدَانَ تُعُبّدَتْ بِعَمَل فَلاَ يُجْزئُ أَنْ يَعْمَلَهُ غَيْرُهَا إِلاَّ الحَجِ وَالعُمْرّة للِخَبَرِ الَّذِي جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبِأَنَّ فِيهِمَا نَفَقَةٌ وَلأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتعالى إِنَّمَا فَرَضَهُمَا عَلَى مَنْ وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَيْهِمَا وَالسَّبِيلُ بِالمَالِ ". قال في الحاوي: أما الصيام عن الحي فلا يجوز إجماعًا بأمر أو غير أمر، عن قادر أو عاجز، للظاهر من قول الله تعالى: ﴿وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى (39)﴾ [النجم: 39] ولأن ما تمحض من عبادات الأبدان لا تصح فيها النيابة، كالصلاة، وخالف الحج، لأنه لما تعلق وجوبه بالمال لم يتمحض على الأبدان، فصحت فيه النيابة كالزكاة.
فأما الصيام عن الميت، فقد وقفه الشافعي في القديم على صحة الخبر المروي فيه أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم نذر كان على أمها؟ فماتت قبل صيامه، فأجاز لها أن تصوم عنها.
وقد حكي أبو علي بن أبي هريرة عن أبي بكر النيسابوري أن الخبر قد صح فصار مذهبه في القديم جواز الصيام عن الميت وهو المذهب مالك وأحمد، وقد روى عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه "؛ ولأنها عيادة يدخل في جبرانها المال فصحت فيها النيابة كالحج طردًا والصلاة عكسًا ودخول المال في جبرانها من وجهين: أحدهما: جبران الصيام في الوطء بالكفارة.
والثاني: فجز الشيخ الهرم عن الصيام وانتقاله إلى إخراج مد عن كل يوم، وقال في الجديد: إن النيابة في الصيام لا تجوز بحال عن حي ولا ميت، وهو مذهب أبي حنيفة وأكثر الفقاء؛ لرواية عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام أطعم عنه وليه "ولأنها عبادة على البدن لا يتعلق وجوبها بالمال، فلا تصح فيها النيابة كالصلاة طردًا، والحج عكسًا، فأما الخبر فمعلول وإن صح كان محتملاً أن يريد بالصيام عن الميت الصدقة عن كل يوم بمد.
فصل: فأما الصلاة عن الميت فقد حكي عن عطاء بن أبي رباح وإسحاق بن راهويه في جوازه، وهو قول شاذ تفردا به عن الجماعة استدلالاً بأمرين: أحدهما: أنه لما جازت النيابة في ركعتي الطواف إجماعًا جازت في غيرها من الصلوات قياسًا

والثاني: أنه لما صحت النيابة في الحج والعمرة مع العجز دون القدرة، وصحت في الزكاة مع العجز والقدرة لم تخرج النيابة في الصلاة عن أحدهما، وذهب جمهور الفقهاء وسائر العلماء إلى أن النيابة في الصلاة لا تصح بحال مع قدرة ولا عجز لقول العلماء إلى أن النيابة في الصلاة لا تصح بحال مع قدرة ولا عجز، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: حج بقضاء، أو دين يؤدى، أو صدقة جارية ". ولأن الصلاة كالإيمان لأنها قول وعمل ونية، ثم لم تجز النيابة في الإيمان إجماعًا فلم تجز في الصلاة حجاجًا، فأما ركعتا الطواف؛ فلأنها تبع لما تصح فيه النيابة فخضت بالجواز، لاختصاصها بالمعنى، وما ذكروه من الحج فقد تقدم اختصاصه بالنيابة لاختصاص وجوبه بالمال.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ اشْتَرَى مِمَّا أَطْعَمَ أَوْ كَسَا أَجْزَتُهُ وَلَوْ تَنَزَّهَ عَنْ ذَلكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ". قال في الحاوي: وهذا صحيح، يكره إن تصدق بصدقة عن واجب أو تطوع أن يشتريها من المعطى، لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يشتري فرسًا تصدق به في سبيل الله يقال له: الورد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تعد في صدقتك ولو أعطيتها بفقير، ودعها حتى تكون هي ونتاجها لك يوم القيامة "، ولأن من عرف المعطى أن يسمح في بيعها على المعطى، فصار بالابتياع كالراجع في بعض عطيته، فإن ابتاعها صح الإبتياع على مذهب الشافعي وأكثر الفقهاء وقال مالك: لا يص الابتياع وتعاد إلى البائع احتجاجًا بما مضى، ودليلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة "ذكر منها رجلاً رآها تباع فاشتراها فكان على عمومه ولأنه لما جاز أن يملكها ميراثًا جاز أن يملكها ابتياعًا كغيره من الرجال ولأنه لما جاز أن يملكها ميراثًا جاز أن يملكها ابتياعًا كغيره من الرجال ولأنه لما جاز أن يبتاعها غيره من الرجال جاز أن يكون هو المبتاع كغيرها من الأموال، وما قدمناه من الاستدلال محمول على التنزيه دون التحريم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ لاَ يَسْتَغْنِىِ عَنْهُ هُوَ وَأَهْلُهُ وَخَادِمٌ أُعْطِيَ مِنَ الكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ وَإنْ كَانَ فِي مَسْكَنِهِ فَضْلٌ عَنْ خَادِمِه وَأَهْلِهِ الفَضْلُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ غَنِيًا لَمْ يُعْطَ ".

قال في الحاوي: إذا كان له مسكن لا يستغني عنه، وخادم لا يجد بداَ منه جاز له أن يأخذ من الزكاة والكفارة، وجاز أن يكفر بالصيام دون المال، ولو كان مفلسًا بيع ذلك في دينه، وإن لم يبع في كفارته، لأن في حقوق الآدميين مشاحة، وفي حقوق الله تعالى مسامحة، فإن كان في ثمن مسكنه أو في ثمن خادمه فضل يكون به غنيًا حرمت عليه الزكاة والكفارة وإن كان فيهما فضل للتفكير بالمال لم يجزه التكفير بالصيام.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإذَا حَنَثَ مُوسِرًا ثُمَّ أَعْسَرَ لَمْ أَرَ الصَّوْمَ يُجْزئ عَنْهُ وآمُرُهُ احْتِيَاطًا أَنْ يَصُومَ فَإِذَا أَعْسَرَ كَفَّرَ، وَإِنَّمَا أَنْظُرُ فِي هَذَا إلى الوَقْتِ الَّذَي يَحْنَثُ فِيهِ، وَلَوْ حَنَثَ مُعْسرًا فَأيْسَرَ أَحْبَبْتُ لَهُ أَنْ يُكْفرَ وَلاَ يَصُومَ وَإِنْ صَامَ أَجْزَأَ عَنْهُ لأَنَّ حُكْمَهُ حِينَ حَنَثَ حُكْمُ الصَّيَام.
قَالَ المِزَنِيُّ: وَقَدْ قَالَ فِي الظَّهَارِ إِنَّ حُكْمَهُ حِينَ يُكْفرَ وَقَدْ قَالَ فِي جَمَاعَةِ العُلمَاءِ إِنْ تَظَاهَرَ فَلَمْ يَجدْ رَقَبَةَ أَوْ أَحْدَثَ فَلَمْ يَجِد مَاءً فَلَمْ يَصُمْ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلاة بالتَّيمُّم حَتَّى وَجَدَ الرَّقَبَةَ وَالمَاءَ إِنَّ فَرْضَهُ العِتْقُ وَالوُضٌوءُ وَقَوْلُهُ في جَمَاعَةِ العُلَمَاءِ أَوْلَى بِه مِنْ انْفِرَادِهِ عَنْهَا ". قال في الحاوي: أعلم أن الكفارة تختلف باليسار والإعسار ففرض الموسر أن يكفر بالمال وفرض المعسر أن يكفر بالصيام، وقد يختلف اليسار والإعسار، فيكون عند الوجوب موسرًا، وعند التكفير معسرًا، وقد يكون عند الوجوب معسرًا، وعند التكفير موسرًا، فاختلف الشافعي هل يعتبر بالكفارة حال الوجوب أو يعتبر بها حال الأداء على قولين منصوصين، وثالث مخرج.
أحدها: أن المعتبر بها حال الوجوب وهو المنصوص عليه في هذا الموضوع من كتاب الأيمان، فإذا حنث وهو موسر فلم يكفر بالمال حتى أعسر ففرضه التكفير بالمال دون الصيام وتكون الكفارة باقية في ذمته حتى يوسر فيكفر، ويستحب له أن يعجل بالتكفير بالصيام استظهارًا حذرًا من فوات التكفير بالموات لاستدامة الإعسار ولم يسقط عنه فرض التكفير بالصيام، ولو كان معسرًا عند الحنث ففرضه التكفير بالصيام، فإن عدل عنه إلى التكفير بالمال أجزأ عدل عن الأخف إلى الأغلظ، ووجه هذا القول في اعتبار الكفارة بحال الوجوب شيئان: أحدهما: إلحاقها بالحدود، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك لعل الحدود كفارات "والحدود معتبرة بحال الوجوب دون الفعل، لأن العبد إذا زنا فلم يحد حتى أعتق حُدَّ حدجّ العبيد، والبكر إذا زنا فلم يحد حتى أحصن حد حد الأبكار، وكذلك الكفارات.

والثاني: أن التكفير لذنب متقدم، فاعتبر بحال الوجوب لقربه من سببه.
والثاني: أن المعتبر بالكفارة حال الأداء دون الوجوب نص عليه الشافعي في كتاب الظهار فإذا حنث وهو موسر فلم يكفر حتى عسر كان فرض التكفير بالصيام، ولو حنث وهو معسر فلم يكفر حتى أيسر كان فرضه التكفير بالمال، ووجه هذا القول في اعتبار الكفارة بحال الأداء شيئان: أحدهما: إلحاقها بالطهارة، لأن كل واحدة منها ذات بدل فلما اعتبرت الطهارة بحال الأداء فكذلك الكفارة.
والثاني: أنها مواساة فاعتبرت بأقرب الأحوال من مواساته.
والثالث: وهو مخرج أن المعتبر بالكفارة أغلظ الأمرين من حال الوجوب أو حال الأداء، لأنها تكفير عن ذنب، فكانت بالتغليظ أخص، وقد استوفينا هذه المسألة فيما تقدم بفروعها.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ لَهُ أَنْ يَاخُذُ مِنَ الكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَلا يُعْتِقَ فِإنْ فَعَلَ أَجْزَأًهُ ". قال في الحاوي: أعلم أن مصرف الكفارات في الفقراء والمساكين خاصة، ومصرف الزكاة في الفقراء والمساكين، وفي بقية اهل السهمان الثمانية فاشترك الفقراء والمساكين في الكفارات والزكوات، واختصت الزكاة ببقية الأصناف دون الكفارات هذا الكلام في مصرفها.
فأما وجوبها، فكل من وجبت عليه الزكاة وجب عليه التكفير بالمال، وقد يجب التكفير بالمال على من لا تجب عليه الزكاة إذا ملك أقل من نصاب، وقد يجب التكفير بالمال على من يحل له الزكاة والكفارة، وهو من وجدها فاضلة عن قوته وقوت عياله، ولا يصير بفضلها غنيًا، فيجب عليه التكفير بالمال دون الصيام، ولوجودها في ملكه فاضلة عن كفاية وقته، ويحل له أن يأخذ من الزكوات والكفارات لدخوله في حكم الفقر والمسكنة بعدم الكفاية المستديمة، وقد يسقط التكفير بالمال، وبعدل عنه إلى الصيام من يحرم عليه أخذ الزكاة والكفارة، وهو الجلد المكتسب قدر كفايته في كل يوم من غير زيادة يكفر بالصيام دون المال لعدمه في ملكه، وتحرم عليه الكفارة والزكاة، لاستغنائه عنها بمكسبه.
فإن قيل: فإذا كان الأمر على هذا التفصيل فلم قال الشافعي: ومن له أن يأخذ من الكفارة والزكاة فله أن يصوم؟ وقد قلتم فيما فضلتم: إنه قد يجوز أن يأخذ من الزكاة

والكفارة من لا يجوز أن يصوم عنه في الكفارة، فمنه جوابان: أحدهما: أن الشافعي أشار إلى الأغلب من أحوال الناس، والأغلب ما قاله.
والثاني: أن الشافعي قصد به أبا حنيفة حيث اعتبر الغنى والفقر بوجود النصاب وعدمه، وهو عنده معتبر بوجود الكفاية المستديمة فيكون غنيًا، وإن لم يملك نصابًا إذا كان مكتسبًا بيديه، ويكون فقيرًا وإن ملك نصابًا إذا كان دون كفايته، وقد أوضحنا ذلك في قسمة الصدقات.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإنْ كَانَ غَنِيَّا وَمَالُهُ غَائِبٌ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَفَّرَ حَتَّى يَحْضُرَ مَالُُ إِلاَّ بِالإِطْعَامِ أَوْ الكُسْوَةِ أَوْ العِتْقِ ". قال في الحاوي: قال المزني جعل حكمه حكم الموسر إذا كان المكفر ذا مال غائب، إما بأن سافر عن مال خلفه ببلده، وإما بأن سافر بالمال وهو مقيم في بلده فلم يقدر على التكفير بالمال لغيبته عنه، فهو على مذهب الشافعي في حكم الموسر، ولا يجوز له الصيام حتى يقدر على ماله فيكفر بالمال.
وقال أبو حنيفة: هو في حكم المعسرين يجوز له أن يكفر بالصيام، لأنه لما حل له أن يأخذ الزكاة والكفارة لحاجته جرى عليه حكم الفقر من كفارته، وهذا خطأ لأن الحاجة مختصة بمكانه، والكفارة معتبرة بإمكانه.
فإن قيل: أفليس المتمع في الحج إذا كان معسرًا في مكة موسرًا في بلده كفر بالصيام كالمعسر، فهلا كان كذلك في كفارة الأيمان قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن مكان الدم في التمتع مستحق بمكة، فاعتبر يساره أو إعساره بها ومكان الإطعام في غيره مطلق فاعتبر يساره وإعساره على الإطلاق.
والثاني: أن الصوم في كفارة التمتع للزمان في صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع فكان في تأخيره فوات بدله، وليس لصيام اليمين زمان معين يفوت بتأخيره فافترقا.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل حاله في كمال فروضه من ثلاثة أقسام: أحدها: ما يفوت بتأخيره إلى حال الكمال، وذلك مثل صلاة العريان والمئيم وكفارة المتمتع، ففرضه تعجيل أدائه على غنى.
والثاني: ما لا يفوت بتأخيره ولا يدخل عليه ضرر بالتأخير مثل كفارة اليمين والقتل وزكاة الفطر ففرضه إذا قدر على الكمال أن يؤخره إلى حال الإمكان.

والثالث: ما لا يفوت بتأخيره، لكن يلحقه بالتأخير ضرر مثل كفارة الظهار يلحقه بتأخيرها ضرر في امتناعه من الجماع ففيه وجهان: أحدهما: يجب تأخيرها باليسار في بلده حتى يعتق لأنه غنى.
والثاني: يجوز أن يجعل التكفير بالصيام؛ لأنه مستنصر، وهكذا حكمه لو كان ضالاً أو مغصوبًا لا يجوز أن يكفر حتى يقدر على ماله فيكفر به، فإن تلف ماله قبل وصوله إليه لم يخل حاله من أحد أمرين: أحدهما: أن يقدر على التكفير له قبل وصوله إليه بأن يكاتب أو يراسل إلى بلد المال بالتكفير عنه، فلا يفعل حتى يتلف المال فهذا في حكم من كان موسرًا عند الوجوب معسرًا عند الأداء فيكون في تكفيره بالصيام على قولين: أحدهما: يجوز أن يكفر به إذا اعتبر بها حال الأداء.
والثاني: لا يجوز أن يكفر إلا بالمال إذا اعتبر بها حال الوجوب.
والثانية: أن لا يقدر على التكفير بالمال حتى يتلف فيجزئه التكفير بالصيام قولاً واحدًا لأعساره في حالتي وجوبها وأدائها والله أعلم.

باب ما يجزئ من الكسوة في الكفارة

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ منَ الكُسْوَةِ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ كُسْوَةٍ مِنْ عَمَامَةٍ أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ إِزَارِ أَوْ مَقْنَعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِرَجُلِ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيِّ وَلَوْ اسْتَدَلَّ بِمَا يَجُوزُ فيهِ الصَّلاَةُ مِنَ الكُسْوَةِ عَلَى كُسْوَةِ المَسَاكِينِ لجَازَ أَنْ يَسْتَدِلٌ بمَا يَكْفِيهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصّيْفِ أَوْ فِي السَّفَرِ مِنْ الكُسْوَةِ وَقَدْ أَطْلَقَهُ اللهُ فَهُوَ مُطْلَقٌ ". قال في الحاوي: خير الله تعالى المكفر عن اليمين بين ثلاثة أشياء: إطعام عشرة أو كسوة عشرة مساكين، أو عتق رقبة، وقد مضى الكلام في الإطعان فأما الكسوة فليس لها أقل تعتبر به، فاختلف الفقهاء فيها على خمسة مذاهب: أحدها: وهو قول عبد الله بن عمر أنه لا يجزئ فيها أقل من ثلاثة أثواب، قميص ومئزر ورداء.
والثاني: وهو قول أبي موسى الأشعري أنه لا يجزئ فيها أقل من ثوبين، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين.
والثالث: وهو قول إبراهيم النخعي أنه لا يجزئ إلا كسوة ثوب جامع كالمحلفة والكساء.
والرابع: وهو قول مالك: أنه لا يجزئ من الكسوة إلا ما تجزئ فيه الصلاة إن

كان الرجل، فما يستر به ما بين سرته وركبته، وإن كانت امرأة فما تستر به جميع بدنها.
والخامس: وهو قول الشافعي وأبي حنيفة: أنه كسوة ثوب واحد ينطلق عليه اسم الكسوة ستر العورة أو لم يسترها، وبه قال ابن عباس ومجاد وطاوس وعطاء، والدليل على أن أصح الأقاويل ما ذهب إليه الشافعي وأبو حنيفة من ثوب واحد ينطلق عليه اسم الكسوة سواء ستر العورة، وأجزات فيه الصلاة أم لا؟ لأمرين: أحدهما: التزم بقيمة متفق عليه، وما يجاوزه التزام زيادة يختلف فيها، فاعتبر الأصل في براءة الذمة.
والثاني: أنه لا يخلو إطلاق الكسوة من اعتبارها بما انطلق عليه الإسم أو بما دعت إليه الحاجة فلم يلزم اعتبارها بما دعت إليه الحاجة؛ لأنها تدعو إلى ما يدفئ من البرد في الشتاء، ويقي من الحر في الصيف، وإذا لم يغير ما دعت إليه حاجة الشتاء والصيف كان أولى أن لا يغير ما ذهب إليه مالك من ستر العورة وإجزاء الصلاة من وجهين: أحدهما: خروجه من اعتبار الإسم وهو أصل عن اعتبار الكفاية وهي عرف.
والثاني: أنه لو أعطاه من رقيق الثياب ما يعم العورة ولا يسترها لرقته أجزأه، وإن لم تجز فيه الصلاة، ولأنه لما استوى قدر الإطعام في الرجال والنساء وجب أن يستوي قدر الكسوة فيهما وفي اعتبار ستر العورة يوجب اختلاف القدر فيهما لاختلاف العورة منهما فكان ذلك مدفوعًا، وإذا بطل بما ذكر أن يعتبر ما زاد على انطلاق الاسم ثبت أن ما انطلق اسم الكسوة عليه هو المعتبر فنقول: كساه قميصًا أو كساه منديلاً وكساه سراويل وكذلك المقنعة والخمار فأجزأه ذلك كله، وقال أبو يوسف: لا تجزئه السراويل، لأنه تبع لغيره، وهذا فاسد بالعمامة والمنديل، فأما القلنسوة ففي إجزائها وجهان؟ أحدهما: يجوز لأنها من حملة ما يكتسى.
والثاني: لا يجوز لأنها زيادة ولا ينفرد بلباسها، وقال أبو الغياض البصري: إن كانت صغيرة تغطي نصف الرأس لم تجز وإن كانت كبيرة تعم الرأس وتغطي الآذان والقفا أجزأت ولا يجزئ أن يعطي خفين، ولا نعلين ولا تكة، ولا ما يلبس من العصائب ولا تجزئ منطقة ولا مكعب ولا هميان لخروج ذلك عن الكسوات الملبوسة.
فصل: وما أعطى من ثياب قطن أو كتان أو شعر أجزأ فأما ثياب الحرير والإبريسم، فيجوز أن يعطاه النساء لإحالة لهن، وكذلك الصبيان، وفي جواز إعطائه للرجال وجهان: أحدهما: لا يجوز لتحريم لبسه عليهم.
والثاني: يجوز وهو أصح؛ لأنه يجوز أن يعطي للرجال ثياب النساء، ويعطي النساء ثياب الرجال، وسواء بياض الثياب ومصبوغها، وخامها، ومقصورها، وجديدها وغسيلها فأما اللبيس منها، فإن أذهب اللبس أكثر منافعه لم يجزه وإن أذهب أقلها أجزأه كالرقبة

المعيبة إن كان عيبها يضر بالعمل إضراراً بيناً لم يجزه، وإن لم يضر بالعمل إضراراً بيناً أجزأه ويجوز أن يعطيهم ثوباً نجساً، لأنه يطهر بالغسل، لكن عليه أن يعلمهم بنجاسته حتى لا يصلوا فيه، إلا بعد غسله، ولا يجوز أن يعطيهم ما نسخ من صوف ميتة، ولا من شعرها؟ لعموم تحريمه وخصوص الانتفاع به، وإن لا سبيل إلي طهارته.
فصل ولا يجوز أن يعطى الزلالي والبسط والأنطاع، لخروجها عن اسم الكسوة والملبوس، وكذلك لا يجوز أن يعطيهم غزلاً غير منسوج فأما لباس الجلود والفراءة فإن كان في بلد أهله ذلك أجزأ وإن كان في بلد لا يلبسه أهله، ففيه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في أجناس الحبوب في الإطعام هل يكون مخيراً فيها أو يعتبر بالغالب منها، وكذلك قميص اللبود، ولكن يجزئ أن يعطيهم الأكسية لأنها تلبس دثاراً، وإن لم تلبس شعاراً ولو أعطى مساكين ثوباً طويلاً فإن دفعه إليهم بعد قطعة أجزاه، لأنه قد صارت كل قطعة منه كسوة، وإن دفعة إليهم صحيحاً لم يجزه، لأنه ثوب واحد، فلم يكن إلا كسوة واحدة والله أعلم.

باب ما يجوز في عتق الكفارات وما لا يجوز مسألة

: قال الشافعي رحمه الله:" ولا يجزئ رقبة في كفارةٍ ولا واجبٍ إلا مؤمنه".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن العتق في الكفارات لا يجزئ إلا في رقبة مؤمنة وهو قول الأكثرين، وقال أبو حنيفة: يجزئ عتق الكافرة في جميعها إلا في كفارة القتال، لأن الله تعالى شرط إيمانها فحمل الشروط علي تقييده، والمطلق علي إطلاقه، ومن أصل الشافعي أن كل مطلق قيد بعض جنسه بشرط كان جميع المطلق محمولاً علي تقييد ذلك الشرط، كما أطلق قوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282]، وقيد قوله: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق:2]، فحمل ذلك المطلق علي هذا المقيد في اشتراط العدالة، واختلف أصحابنا فيما ذهب إليه الشافعي من حمل المطلق علي المقيد، هل قاله لغة أو شرعاً علي وجهين: أحدهما: انه قاله من طريق اللغة وما يقتضيه لسان العرب الذي جاء به الشرع ما لم يصرف عنه دليل.
والثاني: أنه قال من طريق الشرع وما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، واختلف من قال بهذا علي وجهين: أحدهما: يجمع بينهما بالإطلاق إلا أن تفرقا في (المعنى).

والثاني: أن لا يجمع بينهما إلا بعد اشتراكهما في المعني، ثم من الدليل انه عتق في كفارة، فوجب أن لا يجزئ إلا مؤمنه، كالعتق في كفارة القتل.
ولأن كل رقبة لا يجزئ عتقها في كفارة القتل لم يجز عتقها في سائر الكفارات، قياساً علي المعيبة وقد مضت هذه المسألة في كتاب الظهار مستوفاة.
مسألة: قال الشافعي:"وأقل ما يقع عليه اسم الإيمان علي الأعجمي أن يصف الإيمان أذا أمر بصفته ثم يكون به مؤمناً".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا ثبت أن الإيمان شرط في عتق الكفارة فإيمانها علي ضربين: أحدهما: إيمان فعل.
والثاني: إيمان حكم، فأما إيمان الفعل فلا يكون إلا من بالغ عاقل، تؤخذ عليه شروط الإيمان قطعاً، وشروطه أن يتلفظ بالشهادتين فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، قال الشافعي:"ويقر بالبعث والجزاء، ويبرأ من كل دين خالف الإسلام، فأما إقراره بالبعث والجزاء فمستحب، وليس يقف إيمانه علي إقراراه، لأنه من موجبات الإيمان، وأما براءته من كل دين خالف الإسلام فقد اختلف أصحابنا في وجوبه علي ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه شرط في كالشهادتين.
والثاني: أنه مستحب كالبعث والثالث: أنه إن كان من قوم ينكرون نبوة محمد صلي الله عليه وسلم، كان إقراره بنبوته يغنى عن براءته من كل دين خالف الإسلام، ويكون اشتراط ذلك فيه مستحباً، وإن كان من قوم يعتقدون انه مبعوث إلي قومه من العرب دون غيرهم كيهود خيبر، فإنهم كانوا يقولون: هو مبعوث إلي الأميين من العرب دوننا، وإنما ننتظر مبعوثاً إلينا من ولد إسحاق فتكون البراءة من كل دين خالف الإسلام شرطاً في صحة إيمانه، وبهذا قال أبو علي بن أبي هريرة فإذا صح ما يكون شرطاً في إيمانه نظر فإن كان عربي اللسان تلفظ به نطقاً ولا نفتنع منه بالإشارة مع سلامة لسانه وفهم كلامه، وإن كان أعجمي اللسان نظر، فإن حضر من يفهم لسانه لم يكن مؤمناً إلا بالنطق دون الإشارة كالعربي، وإن لم يحضر من يفهم لسانه دعت الضرورة إلي أن تؤخذ عليه شروط الإسلام، بالإشارة دون النطق كالأخرس، وروي أن معاوية بن الحكم جاء إلي النبي صلي الله عليه وسلم بعبد أعجمي جليب؟ فقال: يا رسول الله: إني ندرت أن أعتق مؤمنه افيجزئ هذا فقال له النبي صلي الله عليه وسلم:"من ربك، فأشار (إلى)

السماء، أي: رب السماء؟ فقال: من نبيك، فأشار إليه، فقال له النبي صلي الله عليه وسلم:" أعتقه فإنه مؤمن".
مسألة قال الشافعي:" ويجزئ فيه الصغير إذا كان أبواه مؤمنين أو أحدهما".
قال في الحاوي: وأما إيمان الحكم، فمعتبر فيمن لا يحكم بقوله في صغير أو مجنون، فيكون الصغير مسلماً بإسلام أبويه.
وقال مالك: لا يصير مسلماً بإسلام أمه وحدها، وإن صار مسلماً بإسلام أبيه وحده، اعتباراً بلحوق نسبه بأبيه دون أمه، كذلك في الإسلام، لأن أحكامه في إتباع أبويه تنقسم قسمين: أحدهما: ما كان فيها تابعاً لأبيه دون أمه، وهو النسب.
والثاني: ما كان فيها تابعاً لأمه دون أبيه، وهو الحرية والرق، فأما ما ينفرد به كل واحد من الأبوين، فخارج القسمين، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:21]، فأخبر أن الأولاد يتبعون الآباء والأمهات في الإيمان، وقال النبي صلي الله عليه وسلم:"الإسلام يعلو، ولا يعلى" وقد خلق الولد من ماء الأبوين، فإذا اجتمع فيه إسلام أحدهما وكفر الآخر وجب أن يعلو الإسلام علي الكفر، وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:"كل مولود يولد علي الفطرة، فأبوه يهودانه أو ينصرانه، أو يجسمانه" فجعل اجتماع أبويه سبباً لشهوده فخرج بإسلام أحدهما من اليهودية؟ ولأنه لو افترق حكم أبويه في إسلامه لكان اعتباره بأمه أحق، منها قطعاً، ومن أبيه ظناً.
فأما السبب فلا يلزم لأن حكمه في التحريم معتبر لكل واحد منهما فصار بالدين أشبه، وأما استدلالهم بتقسيم الحكمين فقد يقترن بهما ثالث وهو أن حرية الأب توجب حرية الولد إذا وطئها بملك اليمين، ورق الأم يوجب رق الولد إذا وطئها بعقد النكاح، فصارت الحرية والرق معتبرين بكل واحد من الأمرين فكذلك الإسلام ويصير هذا قسماً ثالثا.
فصل فإذا صح إسلام الصغير المجنون بإسلام كل واحد من أبويه فعتق الصغير في الكفارة مجزئ، وإن كان ناقص العمل بخلاف الزمن؟ لأن نقص الصغير يزول، ونقص الزمانة لا يزول، سواء كان الصغير مستقلاً بنفسه، مستغنياً عن التربية كالمراهق، أو كان طفلاً يربي كالرضيع، لأنه ينشأ ويستكمل ونفقته بعد عتقه في بيت المال وفي الصدقات

ولا يجب (على) معتقه ولو تبرع بها حتى يبلغ هو الاكتساب كان أولي وإن لم تجب، فأما عتق المجنون فلا يجزئ إن كان جنونه مستديماً طبعا وكذلك المعتوه، وإن كان يجن في زمان ويفيق في زمان، فإن كان زمان جنوبه أكثر من زمان أفاقته، أو كان سواء لم يجزه عتقه، وإن كان زمان إفاقته أكثر من جنونه، ففي إجزاء عتقه وجهان: أحدهما: يجزئ كما يجزئ عتق من قل عيبه.
والثاني: لا يجزئ، لأن قليل الجنون يصير كثيراً، فأما عتق الأحمق فيجزئ، لأنه يستهل بتدبير غيره، وأما عتق الفاسق فمجزئ لأجزاء أحكام الإسلام عليه.
مسألة قال الشافعي:"وولد الزنا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأنه صحة الانساب في عتق الكفارات غير معتبر؟ ولأن سلامه بدنه وصحة عمله مماثل لذوي الانسباب؟ ولأنه لما لم يكن ذلك عيباً في نقصان ثمنه، فأولي أن لايكون عيباً في أجزاء عتقه، واحسب الشافعي قال ذلك، ونص عليه، بخلاف شذ من بعض السلف تمسكا بقول النبي صلي الله عليه وسلم:"ولد الزنا شر الثلاثة"ولا دليل فيه، لأنه غير مستهل علي ظاهرة، وفيه تأويلان: أحدهما: انه شرهم نسباً.
والثاني: أنه شرهم إذا زنا لأنه صار مع شر نسبه زانياً.
مسألة: قال الشافعي:"وكل ذي نقص بعيب لا يضر بالعمل إضراراً بينا مثل العرج الخفيف والعور والشلل في الخنصر ونخو ذلك ولا يجزئ المقعد ولا الأعمى ولا الأشل الرجل ويجزئ الأصم والخصي والمريض الذي ليس به مرض زمانه مثل الفالج والسل".
قال في الحاوي: اعلم أن الله تعالى أطلق عتق الرقبة في الكفارة فاقتضي إطلاقها أحد أمرين: إما السلامة من جميع العيوب كالغرة في الجنين والإبل من الدية، وإما جوازها مع كل العيوب اعتباراً بمطلق الاسم كالنذور، لكن انعقد فيها إجماع منع من اعتبار احد هذين الأصلين لأنهم أجمعوا علي أن من ذوات العيوب ما يجزئ، وهي العوراء والبرصاء والجدعاء، ومن ذوات العيوب ما لا يجزئ، وهي العمياء والقطعاء والشلل، فاعتبرنا معني ما أجاوزه، ومعني ما ردوه، فوجدناهم قد أجازوا منها ما لا يضر بالعمل إضراراً بينا وردوا منها ما يضر بالعمل إضراراً بينا، فصار هذا أصلاً عقده

الإجماع في الكفارة خارجاً عن الأصلين في إطلاقها فاعتبروا كمال المنفعة دون كمان الصفة، لأن المقصود بالعتق تميلك الرقبة منافع نفسها، فاعتبرنا كمال ما توجه إليه التمليك من المنافع دون الصفات، فإذا صار هذا أصلاً معتبراً انساق عليه التفريع، فقلنا: إن العوراء تجزئ بكمال منافعها؟ وإنها تدرك بإحدى العينين ما تدركه بهما، فإن قيل: فقد منع الشرع من الأضحية بالعوراء قيل: لأنه قصد به كمال اللحم واستطابته في الأضحية والعور مؤثر فيه، فمنع منه، ولم يمنع مما قصد به كمال المنفعة في العتق فأجير فيه.
وإذا أجزأت العوراء في عتق الرقبة فأولي أن يجزئ عتق الحولاء والخيفاء والمقطوعة الأنف والأذنين والبرصاء، لأن كل هذه العيوب غير مضرة بالعمل، وكذلك يجزئ عتق الخرساء، وعتق الصماء، لأن عملها كامل والإشارة معها تقوم مقام النطق، فإن لم يفهما الإشارة لم يجز عتقهما، فإن الشافعي أجاز في موضع عتقهما ومنه منه في موضع آخر، وليس ذلك علي اختلاف قولين، وإنما هو علي اختلاف حالهما في فهم الإشارة، فأما إن اجتمع فيهما الخرس والصمم لم يجز، لأن اجتماعهما مؤثر من العمل ومقتضي عرفهم الإشارة ولا يجزئ عتق العمياء لأضرار العمى بالعمل، ولا يجوز عتق المقطوعة اليدين أو إحداهما ولا عتق المقطوعة الرجلين أو إحداهما، بخلاف العوراء، لأن ذهاب احدي اليدين مضر بالعمل، وكذلك إحدى الرجلين وذهاب احدي العينين غير مضر بالعمل، ويجزئ عتق العرجاء إذا كان عرجها قليلاً، ولا يجزء إذا كان كثيراً، لأن قليلة غير مضر؟ وكثيرة مضر، وتجزئ المقطوعة الخنصر أو البنصر من احدي الأطراف، أو الخناصر والبناصر من الأطراف كلها ولا يجزئ إذا اجتمع قطع الخنصر والبنصر من طرف واحد، ويجوز إن كانا من طرفين، لأن اجتماعهما مضر وافتراقهما غير مضر، ولا تجزئ المقطوعة الإبهام أو السبابة أو الوسطي، لأن قطع كل واحدة من هذه الأصابع الثلاث مضر، فأما قطع الأنملة الواحدة فيمنع منها إن كانت في الإبهام ولا يمنع منها إن كانت في غيرها من الأصابع، لأن الباقي من أنامل غير الإبهام أكثر بخلاف الإبهام والشلل في الأطراف كالقطع فما منع من القطع منع منه الشلل، وما جاز مع القطع جاز مع الشلل، فإذا لم تجز القطعاء فأولي أن لاتجزئ المقعدة ولا ذات الزمانه، وأما المريضة فإن كان مرضها مرجواً كالحمى والصداع أجزأت وإن ماتت، وإن كان مرضها غير مرجو كالسل والفالج لم تجز وإن صحت، وأما عتق الشيخ والعجوز، فعتقهما مجزئ، ما لم ينتهيا إلي الهرم المضر بالعمل، فلا يجزئ، وسواء في الأجزاء اعتق ذات الضعة وغير ذات الضعة، ويجزئ عتق الخصي والمجبوب لكمال عملهما، وكذلك يجزئ عتق الخنثي، فأما عتق الجذماء فإن كان الجذام في الأنف والأذن أو الشفة أجزأت، وإن كان في أطراف البدن والرجلين لم يجز، لأنه مضر بالعمل في الأطراف وغير مضر بالعمل في غير الأطراف ويجزئ عتق الأبرص والبرصاء لأنه غير مضر بالعمل، والله أعلم.

مسألة: قال الشافعي:"ولو اشترى من يعتق عليه لم يجزه ولا يعتق عليه إلا الوالد والمولودون".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أنم ملك أحداً من والديه أو مولودية عتق عليه، ولا يعتق عليه غيرهما من ذوى الأنساب، واعتق عليه أبو حنيفة كل ذي رحم محرم وسائر الكلام معه في كتاب العتق، وإن ما مضي في كتاب الظهار، وذكرنا أن من اشترى من يعتق عليه ناوياً به العتق عن كفارته لم تجزه، وأجازه أبو حنيفة وقد مضى الكلام معه في كتاب الظهار لكن اختلف أصحابنا في تعليل ما قاله الشافعي في المنع من إجزائه علي وجهين: أحدهما: هو أن الله تعالى أوجب عليه تحرير رقبة، وهذا يعتق عليه بغير تحرير منه، فلم يجزه لعدم ما لزمه من فعل التحرير.
والثاني: أن تعليل المنع من إجزائه أن الرقبة الواحدة لا يجزئ عتقها بسببين حتى يكون مقصوراً علي أحدهما، وهذا عتق بسببين، فكان مقصوراً علي أثبتهما.
مسألة قال الشافعي:"ولو اشترى رقبة بشرط يعتقها لم تجز عنه" قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب البيوع إذا شتري عبداً بشرط العتق فالشافعي في البيع والشرط ثلاثة أقاويل: أحدها: أن البيع والشرط باطلان، وهو مذهب أبي حنيفة، فعلي هذا إن اعتقه عن كفارة لم يجزه، لأنه اعتق مالم يملك، وقال أبو حنيفة: يجزئه، ويكون مأخوذا بعتقه، لأجل الشرط حكاه أبو ثور عن الشافعي احتجاجاً بأن عائشة رضوان الله عليها اشترت بريرة بشرط العتق فأجاز رسول الله صلي الله عليه وسلم البيع وأمضى الشرط، فعلي هذا لا يجزئه عتقه عن كفارته، لأنه يصير عتقاً بسببين، ولا يجزئه عتقه عن كفارته، لأنه يصير عتقاً بسببين، ولا يجزئ في الكفارة إلا عتق رقبة يختص بسببها.
والثالث: أن البيع جائز والشرط باطل ولا يلزمه عتقها عن غير الكفارة، فعلي هذا إن اعتقها في الكفارة ففي إجزائها وجهان: أحدهما: تجزئ، لأنه عتق بسبب واحد، وهو التكفير.
والثاني: أنها لا تجزئ لأن الشرط قد أخذ من الثمر قسطاً، فصار العتق في مقابلة عوض فجرى العتق بسببين، وخرج عما انفرد عتقه عن التكفير مسألة: قال الشافعي:"ويجزئ المدبر ولا يجوز المكاتب حتى يعجز فيعتق بعد العجز

ويجزئ المعتق إلي سنين واحتج في كتاب اليمين مع الشاهد علي من أجاز عتق الذمي في الكفارة بأن الله عز وجل لما ذكر رقبة في كفارة فقال؛"مؤمنةٍ، ثم ذكر رقبة أخرى في كفارةٍ كانت مؤمنة لأنهما يجتمعان في أنهما كفارتان ولما رأينا ما فرض الله عز وجل علي المسلمين في أموالهم منقولاً إلي المسلمين لم يجز أن يخرج من ماله فرضاً عليه فيعتق به ذمياً مؤمناً".
قال في الحاوي: أما المدبر فيجزئ عتقه عن الكفارة لبقائه علي الرق، وجواز بيعه، ومنع أبو حنيفة من أجزائه لمنعه من جواز بيعه وسائر الكلام معه في كتاب المدبر، وكذلك المعلق عتقه بصفه إذا عجل عتقه عن كفارة أجزأه سواء كانت الصفة معلقة بالزمان، كقوله: إذا هل شهر كذا فأنت حر كانت الصفة معلقة بالفعل، كقوله: إن دخلت الدار فأنت حر، وإنما أجزأه إلحاقاً له بالمدبر، كما أن بيعه يجوز كالمدبر، ولكن لو نوى فيه ان يصير بمجئ الصفة حراً عن كفارته لم يجزه لأنه يصير معتقاً بسببين، وتعجيل عتقه قبل الصفة يجعله معتقاً بسبب واحد فأما عتق أم الولد فلا يجزئ عن الكفارة.
واختلف أصحابنا في تعليل هذا المنع، فقال بعضهم: التحريم بيعها، وقال آخرون: استحقاق عتقها بالولادة يجعلها معتقه بسببين وأما عتق المكاتب قبل عجزه فلا يجزئ وقال أبو حنيفة: إن لم يؤد شيئا من نجومه أجزاه، وإن أدى شيئاً منها لم يجزه، وقد ذكرناه في كتاب الظهار، فأما إن عجز عن الأداء فأعتقه بعد التعجيز أجزاه لأنه قد عاد إلي الرق في جواز البيع، وجميع الأحكام، فأما إذا اعتق شقصاً له من عبد ينوي به الكفارة، وكان موسراً عتق عليه جمعيه، وأجزأه منه قدر حصته، وفي إجزاء حصة شريكة ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجزئه لأنه يعتق عليه بغير التكفير فصار عتقاً بسببين: والثاني: يجزئه، لأن عتقه تبع لعتق حصته، فجرى عليه حكمها في الأجزاء.
والثالث: أنه إن نوى عند عتق حصته عتق جميعه عن كفارته أجزأة، وإن قصر نيته علي عتق حصته وحدها لم يجزه، وإذا أكمل عتق رقبة من عبدين اعتق من كل واحد نصفه، وفي إجزائه وجهان مضيا.
وفيه رابع: أنه إن كان الباقي من كل واحد منهما حراً أجزأه، وإن كان الباقي منهما حراً أجزاه، وإن كان الباقي منهما مملوكاً لم يجزه، فأما إذا اعتق عبداً مرهوناً أو جانياً، فإن قيل ببطلان عتقهما علي ما ذكرناه من الأقاويل فيها لم يجزه، وإن قيل يجوزاه عتقهما علي ما ذكرناه من الأقاويل فيها لم يجزه، وإن قيل بجواز عتقهما أجزأه عن كفارته ثم ختم المزني الباب بالاحتجاج علي أبي حنيفة والمنع من إجزاءه عتق الكافر بما مضي وبالله التوفيق.

باب الصيام في كفارة الإيمان المتتابع وغيره

مسألة قال الشافعي رحمه الله:"كل من وجب عليه ليس بمشروطٍ في كتاب الله أن

يكون متتابعاً أجزأه متفرقاً قياساً علي قوله الله عز وجل ذكره: (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة:184] والعدة أن يأتي بعدد صوم لا ولاء وقال في كتاب الصيام أن صيام كفارة اليمين متتابع والله اعلم قال المزني رحمه الله هذا ألزم لأن الله عز وجل شرط صوم كفارة المتظاهر متتابعاً وهذا صوم كفارة مثله كما احتج الشافعي بشرط الله عز وجل رقبة القتل مؤمنه قال المزني فجعل الشافعي رقبة الظهار مثلها مؤمنه لأنها كفارة شبيه بكفارة فكذلك الكفارة عن ذنب بالكفارة عن ذنب أشبه منها بقضاء رمضان الذي ليس بكفارة عن ذنب فتفهم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الصوم في كفارة الإيمان مترتب لا يجزئ إلا بعد العجز عن الإطعام والكسوة والعتق لقول الله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:89]، وهل يكون تتابع صومها شرطاً في صحتها أم لا علي قولين: أحدهما: نص عليه في كتاب الصيام، وهو قول أبي حنيفة والعراقيين واختاره المزني أن التتابع شرط في صيامها، فإن صام متفرقاً لم يجزه استدلالاً بقراءة ابن مسعود:"فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقراءة أبي: فصيام ثلاثة أيام متتابعة" والقراءة الشاذة تقوم مقام خبر الواحد في وجوب العمل، لأنها منقولة عن الرسول، ولأنه صوم تكفير فيه عتق، فوجب أن يكون التتابع من شرطه قياساً علي كفارة القتل والظهار، لما ذكره المزني أن من أصل الشافعي حمل المطلق علي ما قيد من جنسه كما حمل إطلاق العتق في كفارة الإيمان علي ما قيد في كفارة القتل من الإيمان فلزمه أن يحمل إطلاق هذا الصيام علي ما قيد من تتابعه في القتل.
والثاني: نص عليه في هذا الموضع، وهو قول مالك والحاجزين أن التتابع استحباب وليس بواجب وأن صومه متفرقاً جائزاً استدلالاً بما ورد به القرآن من إطلاق صيامها فاقتضي الظاهر إجزاء صيامها في حالتي تتابعها وتفريقها، ولا يجب حمله علي المقيد من كفارة الظهار كما ألزمه المزني لتردد هذا الإطلاق بين أصلين يجب التتابع في أحدها وهو كفارة الظهار، ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان فلم يكن أحد الأصلين في التتابع بأولي من الآخر في التفرق.
ولأنه صوم يتردد موجبه بين إباحة خطر، فوجب أن لا يستحق فيه التتابع قياساً علي قضاء رمضان، فأما قراءة ابن مسعود وأبى فإنما تجرى في وجوب العمل بها مجرى خير الواحد، إذا أضيفت إلي التنزيل والي سماعها من الرسول صلي الله عليه وسلم فأما إذا أطلقت جرت مجرى التأويل دون التنزيل، ثم لو سلمت لحملت علي الاستحباب وإطلاقها علي الجواز، وأما كفارة القتل فلما تغلظ صومها بزيادة العدد تغلظ بالتتابع، ولما تخفف صوم كفارة اليمين بنقصان العدد تخفف بالتفرقة.

مسألة: قال الشافعي: "وإذا كان الصوم متتابعاً فافطر فيه الصائم أو الصائمة من ذعر وغير عذر استأنفا الصيام إلا الحائض فإنها لا تستأنف وقال في القديم: المرض كالحيض وقد يرتفع الحيض بالحمل وغيره كما يرتفع المرض قال ولا صوم فيما لا يجوز صومه تطوعاً مثل يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق".
قال في الحاوي: وصورتها أن يجب عليه صوم متتابع في كفارة قتل أو إظهار فيفطر في أثناء صيامه، وإن كان أكثر من باقية فلا يخلو فطره من أن يكون بعذر أو غير عذر، فإن أفطر بغير عذر أبطل به التتابع ولم يعتد بما تقدم من صيامه، وإن كان أكثر من باقية، واستأنف صوم شهرين متتابعين، وإن افطر بعذر فالأعذار ضربان: أحدهما: ما كان من أعذار الأبدان.
والثاني: ما كان من أعذار الزمان، فأما أعذار الأبدان فأربعة أعذار: أحدها: الحيض، فهو مناف للصوم، فإذا دخلت المرأة في صيام شهرين متتابعين بكفارة قتل ثم حاضت في تضاعيفها لا يبطل به تتابع صيامها وتبني علي ما مضي من صيامها بعد انقطاع حيضها لعلتين: إحداهما: أنه فطر بعذر، لا يقدر معه علي الصيام.
والثانية: أن طرق الحيض معتاد لا يسلم لها في العرف صيام شهرين لا حيض فيها.
والثاني: المرض تفطر به في تضاعيف صيامها فهل ينقطع به التتابع أم لا؟ علي قولين: أحدهما: وهو القديم أنه يجوز معه البناء ولا ينقطع به التتابع كالحيض، تعليلاً بأنه فطر بعذر، لا يمكن معه الصوم.
والثاني: وهو الجديد يجب معه الاستئناف، وينقطع به التتابع، تعليلاً بأنه لا يعتاد استمراره.
والثالث: الفطر بالسفر.
فإن قيل: إن الفطر بالمرض يقطع التتابع، فالفطر بالسفر أولي أن يقطعه.
وإن قيل: إن الفطر بالمرض لا يقطع التتابع ففي قطعة بالسفر قولان: أحدهما: لا يقطعه، ويجوز معه البناء، لأنه قطر بعذرين قد جمع الله بينهما في الإباحة.
والثاني: يقطع التتابع ويوجب الاستئناف، لأن فطره بالمرض ضرورة وبالسفر عن

اختيار، ولذلك إذ مرض في يوم كان صحيحاً في أوله أفطر، ولو سافر في يوم كان سقيماً في أوله لم يفطر.
والرابع: أن يطرأ عليه في تضاعيف صيامه جنون، أو إغماء، فإن قيل في المرض يبني فهذا أولي، وإن قيل في المرض يستأنف ففي الاستئناف بالجنون والإغماء وجهان: أحدهما: يستأنف كالمريض.
والثاني: يبني ولا يستأنف لأن الصوم مع المرض يصح، مومع الجنون والإغماء لا يصح وأما أعذار الزمان، فهو أن يتخلل مدة صيامه زمان لا يجوز صيامه مثل يوم الفطر، ويوم النحر، فهذا قاطع للتتابع وموجب للاستئناف، ولأن الاحتراز منه ممكن، وهكذا لو تخلل صيامه شهر رمضان قطع التتابع، فأما أيام التشريق فما تقدمه من يوم النحر قطع التتابع، فأما الابتداء بصيامها في الكفارة فقد كان الشافعي يرى في القديم جواز صيامها في كفارة تمتعه، لقول الله تعالى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة:196]، ثم رجع عنه في الجديد، ومنع صيامها للمتمتع وغيره لنهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن صيامها، وقوله:"إنها أيام أكل وشرب وبعال، فلا تصوموها"، فإن منع من صيامها للمتمتع، كان غير المتمتع أولي بالمنع، وإن جوز صيامها للمتمتع لم يجز أن تصام تطوعاً لغير سبب، وفي جواز صيامها بسبب موجب وجهان: أحدهما: يجوز وهو قول أبي إسحاق المروزي كالمتمتع لاشتراكهما في السبب الموجب.
والثاني: لا تجزئ لأن صيام التمتع مختص بأيام الحج، وصيام غيره لا يختص بها، وأما إذا كان عليه صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين فإن قيل: إن التتابع فيها غير مستحق لم يمنع الفطر في تضاعيفها من جواز البناء.
وإن قيل: إن التتابع فيها شرط مستحق كان الفطر فيها بالحيض قاطعاً للتتابع قولاً واحداً، بخلافه في كفارة القتل، لأن التحرز منه بصيامها في أول الطهر ممكن، لأن اقله خمسة عشر يوماً، وإن أفطر فيها بمرض، كان البناء علي قولين كفطره في كفارة القتل، لأن التحرز من هجوم المرض غير ممكن، وكذلك يكون حكم فطره بالسفر والجنون، كحكمه في كفارة القتل سواء، ولا يجزئ صومه في الكفارة إلا بنيه قبل الفجر، تجدد النية لكل يوم، والله أعلم.

باب الوصية بكفارة الإيمان والزكاة

مسألة قال الشافعي رحمه الله:"من لزمه حق المساكين في زكاةٍ أو كفارةٍ يمينٍ أو حج

فَذَلِكَ كُلُهُ رَاسِ مَالِهِ يُحَاصُّ بِهِ الغُرَمَاءُ".
قال في الحاوي: أما أخص الحقوق بتركة الميت فهو الكفن، ومؤونة الدفن يقدم على حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، وإن استوعبت جميع التركة، وأما غيره من الحقوق فضربان: أحدهما: ما كان من حقوق الآدميين كالديون فلا خلاف أنها لا تسقط بالموت لقول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]، ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "نفس الميت معلقة بدينه حتى يقضى" وأما حقوق الله تعالى من الزكوات والكفارات والحج والنذور فمذهب الشافعي أنها لا تسقط بالموت سواء وجبت باختياره كالكفارات والنذور أو بغير اختياره كالزكوات والحج، وقال أبو حنيفة: يسقط جميعها بالموت، وفرق بعض الفقهاء بين ما وجب باختياره فسقط بالموت وما وجب بغير اختياره فلا يسقط بالموت، وعكس بعضهم هذا فأسقط بالموت ما وجب بغير اختياره لم يسقط به ما وجب باختياره، وقد حكى الشافعي هذه المذاهب كلها في كتاب الأم، وقد قدمنا الكلام مع أبي حنيفة في كتاب الزكاة والحج بما أغنى عن الإعادة فإذا تقرر هذه الجملة لم يحل حال بعد الموت فيما لزمه من الحقوق من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون جميعها من حقوق الآدميين فهي على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يتعلق جميعها بالذمة، فجميع أربابها أسوة في التركة، إن اتسعت لها قضى جميعها، وإن ضاقت عنها تحاصوها بينهم على قدر ديونهم.
والثاني: أن يكون جميعها متعلقة بالعين كالرهن، والعبد الجاني، فإن اختلفت العينان اختص كل واحد منهم بالعين التي تعلق حقه بها وإن تعلقت حقوقهم بعين واحدة اشتركوا فيها بقدر حقوقهم منها.
والثالث: أن يكون بعض الحقوق ثابتًا في الذمة، وبعضها متعلقًا بالعين فيقدم ما تعلق بالعين على ما تعلق بالذمة، لأن صاحب العين قد جمع بين حقين، وتفرد صاحب الذمة بأحدهما.
فصل: الثانية: أن يكون جميعها من حقوق الله تعالى فهي على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يتعلق جميعها بالذمة كالحج والكفارة والزكاة بعد تلف الحال والنذور المتعلقة بالذمة، فإن اتسعت التركة لجميعها قضيت، فإن فضل عنها شيء كان للورثة وإن استوعبت التركة فلا شيء للورثة، وإن ضاقت التركة عنها قسمت التركة على الحقوق بالحصص، فإن كان ما خرج بقسط الحج يمكن أن يحج به عنه من ميقات بلده أخرج

عنه وإن لم يكن سقط وتدبر من التركة على ما سواه من الحقوق وكذلك حكم العتق في الكفارة إذا لم يمكن فيه تخيير كالعتق في كفارة القتل والظهار إذا ضاق سقط عن تحرير رقبة سقط حكمه، وعاد على ما سواه.
والثاني: أن يكون جميعها متعلقة بالعين، كالزكاة في نصاب موجود والنذور في عتق عبد معين، أو الصدقة بمال معين، فإن تغايرت الأعيان اختصت كل عين بالحق المتعلق بها، وإن اتفقت قسطت على الحقوق المتعلقة بها.
والثالث: أن يختص بعضها بالذمة ويتعلق بعضها بالعين، فالمتعلق بالعين أحق أن يقدم على ما تعلق بالذمة كما ذكرنا في حقوق الآدميين.
فصل: والثالثة: أن تجمع في تركته حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين فهذا على أربعة أضرب: أحدها: أن تكون حقوق الله تعالى متعلقة بالعين، وحقوق الآدميين مختصة بالذمة، فيقدم حق الله تعالى المتعلقة بالعين على حقوق الآدميين المتعلقة بالذمة.
والثاني: أن تكون حقوق الله تعالى متعلقة بالذمة وحقوق الآدميين متعلقة بالعين فيقدم حقوق الآدميين على حقوق الله تعالى.
والثالث: أن تكون حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين متعلقة بالذمة ففيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أن حقوق الله تعالى مقدمة على حقوق الآدميين لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "فدين الله أحق أن يقضى" ولأنها حقوق لا تسقط بالإبراء فكانت أوكد من حقوق الآدميين الساقطة بالإبراء.
والثاني: أن حقوق الآدميين مقدمة على حقوق الله تعالى لأمرين: أحدهما: أن نفوس الآدميين أشح، والله تعالى بحقوقه أسمح، ولذلك جعل لها أبدالًا وأسقطها بالشبهات.
والثاني: أن مستحقيها متعينون؟ وحقوق الله تعالى لا يتعين مستحقها، وما تعين مستحقة أوكد.
والثالث: أن كلا الحقين سواء لاشتراكهما في الوجوب، وتساويهما في الاستحقاق فتسقط التركة بينهما على قدر الحقين.
والرابع: أن تكون حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين متعلقة بالعين، فإن تغايرت اختصت كل عين بمستحقها، وإن اتفقت في عين واحدة فقد أشار أبو علي بن أبي هريرة إلى وجهين: أحدهما: أنه يكون على الأقاويل الثلاثة كالمتعلق بالذمة.

والثاني: أنه يقدم فيها حقوق الآدميين على حقوق الله تعالى قولًا واحدًا لأنها في أيديهم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ فِي كَفَّارَةٍ فَإِنْ حَمَلَ ثُلْثُهُ العِتْقَ أُعْتِقَ عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ أُطْعِمَ عَنْهُ مِنْ رَاسِ مَالِهِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا مات وعليه كفارة لم يخل حالها أن تكون على الترتيب أو على التخيير، كانت على الترتيب مثل كفارة القتل والظهار لم يخل حالة فيها من أن يوصى بها أو لا يوصى فإن لم يوص أخرجت الكفارة من رأس ماله، فإن احتمل العتق صار من أهله فأعتق عليه، وإن لم تحتمل تركته العتق صار معسرًا به، فلا يعدل عنه إلى الصيام؟ لأنه لا تصح منه النيابة، وعدل عنه إلى الإطعام وإن أوصى بالتكفير عنه لم يخل حاله في الوصية من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يجعله من رأس ماله فيكون من أصل التركة وتكون الوصية به تأكيدًا.
والثانية: أن يجعله من ثلثه فتصير الوصية في الثلث، وهو بها مرفه على ورثته، فإن وفي العتق من الثلث، وإلا كمل من رأس المال.
والثالثة: أن يطلق الوصية به ولا يسميه من رأس المال ولا من الثلث ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يكون من رأس المال حملًا للوصية على التأكيد.
والثاني: يكون من الثلث حملًا للوصية على التأثير والترفيه.
والثالث: أن ينظر فإن قرن له في الوصية بما يكون في الثلث، صار العتق في الثلث، وإن قرن به ما يكون من رأس المال صار العتق من رأس المال اعتبارًا بالجمع.
فصل: فإن كانت الكفارة على التخيير مثل كفارة اليمين لم يخل حاله فيها من أن يوصى بها أو لا يوصى، فإن لم يوص بها وجب أن يخرج من رأس ماله أقل الأمرين من الإطعام أو الكسوة فإن عدل الوارث إلى أعلاهما أجزأه، وإن عدل عنهما إلى العتق ففي إجزائه وجهان: أحدهما: يجزئ لأنه يقوم في التكفير مقام الموروث فاستحق التخيير.
والثاني: أنه لا يجزئ لأنه أدخل في ولاية من لا يستحق عتقه، ويشبه أن يكون هذان الوجهان مخرجين من اختلاف الوجهين فيما أوجبه التخيير في كفارة اليمين.

فإن قيل بوجوب أحدهما لا بعينه لم يجز العتق لأنه لم يتعين في الوجوب، وإن قيل: إنه موجب لجميعها وله إسقاط وجوبها بإخراج أحدها أجزأ، وإن وصى بالتكفير عنه، فإن لم يتعين مما يكفر به كان كمن لم يوص فيما يكفر به عنه، فيكون على ما مضى، وتكون الوصية إذكارًا أو توكيدًا، وإن عين ما يكفر به عنه لم يخل ما عينه من أحد ثلاثة أحوال: أحدها: أن يعين الإطعام الذي هو أقل فيكفر عنه بالإطعام ويكون من رأس المال إلا أن يجعله في الثلث فيصير بالوصية من الثلث.
والثانية: أن يوصى بالكسوة وهو فوق الإطعام ودون العتق، فيكون ما زاد على قيمة الإطعام من الثلث، وهل يصير قدر قيمة الإطعام بذلك من الثلث أم لا؟ على وجهين نذكرهما.
والثالثة: أن يوصى بالعتق فيكون ما زاد على قيمة الإطعام من العتق من الثلث.
وفي قدر قيمة الإطعام وجهان: أحدهما: يكون في الثلث أيضًا، فيصير جميع قيمة العتق من الثلث، فإن امتنع له الثلث أعتق عنه، وإن ضاق الثلث بطلت الوصية بالعتق، وأطعم عنه من رأس المال، ولم يجز أن يقيم قيمة الإطعام إلى ما عجز عنه الثلث من العتق ليستكمل به جميع العتق هذا هو الأظهر في مذهب الشافعي، والمعول من قول أكثر أصحابه.
والثاني: وهو محكي عن أبي العباس بن سريج وأبي إسحاق المروزي أنه يجعل في الثلث من قيمة العتق ما زاد على قيمة الإطعام، ويكون قدر قيمة الإطعام مستحقًا من رأس المال لاستحقاق إخراجه من غير وصية، فإذا ضاق الثلث عن قيمة العتق، وكان في قيمة الإطعام ما يستكمل به قيمة العتق أعتق عنه، وإن عجز عن قيمة العتق بطلت الوصية بالعتق وعدل عنه إلى الإطعام الذي هو فرضه من غير وصية ويكون من رأس ماله، لأن الثلث محل الوصايا دون الفروض والله أعلم.

باب كفارة يمين العبد بعد أن يعتق

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَا يُجْزِئ العَبْدُ فِي الكَفَّارَةِ إِلَّا الصَّوْمَ لأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَالًا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا وجبت على العبد كفارة يمين أو إظهار أو قتل لم يجزه إذا لم يملكه السيد مالًا أن يكفر إلا بالصيام؛ لأنه لا يقدر على المال وهو أسوأ حالًا من الحر المعسر الذي يصح منه تملك المال وإن ملكه السيد مالًا لم يكن له أن يكفر به إن لم يأذن له السيد في التكفير به سواء حكم له بملك المال أو لم يحكم لأنه

محجور عليه في حق السيد وإن أذن له أن يكفر بالمال فقد اختلف قول الشافعي في العبد هل يملك إذا ملك أم لا؟ على قولين: أحدهما: يملك إذا ملك وبه قال في القديم وهو مذهب مالك والحجازيين.
والثاني: لا يملك وإن ملك قال في الجديد، وهو مذهب أبي حنيفة والعراقيين وقد مضى توجيه القولين في غير موضع.
فإن قيل: بالجديد أن لا يملك لم يكفر إلا بالصيام، ولا يجوز أن يكفر بإطعام ولا كسوة ولا عتق، وإن قيل بالقديم أنه يملك إذا ملك جاز أن يكفر بالإطعام والكسوة لقدرته عليه مع ملكه، وفي جواز تكفيره بالعتق وجهان: أحدهما: يجوز كالإطعام والكسوة والثاني: لا يجوز لما فيه من استحقاق الولاء الذي لا يستقر له عليه ملك ولا يثبت له به ولاية ولا إرث، وإذا قيل بجوازه على الوجه الأول ففي ولائه قولان: أحدهما: للسيد.
والثاني: أنه موقوف على ما يفضي إليه حاله من عتق فيصير الولاء له أو يموت على رقه، فيكون لسيده، وهكذا حكم المدبر وأم الولد والمعتق بالصفة فأما المكاتب فإن قيل: إن العبد لا يملك إذا ملك لم يكن له أن يكفر إلا بالصيام وإن أذن له السيد ففي جوازه تكفيره بالمال قولان: أحدهما: يجوز كالعبد وليس بأسوأ حالًا منه.
والثاني: لا يجوز أن يكفر إلا بالصيام، وإن كان العبد أن يكفر بالمال، لأن ملك السيد لمال مكاتبه ضعيف، فضعف إذنه معه، وملكه لما عبده قوي فقوي إذنه معه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصُومَ إِلَّا بِإِذْنِ مَوْلَاهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا لَزِمَهُ بِإِذْنِهِ وَلَوْ صَامَ فِي أَيْ حَالٍ أَجْزَأَهُ".
قال في الحاوي: وصورتها: أن يجب على العبد الصيام في كفارة يمين، فلا يخلو حاله إذا أضر الصيام بخدمة السيد في عقد يمينه وحنثه من أربعة أحوال: أحدها: أن يحلف بإذن سيده ويحنث بإذنه فللعبد أن يصوم عن الكفارة بغير إذنه، لأن موجب الكفارة عن إذنه.
والثانية: أن يحلف بغير إذنه ويحنث بغير إذنه فليس للعبد أن يصوم إلا بإذن سيده، لما فيه من التقصير في خدمته.
والثالثة: أن يحلف بغير إذنه، ويحنث بإذنه، فللعبد أن يصوم بغير إذنه،

لأن وجوب الصيام بإذنه.
والرابعة: أن يحلف بإذنه ويحنث بغير إذنه ففي جواز صيامه بغير إذنه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن عقد يمينه بإذنه فصار ما أفضى إليه من الحنث داخلًا في حكم إذنه، كما لو أذن لعبده في النكاح كان إذنًا له بالنفقة.
والثاني: لا يجوز أن يصوم إلا بإذنه لأن عقد اليمين مانعة من فعل الحنث، فلم يجز أن يجري عليه حكم الإذن.
فصل: وإذا كان ممنوعًا من الصوم إلا بإذن سيده على ما فصلناه، لم يحل من أن يكون الصوم فيه مؤثرًا في الضعف كالصيف أو غير مؤثر فيه كالشتاء، فإن كان الزمان صائفًا يؤثر في ضعف الصائم، فهو الممنوع من الصيام فيه إلا بإذن سيده، وإن كان الزمان شاتيًا لا يؤثر صيامه في ضعفه ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يلزمه استئذان سيده في صيامه لعدم تأثيره في عمله.
والثاني: يلزمه استئذان وللسيد منعه، لأنه وإن قل تأثيره في إضعافه، فالفطر أنشط لعمله، وأبلغ في توفره، فإن خالف العبد في الموضع الذي نهى عن الصيام إلا بإذن سيده فصام بغير إذنه أجزأه لأنها عبادة لا يقف انعقادها على إذنه فصحت، وإن جاز للسيد منعه منها كالحج.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَنَثَ ثُمَّ أَعْتَقَ وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ حُرٍّ أَجْزَأَهُ لأَنَّه حِينَئِذٍ مَالِكٌ وَلَوْ صَامَ أَجْزَأَهُ لأَنَّ حُكْمَهُ يَوْمَ حَنَثَ حُكْمُ الصِّيَامِ قَالَ المزْنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ مَضَتِ الحُجَّةُ أَنَّ الحُكْمَ يَوْمَ يُكَفِّرُ لَا يَوْمَ يَحْنَثُ كَمَا قَالَ إِنَّ حُكْمِهِ فِي الصَّلَاةِ حِينَ يُصَلِّي كَمَا يُمْكِنُهُ لَا حِينَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد حلف في حال رقه ثم حنث وأعتق فلا يخلو حال حنثه من أحد أمرين: إما أن يكون في رقه أو بعد عتقه.
فإن حنث بعد عتقه، فهو في الكفارة كالحر لوجوبها عليه، وهو حر، فإن كان موسرًا كفر بالمال، وإن كان معسرًا كفر بالصيام، فإن عدل عنه إلى المال أجزأه سواء كان إطعامًا أو عتقًا، وإن حنث في حال رقه وقبل عتقه ولم يكفر حتى أعتق، فإن كان بعد عتقه معسرًا كفر بالصيام، وإن كان موسرًا فعلى قولين:

أحدهما: لا يكفر إلا بالمال من إطعام أو كسوة أو عتق إذا قيل: إن المعتبر بالكفارة حال الأداء، أو أغلظ الأمرين من حال الوجوب أو حال الأداء.
والثاني: يجوز أن يكفر بالصيام إذا قيل: إن المعتبر بالكفارة حال الوجوب.
فإن أراد أن يعدل عن الصيام إلى المال من إطعام أو كسوة أو عتق، فإن قيل: إن العبد يجوز أن يكفر بالمال على قوله في القديم أنه يملك إذا ملك، كان بعد عتقه أولى بالجواز، وإن قيل إنه لا يجوز للعبد أن يكفر بالمال على قوله في الجديد أنه لا يملك إذا ملك، فهل يجوز له بعد عتقه أن يكفر بالمال على وجهين: أحدهما: يجوز، لأنه عند تكفيره حر فأشبه الحر المعسر.
والثاني: لا يجوز، لأنه لو أراد التكفير بالمال عند الوجوب لم يجزه، بخلاف الحر المعسر الذي لو كفّر بالمال أجزأه فلزمه استصحاب هذا الحكم بعد عتقه لاستقرار وجوبه في حال رقه فصار في محصول تكفيره ثلاثة أوجه: أحدها: لا يكفر إلا بالمال والثاني: لا يكفر إلا بالصيام.
والثالث: أنه مخير بين التكفير بالمال أو الصيام.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَنِصْفِهِ عَبْدٌ وَنِصْفُهُ حُرٌّ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ مَالٌ لِنَفْسِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ الصَّوْمُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ مِمَّا فِي يَدَيْهِ لِنَفْسِهِ قَالَ المَزْنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا المَالُ لِنِصْفِهِ الحُرِّ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ النِّصْفَ العَبْدُ شَيْئًا فَكَيْفَ يُكَفِّرُ بِالمَالِ نِصْفُ عَبْدٍ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًا فَأَحَقُّ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ كَرَجُلَ مُوسِرٍ بِنِصْفِ الكَفَّارَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّوْمَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ".
قال في الحاوي: قال المزني: إذا حنث عن نصفه حر ونصفه عبد لم يخل حاله من أن يكون بنصفه الحر موسرًا أو معسرًا، فإن كان معسرًا ففرضه التكفير بالصيام، لأنه لما صام بالإعسار مع كمال حريته كان صيامه مع تبعيض الحرية أولى، وإن كان بنصفه الحر موسرًا فقد قال الشافعي ها هنا: كفر بالمال فقلب حكم الحرية على حكم الرق في الكفارة، وإن كان يغلب حكم الرق على حكم الحرية في النكاح والطلاق والنفقة والميراث والشهادة: فاختلف أصحابنا في كفارته على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول طائفة منهم أنه يكفر بالمال على قوله في القديم أنه يملك إذا ملك وعليه خرج الجواب فأما على قوله في الجديد: إنه لا يملك إذا ملك فلا يكفر إلا بالصيام.
والثاني: قاله المزني وساعده غيره من أصحابنا أنه لا يكفر إلا بالصيام على القولين

جارٍ التحميل