بحر المذهب للرويانيصفحات 497-536

إما بالهبة أو بالتمليك ولا يتم إلا بثلاثة أشياء: بالبذل والقبول والقبض.
وإن قلنا: إنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق وكان عفوه إسقاطًا لحقه فيه فيصبح بإحدى ثمانية ألفاظ مضت ولا يفتقر إلى القبول وجهًا واحدًا.
فصل: والضرب الثاني: أن يكون الصداق في يد الزوجة فلا يخلو حال العافي من أن يكون هو الزوج أو الزوجة.
فإن كان العافي هي الزوجة: فعفوها هبة محضة لمشاع في يدها فلا يتم إلا بالبذل والقبول والقبض ولها قبل القبض الرجوع.
وإن كان العافي هو الزوج ترتب عفوه على اختلاف توليه فيما ملكه بطلاقه على ما ذكرنا.
فإن قلنا: إنه ملك نصف الصداق كان عفوه هبة محضة لمشاع في يد الموهوبة له فلا تتم إلا بالبذل والقبول وأن يمضي زمان القبض وهل يفتقر إلى إذن بالقبض أم لا؟ على ما ذكرنا من القولين وله الرجوع قبل أن يمضي زمان القبض وهل يرجع بعده وقبل الإذن؟ على القولين.
وإن قلنا: إنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق كان عفوه إسقاطًا يصح بأحد الألفاظ الثمانية ولا يفتقر إلى القبول وجهًا واحدًا.

  • فإن عفا الزوجان معًا لم يصح عفو الزوجة بحال لأن عفوها هبة لا تتم إلا بالقبول ولا يصح عفو الزوج إن جعلناه واهبًا لافتقاره إلى القبول ويصح عفوه إن جعلناه مسقطًا لأن عفوه لا يفتقر إلى قبول.
    مسألة: قال الشافعي: "قال ولو وهبت له صداقها ثم طلقها قبل أن يمسها ففيها قولان أحدهما يرجع عليها بنصفه والآخر لا يرجع عليها بشيء ملكه.
    قال المزني رحمه الله: وقال في كتاب القديم لا يرجع إذا قبضته فوهبته له أو لم تقبضه؛ لأن هبتها له إبراء ليس كاستهلاكها إياه لو وهبته لغيره فبأي شيء يرجع عليها فيما صار إليه؟ " قال في الحاوي: اعلم أن المرأة إذا وهبت لزوجها صداقها ثم طلقها قبل الدخول طلاقًا يملك به نصف الصداق لم يخل الصداق الموهوب من أحد أمرين إما أن يكون عينًا أودينًا.
    فإن كان عينًا: فسواء وهبته قبل قبضه أو بعد قبضه هل له الرجوع عليها بنصف

بدله؟ فيه قولان: أحدهما: وهو قوله في القديم وأحد قوليه ني الجديد واختاره المزني أنه لا يرجع عليها بشيء.
والثاني: وهو قوله في الجديد أنه يرجع عليها بنصفه وقال أبو حنيفة: إن وهبته قبل قبضه لم يرجع عليها وإن وهبته بعده رجع وكلا الأمرين في الأعيان سواء لأن التصرف فيهما قبض.

  • فإذا قلنا بالقول الأول أنه لا ير.
    عليها بشيء فوجهه شيئان: أحدهما: أنه قد تعجل الصداق قبل استحقاقه فلم يكن له الرجوع بعد استحقاقه كما لو تعجل دينًا مؤجلًا.
    والثاني: أن هبتها للصداق يجعلها كالمنكوحة بغير صداق فلم يستحق عليها رجوعًا بالطلاق.
  • إذا قلنا بالقول الثاني: إنه يرجع عليها بنصفه فوجهه شيئان: أحدهما: أنه عاد الصداق إليه بغير السبب الذي استحق الرجوع به فلم يمنعه ذلك من الرجوع بنصفه كما لو ابتاعه.
    والثاني: أنها لو وهبت له غير الصداق لم يمنعه ذلك من الرجوع بنصفه كذلك إذا وهبت له الصداق لأن جمع ذلك مال لها.
    فصل: فإذا تقرر توجيه القولين فإن قيل: له الرجوع فسواء كافأها على الهبة أم لا فلا يرجع عليها بنصف قيمة الصداق إن لم يكن له مثل وبنصف مثله إن كان له مثل.
    وإن قيل: لا رجوع وكان قد كافأها على هبته ففي رجوعه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في وجوب المكافأة: أحدهما: لا يرجع إذا قيل.
    إن المكافأة لا تجب.
    والثاني: يرجع إذا قيل: إن المكافأة تجب.
    فصل: وإن كان الصداق دينًا فعلى ضربين: أحدهما: أن تهبه للزوج بعد قبضه منه فيكون في حكم الصداق إذا كان عينًا فوهبتها له في أن رجوعه يكون على قولين.
    والثاني: أن تبرئه منه قبل قبضه فإذا قيل: لا يرجع في الهبة فأولى أن لا يرجع مع الإبراء وإذا قيل: يرجع مع الهبة ففي رجوعه مع الإبراء قولان.
    ومن أصحابنا من خرج في رجوعه عليها مع الهبة والإبراء ثلاثة أقاويل:

أحدهما: يرجع عليها سواء وهبت أو أبرأت.
والثاني: لا يرجع عليها سواء وهبت أو أبرأت.
والثالث: يرجع عليها إن وهبت ولا يرجع عليها إن أبرأت.
والفرق بين الهبة والإبراء: أن الهبة تصرف الإثراء إسقاط وهذه للطريقة أولى.
فعلى هذا لو كان بعض صداقها عينًا وبعضه دينًا فوهبت له العين وأبرأته من الدين أجرى على العين حكم الهبة في جواز الرجوع وعلى الدين حكم الإبراء في عدم الرجوع.
وعلى هذا: لو وهبت له الصداق إن كان عينًا أو أبرأته منه إن كان دينًا ثم ارتدت قبل الدخول فملك الرجوع عليها بجمع صداقها.
كان في رجوعه عليها بجميعه ثلاثة أقاويل كما يرجع عليها في الطلاق بنصفه: أحدها: لا يرجع بشيء في الهبة والإبراء.
والثاني: يرجع عليها بجميعه في الهبة والإبراء.
والثالث: يرجع عليها بجميعه في الهبة ولا يرجع بشيء في الإبراء.
فصل: ويتفرع على ما ذكرنا: أن يبتاع الرجلان سلعة ويهب البائع للمشتري ثمنها ثم تستحق السلعة من مشتريها ففي رجوعه على البائع بثمنها وجهان مخرجان من القولين في رجوع الزوج.
وهكذا لو وجد المشتري بالسلعة عيبًا ففي رجوعه بأرشه وجهان: أحدهما: لا رد ولا أرش.
والثاني: له الرد والرجوع بالثمن فإن تعذر الرد رجع بالأرش.
ولكن لو أن مشتري السلعة وهبها لبائعها ثم فلس هذا المشتري فللبائع أن يضرب بالثمن مع غرماء المشتري قولًا واحدًا بخلاف ما تقدم لأنه استحق غير ما وهب له.
ويتفرع على ما ذكرنا: أن يكاتب السيد عبده على مال ثم يبرئه فقد عتقه بالإبراء كما يعتق بالأداء فهل يلزم السيد أن يؤتيه بعد الإبراء ما كان يلزمه أن يرده عليه بعد الأداء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأنه ما استأدى منه شيئًا.
والثاني: يلزمه لأن الإبراء يقوم مقام الأداء، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "وكذلك إن أعطاها نصفه ثم وهبت له النصف الآخر ثم طلقها لم

يرجع بشيء ولا أعلم قولا غير هذا إلا أن يقول قائل هبتها له كهبتها لغيره والأول عندنا أحسن والله أعلم ولكل وجه قال المزني: والأحسن أولى به من الذي ليس بأحسن.
والقياس عندي على قوله ما قال في كتاب الإملاء إذا وهبت له النصف أن يرجع عليها بنصف ما بقي".
قال في الحاوي: وصورتها: أن تهب له نصف صداقها ثم يطلقها قبل للدخول ففي رجوعه عليها أربعة أقاويل: أحدهما: لا يرجع عليها بشيء ويكون ما وهبته من نصفه هو المستحق بطلاقه.
والثاني: أنه يرجع عليها بجميع النصف الباقي ويكون النصف المملوك بالهبة كالمملوك بالابتياع.
والثالث: أن يرجع عليها ينصف الموجود وهو الربع وبنصف قيمة الموهوب وهو الربع.
الرابع: أنه يرجع عليها بنصف الباقي وهو الربع ولا شيء له سواه وكأن الموهوب لم يكن صداقًا بعوده إليه.
مسألة: قال الشافعي: "وإن خالفته بشيء مما عليه من المهر فما بقي فعليه نصفه.
قال المزني: هذا أشبه بقوله لأن النصف مشاع فيما قبضت وبقي".
قال في الحاوي: وهذه المسألة من الخلع أوردها المزني في هذا الموضع من الصداق لأمرين: أحدهما: أنه خلع على الصداق فأوردها فيه.
والثاني: ليفرق بها بين ما عاد من الصداق إلى الزوج بالهبة وبين ما عاد إليه بالخلع.
والخلع: عقد تملك به الزوجة نفسها ويملك به الزوج مال خلعها كالنكاح الذي يملك به الزوج يضعها وتملك الزوجة به صداقها إلا أن الزوجة في الخلع تقوم مقام الزوج في النكاح لأنها تملك بالخلع بضع نفسها كما ملك الزوج بالنكاح يضعها والزوج في الخلع يقوم مقام الزوجة في النكاح لأنه يملك بالخلع البدل كما ملكت الزوجة بالنكاح المهر.
فإذا خالع الرجل زوجته على صداقها فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون بعد الدخول فالخلع جائز سواء خالعها بجميع الصداق أو

ببعضه لأنه استقر لها جميعه بالدخول فخالعته على ما قد استقر ملكها عليها.
والثاني: أن يخالعها فإن الزوج يملك من الصداق بطلاقه في غير الخلع نصفه ويبقى عليه نصفه لأن الفرقة إذا وقعت قبل الدخول من جهة الزوج سقط عنه نصف الصداق ولو وقعت من جهة الزوجة سقط عنه جميع الصداق.
والفرقة في الخلع وإن تمت بهما فالمغلب فيها الزوج دونها لأنه قد يجوز أن يخالعها مع غيرها ولا يجوز أن تخالعه مع غيره وإن كان كذلك فهذا على ضربين: أحدهما: أن يخالعها على جميع الصداق وهذا يأتي في كتاب الخلع.
والثاني: أن يخالعها على بعضه وهو المسطور هاهنا فإن أصدقها ألفًا وخالعها قبل الدخول على نصفها وهو خمسمائة.
قال الشافعي: فما بقي فعليه نصفه وهو مئتان وخمسون ونصفها يملكه بطلاقه والنصف الباقي من الصداق وهو خمسمائة يملك نصفه بطلاقه وهو مئتان وخمسون ويبقى عليه نصفه وهو مئتان وخمسون يسوقه إليها.
وقد كان الظاهر يقتضي أن يملك جميع النصف بالخلع ويملك النصف الآخر بالطلاق قبل الدخول فلا يبقى عليه من الصداق شيء.
فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول أبي علي بن خيران أن المسألة مصورة أنه خالعها على نصف الألف وهو خمسمائة وهما يعلمان أن يسقط بالطلاق نصفها ويبقى الخلع نصفها فصار كأنه خالعها من الخمسمائة على ما يملكه ممنها بعد الطلاق وهو مئتان وخمسون مملك تلك الخمسمائة بخلعه أو طلاقه ويبقى لها عليه خمسماءة ملك الزوج نصفها بطلاقه وذلك مئتان وخمسون وهو معنى قول الشافعي: ما بقي فعليه نصفه فصار ثلاثة أرباع الصداق وهو سبعماءة وخمسون ساقطًا عن الزوج النصف بالطلاق والربع بالخلع وبقي عليه: الربع للزوجة وهو مئتان وخمسون فقيل لابن خيران: فعلى هذا ما تقول فيمن باع عبده وعبد غيره بألف وهما يعلمان أن أحد العبدين مغصوب؟ قال: يصح البيع في العبد المملوك بجميع الألف ويكون ذكر المغصوب في العقد لغوًا كما قال في الخلع.
والثاني: أن المسألة مصورة على أنها خالعته على ما يسلم لها بعد الطلاق من خمسمائة وصرحت به لفظًا في العقد ولو لم تصرح به لم يكن عليهما به مقنع فيسقط عنه جميع الخمسمائة بالخلع والطلاق ويسقط عنه نصف الخمسمائة الأخرى بالطلاق ويبقى عليه نصفها وهو مئتان وخمسون وهو معنى قول الشافعي: ما بقي فعليه نصفه فيكون الجواب موافقًا لجواب ابن خيران إذا صرحا بما علماه ومخالفًا له إن لم يصرحا به وإن علماه.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي حامد المروروزي:

أن المسألة مصورة على إطلاقها لذلك في خالعها هي نصف الألف وقد كانت وقعت العقد مالكة لجميع فصح الخلع في نصفها ثم سقط نصف الخمسمائة التي خالعها بها بالطلاق فصار كم خالعها على مال تلف نصفه بعد العقد وقبل القبض فيأخذ النصف الباقي.
وفيما يرجع به بدل النصف التالف قولان: أحدهما: وهو قول القديم يرجع بمثل التالف إذا كان ذا مثل أو بقيمته إن لم يكن له مثل.
وعلى قوله في الجديد: يرجع عليها بنصف مهر المثل فعلى هذا يكون الخلع قد صح على نصف الخمسمائة وهو مائتان وخمسون وبطل في نصفها وهو مائتان وخمسون واستحق بدله على قوله في القديم مثله وهو مائتان وخمسون, وعلى قوله في الجديد نصف مهر المثل.
ثم بقي عليه الصداق وهو خمسمائة وقد سقط عنه نصفه بالطلاق وهو مائتان وخمسون وبقي عليه نصفه مئتان وخمسون وهو معنى قول الشافعي: وما بقي فعليه نصفه فيصير الباقي عليه مئتان وخمسون وفي الباقي قولان: أحدهما: وهو القديم مئتان وخمسون.
والثاني: وهو الجديد: نصف مهر المثل.
فيكون الشافعي قد ذكر الباقي عليه ولم يذكر الباقي له.
وهل يكون الباقي عليه قصاصًا من الباقي له أم لا؟ على اختلاف أقاويله فيمن له حال وعليه مثله فإن جعل ذلك قصاصًا: برئا وإن لم يجعله قصاصًا تقابضا.
فإن قيل: هلا قلتم إذا خالعها على نصف الألف أنه يصح الخلع في جميع الصنف لأنه يسلم لها بعد الطلاق النصف كما لو خالعته على نصف ألف بينهما وبين شريك لها أنه يصح في جميع الألف.
قيل: الفرق بينهما: أنها في الصداق قد خالعت على نصفه وهي مالكة بجميعه فإذا سقط بعد الخلع نصفه بالطلاق ولم يتعين حقها من النصف الذي خالعت به دون الباقي فلذلك صار مشتركًا فيها وليس كذلك حالها في الألف المشتركة لأنها لم تملك منها وقت الخلع إلا النصف فانصرف العقد إلى النصف الذي لها ولم يتوجه إلى النصف الذي يشاركها فافترقا.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا فقد ذكر أصحابنا في صحة الخلع على النصف الصداق وسقوط باقيه بالطلاق ثلاثة طرق يصح بكل واحد منها: أحدها: أن يخالعها بمثل نصفه في ذمتها فإذا كان صداقها ألفًا في ذمته خالعها على

خمسمائة في ذمتها فإذا طلقها في خلعه بريء من نصف صداقها بطلاقه وبقي عليه نصفه وهو خمسمائة ووجب له عليها ما خالعها به وهو خمسمائة فصار له مثل ما بقي لها فيتقضان أو يتقابضان أو يتباريان.
والثانية: أن يخالعها على ما يسلم لها من صداقها والذي يسلم لها بالطلاق قبل الدخول نصف الصداق ويكون هو المعقود عليه الخلع فيبرأ من جميع نصفه بما يملكه من الطلاق ونصفه بما ملكه من الخلع.
الثالثة: ذكرها أبو العباس بن سريج: أنا يخالعها على أن لا تبعة لها عليه في مهرها فيبرأ من جميعه بما ملكه بطلاقه وبخلعه ويضير كأنه قد خالعها على ما يسلم لها من صداقها, والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَأمَّا في الصَّدَاقِ غَيرَ المُسَمَّى أوِ الفَاسِدِ فَالبَراءَةِ فِي ذَلِكَ بَاطِلَةٌ لأنَهَا أَبرَأتهُ مِمَّا لا تَعلَمُ.
قَالَ: وَلَو قَبَضَتِ الفَاسِدَ ثُمَ رَدَّتهُ عَلَيهِ كَانَت كَالبرَاءَةُ بَاطِلَةٌ ولَهَا مَهرُ مِثلَهَا إلا أن يَكُونَ بَعدَ مَعرِفَةِ المَرأَةِ أو يُعطِيهَا مَا تَستَيقِنُ أنَهُ أقَلُّ وَتحَلِّلَهُ مِمَّا بَينَ كَذَا إلى كَذَا أو يُعطِيهَا أكثَرَ وَيُحَلِّلُهَا مِمَّا بَينَ كَذَا إلى كَذَا".
قال في الحاوي: اهلم أن إبراء المرأة لزوجها من الصداق معتبر بشرطي الإبراء.
أحدهما: أن يكون بعد وجوب الحق فإن كان قبل وجوبه لم يصح كمن عفي عن الشفعة قبل الشراء لم يصح العفو.
والثاني: أن يكون من معلوم القدر فإن كان الإبراء من مجهول لم يصح وكذلك الضمان لا يصح إلا بهذين الشرطين: أن يكون بعد وجوب الحق وأن يكون معلوم القدر.
وأسقط أبو حنيفة اعتبار هذين الشرطين في الضمان وجوز الإبراء من المجهول.
وللكلام عليه موضع غير هذا وإذا كان كذلك فالنكاح ضربان: أحدهما: أن يكون بعد أن فرض لها فيه مهر فالإبراء صحيح لأنها أبرأته من واجب معلوم.
والثاني: أن يكون قبل أن فرض لها فيه مهر فهذا على ضربين:

أحدهما: أن تبرئة قبل الدخول بها فالإبراء باطل لأنها أبرأته مما لم يجب لأن مهر المفوضة لا يجب بالعقد وإنما يجب بالفرض أو الدخول.
والثاني: أن يكون بعد الدخول بها فقد وجب لها مهر المثل فإن علمت قدره صح الإبراء ولم تفتقر إلى القبول على مذهب الشافعي وجمهور أصحابه.
وقال بعضهم: لا يتم إلا بقبول الزوج وهو مذهب أبي حنيفة وإن لم تعلم قدره فالإبراء باطل لأن البراءة من المجهول باطلة.
فصل: وأما نكاح غير التفويض: وهو أن يسمى فيه مهر فهو على ضربين صحيح وفاسد.

  • فأما الصحيح: فالإبراء منه صحيح لأنه إبراء من واجب معلوم.
  • وأما الفاسد: فالإبراء منه فاسد لأنه الفاسد لا يجب فصار إبراء من غير واجب والواجب لها في الفاسد مهر المثل فلو سلم الصداق الفاسد إليها فردته عليه هبة له لم تصح الهبة لأنه مال ردته عليه وهي على حقها من مهر المثل فلو أبرأته من مهر المثل روعي علمها بقدره فإن جهلت قدره فالإبراء باطل سواء علم الزوج قدره أو لم يعلم وإن علمت قدره صح الإبراء سواء علم الزوج قدره أو لم يعلم لأن قبوله غير معتبر فكان علمه بقدره غير معتبر.
    وعلى قول من زعم من أصحابنا أن قبول الزوج معتبر فعلمه بقدره معتبر.
    فصل: فلو علما أن مهر مثلها لا ينقص عن عشرة دنانير وجهلت الزيادة عليها فأبرأته من جميعه لم يبرأ من الزيادة على العشرة لأنها مجهولة وفي براءته من العشرة المعلومة وجهان: أحدهما: أنه يبرأ منها لكونها معلومة القدر.
    والثاني: لا يبرأ منها لأنها بعض جملة مجهولة فجرى على جميعها حكم الجهالة كما لو ضمن ما يعلم بعضه ويجهل جميعه كان ضمان الجميع باطلًا.
    فإن كان مهر مثلها مجهول القدر معلوم الطرفين مثل أن تعلم أنه لا ينقص عن عشرة دنانير ولا يزيد عن عشرين دينارًا فللبراءة منه حالان: حال بالإبراء, وحال بالأداء.
    فأما الإبراء: فالطريق إلى صحته أن تقول: قد أبرأتك من دينار إلى عشرين دينارًا فيبرأ لأن العلم بالطرفين يجعل الوسط ماحقًا بهما فلو أبرأته من الزيادة على العشرة إلى العشرين صح وصار ما تستحقه عليه من المهر عشرة دنانير.
    فلو قالت: قد أبرأتك من عشرة إلى عشرين برئ من الجميع لأن الحدين يدخلان من المحدود إذا جانساه فالحد الأول: هو المبتدأ منه والحد الثاني: هو المنتهى إليه.
    وقال أبو حنيفة: يدخل فيه الحد الأول المبتدأ منه ولا يدخل فيه الحد الثاني

المنتهى إليه فيبرأ من تسعة عشر دينارًا.
وقال زفر بن الهذيل: لا يدخل فيه واحد من الحدين لا المبتدأ منه ولا المنتهى إليه فيبرأ من تسعة دنانير.
والدليل على دخول الحدين فيه وهو قول أبي يوسف: أن "من" حرف لابتداء غاية الشيء و "إلى" حرف الانتهاء غاية الشيء وابتداء الشيء وانتهاؤه طرفاه وطرفا الشيء من جملته فلذلك وجب دخول الحد في المحدود.
وأما الإبراء بالأداء فضربان: أحدهما: أن يدفع إليها عشرين دينارًا فقد دخل فيها جميع مهرها فبرئ منه عشرة منها متحققة والعشرة الأخرى مشكوكة فتحتاج أن يبرئها من دينار إلى عشرة فيبرئان جميعًا.
والثاني: أن يدفع إليها عشرة فيحتاج أن تكون هي المبرئة له من دينا إلى عشرة فيبرأ حيتئذٍ من جميع مهرها بالأداء والإبراء, وإذا كان مهرها معلومًا في الذمة فقالت: قد أبرأتك منه إن شئت فقال: قد شئت لم يصح الإبراء.
ولو كانت عينًا قائمة فقالت: قد وهبته لك إن شئت فقال: قد قبلت وشئت, صحت الهبة.
والفرق بينهما: أن الإبراء إسقاط لا يراعى فيه المشتبه كما لا يراعى فيه القبول والهبة تمليك يراعى فيه المشيئة كما يراعى فيه القبول فافترقا.
فصل: وإذا اعتقدت قبض مهرها منه فقالت: قد أبرأتك من مهري ثم بان أن مهرها كان باقيًا عليه ففي برأته من وجهان: أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري يبرأ منه لأنهل صادفت حقًا معلومًا.
والثاني: وهو قول الأكثرين: أن لا يبرأ لأنها لم تقصد تصحيح الإبراء بل أوردته لغوًا.
وأصل هذين الوجهين: من باع عبد أبيه ثم بان لأنه كلن وارثًا له وقت بيعه ففي صحة بيعه وجهان.

باب الحكم في الدخول وإغلاق الباب وإرخاء الستر

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: "وَلَيسَ لَهُ الدُّخُولُ بِهَا حَتَّى تُعطِيهَا المَالَ فَإن كَانَ كُلُّهُ دَينًا فَلَهُ الدُّخُولُ بِهَا".

قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا امتنعت المرأة من تسليم نفسها لقبض صداقها لم يخل حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون جميعه حالاً.
والثاني: أن يكون جميعه مؤجلاً.
والثالث: أن يكون بعضه حالاً وبعضه مؤجلاً.
فأما الأول: وهو أن يكون جميعه حالاً إما بإطلاق العقد أو بالشرط فيكون حالاً بالعقد والشرط تأكيد فلها أن تمتنع من تسليم نفسها على القبض صداقها كما كان لبائع السلعة أن يمتنع من تسليمها على قبض ثمنها فإن تطوعت بتسليم نفسها قبل قبض الصداق ثم أرادت بعد التسليم أن تمتنع عليه لقبض الصداق فهذا على ضربين: الأول: أن لا يكون قد وطئها فلها أن تمتنع عليه وإن سلمت نفسها إليه إذا لم يكن قد وطئها لأن القبض في النكاح يكون بالوطء الذي يستقر به كمال المهر دون التسليم وهذا متفق عليه.
والثاني: أن يكون قد وطئها بعد التسليم فليس لها عندنا أن تمتنع عليه.
وقال أبو حنيفة: لها الامتناع بعد الوطء كما كان لها الامتناع قبله احتجاجًا بأن الصداق في مقابلة كل وطء في النكاح لأمرين: أحدهما: أنه لو كان في مقابلة الأول لوجب للثاني مهر آخر.
والثاني: أنه لو كان في مقابلة الأول لجاز لها أن تمنعه نفسها بعد الول لاستيفاء حقه به.
وإذا ثبت بهذين أنه في مقابلة كل وطء لم يكن لتسليمها لبعض الحق مسقطًا لحقها في منع ما بقي كمن باع عشرة أثواب فسلم أحدها قبل قبض الثمن كان له حبس باقيها كذلك هاهنا.
قال: ولأنها لم تستوف مهرها مع استحقاق المطالبة فجاز لها أن تمتنع من تسليم نفسها قياسًا على ما قبل الوطء.
ودليلنا هو أنه تسليم رضا استقر به العوض فوجب أن يسقط به حق الإمساك قياسًا على تسليم المبيع ولأن أحكام العقد بالوطء اختصت بالوطء الأول وكان ما بعده تبعًا وقد رفع الوطء الأول حكم الإمساك في حقه فوجب أن يرفعه في حق تبعه كالإحلال.
فأما استدلالهم بأن المهر في مقابلة كل وطء: فتقول: قد استبيح به كل وطء لكنه قد استقر بالوطء الأول فقام فيه مقام كل وطء ألا تراها لو ارتدت بعد الوطء الأول لم يؤثر في سقوط المهر وإن لم يستوف كل وطء في النكاح ولو عادت إلى الإسلام حل له وطؤها بالمهر المتقدم.
وأما قياسهم على ما قبل الوطء الأول: فالمعنى في الأصل أنها لم تسلم ما استقر

به المهر فجرى البيع قبل التسليم وليس كذلك بعد الوطء لأنها قد سلمت ما استقر به المهر فجرى مجرى المبيع بعد التسليم.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يكون صداقها مؤجلاً فيجوز إذا كان الأجل معلومًا لأن كل عقد صح بعين وبدين صح أن] كون معجلاً أو مؤجلاً كالبيع وإذا كان الصداق مؤجلاً فعليها تسليم نفسها وليس لها الامتناع القبض الصداق بعد حلول الأجل لأنها قد رضيت بتأخير حقها وتعجيل حقه فصار كالبيع بالثمن المؤجل يجب على البائع تسليم المبيع قبل قبض الثمن فعلى هذا لو تأخر تسليمها لنفسها حتى حل الأجل فأرادت الامتناع من تسليم نفسها حتى تقبض الصداق لم يكن لها وإن حلّ لأنها لم تستحق الامتناع عليه بالعقد.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يكون بعض صداقها خالاً وبعضه مؤجلاً فيصح إذا كان قدر الحال منه معلومًا وأجل المؤجل معلومًا ولها أن تمتنع من تسليم نفسها لقبض الحال وليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها لقبض المؤجل فيكون حكم الحال منه كلمة لو كان جميعه حالاَ وحكم المؤجل منه كحكمه لو كان جميعه مؤجلاً فلو تراخى التسليم حتى حلّ المؤجل كان لها منع نفسها على قبض المعجل دون ما حلّ من المؤجل.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَتُؤَخَّرُ يَومًا وَنَحوَهُ لِتُصلِحَ أمرَهَا وَلَا يُجَاوزُ بِهَا ثَلاثًا إلَّا أَن تَكُونَ صَغِيرَةٌ لا تحَتَمِلُ الجِمَاعَ فَيَمنَعَهُ أهلَهَا حَتَّى تَحتَمِلَ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا دفع الزوج صداق زوجته وسألها تسليم نفسها لم يخل حالها من أحد أمرين: إما أن تكون صغيرة أو كبيرة.
فإن كانت كبيرة لزمها تسليم نفسها كما يلزم البائع تسليم المبيع بعد قبض ثمنه والمؤجر ما أجر بعد قبض أجرته.
فإن استنظرته لبناء دار أو استكمال جهاز لم يلزمه إنظارها وإن استنظرته لمراعاة نفسها وتعاهد جسدها لزمه انتظارها يومًا ويومين وأكثر ثلاثة أيام, لأن المرأة لا تستفتى مع بعد عهدها بالزوج عن التأهب له بمراعاة جسدها وتفقد بدنها, لو أنها ربما كانت على صفة تنفر نفس الزوج منها.

وقد روى الشعبي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى إذا أطال الرجل الغيبة أن يطرق أهله ليلاً.
فلما نهى الزوج الذي قد ألفها وألفته على أن يطرقها ليلاً ولم تتأهب له, لأن لا يصادفها على حال تنفر منها نفسه فالزوج الذي لم يألفها ولم تألفه ولم يعرفها ولم تعرفه أولى بالنهي.
وأكثر مدة إنظارها ثلاثة أيام؛ لن لها في الشرع أصلاً وأنها أكثر القليل وأقل الكثير وهذا منصوص الشافعي هاهنا وفي كتاب "الأم" وقال في "الإملاء": "لا تمهل" وليس هذا مخالفًا لما قاله هاهنا, وفي الأم, وإما أراد أنها لا تمهل أكثر من ثلاثة أيام ردًا على مالك في جواز إمهالها السنة.
فصل: وإن كانت صغيرة فعلى ضربين: أحدهما: أن يمكن الاستمتاع بمثلها لأنها ابنة تسع أو عشر قد قاربت البلوغ وأمكن استمتاع الزوج بها فهي كالكبيرة لها أن يطالبه وليها بمهرها وعليها تسليم نفسها.
والثاني: أن لا يمكن الاستمتاع بمثلها لأنها ابنة ست أو سبع بحسب حالها فرب صغيرة السن يمكن الاستمتاع بها ورب كبيرة السن لا يمكن الاستمتاع بها فلذلك لم يجده سن مقدرة وإذا كان الاستمتاع بها غير ممكن لم يلزم تسليمها إليه ولم يلزمه تسليم الصداق إليها.
فإن طلب تسليمها إليه ليقوم بحضانتها لم يلزم إليه أيضًا لأنه لا حق له في حضنتها وإنما حقه في الاستمتاع الذي لم يخلق فيها فيستحقه الزوج منها ولأن لا يؤمن أن تغلبه الشهوة على مواقعتها فربما أفضى إلى تلفها ونكايتها.
فلو سأله وليخا وهي صغيرة أن يتسلمها لم يلزمه لأن ما استحقه من الاستمتاع بها لم يخلق فيها ولأنها تحتاج إلى تربية وحضانة لا يلزمه القيام بها ولأنه يلتزم لها نفقة لا يقابلها الاستمتاع والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافَعَيُّ: "وَالصَّدَاقُ كَالدَّينِ سَوَاءٌ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لأنه مال ثبت في الذمة بعقد فكان دينًا كالأثمان ومراد الشافعي بأنه كالدين في لزوم الدين وأنه قد يكون حالاً تارة

ومؤجلاً تارة ومنجمًا أخرى وأنه قد يجوز أن يستوثق فيه بالرهن والضمان والشهادة وأن الحوالة به جائزة وأن أخذ العوض عنه سائغ وأنه قد يجوز أن يبتاع فيه العقار وأن الزوج يحبس به إذا امتنع من أدائه وأن الزوجة تضرب به مع الغرماء عند فلسه وتتقدم به على الورثو بعد موته إلى غير ذلك من أحكام الديون المستحقة.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَيسَ عَلَيهِ دَفعُ صَدَاقِهَا وَلَا نَفَقَتِهَا حَتَّى تَكُونَ في الحَالِ الَّتي يُجَامِعُ مِثلهَا ويُخَلَّى بَينَهَا وَبَينَهُ".
قال في الحاوي: وهذه مسألة من النفقات ذكرها لاتصالها بالصداق وليس يخلو حال الزوجين في استحقاق النفقة والصداق من أربعة أقسام: أحدهما: أن يكونا كبيرين.
والثاني: أن يكونا صغيرين.
والثالث: أن يكون الزوج كبيرًا والزوجة صغيرة.
والرابع: أن يكون الزوج صغيرًا والزوجة كبيرة.
فأما القسم الأول وهو: أن يكونا كبيرين: فلها أن تمتنع من تسليم نفسها على قبض الصداق وله أن يمتنع من تسليم نفسها على قبض الصداق وله أن يمتنع من تسليم الصداق لتسليم نفسها فأيهما سلم ما في ذمته حكمه أجبر الآخر على التسليم ما في مقابلته وإن أقاما على التمانع فسنذكر حكمه من بعد.
وأما النفقة فلها ثلاثة أحوال: أحدها: أن تمكنه من نفسها فلا يستمتع بها فلها النفقة.
والثاني: أن يدعوها إلى نفسه فتمتنع بغير حق فلا نفقة لها لأنها ناشز.
والثالث: أن لا يكون منها تسليم ولا منه طلب ففي وجوب النفقة قولان: أحدهما: لها النفقة.
والثاني: لا نفقة لها.
بناء على اختلاف قوليه في نفقة الزوجة بم تجب؟ قاله في القديم: تجب العقد وتستحق قبضها بالتمكين فعل هذا تجب لها النفقة ما لم يكن منها نشوز.
وقال في الجديد: تجب بالعقد والتمكين معًا فعلى هذا لا نفقة لها لعدم التمكين.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يكونا صغيرين: فالتسليم لا يجب على وليها ولو

سلمت لم يجب على ولي الزوج أن يقبلها.
وإن كان التسليم لا يجب فالصحيح أن دفع الصداق لا يجب ومن أصحابنا من أجراه مجرى الثقة في الاستحقاق وفي استحقاق النفقة بين هذين الصغيرين قولان: أحدهما: وهو القديم: تجب لوجوبها بالعقد.
والثاني: وهو الجديد: لا تجب لوجوبها بالعقد والتمكين فكذلك وجوب تسليم الصداق يكون على هذين القولين: وهذا الجمع غير صحيح والفرق بينهما أن وجوب الصداق لا يقتضي وجوب دفعه ووجوب النفقة يقتضي وجوب دفعها لأن الصداق في مقابلة عين باقية والنفقة في مقابلة زمان ماض.
فكان له حبس الصداق لبقاء موجبه حتى يصل إليه ولم يكن له حبس النفقة لذهاب موجبها.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الزوج كبيرًا وهي صغيرة فليس عليه تسليم صداقها لما ذكرنا من أن تسليمها لا يجب ولو طلبها ولا يستحق عليه لو بذلت له.
فأما النفقة فعلى قوله في الجديد: لا نفقة لهنا لأنها تجب في الجديد بالعقد والتمكين وأما على قوله في القديم: ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنها تجب عليه لوجوبها على القديم بالعقد وحده.
والثاني: لا تجب عليه وإن وجبت بالعقد لأن الاستمتاع متعذر منها بصغرها فجرى مجرى نشوزها.
فصل: وأما القسم الرابع: وهو أن يكون الزوج صغيرًا وهي كبيرة فهاهنا إن سلمت نفسها وجب على ولي الزوج أن يتسلمها له لتكون معه وإن كان صغيرًا بخلاف الصغيرة التي لا يجب على وليها أن يسلمها إلى الزوج إذا كان كبيرًا لأمور: أحدهما: أن الاستمتاع المعقود عليه موجود في الكبيرة مفقود في الصغيرة.
والثاني: أن الصغيرة لا يؤمن عليها إذا كان كبيرًا والكبيرة تؤمن على الزوج إذا كان صغيرًا.
والثالث: أن الكبيرة إذا سلمت إلى الصغير أقامت بتربيته فكان عونًا والصغيرة إذا سلمت إلى الكبير احتاج إلى تربيتها فكانت كلا فصار الفرق بينهما من هذه الأوجه الثلاثة.
وإذا لزم بها تسليم الكبيرة إلى الصغير وإن لم يلزم تسليم الصغيرة إلى الكبير فلها المطالبة بصداقها كالكبيرة مع الكبير.

فأما النفقة فعلى قوله في القديم وأنها تجب بالعقد وحده فلها النفقة لوجود العقد وارتفاع النشوز.
وعلى قوله في الجديد: أن النفقة تجب بالعقد والتمكين ففي وجوب النفقة لها وجهان: أحدهما: لا نفقة لها لعدم التمكين.
والثاني: لها النفقة لأن التمكين منها موجود من الزوج مفقود فصار المنع من جهته لا من جهتها.
مسألة: قَالَ الشَافِعِيُّ: "وَإن كَانَت بَالِغَةً فَقَالَ لا أدفَعُ حَتَّى تَدخُلُوهَا وقَالُوا لا تُدخِلُهَا حَتَّى تَدفَعَ فَأيُّهُمَا تَطَوَّعَ أَجبَرتُ الآخَرَ فَإن امتَنَعُوا مَعًا مِما أٌجبَرتُ أَهلَهَا عَلَى وَقتِ يُدخِلونَهَا فِيهِ وَأخَذَت الصَّدَاقِ مِن زَوجِهَا فَإذَا دَفَعتُهُ إليهَا وَجَعلَت لَهَا النَفَقَةَ إذا قَالوا نَدفعَهَا إلَيهِ إذا دَفَعَ الصَّدَاقَ إليَنَا".
قال في الحاوي: اعلم أن للزوجين ثلاثة أحوال: إحداهن: أن تبدأ المرأة بتسليم نفسها وتمكين الزوج منها فيجوز للزوج إصابتها قبل قبض شيء من صداقها وعلى الزوج تسليم صداقها إليها.
وقال مالك: لا يجوز له إصابتها إلا أن يدفع إليها صداقها أو شيء منه.
وبه قال ابن عباس وقتادة.
قال مالك: وأقل ما يدفعه إليها ليستبيح به إصابتها أقل ما يجوز أن يكون صداقًا وهو ربع دينار.
وهذا فاسد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة من الله" وكما لو كان صداقًا مؤجلاً.
والثانية: أن يبدأ الزوج بتسليم الصداق إليها فعليها تسليم نفسها إليه فإن امتنعت صارت ناشزًا ولا نفقة لها.
والثالثة: أن يتمانعا فتقول الزوجة: لا أسلم نفسي حتى أقبض صداقي ويقول الزوج: لا أدفع الصداق حتى تسلمي نفسك ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يجبر واحد منهما على التسليم بل تقطع الخصومة بينهما ويتركان فأيهما تطوع بتسليم ما عليه أجر الآخر على تسليم ما في مقابلته وإنما لم يبدأ بإجبار واحد منهما لأن لكل واحد منهما حقًا وعليه حق فلم يكن الحق الذي عليه في البداية باستيفائه منه أولى من الحق الذي له في البداية باستيفائه له فتاوى الأمران فوجب تركهما وقطع التخاصم بينهما.

والثاني: أن الحاكم ينصب لهما أمينًا ويأمر الزوج بتسليم الصداق إليه فإذا تسلمه أمر الزوجة بتسليم نفسها إلى الزوج فإذا سلمت نفسها سلم الأمين الصداق إليها لأن الحاكم موضوع لقطع التنازع وفعل الأحوط في استيفاء الحقوق وهذا أحوط الأمور فيها وأقطع للتنازع بينهما.
وهذان القولان في تنازع المتبايعين في التسليم وفي البيع قول ثالث: أنه يجبر البائع على تسليم السلعة ويجبر المشتري على تسليم الثمن.
ولا يجيء تخريج هذا القول الثالث في تنازع الزوجين لأن المشتري يمكن أن يحجر عليه في السلعة حتى يسترجع منه إن امتنع من التسليم الثمن ولا يمكن إذا سلمت الزوجة نفسها أن يمنع منها وربما استهلك بضعها بالدخول قبل تسليم صداقها.
فصل: فإذا تقرر القولان في تنازع الزوجين فإذا قيل بالقول الأول أنه لا يجبر واحد منهما فلا نفقة للزوجة في مدة امتناعها من تمكين الزوج لأن الزوج على هذا القول لا يلزمه تعجيل الصداق.
فصارت ممتنعة بما لا يستحق تعجيله فجرى عليها حكم النشوز في سقوط النفقة.
وإذا قيل بالقول الثاني: أن الحاكم يجبر الزوج على تسليم الصداق إلى أمين ينصبه لهما فلها النفقة في مدة امتناعها من تمكينه إلى أن يدفع الصداق إلى الأمين لأنها ممتنعة بحق يجب لها تعجيله فإذا صار الصداق مع الأمين كان امتناعها بعد ذلك سقطًا لنفقتها لأنها ممتنعة بغير حق.
مسألة: قَالَ الشَّافعيُّ: "وَإن كَانَت نِضوًا أُجبِرَت عَلَى الدُّخُولِ إلَّا أن يَكونَ مِن مَرَضٍ لا يُجَامِعُ فِيهِ مِثلُهَا فَتُمهَلُ".
قال في الحاوي: أما النضوة الخلق فهي الدقيقة العظم القليلة اللحم فإذا كانت المرأة نضوة الخلق فلها حالتان: إحداهما: أن يكون ذلك خلقة لا يرجى زواله فعليها تسليم نفسها كغيرها من النساء وللزوج أن يستمتع بها بحسب طاقتها ولا ينكأها في نفسها ويؤذيها في بدنها.
وقد كانت عائشة رضي الله عنها خفيفة اللحم ولخفة لحمها رفع هودجها في غزوة المريسيع وقد خرجت منه للحاجة فلم يعلم خروجها منه حتى أدركها صفوان بن المعطل فحملها.
وكان من شلن الإفك أن أنزل الله تعالى فيه من القرآن ما أنزل فلم تمنع ضؤولتها

وخفة لحمها من شأن الإفك أن أنزل الله تعالى فيه القرآن ما أنزل فلم تمنع ضؤولتها وخفة لحمها من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فلو كانت النضوة على حد إن وطئها الزوج أتلفها منع من وطئها ولا خيار له قي فسخ نكاحها بخلاف الرتقاء التي يستحق الزوج فيها خيار الفسخ لتعذر وطئها.
والفرق بينهما: أن الرتقاء لا يقدر كل زوج على وطئها فصار المنع مختصًا بها فكان له الخيار والنضوة الخلق يمكن غير هذا الزوج إذا كان مثلها نضوًا أن يطأها فصار المنع منها فلم يكن له الخيار.
والثانية: أن يكون ذلك بحادث من مرض يرجى زواله فلا يلزمها تسليم نفسها زتمهل حتى تصح من مرضها.
والفرق بين أن يكون بحادث مرض وبين أن يكون خلقة وجهين: أحدهما: أن ما يرجى زواله فالاستمتاع مستحق فيه بعد الصحة فلم يلزمها تسليم نفسها قبل الصحة وما لا يرجى زواله فالاستمتاع فيه مستحق في الحال لأنها حال الصحة فلزمها تسليم نفسها.
والثاني: أن العادة الجارية بتأخير زفاف المريضة إلى حال الصحة فلم يلزمها التسليم قبل الصحة والعادة جارية بتسليم النضوة الخلقة عاجلاً فلزمها التسليم في الحال اعتبارًا بالعادة فيهما.
فعلى هذا إذا منعته من نفسها بالمرض فلا نفقة لها لفوات الاستمتاع بها ولو سلمت نفسها لزمته النفقة كما لو مرضت بعد التسليم وكان لها النفقة لأن المرض الحادث بعد التسليم لا يسقط النفقة وإن منع من الوطء كالحيض.
مسألة: قَالَ الشَافِعِيُّ: "وَإن أفضَاهَا فَلَم تَلتَئِم فَعَليهِ دِيتُهَا وَلهَا المَهرُ كَامِلاً وَلَها مَنعُهُ أَن يُصِيبَهَا حَتَّى تَبرأَ البرءَ الذَّي إنِ عَادَ لَم يَنكأَهَا وَلَم يُزِد في جُرحِهَا والقَولُ في ذَلِكَ قَولُها".
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل وطأ زوجنه فأفضاها بشدة المبالغة في الإيلاج والإفضاء: وهو أن يتخرق الحاجز الذي بين مدخل الذكر ومخرج البول لأن مدخل الذكر في مخرج الحيض والمني فأما البول فخرجه من غيره وبينهما حاجز فإذا بالغ الواطئ في إيلاجه خرق الحاجز بين المخرجين فهذا هو الإفضاء.
ووهم بعض أصحابنا فجعل الإفضاء خرق الحاجز بين السبيلين القبل والدبر حتى يصير السبيلان واحدًا وهذا وهم من قائله.

فإذا أفضى زوجته بوطئه فعليه المهر بالوطء والدية بالإضاء سواء كان البول مستمسكًا أو مسترسلاً وكذلك لو وطأ أجنبية بشبهة أو استكرهها على نفسها فأفضاها كان عليه الدية ومهر المثل ولو طاوعته على الزنا كان دية الإفضاء دون المهر.
وقال أبو حنيفة: إن أفضى زوجته فلا شيء عليه في الإفضاء وعليه المهر بالعقد وإن أفضى أجنبية بوطء شبهة فإن كان البول مسترسلاً فعليه الدية في الإفضاء ولا مهر في الوطء وإن كان البول مستمسكًا فعليه المهر بالوطء وثلث الدية بالإفضاء كالجائفة وإن أفضى أجنبية بوطء إكراه فعليه الدية دون المهر.
وقال مالك: في الإفضاء حكومة.
والكلام مع أبي حنيفة على أن إفضاء الزوجة هدر لا يضمن بأن السراية عن مستحق غير مضمونة كالقطع في السرقة إذا سرى إلى النفس لم يضمن لحدوثه عن مستحق كذلك الإفضاء سرى عن وطء مستحق فوجب أن لا يضمن.
ودليلنا هو أنها جناية تفتك عن الوطء فوجب أن لا يسقط أرشها باستحقاق الوطء كما لو وطئها وقطع يدها وذلك أن المهر يجب بغير ما تجب به الدية لأن النهر عندهم بالخلوة وعندنا بتغيب الحشفة والإفضاء يكون بما زاد على ذلك من المبالغة في الإيلاج فصار الوطء الذي تجب به دية الإفضاء زائدًا على الوطء الذي يجب به المهر فوجب أن يكون لكل واحد منهما حكمه.
وأما استدلالهم: بأنه حادث عن وطء مستحق فوطء الإفضاء غير مستحق لأن الوطء المستحق ما لم يفض إلى التلف فإذا أفضى إلى التلف صار غير مباح فضمن كذلك وطء الإفضاء غير مباح فضمن.
فصل: وأما مالك فاستدل على أن في الإفضاء حكومة بأن الحاجز بين المخرجين كالحاجز في الأنف بين المنخرين وقد ثبت في الحاجز بين المنخرين إذا قطع حكومة كذلك في خرق الحاجز بين المخرجين حكومة.
ودليلنا: هو أن الحاجز بين المخرجين أعظم منفعة من الشفرين لأن خرق الحاجز يفضي إلى استرسال البول وقطع الشفرين لا يقتضيه ثم ثبت أن في الشفرين الدية فكان في خرق الحاجز أولى أن تجب فيه الدية.
فأما الحاجز بين المنخرين فمخالف للحاجز بين المخرجين لأن هذا عضو بكماله فجاز أن تكمل فيه الدية وذاك بعض عضو فلم تكمل فيه الدية.

فصل: فإذا تقرر أن في الإفضاء الدية مع المهر فإنما يجب فيه الدية إذا لم يلتحم الحاجز على حاله منخرقًا فأما إن التحم وعاد إلى حاله حاجزًا بين المخرجين فلا دية فيه وفيه حكومة لأنه جانٍ عليه وليس بمستهلك له ولهذا قال الشافعي: ولو أفضاها فلم تلتئم فعليه ديتها فدل على أن التئامه يمنع وجوب ديتها وإذا كان كذلك فالدية إذا وجبت فيه فهي إن عمد ففي حالة وإن أخطأ فعلى عاقلته ثم هو ممنوع من وطئها حتى يندمل جرحها ويبرأ الفرج الذي لا يضرها جماعة فيمكن حينئذٍ جماعها فلو ادعى برأها واندمالها ليطأها وقالت: بل أنا على مرضي لم أبرأ منه ولم يندمل وأنكر ما قالت فالقول قولها مع يمينها ويمنع من وطئها لأمرين: أحدهما: أن مرضها متيقن وبرئها مظنون.
والثاني: أنه مغيب يمكن صدقها فيه فجرى مجرى الحيض ثم لها النفقة وإن كان ممنوعًا منها كالمريضة, والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَافِعِيُّ: "فَإن دَخَلَت عَلَيهِ فَلم يَمسَّهَا حَتَّى طَلَقَهَا فَلَهَا نِصفُ المَهرِ لِقَول الله تَعَالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فَإنِ احتَجَ مُحتَجٍ بِالأثَرُ عَن عُمَر رضي الله عنه في إغلَاقُ البَابِ وَإرخَاءِ السَّترِ أَنَهُ يُوجِبُ المَهرَ فَمِن قَولِ عُمَرَ مَا ذَنبُهُنَ لو جَاءَ بِالعَجزِ مِن قِبَلُكم؟ فَأخبَرَ أنَّهُ يَجِبُ إذا حَلَّت بَينَهُ وبَينَ نَفسِهَا كَوُجُوبِ الثَّمَنِ بِالقَبضِ وَإن لم يُغلِق بَابًا ولم يرُخِ سِترًا".
قال في الحاوي: وصورتها أن يطلق الرجل زوجته المسمى لها صدقًا معلومًا فلا يخلو حال طلاقه من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون قبل الدخول بها وقبل الخلوة وليس لها من المهر إلا نصفه وملك الزوج نصفه لقوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]. والثاني: أن يطلقها بعد الدخول يوطء تام تغيب به الحشفة فقد استقر لها جميع المهر الذي كانت مالكة له بالعقد لقوله تعالى: ﴿وكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21].
وهذا القسمان متفق عليهما.
والثالث: أن يطلقها بعد الخلوة بها وقبل الإصابة لها فقد اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة مذاهب:

أحدها: وهو قول الشافعي في الجديد والمعمول عليه من مذهبه: أنه ليس لها من المهر إلا نصفه ولا تأثيرة للخلوة في كمال المهر ولا إيجاب عدة.
وبه قال الصحابة: ابن عباس وابن مسعود.
ومن التابعين: الشعبي وابن سيرين ومن الفقهاء: أبو ثور.
والثاني: أن الخلوة كالدخول في كمال المهر ووجوب العدة وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم.
ومن التابعين: الزهري ومن الفقهاء الثوري وأبو حنيفة وبه قال الشافعي في القديم.
إلا أن أبي حنيفة يعتبر الخلوة القاممة في الكمال المهر ووجوب العدة بأن لا يكونا محرمين ولا صائمين.
والثالث: أن الخلوة يد لمدعي الإصابة منهما في كمال المهر أو وجوب العدة فإن لم يدعياها لم يكمل بالخلوة مهر ولا يجب بها عدة وهذا مذهب مالك وبه قال الشافعي في الإملاء.
واستدل من نصر قول أبي حنيفة في أن الخلوة تقتضي كمال المهر ووجوب العدة بقوله تعالى: ﴿وإنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وإثْمًا مُّبِينًا (20) وكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 20 - 21] ولهم من الآية دليلان: أحدهما: عموم قوله: ﴿فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] إلا ما خصه دليل.
والثاني: قوله: ﴿وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21] قال الفراء: معناه وقد خلا بعضكم ببعض لأن الفضاء هو الموضع الواسع الخالي وقول الفراء فيما تعلق باللغة حجة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كشف قناع امرأة فقد وجب لها هذا المهر كاملاً" وهذا نص.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "ماذا بهن إن جاء العجز من قبلكم".
وروي عن زرارة بن أوفي أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه من أغلق بابًا وأرخى سترًا فقد دخل بها أو لم يدخل وقد قال النبي: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضو عليها بالنواجذ".

ومن القياس: أن النكاح عقد على منفعة فوجب أن بكون التمكين من الن=منفعة بمنزلة استيفائها في استقرار بدلها كالإجازة ولأن التسليم المستحق بالعقد قد وجد من جهتها فوجب أن يستقر العوض لها أصله: إذا وطئها.
ولأن المهر في مقابلة الإصابة كما أن النفقة في مقابلة الاستمتاع ثم ثبت أن التمكين من الاستمتاع في استقرار النفقة فوجب أن يكون التمكين من الإصابة بمنزلة الإصابة في استقرار المهر.
والدليل على أن الخلوة لا تتعلق بها حكم في كمال المهر ولا وجوب عدة ولا بدء في دعوى قوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] والمسيس عبارة عن الوطء الثلاثة معانٍ: أحدها: أنه المروي في التفسير عن ابن عباس وابن مسعود.
والثاني: أن المسيس كتابة لما يستقبح صريحه وليست الخلوة مستقبحة التصريح فينكى عنها والوطء مستقبح فكني بالمسيس عنه.
والثالث: أن المسيس لا يتعلق به عن المذهبين كمال المهر لأنه خلا بها من غير مسيس كمل عندهم المهر ولو وطئها من غير خلوة كمل عليه المهر ولو مسها من غير خلوة ولا وطء يكمل المهر فكان حمل المسيس على الوطء الذي يتعلق به.
الحكم أولى من حمله على غيره وإذا كان كذلك فقد جعل الطلاق قبل المسيس الذي هو الوطء موجبًا لاستحقاق نصف المهر.
ومن طريق القياس: أنه طلاق قبل الإصابة فوجب أن لا يكمل به المهر كالطلاق قبل الخلوة ولأنها خلوة خلت عن الإصابة فوجب أن لا يكمل بها المهر كالخلوة إذا كان أحدهما محرمًا أو صائمًا فرضًا ولأن ما يوجب الغسل لا يوجب كمال المهر كالقبلة من غير خلوة ولأن الخلوة لما لم يقم في حقها مقام الإصابة لم يقم في حقه مقام الإصابة كالنظر وبيان ذلك أنه لو خلا بها لم يسقط بها حق الإيلاء والعنة ولأن ما لا يثبت به حق التسليم في أحد جنبي العقد لم يثبت به حق التسليم في الجنبة الأخرى قياسًا على تسليم المبيع والمجر إذا كان دون قبضهما حائل ولأن للوطء أحكامًا تختص به من وجوب الحد والغسل وثبوت الإحصان والإحلال للزوج الأول وسقوط العنة وحكم الإيلاء وإفساد العبادة ووجوب الكفارة واستحقاق المهر في النكاح الفاسد وكماله في الصحيح ووجوب العدة فيهما.
فلما انتفي عن الخلوة جميع هذه الأحكام سوى تكميل المهر والعدة انتفي عنها هذان اعتبارًا بسائر الأحكام.
وتحريره قياسًا: أنه حكم من أحكام الوطء فوجب أن ينتفي عن الخلوة قياسًا على ما ذكرنا.

فأما الجواب عن الآية فمن وجهين: أحدهما: أن الفراء قد خولف في تفسير الفضاء فقال الزجاج في "معانيه": أنه الغشيان وقال ابن قتيبة في "غريب القرآن" هو الجماع فكان قول الفراء محجوجًا بغيره.
والثاني: أن الآية التي استدللنا بها مفسرة تقضي على هذا المجمل.
وأما الجواب عن الخبر: فهو أن كشف القناع لا يتعلق به كمال المهر عندنا ولا عندهم فإن جعلوه كناية في الخلوة كان جعله كناية في الوطء أولى.
وأما الجواب عن الأثر عن عمر رضي الله عنه في قوله "ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم" فهو أن يقتضي أن يكون لها المهر مع العجز سواء كانت خلوة أو لم تكن فيكون معناه استحقاق دفعه قبل الطلاق وكذلك الجواب عن حديث زرارة بن أوفي.
وأما الجواب عن قياسهم على الإجازة فمنتقض ممن سلمت نفسها في صوم أو إحرام أو حيض.
فإن قيل: الصوم والإحرام مانع فلم يتم التسليم.
قبل الجب والعنة أبلغ في المنع ولا يمنع من التسليم الموجب لكمال المهر عندهم بالخلوة على أنه وطء في الصيام أو الإحرام لكمل المهر واستقر فجاز أن تكون الخلوة لو أوجبت كمال المهر في غير الإحرام موجبة لكمال الإحرام كالوطء.
على أن صوم التطوع يصير عندهم واجبًا بالدخول فيه ولا يمنع الخلوة فيه من كمال المهر عندهم فكذلك غيره من صوم الفرض.
على أن الإجازة مقدرة بالزمان فجاز أن تستقر الأجرة بالتمكين فيه لتقضيه وليس النكاح مقدرًا بالزمان فلم يستقر المهر فيه بالتمكين إلا بانقضاء زمانه بالموت أو بالوطء في حال الحياة لأنه مقصود بالعقد, وأما قياسهم على الوطء فالمعنى في الأصل استيفاء حقه بالوطء وليس كذلك الخلوة.
وأما استدلالهم بالنفقة: فالجواب عنه أن النفقة مقابلة بالتمكين دزن الوطء ولذلك وجب لها النفقة مع التمكين في الصيام والإحرام وليس كذلك المهر لأنه في مقابلة الوطء لأنهم لا يكملون المهر بالخلوة في حال الإحرام والصيام.
فصل: واستدل من نصر قول مالك: أن الخلوة يد لمدعي الإصبة من الزوجين بأن الحخلوة في دعوى الإصابة تجري مجرى اللوث في القسامة وذلك موجب لتصديق المدعي فكذلك الخلوة ولأن الإصابة مما يستره الناس ولا يفعلونه فتعذرت إقامة البينة عليها فجاز أن يعمل فيها على ظاهر الخلوة الدالة عليها في قبول قول مدعيها كما يقبل قول المولى في دعوى الإصابة والدليل عليه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على المدعى

عليه" فكان على عمومه.
ولأن اختلاف الزوجين في الإصابة لا يوجب ترجح من يدعيها بالخلوة كما لو خلا بها ليلة في بيتها.
فأما استدلاله في ذلك باللوث فغير معتبر في ترجيح الدعوى في الأموال وإن كان معتبرًا في ترجيح الدعوى في الدماء.
وأما قبول المولى في دعوى الإصابة فلأن الأصل فيه ثبوت النكاح فلم تصدق الزوجة في استحقاق فسخه والأصل هاهنا براءة الذمة وعدم العدة فلم يصدق مدعي استحقاقهما.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَسَوَاءَ طَالَ مَقَامُهُ أو قَصُرَ لَا يَجِبُ المَهرُ والعِدَّةُ إلَّا بِالمَسيسِ.
قَالَ المُزنِيُّ رَحِمَهُ الله: قَد جَاءَ عَن ابنِ مَسعُودٍ وابنَ عَبَاسٍ مَعنَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهوَ ظَاهِرُ القُرآن".
قال في الحاوي: وهذا إنما قال الشافعي ردًا على مالك فإنه زعم أن الخلوة إن كانت في بيت الزوج فالقول معها قول المدعي الإصابة.
وإن كانت في بيت الزوجة فإن طالت حتى زالت الشمة بينهما فالقول قول مدعي الإصابة منهما.
وإن قصرت ولم تزل الحشمة بينهما فالقول قول منكرها استدلالاً بأنه عرف الحكام بالمدينة.
وهذا فاسد لأن الخلوة إن أوجبت كمال المهر استوي حكم طويلها وقصيرها إن تكون في بيته أو بيتها كالإصابة.
وإن لم توجب كمال المهر كانت في جميع أحوالها كذلك وقد تكون الإصابة في قليل الخلوة ولا تكون في كبيرها وقد تكون الإصابة في خلوة بيتها ولا تكون في خلوة بيته.
فلم يكن لهذا التفصيل معنى يوجبه ولا تعليل يقتضيه ولا أصل يرجع إليه وفعل حكام المدينة ليس بحجة إذا لم يقترن بدليل.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا فلا يخلو حال الزوجين إذا خلوة من أربعة أحوال: إحداهن: أن يتفقا على الإصابة فيكمل المهر وتجب العدة وتستحق الرجعة إجماعًا على الأقاويل كلها.
والثانية: أن يتفقا على عدم الإصابة.

فعلى قول الشافعي في الجديد والإملاء لا يكمل المهر ولا تجب العدة ولا تستحق الرجعة.
فعلى هذا: لو جاءت بولد لستة أشهر فصاعدًا من وقت العقد وقد اتفقا على أن الإصابة بينهما لحق به الولد لأنها فراس.
وفي استكمال المهر على الجديد والإملاء وجهان: أحدهما: يستكمل المهر لأن حدوث الولد دليل على تقدم الإصابة.
والثاني: أنه لا يستكمل المهر ولا يكون لها إلا نصفه لجواز أن يكون قد استدخلت فيه فعلقت منه غير إصابة.
فأما على قوله في القديم ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: أن المهر كامل والعدة واجبة والرجعة مستحقة اعتبارًا بحكم الخلوة.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يكمل المهر ولا تجب العدة ولا تستحق الرجعة اعتبارًا بعدم الإصابة.
والثالثة: أن تدعي الزوجة الإصابة وينكرها الزوج فقد وجبت عليها العدة بإقرارها على الأقاويل كلها إلا على أحد وجهي قوله في القديم فإما استكمال المهر فعلى قوله في القديم قد استكملته بيمين وعلى قول في الإملاء لا تستكمله إلا بيمين لأنه يجعل الخلوة بدًا.
وعلى قوله في الجديد: القول قول الزوج مع يمينه وليس لها من المهر إلا نصفه فإن أقامت الزوجة البينة على إقرار الزوج بالإصابة سمعت البينة بشاهد وامرأتين وشاهد يمين لأنها بينة لإثبات مال.
والرابعة: أن يدعي الزوج الإصابة وتنكرها الزوجة فهذه الدعوى منه إنما هي لوجوب العدة واستحقاق الرجعة.
فعلى قوله في القديم: القول قول الزوج بلا يمين.
وعلى قوله في الإملاء: القول قوله مع يمينه ويحكم بوجوب العدة عليها وباستحقاق الرجعة له.
وعلى قوله في الجديد: القول قول الزوجة مع يمينها ولا عدة عليها ولا رجعة له فأما المهر فقد استكمله على قوله في القديم.
فأما في الجديد والإملاء فليس لها إلا نصفه لكن إن كان في المهر في يدها فليس للزوج استرجاع نصفه لأنه لا يدعيه وإن كان في يد الزوج فليس لها أن تطالبه إلا بنصفه لأنها تنكر استحقاق جميعه.
فلو أقام الزوج البينة على إقرارها بالإصابة لتثبت له الرجعة والعدة سمعت بشاهدين عدلين ولم تسمع بشاهد وامرأتين لأنها على غير مال.

فصل: وإذا خالع الرجل زوجته المدخول بها على طلقة واحدة بعوض ثم تزوجها في عدتها وطلقها في النكاح الثاني قبل دخوله بها كان لها نصف المهر المسمى في النكاح الثاني: وقال أبو حنيفة: لها فيه جميع المهر وإن لم يدخل بها استدلالًا بأمرين: أحدهما: أنه نكاح قد وجب عليها فيه العدة فوجب أن يكمل لها فيه جميع المهر كالمدخول بها.
والثاني: أن حكم الوطء موجود فيه للحوق ولدها فوجب أن يثبت حكمه في كمال المهر.
ودليلنا في قول الله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] وهذا نكاح لم يمسها فيه فوجب أن لا يستحق من المفروض لها إلا نصفه وأنها مطلقة من نكاح لم يصبها فيه فوجب أن ينتصف صداقها كما لو طلقها بعد انقضاء عدتها.
فأما استدلاله بأنها تعتد منه فليس بصحيح لأنها تعتد من الأول دون الثاني لأنها تأتي بباقي العدة دون جميعها.
وأما استدلاله بأن حكم الوطء يلحق ولدها به موجود فيه ففاسد لأن لحوقه بالنكاح الأول دون الثاني لأمرين: أحدهما: أنها لو وضعته لأقل من ستة أشهر من النكاح الثاني لحق به.
والثاني: أنه إن لم يتزوجها بالعقد الثاني وجاءت بولد لأقل من أربع سنين من فراق النكاح الأولى لحق به.
والله اعلم.

باب المتعة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "جَعَلَ اللهُ المُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إِلَّا الَّتِي فُرِضَ لَهَا وَلَمْ يُدْخَلْ بِهَا فَحَسْبُهَا نِصْفُ المَهْرِ".
قال في الحاوي: أما النفقة فما قدمناه من المال المستحق بالفرقة في النكاح مأخوذ من المتاع وهو كل ما استمتع به من المنافع ومنه قول الشاعر: وَكُلُّ عِمَارَةٍ مِنْ حَبِيبٍ لَهَا بِكَ لَوْ لَهَوْتَ بِهِ مَتَاعُ والكلام في هذه المسألة يشتمل على الطلاق الذي يستحق به المتعة والطلاق ينقسم ثلاثة أقسام: قسم يوجب المتعة.

وقسم لا يوجبها.
وقسم مختلف فيه.
فأما القسم الذي يوجب المتعة فهو طلاق المفوضة التي لم يسلم لها صداق ولا فرض بها بعد العقد صداق إذا طلقت قبل الدخول فلا ينصف لها صداق وليس لها إلا متعة على ما قدمنا بيانها قول الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] فجعل لها المتعة إذا لم يكن لها مهر ولم يدخل بها وهذه المتعة واجبة واستحبها مالك ولم يوجبها لقول الله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] وقد مضى عليه من الكلام ما أقنع مع ظاهر ما تضمنته الآية من الأمر لها المتعة لخلا بضعها من بدل فصارت كالموهوبة التي خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من أمته ولأنها قد ابتذلت بالعقد الذي لم تملك له بدلًا فاقتضى أن تكون المتعة فيه بدلًا لأنه لا تصير مبتذلة بغير بدل.
وأما القسم الذي لا يوجب المتعة فهو الطلاق قبل الدخول لمن سمى لها مهر بالعقد أو فرض لها مهر قبل الطلاق وبعد العقد فلها نصف المهر المسمى أو المفروض ولا متعة لها لقول الله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فلم يجعل لها إلا نصف المهر ولأنها قد ملكت نصف المهر بما ابتذلت به من العقد فلم يجعل بها غيره لئلا يجمع بين بدلين ولأن طلاقها قبل الدخول قد أسقط شعر مهرها فلا معنى لأن تستحق به متعة فوق مهرها.
والقسم المختلف فيه هو الطلاق بعد الدخول لمن سمي لها مهرًا أو لم يسم فلها المهر المسمى أو مهر المثل إن لم يكن مسمى وفي وجوب المتعة قولان: أحدهما: وهو قوله في القديم وبه قال أبو حنيفة: لا متعة لها لأن الله تعالى أوجب المتعة بشرطين هما: عدم المهر وعدم الدخول فلم يجزأن يجب لفقدهما ولأنه نكاح لم يخل من عوض فلم يجب فيه متعة كالمطلقة قبل الدخول إذا كان لها مهر سمي ولأنه لما لم يجب لها متعة إذا استحقت نصف المهر فأولى أن لا يجب لها متعة إذا استحقت جميع المهر ولأن استحقاق المتعة لأن لا تصير مبتذلة بغير عوض وقد صارت إلى عوض فلم يجمع لها بين عوضين.
والثاني: وهو قوله في الجديد: لها المتعة لقوله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] فكان على عمومه إلا ما خصه الدليل في المطلقة قبل الدخول وليس لها مهر مسمى.
فإن قيل: فهذه الآية مجملة فسرها قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236]. قيل: حمل الآيتين على عموم وخصوص أولى من حملها على مجمل ومفسر لأن العموم يمكن استعماله بنفسه والمجمل لا يمكن استعماله بنفسه ولقوله تعالى في أزواج

النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28] وفيه تقديم وتأخير وتقديره: فتعالين أسرحكن وأمتعكن وقد كن كلهن مدخولًا بهن فدل على وجوب المتعة للمدخول بها ولأنه إجماع الصحابة أن المتعة لكل مطلقة إلا التي طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر.
وروي ذلك عن عمر وابن عمر وليس يعرف لهما في الصحابة مخالف ولأنه طلاق لم يسقط به شيء من المهر فجاز أن تجب لها المتعة كالمطلقة قبل الفرض وقبل الدخول.
ولأن استكمال المهر في مقابلة الدخول بدليل استحقاقه بوطئ الشبهة فاقتضى أن يستحق في مقابلة العقد الذي ابتذلت به بدل وهو المتعة.
ولأن النكاح الصحيح أغلظ من النكاح الفاسد في استحقاق العوض بدليل أنها في النكاح الصحيح تستحق بالطلاق فيه قبل الدخول من العوض ما لا يستحقه في النكاح الفاسد فوجب أن تستحق بالطلاق فيه بعد الدخول من المتعة مع مهر ما لا يستحقه في النكاح الفاسد.
ولو سقطت المتعة وقد استويا في المهر لم يتغلظ في العوض فإذا تقرر توجيه القولين فعلى القديم منهما لا متعة إلا لمطلقة واحدة وهي المطلقة قبل الدخول وليس لها مهر مسمى.
وعلى الجديد المتعة واجبة لكل مطلقة إلا لمطلقة واحدة وهي المطلقة قبل الدخول ولها مهر مسمى.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَالمُتْعَةُ عَلىَ كُلِّ زَوْجٍ طَلَّقَ وَلِكُلِّ زَوْجَةٍ إِذَا كَانَ الفِرَاقُ مِنْ قِبَلِهِ أَوْ يَتِمُّ بِهِ مِثْلُ أَنْ يُطَلِّقَ أَوْ يُخَالِعَ أَوْ يَمْلِكَ أَوْ يُفَارِقَ وَإِذَا كَانَ الفِرَاقُ مِنْ قِبَلِهِ فَلَا مُتْعَةَ لَهَا وَلا مَهْرَ أَيْضًا لأَنَّها لَيْسَتْ بِمُطَلَّقَةٍ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ أَمَةً فَبَاعَهَا سِيِّدُهَا مِنْ زَوْجِهَا فَهُوَ أَفْسَدَ النِّكَاحَ بِبَيْعِهِ إِيَّاهَا مِنْهُ فَأَمَّا المُلَاعَنَةُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَمِنْهَا وَلأَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا فَهِيَ كَالمُطَلَّقَةِ وَأَمَّا امْرَأَةُ العِنِّينِ فَلَوْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعْهُ وَلَهَا عِنْدِي مُتْعَةٌ وَاللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: عِنْدِي غَلَظٌ عَلَيْهِ وَقِيَاسُ قَوْلِهِ لَا حَقَّ لَهَا لأَنَّ الفِرَاقَ مِنْ قِبَلِهَا دُونَهُ".
قال في الحاوي: أعلم أن المتعة لا يختلف وجوبها باختلاف الأزواج والزوجات فهي على كل زوج من حر وعبد مسلم وكافر ولكل زوجة من حرة أو أمة مسلمة أو كافرة.
وقال الأوزاعي: إذا كان الزوجان مملوكين أو أحدهما فلا متعة بينهما: وهذا فاسد لعموم قوله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] ولأن المتعة وجبت لتكون المطلقة مفارقة للموهوبة فاقتضى أن يستوي فيها الأحرار والعبيد كما يستوي في حظر الموهوبة

حال الأحرار والعبيد فإذا ثبت أنه يستوي فيها كل زوج مع كل زوجة انتقل الكلام إلى تفصيل الفرقة التي تستحق به المتعة والفرقة الواقعة بين الزوجين تنقسم إلى خمسة أقسام: أحدها: أن تكون بالموت.
والثاني: أن تكون من الزوج.
والثالث: أن تكون من الزوجة.
والرابع: أن تكون منهما.
والخامس: أن تكون من أجنبي غيرهما.
فأما القسم الأول: وهو أن تكون الفرقة بالموت فلا متعة فيها سواء كانت بموت الزوج أو بموت الزوجة سواء توارثا أم لا؟ لأن الله تعالى أوجبهما للمطلقة لأن قطع عصمتها وهذا المعنى معدوم في الوفاة وهكذا لو وقعت الفرقة بميراث عن وفاة بأن تكون الزوجة أمة فيرثها الزوج أو يكون الزوج عبدًا فترثه الزوجة فقد وقعت الفرقة بينهما لأن أحد الزوجين لا يصح أن يملك صاحبه وإذا وقعت الفرقة بينهما بالتوارث فلا متعة لأنها عن الموت حدثت ولأنه إن كان الزوج هو الوارث لها فهي أمته والأمة لا تملك في ذمة سيدها مالًا فلم يجب لها عليه متعة وإن كانت الزوجة هي الوارثة له فقد صار عبدًا لها والسيد لا يثبت له في ذمة عبده مال فلم يجب لها عليه متعة.
وأما القسم الثاني: وهو أن تكون الفرقة من الزوج دونها فخمس فرق: أحدها: الطلاق وهو موجب للمتعة على ما مضى.
والثاني: باللعان لأنه وإن تم بهما فالفرقة واقعة بلعان الزوج وحده فهو كالطلاق في استحقاق المتعة به، ولأن الفرقة به أغلظ من الفرقة بالطلاق لتأييدها فكانت بوجوب المتعة أحق.
والثالث: الردة وهو أن يرتد عن الإسلام فتقع الفرقة بردته فتكون كالفرقة بالطلاق في استحقاق المتعة لأنها لما وجبت بالطلاق المباح كان وجوبها بالردة المحرمة الأولى.
والرابع: الإسلام هو أن يسلم الزوج دونها فتبين بإسلامه فلها المتعة كالطلاق لأنها لما وجبت عليه بفرقة كفره كان وجوبها بفرقة إسلامه أولى.
والخامس: الفسخ بالعيوب فإن كان ذلك رفعًا للعقد لتقدمه عليه فلا متعة فيه لأنه لما أسقط المهر كان بإسقاطه المتعة أولى وإن كان ذلك قطعًا للعقد بحدوثه بعدة فهو وجوب المتعة كالطلاق لأنه لما لم يسقط به المهر لم تسقط به المتعة.
وأما القسم الثالث أن تكون الفرقة من جهتها دونه فلا متعة فيها وإن تنوعت لأنه لما كان فسخها مسقطًا لصداقها فأولى أن يسقط متعتها وهذه الفرقة قد تكون من ستة أوجه: أحدها: بردتها.
الثاني: بإسلامها.

والثالث: بأن تجد فيه عيبًا فتفسخ نكاحه.
والرابع: أن تعتق زوجها عبد فتختار فسخ نكاحه.
والخامس: بأن يعسر الزوج بنفقتها فتختار فسخ نكاحه.
والسادس: بأن تظهر فيه عنة فيؤجل لها ثم تختار فسخ نكاحه بها ألا أن المزني حكي عن الشافعي في هذا الموضع أنه قال: وأما امرأة العنين فلو شاءت أقامت معه ولها عندي متعة قال المزني: وهذا عندي غلط عليه وقياس قوله لا حق لها أن الفرقة من قبلها دونه.
وهذا وهم من المزني في النقل واستدراك منه في الحكم لأن الشافعي قد قال في كتاب الأم وأما امرأة العنين فلو شاءت أقامت معه فليس لها عندي متعة فسها الكاتب في نقله فأسقط قوله: "فليس" ونقل ما بعده فقال: فلها عندي متعة وتعليل الشافعي يدل على السهو في النقل لأنه قال: فلو شاءت أقامت معه فقد بين أن الفرقة من جهتها والفرقة إذا كانت منها أسقطت متعتها.
وأما القسم الرابع: وهو أن تكون الفرقة من جهتها فهو على ضربين: أحدهما: أن يغلب فيه جهة الزوج.
والثاني: أن يغلب فيه جهة الزوجة.
فأما ما يغلب فيه جهة الزوج فشيئان: أحدهما: الخلع لأنه تم بهما إلا أن المغلب فيه الزوج لأن الفرقة من جهته وقعت ولأنه قد يصل إلى الخلع عنها مع غيرها.
والثاني: أن يملكها طلاق نفسها أو يجعل ذلك إلى مشيئتها فتطلق نفسها وتشاء طلاق نفسها فتقع الفرقة بهما إلا أن جهة الزوج أغلب للأمرين المتقدمين وهو أن الفرقة من جهته وقعت ولأنه قد كان يقدر أن يجعل طلاقها إلى غيرها أو أن تعلقه بمشيئة غيرها فيكون في حكم الطلاق إذا انفرد الزوج بإيقاعه في وجوب المتعة به على ما فصلنا.
وأما ما يغلب فيه جهة الزوجة فهو أن تكون أمة فيبتاعها الزوج من سيدها فقد وقعت الفرقة من جهتها لأنها تمت ببيع السيد وابتياع الزوج والسيد من جهتها فظاهر نص هذا الموضع أنه لا متعة لها وقد نص عليه في القديم وقال في الإملاء: لها المتعة فاختلف أصحابنا فذهب أكثرهم إلى تخريج ذلك على قولين: أحدهما: وهو المنصوص عليه في القديم والمشار إليه في هذا الموضع أنه لا متعة لها لأن السيد في هذا الموضع بمنزلة الزوج في الخلع فاقتضى أن يغلب جهة السيد هاهنا في سقوط المتعة كما يغلب في الخلع جهة الزوج في وجوب المتعة ولأن السيد قد كان يصل إلى بيعها من غيره فصار اختياره للزوج اختيار للفرقة.
والثاني: وهو المنصوص عليه في الإملاء لها المتعة لأن البائع والمشتري يتساويان في وقوع العقد بهما وقد اختص الزوج بمبائرة العقد دونها فاقتضى أن يترجح حاله في

وجوب المتعة عليها وقال أبو إسحاق المروزي: ليس ذلك على اختلاف قولين وإنما هو على اختلاف حالين فنصه في القديم وفي هذا الموضع على أنه لا متعة لها محمول على أن المستدعى للبيع هو السيد فغلبت جهته في سقوط المتعة ونصه في الإملاء أن لها المتعة محمول على أن المستدعى للبيع هو الزوج فغلبت جهته في وجوب المتعة.
وأما القسم الخامس: وهو أن تكون الفرقة من غيرهما وهو أن تكون زوجته صغيرة فترضعها أمه أو بنته فتحرم عليه فتكون هذه الفرقة كالطلاق لأنها تملك بها نصف مسمى فوجب أن تستحق المتعة عند عدم المسمى وترجع بالمتعة على التي حرمتها كما ترجع عليها بصداقها والله أعلم.
فرع وإذا تزوج امرأة وأصدقها أن تعتق عبده سالمًا عنها صح الصداق وعليه عتقه عنها لأن المعاوضة على هذا العق جائزة فلو أعتقه ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف قيمته ولو طلقها قبل الدخول وقبل عتقه عنها فقد اختلف أصحابنا في ذلك على وجهين: أحدهما: أنه يعتق عنها نصفه ويقوم عليها نصفه الباقي إن كانت موسرة لأن عتق نصفه كان باختيارها فلذلك وجب تقديم باقيه عليها.
والثاني: أنه لا يعتق عنها شيء منه لما فيه من إدخال الضرر عليها في التقويم وإدخاله على العبد وعلى السيد في التبعيض وترجع الزوجة عليه ببدله وفيه قولان: أحدهما: قيمة نصف العبد.
والثاني: نصف مهر مثلها ليرفع ذلك الضرر عن الجميع.
فرع وإذا أصدق الذمي الذمية الخمر في يد الزوج خلًا بغير علاج وأسلم الزوجين فهذا على ضربين: أحدهما: أن يصير الخمر خلًا قبل إسلامهما فعليه أن يدفعه إليها بعد مصيره خلًا.
والثاني: أن يصير خلًا بعد إسلامها فلا يلزمه دفعه خلًا إليها ويدفع إليها مهر مثلها.
والفرق بينهما أنه قبل الإسلام يجوز دفعه خمرًا فلذلك وجب دفعه بعد مصيره خلًا لبقاء حكم الصداق عليه وبعد الإسلام لا يجوز دفعه خمرًا فلم يجب دفعه بعد مصيره خلًا لانتفاء حكم الصداق عنه فلو دفع الخمر إليها في الشرك ثم أسلما وطلقها الزوج قبل الدخول لم يرجع عليها بنصف الخمر لأن الخمر لا يستحقه ولا بقيمته لأننا لا نحكم له بقيمته ولا ببدله لأن ما لا قيمة له لا بدل له فلو كان الخمر قد صار خلًا قبل طلاقه ففي رجوع الزوج بنصفه وجهان:

أحدهما: يرجع بنصف الخل لأن عين الصداق موجودة على صفة يجوز أن يملك معها.
والثاني: أنه لا يجوز أن يرجع بنصفه لزيادته على حال ما أصدق ولا يرجع بقيمة الخمر لأنها لا تجوز فلا يرجع بشيء في هذا الطلاق ولا فرق هاهنا بين أن يصير خلًا قبل إسلامها أو بعده لاستقرار ملكها عليه بالقبض ولكن لو صار خلًا بعد الطلاق لم يرجع عليه بنصفه وجهًا واحدًا لكونه وقت طلاقها غير مستحق ولو صار قبل طلاقها فاستهلكه ثم طلقها قبل الدخول لم يرجع عليها بنصف قيمة الخل وجهًا واحدًا ولا يكون له عليها شيء لأن ما يرجع الزوج به من قيمة الصداق معتبر بأقل أحواله من وقت العقد إلى وقت القبض ولو كان في هذه الأحوال مما لا قيمة له.
فرع وإذا زوج الرجل عبده بامرأة وجعل رقبته صداقها فإن كانت الزوجة حرة فالنكاح باطل لأن تصحيح النكاح يجعلها مالكة لزوجها وإذا ملكت المرأة زوجها بطل النكاح.
فإذا قيل: فهلا صح النكاح وبطل الصداق.
قيل: لأن هذا العقد أوجب أن يكون الزوج مالكًا لبضعها بالنكاح وأن تكون الزوجة مالكة لرقبته بالصداق وليس إثبات أحدهما بأولى من النكاح الآخر فبطلا جميعًا وإن كانت الزوجة أمة صح النكاح والصداق جميعًا لأنه يصير بهذا العقد ملكًا لسيد زوجته وليس يمتنع أن يكون الزوجان في ملك سيد واحد فلو أن العبد والمسألة بحالها طلق زوجته الأمة قبل الدخول ففيه وجهان: أحدهما: يرجع سيده المزوج له بنصفه.
والثاني: لا يرجع بشيء وهذان الوجهان بناء على اختلاف أصحابنا فيمن أصدق عن عبده مالًا ثم طلق العبد قبل الدخول وقد باعه سيده فهل يكون نصف الصداق ملكًا لسيده الأول الذي بذله عنه أو لسيده الثاني الذي طلق وهو في ملكه على وجهين ذكرناهما في كتاب النكاح وبالله التوفيق.

باب الوليمة والنثر

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "الوَلِيمَةُ الَّتِي تُعْرَفُ وَلِيمَةُ العُرْسِ وَكُلُّ دَعْوَةٍ عَلَى إِمْلَاكٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ خِتَانٍ أَوْ حَادِثِ سُرُورٍ فَدُعِيَ إِلَيْهَا رَجُلٌ فَاسْمُ الوَلِيمَةِ يَقَعُ عَلَيْهَا وَلَا أُرَخِّصُ فِي تَرْكِهَا وَمَنْ تَرَكها لَمْ يَبِنْ لِي أَنَّهُ عَاصٍ كَمَا يَبِينُ لِي فِي وَلِيمَةِ العُرْسِ لأَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ الوَلِيمَةَ عَلَى عُرْسٍ وَلَا أَعْلَمُهُ، أَوْلمَ عَلَى غَيْرِهِ وَأَوْلَمَ عَلَى صَفِيِّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي سَفَرٍ بِسَويقٍ وَتَمْرٍ.
وَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ".

قال في الحاوي: وأما الوليمة فهي إصلاح الطعام واستدعاء الناس لأجله والولائم ست: وليمة العرس: وهي الوليمة على اجتماع الزوجين.
ووليمة الخرس: وهي الوليمة على ولادة الولد.
ووليمة الإعذار: وهي الوليمة على الختان.
ووليمة الوكيرة: وهي الوليمة على بناء الدار قال الشاعر: كُلُّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي رَبِيعَه الخُرْسُ وَالإِعْذَارُ وَالوَكِيرَه ووليمة النقيعة: وهي وليمة القادم من سفره وربما سموا الناقة التي تنحر للقادم نقيعة، قال الشاعر: إِنَّا لًَنَضْرِب بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَهُمْ ضَرْبَ القُدَارِ نَقِيعَةَ القُدَّامِ ووليمة المأدبة: هي الوليمة لغير سبب.
فإن خص بالوليمة جميع الناس سميت جفلى وإن خص بها بعض الناس سميت نقلى قال الشاعر: نَحْنُ فِي المَشْنَاةِ نَدْعُو الجَفْلَى لَا تَرَى الأدب فِينَا يَنْتَقِر فهذه الستة ينطلق اسم الولائم عليها، وإطلاق اسم الوليمة يختص بوليمة العرس ويتناول غيرها من الولائم بقرينه؛ لأن اسم الوليمة مشتق من الولم وهو الاجتماع، ولذلك سمي القيد الولم، لأنه يجمع الرجلين فتناولت وليمة العرس لاجتماع الزوجين فيها، ثم أطلقت على غيرها من الولائم تشبيهًا بها، فإذا أطلقت الوليمة تناولت وليمة العرس، فإن أريد غيرها قيل: وليمة الخرس أو وليمة الإعذار، وقد أفصح الشافعي بهذا ثم لا اختلاف بين الفقهاء أو وليمة غير العرس لا تجب.
فأما وليمة العرس فقد علق الشافعي الكلام في وجوبها لأنه قال: "ومن تركها لم يبن لي أنه عاص كما يبين لي في وليمة العرس".

فاختلف أصحابنا في وجوبها على وجهين ومنهم من خرجه على قولين: أحدهما: أنها واجبة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر الخلوق فقال له: "مهيم" أي ما الخبر- فقال: أعرست، فقال له: "أولمت" قال: لا قال: "أولم بشاة".
وهذا أمر يدل على الوجوب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أنكح قط إلا أولم في ضيق أو سعة وأولم على صفية في سفره بسويق وتمر، ولأن في الوليمة إعلان للنكاح فرقًا بينه وبين السفاح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف" ولأنه لما كانت إجابة الداعي إليها واجبة دل على أن فعل الوليمة واجب لأن وجو المسبب دليل على وجوب السبب ألا ترى أن وجوب قبول الإنذار دليل على وجوب الإنذار.
والثاني: وهو الأصح أنها غير واجبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس في المال حق سوى الزكاة" ولأنه طعام لحادث سرور فأشبه سائر الولائم، ولأن سبب هذه الوليمة عقد النكاح وهذا غير واجب ففرعه أولى أن يكون غير واجب.
ولأنها وجبت لتقدرت كالزكاة والكفارات ولكان لها بدل عند الإعسار كما يعدل المكفر في إعساره إلى الصيام فدل على عدم تقديرها وبدلها على سقوط وجوبها.
ولأنها لو وجبت لكان مأخوذًا بفعلها حيًا ومأخوذة من تركته ميتًا كسائر الحقوق، وكأن بعض أصحابنا يتوسط في وجوبها مذهبًا معلولًا ويقول: هي من فروض الكفايات إذا أظهرها الواحد في عشيرته أو قبيلته ظهورًا منتشرًا سقط فرضها عمن سواه وإلا خرجوا بتركها أجمعين وهذا فاسد من ثلاثة أوجه: أحدها: أن ما وجب من حقوق النكاح تعين كالولي والشاهدين.
والثاني: أن ما تعلق بحقوق الأموال الخاصة عم وجوبه كالزكوات أو عم استحبابه كالصدقات.
والثالث: أن فروض الكفاية مختص بما عم سنته كالجهاد أو ما تساوى فيه الناس كغسل الموتى وهذا خاص معين فلم يكن له في فروض الكفاية مدخل.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من وجوبها أو استحبابها انتقل الكلام إلى ما يلزم المدعو إليها من الإجابة فالظاهر من مذهب الشافعي أن الإجابة إليها واجبة قال بعض أصحابنا: إن الإجابة إليها مستحبة وليست بواجبة لأنها تقتضي أكل الطعام وتملك مال ولا يلزم أحد أن يتملك مالًا بغير اختياره ولأن الزكوات مع وجوبها على الأعيان لا يلزم المدفوعة إليه أن يتملكها فكان غيرها أولى.

والدليل على ما ذهب إليه الشافعي من وجوب الإجابة ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من دعي إلى وليمة فلم يجب فلقد عصى الله ورسوله ومن جاءها بغير دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أجيبوا الداع فإنه ملهوف".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو أهدي إليَّ ذراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع لأجبت".
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شر الطعام الولائم يدعى إليه الأغنياء ويحرمه الفقراء والمساكين".
ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله.
ولأن في الإجابة تآلفًا وفي تركها ضررًا وتقاطعًا.
فصل: فإذا ثبت أنها واجبة فسواء قيل إن فعلها واجب أو مستحب في وجوب الإجابة إليها لأن رد السلام واجب وإن كان ابتداء السلام غير واجب وهل يكون وجوبها من فروض الأعيان أو من فروض الكفاية على وجهين: أحدهما: أنها فرض على كل من دعي إليها أنه يجيب ما لم يكن معذورًا بالتأخير لما قدمناه من الدليل.
والثاني: أنها فروض الكفاية فإن أجاب من دعي من تقع به الكفاية سقط وجوبها عن الباقين وإلا خرجوا أجمعين لأن المقصود من الوليمة ظهورها وانتشارها ليقع الفرق فيها بين النكاح والسفاح فإن وجد مقصودها بمن خص سقط وجوبها عمن تأخر.
فصل: وإذا كانت الإجابة واجبة على ما وصفنا فلوجوبها شروط تعبير من الداعي والمدعو فأما الشروط المعتبرة في الداعي فستة شروط: أحدها: أن يكون بالغًا يصح منه الإذن والتصرف في ماله فإن كان غير بالغ لم تلزم إجابته ولم يجز أيضًا لبطلان إذنه ورد تصرفه.
والثاني: أن يكون عاقلًا لأن المجنون لفقد تمييزه أسوأ حالًا من الصغير في فساد إذنه ورد تصرفه.

والثالث: أن يكون رشيدا يجوز تصرفه في ماله فإن كان محجوراً عليه لم تلزم إجابته فلو أذن له وليه لم تلزم إجابته أيضًا لأن وليه مندوب لحفظ ماله لا لإتلافه.
والرابع: أن يكون حوا لأن العبد لا يجوز تصرفه فلم تلزم إجابته لفساد إذنه فلو أذن له سيده صار كالحر في لزوم إجابته.
والخامس: أن يكون مسلما تلزم موالاته في الدين فإن كان الداعي ذمياً لمسلم ففي لزوم إجابته وجهان: أحدهما: يجب لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أحيبوا الداعي فإنه ملهوف".
والثاني: لا تلزم إجابته لأنه ربما كان مستخبث الطعام محرماً.
ولأن نفس المسلم تعاف كل طعامه وأن مقصود الطعام التواصل به واختلاف الدين يمنع من تواصلهما فإن دعا مسلم ذميا لم تلزمه الإجابة وجهاً واحداً لأنه لا يلتزم أحكام شرعناً إلا عن تراض.
والسادس: أن يصرح بالدعاء إما بقول أو مكاتبة أو مراسلة لأن العرف بجميع ذلك جار وصريح الدعاء أن يقول: أسألك الحضور أو يقول: أحب أن تحضر أو إن رأيت أن تجملني بالحضور فتلزمه إجابته بهذا القول كله.
فأما إن قال إن شئت أن تحضر فافعل لم تلزمه إجابته قال الشافعي: "وما أحب أن يجيب".
فإن كاتبه رفعة يسأله الحضور بأحد ما ذكرنا من الألفاظ لزمه الإجابة فإن نقصه في الخطاب لم يكن ذلك عذراً في التأخير وكذلك لو كان بينهما عداوة أو كان في الوليمة عدو لم يكن معذورا في التأخير وأن وأسله برسول وقع في نفسه وصدقه لزمته الإجابة سواء كان حراً أو عبداً فإن كان غير بالغ نظر فيه فإن كان مميزاً لزمته الإجابة بوروده في الرسالة وإن كان غير مميز لم يلزم لأنه لا يحصل ما يقول ولا العادة جاوية أن يكون مثله رسولاً فإن قال الداعي لرسوله: ادع من رأيت من غير أن يعين له على أحد لم يلزم من دعاه الرسول أن يجيب لأنه قد يرى أن يدعو من غيره أحب إلى صاحب الطعام.
فصل: وأما الشروط التي في المدعو فخمسة شروط: أحدهما: البلوغ.
والثاني: العقل ليكون بالبلوغ والعقل ممن يتوجه عليه حكم الالتزام.
والثالث: الحرية لأن العبد ممنوع من التصرف بحق السيد فإن أذن له سيده لزمته الإجابة حينئذ وان كان مكاتباً نظر فإن لم يكن حضوره مضراً بكسبه لزمته الإجابة وان كان مضرا لم تلزمه الإجابة إن لم يأذن له السيد وفي لزومها بإذنه وجهان فأما المحجور عليه بالسفه فتلزمه الإجابة كالرشيد.
والرابع: أن يكون مسلما فإن كان ذميا والداعي مسلم فقد ذكرنا أن الإجابة لا تلزمه

وإن كانا ذميين ورضيا بحكمنا أخبرناهم بلزوم الإجابة في ديننا وهل يجبر عليه المدعو أم لا؟ على قولين.
والخامس: أن لا يكون له عذر مانع من مرض أو تشاغل بمرض أو إقامة على حفظ مال أو خوف من عدو على نفس أو مال فإن كل هذه وما شاكلها أعذار تسقط لزوم الإجابة فإن إعتذر بشاة حر أو برد نظر فإن كان ذلك مانعاً من تصرف غيره كان عذراً في التأخير وإن لم يمتنع من تصرف غيره لم يكن عذراً.
وإن إعتذر، بمطر يبل الثوب كان عذراً ولأنه عذر في التأخير عن فرض الجمعة وإن إعتذر بزحام الناس في الوليمة لم يكن ذلك عذراً في التأخير عن الإجابة وقيل: احضر فإن وجدت سعة وإلا عذرت في الرجوح.
فصل: فإن كانت الوليمة ثلاثة أيام فدعي في الأيام الثلاثة لزمت الإجابة في اليوم الأول واستحبت في اليوم الثاني ولم تجب وكرهت في اليوم الثالث لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الوليمة في اليوم الأول حق وفي اليوم الثاني معروف وفي اليوم الثالث رياء وسمعه".
وإذا دعاه اثنان في يوم فإن قدر على الحضور إليهما لزمته إجابتهما وان لم يقدر على الجمع بينهما لزمته إجابة أسبقهما فإن استويا أجاب أقربهما جوارا فإن استويا في الجوار أجاب أقربهما وحما، فإن استويا في القرابة أقرع بينهما وأجاب من قرع منهما.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا دعاك اثنان فأجب أقربهما باباً فإن أقربهما باباً أقربهما جوارا فإن جاءا معا فأجب اسبقهما".
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ كَانَ المَدْعُوُّ صَاِئماً أَجَابَ الدَّعْوَةَ وَبَرَّكَ وَانْصَرَفَ وَلَيْسَ بِحَتْم أَنْ يَاكُلَ وَأُحِبُّ لَوْ فَعَلَ وَقَدْ دُعِيَ ابْنْ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا فَجَلَسَ وَوَضَعَ الطَّعَامَ فَمَدُّ يَدَهُ وَقَالَ: "خُذُوا بِسْمِ اللهِ ثُمَّ قَبَضَ يَدَهُ وَقَالَ: إِنَّي صَائِمٌ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان المدعو صائما لزمه الحضور ولم يكن صومه عذرا في التأخير, لرواية عبد الله بن عمر عن نافح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"إذا دعي (أحدكم) إلى وليمة فليجب فإن كان فطرا فليأكل وان كان صائما فليدع وليقل: إني صائم".
ولأن المقصود بحضوره التجمل أو التكثر أو التواصل والصوم لا يمنع من ذلك فإذا حضر الصائم لم يخل صومه من أن يكون فرضًا أو تطوعا وان كان صومه فرضا أو تطوعا وإن كان صومه فرضاً لم يفطر ودعا للقوم بالبركة.
وقال: إني صائم وكان بالخيار بين المقام أو الانصراف لما قدمناه من رواية ابن عمر وفعله وان كان صومه تطوعاً فالمستحب له أن يأكل ويفطر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فإن كان تطوعا فليفطر ولا فليصل" أي فليدع ولا يجب عليه الفطر لأنه في عبادة فلم تلزمه مفارقتها ولأن من الفقهاء من يحظر عليه الخروج من صوم التطوع ويوجب عليه القضاء.
فصل: فأما المفطر إذا حضر ففي وجوب الأكل عليه ثلاثة أوجه: أحدهما: يجب عليه الأكل لأنه مقصود بالحضور ولرواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب فإن كان فطرا فليأكل وان كان صائما فليدع وليقل: إني صائم".
والثاني: أنه لا يجب عليه الأكل وهو فيه مخير لرواية سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحاكم إلى طعام فإن شاء طعم وان شاء ترك ولأن في الأكل تملك قال: فلم يلزمه كالهبة.
والثالث: أن الأكل في الوليمة من فروض الكفايات فإن أكل غيره سقط عنه فرض الأكل وإلا خرج جميع الحاضرين لما في امتناع جميعهم من عدم مقصود وانكسار نفسه وإفساد طعامه.
فصل: وينبغي لمن حضر الطعام أن يأكل إلى حد شبعه وله أن يقصر عن الشبع ويحرم عليه الزيادة على الشبع لما فيه من المضرة ومخالفة العادة فإن أكل أكثر من شبعه لم يضمن الزيادة وليس له أن يأخذ ما يأكل ليحمله إلى منزله ولا أن يعطيه لغيره ولا أن يبيعه لأن الأكل هو المأذون فيه دون غيره وليس كل من أبيح له الأكل جاز له البيع كالمضحي ولا يجوز إذا جلس على الطعام أن يطعم غيره منه فإن فعل وكان الذي أطعمه من المدعوين لم يضمن وان كان غير مدعو ضمن.
وهكذا ليس له أن يستصحب إلى الطعام من لم يدعه صاحب الوليمة فإن أحضر معه

أحداً فقد أساء والضمان على الآكل دون المحضر والعرب تسمي المدعو ضيفا والتابع ضيفين قال الشاعر: إِذَا جَاءَ ضَيْفٌ جَاءَ لِلضَّيْفِيْن فأوْدَي بمَا نُقْرِي الضُّيُوفِ الضَّيَافِنُ فصل: ويختار له إذا أكل أن يستعمل آداب أكله المسنونة.
فمنها غسل يديه قبل الطعام وبعده ولو توضأ في الحالين كان أفضل.
وروى أبو هاشم عن زاذان عن سلمان قال: قرأت في التوراة: الوضوء قبل الطعام بركة الطعام فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "الوضوء قبل الطعام وبعد الطعام بركة الطعام.
ومنها التسمية على الطعام قبل مد يده والحمد لله بعد رفعها فقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأمر به.
ومنها: أن يأكل مما يليه ولا يمد يده إلى ما بعد عنه ولا يأكل من ذروة الطعام فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البركة في ذروة الطعام فكلوا من حواليها" وإذا وضع استباح الحاضرون أكله وان لم يؤذن لهم قولا بالعرف وأن ما تقام من الدعاء إذن فيما تأخر من الطعام واختلف أصحابنا متى يستحق الحاضر ما يأكله حتى يصير أملك به من ربه، على ثلاثة أوجه: أحدهما: إذا أخذ اللقمة من الطعام بيده مار بها أحق وأملك لها لأن حصولها في اليد قبض فلا يجوز أن تسترجع منه.
والثاني: أنه لا يصير أحق بها وأملك لها إلا إذا وضعها في فمه فأما وهي بيده فمالك الطعام أحق بها لأن الإذن في الأكل لا يكون ذلك إلا بعد الحصول في الفم.
والثالث: أن لا يصير أحق بها وأملك إلا بعد مضغها وبلعها لأن الإذن يضمن استهلاكه بالأكل ولا يجلس بعد فراغه من الأكل إلا عن إذن لقول الله تعالى: ﴿فَإذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: (53)].
وروى واصل بن السائب عن أبي سورة وعن عطاء بن أبي رباح قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا حبذا المتخللون من أمتي، قالوا: وما المتخللون؟ قال: المتخللون من الطعام والمتخللون بالماء في الوضوء".
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ كَانَ فِيهَا المَعْصِيَةُ مِنَ المُسْكِر أَوْ الخَمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنَ

المَعَاصِي الظَّاهِرَةِ نَهَاهُمْ فَإِنْ نَحَّوا ذلِكَ عَنْهُ وَإِلَّا أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يُجِيبَ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا دعي إلى وليمة وفيها خمور أو ملاهي أو ما أشبه ذلك من المعاصي فلا يخلو أن يكون عالما به قبل حضوره أو غير عالم فإن علم به قبل حضوره فله حالتان: أحدهما: أن يقدر على إنكاره وإزالته فواجب عليه أن يحضر لأمرين: أحدهما: لإجابة الداعي.
والثاني: لإزالة المنكر.
والحالة الثانية: أن لا يقدر على إزالته ففرض الإجابة قد سقط وأولى أن لا يحضر وفي جواز حضوره وجهان: أحدهما: وهو الأظهر أنه لا يجوز لما في حضوره من مشاهدة المنكر والريبة الداخلة عليه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
والثاني: يجب له الحضور وان كره له لأنه ربما أحشمهم حضوره فكفوا واقصروا وقد حكي أن الحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي دعيا إلى وليمة فسمعا منكراً فقام محمد لينصرف فجذبه الحسن وقال: اجلس ولا يمنعك معصيتهم من طاعتك.
وإن لم يعلم بما في الوليمة من المعاصي فعليه الإجابة ولا يكون خوفه منها غدرًا في التأخير عنها لجواز أن لا يكون فإذا حضر وكانت بحيث لا يشاهدها ولا يسمعها أقام على حضوره ولم ينصرف وان سمعها ولم يشاهدها لم يتعمد السماع وأقام على الحضور لأن الإنسان لو سمع في منزله معاص من دار غيره لم يلزمه الانتقال عن منزله كذلك هذا وان شاهد ها جاز له الانصراف ولم يلزمه الحضور إن لم ترفع وفي جواز إقامته مع حضورها إذا صرف طرفه عنها مما ذكرنا من الوجهين.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فإن رأى صوراً ذات أَرْوَاح لم يدْخل إِن كَانَت مَنْصُوبَة وَإِن كَانَت تُوطأ فَلَا بَاس وَإِن كَانَ صور الشّجر فَلَا بَاس أحب أن يجيب أخاه وبلغنا أ، النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أهدى إلى ذراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع لأجبت" قال في الحاوي: وهذا صحيح وإذا كان في الوليمة صور فهي ضربان: أحدهما: أن يكون صور شجر ونبات وما ليس بذي روح فلا تحرم لأنها كالنقوش التي تراد للزينة سواء كانت على مسدل من بط ووسائل أو كانت على مصان من ستر أو جرار ولا يعتذر بها المدعو في التأخير.

والثاني: أن تكون صور ذات أرواح من آدمي أو بهيمة، فهي محرمة وصانعها عاص لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المصور وقال: يؤتى به يوم القيامة فيقال له: انفخ فيه الروح وليس بنافخ فيه أبدا".
وقد حكي عن عكرمة في تأويل قول الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: (57)] أنهم أصحاب التصاوير وإذا عملها محرم على صانعها فالكلام في تحريم استعمالها وإباحته معتبر بحال الاستعمال فإن كانت مستعملة في منصوب مصان عن الاستبدال كالحيطان فهي محرمة يسقط معها فرض الإجابة لما روي عن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى أنه قال: منعت طعاما ودعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل البيت وجع فقلت: يا رسول الله ما رجعك؟ قال: "رأيت صورة وان الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة أو كلب".
وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام الفتح أمر عمر أن يمحو كل صورة في الكعبة فلما محيت دخلها, ولأن الصور كانت السبب في عبادات الأصنام حكي أن آدم لما مات افترق أولاده فريقين: فريق تمسكوا بالدين والصلاح.
وفريق مالوا إلى المعاصي والفساد ثم اعتزل أهل الصلاح فصعدوا جبلا وأخذوا معهم تابوت آدم ومكث أهل المعاصي والفساد في الأرض فكانوا يستغوون من نزل إليهم من أهل الجبل فاستولوا على تابوت آدم فصور لهم إبليس صورة آدم ليتخذوها بالا من التابوت فعظموها ثم حدث بعدهم من رأى تعظيمها فعبدها فصارت أصناما معبودة فلذلك حرم استعمال الصور فيما كان مصانا معظما وقال أبو سعيد الإصطخري: إنما كان التحريم على عها النبي صلى الله عليه وسلم لقرب عهدهم بالأصنام ومشاهدتهم بعبادتها ليستقر في نفوسهم بطلان عبادتها وزوال تعظيمها وهذا المعنى قد زال في وقتنا لما استقر في النفوس من العدول عن تعظيمها فزال حكم تحريمها وحظر استعمالها وقد كان في الجاهلية من يعبد كل ما استحسن من حجر أو شجر فلو كان الحظر باقيا لكان استعمال كل ما استحسن حراماً وهذا الذي قاله خطأ لأن النص يدفعه وان ما جانس المحرمات تعلق به حكمهما ولو ساغ هذا في صور غير مجسمة لساغ في الصور المجسمة وما أحد يقول هذا ففسد به التعليل.
فصل: فأما إن استعملت الصور في مكان مهان مستبذل كالبسط والمخال جاز ولم يسقط به فرض الإجابة.
روي أن عائشة علقت سترا عليه صورة فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم فرآه رجع وقال: يا عائشة اقطعيه وسادتين فقطعته مخدتين".

جارٍ التحميل