بحر المذهب للرويانيصفحات 361-370

وقال بعض العلماء: سبعون يومًا، واحتج أبو حنيفةَ بما روي عن: أم سلمهَ - رضي الله عنها - أنها قالت: كانت النفساء تقعد منى عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين ليلةً وأربعون يومً وروى أبو أمامةً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "النفساء إن طهرت حين تضع صلت، فإن رأت الدم قعدت خمسةً وعشرين يومًا، فإن رأت الدم قعدت أربعين يومًا، فإذا جاوزت فهي مستحاضةً"، وهذا غلط لأن الطريق في ذلك الوجود، وقد وجد، وقال الأوزاعي: عندنا امرأةً ترى النفاس شهرين، وروي عن مالك، وعطاء أنه في الغالب.
وأما أقل النفاس في بعض نسخ المزني أقله ساعةً، ورواه أبو ثور عن الشافعي، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: محدود للأقل ساعةً، أو به قال ابن سريج، وجماعةً من أصحابنا، وبه قال محمد، وأبو ثور.
وقال أصحابنا بالبصرة وبخرسان: أقله لا حد له، وإنما ذكر: الشافعي تقليلًا وتفريعًا لا أنه جعله هذا وأقله مجةً من دم، وبه قال مالك والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق ;وقال أبو حنيفة: أوله خمسةً وعشرون يومًا، وروي عنه.
[323 ب/] أقله لحظةً، وقال الثوري: أوله ثلاثةً أيام لأنه أقل الحيض، وقال أبو يوسف: أقله أحد عشر يومًا ليزيد أوله على أكثر الحيض، وقال المزني: أقله أربعةَ أيام لأنها أربعةً أمثال أقل الحيض كما أن أكفره أربعةً أمثال الحيض، وهذا كله غلط؛ لما روى أبو أمامةً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا طهرت النفساء حين تضع صلت" ولا المرجع فيه إلى الوجود، وقد تلد المرأةً ولا ترى دمًا،.ويقال: إن نساء الأكراد هن بهذه الصفةً.
وروي أن امرأةً ولدت على عهد رسول الله.
ولم تر معه دمًا فسميت ذات الجفاف، وقيل: ذات الجفوف.
فإذا تقرر هذا ي فإن رأت ساعة فلا تفوتها صلاة في ذلك، ولكن إن ولدت في رمشان فد عليها صوم ذلك اليوم الذي ولدت فيه، وعليها آن تغتسل عند الانقطاع، ولزوجها أن يأتيها، فإن خافت عود الدم استحب لها التوقف احتياطًا، وإن لم تر شيئًا أصلا، فقد ذكرنا فيما تقدم.
فإذا تقرر هذا فإن رأت الدم قبل ظهور شيء من الولد فهو دم فساد بلا خلاف، وإن رأت بعد انفصاله فهو نفاس بلا خلاف.
وأما ما خرج مع الولد هل يكون نفاسها؟ فيه وجهان.
قال أبو إسحاق: هو نفاس.
وبه قال ابن أبي أحمد، وهذا هو أقيس [324 أ/1]؛ لأنه دم خارج بخروج الولد فأشبه الخارج بعده، فعلى هذا يلزم منه الاغتسال، ولو كانت صائمةُ بطل صومها.

وقال سائر أصحابنا: هو دم فساد، ولو كانت صائمةً لا يبطل صومها، وإذا لم تر الدم بعد انفصاله، وكان الولد خرج وحده.
وقد ذكرنا أنه لا يلزم الاغتسال به في أحد الوجهين، وهذا هو المذهب؛ لأن ما قاله أبو إسحاق يؤدي إلى أن يزيد أكثر النفاس على ستين يومًا، لأنه لا خالف أن ابتداء الستين عقيب انفصال الولد، ولأنه دم انفصل قبل انفصال الولد فأشبه ما خرج قبله، ولو أتت المرأة بولدين توأمين بينهما أقل من أقل مدة الحمل، فالنفاس لهما، وهل يعتبر من الولد الأول أو الثاني؟ قال ابن القاضي: فيه ثلاثةً أوجه أحدها: أن أول النفاس من الولد الأول حتى لو رأت بين الولدين تسعةٌ وخمسون يومًا فعد الولد الثاني لا نفاس لها إلا يومًا، وإن جاوز فهي استحاضةً النفاس، وبه قال أبو حنيفةً وأبو يوسف، وقال: أكثر النفاس أربعون يومًا فلو كان بين الولدين، أربعون يومًا لم يكن بعد الولد الثاني نفاس أصلًا، وهذا لأنه دم يعقب الولادةً فيجب أن يكون نفاسًا كما في الولد الواحد، والثاني يعتبر من الولد الثاني وهو [324 أ/1] المذهب؛ لأن التوأمين هما كالولد الواحد ولهذا في حكم الرجعةً كذلك حتى لا ينقطع إلا بانفصالها فكان ابتداء النفاس بعدهما، وبه قال زفر، ومحمد، وعلى هذا ما لو رأت قبل الولد الثاني استحاضةً لا يتعلق به حكم النفاس، ولأن ما قاله القائل الأول يؤدي إلى المحال، وذلك أنه ربما يقع بينهما أكثر النفاس، ورأت مع الثاني دمًا مثل ما رأت مع الأول، فإن قال: لا يكون نفاسًا فمحال، لأن الولد الثاني كالأول فكيف يجعل الأول نفاسًا دون الثاني مع رؤية الدم على صفةً واحدةً، وإن قال: يكون نفاسًا وهو قوله: يؤدي إلى أن يزيد النفاس على ستين يومًا، ولا يقال: هما نفاسان متميزان وهذا عذر هذا القائل من غير إشكال لأنه لم يتخلل الطهر بينهما، والثالث أول النفاس هو من الولد الأول وآخره من الولد الثاني، ولا تبالي إن تجاوز ما بين الولد الأول إلى آخر الدم ستين، وهذا هو اختيار ابن أبي أحمد، ووجهه آن كل واحد منهما هو سبب في إثبات، حكم النفاس بدليل حالة الانفراد فإذا اجتمعا ثبت لكل واحد منها نفاس وتداخلًا فينما اجتمعا فيه، ويفارق هذا خروج الدم قبل انفصال الولد؛ لأنه لم يوجد سبب النفاس.
ثم [325 أ/1] أعلم أنه إذا اتصل النفاس إلى شيئين يومًا تتعلق به أحكام الحيض أجمع، وإن انقطع الدم في يوم، ورأت طهرًا يومًا، ورأت خمسةً دمًا وخمسةً طهرا أو عشرةً، وعشرةً إلى الستين تبنى على القولين، فإن قلنا: إنها لا تلفق الدماء فالكل نفاس، وإن قلنا: أنها تلفق فأيام الدم نفاس وأيام النقاء طهر، وقد مضت فائدةً التلفيق في الحيض، وعلى كل لون وجد الدم في الستين فهو نفاس كالموجود في حق الحائض في مدةً خمسةً عشر يومًا، وإن رأت الدم دون يوم وليلةً

عقيب الولد، ثم طهرت خمسةً عشر يومًا، ثم رأت الدم لم يخل الثاني من أحد أمرين: إما أن يكون مدةً تكون بانفراده حيضًا أولا تكون، فإن كان مما يمكن أن يكون بانفراده حيضًا، ثم إن بلغ يومًا وليلةً فاليوم الأول نفاس قولًا واحدًا، وأما الثاني: قال ابن سريج: فيه وجهان أحدها: أنه حيض مستأنف وما بينهما طهر صحيح، وبه قال أبو يوسف، ومحمد لأنهما دمان فصل بينهما أقل الطهر فلم يضم أحدهما إلى الآخر كالحيضتين وهذا أصح.
والثاني: يقاس أيضًا وبه قال أبو حنيفةً: لأنهما دمان في زمان إمكان النفاس فأشبه إذا كان بينهما أقل ;من خمسةً عشرةً، ويفارق الحيضتين [325 ب/1] لأن الثاني لا يمكن ضمه إلى الأول؛ لأن الحيض الواحد لا يبلغ زمانه، وأما ما بينهما من الطهر فهل يكون نفاسًا؟ فيه قولان بناء على القولين في التلفيق.
وحكي عن أحمد أنه قال: الدم الأول نفاس، والدم الثاني مشكوك فيه تصوم وتصلي ولا يأتيها زوجها، وتقضي اليوم والطهر والطواف؛ لأنه يحتمل أن يكون نفاسًا، ويحتمل أن يكون دم فساد، وهذا لا يصح لأنه دم في زمان الإمكان يستحيل آن يجعل مشكوكًا في حكمه، ولأنه ناقص فقال: إن كان الدم الثاني أقل من يوم وليلةً كان دم فساد، ويحمل الأمرين على ما قاله، وإن كان بما لا يمكن أن يكون حيضًا بانفراده إن رأت ساعةً دمًا بعد الولادةً، ثم طهرت خمسًة عشر يومًا، ثم رأت ساعةً، واقطع فمن قال في المسألةً الأولى الزمان زمان نفاس ففي هذه المسألةً الدمان نفاس أيضًا، وأما ما بينهما من النقاء هو مبني على القولين في التلفيق، ومن قال هناك: الثاني حيض مستأنف قال ها هنا: يخرج على وجهين أحدها: أنه دم فساد لأنه لا يصلح أن يكون بانفراده، ولا يمكن أن يضم إلى الأول؛ لأنه يتخلل بينه وبينه طهر كامل فلم يبق إلا أن يجعل دم فساد، والثاني: أنه يكون نفاسًا وهو والأظهر لأنه [326 أ/1] إذا لم يمكن أن يجعله حيضًا مستأنفًا أضفناه إلى الأول وجعلناه نفاسًا وهذا قول محمد، والأول قول آبي حنيفةً، وان تخلل الطهر خمسةً عشر يومًا، نم عاد الدم، وجاوز الستين، قال القفال: لا يختلف القول أن النفاس هو ما قبل الطهر وما بعد الطهر حيض، وإن جاوز في نفسه خمسةً عشر تكون مستحاضةَ، وقيل: فيه وجهان أيضًا، وهو محتمل لأن مدة النفاس واحدة فتعتبر بعود هذا الدم فيها حكم الطهر السابق، وفرع ابن سريج على المسألة الأولى، وهو إذا كان الثاني قدرًا يمكن أن يكون حيضًا.
مسألةُ أخرى: وهى أنه لو علق طلاقهما بالولادةً فولدت وأخبرت بانقضاء عدتها فإن قلنا الثاني حيض قال ما ينقضي بها عدتها سبعةً وأربعون يومًا، ولحظتان النفاس

لحظةً، ثم طهرت خمسةً عشر ثم يومًا وليلةً رأت حيضًا، ثم طهرت خمسةً عشر ثم يومًا وليلةً رأت حيضًا ثم طهرت خمسةً عشر فإذا رأت من الحيضةً الثالثةً لحظةً بانت، ويمكن انقضاء عدتها بسبعةً وأربعين يومًا، ولحظةً تأتي بأن لا ترى شيئًا من النفاس بحال، وإن قلنا: الدم الثاني دم نفاس لم نحكم لها بالحيض في الستين.
بحالٍ، وأقل ما يمكن أن تحيض يومًا عقيب [326 ب/1] الستين، وقد تقدمهما في الستين طهر، ثم طهرت فيه خمسةً عشر، ثم حاضت يومًا وليلةً، ثم طهرت خمسةً عشر فتصير الستين وتسعين يومًا؛ لأن الستين بعد الولادة قد دخلت اللحظة فيها، وتكفي لحظةً واحدةً، وهذا كله إذا لم تعبر الستين، فإذا عبر الستين، واتصل ففيه وجهان: أحدهما: دخلت الاستحاضةً في دم النفاس لأنه دم يسقط فرض الصلاةً اتصل الدم به بعد مدته فكان استحاضةً كما لو عبر في حق الحائض خمسةً عشر، وهذا هو المذهب.
والثاني: إن أيام الستين هي نفاس كلها وما بعد الستين استحاضةً، وهذا هو اختيار المزني - رحمه الله - واحتج بأنه كما ظهر حكمنا أنه يقين النفاس فيستصحب ذلك اليقين إلى الأكبر فيجعل الكل نفاسًا إذا جاوزه ويفارق الحيض، فإنه لا يكون يقينًا أول ما ترى بل يكون مشكوكًا فيه، وإذا بلغ يومًا وليلةً حكمنا بأنه حيض فإذا جاوز الأكثر جاز أن يرد إلى الأقل، وهذا غلط؛ لأن عنده لأقل النفاس قدر هو أربعةَ أيام كالحيض سواء فلا يصح الفرق، ولأن الحيض إذا بلغ يومًا وليلةً حصل فيه اليقين، فإن لم يكن قل ذلك يقين فينبغي أن لا تترك بعدم إلا [326 أ/1] الأقل، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا أن الستين نفاسًا والذي بعده حيض؛ لأنهما جنسان فلا يتنافيان وهذا ضعيف.
وإذا قلنا بالمذهب فلا يخلو إما أن تكون مميزةً أو معتادةً، أو لا تمييز لها، ولا عادةً فإن كانت مميزة مثل إن رأت الدم الأسود، ثم تغير إلى أحمر، أو رأت الأحمر ثم تغير إلى الصفرة ردت إلى تمييزها فأيام الأسود، أو أيام الأحمر نفاس وما بعد ذلك استحاضة، وإن كانت معتادة مثل أن ولدت مرة بعد أخرى وكانت عادة نفاسها أربعين يومًا ردت إلى العادة، فيكون قدر العادة نفاسًا وما بعدها استحاضة، وإن لم يكن لما تمييز ولا عادة فكم تنفس؟ فيه قولان: أحدهما: أن اليقين لحظة أو لا شيء أصلًا.
والثاني: غالب نفاس النساء أربعون يومًا وقيل قول واحد ترد إلى الغالب.
والفرق بينه وبين الحيض أن دم النفاس يقين، ودم الحيض فرددناها إلى أقل الحيض احتياطًا.

فرعان لأبي إسحاق - رحمه الله - أحدهما: امرأة شهرها عشرون يومًا خمسة حيض وخمسة عشر ظهر، فولدت فرأت الدم عشرين يومًا، ثم طهرت خمسة عشر، ثم عاودها، واتصل فالأول نفاس، والطهر بعده صحيح وما بعده استحاضة يكون شهرها عشرين يومًا خمسة [327 ب/1] حيض، وخمسة عشر استحاضة، هذا إذا وافق الطهر بين النفاس، والدم الثاني عادة طهرها.
والفرع الثاني: امرأة شهرها ثلاثون يومًا، عشرة حيض وعشرون طهر، فولدت فرأت الدم عشرين يومًا وطهرت ستين يومًا، ثم عاودها الدم واتصل بنفاسها عشرون يومًا وبعده طهر صحيح، وما بعده استحاضة يكون شهرها سبعين يومًا عشرة حيض، وستون استحاضة؛ لأن العادة على ظاهر المذهب تثبت بمرة واحدة، وقد طهرت مرة ستين يومًا من نفاسها وحيضها، فانتقلت عن تلك العادة إلى هذه، وعلى قول من قال: لا تثبت العادة بمرة واحدة، قال ها هنا: أردها إلى عادتها فيكون شهرها ثلاثين يومًا ما كان قبل الولادة، وأبو إسحاق فرعها على القول: الدم الثاني بعد الولادة وبعد خمسة عشر يومًا حيض، فإن قيل: لم عبرتم به الطهر دون الدم؟ قلنا: لأن دم النفاس مخالف لدم الحيض في المقدار فلم يتغير به مقدار الحيض، والطهر بين النفاس كالطهر من الحيض فتعين أحد الطرفين بالآخر.
وقال القفال: هذا مبني على أن النفاس والحيض جنس واحد، وجنسان فإن قلنا: جنس واحد فقد نقص طهرها، وإن [328 أ/1] قلنا: جنسان فالطهر كما كان والأول أطهر وأصح.
فرع آخر ذكره أصحابنا: إذا رأت الحامل خمسة أيام دمًا، ثم ولدت عقبها فرأت دم النفاس، فإن قلنا: إن الحامل لا تحيض بالخمسة استحاضة وما بعد الولد نفاس وإن قلنا: أنها تحيض.
اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: الخمسة حيض وما بعد الولادة نفاس، وبه قال صاحب "الإفصاح"، ومنهم من قال: الخمسة استحاضة على القولين معًا؛ لأن ما بعد الولادة نفاس بالإجماع، ولا يجوز أن يتوالى الحيض والنفاس كالحيضتين، ومن قال بالأول أجاب عن هذا لأنهما دمان من حيضتين فلا يضر أن لا يتخلل بينهما طهر بخلاف الحيضتين.
وقال القفال: معنى الوجهين أن الحيض والنفاس جنس واحد أو جنسان؟ فيه وجهان.
وقال بعض أصحابنا: بخراسان: إن قلنا بالوجه الأول ترد إلى يوم وليلة من

أول هذا الدم الذي قبل الولادة إن كانت مبتدأة، ثم الباقي دم فساد، وكذلك ما بعد الولادة إلى الشهر الثاني من اليوم المردود وتجعل الولادة كأن لم تكن، وقد يقع الطهر ناقصًا في خلاف دم الفساد، فيكون طهرًا أيضًا مثل إن رأت عشر دمًا، وعشرة طهرًا، ثم ولدت فإنها تكون طاهرة أيضًا بعد [328 ب/1] الولادة عشرة ثم بحيضها يومًا آخر وتجري على ذلك إن اتصل دمها، وإن كانت معتادة وعادتها خمسة نردها إلى خمسة سواء ثبتت لها العادة في زمان الحمل أو قبل زمان الحمل، ويكون الباقي من العشرة الطهر وعشرة بعد الولادة كلها طهر ثم نحيضها خمسة أخرى، وما تقدم أصح لأنه يستحيل أن تجعل الدم بعد الولد في مدة النفاس المحتمل طهرًا.
مسألة: قال: "وَالَّذِي يُبْتَلَى بِالْمَذْيِ بِلاَ تَقْطِيعُ مِنَل المُسْتَحَاضَةِ يَتَوَضَّأُ لِكُلَّ صَلاَةٍ فَرِيضَةٍ بَعْدَ غَسْلِ فَرْجِهِ وَيَعَصِبُهُ" وهذا كما قال: المستحاضة ومن به سلسل البول والذي يتوضأ لكل صلاة فريضة حاضرة أو فائتة، ولا يجمع بين صلاتي فرض ولا بين بفرض، ولا بين صلاة فرض وطواف فرض بوضوء واحد، وإذا توضأ الفرض صلى به الفرض الواحد وما شاء من النوافل كما قلنا: في التيمم ولا يجوز لواحد من هؤلاء أن يتوضأ لصلاة الفرض قبل دخول وقتها.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يجوز لواحد من هؤلاء أن يصلي في وقت واحد ما شاء من الفرائض، وتبطل طهارتها بخروج الوقت حتى لا تصلي بها أصلًا، وتجوز طهارتها قبل دخول وقت الصلاة.
وبه قال أحمد، وعندنا لا تبطل [329 أ/1] طهارتها بخروج الوقت.
وقال الأوزاعي، والليث: تجمع بطهارتها بين الظهر والعصر فقط، وهذا غلط لما روى عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة" ولأن أبا حنيفة - رحمة الله عليه - قال: "إذا توضأت قبل الطهر، ثم دخل وقت الظهر، لم تبطل طهارتها، وقد خرج عنها وقت صلاة العيد.
وقال مالك - رحمه الله - لا وضوء على المستحاضة أصلًا عن داود مثله أنه لا

وضوء عليها بما يخرج من الدم بعد الوضوء فكذلك لا وضوء بالأول، وهذا غلط، لأن الدم الأخير يوجب الوضوء، ولهذا لو انقطع يلزمها تجديد الوضوء ولكنه عفي عنه عند الاتصال للضرورة.
وإذا تقرر هذا الكلام الآن فيما يجب على المستحاضة فعله إذا أرادت صلاة الفرض والحكم فيها ومن به سلسل البول والقيام والريح، وكذلك من به جرح سائل حكمه حكم المستحاضة إلى في الوضوء، فإن خروجه منه لا ينقص الوضوء إلا أن يخرج الدم من أحد السبيلين كدم البواسير ونحو فإنه كالمستحاضة سواء فإن كان الدم يسيرًا بحيث إذا استدخل قطنة [329 ب/1] أو خرقة انقطع فعلت ذلك، كأن لم ينقطع به وضعت على رأسن القطنة خرقة واستوثقت وتلجمت، والتلجم: هو أن يشد فرجها بخرقة ويعصبها، ثم يشد في وسطه نكة أو خرقة، ويشد تلك الخرقة التي على وسطها من خلفها وطرفها الثاني من بين يديها.
وقال الشافعي - رضي الله عنه - في موضع: تأخذ خرقة مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخديها كل طرفين منها على فخدها.
وهذا ضعيف وما تقدم هو أصح، فإذا فعلت ذلك وصلت فإن لم يقطر منها الدم أجزأها، وإن قطر الدم نظر، فإن كانت قد استوثقت قدر الإمكان والخارج غلبه فلا قضاء عليه لقوله - عليه الصلاة والسلام - في المستحاضة.
"صل وإن قطر الدم على الحصير قطرًا" كأن لم يكن استوثقت فعليها إعادة الشد والطهارة والصلاة لأنها مفرطه في ذلك، وهكذا من سلسل البول يسيل إحليله لقطنة يدخلها فيه إن كان يمسك بها، وإن كان لا يمسك عصب رأس ذكره بخرقة ويكفيه، ولا يلزمه إدخال القطنة في إحليله لقول الشافعي - رحمه الله - بعد غسل فرجه وتعصيبه، ولا يجوز أن يعلق قارورة يقطر فيه بوله، لأنه يكون يحمل نجاسة في غير معدتها بلا ضرورة.
فإذا تقرر هذا [330 أ/1] ودخل عليها وقت الصلاة فتوضأت رفعت بها الحدث الماضي دون القائم والحادث، ثم يُنظر، فإن صلت عقيب الفراغ من الوضوء صحت الصلاة، وإن أخرت خارج وقت الصلاة زالت طهارتها في حق الفرض وتجوز لها النوافل.
ومن أصحابنا من قال: يجوز لها أداء الفرض كما لو تتيمم للفائتة ثم دخل وقت الفريضة به يجوز له أن يصليها به في أحد الوجهين، وهو اختيار القفال وإن أخرت

الصلاة من أول وقتها نظرت، فإن كان التأخير لسبب يتعلق بمصلحة الصلاة كاستقبال القبلة وإصلاحها ولباس البدن وانتظار الجماعة والخروج إلى المسجد لم يقدح فيها، إن كان بغير سبب.
قال ابن سريج: فيه وجهان.
أحدهما: لا يجوز لها أن تصلي به الفريضة، لأنه ما رخص في الحدث القائم حالة الصلاة فلا يجوز لها تأخير الصلاة أكثر من الحاجة.
والثاني: يجوز ذلك لأنه لما جاز لها تأخير الصلاة إلى آخر الوقت جاز تأخير فعلها بهذه الطهارة، وهل يلزمها غسل الفرج لكل صلاة فريضة؟ فيه وجهان، وقيل قولان: أحدهما: ما نص عليه ها هنا أنه يلزمها ذلك لأنها تقدر على إزالة تلك النجاسة، والثاني: لا يلزمها ذلك ما لم تزل الضرورة أو العصابة وقيل: أو طهر على [330 ب/1] العصابة، ذكره القفال.
ولو توضأت وانقطع دمها لا تخلو إما أن يكون انقطاع عادة أو لا عادة لها به، فإن لم يكن لها عادة بانقطاعه مثل أن تكون مبتدأة، فإن لم تكن خلت في الصلاة بطلت طهارتها وعليها استئنافها، وهذا لأن الانقطاع يحتمل أن يكون لكبر أو زوال العلة، ويحتمل أن يكون لعارض ولم تزل العلة إلا أن الظاهر زوالها وحصول البرء منها، فيبطل وضوءها الأول ويلزمها تجديد الوضوء، وإن كان الانقطاع في الصلاة فالمذهب المنصوص أنه تبطل صلاتها، وفيه قول مخرج من التيمم أنه إذا رأى الماء في صلاته لا تبطل صلاته، وقد مضى الفرق فيما تقدم، وإن كان لها عادة بانقطاعه، مثل أن تستمر عادتها أنه تنقطع ساعة وتسيل ساعة، والقدر الذي تنقطع فيه لا يتتبع الطهارة والصلاة، فلا يقدح ذلك في الطهارة ولها الدخول في الصلاة، وإن انقطع انقطاعًا بينًا يمكنها تجديد الطهارة فعليها أن تتوضأ وتصلي، وصار هذا الانقطاع بمنزلة الانقطاع المثل للبرد وزوال العلة، فإن توضأت ودخلت في الصلاة فعاد الدم بطلت الطهارة قولًا واحدًا كابتداء الاستحاضة، ولكنه حدث عليها الصلاة فتخرج وتتوضأ وهل تبنى على... [331 أ/1] تستأنف قولان كمن سبقت الحيض سواء.
وفرع ابن سريج عن الفصل الأول.
وقال: إذا انقطع دمها بعد الوضوء والدخول في الصلاة، وقلنا لها: لا تْدخلي في الصلاة مثل الوضوء ثم عاد الدم قرب فيه وجهان.
أحدهما: صحت الصلاة لأن هذا الانقطاع هو كل انقطاع على ما ظهر.
والثاني: وهو المذهب الصحيح أن صلاتها باطلة، لأنها دخلت فيها معتقدة أنها محدثة، فلم تنعقد، وإن بان أنها متطهرة اعتقد انقضاء المدة في مسح الخفين يدخل في الصلاة، ثم بان بقاء المدة لم تصح صلاته كذلك ها هنا.

فرع آخر لو كان انقطاعها عادة، وقلنا: يجوز الدخول في الصلاة فدخلت فإن عاد الدم قريبًا صحت صلاتها واتصل الانقطاع بطلت صلاتها وجهًا واحدًا لأنها علمت الخطأ في تقدمها أن الانقطاع غير تام.
وذكر أبو حامد عن ابن سريج فيه وجهين كما في ابتداء الانقطاع غلط ظاهر.

فرع آخر لو كان الانقطاع في أثناء الصلاة وكان قدراً......... الصلاة أيضًا.

..............

جارٍ التحميل