بحر المذهب للرويانيصفحات 372-411

والثاني: يمنعون في جميع المصر أن يتطاولوا بالاستعلاء علي أهل المصر.
وإن كان مجاورهم في موضعهم من أهل دينهم جاز لهم أن يتطاولوا فيه بأبنيتهم، فيعلو بعضهم علي بعض كما يعلو بعض المسلمين علي بعض، وهل يمنع جميعهم أن يعلو بأبنيتهم علي أبنية من لا يجاورهم من المسلمين في المصر أو لا؟ علي الوجهين المتقدمين.
وإن كان مجاورهم في موضعهم أهل ذمة علي غير دينهم كاليهود مع النصارى، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز أن يتعالي بعضهم علي بعض في الأبنية، لأن جمعيهم أهل ذمة.
والثاني: يمنع بعضهم على بعض إذا استعدونا، ولا يمنعون من المساواة، لأن علينا أن نمنع كل صنف منهم مما نمنع به أنفسنا.
وأما القسم الثاني: من مساكنهم أن تكون قديمة الأبنية، إما لأنهم سكنوها قبل صلحهم، أو لأنهم اشتروها من مسلم بعد الصلح، فيجوز إقرارهم عليها، وإن استعلوا بها علي المسلمين، كما نقرهم علي ما تقدم من البيع والكنائس، وإن منعوا من استحداثها، لكنهم يمنعون من الإشراف على المسلمين، وأن لا يعلوا على سطوحها إلا بعد تحجيرها، وإن لم يؤمر المسلم بتحجير سطحه من جاره، ويمنع من صبيانهم م الإسراف، وإن لن يمنع صبيان المسلمين من الإشراف، فيصيروا مأخوذين من المنع من إشرافهم علي المسلمين كما يؤخذ المسلم بالمنع من إشرافه علي جاره المسلم، ويؤمر بالتحجير، وإن لم يؤمر به المسلم، لأن المسلم مأمون وهم غير مأمونين.
وأما القسم الثالث: وهو أن يعيدوا أبنية مساكنهم بعد استهدامها، ففيها وجهان: أحدهما: أنهم يصيرون كالمستأنفين لبنائها، فيمنعوا من الاستعلاء بها علي المسلمين، وإن كانت عالية قبل هدمها وهذا علي الوجه الذي يمنعون من إعادة بيعهم وكنائسهم إذا استهدمت.
والثاني: أنهم لا يمنعون من إعادتها بعد الهدم إلي ما كانت عليه قبل الهدم من العلو الطائل، وهذا علي الوجه الذي تقول فيه أنهم لا يمنعون من إعادة بيعهم وكنائسهم إذا استهدمت.
فأما إذا أرادوا أن يرتفقوا في أبنيتهم بإخراج الرواشين والأجنحة إلي طرق السابلة ففيها وجهان: أحدهما لا يمنعون ارتفاقهم بها كالمسلمين، لاشتراكهم في استطراقها.
والثاني: يمنعون منها، وإن لم يمنع منها المسلمون، لأنها طرق المسلمين دونهم كما يمنعون من إحياء الموات الذي لا يمنع منه المسلم، وهكذا القول في آثار حشوشهم

إذا أرادوا حفرها في أفنية دورهم كان علي هذين الوجهين.
مسألة: قال الشافعي: "وأن يقروا بين هيئتهم في الملبس والمركب وبين هيئات المسلمين وأن يعقدوا الزنانير علي أوساطهم".
قال في الحاوي: أما الفرق بين أهل الذمة والمسلمين في هيئات الملبس والمركب، فيؤخذون به في عقد ذمتهم مشروطا عليهم، ليتميزوا به، فيعرفوا، ولا يتشبهوا بالمسلمين، فيخفوا، لما بينهم وبين المسلمين، من افتراق الأحكام.
والفرق بينهم وبين المسلمين في الهيئات معتبر من ثلاثة أوجه: أحدهما: في ملابسهم.
والثاني: في أبدانهم.
والثالث: في مواكبهم.
فأما المعتبر في ملابسهم فالاختيار أن يجمع فيه بين أمرين: أحدهما: لبس الغيار.
والثاني: شد الزنار.
فأما الغيار: فهو أن يغيروا لون ثوب واحد من ملابسهم ولا يلبس المسلمون مثل لونه، إما في عمائهم، وإما في قمصهم، ويكونوا فيما سواه مثل ملابس المسلمين، ويفرق بين غيار اليهود والنصارى، ليتميزوا، وعادة اليهود أن يكون غيارهم العسلي، وهو المائل إلي الصفرة كالعسل، وربما غيروا بنوع من الأزرق يخالف معهود الأزرق، وغيار النصارى أن يكون غيارهم الأدكن، وهو نوع من الفاختي، وربما غيروا بنوع من الصوف وليست هذه الألوان شرطا لا يتجاوز إنما الاعتبار بلون متميز فإذا صار مألوفا منعوا من العدول عنه وإلي غيره، لئلا يقع الاشتباه والإشكال، فإن تشابه اليهود والنصارى في لون الغيار جاز، وإن كان تميزهم فيه أولي.
وأما الزنار فهو كالخيط المستغلظ يشدونه في أوساطهم فوق ثيابهم، وأرديتهم، ويمنعوا أن يستبدلوا بشد المناطق والمنديل، لأن المنطقة من لبس المتخصصين بالرتب من المسلمين، والمناديل في الأوساط من لبس ذوى الصنائع من المسلمين، فلم يتميز بها أهل الذمة، وجميع الألوان من الزنانير سواء بخلاف الغيار، لأن أصل الزنار كالغيار.
فإن شرط علي أهل الذمة أحد الأمرين في غيار أو زنار جاز، لأنهم يتميزون به، وإن شرط عليهم الجمع بين الغيار والزنار أخذوا بهما معا، لأنه أبلغ في التميز من أحدهما.

فأما نساء أهل الذمة، فيؤخذون بلبس الغيار في الخمار الظاهر الذي يشاهد، ويلبسوا خفين من لونين أحدهما: أسود، والآخر: أحمر أو أبيض، ليتميز نسائهم عن نساء المسلمين، ويؤخذوا بشد الزنار دون الخمار، لئلا تصفها بثيابها بعد أن يكون ظاهرا، فإن اقتصر النساء علي التميز بأحدهما جاز، وإن كان الجمع بين الثلاثة أولي، فإن لبس أهل الذمة العمائم والطيالسة، لم يمنعوا.
وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: يمنعون من لبس العمائم والطيالسة، لأنها من أجمل ملابس المسلمين، وهذا ليس بصحيح، لأن المقصود تميزهم عن المسلمين، فإذا تميزوا بالغيار والزنار جاز أن يساووهم في صفات ملابسهم كما يساووهم في أنواع مأكلهم.
وأما لبس فاخر الديباج والحرير، فلا يمنعون منه في منازلهم، وفي منعهم منه ظاهرا وجهان: أحدهما: يمنعون منه لما فيه من التطاول به علي المسلمين.
والثاني: لا يمنعون منه كما لا يمنعون من فاخر الثياب القطن والكتان، لأنهم يصيرون متميزين بلبسه من المسلمين، لتحريم لبسه عليهم.
فصل: وأما الفرق المعتبر في أبدانهم، فمن وجهين: أحدهما: في شعورهم.
والثاني: في أجسادهم.
فأما الشعور فيميزون فيها من وجهين: أحدهما: أن ينحذفوا في مقدم رؤوسهم عراضا تخالف شوابير الأشراف.
والثاني: لا يفرقوا شعورهم في رؤوسهم، ويرسلونها ذوائب، لأن هذا من المباهاة بين المسلمين.
وأما في أجسادهم، فهو أن تطبع خواتيم الرصاص مشدودة، في أيديهم أو رقابهم، وهو أولي، لأنه أزل، وإنما أخذوا بالتميز في أبدانهم في هذين الوجهين، لأمرين: أحدهما: عند دخول الحمامات، فإذا تجردوا فيها من ثيابهم، وقد اختير أن يدخلوها وفي أيديهم جلجل.
والثاني: لأنهم ربما وجدوا موتي، ليعرفوا، فيدفعوا إلي أهل دينهم، فيدفنوهم في مقابرهم ولا يتشبهوا بالمسلمين، فيصلوا عليهم، ويدفنوهم في مقابرهم، ولا يجوز أن يميزوا بميسم ولا وسم، لأنه مؤلم وغير مأثور، فإن اقتصروا علي أحد الأمرين في أبدانهم إما بالشعور أو بخواتيم الرصاص المطبوعة جاز، لوقوع التمييز به، إن كان

الجمع بينهما أولي، لأنه أظهر.
فأما النساء فلا يعرض لتحذيف شعورهن، ويمنعوا من الفرق والذوائب في الحمامات دون منازلهم، وهن في طابع خواتيم الرصاص إذا خرجن كالرجال.
فصل: فأما الفرق المعتبر في مراكبهم فمن وجهين: أحدهما: في جنس المركوب.
والثاني: في صفة المركوب.
فأما جنس المركوب، فيركبون البغال والحمير، ويمنعون من ركوب الخيل.
عتاقا، وهجانا، لقول الله تعالي: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].
فأخبر بإعدادها لأوليائه في جهاد أعدائه.
وروى عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلي يوم القيامة" يعني بالخير الغنيمة، وهم المغنومون، فلم يجز أن يصيروا بها غانمين.
وروى أنه قال: "الخيل ظهورها عز وبطونها كنز".
وأما صفة المركوب، فيختار أن يركبوا علي الأكف، عرضا لرواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كتب إلي أمراء الأجناد يأمرهم أن يختتموا في رقاب أهل الذمة بالرصاص، وأن يظهروا مناطقهم، ويجزوا ونواصيهم، ويركبوا الأكف عرضا، ولا يتشبهوا بالمسلمين في لبوسهم.
فأما الختم بالرصاص في رقابهم، فقد ذكرنا،، أما إظهار مناطقهم، فهو شد الزنار في أوساطهم فوق ثيابهم،، أما جز نواصيهم فهو ما ذكرنا من تحذيفهم في مقدم رؤوسهم.
وأما ركوب الأكف عرضا فهو أن تكون رجلا الراكب إلي جانب، وظهره إلي جانب، فإن تجاوز الأكف إلي ضده بحمل الأثقال إلي السروج بما تميز من سروج المسلمين، وكانت ركبهم فيها خشبا، ولم تكن حديدا، ويمنعون من تختم الفضة والذهب لما فيها من التطاول والمباهاة، ولو وسمت بغالهم من تختم الفضة والذهب لما فيها من التطاول والمباهاة، ولو سمت بغالهم بما يتميز به عما للمسلمين كان أولي.
مسألة: قال الشافعي: "ولا يدخلوا مسجدا".
قال في الحاوي: وهذا معتبر بعقد الذمة معهم، فإن شرط فيه أن لا يدخلوا مسجد المسلمين منعوا من دخوله بحكم الشرط، وإن أغفل شرطه عليهم منعوا من دخوله لأكل

ومنام، لما فيه من استبدالهم له، وإن لم يمنع منه المسلم، لأن المسلم يعتقد تعظيمه دينا، والمشرك يري استبداله دينا.
وأما دخولها لغير ذلك من سماع القرآن، وما يعرض فيه من حاجة إلي مسلم، فيجوز بإذن ويمنعون منه بغير إذن.
قال الله تعالي: ﴿وإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] فدلت هذه الآية علي إباحة الدخول بعد الإذن.
فإن قدمت وفود المشركين، فالأولي أن ينزلهم الإمام في غير المساجد، فإن أراد إنزالهم في المساجد اعتبرت حالهم.
فإن خيف منهم تنجيس المسجد منعوا من نزوله، وإن أمن منهم تنجيسه نظر فيه، إن لم يرج إسلامهم منعوا من نزوله صيانة له من الاستبدال، وإن رجي إسلامهم عند سماع القرآن جاز إنزالهم فيه.
قد أنزل رسول الله صلي الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد، فكان سببا لإسلامهم، وإسلام قومهم.
ولو دعت الضرورة فيمن لم يرج إسلامهم إلي إنزالهم في المسجد لتعذر ما ينزلون فيه، مستكنين فيه من حر أو برد جاز لأجل الضرورة أن ينزلوا، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنزل سبي بني قريظة وبني النضير من ضرورة حتى أمر بهم، فبيعوا وربط ثمامة بن أثال الحنفي إلي سارية في مسجده.
فأما من يصح منه الإذن ن فلا يخلو أن يكون لمقام أو اجتياز، فإن كان لمقام أكثر من ثلاثة أيام تزيد علي مقام السفر لم يصح الإذن فيه إلا من سلطان ينفذ أمره في الدين أو يجمع عليه أهل تلك الناحية من المسلمين، ويكون الإذن مشروطا أن لا يستضر به أحد من المصلين.
وإن كان دخوله لاجتياز أو لبث يسير نظر في المسجد.
فإن كان في الجوامع التي لا يترتب الأئمة فيها إلا بإذن السلطان لم يصح الإذن في دخوله إلا من سلطان لأنه لما اعتبر إذنه في إمامة الصلاة المفروضة، كان أولي أن يعتبر فيما أبيح من دخول أهل الذمة.
وإن كان المسجد من مساجد القبائل والعشائر التي يترتب فيها أئمتها بغير إذن السلطان لم يعتبر إذن السلطان في دخوله.
وفيمن يصح إذنه وجهان: أحدهما: كل من صح أمانه لمشرك من رجل وامرأة، وحر وعبد، صح إذنه في المسجد، لأن حكم الأمان أغلظ.
والثاني: أنه لا يصح إلا إذن من كان من أهل الجهاد من الرجال الأحرار، لما

تعلق بهم حق الله تعالي، والأول أظهر.
فصل: فأما تعليمهم القرآن، فيجوز به إذا رجي به إسلامهم، ولا يجوز إذا خيف به الاستهزاء به.
قد سمع عمر بن الخطاب أخته تقرأ سورة "طه" فأسلم.
وقال جبير بن مطعم: إذا سمعت القرآن كاد أن ينقطع قلبي.
وهكذا القول في تعلم الفقه والكلام، وإخبار الرسول إن رجي به إسلامهم لم يمنعوا منه، وإن خيف اعتراضهم وجرحهم فيه منعوا منه، ولا يمنعون من تعليم الشعر والنحو، ومنعهم بعض الفقهاء من تعلمه، لأنه في استقامة ألسنتهم به تطاولا علي من قصر فيه من المسلمين، وأنهم ربما استعانوا به في الاعتراض علي القرآن.
وهذا فاسد، لأنه ليس من حلوم الدين وأشبه علم الطب والحساب، ولأن الله تعالي قد صان كتابه عن قدم بدليل، واعتراض بحجة.
مسألة: قال الشافعي: "ولا يسقوا مسلمًا خمرًا ولا يطعموه خنزيراً".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، ولهم في ذلك ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يكرهوا المسلمين علي شرب الخمر، وأكل الخنزير، فإن التبعة فيه عليهم لا علي المسلم، فيعزروا سواء شرط عليهم في عهدهم أو لم يشرط، ولا ينتقض به العهد إن لم يشترط، وفي انتقاضه به إن شرط وجهان.
والحال الثانية: أن يغلبهم المسلم عليه كرها، فيشرب خمرهم، ويأكل خنزيرهم، فيقام علي المسلم حد الخمر، ويعزر لأكل الخنزير، ويعزر في حق أهل الذمة، لتعديه عليهم، ولا قيمة عليه، فيما شربه من الخمر وأكله من الخنزير.
والحالة الثالثة: أن يعرضوه علي المسلم من غير إكراه ويقبله المسلم منهم من غير تغليب، فيقام علي المسلم حد الخمر في حق الله تعالي، ولا يعزر في حقهم، ويعزر الذمي، إن كان ذلك مشروطا في عهدهم، ولا يعزر إن لم يشترط، وهكذا لو ابتدأ المسلم بطلبه، فأجابوه إلا أن تعزيزهم في الابتداء بعرضه أغلظ من تعزيزهم في إجابتهم، وإن استوت الحالات في حد المسلم وتعزيزه.

مسألة: قال الشافعي: "فإن كانوا في قرية يملكونها منفردين لم نتعرض لهم في خمرهم وخنازيرهم ورفع بنيانهم وإن كان لهم بمصر المسلمين كنيسة أو بناء طائل لبناء المسلمين لم يكن للمسلمين هدم ذلك وتركوا علي ما وجدوا ومنعوا إحداث مثله وهذا إن كان المصر للمسلمين أحيوه أو فتحوه عنوة وشرط هذا علي أهل الذمة وإن كانوا فتحوا بلادهم علي صلح منهم علي تركهم ذلك خلوا وإياه ولا يجوز أن يصالحوا علي أن ينزلوا بلاد الإسلام يحدثوا فيه ذلك".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وقد ذكرناه من قبل أن تفردوا بملكه وسكناه من القرى والبلاد لم يتعرض عليهم في إظهار خمورهم وخنازيرهم فيه، وضرب نواقيسهم، وابتناء بيعهم وكنائسهم، وتعلية منازلهم، وترك الغيار والزنار ولأنها زادهم، فأشبهت دواخل منازلهم.
فأما ركوبهم الخيل فيها فيحتمل وجهين: أحدهما: لا يمنعون من ركوبها كما لم يمنعوا مما سواها.
والثاني: يمنعون من ركوبها، لأنها ربما صارت قوة لهم تدعوهم إلي نقض العهد، فخالفت بذلك ما سواها، ثم ذكر الشافعي بعد هذا من حكمهم في بلاد الإسلام التي فتحت عنوة وصلحا ما قد مضي شرحه.
مسألة: قال الشافعي "ويكتب الإمام أسماءهم وحلاهم في ديوان ويعرف عليهم عرفاء لا يبلغ مولود، ولا يدخل فيهم أحد من غيرهم إلا رفعه إليه".
قال في الحاوي: وهو كما قال، لأن عقد الذمة موضوع للتأبيد، فاحتاج إلي ديوان يفرد له، وقد ديوان الجوالي، لأنهم أجلوا عن الحجاز، فسموا جوالي، وهذا الديوان موضوع فيهم لثلاثة أشياء: أحدهما: أن يذكر فيه عقد ذمتهم، ومبلغ ما صولحوا عليه من قدر جزيتهم، وما شرط عليهم من الأحكام، ليحملوا عليها فيما عليهم، ولهم ممن تولاه من الأئمة، وذكر الإمام احتياط، وليس بواجب.
والثاني: أن يكتب فيه اسم كل واحد منهم، ويرفع في نسبه وفبيلته، وصناعته حتى يتميز عن غيره، ويذكر حلية بدنه التي لا تتغير بالكبر كالطول والقصر، والبياض والسمرة، والسواد، وحليه الوجه، والأعضاء، ليتميز إن وافق اسم اسما، ويذكر فيه الذكور من أولادهم دون الإناث، لاعتبار الجزية ببلوغ الذكور دون الإناث، وإن لأحدهم مولود

أثبته، وإن مات منهم ميت أسقطه.
والثالث: أن يثبت فيه ما أدوه الجزية، ليعلم به ما بقي وما استوفي، ويكتب لهم بالأداء براءة يكتب اسم المؤدي، ونسبه، وحليته، ليكون حجة له تمنع من مطالبته، ويختار أن يكون حول الجزية معتبرا بالمحرم، لأنه أول السنة العربية، وتعبر فيه السنة الهلالية كما تعتبر في الزكاة.
فصل: وإذا تقرر ما وصفنا من حكم ديوانهم عرف الإمام عليهم العرفاء وضم إلي كل عريف قوما معينين أثبت معهم اسم عريفهم في الديوان ويكونوا عددا يضبطهم العريف الواحد فيما ندب له.
والعريف مندوب لثلاثة أشياء: أحدهما: أن يعرف حال من ولد فيهم، فيثبته، وحال من مات منهم، فيسقطه، ومن قدم عليهم من غريب، ومن مسافر عنهم، ومقيم، ويثبت جميع ذلك في ديوانهم.
ولا يجوز أن يكون من قام بهذا من الوفاء إلا مسلما يقبل خبره.
وجوز أبو حنيفة أن يكون ذميا بناء علي أصله في قبول شهادة بعضهم لبعض.
والثاني: أن يعرف حال من دخل في جزيتهم، ومن خرج منها فيثبته، والداخل فيها: الصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق، والعبد إذا عتق والخارج منها: من مات أو جن بعد إفاقته، أو افتقر بعد غناه علي أحد القولين، وكذلك من عمى او زمن، ويعرف حال من نقض عهده، ولا يجوز أن يكون من قام بهذا من العرفاء إلا مسلم.
والثالث: أن يحضرهم إذا أريدوا لأداء الجزيرة، ولاستيفاء حق عليهم، وليشكوا إليه، ما ينهيه عنهم إلي الإمام من حق لهم يستوفونه، أو من تعدي مسلم عليهم يكف عنهم، ويجوز أن يكون من قام بهذا من العرفاء ذميا منهم، لأنها نيابة عنهم، لا يعمل فيها علي خبره.
مسألة: قال الشافعي: "وإذا أشكل عليه صلحهم بعث في كل بلاد فجمع البالغون منهم ثم يسألون عن صلحهم فمن أقر بأقل الجزية قبل منه ومن أقر بزيادة لم يلزمه غيرها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا عقد الإمام معهم الذمة علي جزية وشروط يجوز مثلها، وجب علي من بعده من الأئمة إمضاء عهده، وأجري أهل الذمة فيه علي شرطه، لأن عقد الذمة مؤبد.
فإن كان في عقده ما يمنع من الشرع، وهو أن يصالحهم علي أقل من دينار، أو

يشترط لهم شروطا يمنع الشرع منها أبطل الإمام بعده ذلك، واستأنف الصلح معهم علي ما يجوز في الشرع، فإن أجابوا إليه غير في الديوان ما تقدم من الصلح الفاسد، وأثبت فيه ما استأنفه من الصلح الجائز.
إن امتنعوا من إجابتهم إليه نقص عهدهم، وبلغهم منهم، وعادوا حرما.
فصل: فإذا تقرر هذا، وتطاول الزمان، وأشكل علي إمام الوقت قدر جزيتهم، فإن استفاضت بها الأخبار، وانتشر ذكرها في الأمصار، عمل فيها علي الخبر المستفيض.
وإن لم يعرف استفاضتها رجع إلي شهادة العدول من المسلمين، فإذا شهد منهم عدلان بمقدار من الجزية يجوز أن يصالحوا علي مثله حكم بشهادتهم، وإن لم يشهد به عدلان، وكان في ديوانهم الموضوع بجزيتهم قدر جزيتهم، وشروطهم صلحهم، فإن ارتاب به ولم يقع في النفس صحته، لخطوط مشتبهة، لم يجز أن يعمل عليه.
وإن انتفت عنه الريبة، وكان تحت ختم أمناء الكتاب، ففي جواز العمل عليه وجهان: أحدهما: لا يجوز العمل عليه في حقوق بيت المال، كما لا يجوز أن يعمل عليه القضاة والحكام، وعلي هذا لو ادعي ذمي دفع جزيته ببراءة أحضرها لم يبرأ بها.
والثاني: يجوز أن يعمل عليه في حقوق بيت المال اعتبارا بعرف الأئمة فيه، لأن الديوان موضوع له، وكما يجوز في رواية الحديث أن يعمل الراوي علي خطه إذا تحققه، وخالف ما عليه القضاة والحكام من العمل بما دواوينهم من وجهين: أحدهما: أن حقوق بيت المال عامة، فكان حكمها أوسع، وأحكام القضاة خاصة، فكان حكمها أضيق.
والثاني: أن حقوق بيت المال لا يتعين مستحقها، وبتعذر من يتولي الإشهاد فيها، وحقوق الخصوم عند القضاة، يتعين مستحقها، ولا يتعذر عليه أن يتولي الإشهاد فيها.
وعلي هذا لو ادعي ذمي جزيته ببراءة أحضرها تقع في النفس صحتها برئ منها.
فصل: فإن لم يجد الإمام ما يعمل عليه من جزيتهم من خبر مستفيض، ولا شهادة خاصة، ولا ديوان موثوق، بصحته أو وجده، وقلنا: إنه لا يجوز أن يعمل به، فعليه أن يجمع أهل الذمة من جميع الأمصار، ويسألهم عن قدر جزيتهم، والأولي أن يسألهم أفرادا غير مجتمعين، فإذا اعترفوا بقدر يجوز أن تكون جزية لم يقبل منهم، وكان معهم (على) ما

مضى، لو صولحوا على ما لا يجوز.
وإن اعترفوا بقدر يجوز أن يكون جزية قبله منهمـ ولهم فيه حالتان: إحداهما: أن يتفقوا جميعًا على القدر، فيعمل عليه مع جميعه بعد إحلافهم عليه، واليمين واحدة.
والثانية: أن يختلفوا فيها، فيقر بعضهم بدينار، ويقر بعضهم بأكثر، فيلزم كل واحد منهم ما أقر به، ولا تقبل شهادة بعضهم على بعض، وإن جوزه أبو حنيفة.
ويكتب الإمام في ديوان الجزية أنه رجع إلى قولهم حين أشكل عليهم صلحهم، فاعترفوا بكذا وكذا.
وإن اختلفوا أثبت أسماء المختلفين، وما لزم كل واحد بإقراره، وأنه أمضاه بعد إحلافه؛ لجواز أن تتجدد بينة عادلة، يخالفها، فيحكم بها، وإن قامت بينة بأكثرها أقروا به عمل عليها، واستوفى ما لم يأخذه من الزيادة، وعاد إلى ديوانه، فأثبت ما قامت به البينة، بعدما أخذ من الإقرار، وصار ذلك حكمًا مؤبدًا، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "وليس للإمام أن يصالح أحدا منهم على أن يسكن الحجاز بحال ولا يبين أن يحرم أن يمر بالحجاز مارا لا يقيم بها أكثر من ثلاث ليال وذلك مقام مسافر، لاحتمال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلائهم عنها أن لا يسكنوها ولا بأس أن يدخلها الرسل لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾] التوبة: 6] الآية ولولا أن عمر رضي الله عنه أجل من قدم المدينة منهم تاجرا ثلاثة أيام لا يقيم فيها بعد ثلاث لرأيت أن لا يصالحوا على أن لا يدخلوها بحال ولا يتركوا يدخلونها إلا بصلح كما كان عمر رضي الله عنه يأخذ من أموالهم إذا دخلوا المدينة".
قال في الحاوي: اعلم أن بلاد الإسلام ثلاثة أقسام: حرم، وحجاز، وما عداهما فأما الحرم، فهو أشرفها، لما خصه الله تعالى من بيته الحرام الذي علق عليه الصلاة والحج، وشرفه بهاتين العبادتين ما ميزه من سائر البلاد بحكمين: أحدهما: أن لا يدخله قادم إلا محرم بحج أو عمرة.
والثاني: تحريم صيده أن يصاد، وشجره أن يعضد.
ولما كانت له هذه الحرمة، فلا يجوز أن يدخله مشرك من كتابي، ولا وثني لمقام، ولا اجتياز.
وقال أبو حنيفة: يجوز دخولهم إليه للتجارة وحمل الميرة من غير استيطان ويمنعون

من الطواف بالبيت احتجاجًا بأن شرف البقاع لا يمنع منه المشرك وقال جابر بن عبد الله، وقتادة: يجوز أن يقيم فيه الذمي دون الوثني، والعبد المشرك إذا كان ملكًا لمسلم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أخذ الجزية من نصراني بمكة يقال له موهب" ولا تؤخذ الجزية إلا من مستوطن، وهذا خطأ، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾] التوبة: 28] وفي قوله ﴿نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28] ثلاثة تأويلات: أحدهما: أنهم أنجاس الأبدان، وكنجاسة الكلب والخنزير، وهذا قول عمر بن عبد العزيز والحسن البصري، حتى أوجب الحسن البصري الوضوء على من ضاجعهم.
والثاني: أنه سماهم أنجاسًا لأنهم يجنبون، فلا يغتسلون، فصاروا لوجوب الغسل عليهم كالأنجاس/ وإن لم يكونوا أنجاسًا، وهذا قول قتادة.
والثالث: أنه لما كان علينا أن نجتنبهم كالأنجاس صاروا بالاجتناب في حكم الأنجاس، وهذا قول جمهور أهل العلم.
وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾] التوبة: 28] يريد به الحرم، فعبر عنه بالمسجد، لحلوه فيه، كما قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾] الإسراء: 71] يريد به مكة، لأنه أسرى به من منزل أم هانئ وهكذا كل موضع ذكر الله تعالى، فقال الله المسجد الحرام، فإنما أراد به الحرم إلا في قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾] البقرة: 144] يريد به الكعبة.
وإذا كان كذلك، وقد منع أن يقربه مشرك، وجب أن يكون المنع محمولًا على عمومه في الدخول والاستيطان.
وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ ﴿إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا﴾] البقرة: 126] يعني مكة، وحرمها ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾] البقرة: 126] يعني مكة، وهو قبل فتحها، فدل على تحريمها على الكافر بعد فتحها.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا لا يحجبن بعد هذا العام مشرك" وهذا محمول على القصد، فكان على عمومه، ولأنه لما اختص الحرم بما شرفه الله تعالى فيه على سائر البقاع تعظيمًا لحرمته، كان أولى أن يصان ممن عانده، وطاعته، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر فضائل الأعمال في البقاع، فضله على غيره، فقال: "صلاة في مسجدي بألف صلاة وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في مسجدي هذا".
وهذا التفضيل

يوجب فضل العبادة.
فأما الجواب عن أخذ الجزية من موهب النصراني بمكة، فهو أنه قبل نزول هذه الآية، لأنها نزلت سنة تسع.
وأما الجواب عن دخول المساجد، فهو أن حرمة الحرم أعظم، لتقدم تحريمه، ولوجوب الإحرام في دخوله، وللمنع من قتل صيده.
وأما الجواب عن المسلم الجنب، فهو أنه لما لم يمنع الجنب والحائض من الاستيطان لم يمنع من الدخول والمشرك ممنوع من الاستيطان فمنع من الدخول.
فإذا تقرر أنه لا يجوز أن يدخل الحرم مشرك، وورد المشرك رسولًا إلى الإمام وهو في الحرم، خرج الإمام إليه، ولم يأذن له في الدخول، فلو دخل مشرك إلى الحرم لم يقتل، وعزر إن علم بالتحريم، ولم يعزر إن جهل، وأخرج، فإن مات في الحرم لم يدفن فيه، فلو دفن فيه نبش، ونقل إلى الحل إلا أن يكون قد بلي، فيترك كسائر الأموات في الجاهلية.
ولو أراد مشرك أن يدخل الحرم، ليسلم به منع من دخوله، حتى يسلم، ثم يدخله بعد إسلامه، فلو صالح الإمام مشركًا على دخول الحرم بمال بذله كان الصلح باطلًا، ويمنع المشرك من الدخول، فإن دخل إليه أخرج منه، ولزمه المال الذي بذله، مع فساد الصلح، لحصول ما أراد من الدخول، واستحق عليه ما سماه دون أجرة المثل، وإن فسد، لأنه لا أجرة لمثله لتحريمه.
وحد الحرم من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت نفار على ثلاثة أميال.
ومن طريق العراق على بنية خل بالمقطع على سبعة أميال.
ومن طريق الجعرانة من شعب آل عبد الله بن خالد على سعة أميال.
ومن طريق الطائف على عرفة من بطن نمرة على سبعة أميال.
ومن طريق جدة منقطع الأعشاش على عشرة أميال.
فصل: وأما الحجاز فلا يجوز أن يستوطنه مشرك، من كتابي ولا وثني، وجوزه أبو حنيفة كسائر الأمصار احتجاجًا بإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم إلى أن قبضه الله تعالى إليه، ولأن كل أرض حل صيدها حل لهم استيطانها كغير الحجاز.
ودليلنا: ما رواه عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان آخر ما عهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان" وهذا نص.

ولما قبضه الله تعالى قبل عمله به لم يسقط قوله، وتشاغل أبو بكر في أيامه مع قصرها بأهل الردة، ومانعي الزكاة، وتطاولت الأيام بعمر رضي الله عنه وتكاملت له جزيرة العرب، وفتح ما جاورها، نفذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فاجتمع رأيه، ورأي الصحابة، رضي الله عنهم على إجلائهم وكان فيهم تجار وأطباء وصناع، يحتاج المسلمون إليهم فضرب لمن قدم منهم تاجرًا، وصانعًا مقام ثلاثة أيام ينادى فيهم، بعدها أخرجوا، وهنا إجماع بعد نص لا يجوز خلافهما، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ليهود خيبر حين ساقاهم على نخلها: "أقركم ما أقركم الله" فدل على أن مقامهم غير مستدام، وأن لحظره فيهم حكمًا مستجدًا.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لئن عشت إلى قابل لأنفين اليهود من جزيرة العرب فمات قبل نفيهم" ولأن الحجاز لما اختص بحرم الله تعالى، ومبعث رسالته ومستقر دينه، ومهاجرة رسوله صلى الله عليه وسلم صارف أشرف من غيره، فكانت حرمته أغلظ، فجاز أن يصان عن أهل الشرك كالحرم.
فإذا ثبت حظر استيطان أهل الذمة للحجاز، فيجوز أن يدخلوه دخول المسافرين لا يقيموا من موضع منه أكثر من ثلاثة أيام، لأن عمر حين أجلاهم ضرب لمن قدم منهم تاجرًا أو صانعًا مقام ثلاثة أيام، فكان هذا القدر مستثنى من الحظر، استدل به على أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" محمول على الاستيطان دون الاجتياز؛ ولأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾] التوبة: 6] ويكفيه أن يهتدي سماع كلام الله تعالى في مدة ثلاث؛ ولأنه لما انخفضت حرمة الحجاز عن الحرم، وفضلت على غيره أبيح لهم من مقام ما لم يستبيحوه في الحرم، وحرم عليهم من استيطان الحجاز ما استباحوه في غيره، فإذا كان كذلك اختصت الإباحة بمقام المسافر، وهو ثلاثة أيام لا يتجاوزونها.
ويمنعون من دخول الحجاز، وإن كانوا أهل ذمة إلا بإذن الإمام، لأن مقصوده التصرف دون الأمان.
فلو أذن لهم واحد من المسلمين لم يجز أن يدخلوا بإذنه، وإن كان لو أذن لحربي جاز أن يدخل دار الإسلام بإذنه.
والفرق بينهما: أن المقصود بإذنه للحربي أمانه، وأمان الواحد من المسلمين يجوز، والمقصود بإذنه للذمي في دخول الحجاز التصرف المقصور على إذن الإمام فلو دخل ذمي بغير إذن غزر وأخرج ولا يغنم ماله؛ لأن له بالذمة أمانًا ولو دخل

حربي بلاد الإسلام بغير إذن غنم ماله، لأنه لا أمان له، ويجوز إذا أقاموا ببلد من الحجاز ثلاثًا أن ينتقلوا إلى غيره، فيقيموا فيه ثلاثًا، ثم كذلك في بلد بعد بلد، فإن لم يقض حاجته في الثلاث، واحتاج إلى زيادة مقام؟ لاقتضاء الديون منح، وقيل له: وكل من يقبضها لك، ولو مرض، ولم يقدر على النهوض مكن من المقام، لأنها حال ضرورة حتى يبرأ، فيخرج بخلاف الدين الذي يقدر على قبضه؛ فإن مات في الحجاز لم يدفن فيه، لأن الدفن مقام تأبيد إلا أن يتعذر إخراجه، ويتغير إن استبقى من غير دفن فيدفن في الحجاز للضرورة كما يقيم فيه مريضًا.
فأما الحجاز، فهو بعض جزيرة العرب، ولأن كل قول لرسول الله صلى الله عليه وسلم متوجه إلى جزيرة العرب مختلف فيه، فهي في قول الأصمعي من أقصى عدن إلى أقصى ريف العراق في الطول، ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام في العرض.
وقال أبو عبيدة: جزيرة العرب في الطول ما بين جعفر أبي موسى إلى أقصى اليمن، وفي العرض ما بين رمل إلى بيرين إلى منقطع السماوة، وفي جزيرة العرب أرض نجد وتهامة، مختلف فيه، فقال الأصمعي: إذا خلفت عجاز مصعدًا، فقد أنجدت، فلا تزال منجدًا حتى تنحدر في ثنايا ذات عرق، فإذا فعلت فقد أتهمت، ولا تزال متهمًا في ثنايا العرج حتى يستقبلك الأراك والمدارج.
وقال غيره: جبل السراة في جزيرة العرب وهو أعظم جبالها يقبل من ثغرة اليمن حتى ينتهي إلى وادي الشام فما دون هذا الجبل في غرسية من أسياف البحر إلى ذات عرق، والجحفة هو تهامة، وما دون هذا الجبل في شرقي ما بين أطراف العراق إلى السماوة، فهو نجد.
وأما الحجاز فهو حاجز بين تهامة ونجد، وهو منهما، وحده مختلف فيه، فقال قوم: هوا ما احتجز بالجبل في شرقيه وغربيه عن بلاد مذحج إلى فيد.
وقال آخرون: هو اثنا عشرة دارًا للعرب.
فالحد الأول: بطن مكة، وأعلا رملة، وظهره وحرة ليلى.
والحد الثاني: يلي الشام شفى وبدا، وهما جبلان.
والحد الثالث: يلي تهامة بدر، والسقيا، ورهاط، وعكاظ.
والحد الرابع: ساكة وودان.
واختلف في تسميته بالحجاز، فقال الأصمعي: لأنه حجز بين نجد وتهامة وقال ابن الكلبي: سمي حجاز لما أحجز من الجبال وأما غير الحجاز فضل من بلاد الإسلام، فمن دخلها من المشركين بغير ذمة، ولا عهد فهو حرث كالأسرى يغنم ويسبى، ويكون الإمام

فيه مخيرًا كتخييره في الأسير بين الأحكام الأربعة من القتل أو الأسر أو الممن أو الفداء، ويجوز أن يعفو من سبي ذريته بخلاف السبايا في الحرب؛ لأن الغانمين قد ملكوهم؛ فلا يصح العفو عنهم إلا بإذنهم، وذرية هذا الداخل بغير عهد لم يملكهم أحد، فجاز عفو الإمام.
فأما من دخل دار الإسلام بأمان، فضربان: أهل ذمة، وأهل عهد.
فأما أهل الذمة، فهو المستوطن، ولا يجوز استيطانهم إلا بجزية إذا كانوا من أهل كتاب، أو شبهة كتاب.
وأما أهل العهد، فهو الداخل إلى بلاد الإسلام بغير استيطان، فيكون مقامهم مقصورًا على مدة لا يتجاوزونها، وهي أربعة أشهر لقول الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أربعة أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2].
فأما مدة سنة، فلا يجوز أن يقيموها إلا بجزية، وفي جواز إقامتهم بغير جزية فيما بين أربعة أشهر وبين سنة قولان: أحدهما: يجوز لأنها دون السنة كالأربعة.
والثاني: لا يجوز، لأنه فوق الأربعة كالسنة، وسواء كانوا من أهل كتاب أو لم يكونوا.
مسألة: قال الشافعي: رحمه الله تعالى: "ولا يترك أهل الحرب يدخلون بلاد الإسلام تجارا فإن دخلوا بغير أمان ولا رسالة غنموا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
يجب على الإمام أن يراعي ثغور المسلمين المتصلة بدار الحرب من دخول المشركين إليها؛ لأنهم لا يؤمنون عليها من غرة يظفرون بها أو مكيدة يوقعونها، ومن دخلها منهم، فهو حرب مغنوم يتحكم الإمام فيه بخياره من قتله أو استرقاقه أو فدائه أو المن عليه إلا في حالتين: أحدهما: أن يكون رسولًا للمشركين فيما يعود بمصلحة المسلمين من صلح يجدد أو هدنة تعقد أو فداء أسرى؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ [التوبة: 6].
قيل: إنها في المرسل فيكون له بالرسالة أمان على نفسه وماله، لا يحتاج معها إلى استئناف أمان، إلا أن يكون رسولًا في وعيد وتهديد، فلا يكون أمان، ويكون حربًا يفعل

فيه الإمام ما يراه من الأمور الأربعة، لأن في هذه الرسالة مضرة، وفي الأولى منفعة فصار بالمنفعة مواليًا، فأمن وبالمضرة معاديًا، فغنم.
فلو ادعى وقد دخل بلاد الإسلام أو رسول نظر في دعواه.
فإن علم صدقه فيها كان آمنا، وإن علم كذبه فيها كان مغنومًا وإن أشبهت حاله قبل قوله، وكان آمنا، ولم يلزم إحلافه على الرسالة، لأنه مبلغ ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: 99].
ولا يجوز إذا دخل الرسل بلاد الإسلام أن يظهروا فيها منكرًا من صلبانهم، وخمورهم وخنازيرهم، وجوز لهم أبو حنيفة إظهار خمورهم وخنازيرهم؟ لأنها عنده من جملة أموالهم المضمونة الاستهلاك وهذا فاسد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "الإسلام يعلو ولا يعلى".
والثانية: أن يكون لهذا الداخل من دار الحرب أمان يدخل به دار الإسلام، فيصير آمنا على نفسه وماله، ولا ينبغي أن يتولاه إلا الإمام أو من ناب من أولي الأمر؛ لأنه أعرف بالمصلحة من أشذاذ وأقدر على الاحتراز من كيده، فإن قدر له الإمام مدة الأمان أقر عليها إلى انقضائها ما انتهت إلى أربعة أشهر، ولا يبلغ به سنة إلا بجزية، وفيما بين الأربعة أشهر والسنة قولان مضيا.
ولا تنقض علبه مدة أمانه، ولا يخرج قبل انقضائه إلا بموجب لنقض الأمان، لوجوب الوفاء بالعهود، فإن كان الذي أمنه في دخوله رجل من جملة المسلمين كان أمانه مقصورًا على حقن دمه وماله دون مقامه، ونظر الإمام في حاله، فإن رأى من المصلحة إقراره أقره على الأمان، وقرر له مدة مقامه، ولم يكن لمن أمنه من لمسلمين تقدي مدته، وإن لم ير الإمام من المصلحة إقراره، في دار الإسلام أخرجه منها آمنًا حتى يصل إلى مأمنه ثم يصير حربًا، فيكون أمان المسلم له موجبًا لحقن دمه ولمقامه، وإقراره، فافترقا في الحكم من وجه، واجتمعا فيه من وجه.
فصل: وإذا دخل الحربي بأمان الإمام ثم عاد إلى دار الحرب انقضى حكم أمانه فإن عاد ثانية بغير أمان غنم حتى يستأنف أمانًا، لأنه خاص، فلم يتكرر، فلو عقد له الأمان على تكرار الدخول صح اعتبارًا بصريح العقد، وكان في عوده وتردده آمنًا يقيم في كل دفعة ما شرك له من المدة وإذا كان أمان الحربي من قبل الإمام كان عامًا في جميع بلاد الإسلام إلا أن يجعله مقصورًا على بلد بعينه؛ فلا يصير آمنًا في غيره، وإذا كان أمانه ممن استنابه

الإمام كان عامًا في بلاد ولايته ولا يكون عامًا في بلاد الإسلام كلها، لأن ولاية الإمام عامة، وولاية النائب عنه خاصة، وإذا كان أمانه من جهة واحد من المسلمين كان أمانه مقصورًا على بلده خاصة وفيما كان طريقًا له إلى دار الحرب، لأن الأمان يقتضي عوده إلى مأمنه، ولا يكون له أمان أن يتجاوز ذلك إلى غيره من بلاد الإسلام، وإذا دخل حربي دار الإسلام وادعى أنه دخلها بأمان مسلم، فإن كان من ادعى أمانه حاضرًا رجع إلى قوله، فإن صدقه على الأمان قبل قوله؛ لأنه لو أمنه في حال تصديقه صح أمانه، وإن أكذبه على الأمان كان الحربي مغنومًا، وإن كان من ادعى أمانه غائبًا ففي قبول قول الحربي وجهان: أحدهما: يقبل قوله، ويكون آمنًا كما يقبل قول من ادعى الرسالة.
والثاني: لا يقبل وإن قبل في الرسالة؛ لأن إقامة البينة على الرسالة متعذر قبل قوله فيها، وإقامته على الأمان ممكنة، فلم يقبل قوله فيه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فإن دخلوا بأمان وشرط عليهم أن يؤخذ منهم عشر أو أقل أو أكثر أخذ".
قال في الحاوي: وجملته أنه يجب على الإمام أن يشترط في متاجر أهل الحرب إذا دخلوا في بلاد الإسلام لمنافعتهم، وكان انقطاعها عن المسلمين غير ضار بهم حتى يأخذه الإمام منهم من عشر أو أقل أو أكثر بحسب ما يؤديه اجتهاده إليه يكون عبئًا مصروفًا في أهل الفيء؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صالح أهل الحرب في حمل متاجرهم إلى بلاد الإسلام على العشر، وصالح أهل الذمة في حملها إلى المدينة على نصف العشر ليكون ذلك ضعف ما يؤخذ في زكاة المسلم من ربع العشر، ولأن الإمام مندوب إلى توفي ما يصل إلى المسلمين من أموال المشركين إما بغنيمة إن قهروا، وإما بجزية وخراج إن صولحوا، فكذلك عشر أموالهم إذا اتجروا، وإن كان ذلك من الشروط الواجبة عليهم كان العرف الذي عمل به الأئمة العشر، وليس بجد لا يجوز مجاوزته إلى زيادة أو نقصان؛ لأنه موقوف على ما يؤدي إليه الاجتهاد المعتبر من وجهين: أحدهما: في كثرة الحاجة إليه وقلتها، فإن كثرت الحاجة إليه كالأقوات كان المأخوذ منه أقل، وإن قلت الحاجة إليه كالطرف والدقيق كان المأخوذ منه أكثر، فإن عمر

رضي الله عنه أخذ من القطنية العشر، وأخذ من الحنطة والزبيب نصف العشر.
والثاني: الرخص والغلاء، فإن كان انقطاعها يحدث الغلاء كان المأخوذ أقل وإن كان لا يحدث الغلاء كأن المأخوذ أكثر، وإذا كان الاجتهاد فيه معتبرًا من هذين الوجهين عمل الإمام في تقريره على ما يؤديه اجتهاده إليه، فإن رأى من المصلحة اشتراط العشر في جميعها فعل، وإن رأى اشتراط نصف العشر فعل، وإن رأى اشتراط الخمس فعل، وإن رأى أن ينوعها بحسب الحاجة إليها، فيشرط في نوع منها الخمس، وفي نوع العشر، وفي نوع نصف العشر فعل، وصار ما انعقد شرطه عليه حقًا واجبًا في متاجرهم ما أقاموا على صلحهم، كالجزية لا يجوز لغيره من الأئمة أن ينقضه إلى زيادة أو نقصان، فإن نقضوا شرطهم بطل حكم الشرط بنقضهم، وجاز استئناف وصلح معهم يبتدئه بما يراه من زيادة على الأول أو نقصان منه.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل خال العشر من أن يكون مشروطًا في عين المال أو يكون في ذممهم عن المال، فإذا كان مشروطًا في المال وجب على كل من حمله إلى بلاد الإسلام من حربي وذمي ومسالم، أن يؤخذ منه العشر، ولا يمنع الإسلام من أخذه، ولا يكون أخذه من المسلم جزية، إنما يكون ثمنًا يضاف إلى الثمن الذي ابتاعه من أهل الحرب، ويكون ما أداه إليهم تسعة أعشار ثمنه، وما أداه إلى الإمام عشر الثمن أو عشر الأصل، وإن كان مشروطًا في ذممهم لأجل المال وعنه أخذ عشره من الحربي إذا حمله، ولم يؤخذ من المسلم؛ لأنه جزية محضة.
وفي أخذه من الذمي وجهان: أحدهما: يؤخذ منه لشركه.
والثاني: لا يؤخذ منه لجريان حكم الإسلام عليه.
فأما الذمي إذا اتجر في بلاد الإسلام، فلا عشر عليه في ماله؛ لأن الجزية مأخوذة منه عن نفسه وعن ماله، إلا أن يدخل تاجرًا إلى الحجاز فيمنع من دخوله إلا بما يشترط عليه من عشر ماله؛ لأنه ممنوع من استيطان الحجاز فمنع من التجارة فيه إلا معشورًا، وهو لا يمنع من استيطان غيره، فلم يعشر.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فإن لم يكن شرط عليهم لم يؤخذ منهم شيء

وسواء كانوا بعشرون المسلمين إذا دخلوا بلادهم أو يخمسونهم أو لا يعرضون لهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا دخل أهل الحرب بأمان، ولم يشترط عليهم عشور أموالهم، فلا شيء عليهم فيها إذا حملوها معهم، ولا وجه لما قاله بعض أصحابنا إنهم يعشرون اعتبارًا بالعرف المعهود من فعل عمر.
وقال أبو حنيفة: يفعل معهم ما يفعلونه مع تجارنا إذا دخلوا إليهم، فإن كانوا يعشرونهم عشروا، وإن كانوا يخمسونهم خمسوا، وإن كان يتركونهم تركوا؛ لأنها عقولة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 26].
وهذا خطأ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شرطهم" ولأن عمر لم يأخذ عشرهم إلا بعد اشتراطه عليهم، ولأنه مال مأخوذ عن أمان، فلم يلزم بغير شرط كالجزية؛ ولأن علو الإسلام يمنع من الاقتداء بهم كما يقتدي بهم في الغدر إن غدروا، فأما الآية فواردة في الاقتصاص ممن مثل به من قتلى أحد، ثم قال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]. مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا اتجروا في بلاد المسلمين إلى أفق من الآفاق لم يؤخذ منهم في السنة إلا مرة كالجزية وقد ذكر عن عمر عن عبد العزيز أنه كتب أن يؤخذ مما ظهر من أموالهم وأموال المسلمين وأن يكتب لهم براءة إلى مثله من الحول ولولا أن عمر رضي الله عنه أخذه منهم ما أخذناه ولم يبلغنا أنه أخذ من أحد في سنة إلا مرة.
قال: ويؤخذ منهم ما أخذ عمر من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر ومن أهل الحرب العشر إتباعا له على ما أخذ.
قال المزني رحمه الله: قد روى الشافعي رحمه الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من حديث صحيح الإسناد أنه أخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ومن القطنية العشر.
قال الشافعي: ولا احسبه أخذ ذلك منهم إلا بشرط".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا أخذ من الحربي، عشر ماله في دخوله ثم نقله إلى بلد آخر لم يعشر، وكذلك لو طاف به في بلاد الإسلام، لأنها دار واحدة، فإنه باع ماله واشترى به متاعًا من بلاد الإسلام، وأراد حمله إلى دار الحرب روعي شرط صلحهم، فإن كان مشروطًا عليهم وتعشير أموالهم من دخولهم عشروا خارجين كما عشروا داخلين.
وإن لم يشترط عليهم لم يعشروا في الخروج وعشروا في الدخول، وإذا اتجروا في بلاد الإسلام حتى حال عليهم الحول، قال الشافعي: عشروا بعد انقضاء الحول ثانية

واعتبرهم بالمسلمين في أخذ الزكاة منهم في كل حول، وهذا عند معتبر بالشرط المعقود معهم، فإن تضمن تعشير أموالهم في كل حول عشروا، وإن تضمن تعشيرها ما حملوه من دار الحرب لم يعشروا اعتبارًا بموجب الشرط.
فأما الذمي إذا تجر في الحجاز بعد تعيشر ماله حتى حال عليه الحول عشر ثانية في كل حول؛ لأن للذمي في الجزية حولًا مقيدًا تتكرر جزيته فيه، فجعل أصلًا لعشر ماله في كل حول، وليس هو في حول الجزية أصلًا؛ ولأن أحكام الإسلام جارية على الذمي دون الحرب، فلما استقر حكم الإسلام على أخذ الزكاة من مال المسلم في كل حول، صار ذلك أصلًا في تعشير مال الذمي في الحجاز في كل حول.
فأما إذا اتجر الذمي في غير الحجاز من بلاد الإسلام، فلا عشر عليه لجواز استطيانه بها بخلاف بلاد الحجاز التي لا يجوز أن يستوطنها، فإن شرط الإمام عليهم ذلك حملوا على شروطه، وكان زيادة في جزيتهم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ويحدد الإمام بينه وبينهم في تجاراتهم ما يبين له ولهم وللعامة ليأخذهم به الولاة وأنا الحرم فلا يدخله منهم أحد بحال كان له بها مال أو لم يكن ويخرج الإمام منه إلي الرسل ومن كان بها منهم مريضًا أو مات اخرج ميتًا ولم يدفن بها.
وروي أنه سمع عددًا من أهل المغازي يروون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، حتى ينتشر في كافة المسلمين، وفيهم، يزول الخلاف معهم، فإذا انتشر في بلاد الإسلام كلها في عصر بعد عصر اكتفى بانتشاره عن تجديده، فإن خيف بتطاول الزمان أن يخفى جدده كما يفعل الحكام في الوقوف إذا خيف دروسها جددوا الإسجال بها، لتكون حجج سبيلها دائمة الثبوت.
فصل: وإذا رأى الإمام أن يسقط عن أهل الحرب تعشير أموالهم بحادث اقتضاه نظره من جذب أو قحط أو لخوف من قوة تجددت لهم جاز إسقاطه عنهم، ولو رأى إسقاط الجزية عن أهل الذمة لم يجز إسقاطها؛ لأن الجزية نص والعشر اجتهاد.
وإذا زال السبب الذي تركه تعشير أموالهم لم يأخذهم بعشر ما كانوا حملوه، ونظر في الترك، فإن كان مسامحة لهم أخذ عشرهم بعد زوال السبب بالشرط الأول' وإن كان إسقاطًا لم يأخذه بعد زوال سببه إلا بشرط مستأنف.
وإذا دعت الإمام الضرورة في

الاستعانة بأهل الذمة على قتال أهل الحرب أن يترك عليهم الجزية، ليستعينوا بها على معونة المسلمين كان الأولى قبضها منهم، وردها عليهم، فإن لم يفعل وأرفقهم بتركها عليهم جاز، وكان ذلك إبراء منها في وقتها، ولم يك إسقاطًا من أصلها فإذا زال السبب عاد إلي أخذها بالعقد الأول.
فصل: وإذا عقدت الذمة مع قوم وجب الذب عنهم من كل من مسلم ومشرك سواء اختلطوا بالمسلمين أو اعتزلوهم، فلو عجل الإمام بجزيتهم، وقصدهم العدو، فلم يذب عنهم وجب عليه أن يرد من جزيتهم ما قابل زمان متاركتهم مع عدوهم دون ما عداه، فإن اشترطوا في عقد صلحهم أن لا يذب أهل الحرب عنهم لم يصح الشرط إن كانوا مختلطين بالمسلمين لئلا يتعدى ذلك إلي المسلمين، وإن اعتزلوا المسلمين بقرية انفردوا بسكناها، فإن كان بينهم مسلم أو مال مسلم، أو كان بينهم وبين دار الحرب قرية للمسلمين لم يصح هذا الشرط، وإن لم يكن فيهم، ولا فيما بينهم وبين دار الحرب قرية للمسلمين لم يصح هذا الشرط، وإن لم يكن فيهم، ولا فيما بينهم وبين أهل الحرب، ولم يلزم الذب عنهم إلا أن يخاف عليهم الاصطلام، فيلزم استنقاذ نفوسهم دون أموالهم، لأن للذمة حقًا في حفظها، وسقط حفظ أموالهم بالشرط والله أعلم.

باب في نصارى العرب

تضعف عليهم الصدق ومسلك الجزية.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "اختلفت الأخبار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في نصارى العرب من تنوخ وبهراء وبني تغلب فروي عنه أنه صالحهم على أن يضعف عليهم الجزية ولا يكرهوا على غير دينهن وهكذا حفظ أهل المغازي.
قالوا: رامهم عمر على الجزية فقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة.
فقال عمر رضي الله عنه؛ لأن هذا فرض على المسلمين.
فقالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية فراضاهم على أن يضعف عليهم الصدفة.
قال ضعفها عليهم فانظر إلي مواشيهم وذهبهم وورقهم وأطعمتهم وما أصابوا من معادن بلادهم وركازها وكل أمر أخذ فيه من مسلم خمس فخذ خمسين أو عشر فخذ عشرين أو نصف عشر فخذ عشرًا أو ربع عشر فخذ نصف عشر وكذلك ماشيتهم خذ الضعف منها".

قال في الحاوي: أما دين العرب، فلم يكونوا أهل كتاب، وكانوا عبدة أوثان، فجاورت طائفة منهم اليهود، فتهودوا وجاورت طائفة منهم النصارى، فتنصروا، فكان في قحطان بالشام بتنوخ وبهراء، وبنو تغلب مجاورين للنصارى، فتنصروا وأشكلت حالهم عند فتح الشام على عمر رضي الله عنه هل دخلوا في النصرانية قبل التبديل فيقرون أو بعد التبديل مع المبدلين، فلا يقرون، فغل فيهم حكم الحظر في حقن دمائهم، وتحريم مناكحهم وذبائحهم، فأقرهم على هذا، وشرط عليهم ألا ينصروا أولاهم، ثم طالبهم بالجزية حين أقرهم على النصرانية، فأبوا أنفة من ذل الجزية، وقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم، ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض الصدقة، فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة فرضها الله على المسلمين طهرة فنقر بعضهم ولحق بالروم، وكان الباقون أن يلحقوا بهم، فقال عبادة بن النعمان التغلبي يا أمير المؤمنين إن للقوم بأسًا وشدة، فلا تعز عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة، فأعاد من رحل إلي من أقام، وقالوا: زد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فراضاهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة وجعلوها جزية باسم الصدقة، تؤخذ من أموالهم الظاهرة والباطنة، كما تجب الصدقة على المسلمين في الأموال الظاهرة والباطنة من المواشي والزروع، والثماؤ، والذهب، والفضة، وعروض التجارة إذا بلغت نصابًا، ولا شيء عليهم دون النصاب، ولا في الدور والعقار، ولا في الخيل، والبغال، والحمير، فيؤخذ منهم عن كل خمس من الإبل شاتان، عن كل ثلاثين بقرة تسعين، وعن كل أربعين شاة شاتان، وعما سقته السماء من الزروع والثمار التي يجب فيها العشر الخمس، وعما سقي بنضح أو غرب يجب فيه نصف العشر العشر، وعما وجب فيه ربع العشر من الفضة والذهب نصف العشر، فيؤخذ من عشرين مثقالًا من الذهب، ومن مائتي درهم من الورق عشرة دراهم، وعما وجب في الخمس من الركاز والمعادن الخمسين، فكان لعقد صلحهم مع عمر مستقرًا على هذا، وحملهم عليه بعد عمر عثمان رضي الله عنهما وعلي عليه السلام، ولم يمنعوهم أن ينصروا أولادهم، فدل على أن اشتراط ذلك عليهم كان إرهابًا ولم يكن إلزامًا.
فصل: فإذا تقرر ما وصفناه من صلح عمر، فهو شيء يزيد، وينقص بكثرة المال وقلته، ويجب ولا يجب بوجود المال وعدمه، ويعلم ولا يعلم بظهور المال واستطبانه، فصار مجهولًا لتبرزه بين قليل وكثير ووجوب وإسقاط، ومكتوم ومشهور.
وقد ثبت أن عمر صالحهم عليه، ولم يأخذ منهم دينار الجزية، لأنهم امتنعوا من بذل الجزية لئلا يجري عليه صغار، فصارت مضاعفة الصدقة هي الجزية مأخوذة باسم

الصدقة، وقد قال عمر: هؤلاء قوم حمقي، أبوا الاسم، ورضوا بالمعنى.
واختلف أصحابنا في عقد الصلح على هذا الوجه على ثلاثة أوجه: أحدهما: يجوز حملهم عليه سواء بلغ المأخوذ من كل واحد منهم دينارًا أو نقص عنه، ومن لم يبلغ ماله نصاب الزكاة لم يؤخذ منه، ومن لم يملك مالًا مزكى، فلا شيء عليه، وهو الظاهر من فعل عمر فكان إمضاؤه على هذا، وإن نقص المأخوذ من كل واحد على الدينار؛ لأنه قد يجوز أن يزيد في وقت آخر على الدينار لما يستفيده، ويجوز أن يملك من لا ملك له، فيؤدي، فيكون الاعتبار بها لا بالدينار، ويكون ما يخاف من نقصان الدينار في وقت مجبورًا لما يرجى من الزيادة عليه في وقت.
والثاني: يجوز أن يصالحوا على هذا إذا علم أن المأخوذ من ذوي الأموال منهم يفي بدينار عن كل رأس من جميعهم، وإن لم يف بالدينار عن كل رأس لم يجز.
مثاله: أن يكونوا ألف رجل، فإن علم أن المأخوذ بمضاعفة الصدقة ألف دينار فصاعدًا جاز، وإن علم أنه أقل من دينار لم يجز، ولا يضر أن يؤخذ من بعضهم أقل من دينار إذا أخذ من غيره أكثر منه، ولا شيء على من لا مال له من مزكى؛ لأنه قد أخذ من غيره ما جبره، فصار بدلًا منه، وحمل قائل هذا الوجه صلح عمر على أنه علم كثرة أموالهم، وأن المأخوذ من ذوي الأموال يفي بجزية جميعهم.
والثالث: وهو الظاهر من مذهب الشافعي بأنه يجوز حملهم عليه إذا بلغ المأخوذ من كل واحد منهم دينارًا فصاعدًا، فإن نقص عن الدينار أخذ منه تمام الدينار، ولا يجبر بزيادة غيره، ومن لم يملط نصابًا مزكى، أخذ منه دينار الجزية، ولم يسقط عنه بأخذها من غيره، لأن أهل الذمة لا يجوز أن يقروا في دار الإسلام على التأبيد بغير جزية، ولا يجوز أن ينقص واحد منهم عن دينار الجزية، وحمل صلح عمر على أنه علم أن جميعهم أغنياء، لما شاهده من كثرة أموالهم، وأنه ليس فيهم من يعجز عن المأخوذ منه عن الدينار، وهذا الوجه هو الأقيس والأول هو الأشبه بصلح عمر.
فصل: فإذا ثبت ما ذكرنا كانت مضاعفة الصدقة مأخوذة من أموال الرجال دون النساء والصبيان.
وقال أبو حنيفة: آخذها من الرجال والنساء دون الصبيان، احتجاجًا بأن ما أخذ باسم الصدقة، وكان النصاب فيه والحول فيه معتبرين اشترك فيه الرجال والنساء كالزكاة على المسلمين، وخرج منه الصبيان، لأنه لا زكاة عليهم.
ودليلنا: هو أن المأخوذ بالإقرار على الكفر جزية فوجب أن يختص بالرجال دون النساء كالدينار، ولأن النساء محقونات الدماء، فلم تضاعف صدقة الجزية كالصبيان

والمجانين.
فأما الجواب عن قياسهم على الزكاة، فمن وجهين: أحدهما: أنها جزية، فكان اعتبارها بالجزية أولي من اعتبارها بالزكاة.
والثاني: أنها لما خرجت عن الزكاة قدراً ومصرفًا خرجت عنها حكمًا والتزامًا.
فصل: وإذا كان النصاب في مضاعفة الصدقة عليهم معتبراً، ففي زمانه وجهان: أحدهما: أنه يعتبر بوجود النصاب في الحول كله كالزكاة.
والثاني: أنه يعتبر وجوده في رأس الحول؛ لأنه لما اعتبر اليسار بدينار الجزية، في رأس الحول كذلك النصاب؛ لأن المأخوذ منه جزية.
فإذا تقرر هذان الوجهان لم يخل النصاب من أربعة أحوال: أحدهما: أن يكون موجودًا في الحول كله، فيؤخذ منه.
والثاني: أن يكون معدومًا في الحول كله، فلا شيء عليه.
والثالث: أن يكون موجودًا في آخره معدومًا في أوله، فعلى الوجه الأول لا شيء فيه اعتبارًا بالزكاة، وعلى الوجه الثاني يجب فيه ضعف الصدقة اعتبارًا بالجزية.
والرابع: أن يكون موجودًا في أول الحول معدومًا في آخره، فينتظر فيه فإن عدم بالتلف، فلا شيء فيه، وإن عدم بنقله إلي مال غير مزكى أخذ منه؛ لأنهم مهتمون لا يتدينون بأدائها، فأخذت منهم، والمسلمون لا يهتمون، لأنهم يتدينون بأدائها، فلم تؤخذ منهم.
فصل: وإذا بذل قوم من أهل الحرب للإمام في وقتنا أن يعقد معهم الذمة على مضاعفة الصدقة كالذي فعله عمر جاز اقتداء به، وإتباعًا، ولو سألوه أن يعقدها على صدقة واحدة من غير مضاعفة جاز إذا لم تنقص عن دينار الجزية، فإن نقصت عنه لم يجز أن يعقدها معهم وجهًا واحدًا؛ لأن ما قدمنها من الأوجه الثلاثة، إنما هي في عقد أمضاه إمام مجتهد، فإذا عقد عقدًا مستأنفًا، فلا يمضي بأقل من دينار الجزية، فإذا بلغ أخدهما من بعضهم دينارًا على كل رأس منهم، ففي جوازه وجهان: أحدهما: وقول أبي إسحاق المروزي لا يجوز، لأن فيهم من لا يؤدي دينارًا.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة يجوز؛ لأن المطلوب أخذ دينار عن كل رأس وقد أخذ.

فعلى هذين الوجهين، لو أن رجلًا من أهل الذمة عقد الجزية على نفسه، ومائة رجل من قومه على مائة دينار يؤدونها من ماله نظر في موضوعها، فإن أوجبها عليهم وتحملها عنهم جاز؛ لأنه تبرع بها وهم مأخوذون بها إن امتنع منها، وإن أوجبها على نفسه لتكون عنه وعنهم، ففي جوازه ما قدمناه من الوجهين: أحدهما: هو قول أبي إسحاق، لا يجوز؛ لأنهم يقيمون بغير جزية تلزمهم.
والثاني: وهو قول أبي علي، يجوز لحصول الفرض المطلوب منهم.
فصل: إذا قال: من بذل ضعف الصدقة أنفة من اسم الجزية قد أسقطت اسم الصدقة عنه، ورضي باسم الجزية، فقد اختلف أصحابنا في سقوطها، والاقتصار على دينار الجزية على وجهين: أحدهما: تسقط مضاعفة الصدقة عليه؛ لأنها في مقابلة ما قد أسقط عن نفسه.
والثاني: وهو أصح أنه لا تسقط عنه؛ لأن حكم الجزية موجود في الحالين، فلم يكن لاختلاف الأسماء تأثير.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وكل ما أخذ من ذمي عربي فمسلكه الفيء وما اتجر به نصارى العرب وأهل دينهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح المأخوذ من ذمة العربي باسم الصدقة جزية، وليست زكاة وإن كانت عند أبي حنيفة في إيجابها على النساء زكاة.
والدليل على أنها ليست زكاة قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة 103] الآية.
والكافر لا يتطهر بما يؤديه منها.
وقال أبو بكر رضي الله عنه: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين فدل على أنها لا تجب على المشركين.
وقال عمر: الناس رجلان مسلم فرض الله عليه الصدقة، كافر فرض الله عليه الجزية.
وقال علي: لا زكاة على مشرك، فكان هذا إجماع الأئمة رضوان الله عليهم.
وإذا ثبت هذا وجب أن يكون مصروفًا في أهل الفيء دون أهل الصدقة.

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن كانوا يهودًا تضاعف عليهم فيه الصدقة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن اليهود والنصارى في جواز صلحهم على مضاعفة الصدقة سواء، وإن كان صلح عمر معقودًا على نصار العرب، فليس يمتنع أن يعقد مع اليهود، ومع نصارى العجم؛ لأن جميعهم في الجزية، سواء فإذا اتجروا بأموالهم وجب أن يؤخذ منها بعد الحول ضعف الزكاة، لأن أموال التجارة مزكاة، فلو اتجر بعض نصارى العرب إلي الحجاز أخذ من العشر في دخول الحجاز، وضعف الصدقة بعقد الصلح، وجمع عليه بين الأمرين، وإن كان حربيين كما يجمع عليه بين الدينار والعشر، والله أعلم.

باب المهادنة على النظر للمسلمين

ونقص ما لا يجوز من الصلح.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "إن نزلت بالمسلمين نازلة بقوة عدو عليهم وأرجو أن لا ينزلها الله بهم هادنهم الإمام على النظر للمسلمين إلي مدة يرجو إليها القوة عليهم لا تجاوز مدة أهل الحديبية التي هادنهم عليها عليه الصلاة والسلام وهي عشر سنين".
قال في الحاوي: أما المهادنة، فهي المسالمة والموادعة عن عهد يمنع من القتال والمنافرة، وقد كان الله تعالى بعد فرض الجهاد منع منها بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة 5] وجعل غاية أمرهم في قتلهم أن يسلموا، فقال: ﴿فَإن تَابُوا﴾ [التوبة 5] الآية ثم قوله: ﴿وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة 29] فكان هذا بعد قوة الإسلام بكن بها تؤخذ جزيتهم، ثم إن الله تعالى أذن في مهادنتهم ومسالمتهم عند الحاجة إليها فقال تعالى: ﴿وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال 61].
وقال تعالى: ﴿إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم﴾ [التوبة 4] إلي قوله ﴿عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة 4]، فوادع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود بني النضير وبني قريظة، وبني قينقاع بالمدينة ليكفوا عن معونة المشركين، ويكونوا عونًا للمسلمين فكان ذلك من أول عهوده حتى نقضوا العهد، فكان أول من نقض عهده منهم بنو قينقاع في معونة قريش يوم بدر، فسار إليهم وأظفره الله بهم، وأراد قتلهم، فسأله عبد الله بن أبي ابن سلول فيهم، وكانوا ثلاثمائة

دارع وأربعمائة حاسر فنفاهم إلي أذرعات من الشام.
ثم نقض بنو النضير عهودهم بعد أحد، لأنهم هموا أن يفتكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار إليهم، وأظفره الله بهم فأجلاهم إلي أرض خيبر.
ثم نقض بنو قريظة عهودهم بمعونة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الخندق، فسار إليهم فأظفره الله بهم وحكم سعد بن معاذ فحكم بسبي الذراري، وقتل من جرت عليه المواسي، فقتلهم، وكانوا سبعمائة رجل.
ثم هادن قريشًا عام الحديبية عشر سنين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة 7].
حتى نقضت قريش العهد بمعونة أحلافهم من بني أبي بكر على قتال أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة فسار إليهم سنة ثمان حتى فتح مكة، وكان صلح الحديبية سنة ست، وعمرة القضية سنة سبع، وكان هذا الصلح عظيم البركة أسلم بعده أكثر ممن أسلم قلبه.
فصل: فإذا تقررت هذه الجملة لم يخل حال المسلمين عند إرادة الهدنة من ثلاثة أحوال: أحدهما: أن تكون بهم قوة، وليس لهم في الموادعة منفعة، فلا يجوز للإمام أن يهادنهم وعليه أن يستديم جهادهم؛ لقول الله تعالى: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران 139]. والثانية: أن يكون بهم قوة لكن لهم في الموادعة منفعة، وذلك بأن يرجوا بالموادعة إسلامهم، وإجابتهم إلي بذل الجزية، أو يكفوا عن معونة عدو ذي شوكة أو يعينوه على قتال غيرهم من المشركين إلي غير ذلك من منافع المسلمين، فيجوز أن يوادعهم مدة أربعة أشهر، فما دونها؛ لقول الله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أربعة أَشْهُرٍ﴾ [التوبة 1 - 2] وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية أربعة أشهر، فإن أراد الإمام أن يبلغ بمدة موادعتهم في هذه الحال سنة لم يجز؛ لنها مدة الجزية التي لا يجوز أن يقر فيها مشرك إلا بها، فأما ما دون السنة وفوق أربعة أشهر، ففي جواز موادعتهم قولان: أحدهما: نص عليه هاهنا، وفي الجزية من كتاب الأم انه لا يجوز موادعتهم أكثر من أربعة أشهر؛ لقول الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أربعة أَشْهُرٍ﴾ [التوبة 2] فجعلها حدًا لغاية الموادعة.
والثاني: نص عليه في سير الواقدي، يجوز أن يوادعهم ما دون السنة، وإن زاد على أربعة أشهر، لأنها دون مدة الجزية كالأربعة مع عموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة 1].

والثالثة: أن لا يكون بالمسلمين قوة، وهم على ضعف يعجزون معه عن قتال المشركين فيجوزن أن يهادنهم الإمام إلي مدة تدعوه الحاجة إليها أكثرهم عشر سنين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هادن قريشًا عام الحديبية عشرين سنة لا أغلال فيها، ولا أسلال، ودامت هذه المهادنة سنتين حتى نقضوها فبطلت فإن احتاج الإمام إلي مهادنتهم أكثر منها لم يجز؛ لأنها مخصوصة عن حظر، فوجب الاقتصار على مدة الاستئناف والتخصيص، وقيل للإمام: اعقد الهدنة عشر سنين، فإذا انقضت والحاجة باقية استأنفها عشرًا ثانية، فإن عقدها على أكثر من عشر سنين بطلت الهدنة فيما زاد على العشر، وفي بطلانها في العشر قولان، من تفريق الصفقة.
أحدهما: تبطل إذا منع تفريقها.
والثاني: تصح إذا أجيز تفريقها، وهو المنصوص، وهكذا إن دعته الحاجة أن يهادنهم خمس سنين لم يجز أن يهادنهم أكثر منها، فإن فعل كان ما زاد على الخمس باطلًا، وفي بطلان الهدنة في الخمس قولان.
ولو هادنهم عشر سنين لحاجة دعت إليها ثم ارتفعت الحاجة كانت الهدنة باقية إلي انقضاء مدتها بعد زوال الحاجة إليها، وإن لم يجز أن يبتدئ بها في هذه الحال التزامًا لما استقر من عقدها بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة 1].
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فإن أراد أن يهادن إلي غير مدة على أنه متى بدا له نقض الهدنة فجائز وإن كان قويًا على العدو كم يهادنهم أكثر من أربعة أشهر لقوله تعالى لما قوي الإسلام ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة 1] الآية.
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان بعد فتح مكة بسنين أربعة أشهر لا أعلمه زاد أحد بعد قوة الإسلام عليها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
يجوز في الهدنة أن تكون غير مقدرة المدة: إذا علقت بشرط أو على صفة؛ يجوز لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وادع يهود خيبر قال: "أقركم ما أقركم الله".
ويكون الإمام مخيرًا فيها إذا أراد نقضها وليست من عقود المعاوضات التي تمنع الجهالة فيها، وإذا جاز إطلاقها بغير مدة لم يجز أن يقول لهم: أقركم ما أقركم الله، وإن قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر؛ لأن الله تعالى يوحي إلي رسوله مراده دون غيره، وكذلك لو قال: أقركم ما

شئت فيجوز، ويكون موقوفًا على مشيئته، فيما يراه صلاحًا كم استدامة الهدنة أو نقضها فإن عقدها على مشيئتهم لم يجز، لأنهم يصيرون متحكمين على الإسلام وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يعلو ولا يعلى": وإن عقدها الإمام عل مشيئته غيره من المسلمين جاز إذا اجتمعت فيه ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون من ذوي الاجتهاد في أحكام الدين.
والثاني: أن يكون من ذوي الرأي في تدبير الدنيا.
والثالث: أن يكون من ذوي الأمانة في حقوق الله تعالى وحقوق عباده.
فإذا تكاملت فيه صلح وقوف الهدنة على مشيئته، وإن أخل بشرط منها لم يصح.
فإذا انعقدت نظر: فإن كان من ولاة الجهاد عمل على رأسه في استدامة الهدنة بالموادعة أو نقضها بالقتال، لم يلزمه استئذان الإمام في الحالين، وإن لم يكن من ولاة الجهاد جاز له استدامتها بغير إذن الإمام، ولم يكن له نقضها إلا بإذن الإمام؛ لأنه موافق في الاستدامة، ومخالف في النقض، وإن كان كذلك لم يخل حاله وحال الإمام من أربعة أحوال: أحدهما: أن يتفقا على استدامتها فتلزم.
والثاني: أن يتفقا على نقضها فتنحل.
والثالث: أن يرى المحكم نقضها، ويرى الإمام استدامتها، فتغلب استدامة الإمام ويصير كالمبتدئ بها.
والرابع: أن يرى المحكم استدامتها، ويرى الإمام نقضها، فينظر فإن كان لعذر يقلب نقض الإمام، وإن كان لغير عذر غلب استدامة المحكم كالمدة المقدرة.
ولو أطلق الهدنة من غير شرط، أو على غير صفة، فقال: قد هادنتكم لم يجز؛ لأن إطلاقها يقتضي التأبيد، وهو لو أبدها بطلت كذلك إذا أطلقها، وإذا أراد الإمام نقض العهد لم يبدأ بقتالهم إلا بعد إنذارهم وإعلامهم، لقول الله تعالى: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال 58].
مسألة: قال الشافعي رحمة الله تعالى: "ولا يجوز أن يؤمن الرسول والمستأمن إلا بقدر ما يبلغان حاجتهما ولا يجوز أن يقيم بها سنة بغير جزية"؟ قال في الحاوي: قد مضى الكلام، وأن للرسول أمانًا يبلغ فيه رسالته، وأنه لا يعشر ما دخل معه من مال، وإن كان العشر مشروطًا عليهم؛ لأنه لما يتميز عنهم في أمان

الرسالة تميز عنهم في تعشير المال تغليبًا لنفع الإسلام برسالته، فإن انقضت رسالته فيما دون أربعة أشهر جاز أن يستكملها، ولم يجز أن يقيم سنة إلا بجزية، وإن لم تنقض رسالته إلا في سنة جاز أن يقيمها بغير جزية؛ لأن حكم الرسالة مخصوص في أحكام جماعتهم وهكذا الأسير إذا حبس في الأسر مدة لمصلحة رآها الإمام لم تجب عليه الجزية؛ لأن مقيم بغير اختيار، فصار مساويًا للرسول في سقوط الجزية ومخالفًا في العلة.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أن يهادنهم على أن يعطيهم المسلمون شيئًا بحال لأن القتل للمسلمين شهادة وأن الإسلام أعز من أن يعطى مشرك على أن يكف عن أهله لأن أهله قاتلين ومقتولين ظاهرون على الحق إلا في حال يخافون الاصطلام فيعطون من أموالهم أو يفتدي مأسورًا فلا بأس لأن هذا موضع ضرورة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، والأولى من الهدنة أن تعقد على مال يبذله المشركون لنا إذا أجابوا إليه، فإن تعذرت إجابتهم إليه، ودعت الحاجة إلي مهادنتهم على غير مال جاز؛ فأما عقدها على مال يحمله المسلمون إليهم، فلا يجوز، لأن الله تعالى قد أعز الإسلام وأهله، وأظهره على الأديان كلها، وجعل لهم الجنة قاتلين ومقتولين، لقول الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ [التوبة 111] فلم يجز مع ثواب الشهادة وعز الإسلام أن يدخلوا في ذل البذل وصغار الدفع ما لم تدع ضرورة إليه، فإن دعت إليه الضرورة وذلك في إحدى حالتين.
إما أن يحاط بطائفة من المسلمين، في قتال أو وطء يخافون مع الاصطلام، فلا بأس أن يبذلوا في الدفع عن اصطلامهم مالًا، يحقنون به دمائهم قد هم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الخندق أن يصالح المشركين على الثلث من ثمار المدينة، وشاور الأنصار، فقال: إن كان هذا بأمر الله سمعنا وأطعنا وإن كان بغير أمره لم نقبله.
وروى أبو سلمة عن أبي هريرة أن الحارث بن عمرو الغطفاني رئيس غطفان قال النبي صلى الله عليه وسلم إن جعلت لي شطر ثمار المدينة وإلا ملأنها عليك خيلًا ورجلًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى استأذن السعود"، يعني سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسعد بن زرارة فاستأمرهم فقالوا: إن كان هذا بأمر من السماء، فنسلم لأمر الله، وإن كان برأيك، فرأينا تبع لرأيك وإن لم يكن بأمر من السماء، ولا برأيك فوالله ما كنا نعطيهم في

الجاهلية ثمرة إلا بشرى أو قرى، فكيف، وقد أعزنا الله بك فقال له: هو ذا تسمع ما يقولون، ولم يعطه شيئًا، فهو وإن لم يعطهم فقد نبه بالرجوع إلي الأنصار على جواز عطائهم عند الضرورة، ولأن ما يدل المسلمين من نكاية الاصطلام أعظم ضررًا من ذلة البذل، فاقتدى به أعظم الضررين.
والثانية: افتداء من في أيديهم من الأسرى إذا خيف على نفوسهم، وكانوا يستذلونهم بعذاب أو امتهان، فيجوز أن يبذل له الإمام في افتكاكهم مالًا ليستنقذهم به من الذل والحظر، وإن اقتداهم بأسرى كان أولى.
وروى أبو الملهب عن عمران بن الحصين: "أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى رجلًا برجلين".
وما بذله المسلمون من مال في اصطلام، أو فداء فهو كالمغصوب لأخذه منهم جبرًا بغير حق فإن ظفر به المسلمون عنوة لم يغنموه وأعيد إلي مستحقه الذي خرج منه من مال مسلم، أو من بيت المال، وإن وجدوه مع مستأمن نظر فيه، فإن كان سبب بذله لم يسترجع منه؟ لما في استرجاعه من عود الضرر، وإن زال سبب بذله استرجع منه وأعيد إلي مستحقه، ولم يعترض عليه في غيره من أمواله لأمانه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن صالحهم الإمام على ما لا يجوز فالطاعة نقضه كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم في النساء وقد أعطى المشركين فيهن ما أعطاهم في الرجال ولم يستثن فجاءته أم كلثوم بنت عقبة بن معيط مسلمة مهاجرة فجاء أخواها يطلبانها فمنعها منهما وأخر أن الله منع الصلح في النساء وحكم فيهن غير حكمه في الرجال وبهذا قلنا أعطى الإمام قومًا من المشركين الأمان على أسير في أيديهم من المسلمين أو مال ثم جاءوه لم يحل له إلا نزعه منهم بلا عوض وإن ذهب ذاهب إلي أن النبي صلى الله في النساء وقد أعطى المشركين فيهن ما أعطاهم في الرجال ولم يستثن فجاءته أم كلثوم بنت عقبة معيط مسلمة مهاجرة فجاء أخواها يطلبانها فمنعها منهما وأخبر أن الله منع الصلح في النساء وحكم فيهن غير حكمه في الرجال وبهذا قلنا أعطى الإمام قومًا من المشركين الأان على أسير في أيديهم من المسلمين أو مال ثم جاءوه لم يحل له إلا نزعه منهم لا عوض وإن ذهب ذاهب إلي أن النبي صلى الله عليه وسلم رد أبا جندل بن سهيل إلي أبيه وعياش بن أبي ربيعة إلي أهله قيل أهلوهم أشفق الناس عليهم وأحرصهم على سلامتهم ولعلهم يقونهم بأنفسهم مما يؤذيهم فضلًا عن أن يكونوا متهمين على أن ينالوا بتلف أو عذاب، وإنما نقموا منهم دينهم فكانوا يشددون عليهم دينهم كرهًا وقد وضع الله المأثم في إكراههم أو لا ترى أن النساء إذا أريد بهن الفتنة ضعفن ولم يفهمن فهم الرجال وكان التقية تسعهن وكان فيهن أن يصيبهن أزواجهن وهن حرام عليهن.
قال: وإن جاءتنا امرأة مهادنة أو مسلمة من دار الحرب إلي موضع الإمام فجاء سوى زوجها في طلبها منع منها بلا عوض وإن جاء زوجها ففيها قولان: أحدهما يعطي ما أنفف وهو ما دفع إليها من المهر.
والآخر لا يعطى.
وقال في آخر

الجواب وأشبههما أن لا يعطوا عوضًا.
قال المزني: هذا أشبه بالحق عندي".
قال في الحاوي: لا يجوز للإمام أن يعقد الهدنة على شروط محظورة وقد منع الشرع منها.
فمنها: أن يهادنهم على مال يحمله إليهم، فهو محظور لما قدمناه.
ومنها: أن يهادنهم على خارج يضربونه على بلاد الإسلام.
ومنها: أن يهادنهم على رد ما غنم من سبي ذراريهم؛ لأنها أموال مغنومة.
فإن قيل: فقد رد سول الله صلى الله عليه وسلم سبي هوازن عليهم.
قيل: إنما ردهم عليهم بعد إسلامهم عن طيب نفس منه تفضلًا عليهم، فخالف التزامه للمشركين عن عقد.
ومنها: أن يهادنهم على دخول الحرم أو استيطان الحجاز، فلا يجوز.
ومنها: أن يهادنهم على ترك قتالهم على الأبد، لما فيه من تعطيل الجهاد.
ومنها: أن يهادنهم، وليس به حاجة إلي مهادنتهم، لقوله عليهم عدم النفع بمهادنتهم.
ومنها: أن يهادنهم أكثر من عشر سنين، وإن كان محتاجًا إليها.
ومنها: أن يهادنهم على إظهار مناكيرهم في بلادنا من صلبانهم وخمورهم وخنازيرهم.
ومنها: أن يهادنهم على إسقاط الجزية عمن أقام في دار الإسلام منهم.
ومنها: أن يهادنهم على تعشير أموالنا إذا دخلنا إليهم.
ومنها: أن يهادنهم على ألا نستنقذ أسرانا منهم، فهذه وما شاكلها محظورة، قد منع الشرع منها، فلا يجوز اشتراطها في عقد الهدنة، فإن شرطت بطلت ووجب على الإمام نقضها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ردوا الجهالات إلي السنن، ولا تبطل الهدنة، وإن كانت شرطًا فيها؛ لأنها ليست كالبيوع من عقود المعاوضات التي تبطل بفساد الشرط؛ لما يؤدي إليه من جهالة الثمن، وليست بأوكد في عقود المناكحات بها، فإن طالبوه بالتزامها أعلمهم حينئذ بطلانها في شرعنا، وأنه لا يجوز لنا العمل بها.
فإن دعوه إلي نقض الهدنة نقضها، إلا أن يخاف منهم الصطلام، فيجوز للضرورة، أن يلتزمها ما كان على ضرورته كما قلنا في بذل المال.

فصل: فإذا تقررت هذه المقدمة، فصورة مسألتنا: أن يهادنهم على أن يرد عليهم من جاءنا مسلمًا منهم فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا في الحديبية على هذا، فنذكر حكمها في صلحه ثم نذكره في صلحنا.
أما حكمها في صلحه، فقد كانت هدنة بالحديبية معقودة على هذا أن يرد عليهم من جاء مسلمًا منهم، فجاءه أبو جندل ابن سهيل بن عمرو مسلمًا فقال له سهيل: هذا ابني أول من أقاضيك عليه، فرد إليه، وقال لأبي جندل: قم تم الصلح بيننا، وبين القوم فاصبر حتى يجعل الله لك فرجًا ومخرجًا، ثم رده بعده عياش بن أبي ربيعة، وأبا بصير، فرد هؤلاء الثلاثة من الرجال، ثم جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة، فجاء أخواها في طلبها، عمارة والوليد ابنا عقبة، وجاءت سعيدة زوجة صيفي بن الراهب مسلمة، فجاء في طلبها، وجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة، فجاء زوجها واسمه مسافر من قومها في طلبها، وقالوا: يا محمد قد شرطت لنا رد النساء وطين الكتاب لم يجف، فاردد علينا نساءنا فتوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ردهن توقعًأ لأمر الله تعالى فيهن حتى نزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ﴾ [الممتحنة 10] الآية، والتي بعدها، فامتنع حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ردهن، ومن رد النساء كلهن، ولم يمتنع من رد الرجال؛ لوقوع الفرق بين الرجال والنساء من وجهين: أحدهما: أن الرجال أثبت من النساء، وأقدر على التوبة إن أكرهوا على الكفر.
والثاني: أن النساء ذوات الأزواج يحرمن على أزواجهن من الكفار، ولا يقدرون على الامتناع منهم والرجال بخلافهن، فلهذين وقع الفرق في الرد بين الرجال والنساء، فرد الرجال، ولو يرد النساء، والله أعلم.
فصل: ونحن نبدأ بشرع ما تضمنته الآية من تفسير وقفه.
أما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة 10] ففيما يمتحن به وجهان: أحدهما: بأن يشهدن بأن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
والثاني: بما في السورة من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة 12] الآية، ثم قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة 10] يعني

بما في قلوبهن؛ لأن الامتحان يعلم به ظاهر إيمانهن، والله أعلم يعلم ظاهره وباطنه، ثم قال تعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ يعني بالامتحان ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ﴾ [الممتحنة 10] يعني تمنعوهن من الرجوع إلي الكفار من أهليهن وأزواجهن، ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [الممتحنة 10] يعني أن المسلمة لا تحل لكافر بحال ﴿ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة 10] فيه وجهان: أحدهما: يعني أن الكفار لا يحلون للمسلمات بحال.
والثاني: يعني أن المسلم لا يحل نكاح كافرة وثنية، ولا مرتدة، ثم قال تعالى: ﴿وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 10] يعني مهورهن، وفيمن تدفع إليه مهورهن قولان: أحدهما وهو قول الشافعي أزواجهن دون غيرهم من أهليهن، فعلى هذا يدفع ذلك إليهم إن كن قد أخذنه منهم، ولا يدفه إن لم يأخذنه.
والثاني: إن كل طالب لهن من زوج وأهل وهو شاذ.
فعلى هذا يدفع إلي من كل مستحقًا لطلبهن من زوج وأهل، سواء أخذنه أو لم يأخذنه، وهذا فاسد؛ لأنه قال: ﴿وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 10] فلا يأخذ من لم ينفق ثم قال: ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة 10] يعني المؤمنات اللاتي جئن من دار الشرك مسلمات عن أزواج مشركين أباح الله تعالى نكاحهن للمسلمين إذا انقضت عددهن، أو كن غير مدخول بهن.
وقوله: ﴿إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة 5] يعني مهورهن، وليس يريد بالإيتاء الدافع إلا أن يتضمنه العقد فيصير مستحقًا ثم قال: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة 10] يعني أن الكافر إذا أسلم عن زوجة وثنية لم يقم على نكاجها تمسكًا بعصمتها إلا أن يسلم في عدتها، وفي العصمة هاهنا وجهان: أحدهما: الجمال.
والثاني: العقد، ثم ثال تعالى: ﴿واسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ ولْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 10] يعني أن المسلم إذا ارتدت زوجته، فلحقت بأهل العهد رجع المسلم عليها بمهرها، كما يرجع أهل العهد علينا بمهر من أسلم منهم، ثم قال: ﴿وإن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة 11] يعني من ارتدت الكفار، وهي زوجة المسلم إذا ارتدت فلحقت بأهل العهد، وفواتها أن تنقضي عدتها في الردة، ثم قال: ﴿فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 11] فيه وجهان: أحدهما: فعاقبتم المرتدة بالقتل، فلزوجها أن يرجع بمهرها في غنائم المسلمين وهذا قول شاذ ذهب إليه بعض المتكلمين.

والثاني: يعني: فعاقبتم الذين لحقت المرتدة بهم من الكفار، وفيما أريد بمعاقبتهم وجهان: أحدهما: إصابة العاقبة منهم بالقتل والسبي والغنيمة فيدفع من غنائمهم مهر من ارتد إليهم.
والثاني: أنه كما يوجب عليهم مهر من ارتد إليهم، ووجب لهم مهر من أسلم أيضًا جعل ذلك قصاصًا تساويًا ورد فعل إن زاد فيكون معنى "فعاقبتم" أن تقاصصتم، وهو على الوجه الأول من العقب.
فصل: وإذا كان الله تعالى قد منع رسوله بهذه الآية من رد النساء إذا أسلمن دون الرجال، وأوجب لأزواجهن مهورهن، فقد اختلف العلماء وأصاحبنا معهم: هل اشترط في عقد هدنته رد من أسلم من الرجال والنساء أو جعله منصورًا على الرجال دون النساء؟ على ثلاثة أقاويل: أحدها: إنه خرج في شرطه أن يرد من أسلم من الرجال دون النساء؛ لأنه لا يجوز أن يشترط لهم ما لا يجوز، ولكن سألوه لما أسلم من نسائهم من أسلم أن يجريهم في الرد مجرى الرجال، ليمن عليهن برده؛ لظنهم أن ردهن جائز، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم المنع من ردهن؛ ليكون حجة لرسوله صلى الله عليه وسلم من الامتناع، وإن كان ممتنعًا منه، وجعل رد المهر على الأزواج توكيدًا لعقد الهدنة.
والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق في شرط العقد رد من أسلم؛ ولم يصرح بذكر النساء في رد ولا منع، فكان ظاهر العموم من الشرط اشتماله عليهن مع الرجال، وإن كان تخصيصه محتملًا في دين الله تعالى خروجهن من عمومه، وكذلك كان مراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
وتمسكت قريش بظاهر العموم في رد النساء، فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجهن من الهموم بما نزل عليه من الاستثناء.
والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بردهن في شرط هدنته كما صرح بذكر الرجال حتى منعه الله تعالى من ردهن بهذه الآية، فعلى هذا اختلف أصحابنا في وجه اشتراطه لردهن على ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه كان ذلك منه على وجه السهو، ولولا سهوه عنه، لما أقدم عليه، وقد يسهو كغيره من أمته لكن لا يقره الله تعالى على خطأ، فيكون مساويًا لهم في السهو مباينًا لهم في الإقرار، فنزلت الآية عليه (استدراكاً) لسهوه.

والثاني: أنه فعله مع علمه بحظره لكن دعته الضرورة إليه لمصلحة وقته في حسم القتال؛ لأنه كان في ألف وأربعمائة من أصحابه، وكان المشركون نحو أربعة آلاف، وقد يفعل في الاضطرار ما لا يجوز أن يفعل في الاختيار، فلما زالت ضرورته منع منه.
والثالث: أنه قد كان مباحًا في صدر الإسلام أن تقر المسلمة على نكاح كافر، ولذلك أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على نكاح أبي العاص بن الربيع، وكان على كفره إلي أنت انتزعها منه حتى أسلم، ثم ردها عليه، فلذلك شرط رد من أسلم من نسائهم عليهم، ثرم حرم الله تعالى ذلك، ونسخه، فامتنع منه وأبطل شرطه فيه.
فإن قيل: فمذهبكم أنه لا يجوز أن ننسخ السنة إلا السنة، والقرآن إلا القرآن فكيف ننسخ السنة هاهنا بالقرآن.
قيل: أما نسخ القرآن بالسنة، فلا يختلف مذهبنا أنه لا يجوز وأما نسخ السنة بالقرآن، فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: وهو مذهب ابن سريج أنه يجوز أن ننسخ السنة بالقرآن فعلى هذا سقط السؤال.
والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وهو قول جمهور أصحابه أنه لا يجوز نسخ السنة بالقرآن، كما لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، فعلى هذا عن هذا النسخ جوابان: أحدهما: أنه قد كان مستباحًا بعموم ما نزل من القرآن في إباحة النكاح، ثم نسخ ذلك بتخصيص العموم، فكان نسخ القرآن بقرآن.
والثاني: أنه قد كان مستباحًا بالسنة ثم نسخته السنة بما روي من إبطال الشرط في هدنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فصل: فأما حكم الشرط في هدنة من بعده من أئمة الأعصار، فلا يجوز أن يهادنوا على رد من أسلم من نسائهم بحال، ولئن فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قدمناه من الاختلاف في هدنته، فقد كان قبل الاستقرار الشرط في حظر الرد، قد استقر منه ما لا جوز خلافه.
فأما الشرط رد من أسلم من الرجال، فمعتبر بأحوالهم عند قومهم، وفي عشائرهم، إذا رجعوا إليهم، فإن كانوا مستذلين فيهم ليس لهم عشيرة تكف الأذى عنهم، وطلبوهم ليعذبوهم، ويفتنوهم عن دينهم كما كانت قريش تعذب بلالًا، وعمارًا وغيرهما من المستضعفين بمكة، لم يجز ردهم عليهم، وكان الشرط في ردهم باطلًا، كما بطل في رد النساء حقنًا لدمائهم، وكفا عن تعذيبهم واستذلالهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أن الله حرم من

المسلم ماله ودمه، وأن لا يظن به إلا خيرًا" ولأنه لما وجب على الإمام فك الأسير المسلم وجب أن لا يكون عونًا على أسر مسلم.
فأما من كان في عز من قومه، منعة من عشيرته قد أمن من أن يفتن عن دينه أو يستذله، مستطل عليه، جاز رده عليه وصحت الهدنة باشتراط رده.
قدر رد سول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية أبا جندل بن سهيل بن عمرو على أبيه، ورد عياش بن أبي ربيعة على أهله، ورد أبا بصير على أبيه، وأنهم كانوا ذوي عشيرة، وطلبهم أهلوهم إشفاقًا عليهم، وفادى العقيلي بعد إسلامه برجلين من المسلمين كانا أسرين في قومه، لقوة عشيرته فيهم.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد مراسلة قريش بالحديبية، فعرض على أبي بكر أن يتوجه إليهم، فقال: إني قليل العشيرة بمكة، ولا آمنهم على نفس.
فعرض على عمر.
فقال مثل ذلك فقال لعثمان: "أنت كثير العشيرة بمكة" فوجهه إليهم، فلما توجه فلقوه الإكرام وقالوا له: طف بالبيت وتحلل من أحرامك، فقال: لا أطوف بالبيت ورسوله الله صلى الله عليه وسلم محصور عن الطواف، فانقلبوا عليه، حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قتل، فبايع أصحابه من أحله بيعة الرضوان تحت الشجرة، فدل هذا على الفرق بين ذي العشيرة المانعة وبين غيره في الرد.
ومثله ما قلناه: في وجوب الهجرة على من أسلم في دار الحرب إن كان ممتنعًا بعشيرته إذا أظهر إسلامه لم تجب عليه الهجرة، وإن كان مستضعفًا وجبت عليه الهجرة، فصار الرد مقصورًا على طائفة واحدة، وهي الممتنعة بيوتها لقوتها والمنع الرد مشتملًا على طائفتين: أحدهما: جميع النساء من الممتنعات، والمستضعفات.
والثاني: المستضعفون من الرجال، وكذلك الصبيان إذا وصفوا الإسلام عند المراهقة ممنوعة من الرد، وإن كانوا ممتنعين؛ لأنهم قد يفتنون عن دينهم.
نص عليه الشافعي، فجعل أبو علي بن أبي هريرة هذا دليلاً على صحة إسلامه قبل بلوغه، وذهب جميع أصحاب الشافعي، وهو ظاهر مذهبه، ومنصوصه في سائر كتبه إن إسلامه لا يصح قبل بلوغه، وإنما منع من رده استظهارًا لدينه حتى يتحقق ما هو عليه بعد بلوغه.
فإن وصف الإسلام رد إن كان ممتنعًا، ولم يرد إن كان مستضعفًا، وإن وصف الكفر حمل على هدنة قومه.
فلو شرط في الهدنة رد من أسلم مطلقًا من غير تفصيل بطلت؛ لأن إطلاقه يقتضي عموم الرد ممن يجوز أن يرد، وممن لا يجز أن يخص عمومه بالعرف فيمن يجوز رده.

فصل: فإذا تقرر هذا التفصيل، فالكلام فيه يشتمل على فصلين: أحدهما: في النساء.
والثاني: في الرجال.
فأما الفصل الأول: في النساء، فليس لهم إلا حال واحدة في المنع من ردهن، فإذا منع الإمام منه نظر في الطالب لهن: فإن كان غير زوج من ابن أو أخ أو عم، فلا شيء له إذا امتنع؛ لأنه لا يملك عن بضعها بدلاً.
وإن كان الطالب لها زوجها قيل له: إن أسلمت في عدتها كنت على نكاحك لها، وإن لم تسلم منعت منها، ونظر في مهرها، فإن لم يدفعه إليها لم يرجع به، وإن دفعه إليها، فعنى رجوعه به قولان بناء على الاختلاف المتقدم في امتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ردهن، هل كان لنسخ بعد الإباحة، أو كان مع تقدم الحظر، لأن الله تعالى أوجب رد المهم في عقد هدنته، فكان مستحقًا في منعه، وإن لم يدفعه لم يطال.
فإن قيل: إنه اشترط ردهن مع إباحته، ثم نسخه الله تعالى بعد هدنته، فلا مهمر لزوج المسلمة من بعده، لأنه لا يجوز اشتراط ردها عليه؛ لما استقر من تحريمه.
وإن قيل: إن حظره كان متقدمًا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشترط ردهن أو شرطه سهوًا أو مضطرًا وجب لزوج المسلمة في هدنة الإمام بعده الرجوع بمهرها؛ لأن ردهن في الحالين محظور، والشرط فيها ممنوع، فصار الفولان في رد المهر مبنيين على هذين: أحدهما: وهو الأصح، واختاره المزني، وبه قال أبو حنيفة ومالك: لا مهر له، ووجهه شيئان: أحدهما: أنه لما لم يرجع به غير زوجها أهلها لم يرجع به زوجها كالنفقة والكسوة.
والوجه الثاني: لما لم ترجع زوجة من أسلم بما استحقته من المهم وجب أن لا يرجع زوج من أسلمت بما دفعه المهر، لتكافئهما في النكاح.
والقول الثاني: وبه قال عطاء له الرجوع بالمهر؛ لأمرين: أحدهما: عموم قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 10]، فاقتضى أن يستوي فيه حكم الجميع.
والثاني: أن عقد الهدنة قد أوجب الأمان على الأموال، ويضع الزوجة في حكم

المال؛ لصحة المعاوضة عليه نكاحًا وخلعًا، فاقتضى أن يجب في المنع منه الرجوع ببدله، وهو المهر وعلى هذا القول يكون التفريغ، فيكون استحقاق مهرها معتبرًا بتسعة شروط: أحدهما: أن يكون الطالب لها زوجها، فإن طلبها غيره من أهلها لم يستحق مهرها؛ لأنه لا يملك منافع بضعها، فإن ادعى زوجتها فصدقته قبل قولها، وإن أنكرته لم تقبل دعواه إلا بشاهدين من عدول المسلمين يشهدان بنكاحه، ولا يقبل منه شاهد وامرأتان، ولا شاهد ويمين؛ لأنه بينة على عقد نكاح.
والثاني: أن يكون قد ساق إليها مهرها، فإن لم يسقه لم يستحقه، وقولها في قبضه مقبول، فإن أنكرته لم يجب عليها يمين؛ لأن رده مستحق على غيرها، وطول الزوج بالينة، ويقبل منه شاهد وامرأتان، وشاهد ويمين؛ لأنها بينة على مال، فإن كان ما دفعه من المهر حرامًا كالخمر والخنزير لم يستحق الجوع بمهرها؛ لأنه دفع ما لا يستحق فيه مثل، ولا قيمة.
والثالث: أن تكون قد هاجرت بإسلامها إلي بلد الإمام أو من ينوب عنه وفي هذا النائب عنه وجهان: أحدهما: هو النائب عنه في عقد الهدنة لمباشرته لها.
والثاني: النائب عنه في بيت المال؛ لأن المهر يستحق فيه، فإن هاجرت إلي غير بلده لم يستحق مهرها بعد من ينفذ تصرفه في بيت المال.
والرابع: أن يستقر إسلامها بالبلوغ والعقل، فإن كانت صغيرة أو مجنونة، وقف أمرها على البلوغ والإقامة، ومنه منها، لئلا تفتن عن دينها إذا بلغت أو أفاقت، فإن صبر الزوج منتظرًا يمنع من المهر، فإن بلغت الصغيرة، وأفاقت على الإسلام دفع إليها مهرها، وإن وصفت الكفر لم يدفع إليها مهرها، ويمكن منها.
وإن امتنع من الصبر والانتظار، وقال: إما التمكين منها أو دفع مهرها، ففيه وجهان: أحدهما: يجبر على الصبر انتظارًا لها، ولا يمكن منها، لجواز إسلامها، ولا يدفع إليه مهرها، لجواز كفرها.
والثاني: يدفع إليه مهرها؛ لأنه مستحق لا يعجل له أيسرهما، وروعي حالها إذا بلغت، فإن أقامت على الإسلام استقر ملكه على المهر منعه منها، وإن وصفت الكفر استرجع منه مهرها، مكن منها.
فأما المجنونة، فإن كانت قد وصفت الإسلام قبل جنونها دفع إليه مهرها، وإن

وصفته في جنونها كانت كالصغيرة في انتظار إقامتها.
والخامس: أن تكون باقية الحياة لم تم؛ ليصير الزوج ممنوعًا منها، فإن ماتت نظر في موتها، فإن كان بعد طلب الزوج لها استحق مهرها؛ لأنه قد استوجب بالطلب فلم يسقط بالموت، وإن ماتت قبل طلبه، فلا مهر له؛ لأنه لم يتقدم منه يستحق به المهر، وكذلك لو مات الزوج دونها، وكان قبل طلبه، فلا مهر لوارثه، وإن مات بعد طلبه استحق وارثه المهر لوجوبه بالمنع قبل الموت.
والسادس: أن تكون باقية في عدتها، فإن طلبها بعد انقضاء العدة، فلا منزلة لوقوع الفرق بانقضائها إلا أن يطلبها في العدة، ولا يسقط المهم بتأخيره إلي انقضائها كما لا يسقط بالموت.
والسابع: أن تكون مقيمة على إسلامها، فإن ارتدت عنه منع منها، وفي استحقاقه لمهرها لهذا المنع وجهان: أحدهما: يستحقه لمنعه منها بحرمة الإسلام كالمسلمة.
والثاني: لا تستحقه؛ لأنه منع لإقامة الجد وليس يمنع لثبوت الإسلام، والأول أصح لأن فرج المرأة المرتدة محظور على الكافر كالمسلمة.
والثامن: أن يكون الزوج مقيمًا على كفره؛ ليكون على المنع منها، فإن أسلم، فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون إسلامه قبل انقضاء عدتها، فيكونان على النكاح، ولا مهر له لتمكينه منها، فلو كان قد أخذ المهر قبل إسلامه استرجع منه؛ لئلا يكون مالكًا لبعضها بغير مهر.
والثاني: أن يكون إسلامه بعد انقضاء عدتها، فقد بطل النكاح، بانقضائها ثم ينظر في المهر، فإن كان قد أخذ بالطلب قبل الإسلام لم يسترجع منه، وصار بالقبض متسهلكًا في الشرك، وإن لم يأخذ المهر قبل إسلامه نظر.
فإن لم يكن قد طلبها حتى أسلم، فلا مهر له؛ لأنه غير ممنوع أن يستأنف نكاحها، وإن قدم الطلب، ولم يأخذ منها حتى أسلم، ففي استحقاقه لمهرها وجهان: أحدهما: يستحقه ولجوبه بالطلب.
والثاني: لا يستحقه؛ لأنه ممكن من نكاحها من إن أحب.
والتاسع: أن يكون الزوج مقيمًا على نكاحها، فإن طلقها، فضربان: أحدهما: أن يكون طلاقه بعد المطالبة لها، فله المهر؛ لأنه قد استحقه بالمنع، ولا يسقط بالطلاق كما لا يسقط الموت.

جارٍ التحميل