بحر المذهب للرويانيصفحات 262-301

كتاب قسم الفيء وقسم الغنائم

صفحات 262-301

على اختلاف قوليه متى يملك الغانمون الغنيمة.
فأحد القولين: أنه لهم بانقضاء الحرب أن يتملكوها، فعلى هذا يسهم منها لأسير لأنه قد شاركهم في سهم التملك لها.
والثاني: أنهم يتملكونها بشرطين: القتال عليها والإجازة لها.
فعلى هذا لا سهم لأسير بحضوره بعد أن ملك الجيش أن يتملكها.
فإذا قيل: يسهم له، فبحسب حاله فارسا كان أو راجلا، وإذا قيل: لا يسهم له، فإن حضر بعد قم الغنيمة فلا رضخ له فيها، وان حضر قبل قسمتها رضخ له منها، ويحتمل وجها آخر أن لا يرضخ له لفوات زمان والله أعلم.
مسألة 1 قال الشافعي رحمه الله: "ولو دخل تجار، فقاتلوا لم أر بأساً أن يسهم لهم وقيل لا يسهم لهم".
قال في الحاوي: إذا اتبع الجيش تجار وصناع قصدوا كسب منافعهم وصنائعهم في جهاد عدوهم فإن تأخروا عن الوقعة لم يسهم لهم وان حضروها نظر فإن قاتلوا أسهم لهم: لأنهم بالقتال قد عدلوا عن قصد الكسب إلى نية الجهاد وان لم يقاتلوا ففيه قولان: أحدهما: لا سهم لهم وهو قول أبي حنيفة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات".
والثاني: يسهم لهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة، ولأنه لما لم تمنع التجارة والصناعة من الحج لم تمنع من الجهاد، فإذا أسهم لهم اعتبرت أحوالهم فرساناً ورحالة.
وإذا قيل: لا يسهم، أعطوا رضخا لا يختلف فيه لإدراكهم زمان الاستحقاق.
مسألة 2 قال الشافعي رحمه الله: " ولو جاءهم مرد قبل أن تنقضي الحرب فحضروا منها شيئاً قل أو كثر شركوهم في الغنيمة فإن انقضت الحرب ولم يكن للغنيمة مانع لم يشركوهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا ألحق بالجيش في دار الحرب مرد لم يدخل حال المرد من ثلاثة أقام: أحدهما: أن يدركوا الوقعة قبل نقضي الحرب فيكونوا شركاء للجيش في الغنيمة سوا، قاتلوا معهم أم لا وسواء احتاج الجيش إليهم أم لا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن حضر الوقعة"، ولأن لورودهم تأثيراً في القوة وربما كان سبباً للظفر.
والثاني: أن يدركوهم بعد تقضي الحرب، وانجلاء الوقعة، وقبل إجازة الغنيمة.

والإجازة أن (يستولي) عليها الملمون ويولي عنها المشركون ونأمن رجعتهم في الحال فتكمل الإجازة بهذه الشروط الثلاثة فإن انخرم شرط منها لم تكمل الإجازة فإذا كان حضور المرد بعد تقضي الحرب وقبل الإجازة فهل يشركونهم فيها أم لا على القوين الماضيين نصاً، وتخريجاً.
والثالث: أن يدركوهم بعد تقضي الحرب وبعد إجازة الغنيمة على ما ذكرنا من صفة الإجازة فلا حق لهم في الغنيمة والجيش أحق بها من المرد.
وقال أبو حنيفة: المرد شركاء الجيش في الغنيمة إذا أدركوهم في دار الحرب وان أحرزت الغنائم ما لم يقتسموها أو يكن الإمام قد باعها ولو كان المرد أسرى لحقوا بالجيش في دار الحرب بعد إجازة الغنائم لم يشركوهم.
واستدل على مشاركة المرد لهم بأنهم جيش اجتمعوا على نفل الغنيمة من دار الحرب، فوجب أن يشركوا فيها قياسا على الحاضرين قبل الحرب: ولأن لما كان الرد مشاركاً وجب أن يكون المرد مشاركاً لأن كلا الغريقين عون وللجيش بهما قوة، ولأن الغنيمة لا تملك إلا بالإجازة إلى دار الإسلام فصار المرد مدركاً لها قبل إجازتهما.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" والذي شهدها الجيش دون المرد فوجب أن يكون أحق بهما من المرد.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبان بن سعيد على سرية قبل نجد فقدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر، وقد فتحها وأجازها فسأله أن يسهم له ولأصحابه منها فأبى! فدل على اختصاص الجيش بها دون المردء ولأن لحوقهم بالجيش بعد إجازة الغنيمة يمنع مشاركتهم في الغنيمة قياساً على الأسرى ولأن كل غنيمة لا يسهم للأسرى منها لم يسهم للمرد منها قياساً على ما نفل أو أقسم.
وأما الجواب عن قوله: أنهم اجتمعوا على نفل الغنيمة فليس النفل علة في التملك إلا ترى أن الأسرى لو نفلوا لم يتملكوا وكذلك الأجراء على النفل.
وأما استدلالهم بالردء فهم والمراد سواء أن أدرك الوقعة أسهم لهم كالرد وان لم يدرك الرد الوقعة لم يسهم لهم كالمرد.
وأما قوله: إن الغنيمة يمكن إجازتها إلى دار الإسلام فليس للدار تأثيراً في تملكها وإنما تملك بمجرد الإجازة على ما ذكرنا من الشروط المعتبرة والله أعلم بالصواب.
مسألة 1 قال الشافعي رحمه الله: "ولو أن قائداً فرق جنده في وجهين فغنمت إحدى الفرقتين أو غنم العسكر لم تغنم واحدة منهما شركوهم لأنهم جيش واحد كلهم ردء لصاحبه وقد مضت خيل المسلمين فغنموا بأوطاس غنائم كثيرة وكثر العساكر بحنين

فشركوهم وهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن لو كان قوم مقيمين ببلادهم منهم طائفة فغنموا لم يشركوهم وان كانوا منهم قريباً لأن السرايا، كانت تخرج من المدينة فتغنم فلا يشركهم أهل المدينة ولو أن إماماً بعث جيشين على كل واحد منهما قائد وأمر كل واحد منهما أن يتوجه ناحية غير ناحية صاحبه من بلاده عدوهم فغنم أحد الجيشين لم يشركهم الآخرون فإذا اجتمعوا فغنموا مجتمعين فهم كجيش واحد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وللسرايا متقدمة على الجيوش حالتان: إحداهما: أن تسري من جملة جيش خارج في الجهاد.
والثانية: إن تسري من جملة جيش مقيم.
فأما الحالة الأولى وهو أن تسري من جملة جيش خارج في الجهاد فصورتها أن يخرج الإمام لجيشه أو يستخلف على الجيش أميراً فينفذ السرايا من جملة الجيش الخارج ففيه ثلاث مسائل: فالمسألة الأولى: أن يتقدم من جملته سرية واحدة إلى بعض الجهات؛ فتكون السرية والجيش شركاء بجميع ما غنموه، فإن غنمت السرية شاركهم الجيش، وان غنم الجيش شركتهم السرية وسواء كان تفرد السرية إلى الجهة التي يقصدها أو إلى غيرها، وهذا قول الجمهور.
وقال الحسن البصري يتميز حكم السرية عن الجيش ويختص كل واحد منهما بما غنمه استدلالاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة " وهذا خطأ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين هزم هوازن بحنين أسرى قبل أوطاس سرية غنمت فقسم غنائمهم في الجميع.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم يرد مشدهم عل مضعفهم ومتسريهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" 1 فأخبر أن السرايا ترد على القاعد ولأنهم جيش واحد وكل واحد منهما ردا لصاحبه ألا ترى أن الجيش إن احتاج إليها رجعت إليه وان احتاجب إليه لحق بها.
والمسألة الثانية: أن ينفذ من الجيش سريتين إلى جهة واحدة في طريق واحد أو طريقين فيكون الجيش والسريتان جيشاً واحداً إن غنمت السريتان اشتركتا مع الجيش، وان غنمت إحداهما شركتهما الأخرى والجيش، وان غنم الجيش شاركته السريتان؛ لما ذكرنا من النص والتعليل.
والمسألة الثالثة: أن ينفذ سريتين إلى جهتين مختلفتين فتكون السريتان مشاركتين للجيش والجيش مشارك للسريتين وهل تكون إحدى السريتين مشاركة للأخرى أو لا؟ على وجهين:

أحدهما: تكون مشاركة لها؛ لأنها من جملة جيش واحد فصار الكل جيشاً واحداً.
والثاني: أن لكل واحد من السريتين حكم نفسها لا تشارك الأخرى ولا يشاركها؛ لأن الجيش أصل السريتين وليست إحدى السريتين أصله للأخرى.
فصل وأما الحالة الأخرى وهو أن يكون الجيش مقيماً والسرايا منه نافذة ففيها ثلاث مسائل: إحداها: أن ينفذ الإمام من جملة جيشه المقيم سرية فتغنم فتختص السرية بغنيمتها ولا يشركها الجيش المقيم سواء أسرت إلى موضح قريب أو بعيد، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفذ السرايا من المدينة فلا يشركهم أهل المدينة، ولأن الغنيمة للمجاهدين وليس المقيم مجاهداً.
والمسألة الثانية: أن ينفذ الإمام من جملة جيشه المقيم سريتين إلى جهة واحدة في طريق واحد أو طريقين فتكون السريتان جيشاً واحداً، أيهما غنمت شاركتها الأخرى، ولا يشاركهما الجيش المقيم لكون غير مجاهد.
والمسألة الثالثة: أن ينفذ الإمام من جملة الجيش المقيم سريتين إلى جهتين مختلفتين وقد أفرد كل سرية منهما بقائد فإن اجتمعت السريتان على جهة واحدة فهم شركاء في غنائمها دون الجيش المقيم، وان انفردت كل سرية بالجهة التي نفذت إليها لن تشاركها الأخرى في غنائمها، ولا يشارك الجيش واحدة منها؛ لأن كل واحدة من السريتين إذا اختصت بجهة لم تكن ردا للأخرى فصارت جيشاً منفردا فلو انضم نفراً من إحدى السريتين إلى الأخرى وغنموا شاركوها في غنائمهم، لأنهم بالانضمام إليها قد صاروا من جملتها فإذا جاز النفر سهمهم منها فهل يشاركهم فيه باقي أصحابه من السرية الأخرى أو لا؟ على وجهين: أحدهما: يشاركونهم فيه، لأن جميعهم جيش واحد، فعلى هذا لو كان باقي السرية غنمت شاركهم فيها النفر المنفرد عنهم.
والثاني: أن هؤلاء النفرد يختصمون بما أخذوا من السرية التي انضموا إليها؛ لأنهم لما صاروا من جملتها بالانضمام إليها خرجوا من جملة سريتهم بالانفراد عنها؛ فعلى هذا لو أن الباقين من سريتهم غنموا لم يشاركوهم كما لم يردوا عليهم، والله أعلم.

باب تفريق الخمس

مسألة 1 قال الشافعي رحمه الله: "قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال:

41] الآية وروي أن جبير بن مطعم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قسم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وصفك الله به منهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطتهم أوتركتنا وإنما قرابتنا وقرابتهم واحد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك بين أصابعه"، وروي جبير بن مطعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل من ذلك شيئا".
قال في الحاوي: وقد مضى الكلام في أربعة أخماس الغنيمة، فأما خمسها وخمس الفيء فهما سواء، ولأربعة أخماس الفيء حكم يخالف حكم خمسه، وخمس الفيء والغنيمة مقسوم على مذهب الشافعي على خمسة أسهم: سهم كان لرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته ويصرف بعده في مصالح المسلمين العامة، وسهم لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب باق لهم ما بقوا، وسهم لليتامى، وسهم المساكين، وسهم لبني السبيل.
وقال أبو العالية الرياحي: يقسم الخصى على ستة أسهم: سهم منها لله تعالى مصروف في رياح الكعبة وزينتهاء ثم الخمة الأسهم بعده على ما وصفناه وقال بعض العلماء: يقسم الخمس على أربعة أسهم أسقط منها سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموته.
وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لبني السبيل وقال بعض العلماء نقسم الخمس على أربعة أسهم أسقط منها سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسهم ذي القربى.
وقال مالك: يصرف الخمس من أربعة أخماس الفيء في وجوه المصالح.
فأما أبو العالية فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الانفال: 41] فذكر الله تعالى نفسه من المستحقين فاقتضى أن يكون له ودليلنا ما روى محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس مردود فيكم " فلو كان مقسوماً على ستة لقال إلا السدس، وروى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم الخمس على خمسة أسهم.
فأما الآية فالجواب عنها أن تقديم ذكر الله تعالى إنما هو للتبرك باسمه، ولإباحة المال بعد حظره، والا فجميع الأموال له، ولتغلظ حظر ذلك على غير من سماه.
وأما أبو حنيفة فاستدل على أن سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سقاط بأمرين: أحدهما: أن من ملك في حياته حقا كان بعد موته، إما موروثاً، واما ساقطا فلما لم يكن سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موروثاً سقط.
والثاني: أنه كان يملك سهمه من الخمس كما كان يملك من الغنيمة الصفى فلما سقط حقه من الصفى بموته سقط سهمه من الخمس به.
واستدل أيضا على أن لا حق لذوي القرب فيه إلا بالفقر من جملة اليتامى

والمساكين؛ بقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7] فحظروا بهذا التعليل على الأغنياء وثبوت حقهم فيه يوجب التسوية بين الفقراء والأغنياء؛ فدل على سقوطه بما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: دعاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد عزل لنا سهم ذي القربى فقلت إن بني هاشم عنه في غناء وان بالمسلمين حلة وفاقة فإن رأيت أن ترده عليهم، فلما تركه للغني دل على أنهم كانوا يأخذونه بالفقر.
قال: ولأن كل مال لم يجز صرفه إلى أغنياء غير ذي القربة لم يجز صرفه إلى أغنياء ذي القربى كالصدقات، ولأنهم صنفه مسمى في الخمس؛ فوجب أن لا يستحقوه مع الغني كاليتامى والدليل على ما قلناه وهو أن سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثابت في رواية محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم: فدل رده ثبوته وان تغير حكمه، لا على سقوطه.
وروى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا وكاب فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون المسلمين، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، فما فضل جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله، ثم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوليها أبو بكر مثل ما وليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم وليها عمر بمثل ما وليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فموضع الدلالة من هذا الخبر أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما سلكا بحقه بعد وفاته مسلكه بحقه في حياته؛ فدل على بقائه وثبوته؛ ولأن ما استحق من سهام الخمس لم يسقط كسائر السهام.
فصل والدليل على أن سهم ذوي القربى ثابت يستحق مع الغنى والفقر، قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: 7] فأضاف الخمس إلى خمسة أصناف بلام التمليك، وجمع بينهم بواو التشريك، فاقتضى الظاهر تساويهم بجميعهم بالأوصاف التي أضافها الله تعالى إليهم، وهو إنما وصفهم بأي القربى فدل على استحقاقهم إياه باسم القرابة لا بالفقر وقال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم: 38] قال السدي: هم ذوي القربى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بني هاشم وبني المطلب وروى الشافعي عن مطرف بن مازن عن معمر بن راشد عن ابن شهاب قال: اخبرني محمد بن جبير عن أبيه قال لما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعمان بن عفان فقلت: يا رسول الله هؤلاء لإخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما قرابتنا واحدة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد

كذا وشبك بين أصابعه 1، وفي بعض الروايات لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام.
والدلالة في هذا الخبر من وجهين: أحدهما: أن عثمان بن عفان وجبير كانا من أغنياء قريش، سألاه لما أعطيت بني هاشم وبني المطلب وحرمتنا، ونحن وهم في القرابة سواء؟ فلم يجعل سبب المنع الغني فدل على أن الغني فيه كالفقير.
والثاني: أنه كان في بني هاشم وبني المطلب أغنياء وفقراء وقد أعطاهم.
وكان من عبد شمس أغنياء وفقراء وقد حرمهم؛ فدل على أنه اعتبر القرابة دون الفقر.
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتبر النصرة دون القرابة؟ لأن هاشماً والمطلب وعبد شمس ونوفل كانوا أخوة وكلهم بنو عبد مناف، وقد خص النبي - صلى الله عليه وسلم - سهم ذوي القربة بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس ونوفل وجميعهم في القرابة سواء، لما قال في ضم بني المطلب إلى بني هاشم بأنهم شيء واحد، ولم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام ليعلمهم أن بني عبد شمس وبني نوفل قد خالفوهم في الجاهلية والإسلام، فدل على أن العطاء إنما كان لأجل الندرة التي ميزتهم بها دون القرابة التي قد اشتركوا فيها فاختلف أصحابنا لأجل ذلك في سبب الاستحقاق على ثلاثة أوجه: أحدهما: أن الاستحقاق بالقرابة وحدها دون النمرة، ولأنهم ليس للنصرة فيها تأثير، لأنه لم يذكره عثمان وجبير في طلبها ولا ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في منعهما ودفع ذلك لمن لا نصرة فيه من صغير وكبير ورجل وامرأة ومنع من ظهرت من غيرهم، وان لم يكن من بني المطلب من قام بالنصرة مقام أبي بكر وعمر وعثمان وأبي دجانة وخالا بن الوليد فمنعهم وأعطى من بني المطلب من هو أقل نصرة منهم، فدل على أنهم استحقوا ذلك بالقرابة لا بالنصرة.
والثاني: أن الاستحقاق بالقرابة والتقديم بالنصرة كما نقول في الأخوين أحدهما لأب وأم، والآخر لأب ابنهما في التعصيب بالأب سواء، ويقدم أحدهما على الآخر للأم، وان اشتركا في التعصيب، كذلك بني المطلب وان شاركوا بني عبد مناف وبني نوفل في القرابة قاموا عليهم بما اختصوا به من النصرة.
فإن قيل: فإذا كان التقديم بالنصرة فهلا زال حكمهما بزوالها، وقد زالت اليوم، قيل: النصرة في الآباء أوجبت ثبوت حكمها في الأبناء، كما تقول في تمييز كفرة أهل الكتاب على المشركين في قبول الجزية أن حرمة آبائهم حين كانوا على حق أوجبت ثبوتها لأبنائهم وإن زالوا عن الحق.
والثالث: أن الاستحقاق بالقرابة وحدها، والمنع مع وجودها لسبب آخر كما نقول

في ابنين أحدهما قاتل أنهما وإن استويا في البنوة فالقاتل ممنوع بعلة، فكذلك بنو عبد الشمس وبنو نوفل وان ساووا بني هاشم وبني المطلب في القرابة، فقد كان منهم ما يسقط به حقهم كما يسقط حق الابن القاتل.
فإن قيل: جبير بن مطعم راوي هذا الحديث أسلم بعد فتح خيبر فلم يلتفت إلى حديثه في أحكام غنائمها فعن ذلك جوابان: أحدهما: أنه لم يعين الخبر في خمس خيبر، وقد كان بعدها غنائم يحمل خبره على خمسها.
والثاني: قد كان أكثرها فيئاً فيستغل في كل عام فكان خمسة باقياً.
وروي أن الفضل بن العباس استشفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعلي رضوان الله عليهما في عمالة الصدقات فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس"، فجعل لهم خمس الخمس تنزيهاً عما يملك بالفقر من الصدقات؛ فم يجز أن يستحقوه بالفقر المشروط في الصدقات، ويدل على ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد روي على وجهين يكون في أحدهما نصاً مسنداً، فهو ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول اله أرأيت إن تولينا حقنا من هذا الخمس في كتاب الله فاقسمه في حياتك كي لا ينازعنا أحد بعدك فافعل، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نفعل ذلك" فولاينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقسمته في حياته، ثم في رواية أبي بكر حتى كانت آخر سنة من سني عمر، فإنه أتاه مال كثير فعزل حقنا ثم أرسل إلي فقلت: لنا عنه العام غناء، وبالمسلمين الآن حاجة فاردده عليهمء فرده عليهمء فلقيت العباس بعدما خرجت من عند عمر فقال يا علي: حرمتنا لا ترد علينا أبدأ، وكان راجلاً داهياً فلم يدعني إليه أحد بعد عمر.
فدل قول علي للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن رأيت إن تولينا حقنا على أنه حق يختص بهم لا يتحق بالفقر الذي هو في غيرهم.
وأما الوجه الذي يكون إجماعاً منعقداً فهو ما رواه الحكم بن عيينة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيت علياً عليه السلام عند أحجاز الركب فقلت له: بأبي وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس فقال علي: أما أبو بكر فلم يكن في زمانه أخماس وما كان فقد أوفاناه، وأما عمر فلم يزل يعطينا حتى جاءه مال السوس والأهواز أو قال مال فارس الشافعي يشك، فقال عمر: إن المسلمين فله فإن أجبتم تركتم حقكم فجعلناه في خلة المسلمين حتى يأتينا مال أو فيكم حقكم، فقال العباس لعلي: لا تطعمهم في حقنا، فقلت يا أبا الفضل ألسنا أحق من أجاب أمير المؤمنين، ودفع خلة المسلمين، فتوفي عمر قبل أن يأتيه مال فيقضيناه.

فدل استنزال عمر لهم ثمنه بخلة المسلمين، أنهم لم يستحقوه بالفقر الذي قد شاركوا فيه فقراء المسلمين، ولكنه حق لهم لا يسقط بمطالبتهم ولا يؤخر لفقرهم، وإنهم يستحقون قضاء ما أخروه من حقهم.
وروى زيد بن هرمز أن نجدة الحروري حين حج في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول لمن تراه قال ابن عباس: لقربى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقسمه لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان عمر عوض من ذلك عوضاً رأيناه دون حقنا فرددناه عليه، وأبينا أن نقبله؛ ولأنهم أحد أصناف أهل الخمس، فوجب أن لا يسقط حقهم منه كسائر الأصناف.
ولأن من حرمت عليه الصدقات المفروضات في جميع الأحوال ثبت لهم سهم في الخمس كالنبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأنهم عوضوا عن الصدقات المفروضات بحمس الخمس لقوله - صلى الله عليه وسلم - أو ليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس، فلما كان تحريم الصدقات عليهم ثابتاً لا يزول؛ كان ما عوضوه من خمس الخمس ثابتاً لهم يزول.
وتحريره أن ما تتميز به ذوو القربى في الأموال استلزم ثبوته قياساً على تحريم الصدقات.
فأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يكن موروثاً كان ساقطاً، فهو أن الميراث إذا انتفى عنه رد إلى ما قد أقيم مقامه من وجوه المصالح لقومه في حقه مقام الميراث في حق غيره، فوجب أن يكون ذلك مصرف ماله.
وأما الجواب عن قوله: إن سقوط حقه الصفي بموته يوجب سقوط حقه من غيره فهو أن الحق من الصفي غير مقدر فلا يكون ثابتاً بعد موته، وإنما كان يأخذ من الغنيمة ما شاء باختياره واختيار للصفي معدوم بعد موته فقط بخلاف غيره.
وأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة في سقوط سهم ذي القربى لقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7] من وجهين: أحدهما: أنه راجع إلى جميع الخمس وليس هو دولة بين الأغنياء؛ لأن سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل يستحق بالفقر.
والثاني: أنه سهم ذي القربى ليس هو دولة بين الأغنياء؛ لأنه يشترك فيه الأغنياء والفقراء وما كان دولة بين الأغنياء خرج عن أن يكون فيه حق للفقراء وأما الجواب عن استدلاله بحديث علي عليه السلام أنه رد سهم ذي القربى لغناهم على المسلمين لخلقهم وفقرهم فمن وجهين: أحدهما: أنه اختار ترك حقه ومن يترك حقه باختياره لم يدل على سقوط استحقاقه.
والثاني: أنه أخره لخلة المسلمين ليأخذ عوضه عند استغنائهم فكان حقه ثابتاً باقياً، وهو أول شيء على ثبوت استحقاقه.

وأما الجواب عن قياسه على الصدقات مع جواز أن يدفع من الصدقات إلى أغنياء العاملين والمؤلفة قلوبهم والغارمين فهو أن الصدقة مواساة: فجاز أن يكون الفقراء أحق بها، والخمس يملك من غنائم المشركين قهراً لا بالمواساة، فجاز أن يشترك فيه الفقراء والأغنياء كالغانمين.
وأما الجواب عن قياسهم على اليتامى والمساكين فهو أن ما أخذ باسم المسكنة والفقرا جاز أن يكون الفقر فيه شرطاً، وما أخذ باسم القرابة كانت القرابة شرطاً فيه إذا وجدت ولم يكن الفقر شرطاً وما أخذ باسم القرابة كانت كالميراث والله أعلم.
مسألة 1 قال الشافعي: "فيعطى سهم ذي القربى حيث كانوا ولا يفضل أحد على أحد حضر القتال أو لم يحضر إلا سهمه في الغنيمة كسهم العامة ولا فقير على غني ويعطى الرجل سهمين والمرأة سهماً لأنهم أعطوا باسم القرابة فإن قيل: فما أعطى - صلى الله عليه وسلم - بعضهم مائة وسقٍ، وبعضهم أقل قيل لأن بعضهم كان ذا ولدٍ فإذا أعطاه حظه وحظ غيره فقد أعطاه أكثر من غيره والدلالة على صحة ما حكيت من التسوية أن كل من لقيت من علماء أصحابنا لم يختلفوا في ذلك وإن باسم القرابة أعطوا وإن حديث جبير بن مطعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وقد مضى الكلام في أن سهم ذي القربى ثابت وثبوته يقتضي إبانة أحكامهم فيه وذلك يشتمل على خمسة فصول: فالفصل الأول: في ذي القربى من هم؟ وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، وجميعهم بنو عبد مناف، وكان لعبد مناف مع هؤلاء الأربعة خامس اسمه عمرو وليس له عقب فأما هاشم فهو جد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فهاشم في عمود الشرف الذي تعدى شرفه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى إخوته، والمطلب أخوه الشافعي من ولده ثم عبد شمس أخوهما وعثمان من ولاه ثم نوفل أخوهم وجبير بن مطعم من ولده؛ فاقتص بسهم ذي القربة بنو هاشم وبنو المطلب دون بني عبد شمس ونوفل لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام" يعني أنهم كانوا متناصرين بحلف عقدوه بينهم في الجاهلية، ويتميز به عن بني عبد شمس ونوفل، ولهذا الحلف دخل بنو المطلب مع بني هاشم الشعب بمكة حين دخله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروى الزهري عن سعيا بن المسيب عن جبير بن مطعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقسم لبني وفقيرهم وقال أبو حنيفة: لا حق لغنيهم فيه وهذا خطأ من وجهين:

أحدهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى منه العباس وكان ليساره يعول عامة بني عبد المطلب.
والثاني: أن ما استحق بالقرابة استوى فيه الغني والفقير كالميراث، ثم لا فرق بين من حضر القتال ومن لم يحضره، ولا فرق بين من شاقق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لم يشاققه في أنهم سواء بعد الإسلام في سهمهم، إلا أن من حضر القتال أخذ سهمه من الغنيمة خارجاً عن حقه في الخمس.
والفصل الثالث: أنه يشترك فيه الذكور والإناث لأن الزبير بن العوام أحذ من الخمس سهم أمه صفية بنت عبا المطلب رضي الله عنهم.
ولأن من استحق بالقرابة اشترك فيه الرجال والنسا، كالميراث وخالف الفعل الذي يختص الرجال بتحمله دون النساء، لأن العاقلة من ذب عن القاتل منع منه بالسيف، وهذا يختص بالرجال دون النساء، وسهم ذي القربى لأجل النسب الذي يشترك فيه الرجال والنساء، فإذا ثبت اشتراك الذكور والإناث فيه فضل الذكور على الإناث وكان للذكر مثل حظ الأنثيين سهمان وللأنثى سهم كالميراث.
وقال المزني وأبو ثور: يسوى بين الذكور والإناث كالوصايا للقرابة يسوى فيها بين الذكور والإناث وهذا خطأ، لأن اعتبار سهمهم بالميراث أولى من اعتباره بالوصايا من وجهين: أحدهما: أن الميراث وسهم ذي القربى عطيتان من الله تعالى، والوصايا عطية من آدمي تقف على خياره.
والثاني: أن في ذي القربى نصرة هي بالذكور أخص فجاز أن يكونوا بها أفضل، وليس كذلك في الوصايا ثم لا حظ لأولاد الإناث فيه إذا لم يكن آبائهم من ذوي القربى، لأنهم يرجعون في النسب إلى الآباء الذين ليسوا من ذوي القربى.
والفصل الرابع: أن يسوى بين جميع الذكور ويسوى بين جميع الإناث ويفضل الذكور على الإناث، ويسوى بين القريب والبعيد وبين المطيع والعاصي وبين العدل والباغي كما يسوى بينهم في الميراث.
فإن قيل: فقد أعطى النبي سو بعضهم مائة وسق، وبعضهم أقل.
قال الشافعي: لأن بعضهم كان ذا ولد فإذا أعطاه حظه وحظ غيره فقد أعطاه أكثر من غيره.
فإن قيل: فهلا قسم سهمهم على اجتهاد الإمام ورأيه في التسوية والتفضيل كما يقسم سهم الفقراء في الزكاة على اجتهاده؟ قيل: لأن الفقراء يأخذون سهمهم بالحاجة التي قد تختلف فيهم فجاز أن يفضل بينهم لأجلها وسهم ذي القربى للقرابة التي قد صاروا فيها سواء فوجبت التسوية بينهم لأجلها.
والفصل الخامس: أن سهم ذي القربى من غنائم جميع الثغور مقسوم بين جميع ذوي القربى في جميع الإقليم.
وقال أبو إسحاق المروزي: يقسم سهامهم من غير كل ثغر في إقليم ذلك الثغر

الذين هم بالجهاد فيه أخص، ولا ينتقل سهمهم من غنائم ثغر المشرق إلى من كان منهم في بلاد المغرب لما فيه من المشقة ليحال كل فريق منهم على غنائم الثغر الذي هي إقليمهم فيكون أسهل كما يحال ثغر كل بلد على ذكواته وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه يفضي إلى إعطاء بعضهم دون بعض، وكلا الأمرين خطأ يخالف نص الآية، وخالف سهم الفقراء في الزكاة من وجهين: أحدهما: أنه لما جاز إعطاء بعض فقراء البلد دون جميعهم لم يجز ذلك في ذوي القربى، جاز أن يختص بها فقراء ذلك البلد بخلاف ذوي القربى.
والثاني: أنه لما نفل سهم ذي القربى وغنيمة الثغر إلى بلاد الإقليم بخلاف الزكاة وجب نقله إلى جميع الأقاليم بخلاف الزكاة.
والمعنى الذي لأجله وقع الفرق بين الزكاة والغنيمة من هذين الوجهين هو أن هي كل البلاد زكوات وفقراء، فجاز أن يحال فقراء كل بلد على زكواته وليس لكل بلد غنيمة ولا في كل بلد ذوي القربى، فلذلك اشترك جميع ذوي القربى في جميع الغنائم حتى لا يختص بها بعضهم دون بعض والله أعلم.
مسألة 1 قال الشافعي رحمه الله: "ويفرق ثلاثة أخماس الخمس على من سمى الله تعالى على اليتامى والمساكين وابن السبيل في بلاد الإسلام يحصون ثم يوزع بينهم لكل صنف منهم سهمه لا يعطى لأحدٍ منهم سهم صاحبه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال وإذا قد مضى الكلام في سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسهم ذي القربى من الخمس: انتقل الكلام إلى باقي السهام وهي ثلاثة أسهم لثلاثة أصناف: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لبني السبيل على ما تضمنته الآية من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].
فأما اليتامى فهم الذين مات آباؤهم، وان بقيت أمهاتهم فيكون اليتم بموت الآباء دون الأمهات لاختصاص الآباء بالنسب فاختصوا باليتم، وسموا بذلك لغة لتفردهم بموت الآباء دون الأمهات كما يقال درة يتيمة لتفردها عن أن يكون لها نظير ثم يعتبر فيهم مع فقد الآباء شرطان آخران: هما الصغر والإسلام، فأما الإسلام فيعتبر فيهم شرعا لا لغة؛ لأن اليتيم يعم مسلمهم ومشركهمء إنما خص الشرع بهذا الهم من كان منهم مسلماً لأمرين: أحدهما: أنه قال الله تعالى فاختص به أهل طاعته.

والثاني: أنه مال قد ملك من المشركين فكان لغيرهم لا لهم، وأما الصفر فكان فيهم معتبراً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتم بعه الحلم " لكن اختلف في هذا الشرط هل ثبت اعتباره شرعاً أم لغة، فقال بعضهم: يثبت اعتباره شرعاً للخير وإلا فهو اللغة ينطلق على الصفير والكبير، وقال أحرون: بل يثبت اعتباره لغة وشرعاً لأن اسم اليتيم في اللغة موضوع لمن كان متضعفاً محروماً، وهذا بالصغار أحص منه بالكبار فإذا ثبت اعتبار هذه الشروط الثلاثة في اليتامى فقد اختلف أصحابنا في اعتبار شرط رابع فيهم وهو الفقر على وجهين: أحدهما: وهو مذهب الشافعي أن الفقر شرط رابع يعتبر في استحقاقهم لهذا السهم من الخمس، لأن مصروف في ذوي الحاجات، فخرج منهم الاعتبار ولأنه إرفاق لمن توجه إليه المعونة والرحمة وهو الفقراء دون الأغنياء.
والثاني: أنه لا يعتبر فيهم الفقر أنه مستحق لغنيهم وفقيرهم لأوي القربى اعتباراً بمطلق الاسم: لأنهم لو اعتبر فيهم الفقر لدخلوا في جملة المساكين، ولما كان تخصيصهم بالذكر فائدة: فعلى الوجه الأول أن الفقر فيهم معتبر يتعلق عليه ثلاثة أحكام: أحدهما: أنه لا فرق بينهم من مات أبوه أو قتل لاشتراكهم في الحاجة المعتبرة فيهم.
والثاني: أنه يجوز الاقتصار على بعض اليتامى دون جميعهم كالفقراء.
والثالث: أنه يجوز أن يجتهد الإمام برأيه في التوبة بينهم والتفضيل كالفقراء وعلى الوجه الثاني أن الفقر فيهم غير معتبر يتعلق عليه ثلاثة أحكام تخالف تلك: فالحكم الأول: أنه يختص بذلك من قتل أبوه في الجهاد دون غيره رعاية لنصرة الإباء في الأبناء كذوي القربى.
والحكم الثاني: أن يفرق في جميعهم ولا يخص به بعضهم فعلى قول الشافعي يفرق في أيتام جميع الأقاليم، وعلى قول أبي إسحاق المروزي يفرق في إقليم ذلك الثغر دون غيره من الأقاليم.
والحكم الثالث: أنه يسوي بينهم من غير تفضيل كذي القربى وأن يسوى بين الذكور والإناث بخلاف ذوي القربى، لأن سهم ذوي القربى كالميراث، ففضل فيه الذكر على الأنثى وسهم اليتامى عطية كالوقف والوصية يسوى فيه بين الذكر والأنثى.
فصل وأما المساكين والفقراء يدخلون في جملتهم إذا أطلقوا وكذلك إذا أطلق الفقراء والمساكين يدخلون في جملتهم ويميز بين الفريقين إذا جمعوا، والفقير هو الذي لا شيء له، والمسكين هو الذي له ما يكفيه فصار الفقير أسوأ حالاً من المسكين، واستدل عليه في قسم الصدقات، وإذا دخل الفقراء مع المساكين في سهمهم من الخمس فقد اختلف أصحابنا في مستحقيه منهم على وجهين:

أحدهما: أنه يستوي فيه جميع المساكين من الناس كلهم لدخول المسكنة في جميعهم.
والثاني: أنه يختص به مساكين أهل الجهاد الذين قد عجزوا عنه بالمسكنة أو الزمانة ولا حق فيه لغيرهم من المساكين؛ لأن مال الغنيمة لأهل الجهاد أخص وليصير ذوو القدرة على الجهاد؛ فعلى الوجه الأول أنه يستوي في جميع المساكين ويتعلق عليه ثلاثة أحكام: أحدهما: أنه يجوز أن يختص به بعض المساكين دون جميعهم كالزكاة.
والثاني: أنه يجوز أن يجتهد الإمام برأيه في التوبة والتفضيل بحسب الحاجة.
والثالث: أنه يجوز أن يجمع لهم بين سهمهم من الزكاة وسهمهم من الخمس وحقهم في الكفارات فيصير إليهم ثلاثة أموال: وعلى الوجه الثاني: أنه يخص به مساكين أهل الجهاد دون غيرهم ويتعلق عليه ثلاثة أحكام: أحدهما: أنه يجب أن يفرق في جميعهم ولا يختص به بعضهم، فعلى مذهب الشافعي في مساكين جميع الأقاليمء وعلى مذهب أبي إسحاق المروزي في مساكين إقليم الثغر المغنوم فيه دون غيره من الأقاليم.
والثاني: أنه يستوي بينهم فيه من غير تفضيل ولا يفضل ذكر على أنثى، ولا صغير على كبير، فإن اجتمع في الشخص الواحد مسكنة ويتم أعطى باليتم دون الممكنة: لأن اليتم منعة لازمة والمسكنة صفة زائلة.
والثالث: أنه لا يجمع لهم بين سهمهم من الخمس وبين سهمهم من الزكاة لتميز أهل الفيء على أهل الزكاة، وتميز مساكين الخمس عن مساكين الزكاة، ولكن يجوز أن يافع إليهم من الكفارات فيصير إليهم مالان ويمنعوا مالأ، ولا يختص الكفارات بأحد الفريقين والله أعلم.
فصل وأما بنو السبيل فهم المسافرون سموا بذلك: لأنهم بملازمة سبيل السفر قد صاروا كأبنائه وهم ضربان: منشئ سفر، ومجتاز فيه، وكلا الفريقين يعتبر فيهم الحاجة في سفرهم ولا يدفع إليهم مع عدم الحاجة إلا أن الناشئ لسفره لا يدفع إليه مع الفقر والمجتاز يجوز أن يدفع إليه مع الغني، إذا كان في سفره معدماً ثم اختلف أصحابنا فيهم على وجهين: أحدهما: أنه لبني السبيل من جميع الناس.
والثاني: أنه لبني السبيل من المجاهدين خاصة، فعلى الوجه الأول أنه لبني السبيل من جميع الناس يتعلق عليه الأحكام الثلاثة التي ذكرناها في المساكين: أحدها: أنه يجوز أن يختص به بعض المساكين دون جميعهم.

والثاني: أنه يجوز أن يجتهد الإمام برأيه في التسوية والتفضيل.
والثالث: أنه يجوز أن يجمح لهم بين سهمهم من الخمس وبين سهمهم من الزكاة.
وعلى الوجه الثالث: أنه يخص به بنو السبيل من المجاهدين؛ فعلى هذا يتعلق عليه الأحكام الثلاثة: أحدها: أنه يجب أن يفرق في جميعهم ولا يخص به بعضهم؛ فعلى مذهب الشافعي يفرق في بني السبيل في الإقليم كلها، وعلى مذهب أبي إسحاق المروزي يفرق بني السبيل في إقليم الثغر المغنوم فيه.
والثاني: أنه يسوي بين جميعهم فيه تقسيطاً على مسافة أسفارهم فيكون تسوية بينهم في الباطن وان تفاضلوا في الظاهر، ومن هذا الوجه باينوا المساكين الذي يسوي بينهم في الظاهر والباطن.
والثالث: أنه لا يجمع لهم بين سهم من الخمس وبين سهم من الزكاة، وتميز بنو السبيل في الخمس عن بني السبيل في الزكاة، فعلى هذا لو أن شخصاً جمع بين المسكنة وبين كونه ابن السبيل أعطى بأي السببين شاء ولا يكون أحدهما أخص به من الأخر ولا يجمح له بين الأمرين والله أعلم.
مسألة 1 قال الشافعي: "فقد مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي - فاختلف أهل العلم عندنا في سهمه فمنهم من قال: يرد على أهل السهمان الذين ذكرهم الله تعالى معه لأني رأيت المسلمين قالوا فيمن سمي له سهم من الصدقات فلم يوجد رد على من سمي معه وهذا مذهب يحسن.
ومنهم من قال: يضعه الإمام حيث رأى على الاجتهاد للإسلام وأهله.
ومنهم من قال: يضعه في الكراع والسلاح والذي أختار أن يضعه الإمام في كل أمر حصن به الإسلام وأهله من سد ثغر أو إعداد كراع أو سلاح أو إعطاء أهل البلاء في الإسلام نفلاً عند الحرب وغير الحرب إعداداً للزيادة في تغرير الإسلام وأهله على ما صنع فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه أعطى المؤلفة ونفل في الحرب وأعطى عام حنين نفراً من أصحابه من المهاجرين والأنصار أهل حاجة وفضل وأكثرهم أهل حاجة ونرى ذلك كله من سهمه والله أعلم ومما احتج به الشافعي في ذوي القربى أن روى حديثاً عن ابن أبي ليلى قال: لقيت عليا رضي الله عنه فقلت له بأبي وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس؟ فقال علي: أما أبو بكر رحمه الله فلم يكن في زمانه أخماس وما كان فقد أوفانا، وأما عمر فلم يزل يعطيناه حتى جاءه مال السوس والأهواز أو مال: مال فارس.
الشافعي يشك وقال عمر في حديث

مطرٍ أو حديثٍ آخر إن في المسلمين خلة فإن أحببتم تركتم حقكم فجعلناه في خلة المسلمين حتى يأتينا مال فأوفيكم حقكم منه.
فقال العباس: لا تطعه في حقنا فقلت: يا أبا الفضل ألسنا من أحق من أجاب أمير المؤمنين ورفع خلة المسلمين فتوفي عمر قبل أن يأته مال فيقضيناه.
وقال الحكم في حديث مطر أو الآخر: إن عمر رضي الله عنه قال لكم حقا ولا يبلغ علمي إذ كثر أن يكون لكم كله فإن شئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم فأبينا عليه إلا كله فأبى أن يعطينا كله.
قال الشافعي رحمه الله: "للمنازع في سهم ذي القربى: أليس مذهب العلماء في القديم والحديث أن الشيء إذا كان منصوصاً في كتاب الله مبينا على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - بخبر الثقة لا معارض له في إعطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - غنياً لا دين عليه في إعطائه العباس بن عبد المطلب وهو في كثرة ماله يعول عامة بني المطلب دليل على أنهم استحقوا بالقرابة لا بالحاجة كما أعطى الغنيمة من حضرها لا بالحاجة وكذلك من استحق الميراث بالقرابة لا بالحاجة وكيف جاز لك أن تريد إبطال اليمين مع الشاهد بأن تقول هي بخلاف ظاهر القرآن وليست مخالفة له ثم تجد سهم ذي القربى منصوصاً في آيتين من كتاب الله تعالى ومعهما سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترد؟ أرأيت لو عارضك معارض فأثبت سهم ذي القربى وأسقط اليتامى والمساكين وابن السبيل ما حجتك عليه إلا سهمي عليك".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في ثبوت سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في خمس الفيء والغنيمة، وأنه لا يسقط بموته.
واختلف الناس في مصرفه فحكى الشافعي فيه مذاهب فمنه من جعله مصروفاً إلى الإمام القائم بالأمر من بعده، ومنهم من جعله لورثته، ومنهم من جعله مصروفاً في الكراع والسلاح خاصة ومذهب الشافعي أن سهمه مصروف في مصالح المسلمين العامة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم".
ولأنه قد كان ما فضل منه في حياته بعد فوت سنة يصرفه في إعزاز الدين ومصالح المسلمين فكذلك حكمه بعد موته.
فأما ما استدل به الشافعي في ثبوت سهم ذي القرابة فقد ذكرناه واستوفينا حكم كل سهم من السهام الخمسة بما أغنى من الإعادة والله أعلم بالصواب.

باب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء غير الموجف عليه

قال 1 الشافعي رحمه الله: "وينبغي للوالي أن يحصي جميع من في البلدان من المقاتلة وهم من قد احتلم أو استكمل خمس عشرة سنة من الرجال ويحصي الذرية وهم من دون المحتلم ودون خمس عشرة سنة والنساء صغيرهم وكبيرهم ويعرف قدر

نفقاتهم وما يحتاجون إليه من مؤناتهم بقدر معاش مثلهم في بلدانهم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: قد مضى الكلام في الغنيمة، وهو المأخوذ من المشركين عنوة بقتال، فأما الفيء وهو المأخوذ منهم بغير قتال فضربان: أحدهما: ما تركوه علينا خوفاً ورعباً كالأموال التي بخلوا عنها وما بذلوه صلحاً في كفنا وردنا عن أنفسهم، فهذا بخمس ويكون خمسه كخمس الغنيمة مقسوم على السهام الخمسة.
والثاني: ما وصل إلينا من أموالهم في غير خوف ولا رعب كالجزية وعشر تجارتهم ومال من مات منهم في داونا ولا وارث له ففي تخميسه قولان: أصحهما: وهو الجديد أنه يخمس ويكون خمسه مقسوماً على السهام الخمسة لقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: 7] ولأنه كالمتروك رعباً في كونه فيئاً فوجب أن يكون مخمساً.
والثاني: قاله في القديم أنه لا يخمس لأنه لما كان في الغنيمة مالاً يخمس وهو السلب كان في الفيء مالاً يخمس وهو العقر والأول من هذين القولين أشهر وأصح.
فأما أربعة أخماس الفيء ففي مصرفه الآن قولان للشافعي: أحدهما: أنه مصروف في صالح المسلمين العامة من أرزاق المقاتلة والأئمة والقضاة وبناء الحصون والمساجد والقناطر وإعداد القراع والسلاح؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتملك ذلك فيصرفه في هذه الصالح، فكذلك بعد موته.
والثاني: أنه مصروف في أرزاق الجيش المقاتلة الخاصة المندوبون لجهاد العدو والذب عن البيضة والمنع من الحريم، لأنهم القائمون بذلك بعد الرسول فملكوا بعده ما كان له، وجملة المجاهدين ضربان: مرتزقة، ومتطوعة.
فأما المرتزقة فيهم الذين فرغوا أنفسهم للجهاد فلم يشاغلوا إلا به، وثبتوا في الديوان فصاروا جيشاً للمسلمين، ومقاتلة للمشركين فهؤلاء يرزقون من أربعة أخماس الفيء، ولا حق لهم في الصدقات وأما المتطوعة فهم أرباب المعاش والصنائع والأعراب الذين يتطوعون بالجهاد إن شاءوا ويقعدون عنه إن أحبوا، ولم يثبتوا في الديوان، ولا جعل لهم رزق فهؤلاء معطون من الصدقات من سهم سبيل الله، ولا حق لهم في الفيء، ولهذا تميز أهل الصدقة عن أهل الفيء وقد كان المتطوعية يسمون أعراباً، ويسمى المقاتلة مهاجرين فتيمزوا بهذين الاثنين لتميزهم في المالين، ومنه قول الشاعر 1:

قد حسها الليل بعصلبي أروع خراج من الدوي مهاجر ليس بأعرابي فصل وإذ قد تميز أهل الفيء عن أهل الصدقة بما وصفنا فسنذكر أهل الصدقة في تم الصدقات، ونبين حكم أهل الفيء فنقول: ينبغي للإمام أن يثبت المقاتلة في جميع التغور والبلدان في ديوانه وما يحتاجون إليه في نفقاتهم ومؤناتهم فيعطيهم من مال الفيء قدر كفاياتهم حتى لا يتشاغلوا باكتساب المال عن جهاد العدو، ويكونوا متشاغلين بالحرب في الذب عن البيضة.
وإذا لزم الإمام القياس بكفايتهم فكغايتهم، تختلف من خمسة أوجه: أحدهما: كثرة العيال وقلتهم الذين تلزم نفقاتهم من الأولاد والزوجات والعبيد والخدم فيثبت ذرية كل واحد منهم، وهم من لم يبلغ من أولاده فثبت ما يحتاجون إليه في حال الفقر ثم في حال النشوء والكبر، وهذا معنى قول الشافعي: وتعطى المنقوص شيئاً، وكلما كبر يزاد على قدر مؤنته يعني أنه يعطى أباه لأجله ويزيد لكبره.
ويفعل مثل ذلك في الزوجات والعبيد والخدم ليعلم بذلك قدر مؤنته.
والثاني: أن يعرف ماله هل هو من الرجالة أو الفرسان فإن كان من الفرسان عرف عدد خيله وظهره.
والثالث: أن يعرف حال بلده في قربه من المغزى وبعده، فإنه إن كثرت مؤنته، وان قرب قلت.
والرابع: أن يعرف خصب بلده وجدبه فإن المؤن في بلاد الخصب قليلة في بلاد الجدب كثيرة.
والخامس: أن يعرف غلا، السعر ورخصه ليزيده مع الغلاء، وينقصه مع الرخص، فإذا كشف عن أحوالهم في هذه الوجوه الخمسة عرف قدر كفايتهم، فأثبتها أو جعلها مبلغ أرزاقهم في كل عام من غير صرف ولا تقصير، وذلك يقد يختلف بحسب اختلاف أحوالهم في الوجوه الخمسة؛ فلذلك ما اختلف قدر أرزاقهم، وان وجبت بالتسوية بينهم في القيام بكفاياتهم، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه بلغ بالعطاء خمسة آلاف درهماً فمن الناس من زعم أن هذا أكثر من قدر الكفاية، ولا يجوز أن يفرض للمقاتلة أكثر من كفايتهم، وقيل: ليس هكذا لأن خمسة آلاف درهم مع بعد المغزى وغلاء الأسعار بأكثر من كفاية ذي عيال، فإذا ثبت ما ذكرنا من تقدير أرزاقهم بحسب كفاياتهم خرج ما يعطونهم منها على القولين في مصرف أربعة أخماس الفيء.
فإن قيل: إنه مصروف في مصالح المسلمين العامة أعطوا منه قدر أرزاقهم من غير زيادة ولا نقص، فإن فضل، فإن فضل عنها كان الفضل باقياً في بيت المال، وإن نقص

عنها كان الباقي لهم ديناً على بيت المال، وان قيل: إنه للجيش خاصة قسم بينهم على قدر كفاياتهم بزيادة ونقص.
مثاله: أن يكون رزق أحدهم الكافي له ألف درهم، ورزق الآخر ألفي درهم ورزق الثالث الآخر ثلاثة آلاف درهم ورزق الرابع أربعة آلاف درهم فيكون رزق هؤلاء الأربعة عشرة آلاف درهم لصاحب الألف عشرة آلاف درهم لصاحب الألف عشرها ولصاحب الألفين خمسها ولصاحب الثلاثة آلاف ثلاثة أعشارها ولصاحب الأربعة ألاف خمساها، فينقسم الحاصل من أربعة أخماس الفيء على عشرة أسهم لصاحب الألف سهم ولصاحب الألفين سهمان، ولصاحب الثلاثة آلاف ثلاثة أسهم، وعلى هذا الحساب فإن كان المال عشرة آلاف درهم بقدر أرزاقهم فقد استوفوها، وان كان أكثر قسم جميعه على هذا أو كانت الزيادة لهم، ولا يحتسب بما عليهم، وان كانت أقل كل النقصان عليهم لا يحتسب به لهم فيكون الفرق بين القولين من وجهين: أحدهم: أنهم على القول الأول إذا اتسع المال لم يزادوا على أرزاقهم وعلى الثاني يزادون.
والثاني: من الفرق بينهما أنهما على القول الأول إذا ضاق المال يقضون بقية أرزاقهم على الثاني لا يقضون.
فصل وينبغي لوالي الجيش أن يستعرض أهل العطاء في وقت كل عطاء فمن ولد له منهم زاده ولده من مات له ولد نقصه فسقط ولده وإذا ينفى المولود زاده حالا بعد حال حتى يبلغ، فإذا بلغ خرج من جملة الذرية، وصار من المقاتلة، فأثبته في الديوان، وفرض في العطاء رزقاً، وراعى من ينكح من الزوجات أو يطلق ومن يملك من العبيد والإماء أو يبيع ليزيده ممن نكح أو ملك وينقصه لأجل من طلق أو باع وكذا يراعى حال خيله في الشراء والبيع إلا أن يتجاوز قدر الحاجة في شراء العبيد والخيل فلا يزاد لأجلهم.
مسألة 1 قال الشافعي: "ثم يعطي المقاتلة في كل عطاءهم والذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم في كسوتهم ونفقاتهم طعاماً أو قيمته دراهم أو دنانير تعطى المنفوس شيئاً ثم يزداد كلما كبر على قدر مؤنته وهذا يستوي لأنهم يعطون الكفاية ويختلف في مبلغ العطاء باختلاف أسعار البلدان وحالات الناس فيها فإن المؤنة في بعض البلدان أثقل منها في بعض ولا أعلم أصحابنا اختلفوا في أن العطاء للمقاتلة حيث كانت إنما مكون من الفيء.
وقالوا: لا بأس أن يعطى الرجل لنفسه أكثر من كفايته وذلك أن عمر رضي الله

عنه بلغ في العطاء خمسة ألاف وهي أكر من كفاية الرجل لنفسه ومنهم من قال: خمسة ألاف بالمدينة ويغزو إذا غزى وليست بأكثر من الكفاية إذا غزا عليها لبعد المغزى.
قال الشافعي: وهذا كالكفاية على أنه يغزو وان لم يغز في كل سنة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وإذا قد مضى ما يتعذر به العطاء فهذا الفصل يشتمل على فصلين: أحدهما: وقت العطاء وزمانه.
والثاني: جنسه ونوعه.
وهذا الفصلان يختلفان باختلاف قوليه في مال الفيء.
فإن قيل: إنه ملك للجيش خاصة فوقت العطاء هو الوقت الذي يتكامل فيه حصول المال سواء تعجل أو تأجل، وليس للإمام أن يؤخره عنهم إذا حصل ولا لهم مطالبته به إن تأخر إلا أن يؤخر جبايته بعد استحقاقه فلهم أن يطالبوه باجتبائه واستخلاصه، ثم الجنس الحاصل من المال هو الذي يستحق دفعه إليهم سوا، كان ورقاً أو ذهباً أو حنطة أو شعيراً إلا أن يكون من جملة عروض فتباع وتضم أثمانها إلى المال ثم مذهب الشافعي أنه يجمع الفيء في جميع الأقاليم فيقسم في جميع أهل الفيء حتى يساوي جميع أهل الفيء في كل مال الفيء، وعلى مذهبه أبي إسحاق المروزي أنه يقسم مال كل إقليم في أهله.
فصل فأما إذا قيل إن أربعة أخماس الفيء مصروف في وجوه المصالح العامة التي منها عطاء الجيش وجب بيان الفصلين في وقت العطاء وجني المال المعطى.
فأما وقت الوعطاء فهو معتبر بمال الفيء فإن كان مستحقاً في دفعة واحدة جعل وقت العطاء في دفعة واحدة من السنة، وينبغي أن يكون الوقت من السنة معلوماً عند جميع أهل الفيء ليقدر إليه نفقاتهم يتوقعوا فيهم أرزاقهم وينظرهم إليه تجارهم، ويختار أن يكون في المحرم، لأنه أول السنة العربية، فإذا حل وفاهم عطاء السنة بأسره، وإذا كان مال الفيء مستحقاً في أوقات شتى من السنة جعل للعطاء وقتين وقسمة نصفين وأعطاهم بعد كل ستة أشهر نصفه ولا يجب أن يعجل للعطاء في السنة أكثر من وقتين ولا أن يجعله مشاهرة، وإن قبض مال الفيء مشاهرة لأمرين: أحدهما: لئلا يصير الجيش متشاغلاً في كل السنة بالقبض والطلب.
والثاني: كي لا ينقطع عن الجهاد توقعاً لحلول الشهور أو تتأخر عنهم إن خرجوا.
فإن قيل: أفيكون العطاء لما مضى من المدة أو لما يستقبل منها.
قيل: ليس هو لما مضى ولا لما يستقبل لأن أرزاق المقاتلة تجري مجرى الجعالة، والوجوب متعلق بحصول المال والأداء مستحق بحلول الوقت وعلى القول الأول يكون الوجوب والأداء معاً متعلقين بحصول المال والله أعلم.

فصل وأما جنس المال المعطى فلا بد أن يكون في جملة ما قدره من كفاياتهم طعام لأقواتهم وشعير لدوابهم وثياب لكسوتهم إلى غير ذلك مما يحتاج إليه أهل الأمصار فيجب اختلافها على قدر عاداتها، فيقوم ما سوى الحنطة والشعير ورقاً أو ذهباً، فأما الحنطة والشعير فينظر فإن كان في مال الفيء المستحق حنطة وشعير قدره لهم حباً، وأعطاهم إياه مع أرزاقهم من الورق والذهب، وان لم يكن في مال الفيء المستحق حنطة ولا شعير أعطاهم قسمته ورقاً أو ذهباً بسعر وقته والورق أخص بالعطاء من الذهب لأمرين: أحدهما: ابتاع الأئمة الراشدين.
والثاني: أنه يصرف في قليل النفقات وكثيرها فلا يعدل عنه إلى الذهب إلا إذا كان مال الفيء ذهباً أو كان هو الأغلب، في معاملات الناس، فلو تعامل الناس بالفلوس لم يجعل ماء العطاء فلوساً، لأنها في المعاملات نادرة ولذلك خرجت عن أن يثبت فيها الربا، وتجب فيها الزكاة.
مسألة 1 قال الشافعي: "ولم يختلف أحد لقيته في أن ليس للمماليك في العطاء حق ولا الأعراب الذين هم أهل الصدقة".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: المملوك لا يفرد له في العطاء سواء قاتل مع سيده أو تشاغل بخدمته لكن يزاد السيد في عطائه لما يتكلفه من نفقة عبده، وحكي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أعطى العبيد في أيام خلافته فلما أفضى الأمر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حرمهم ولم يعطهم وهو الأصح لأمرين: أحدهما: أن العبد لا يملك وإنما هو عون لسيده عليه نفقته وكسوته وله كسبه.
والثاني: أنه ليس من أهل الجهاد فيعطى عطاء المجاهدين ألا تراه لو حضر الوقعة ثم يتعين عليه القتال فيها.
فإن قيل: فكيف قال الشافعي لم يتخلف أحد لقيته في أن ليس للمماليك في العطاء حق فادعى في ذلك الإجماع، وأبو بكر قد خالف ولا ينعقد الإجماع مع خلافه فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه صار بذلك إلى من لقيه من أهل عصره وهو لم يعاصر الصحابة.
والثاني: قد يعقب خلاف الصحابة إجماع من بعدهم من الأعصار فصار حكم

الخلاف (عند) كثير من أصحابنا مرتفعاً.
والثالث: أنه أشار بذلك إلى عبيد الخدمة لا عبيد المقاتلة ولم يعطهم أبو بكر ولا أحد بعدهم شيئاً.
فصل فأما الأعراب فالمراد بهم من لم يثبت في ديوان الجيش، ولا التزم ملازمة الجهاد ولكن يغزو إذا أراد ويقعد إذا شاء، فهؤلاء هم المسمون أعراباً سواء كانوا عرباً أو عجماً فيعطى هؤلاء إذا غزوا من الصدقات من سهم سبيل الله ما يعينهم على غزوهم ولا يعطون من مال الفيء شيئاً، فإن دخلوا في أهل الفيء وأثبتوا أنفسهم في الديوان والتزموا الجهاد معهم، إذا جاهدوا صاروا في عدد الجيش ومن جملة المقاتلة فيفرض لهم في عطاء أهل الفيء ويخرجوا من عداد أهل الصدقة ويحرموا ما كانوا يعطوه منها كي لا يجمعوا بين مال الصدقة ومال الفيء؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ميز أهل الصدقة من أهل الفيء في أيامه وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعد فصار الغزاة ضربين: أهل صدقة وهم ما ذكرنا.
وأهل فيء وهم من وصفنا، وحكمها متميز على ما بينا، وكان بعض أصحابنا يجعل الأعراب المعطون من الصدقة دون الفيء الذين هم أشذاذ مفترقون لا يرهبهم العدو ولا يستعين بهم الإمام، فإن قوي جمعهم وكثر عددهم حتى رهبهم واستعان بهم الإمام صاروا من أهل الفيء والأول هو المذهب والله أعلم.
مسألة 1 قال الشافعي: "واختلفوا في التفضيل على السابقة والسبب فمنهم من قال: أسوي بين الناس فإن أبا بكر رضي الله عنه حين قال له عمر: أتجعل للذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهجر ديارهم كمن دخل في الإسلام كرهاً؛ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله وإنما أجورهم على الله وإنما الدنيا بلاغ.
وسوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بين الناس ولم يفضل.
قال الشافعي رحمه الله: وهذا الذي اختاره وأسأل الله التوفيق وذلك أني رأيت الله تعالى قسم المواريث على العدد فسوى فقد تكون الإخوة متفاضلي الغناء عن الميت في الصلة في الحياة والحفظ بعد الموت ورأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم لمن حضر الوقعة من الأربعة الأخماس على العدد فسوى.
ومنهم من يفني غاية الغناء ويكون الفتوح على يديه ومنهم من يكون محضره إما غير نافع وإما ضارا بالجبن والهزيمة فلما وجدث الكتاب والسنة على التسوية كما وصفت كانت التسوية أولى من التفضيل على النسب أو السابقة ولو وجدت الدلالة على التفضيل

أرجح بكتاب أو سنة كنت إلى التفضيل بالدلالة مع الهوى أسرع.
قال الشافعي: فإذا قرب القوم من الجهاد ورخصت أسعارهم أعطوا أقل ما يعطى من بعدت داره وغلا سعره وهذا وان تفاضل عدد العطية تسوية على معنى ما يلزم كل واحد من الغريقين في الجهاد إذا أراده".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
اختلف الناس في التسوية بين أهل الفيء والتفضيل بالسابقة والنسب، وفي السابقة التي أشير بالتفضيل إليها تأويلان: أحدهما: أنها السابقة في الإسلام.
والثاني: السابقة في الهجرة فحكي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه سوى بين الناس في العطاء ولم يفضل أحداً بسابقة ولا نسب، وأعطى العبيد فقال له عمر أتجعل الذين جاهدوا في الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم كمن دخل في الإسلام كرهاً، فقال أبو بكر إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ يعني بلاغ إلى الآخرة التي هي دار الجزاء، فلما أفضى الأمر إلى عمر فضل بين الناس ولم يعط العبيد وأعطى عائشة اثني عشر ألفاً وأعطى غيرها من زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - العربيات عشرة آلاف وأعطى صفية وجويرية ستة آلاف لأنهما كانتا معتقتين وأعطى كل واحد من علي والعباس عليهما السلام ستة آلاف، وأعطى كل واحد من المهاجرين الأولين والأنصار السابقين خمسة آلاف وأعطى الحسن والحسين عليهما السلام كل واحد أربعة آلاف وأعطى أسامة بن زيا ألفين، وأعطى ابنة عبد الله بن عمر ألفاً وخمسمائة، فقال له ابنة عبد الله: أتفضل على أسامة وتنقص منه فقال له عمر: لأنه كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك، وكان أبوه أحب إليه من أبيك، فلما قضى الأمر إلى علي رجع إلى رأي أبي بكر في التسوية بين الناس في العطاء ولا يفضل أحدهم بسابقة ولا نسب، ومذهب عمر التفضيل بينهم بالسابقة والنسب، ومذهب الشافعي أن التسوية بينهم أولى من التفضيل إتباعاً لرأي أبي بكر وعلي رضي الله عنهما واستدلالاً بأمرين: أحدهما: أن أربعة أخماس الغنيمة لما سوى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الغانمين ولم يفضل ذا غنى على فقير، ولا فضل شجاعاً على جبان بعدما حضر الوقعة؛ ذلك أربعة أخماس الفيء يسوى فيه بين أهله لإرصاد أنفسهم للجهاد الذين هم فيه سواء، وان تفاضلوا بالسابقة والنسب تسوية بين الفيء والغنيمة في أربعة أخماسه كاستواء الحكم بينهما في خمسه.
والثاني: أن الله تعالى سوى في الميراث بين البار والعاق، وبين المحب والمشاق لاستوائهم في سبب الاستحقاق كذلك أهل الفيء.
قال الشافعي: "ولو وجدت الدلالة على أن التفضيل أرجح بكتاب الله عز وجل وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت إلى التفضيل بالدلالة مع الهوى أسرع بمكان الشافعي من

السابقة والنسب الذي لو جاز أن يستحق به التفضيل لكان أسرع إلى هواه من التسوية ولكن إتباع الدلالة أحق.
مسألة 1 قال الشافعي: "وعليهم أن يغزوا إذا غزا ويرى الإمام في إغزائهم رأيه فان استغنى مجاهده بعدد وكثرة من قربه أغزاهم إلى أقرب المواضع من مجاهدهم ". قال في الحاوي: وهذا صحيح ليس لأحد من أهل الفيء والأعراب أن ينزوا إلا بأمر الإمام وإذنه لأمور.
منها: أنه لم يكن أحد يغزو على عهد عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بأمره وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، ولأن الإمام أعرف بأحوال العدو، وفيما هم عليه من قوة وضعف وخصب وجدب واختلاف ووفاق وينفذ من الجيش من يكافئ العدو في القلة والكثرة والقوة والضعف ولأنهم ربما اضطروا لتكاثر العدو عليهم إلى مدد فيمدهم، ولأنهم ربما احتاجوا إلى ميزة فيميزهم، ولأنه ربما عرف لاتصال الأخبار به من مكامن العدو وما سددهم.
فبهذه الأمور ونظائرها ما منعوا من الغزو إلا بأمرهء فإذا أمرهم بالغزو لزمتهم طاعته وإجابته، فإن لم يطيعوه مع ارتفاع الموانع سقطت أرزاقهم، لأن ما يرزقون من العطاء في مقابلة ما يأخذون به من الجهاد، فإذا قعدوا عنه بعد الأمر سقط ما يعطونه عليه من الرزق كالزوجات لما استحقوا نفقاتهم بالطاعة سقطت بالنشوز، وإذا كان كذلك فينبغي للإمام أن يستفسر من الجهاد مع المكنة إتباعاً لأمر الله تعالى واقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحقيقا لوعده تعالى وإظهاراً على الدين كله، وأقل ما عليه أن يغزو في كل عام مرة إما بسنفه أو خلفائه؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تركه في كل عام منذ فرض عليه الجهاد، وكي لا يمضي عطا، العام هدراً، وكي لا يقوى العدو بالمشاركة، وكي لا يألف أهل الجهاد الراحة.
فصل قال الشافعي 2: "الإمام في إغزائهم رأيه" يعني: في الزمان الذي يأمرهم بالغزو إليه والعدد الذي يقتصر عليهء فإذا أراد ذلك اختار لهم من الزمان أولاه، ومن المكان أدناه، ويندب عن كل طائفة إلى من يليها، ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] ولأن كل قوم بمن يليهم أخبر، وعلى قتالهم أقدر ما يتكلفونه من المؤنة في قتالهم أيسر، فلا ينفذ أهل ثغر إلى غيره إلا لأحد أمرين: إما أن يلم أهله فينقلهم عنه إلى الجهة التي لم يسلم أهلها وليتوطنوا فيما يقابلها ويليها.

وإما لظهوره قوة من عدو غير جهتهمء فأقربها على من بإزائهم يكون هؤلاء أظهر على عدوهم فيستمد منهم من يدفع بهم قوة الآخرين، ثم يعودوا بعد الفراغ إلى أماكنهم، فإذا فعل الإمام هذا بهم زادهم نفقة ما تكلفوه من زيادة سفرهم، فإن تزايدت قوة العدو في إحدى الجهات وضعفت في غيرها من الجهات عن المناداة جاز للإمام أن يجمع على تلك الجهة القوية جميع أهل الفيء؛ لأن كسرها كسر لمن هو أضعف منها، وليس في كسر الأضعف كسر إليها، ويفعل في إعطاء المنقول من زيادة النفقة ما ذكرنا.
مسألة 1 قال الشافعي: "واختلف أصحابنا في إعطاء الذرية وياء أهل الفيء.
فمنهم من قال: يعطون واحسب من حجتهم فإن لم يفعل فمؤنتهم تلزم رجالهم فلم يعطهم الكفاية فيعطهم كمال الكفاية.
ومنهم من قال: إذا أعطوا ولم يقاتلوا فليسوا بذلك أولى من ذرية الأعراب ونسائهم ورجالهم الذين لا يعطون من الفيء".
قال في الحاوي: وهذا ما قال.
إذا مات من أهل الفرق مرتزق وخلف ذرية لم يدفع إليه جميع عطائه، وفي إعطائهم من قدر الكفاية، قولان حكاهما الشافعي خلافاً عن أصحابه: أحدهما: يعطون من مال الفيء قدر كفايتهم اعتبارا بالمصلحة في ترغيب أهل الفيء في الجهاد، ثقة لحفظ الذرية وإلا يتشاغلوا عنه بطلب الكسب لمن يخلفون، أو يجيبوا عن الجهاد فلا يقدمون.
والثاني: أنهم لا يعطون؛ لأن ما استحق به العطاء وهو إرصاد النفس للجهاد مفقود فيهم، ولأنهم كانوا تبعا فإذا بطل حكم المتبوع بطل حكم التابع، ومن أصحابنا من قال: إن كان في الذرية من أصاغر الذكور يرجى أن يكون من أهل الفيء إذا بلغ أعطوا قدر الكفاية، وإلا منعوا فامتنع قائل هذا الوجه من تخريج القولين وخرجه على اختلاف الحالين، وحكاه أبو بكر بن الدقاق.
فإذا قيل: إنهم لا يعطون اعتبرت أحوالهم، فإن كانوا أغنيا، فلا حق لهم في مال الفيء ولا في مال الصدقات، وان كانوا فقراء صاروا من أهل الصدقات وأعطوا منها من سهم الفقراء والمساكين.
وإذا قيل: إنهم يعطون قدر الكفاية فسواء كانوا أغنياء ذوي كفاية أو فقراء ذوي حاجة، ويكون ذلك منهم لمن كانت نفقته واجبة على ميتهم من أولاده الأصاغر وزوجاته ما لم يتزوجن وأقمن على رعاية الزوج في حفظ ذريته، فإن تزوجن قطع عطاؤهن فإذا بلغ الأولاد خرجوا بالبلوغ من جملة الذريةء فإن أحبوا أن يكونوا من أهل الفيء أثبتوا في ديوانه وصاروا بأنفسهم مرتزقين وتبعتهم ذريتهم، وان عدلوا عن أن يكونوا من أهل الفيء

رغبة في غيره فلا حق لهم في مال الفيء، لا تبعاً ولا متبوعين لخروجهم من الذرية بالبلوغ ومن أهل الفيء بالعدول عنه والله أعلم.
مسألة 1 قال الشافعي: "حدثني سفيان بن عيينه عن عمرو بن دينار عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما أحد إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم أعطيه أو منعه.
قال الشافعي: وهذا الحديث يحتمل معاني منها أن نقول ليس أحد بمعنى حاجه من الصدقة أو بمعنى أنه من أهل الفيء الذين يغزون إلا وله في مال الفيء أو الصدقة حق وكان هذا أو على معانيه به فإن قيل: ما دل على هذا؟ قيل: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصدقة: "لا حظ فيها لغني ولا لذي مرةٍ مكتسب" والذي أحفظ عن أهل العلم أن الأعراب لا يعطون من الفيء.
قال: وقد روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أهل الفيء كانوا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمعزل عن أهل الصدقة وأهل الصدقة بمعزل عن أهل الفيء".
قال في الحاوي: إن قيل فكيف تأويل هذا الحديث عندكم ومن مذهبكم أن أهل الفيء لا يأخذون من أهل الصدقات، وأهل الصدقات، لا يأخذون من أهل الفيء قيل فيه ثلاث تأويلات: أحدها: أنه عائد على مال بيت المال الجامع لمال الفيء ومال الصدقات، والناس صنفان: أغنياء وحقهم في مال الفيء، وفقراء وحقهم في مال الصدقة.
أما ما ملكت أيمانهم من العبيد والإناء فلا حق لهم في المالين جميعاً.
والثاني: أنه عائد إلى مال الفيء وحده وليس أحد إلا وله فيه حق، أما الفقراء ففيه خمسة من سهم اليتامى والمساكين وبني السبيل، وأما الأغنياء ففي أربعة أخماسه فإن كانوا من أهل الفيء فالعطاء وان كانوا في غيرهم فمن المصالح، وهذا على القول الذي نجعله مصروفاً في المصالح.
والثالث: أنه عائد إلى مال الفيء لأنه إن اختص بأهل الفيء فنفعه عائد إلى غيرهم من الناس كلهم، لذب أهل الفيء عنهم وقيامهم بالجهاد الذي به سقط الفرض عنهم، فصار المال المصروف إلى من قام بغرض الجهاد عنهم كالمصروف إليهم، وعلى هذا القول الذي جعله ملكاً للجيش خاصة.
مسألة 2 قال الشافعي: "والعطاء الواجب في الفيء لا يكون إلا لبالغ يطيق مثله القتال.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام أحدٍ وأنا ابن أربع

عشرة سنةً فردني وعرضت عليه يوم الخندق وانأ ابن خمس عشرة سنةً فأجازني.
وقال عمر بن عبد العزيز: هذا فرق بين المقاتلة والذرية".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
لا يجوز أن يدخل في أهل الفيء إلا من استكمل شروط الجهاد فصار من أهله، فحينئذ يثبت نفسه في ديوان الفيء ويفرض له من العطاء قدر كفايته، وشروط الجهاد التي يتعلق فرض الجهاد بها ويجوز الدخول في أهل الفيء معها ستة وهو أن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً حراً مسلماً، قادر على القتالء فإن أخل بشرط منها لم يكن من أهل الجهاد ولا ممن يجوز أن يدخل في أهل الفيء، وان استكملها صار من أهل الجهاد إلا أنه لا يتوجه الفرض إليه إلا بالاستطاعة لجواز أن يدخل في أهل الفيء مع عدم الاستطاعة، لأنه قد يستطيع بعطائه إذا أخذه على القتال إذا ندب.
مسألة 1 قال الشافعي: "فإن كملها أعمى لا يقدر على القتال ابدأ وان منقوص الخلق لا يقدر على القتال أبداً لم يفرض له فرض المقاتلة وأعطي على كفاية المقام وهو شبيه بالذرية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا بلغ لصفار من ذرية أهل الفيء بالاحتلام أو باستكمال خمس عشرة سنة لم يخل حالهم من أحد أمرين: إما أن يكونوا قادرين على القتال أو عاجزين عنه، فإن كانوا قادرين محليه خرجوا من جملة الذرية سواء كانوا من ذرية أموات أو أحياء لما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه جعل البلوغ فرقأ بين الذرية والمقاتلة، ولأن بلوغ الذرية يسقط نفقاتهم عن المقاتلة فخرجوا من جملة الذرية، ثم هي بالخيار بين أن يكتبوا أنفسهم في ديوان الفيء فيكونوا من أهله، وبين أن لا يفعلوا فيمنعوا من الفيء، ويصيروا من أهل الصدقات، وان كانوا فقراء وان بلغوا عاجزين على القتال لعمى أو زمانه، لم يجز أن يثبتوا في ديوان الفيء منفردين وهل يبقوا على حكم الذرية في إعطائهم مال الفيء تبعاً أم لا؟ على ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم باقون على حكم الذراري في منعهم من مال الصدقة وإعطائهم قدر الكفاية بين مال الفيء، سواء كانوا ذرية لأحياء أو لأموات، استصحاباً لما تقدم في حكمهم.
والثاني: أنهم قد خرجوا في حكم الذراري لتميزهم بالبل غ ويعدل بهم إلى مال الصدقات إن كانوا من أهلها، وسواء كانوا ذرية لأحياء أو لأموات.
والثالث: أنهم إن كانوا من ذرية أموات منعوا من مال الفيء وعدل بهم إلى مال

الصدقات (وإن) كانوا من ذرية أحياء بقوا في مال الفيء على حكم الذراري ومنوا ط ل الصدقات، لأن الحي يجوز أن يكون متبوعاً في مال الفيء لبقاء عطائه، والميت لا يجوز أن يكون متبوعاً فيه لسقوط عطائه، والأصح عندي أن ينظر فإن كان الذي أقعدهم عن القتال موجباً، لنفقاتهم على الآباء بعد بلوغهم، كوجوبهما عليهم في صغرهم كالجنون والزمانة المانعة من الاكتساب بقوا على حكم الذراري في مال الفيء، ولم يعدل بهم إلى مال الصدقات سواء كانوا ذرية أحياء أو أموات؟ لأن بقا، حكمهم في وجوب النفقة لبقائهم على حكم الذرية في مال الفيء وان كان ما أعجزهم عن القتال لا يوجب نفقاتهم بعد البلوغ لقارتهم على الاكتساب مع العجز عن القتال خرجوا عن حكم الذرية في مال الفيء، وعال بهم إلى مال الصدقات، إن كانوا من أهلها سواء كانوا ذرية أحياء أو أموات، لأن سقوط نفقتهم بالبلوغ تخرجهم عن حكم الذرية والله أعلم.
مسألة 1 قال الشافعي: "فإن فرض لصحيح ثم زمن خرج من المقاتلة وان مرض طويلاً يرجى أعطي كالمقاتلة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا مرض أحد المقاتلة من أهل الفيء لم يخل حال مرضه من أحد أمرين: إما أن يكون يرجى من الله زواله، أو لا يرجى فإن كان زواله مرجواً كان على حقه في العطاء سواء أكان مرضا مخوفا أم غير مخوف؛ لأن الأمراض تناول ولا تنفك الأبدان منها في الغالب، وان كان المرض مما لا يرجى زواله كالعمى والفالج سقط عطاؤه المقاتلة بخروجه منها بالعجز عن القتال، وصار كالذرية إذا انفردوا فهل يعطى كغايته من مال الفيء، أو يعدل به إلى مال الصدقة؛ على قولين: أحدهما: يعطى من مال الفيء قدر كفايته كالذرية، فيكون حقه في أربعة أخماس الفيء.
والثاني: أنه لا يعطى من مال الفيء فيمنع من أربعة أخماسه، ثم ينظر فإن كانت زمانته بمرض عدل إلى مال الصدقات، وان كانت زمانته عن جراج ثالثة في القتال، فهل يعدل به إلى مال الصدقات، أو إلى سهم المساكين من خمس الفيء، على وجهين: أحدهما: أنه يعدل به إلى سهم المساكين من خمس الفيء، ويميز عن مساكين الصدقات استيفاء لحكم الفيء فيه.
والثاني: أنه يعدل به إلى مال الصدقات، كالذي زمانته بمرض، والله أعلم.
مسألة 2 قال الشافعي: "ويخرج العطاء للمقاتلة كل عام في وقتٍ من الأوقات

والذرية على ذلك الوقت".
قال في الحاوي: أما إذا كان مال الفيء لا يجيء إلا مرة واحدة في كل عام لم يجعل العطاء إلا مرة في كل عام، في وقت منه معلوم متقدو باستكمال المال فيه، وأولى ذلك أن يكون في المحرم، إذا أمكن، وان كان مال الفيء يحصل في مرتين من كل عام أو مراراً لم ينبغ أن يجعل العطاء أكثر من مرتين في كل عام لما ذكونا من تشاغل المجاهدين بالاقتضاء، وتشاغل الإمام بالعطاء، ثم ينظر الإمام في أرفق الأمرين به وبالجيش، فإن كان الأرفق أصلح أن يجعله في كل عام مرة لبعد المغزى أو طول المدة فعل، وان كان الأرفق الأصلح أن يجعله في مرتين منها صيفاً وشتاء، كي لا يتشاغل بحفظ المال إذا استبقاه ولا يستبطئ الجيش مع قرب المغزى وبعد مداه فعل، ومن أصحابنا من قال: لا ينظر الإمام في ذلك ولا يجوز أن يجعله إلا مرة واحدة من كل عام وهذا خطأ، لأنه كالزكاة لا تجب في العام إلا مرة فلم يجز أن يغرق في العام إلا مرة، وفي الفيء ما قد يحصل في السنة بأكثر من مرة فجاز أن يفرق في العام في أكثر من مرة والله أعلم بالصواب.
مسألة 1 قال الشافعي: "وإذا صار مال الفيء إلى الوالي ثم مات ميت قبل أن يأخذ عطاءه أعطيه ورثته فمان مات قبل أن يصير إليه مال ذلك العام لم يعطه ورثته".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
قد ذكرنا أن استحقاق العطاء يكون بحصول مال الفيء وأداؤه يجب بحلول وقت العطاء.
وقال الإسفراييني: استحقاقه وأداؤه يكونان معاً بحلول وقت العطاء، ولا اعتبار بحصول المال في الاستحقاق والأداء، وهذا مع كونه مخالفاً لنص الشافعي خطأ من وجهين: أحدهما: أنه لما لم يجب على مؤديه لم يجب بمستوفيه، وقد يجوز أن يحل وقت العطاء قبل استحقاق مال الفيء على أهله.
والثاني: أن العطاء يتعلق استحقاقه بعين لا بذمة وفي اعتبار وجوبه بالوقت دون المال نقل له من العين إلى الذمة، فبطل تقدير ما اعتبره.
وإذا كان حصول المال معتبراً فمذهب الشافعي أن حصوله هو قبضه من أهله، ومن أصحابنا من قال: حصوله هو حلول وجوبه على أهله، وهذا خطأ؛ لأنه قد يحل وجوبه ولا يحصل بموت وإعسار، فإذا ثبت ما ذكرنا، لم يخل حال من مات من أهل الفيء من أربعة أقسام:

أحدها: أن يكون موته قبل حصول المال وقبل حلول وقت العطاء، فعلى مذهب الشافعي لا يكون حقه فيه ثابتاً.
والثاني: أن يكون موته بعد حصول المال وبعد حلول وقت العطاء، فحقه فيه ثابت وهو لورثته من بعده لئلا يختلفوا.
والثالث: أن يكون موته بعد حصول المال وقبل حلول وقت العطاء، فعلى مذهب الشافعي يكون حقه ثابتاً فيه ينتقل عنه إلى ورثته، وعلى قول أبي حامد الإسفراييني لا حق له فيه.
والرابع: أن يكون موته بعد حلول وقت العطاء وقبل حصول المال، فعلى مذهب الشافعي لا حق له فيه، وعلى قول أبي حاما يكون حقه فيه ثابتاً يورث عنه.
مسألة 1 قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن فضل من الفيء شيء بعدما وصفت من إعطاء العطايا وضعه الإمام في إصلاح الحصون والازدياد في السلاح والكراع وكل ما قوي به المسلمون فإن استغنوا عنه وكمله كل مصلحه لهم فرق ما يبقى منه بينهم على قدر ما يستحقون في ذلك المال".
قال في الحاوي: وجملة القول في مال الفيء إذا حصل أن يبدأ منه بعل إخراج خمسة بأرزاق الجيش، لأنه إن قيل إنه للجيش خاصة فلا شريك لهم فيه، وإن قيل إنه للمصالح فمن أهمها أرزاق الجيش، فإن كان بقدر أرزاقهم لم يفضل منه متى أعطوا جميعه، وان كان أكثر من أرزاقهم وكان يفضل من بعد إعطاء جميعهم فضل فمصرف الفضل معتبر باختلاف القولين في مصرف الفيء.
فإن قيل: إنه للجيش خاصة واستوفوا منه قدرا أرزاقهم رد الغافل عليه بقسط أرزاقهم، وهل يجوز أن يصرف من الفضل في الكراع والسلاح وإصلاح الحصون والثغور ما دعت الحاجة إليه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يجوز استحقاقهم له كالغنيمة.
والثاني: يجوز، لأنه معونة لهم وان لم يفضل تكلفوه من أموالهم، فيبدأ بعد أرزاقهم بشراء ما احتيج إليه من الكراع والسلاح وإصلاح ما تشعث من الحصون والثغور، ثم رد ما فضل بعد ذلك عليهم، وان قيل: إن أربعة أخماس الفيء مصروف في المصالح قدم الجيش منه يقدر أرزاقهم، وصرف الفضل في الكراع والسلاح وما يحتاج إليه من إصلاح الحصون والثغور، فإن فضل منه بعد المصالح كلها فضل ففي رده على الجيش، وجهان:

أحدهما: يستبقي في بيت المال ولا يرد عليهم؟ لأنه قد يتجدد من وجوه المصالح ما يكون ذلك معداً له.
والثاني: أنه يرد على الجيش بعد استكمال المصالحء بقسط أرزاقهم ولا يستبقي لمصلحة لم يعلم بها مع ظهور المصلحة في اتساع الجيش بها، ولما روي عن عمر رضي الله عنه أنه حلف في المال المحمول من فارس أنه لا يأوي تحت سقف حتى يقسمه، ولما روي عنه في أهل الرمادة أنه لم يكن قد استبقى لهم في بيت المال ما يسد به خلتهم، حتى انتظر بهم ما يأتي من مال بعد مال إلى أن استقلوا فرحلوا، فعلى هذا في حكم رده عليهم وجهان: أحدهما: أنه يرد عليهم معونة لهم لا يحتسب بها عليهم.
والثاني: يرد عليهم سلفاً معجلاً، يحتسب به عليهم من وزق العام القابل والله أعلم.
مسألة 1 قال الشافعي: "وإن ضاق عن مبلغ العطاء فرقأ بينهم بالغاً ما بلغ لم يحبس عنهم منه شيء".
قال في الحاوي: إذا ضاق مال الفيء عن أرزاق الجيش وجب أن يقسمه بين جميعهم على قدر أرزاقهم، كما لو ضاقت أموال المفلس عن ديون غرمائه قسم بينهم على قدر ديونهم، ولا يجوز أن يعطى ذلك بعض الجيش كما لا يجوز أن يعطى ذلك مال المفلس بعض الغرماء لاستوائهم في الاستحقاق ثم ينظر في الباقي من أرزاقهم.
فإن قيل: إن مال الفيء ملك للجيش سقط الباقي من أرزاقهم ولم يلزم أن يقضوه من عام قابل، ولكن ينبغي للإمام أن يعوضهم من الغنائم ما يتممون باقي كفاياتهم.
وان قيل: إن مال الفيء مصروف في المصالح كان الباقي من أرزاق الجيش، ديناً على بيت المال يقضونه في المستقبل من بيت المال، وان عوضوهم بمغنم قبله كان أولى.
مسألة 2 قال الشافعي: "ويعطى من الفيء رزق الحكام وولاة الأحداث والصلاة لأهل الفيء وكل من قام بأمر أهل الفيء من والٍ كاتب وجندي ممن لا غناء لأهل الفيء عنه رزق مثله فإن وجد من يغني غناءه وكان أميناً بأقل لم يزد أحداً على أقل ما يجد، لأن منزلة الوالي من رعيته منزلة والي اليتيم من ماله لا يعطى منه عن الغناء لليتيم إلا أقل ما

يقدر عليه ومن ولي على أهل الصدقات كان رزقه مما يؤخذ منها لا يعطى من الفيء عليها كما لا يعطى من الصدقات على الفيء.
قال: واختلف أصحابنا وغيرهم في هشم الفيء وذهبوا مذاهب لا أحفظ عنهم تفسيرها ولا أحفظ أيهم مال ما أحكي من القول دون من خالفه وسأحكي ما حضرني من معاني كل من قال في الفيء شيئاً، فمنهم من هال: هذا المال لله تعالى دل على من يعطاه فماذا اجتهد الوالي ففرقه في جميع من سمى له على قدر ما يرى من استحقاقهم بالحاجة إليه وإن فضل بعضهم على بعض في العطاء فذلك تشويه إذا كان ما يعطى كل واحدٍ منهم سد خلته ولا يجوز أن يعطي صنفاً منهم ومحرم صنفاً.
ومنهم من مال: إذا اجتمع المال نظر في مصلحه المسلمين فرأى أن يصرف المال إلى بعض الأصناف دون بعض، فمان كان الصنف الذي يصرفه إليه لا يستغنى عن شي، مما يصرفه إليه وكان أرفو بجماعة المسلمين صرفه وحرم غيره ويشبه قول الذي يقول هذا أنأ إن طلب المال صنفان وكان إذا حرمه أحد الصنفين تماسك ولم يدخل عليه خله مضره وان ساوى بينه وبين الأخر كانت على الصنف الأخر خله مضرة أعطاه الذين فيهم الخلة المضرة كلأ.
قال: ثم مال بعض من مال: إذا صرف مال الفيء إلى ناحية فسدها وحرم الأخرى ثم جاءه مال آخر أعطاها إياه دون الناحية التي سدها فكأنه ذهب إلى أنأ إنما عجل أهل الخلة وأخر غيرهم حتى أوفاهم بعد.
قال: ولا أعلم أحداً منهم مال يعطى من يعطى من الصدقات ولا مجاهداً من الفيء.
وقال بحض من أحفظ عنه: وإن أصابت أهل الصدقات سنة فهلكت أموالهم أنفق عليهم من الفيء فإذا استغنوا عنه منعوا الفيء.
ومنهم من قال في مال الصدقات هذا القول يرد بعض مال أهل الصدقات.
قال الشافعي فعي رحمه الله: "والذي أقول به وأحفظ عمن أرضى ممن سمعت أن لا يؤخر المال إذا اجتمع ولكن يقم فإن كانت نازله من عدو وجب على المسلمين القيام بها وإن غشيهم عدو في دارهم وجب النفير على جميع من غشت أهل الفيء وغيرهم.
مال الشافعي رحمه الله: "أخبرنا غير واحد من أهل العلم أنه لما قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه مال أصيب بالعراق فقال له صاحب بيت المال ألا تدخله بيت المال؟ قال: لا ورب الكعبة لا يأوي تحت سقف بيتٍ حتى أقسمه فأمر به فوضع في المسجد ووضعت عليه الأنطاع وحرساً رجال من المهاجرين والأنصار فلما أصبح غداً معه العباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف أخذاً بيد أحدهما أو أحدهما أخذ بيده فلما رأوه كشفوا الأنطاع عن الأموال فرأى منظراً لم ير مثله الذهب فيه والياقوت والزبرجد واللؤلو يتلألأ فبكى فقال له أحدهما: أنه والله ما هو بيوم بكاء لكنه والله يوم شكر وسرور فقال: إني والله ما ذهبت حيث ذهبت ولكن والله ما كثر هذا في قوم قط إلا وقع بأسهم بينهم ثمص أقبل على القبلة ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً فاني أسمعك تقول "تستدرجهم من حيث لا يعلمون، ثم قال: أين سراقة بن جعشم؟ فأتي به أشعر الذراعين دقيقهما

فأعطاه سواري كسرى ومال: البسهما ففعل فقال: قل الله أكبر فقال: الله أكبر، قال: فقل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابياً من بني مدلج وإنما ألبسه إياهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لسراقة ونظار إلى ذراعه: "كأني بك وقد لبست سواري كسرى" ولم يجعل له إلا سواريه وجعل يقلب بعض ذلك بعضاً، ثم قال: إن الذي أدى هذا الأمين، فقال قائل: أنا أخبرك أنك أمين الله وهم يؤدون إليك ما أديت إلى الله فماذا ارتعت رتعوا.
قال: صدقت ثم فرقه.
قال الشافعي: وأخبرنا الثقة من أهل المدينة، قال: أنفق عمر رضي الله عنه على أهل الرمادة في مقامهم حتى وقع مطر فترجلوا فخرج عمر راكباً إليهم فرساً ينظر إليهم كيف يترحلون فدمعت عيناه، فقال رجل من محارب خصفه: أشهد أنها انحسرت عنك ولست بابن أمية، فمال عمر رضي الله عنه: ويلك ذاك لو كنت أنفق عليهم من مالي أو مال الخطاب إنما أنفق عليهم من مال الله عز وجل".
قال في الحاوي: أما أرزاق الجيش وكتابهم وقضائتهم وأثمهم ومؤذنيهم وعمالهم ففي أربعة أخماس الفيء على القولين معاً، وأما أرزاق القضاة بين الكافة وولاة الأحادث هم أصحاب الشرط وأئمة الجوامع والمؤذنون فيها فإن قيل: إن أربعة أخماس الفيء مصرف في المصالح أعطوا منها أرزاقهم وان قيل: إنه ملك الجيش لم يجز أن يعطوا منه وأعطوا من سهم المصالح من الخمس وهو سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المصروف بعده في وجوه المصالح، وإذا وجا الإمام متطوعاً بالقضاء والإمامة والأذان لم يجز أن يعطى عليه رزقاً وإذا وجد مرتزقاً بأقل من أجرة مثله لم يجز له أن يكمل له جميع أجرته، فإن لم يجد إلا مستوفياً لأجرته وفاه ولا يزيد على أجرة مثله، لأنه في مال المسلمين بمنزلة الولي في مال اليتيم.
فأما عمال الصدقات فأرزاقهم منها، ولا يجوز أن يرزقوا من مال الفيء على القولين معاً؛ فأما مال الفيء ومال الصدقات فقد ذكرنا أنهما مختلفان ومصرفهما متميزان لا يجوز أن يشرك بينهما ولا أن يعال بأحدهما إلى مصرف الآخر، وان خالف فيه من قهره بالدليل، والله ولي التوفيق.

باب ما لم يوجف عليه من الأرضين بخيل ولا وكاب

مسألة 1 قال الشافعي رحمه الله: "كل ما صولح عليه المشركون بغير قتال خيل ولا ركاب فسبيله سبيل الفيء على قسمه وما كان من أرضين ودور فهي وقف للمسلمين يشتغل ويقسم عليهم في كل عام كذلك أبداً.
قال: وأحسب ما ترك عمر رضي الله عنه من

بلاد أهل الشرك هكذا أو شيئاً استطاب أنفس من ظهر عليه بخيل وركاب فتركوه كما استطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنفس أهل سبي هوازن فتركوا حقوقهم وفي حديث جرير بن عبد الله عن عمر رضي الله عنه أنه عوضه من حقه وعوض امرأته من حقها بميراثها كالدليل على ما قلته".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
لا يخلو مال الفيء من أن يكون منقولاً أو غير منقول، فإن كان منقولاً كالدراهم والدنانير والعروض والسلع قسم بين أهل الفيء بوضع خمسه في أهله، وأربعة أخماسه في مستحقه وجاز له أن يبيع العروض إذا رأى ذلك ملاحا بالدراهم والدنانير لماله فيه من الاجتهاد إلا سهم ذي القربى فلا يجوز بيعه عليهم إلا بإذنهم لانقطاع اجتهاده فيه وأنه صائر إليهم على سبيل الميراث وان كان مال الفيء غير منقول كالدور والعقار والأرضين.
قال الشافعي فهي وقف فاختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أنها تكون وقفاً على القول الذي يجعل مصرف الغي، في وجوه المصالح لما في وقفها من استدامة المملحة واستدرار العلة في كل عام، وأنه يستغلها لأهل الفيء في كل عصره، فأما على القول الذي يجعل مال الفيء ملكا للجيش خاصة فلا يجوز وقفها إلا بإذنهم واختيارهم كالغنيمة التي لا يجوز وقف دورها وأرضيها إلا برضى الغانمين واختيارهم.
والثاني: قاله كثير من أصحابنا أنها تصير وقفاً على القولين معاً، لأن تمليك الغلة في كل عام أما وأنفع، ولأن أهل الفيء قاموا في تملكه مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حقه وما ملكه رسول - صلى الله عليه وسلم - وحقه في الفيء وقف، فكذلك ما ملكه الجيش بعده فصار الحكم فيه أن يصير وقفاً على القول الذي يجعل مصرفه في وجوه المصالح وهو يصير وقفاً على القول الآخر أنه ملك للجيش خاصة أم لا؟ على وجهين.
فصل فإذا تقرر ما ذكرنا من كون ذلك وقفاً كان جميعه من الخمس وغيره وقفاً إلا سهم ذي القربى وحده فإن أصحابنا اختلفوا فيه هل يصير سهمهم منه وقفاً معه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يصير وقفاً إلا عن رضى منهم واختيار لتملكهم له على سبيل الميراث.
والثاني: وهو الأصح أنه قد صار وقفاً لأنهم قد ملكوا خمس الخمس من مال محكوم له بالوقف فلهم يميز حكم سهمهم منه عن حكم جميعه وصار ما ملكوه منه وهو استغلاله في كل عام مع بقاء أصله، وإذا ثبت أن جميع ذلك يكون وقفاً فإنها تصير وقفاً بمصيرها فيها ولا يحتاج إلى واقف يقفها.
وقال بعض أصحابنا البصريين: لا تصير وقفاً إلا أن يقفها الإمام لفظاً لأن عمر

رضي الله عنه استنزل أهل السواد عنه وعارض من أبى أن ينزل عنه ثم وقفه، وهذا خطأ، لأمرين: أحدهما: أن ما لا يتم وقفه إلا باللفظ إنما يكون فيما رد إلى خيار الواقف في تملكه ووقفه وهذا غير مردود إلى خيار الواقف في تملكه ووقفه فلم يحتج إلى لفظ.
والثاني: أنه حكم قد يبت لأرض الفيء مد انتقالها من المشركين فصارت بالانتقال وقفاً، وأما عمر رضي الله عنه نفي فعله جوابان: أحدهما: أن الذي فعله هو أن حكم بوقفها.
والثاني: أنه استنزل الغانمين عن ملك فجاز أن يقفه بلفظ وليس كذلك الفيء، وانه أعلم.
مسألة 1 قال الشافعي: قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً﴾ [الحجرات: 13] الآية.
قال: وروى الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرف عام حنين على كل عشرة عريفاً.
قال: وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمهاجرين شعاراً وللأوس شعاراً وللخزرج شعاراً.
قال: وعقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الألوية فقعد للقبائل قبيلة فقبيلة حتى جعل في القبيلة ألوية كل لواء لأهله كل هذا ليتعارف الناس في الحرب وغيرها فتخف المؤنة عليهم باجتماعهم وعلى الوالي كذلك؛ لأن في تفرمهم إذا أريدوا مؤنة عليهم وعلى واليهم فهكذا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح ينبغي للإمام أن يمين الجيش بما يتزينون به ويتعارفون، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13] وفي الشعوب والقبائل ثلاثة تأويلات: أحدها: أن الشعوب للنسب الأبعد والقبائل للنسب الأقرب.
والثاني: أن الشعوب عرب اليمن من قحطان والقبائل ربيعة ومضر وسائر عدنان.
والثالث: أن الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب فجعل ذلك سمة للتعارف وأصله التمييز وذلك يكون من وجهين: أحدهما: ها يتعارفون به.
والثاني: ما يترتبون فيه.
فأما ما يتعارفون به فثلاثة أشياء العرفاء والنقباء واختلاف الشعار.
فأما العرفاء فهم أن يضم إلى كل جماعة واحد منهم يكون عريفاً عليهم وقيماً بهم يرجعون إليه في عوارضهم، ويرجع الإمام إليه في تعرف أحوالهم ويضيفهم إليه إذا أراد

أغزاهم لما روي عن النبي ش عرف عام حنين على كل عشرة عريفاً، وقد سمى العرفاء في وقتنا هذا قواداً.
وأما النقباء فجعل على كل جماعة من العرفاء نقيباً؛ ليكون لهم مراعياً ولأحوالهم وأحوال أصحابهم منهياً ولهم إذا ارتدوا مستدعياً لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اختار من الأنصار حين بايعهم اثني عشر نقيباً.
وأما الشعار فهي العلامة التي تميز بها كل قوم من غيرهم في مسيرهم وفي حروبهم حتى لا يختلطوا بغيرهم ولا يختلط بهم غيرهم؟ فيكون ذلك أبلغ في تضافرهم لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل للمهاجرين شعاراً وللأنصار شعاراً علامة من ثلاثة أوجه: أحدها: الراية التي يتبعونها ويسيرون إلى الحروب تحتها فتكون راية كل مخالفة لراية غيرهم.
والثاني: ما يعلمون به في حروبهم فيعلم كل قوم بخرقة ذات لون هن أسود أو أحمر أو أصفر أو أخضر تكون إما عصابة على رؤوسهم وإما مشدودة في أوساطهم.
والثالث: النداء الذي يتعارفون به فيقول كل فريق منهم يا آل كذا أو يا آل فلان أو كلمة إذا تلافوا تعارفوا بها ليجتمعوا إذا افترقوا ويتناصروا إذا أرهبوا، فهذا كله وان كان سياسة، ولم يكن فقهاً، فهو من أبلغ الأمور في مصالح الجيش وأحفظها للسير الشرعية.
فصل وأما ما يترتبون فيه فهو الديوان الموضوع لإثبات أسمائهم ومبلغ أرزاقهم يترتبون فيه بشيئين: أحدهما: النسب.
والثاني: السابقة على ما سنذكره من بعد حتى إذا دعوا للعطاء أو الغزو وقدم فيه المقدم في الديوان لما روي أن عمر رضي الله عنه وضع الديوان على هذا حفظاً للأسماء والأرزاق فإن قيل: لم استحدث عمر وضع الديوان ولم يكن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا على عهد أبي بكر، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "كل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
قيل: لأمرين: أحدهما: الحاجة دعته إليه عند كثرة الجيش واختلاف الثغور ليحفظ به ثلاثة أشياء لا تتحفظ بغيره: أحدها: حفظ أسمائهم وأنسابهم.
والثاني: حفظ أرزاقهم وأوقات عطائهم.
والثالث: ترتيبهم بالنسب والسابقة في إسلامهم وبأنفسهم وكل ذلك احتياط في

الدين ومستحسن بين المسلمين وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء" 1. فهذا وجه.
والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فعل ما نبه به على وضع الديوان وان أخره للاستغناء عنه مع اجتماع الجيش وقلتهم كالذي فعله من تعريف العرفاء واختيار النقباء والمخالفة بين الشعار والنداء، فتمم عمر بوضع الديوان ما ابتدأ به النبي - صلى الله عليه وسلم - من مقدماته حين احتاج إليه وان كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مستغنياً عنه فلم يكن في ذلك مخالفاً ولا مبتدعاً، وباء التوفيق.
مسألة 2 قال الشافعي: "وأحب للوالي أن يضع ديواناً على القبائل ويستظهر على من غاب عنه ومن جهل ممن حضره من أهل الفضل من قبائلهم.
قال الشافعي رحمه الله: "وأخبرني غير واحد من أهل العلم والصدق من المدينة ومكة من قبابل قريش وكان بعضهم أحسن امتصاصاً للحديث من بعض وقد زاد بعضهم على بعض أن عمر رضي الله عنه - لما دون الديوان.
قال: أبدأ ببني هاشم.
ثم قال: حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطهم وبني المطلب فإذا كانت السن في الهاشمي قدمه على المطلبي وإذا كانت في المطلبي قدمه على الهاشمي، فوضع الديوان على ذلك وأعطاهم عطاء القبيلة الواحدة، ثم استوت له بنو عبد شمس ونوفل في قدم النسب، فقال: عبد شمس إخوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبيه وأمه دون نوفل فقدمهم، ثم دعا ببني نوفل يلونهم ثمة استوت له عبد العزى وعبد الدار، فقال: في بني أسد بن عبد العزى أصهار النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيهم أنهم من المطيبين وقال بعضهم: هم حلف من الفصول وفيهم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل ذكر سابقة فقدمهم على بني عبد الدار، ثم دعا بني عبد الدار يلونهم ثم انفردت له زهرة فدعاها تتلو عبد الدار، ثم استوت له تيم ومخزوم، فقال في تيم: إنهم من حلف الفصول والمطيبين وفيهما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل: ذكر سابقة وقيل ذكر صهراً فقدمهم على مخزوم، ثم دعا مخزوماً يلونهم، ثم استوت له سهم وجمح وعدي بن كعب فقيل أبدأ بعدي فقال: بل أقر نفسي حيث كنت فإن الإسلام دخل وأمرنا وأمر بني سهم واحد ولكن انظروا بين جمح وسهم فقيل قدم بني جمح، ثم دعا بني سهم وكان ديوان عدي وسهم مختلطا كالدعوة الواحدة، فلما خلصت إليه دعوته كبر تكبيره عاليه، ثم قال: الحمد لله الذي أوصل إلى حظي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم دعا عامر ابن لؤي.
قال الشافعي: فقال بعضهم: إن أبا عبيدة بن عبا الله الجراح الفهري رضي الله عنه لما رأى من تقدم عليه.
قال: أكل هؤلاء يدعى أمامي؟ فمال يا أبا عبيدة اصبر كما صبرت أو كلم قومك

فمن قدمك منهم على نفسه لم أمنعه فأما أنا وبنو عدى فنقدمه إن أحببت على أنفسنا.
قال: فقدم معاوية بعد بني الحارث بن فهر ففصل بهم بن بني عبد مناف وأسد بن عبد العزى وشجر بين بني سهم وعدي شيء في زمان المهدي، فافترقوا فأمر المهدي ببني عدي فقدموا على سهم وجمع لسابقة فيهم: فإذا فرغ من قريش بدئت الأنصار على العرب لمكانهم من الإسلام.
قال الشافعي؛ الناس عباد الله فأولاهم أن يكون مقدماً أقربهم بخيره الله تعالى لرسالته ومستودع أمانيه وخاتم النبيين وخير خلق رب العالمين محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال الشافعي: ومن فرض له الوالي من قبائل العرب رأيت أن يقدم الأقرب فالأقرب منهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فماذا استووا قدم أهل السابقة على غير أهل السابقة ممن هو مثلهم في القرابة".
قال في الحاوي: وإذا كان وضح الديوان مأثورا قد عمل الأئمة الراشدون ولم يجد الإمام منه يداً فقد اخلف في تسميته بالديوان.
فقال قوم: لأن كسرى أطلع يوماً على كتابه وهم منحتون مع أنفسهم فقال: ديوانه أي مجنون فسمى وضع جلوسهم ديواناً.
وقال آخرون: سمي ذلك لأن الديوان اسم السلاطين فسمي الكتاب باسمهم لوصولهم إلى غوامض الأمور وضبطهم الشاذ وجمعهم المتفرق ثم سمي موضع جلوسهم باسمهم فقيل ديوان، فإذا أراد الإمام أن يضح ديوان الجيش قدم فيه العرب على العجم لما فضلهم الله به من رسوله - صلى الله عليه وسلم -. قال الشافعي 1: الناس عباد الله وأولاهم أن يكون مقدماً أقربهم فخيره الله لرسالته ومستودع أمانته وخاتم النبيين وخير خلق رب العالمين محمد - صلى الله عليه وسلم - فإذا أراد تقديم العرب قدم منهم قريشاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قدموا قريشاً ولا تتقدموها" 2 ثم من يليهم من بطون قريش بحسب قرب آبائهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
فأقربهم إليه نسباً بنو هاشم وضم إليهم بنو المطلب لقوله - صلى الله عليه وسلم - أن بني هاشم وبني المطلب كالشيء الواحد وشبك بن أصابعه لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام.
وروي أن عمر رضي الله عنه لما أراد وضع الديوان، قال: بمن أبدأ؟ فقال له بعض الحاضرين: ابدأ بنفسك يا أمير المؤمنين، إما على عادة الفرس في تقديم الولاة، وإما لتخيير عمر فيما يفعله.
فقال عمر رضي الله عنه.
اذكرتني بأن أبدأ ببني هاشم، فإني حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معطيهم وبني المطلب، فكان إذا كانت السن في الهاشمي قدمه على المطلبي، وإذا كانت في المطلبي قدمه على الهاشمي، فوضع ديوانه على ذلك وأعطاهم عطاء القبيلة الواحدة ثم استوت له عبد شمس ونوفل من قدم النسب لأن عبد

شمس ونوفلاً أخوا هاشم والمطلب لأن جميعهم بنو عبد مناف وحكي الزبير بن بكار أنه كان يقال لهاشم والمطلب البدران ولعبد شمس ونوفل الأبهران.
وأصل عبد شمس أنه قيل له عباء الشمس أي يستر الشمس ثم خففوا فقالوا عبد شمس وكان أكبر ولد عبد مناف وأصغرهم المطلب فقدم عمر بني عبد شمس على بني نوفل، لأن عبد شمس أخو هاشم لأبيه وأمه ونوفل أخو هاشم لأبيه دون أمه، وأنشد أبو عبيدة لآدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: يَا أَمِير إنِّي قَائِلٌ قَوْل ذِي دِينِ وَبِر وَحَسَبْ عَبْدِ شَمْسَ..... أَنَّهَا عَبْدَ شَمْسِ عَم عَبْد المُطَّلبْ عَبْدَ شَمْسَ كَانَ يتلو هَاِشماً... وَهُمَا بَعْدُ لأُمِّ وَلَأبِ فقدم عمر بني عبد شمس ثم دعا بعدهم بني نوفل ثم استوبت له بنو عبد العزى وبنو عبد الدار وهما أخوا عبد مناف وجميعهم بنو قصي، فلما فرغ من بني عبد مناف عدل بعضهم إلى أخوي عبد مناف وعبد العزى وعبد الدار ابني قصي، فقدم بني عبد العزى على بني عبد الدار لأربعة أمور: منها: أنهم أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن خديجة منهم.
ومنها السابقة للزبير بن العوام، لأنه منهم.
ومنها لأنهم من حلف المطيبين.
ومنها لأنهم من حلف الفضول، فأما حلف المطيبين فإنه حلف عقدته قبائل من قريش على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى رع الظالم ونصرة المظلوم وقالوا: إن لنا حرماً يعظم وبيتاً يزار فأخرجوا من أموالهم ما أعدوا للتعاون على حلفهم فصار الاجتماع على هذا الحلف كالاشتراك في النسب.
واختلف في تسميته بحلف المطيبين، فقال قوم: لأنهم طيبوا مكة برع الظالم ونصرة المظلوم، لأن قريشاً تسلطوا حين قووا.
وقال آخرون: بل سموا بذلك لأن أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب أخرجت لهم عند عقد هذا الحلف جفنة فيها طيب فغمسوا أيديهم فيها عند التحالف وتطيبوا به فسمي حلف المطيبين وكان من دخل فيه من قريش بنو عبد مناف وبنو أسد، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر فلما سمعت بذلك بنو هاشم نحروا جزوراً ثم قال من أدخل يده في دمها ثم علق منه فهو منا ليتميزوا عن حلف المطيبين فأدخلت أيديها بنو هاشم فادخلوا أيديهم بنو سهم وبنو عبد الدار وبنو جمح وبنو عدي وبنو مخزوم فسمي هذا أحلاف اللعقة، فقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب في ذلك.
وَسُمِينَا الأَطَايَبْ مِنَ قُرَيْش عَلَى كَرَمِ فَلَا طِبْنَا وَلَا طَابَا وَأَيُّ الخَيْرِ لَمْ نَسْبِق إلَيْهِ وَلَمْ تَفْتَح بِهِ لِلنَّاسِ بَابَا

وأما حلف الفضول فهو حلف عقدته أيضا قبائل من قريش على نحو ما ذكرنا في حلف المطيبين وكان سببه ما حكاه الزبير بن بكار: أن قيس بن شيبة السلمي باع متاعاً على ابن أبي حلف الجمحي فلواه وذهب بحقه، فاستجار عليه بني جمح فلم يجيروه فقام قيس منشداً فقال: يا آل قصي كيف هذا في الحرم وحرمة البيت وأخلاق الكرم أظلم لا يمنع من ظلم فجددوا لأجله حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان على رد الظلم بمكة، وإن لا يظلم بها أحد إلا منعوه ودخل في الحلف بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة وبنو تيم وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ معهم وذلك قبل النبوة، وهو ابن خمس وعشرين سنة فروت عائشة رضي قال الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت وما أحب أن يكون لي حمر النعم، واني كنت نقضته" وما يزيده الإسلام إلا شدة، ولم يدخل بنو عبد شمس فيه.
واختلف في تسميته بحلف الفضول فقال قوم: لما فيه من الأخذ بالفضل.
وقال آخرون: لأن قريشاً وسائر الأحلاف كرهوه فعابوا من دخل فيه ونسبوهم إلى الفضول.
فسمي بحلف الفضول.
وقال آخرون: بل سمي حلف الفضول لأنهم تحالفوا على مثل ما تحالف عليه قوم من جرهم فيهم الفضل وفضيل وسمي بإضافته إليهم حلف الفضول، فهذا الكلام من ترتيب بني قصي، ثم انفرد، بعدهم بنو زهرة أخو قصي وهما ابنا كلاب، وليس له عقب من غيرهما، وقد روى الأوزاعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ضريح قريش ابنا كلاب" يعني قصي وزهرة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينسب إليهما لأن أباه من قصي، وأمه من زهرة، ثم استوت له بعد بني كلاب بنو تيم وبنو مخزوم لأن تيماً ومخزوماً أخو كلاب وجميعها بنو مرة بن كعب فقدم بني تيم على بني مخزوم لأربعة أمور: منها السابقة لأبي بكر لأنه منهم.
ومنها لأنهم أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن عائشة منهم.
ومنها لأنهم من حلف المطيبين.
ومنها لأنهم من حلف الفضول.
ثم استوت لهم بعد ذلك بنو عدي وبنو سهم وبنو جمح لأنهم إخوة مرة وجميعهم بنو كعب بن عامر فقيل له: ابدأ ببني عدي وهم قومه، فقال: بل أقر نفسي حيث كنت، فإن الإسلام دخل وأمرنا وأمر بني سهم واحد ولكن انظروا بين بني جمح وبني سهم فقيل إنه قدم بني جمح ثم دعا بني سهم وكان ديوان عدي وسهم مختلطاً كالدعوة الواحدة فلما بلغت إليه دعوته كبر تكبيرة عالية ثم قال: الحمد لله الذي أوصل إلي حظي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم دعا بني عامر بن لؤي بن غالب، وكان أبو عبيدة بن الجراح حاضراً وهو من

جارٍ التحميل