وأما الأحكام: فهي أن يكون بالغاً، عاقلاً، حراً ذكراً.
وقال ابن جرير: يجوز قضاء المرأة كالرجل.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية إلا في الحدود قياساً على شهادته تقبل في الأموال دون الحدود.
ودليلنا ما روى أبو بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة".
وروى: "ولوا أمرهم امرأة" وروى أنه قال: "لن يفلح قوم تملكهم امرأة".
وروت عائشة-رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تكون المرأة حكماً تقضي بين العامة"، ولأن من لا يصح قضاءه في الحدود لا يصح في الأموال كالصبي.
فإن قيل: أليس قال عمر رصي الله عنه: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لما تخالجني في تقليده شك.
قيل: كان سالم مولى عتاقة ولم يكن رقيقاً.
فرع
لا يجوز تقليد الخنثى، فإن زال إشكاله وبان رجلاً يجوز أن يكون قاضياً، ولو ولى في حال الجهل بحاله فحكم ثن بان رجلاً، المذهب أنه لا ينفذ حكمه، وقيل فيه وجهان.
فرع آخر
لو قلدت امرأة القضاء [147/ أ] على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فحكمت، هل للشفعوي نقض حكمها؟ قال الإمام جدي رحمه الله: فيه وجهان: أحدهما: ينقض وهو اختيار الأصطخري.
والثاني: لا ينقص لأنه مجتهد فيه.
فرع آخر
لو رد إلى المرأة قاض لم يجز، لأنه لا يجوز أن تكون مولية وإن ولا ها اختيار قاض جاز، لأن الاختيار اجتهاد كالفتيا.
فرع آخر
لا يجوز قضاء الكافر للكافر، وقال أبو حنيفة: يجوز كالشهادة.
واعلم أن العادة جارية من الأئمة بتقليد زعامة ورياسة لا تقليد حكم وقضاء.
فرع آخر
لا يكتفي فيه العقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية، ويعتبر أن يكون صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيداً من السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى وضوح ما أشكل وفصل ما أعضل.
فرع آخر
قال أصحابنا: ويستحب مع ذكرنا من الشرائط أن يكون حليماً، مثبتاً، ذا فطنة وتيقظ، لا يؤتي من غفلة، ولا يخدع بغرة، عالماً بلغات أهل قضائه، جامعاً للعفاف نزيهاً، بعيداً من الطمع، صدوق اللهجة، ذا رأي ومشورة، وكلامه لين إذا قرب، وهيبة إذا أوعد، ووفاء إذا وعد، وعليه السكينة والوقار.
وقد حكي عن علي-رضي الله عنه- أنه ولى أبا الأسود الدؤلي القضاء ساعة من نهار ثم عزله، فقال: لم عزلتني، فو الله ما خنت، فقال بلغني أن كلامك يعلو كلام الخصمين إذا تحاكما إليك.
فرع آخر
لو كان يطرأ عليه في الأحيان جنون نظر، فإن امتد به حتى يتأخر عن أوقات النظر لم يصح تقليده، وإن قصر زمانه وكان كالساعة نظر، فإن أثر في زمان إفاقته كفتور حسه، ودهشة عقله لم يصح تقليده، وإن أفاق من ساعته وعاد إلى استقامته هل يجوز تقليده؟ [147/ ب] فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأنه يخرج في زمان ذلك عن حكم التكليف، وتبطل به فروض العبادات.
والثاني: يجوز ويجري مجرى فترات النوم وأوقات الاستراحة.
فرع آخر
لو أغمى عليه لم يؤثر في ولايته، لأنه مرض لا تمنع منه النبوة، وفيه وجه بعيد أنه يعزل به وليس بشئ.
فرع آخر
لو طرأ عليه الجنون بعد التقليد ولا يته ولا يعود بالإفاقة.
وفيه وجه بعيد لا يبطل، لأنه أقوى من الوكالة وليس بشيء.
فرع آخر
لو كان فاسقاً بشيء يختص بالاعتقاد وله فيه شبهة يتأول بها خلاف الحق، هل يجوز تقليده؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأنه لما استوي حكم الكفر بتأويل وغير تأويل، كذلك الفسق.
والثاني: يجوز، لأنه لما كان تأويل الشبهة في الفروع لا يمنع التقليد فكذلك في الأصول.
فرع آخر
لو طرأ عليه فسق التعاطي بارتكاب المحظورات بطلت ولا يته كما تبطل شهادته، وهذا لأن القضاء أحوج إلى العدالة والأمانة لكونه أعظم منزلة وأجل محلاً.
وحكي عن أبي حنيفة-رحمه الله- أنه قال: لا تبطل ولايته ولكن يستحق العزل.
وقيل: لا يصح هذا عن أبي حنيفة، ذكره أهل العراق.
وقيل: إنه وجه لبعض أصحابنا وليس
بشيء.
وقيل: الصحيح من مذهب الشافعي- رضي الله عنه- أن الإمامة العظمى تبطل بالفسق وهو إجماع.
وقال الأصم وبعض أصحاب الحديث: لا ينعزل به ولا يعتد بخلافهم.
وقيل: فيه وجه لبعض أصحابنا لا ينعزل ولكنه يجبر أن يعزل نفسه، أو تجتمع طائفة تنعقد بهم الإمامة فيقتلونه ويقلدون آخر للضرورة.
فرع آخر
لو طرأ عليه فسق الاعتقاد هل تبطل ولايته؟ فيه وجهان بناء على صحة التقليد.
قال صاحب "الحاوي": الصحيح أنه لا ينعقد [148/ أ] تقليده، لأنه لا يقلد إلا بتعديل كامل، ولا ينعزل إلا بجرح كامل.
فرع آخر
لو كان في عينيه عشاء يبصر نهاراً ليلاً جاز تقليده القضاء، ولو كان في بصره ضعف فإن كان يرى الأشباح ولا يعرف الصور لم يجز تقليده، وإن كان يعرف الصور إذا قربت ولا يعرفها إذا بعدت جاز تقليده.
فرع آخر
لو طرأ عليه العمى بطلت ولايته خلافاً لمالك.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز له أن يقضي بالشهادة التي سمعها في سلامة البصر.
فرع آخر
لو طرأ عليه صمم بطلت ولايته، والصمم المانع أن لا يفهم الأصوات وإن علت، فأما ثقيل السمع الذي يفهم عالي الأصوات دون خافتها يصح تقليده، ولكن تقليد السميع أولى منه.
فرع آخر
إذا كان بلسانه تمتمة أو فأفأة أو عقدة صح تقليده، لأنه نقص لا يمنع فهم الكلام وإن غمض، وكان في لسان موسى- عليه الصلاة والسلام- عقدة ولم تمنع رسالته.
فرع آخر
لا يعتبر صحة أعضائه، ويجوز قضاؤه وإن كان مقعداً، ولكن السلامة لذوي الولايات أهيب.
فرع آخر
لو كان لا يقول بخبر الواحد لا يجوز تقليده، لأن أكثر أحكام الشرع مأخوذة من
أخبار الآحاد، وكذلك لا يجوز تقليد من لا يقول بحجة الإجماع.
فرع آخر
لو كان من نفاه القياس فهم ضربان، أحدهما: من نفي القياس وعمل بظاهر النصوص، وعدل عما لا نص فيه إلا أقاويل سلفهم، وجعلوا ذلك كالنص في العمل بها من غير دليل لا يجوز تقليده لتقليدهم في الأحكام، وتركهم أصلاً من أصول الشرع وهو القياس، وإن كان ممن يعدل عند عدم النصوص إلى فحوى الكلام، ودليل الخطاب، وسلك طريق الاجتهاد، ويعدل عن تعليل النصوص لمعانيها كأهل الظاهر، ففي جواز تقليده وجهان:
أحدهما: لا يجوز [148/ ب] لما ذكرنا.
والثاني: يجوز، لأنهم يعتبرون واضح المعاني وإن عدلوا عن خفي القياس.
فرع آخر
هل يشترط في القاضي أن يكون عارفاً بالحساب؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان، والمذهب أنه لا يشترط.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو عرف رجل مذهب إمام جدا ولم يبلغ مبلغ المجتهدين، هل له أن يفتي على مذهبه؟ وجهان: أحدهما: وهو اختيار القفال يجوز.
والثاني: لا يجوز.
وأصل الوجهين أن تقليد ذلك المستفتي هل هو لذلك المفتي أم لذلك الميت وهو صاحب المذهب؟ فيه وجهان، فإذا قلنا للميت فله أن يفتي، وإن قلنا للمفتي فليس له ذلك.
فرع آخر
هل يجوز تقليد الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان، والصحيح أنه يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً، ووجه الأول أنه يحتاج أن يكتب أو يقف على ما يكتبه الكاتب، ويفارق الحالة الشريفة من النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك كان من معجزاته، وكان أصحابه عدولاً يأمن خيانتهم.
فرع آخر
قال في "الحاوي": يعتبر في جواز ولايته ونفاذ حكمه سبعة شروط، أحدهما: أن يكون كاملاً في نفسه، وكمال نفسه ضربان، كمال حكم، وكمال خلقة.
فأما كمال الحكم بالبلوغ والعقل، لأن التكليف يتعلق بهما.
وأما كمال الخلقة فتعتبر سلامته فيها
في ثلاثة أوصافٍ؛ صحة بصره, وصحة سمعه, وسلامة لسانه.
فجملة الأوصاف المعتبرة في كمال نفسه؛ البلوغ, والعقل, والسمع, والبصر, والنطق.
والشرط الثاني: الذكورة.
والثالث: الحرية.
والرابع: الإسلام.
والخامس: العدالة, وهو أن يكون صادق اللهجة, ظاهر الأمانة, عفيفًا عن المحارم, متوقيًا للمآثم, بعيدًا [149/ أ] من الريب, مأمونًا في الرضا والغضب, مستعملًا لمرؤة مثله في دينه ودنياه.
والسادس: أن يكون عالمًا بالأحكام الشرعية, وعلمه بها يشتمل على أمرين؛ أن يكون عالمًا بما قدمناه من أصولها.
والثاني: أن يكون عالمًا بفروعها فيما انعقد عليه إجماع أو حصل فيه اختلاف, فيتبع الإجماع ويجتهد في الاختلاف, ليصير بذلك من أهل الاجتهاد في الدين.
والسابع: أن يكون عالمًا بما قدمناه من أصول الشرع الأربعة, فإن كان ممن يعدل في بعضها ويعتقد إبطال شيء منها, فقد ذكرنا الحكم إذا كان لا يقول بخبر الواحد أو الإجماع أو القياس حيث الحكم.
فرع آخر
يشترط في الإمام ما يشترط في القاضي, وزيادة وهي أن يكون قريشيًا, ويعرف تدبير الحروب ووجوه المغانم, ومصرف الصدقات, ولا يجوز أن يكون أعور بخلاف القاضي.
مسألة: قَالَ: وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَحْسِنَ بِغَيْرِ قِيَاسٍ, وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أنْ يُشْرعَ فِي الدِّينِ.
اعلم أنه لا يجوز الحكم بالاستحسان, والاستحسان هو القول بالشيء من غير حجةٍ ودليل, ولكن بغالب الظن والحسن في العقل.
وحكي الشافعي- رضي الله عنه- عن أبي حنيفة- رحمه الله- أنه أجاز الحكم به, وهذا غلط ظاهر؛ لأن الله تعالى قال: [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ ﴿[النساء: 59] الآية, فجعل الأحسن ما كان مأخوذًا من أوامر الله تعالى ورسوله- صل الله عليه وسلم-, فإن في الظن والاستحسان اتباع الهوى, وقد قال تعالى:﴾ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ {[ص: 26] الآية.
وأيضًا فإنه لو كان الاستحسان بالعقل مغنيًا عن أحكام الشرع, وعن أصول الشرع, لاستغنى بعقله عن الأمر والنهي واجمعنا على خلافه.
[149/ ب] وأيضًا قال الشافعي- رضي الله عنه-: لو جاز ذلك لجاز أن يشرع في الدين ومعناه:
أن يبعث من جهة نفسه شرعًا غير شرع محمد- صل الله عليه وسلم- ولأن القياس حجة شرعية فلا يجوز تركه بالاستحسان؛ لأنه يجوز تخصيص العموم به دون الاستحسان فلا يترك به.
واعلم أن أصحاب أبي حنيفة- رحمه الله- اختلفوا في بيان مذهبه, فقال بعضهم هو العمل بأقوى القياسين, وهذا فيما نوافقه عليه؛ لأنه الأحسن والاستحسان الذي أوجبه أصول الأصول واقترن بها استحسان العقول حجة يتفق عليها يلزم العمل بها.
وقال بعضهم: هو القول بتخصيص العلة كما خصَّ خروج الجص والنورة من علة الربا في البر وإن كان مكيلًا, وهذا أصل نخالفه فيه.
وقال بعضهم: هو أن يترك أقوى القياسين بأضعفهما إذا كان حسنًا.
وقال في شهود الزوايا: القياس أن لا يحد ولكن آخذه استحسانًا, وهذا نخالفه فيه؛ لان أقوى القياسين عندنا أحسن من أضعفهما, ولان في مسألة شهود الزوايا لا قياس أصلًا ولا خبرًا, وأنكر أصحابه ما حكى الشافعي عنه.
فإن قال قائل: قال الشافعي بالاستحسان في مسائل, فإنه قال في المتعة: استحسن بقدر ثلاثين درهمًا, وقال في الأذان: وحسن أن يضع إصبعه في أذنه وقال: "وإرسال ابن المسيب عندنا حسن" قلنا: هذا كله استحسان بدليلٍ, وإنما أنكر الشافعي الاستحسان من غير دليلٍ.
فأما تقدير المتعة بثلاثين درهمًا فقد رواه عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- فاستحسنه للأثر فيه, واستحسن التحليف على المصحف تغليظًا لليمين كما غلظت في الموضع الشريف والوقت الشريف, واستحسن في مدة المتعة بثلاثة أيامٍ؛ لأنها مدة مضروبة في خيار الشرط, [150/ أ] وفي مقام المسافر, وفي أكثر مدة المسح مع قوله: [تمتعوا في داركم ثلاثة أيام {بعد أن توعدهم بعذاب قريب, فدل أن الثلاث في حد القريب.
واستحسن إرسال ابن المسيب؛ لأنه لا يرسل إلا عن صحابي, فصح ما ذكرنا والله أعلم.
واعلم أن الاستحسان بغير دليلٍ ما قاله أبو حنيفة: لو نذر أن يتصدق بماله يلزم أن يتصدق بالمال الذي تجب الزكاة في عينه دون سائر الأموال استحسانًا.
وقال: استمساح الخف يجوز استحسانًا.
مسألة: قَالَ: "وَالْقِيَاسُ قِيَاسَانِ".
الفصل
جملة هذا أن القياس, عندنا حجة شرعية يجب العمل بها والمصير إليها.
واختلف أصحابنا في ترتيب أنواع القياس, فمنهم من قال: القياس على ثلاثة أضرب؛ جلي,
وواضح, وخفي.
ومنهم من قال على أربعة أضرب, والرابع قياس علة الشبة.
والجلي على أضربٍ منها: التنبيه.
والثاني: ما ثبت معناه في الأصل بالإجماع مثل قياس العمياء على العوراء في الأضحية.
والثالث: ما ثبت معناه في الأصل بالنص, مثل قوله تعالى:} وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً {إلى قوله: [وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ {[النساء: 20,21], فجعل العلة فيه الإفضاء, فإذا كان المهر أقل من القنطار أو أكثر لا يجوز لها أخذه إذا وجد الإفضاء.
ومن جملة هذا قياس سائر الزناة على ماعز بن مالك, وسائر المفرطين بالجماع على الأعرابي المجامع, وسائر المستحاضات على فاطمة بنت أبي حبيش, وتخيير المعتقات على بريرة, وقياس الأمة على العبد إذا أعتق شركًا منها [150/ ب] وغير ذلك, فإن المعاني التي حكم النبي- صل الله عليه وسلم- فيهم لها بمنزلة المنصوص عليه, وذكر تلك المعاني يدل على أنها العلة.
والرابع: ما ثبت معناه بالتأثير, فيدل ذلك على تعلقه به, وهو مثل علة تحريم الخمر؛ فلأن العصير حلال إذا وجدت الشدة المطربة حُرم, فإذا زالت الشدة حل, فلو قدرنا عود الشدة قدرنا عود التحريم, فيدل ذلك على أن التحريم تابع للشدة المطربة.
ومن أصحابنا من قال: هذه العلة ثابتة بالنص بقوله تعالى: [إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ {[المائدة: 91] الآية, فاخبر عن النهي لما فيه من الصد عن الصلاة, وعن الذكر, وهذا يتعلق بما من الشدة المطربة.
والصحيح أن يقال: هذه العلة ثابتة بالنص والتأثير معًا ولا يمنع مثل ذلك, ومن جملة ذلك قياس العبد على الأمة في تضعيف الحد للرق, وهذا المعنى قد ثبت بالتأثير؛ لأنا وجدنا الأمة إذا زنت كان حدها ناقصًا, وإذا عتقت ثم زنت كان حدها كاملًا, ولو كانت كتابية فلحقت بدار الحرب بعد الحرية ثم استرقت كان حدها ناقصًا, فثبت أن نقصان الحد يتعلق بالرق, وقد وجد هذا المعنى في العبد وكان حده ناقصًا.
فهذا الذي ذكرنا كله أقسام القياس الجلي, وبعضها أجلي من بعض, وهو مراد الشافعي- رضي الله- عنه بقوله: "أن يكون في معنى الأصل, وإذا حكم الحاكم بخلاف هذا وجب أن ينقض ويخص بكلها العموم".
وعلى قول ابن أبي هريرة تفسخ كلها.
وأما القياس الواضح: فهو القياس في الأحكام [151/ أ] بالعلل المستنبطة, مثل علة الربا وغيره؛ لان يحتمل الصحة في هذا القياس ويحتمل غيره, فلا ينتقض به الحكم؛ لأنه لا يجوز نقض الحكم بالمحتمل.
وذكر ابن أبي أحمد: أن قياس الأرز على الحنطة في الربا من النوع الأول, فينقض به الحكم.
وقال القاضي الطبري: هذا أيضًا ما ثبت معناه بالتأثير, ولكنه أخفي مما تقدم, وذلك أنَّا نقول: إن العلة في الأربعة المنصوصة الطعم, وقيل: الكيل, وقيل:
القوت, ونحن نقول: وجدنا أنه إذا بذر الحنطة فصار حشيشًا لا ربا فيه, فإذا انعقد حبًا جرى الربا فيه, فإذا أُحرق وصار رمادًا لا ربا فيه, فالتأثير للطعم, فكان هو العلة.
وقد روى أن النبي- صل الله عليه وسلم- "نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثلٍ" فذكر الطعام فيه يدل على تعلقه به؛ لأن ذكر الصفة في الحكم تعليلًا له به في مقتضى اللغة.
ومن أصحابنا من قال: هذا أيضًا من جملة الجلي, ولكن ما تقدم أجلي من هذا.
وقيل: النوع الأول هو القياس الواضح, ذكره أبو إسحاق, والعبارة صحيحة لما ذكرناه.
وأما القياس الخفي: فهو قياس علة الشبه, وقد ذكرنا شرحه وقيل: صورته أن تتردد الحادثة بين أصلين, وكان الحكم ثابتًا في احد الأصلين بعلةٍ ذات خمسة أوصاف, وفي الأصل الآخر بعلة ذات خمسة أوصافٍ, والحادثة تشبه احد الأصلين بأربعة أوصافٍ وتشبه الأخرى بثلاثة أوصافٍ, فإلحاقها بأكثرهما شبهًا أولى, فهذه طريقة القائل الأول أن القياس على ثلاثة أضربٍ.
فأما من قال القياس على أضرب فإنه يقول: الجلي هو الأول من الأقسام [151/ ب] التي ذكرناها وهو التنبيه.
والواضح باقي الأقسام من القياس الجلي.
والخفي هو القياس في الأحكام.
والرابع قياس علة الشبه, وهذه الطريقة أصح؛ لأن الأول هو الجلي في الحقيقة يقع لكل أحدٍ معناه, والواضح يجوز أن يرد الشرع بخلاف معناه, ولا خلاف في نقص الحكم بهما على ما ذكرنا, وإنما الخلاف في التسمية.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: القياس قياسان.
أحدهما: جلي ويسمى قياسًا في معنى الأصل, وهو أن يكون للفرع والأصل واحد يشبهه, ولا عذر في ترك إلحاقه به.
والثاني: قياس خفي, وهو أن يتردد الفرع بين أصلين, فيشبه هذا من وجه وهذا من وجهٍ, فإن أشبه أحدهما بمعنى يخل الحكم فيجوز أن يكون علة لذلك الحكم, غير أنه يشبه أصلًا في وصفٍ وأصلًا في وصفين, فأكثر فإلحاقه بأكثرها شبهًا به أولى, مثل الأخ تردد بين أن يكون كالأب وبين أن يكون كابن العم, وهو يشبه الأب من وجهٍ, وهو أنه محرم بالقرابة, ويشبه ابن العم لوجوهٍ كثيرة من قبول الشهادة, وسقوط النفقة عند اختلاف الدين بالاتفاق, وجريان القصاص من الطرفين بينهما, وجريان حد القذف, وحل حليلة أحدهما لصاحبه بإلحاقه بابن العم حتى لا يعتق عليه إذا ملكه أولى.
واعلم أن كثرة الشبه القوي أحد جانبي القياس إذا لم يكن إثبات الحكم بكل واحدٍ من الأوصاف, فأما إذا لم يقم الحكم إلا بجموع أوصافٍ حتى يرد بها إلى أصلٍ ويرد إلى أصلٍ آخر بوصف واحدٍ, فإن كان ذلك الوصف من جملة هذه الأوصاف فتعلق الحكم بالوصف [152/ أ] الواحد أولى, وإن وصفًا آخر سوى الأوصاف المجموعة فيما سواه, مثل علة الطعم في الربا أولى من علة القوت؛ لأنه ما من قوتٍ إلا وهو طعام, وكان من علل به علل بالطعام وزيادة وعلة الطعم والكيل يستويان فتقدم
أحدهما على الآخر بالترجيح, وليس أحدهما داخلًا في جملة الآخر.
وكذلك إذا كان الأصل المردود إليه واحدًا غير أن القياسين ترد الفرع إليه بوصف الآخر يرد إليه بذلك الوصف وبغيره من الأوصاف التي يضمها إليه, فالوصف الواحد الآخر يرد إليه بذلك الوصف وبغيره من الأوصاف التي يضمها إليه, فالوصف الواحد الآخر يرد إليه بذلك الوصف وبغيره من الأوصاف التي يضمها إليه, فالوصف الواحد أولى.
وقول الشافعي: "فَمَوْضِعُ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ أَشْبَهَهُ أحدهما فِي خَصْلَتَيْنِ والآخرُ في خَصْلَةٍ أَلْحَقَهُ بِالَّذي أّشبَهَهَ فِي خَصْلَتَيْنِ" أو إذا كان كل خصلة علة مستقلة بنفسها مستغنية عن صاحبتها, كما ذكرنا في قياس الأخ على ابن العم في مسألة العتق عليه بالملك.
وقال في" الحاوي": قول الشافعي: القياس قياسان ظاهره أنه أراد بالقياس الأول المعنى وبالثاني قياس الشبه, وقيل: أراد بالأول ما لا يجوز خلافه وهو بالقياس الجلي من قياس المعنى وقياس التحقيق من قياس الشبه؛ لان خلافهما لا يجوز, وأراد بالقياس الثاني ما لا يجوز فيه الاختلاف, وهو القياس الخفي من قياس المعنى, أو قياس التقريب من قياس الشبه.
مسألة: قَالَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ- فِي دَاوُد وَسُلَيْمَانَ- عَليهما الصلاة والسلام: [فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً {[الأنبياء: 79] قَالَ الْحَسَنُ: لَوْلاَ هَذِهِ الآيَةُ لَرَأَيْتَ أَنَّ الحُكَّامَ قَدْ هَلَكُوا.
الفصل
قصد الشافعي بهذا بيان مذهبه بيان في ثلاثة أحكامٍ:
أحدهما: أن عليه أن يتوصل بالاجتهاد إلى طلب العين وإصابة الحق في الحادثة.
والثاني: أن الحق في أحد أقاويل المجتهدين في الجملة معذور, سواء أصاب [152/ ب] أو أخطأ على ما ذكرنا, وأنه مأجور وإن أخطأ ولكن أجره أقل, وقد تقدم ما قيل فلا إعادة.
فإن قيل: كيف استجاز أن يحكمك في حادثةٍ بقولين مختلفين وثلاثة أقوال وأكثر, وهو يرى ما قلتم, وحكمه بالقولين خطأ من أربعة أوجهٍ:
أحدهما: أنه خالف بذلك أصول مذهبه في الاجتهاد؛ لان العمل يمنع من وجوب طلب العين, ويجعل الحق في جميع الأقاويل؛ ويجعل كل مجتهد مصيبًا وكفي بهذا التناقض فسادًا.
والثاني: ابتدع بهذا طريقة حَرَّف إجماع من تقدم من الصحابة وغيرهم إلى زمانه, فإنهم كانوا يذكرون جوابًا يستقر لهم أو يتوقفون, ولم يجب أحد منهم بقولين؛ لأن الجواب ما أبان, وليس في القولين بيان.
والثالث: التناقض, فالحلال ليس بحرامٍ, والحرام ليس بحلالٍ, وهو بالقولين حلل في أحدهما وحرمه في الآخر.
والرابع: أنه إن كان ذلك لضعف اجتهاده أو لرأيه في تكافئ الأدلة فهو نقص, ولا يجوز أن يكون مع تكافؤ الأدلة أن يكون له فيها حكم, ولا يقول الأكثرون بتكافؤ الأدلة.
قلنا: ما ذكره الشافعي وضع من القولين ينقسم عشرة أقسام:
أحدهما: أن يقيد جوابه في موضع ويطلقه في موضع آخر, مثل قوله في أقل الحيض أنه يوم وليلة.
وقال في موضع آخر: أقل الحيض يوم, وأراد به مع ليلته وهو معهود في كلام العرب.
وجاء القرآن العظيم بحمل المطلق على ما قَيّدَ من جنسه كما في العدالة, قال الله تعالى: [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ {[البقرة: 282], ولم يذكر العدالة.
وقال في موضع آخر: [وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ {[الطلاق: 2], وحمل ذلك المطلق على هذا المقيد, فلا اعتراض فيه عليه, وإن وهم بعض أصحابه فخرجه قولًا ثانيًا فلا يؤاخذ بوهمه الشافعي.
والثاني: ما اختلفت فيه ألفاظه [153/ أ] ومعانيها متفقة, مثل قوله في المظاهر: وإذا منع من الجماع أحببت أن يمنع القبلة, وقال في "القديم": رأيت أن يمنع, فأراد الاستحباب, فإن حمله بعض أصحابنا على قولين كان لاختلافهم في تأويل لفظه؛ لان قوله: رأيت, يحتمل أن يُحمل على الاستحباب والإيجاب, ولا يمتنع وجود مثله في كتاب الله تعالى, فلم يتوجه به على الشافعي اعتراض.
والثالث: ما اختلف فيه قوله لاختلاف حاله, كالصداق إذا ذكر في السر قدرًا وذكر في العلانية أكثر.
قال في موضع: الصداق صداق السر, وقال في موضع: الصداق صداق العلانية, وليس ذلك لاختلاف القولين فيه, بل لاختلاف حال الصداق, فإن اقترن بصداق السر عقد فهو المستحق وصداق العلانية يهمل.
وإن اقتران بصداق العلانية عقد فهو المستحق وكان صداق السر موعدًا, وقد أبان ذلك بما قرره من أصول مذهبه.
والرابع: ما اختلف قوليه فيه لاختلاف القراءة ولاختلاف الرواية, فالقراءة كقوله تعالى: [أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ {[المائدة: 6], فلمستم يوجب الوضوء على اللامس دون الملموس, ولامستم يوجب الوضوء على اللامس والملموس.
واختلاف الرواية كالمروي في بيان المواقيت أنه- صل الله عليه وسلم - صل العشاء الآخرة في الوقت الثاني حين ذهب من الليل نصفه, وروى ثلثه.
فمن أجل اختلاف القراءة واختلاف الرواية اختلف قوله.
ومثل هذا لا يتوجه عليه إنكار فيه؛ لان اختلاف الدليل يوجب اختلاف المدلول.
والخامس: ما اختلف فيه؛ لأنه عمل في أحد القولين على ظاهرٍ من كتاب الله تعالى, ثم بلغته سنة ثابتة نقله عن الظاهر إلى قولٍ آخر, كقوله تعالى: [فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ {[البقرة:196], فاوجب صيامها في أيام التشريق؛ لأنها الظاهر [153/ ب] من
أيام الحج, ثم روي عن النبي- صل الله عليه وسلم- أنه نهى عن صيامها, فعدل بها عما عمل به من ظاهر الكتاب, وأوجب صيامها بعد إحرامه وقبل عرفة إتباعًا للسنة, ولا إنكار عليه في العدول بدليلٍ.
والسادس: ما اختلف قوليه فيه؛ لأنه أدى اجتهاده إلى أحدهما في حالٍ, ثم أدى اجتهاده إلى القول الآخر في حالٍ أخرى, ومثل هذا لا ينكر وقد فعله الصدر الأول, فإن عمر- رضي الله عنه- شرك في المسألة المشتركة بين الأخ من الأب والأم وبين الأخ من الأم في الثلث وأسقط الأخ من الأب والأم في حالٍ أخرى, وقال: هذه على ما قضينا, وهذه على ما قضينا, وحرَّم عليُّ- رضي الله عنه- بيع أم الولد ثم رجع إلى جوازه.
وقد اختلفت روايات أبي حنفيّة ويسميها أصحابه روايات, وسمى أصحاب الشافعي أقاويل, وهي طريقة لم يبتدعها الشافعي, وهي أدل على الورع, وأبعثُ على الاجتهاد.
والسابع: أن تبلغه سنة لم تثبت عنده وقد عمل بالقياس, فيجعل قوله من بعد موقوفًا على ثبوت السنة كما في الصيام عن الميت, والغسل عن غسل الميت, وقال: إن صح الحديث قلت به, وقال: كل قول قلته فثبت عن النبي- صل الله عليه وسلم- خلافه فانا أول راجع عنه, وهذا مما يجب أن يظهره, وأن يقف الحكم على السنة إن يثبت وعلى القياس إن لم يثبت.
والثامن: أن يقصد بذكر القولين إبطال ما توسطهما, فيكون مذهبه منهما ما فرَّغ عليه وحكم به, مثل قوله في وضع الجوائح وقد قدرها مالك بوضع الثلث: ليس إلا واحد من قولين, إما أن يوضع كلها أو لا يوضع شيء, وهذا تحقيق يبطل ما خالف القولين.
والتاسع: أن يذكر القولين إبطالًا لما عداهما, ويكون مذهبه موقوفًا [154/ أ] على ما يؤدي اجتهاده إليه من صحة أحدهما, وإن لم يكن فهمًا, ومثل هذا جاء به الشرع والعقل.
أما الشرع: قال رسول الله- صل الله عليه وسلم- في ليلة القدر: "التمسوها في العشر الأواخر" فنفي أن تكون في غير شهر رمضان, وفي غير العشر الأواخر منه, وجعلها موقوفةً على الاجتهاد في العشر الأواخر.
وأما العقل: فما فعله عمر -رضي الله عنه- في أهل الشورى جعلها في ستة نفرٍ, فنفي بهم طلب الإمامة في غيرهم, ووقف الإمامة فيهم على من يؤدي اجتهادهم إليه منهم, وهذا عمل انعقد به إجماعهم.
والعاشر: أن يذكر القولين ليدل على أن لكل واحدٍ منهما في الاجتهاد وجهًا, ولا يقطع بأحدهما لاحتمال الأدلة, ولا يعمل بهما لاختلاف الحكم, ويفرع كل واحدٍ منهما إن صح, وليس ينكر من العلماء التوقف عند الاشتباه, ولهذا توقف رسول الله- صل الله عليه وسلم-
في أشياء حتى ينزل الوحي عليه.
وقال- صل الله عليه وسلم-: "المؤمن وقاف والمنافق وثاب", ويكون مقصود الشافعي بذكر القولين أمرين: أحدهما: إبطال ما عداهما أن يكون له الاجتهاد وجه.
والثاني: إثبات أن لكل واحٍد منهما في الاجتهاد وجهًا, وليس يجيب بهما إذا استفتى فيخير السائل بينهما, بل يجتهد رأيه في الجواب بأحدهما, ولا يعتقد صحتهما لجواز أن يكون كل واحدٍ منهما هو الأصح وإن لم يقطع في الحال بالأصح, وهذا إنما قاله في عدد من المسائل, قيل: إنها سبعة عشر مسألة, وفي هذا كله انفصال عن اعتراضهم.
ثم ذكر الشافعي- رضي الله عنه- خبرًا وهو قوله- صل الله عليه وسلم-: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجرٌ... " الخبر بتمامه.
وقد روى أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى- عن فرج بن فضالة, عن محمد بن عبد الأعلى, عن أبيه, [154/ ب] عن عبد الله بن عمرو بن العاص, عن أبيه- رضي الله عنه- قال: أختصم إلى النبي -صل الله عليه وسلم- رجلان وأنا جالسٌ, فقال: "يا عمرو أقض بينهما" قلت: يا رسول الله, وأنت شاهد, قال: "نعم" قلت: على ماذا؟ قال: "على أنك إن أصبت أجر فلك حسناتٍ, وإن اجتهدت فأخطأت فلك حسنة واحدة", فاختلف أجر المصيب في الخبرين, فجعل للمصيب في الأول أجرين, وجعل له في الثاني عشرة, وفي هذا الاختلاف تأويلان:
أحدهما: أنه جعل له أجرين إذا وصل إلى الصواب بأول اجتهاده, وجعل له عشرًا إذا وصل بتكرار الاجتهاد, وليكن أجره بحسب قلة اجتهاده وكثرته.
والتأويل الثاني: أخبر بالعشرة لمضاعفة الحسنة بعشر أمثالها, وأخبر في الخبر الآخر باجرين من غير مضاعفةٍ؛ لأن في الأصل أجر وفي المضاعفة عشر.
مسألة: قَالَ: "مَنْ اجْتَهَدَ مِنَ الحُكَّامِ فَقَضَى بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ رَأَى أَنْ اجْتهَادِهِ خَطَأٌ".
الفصل
جملة هذا أن الحاكم إذا حكم في شيء باجتهاده ينظر, فإن كان ما لا يسوغ فيه الاجتهاد, بأن حكم بشيء يخالف نص الكتاب أو نص السنة أو الإجماع, أو القياس الذي لا يحتمل إلا معنى ينقض الحكم على نفسه سواء ترافع إليه الخصمان أو لم يترافعا, ولا ينقص عليه إلا بعد الترافع إليه, وهذا لقوله -صل الله عليه وسلم-:"ردوا الجهالات إلى السنن".
وروى أن عمر- رضي الله عنه- كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: لا
يمنعك قضاء قضيت اليوم ثم راجعت رأيك فهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق, فإن الحق لا يبطله شيء, وأن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.
وروى أن عمر- رضي الله عنه- كان يفاضل بين الأصابع حتى رُوي أن الخبر بخلافه [155/ أ] فرجع عن قوله الأول ونقض حكم نفسه.
ونقض عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- حكم نفسه حين قضى على مخلد بن خفافٍ برد العيب مع غلته وأخبر عروة عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي- صل الله عليه وسلم-: "قضى أن الخراج بالضمان" فأمر برد الغلة إلى مخلد بن خفاف.
وروى أن شريحًا قضى في امرأة ماتت وخلفت زوجًا وابني عم أحدهما أخ لأمٍ, أن للأخ النصف والباقي لابن العم الذي هو أخ لأمٍ, وأجراهما مجرى الأخوين أحدهما لأبٍ, والآخر لأبٍ وأمٍ, فأخبر علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- بذلك فقال: عليَّ بالعبد الأبطر- يعني الغليظ الشفة- فأتى به, فقال: بما قضت؟ فقال: بكتاب الله تعالى.
قال: وأين قال الله تعالى: [وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ {[الأنفال: 75], فقال: هل في كتاب الله أن للزوج النصف والباقي للأخ الذي هو ابن عمٍ؟ قال: لا ينقض عليه حكمه.
فإن قيل: هذه المسألة مجتهد فيها ولا نص يخالفه, فلماذا نقضه؟ قلنا: إنما نقضه لأنه خالف فيه ظاهر النص, وهو قوله تعالى: [وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ {[النساء: 12] وقيل: إنه لم ينقض عليه حكمه, وإنما رده عليه قبل نفوذ حكمه به.
فإن قيل: أليس قلتم إذا اتفق الخطأ في القبلة لا يلزمه إعادة الصلاة في أحد القولين فما الفرق؟ قيل: الفرق من ثلاثة أوجهٍ:
أحدهما: أن فرض القبلة يسقط في حال العذر مع العلم بها في حال ولا يجوز ترك الحق إلى غيره في الحكم مع العلم بحاله.
والثاني: الصلاة من حقوق الله تعالى, وهي مبنية على المسامحة, والقضاء يقع في حقوق الآدميين وهي مبنية على المشاحة والمضايقة.
والثالث: في القبلة يتكرر الاشتباه [155/ ب] فيشق القضاء, وهنا إذا بان الخطأ بالنص لا يعود الاشتباه بعد ذلك.
وإن كان الخطأ مما يسوغ فيه الاجتهاد لا ينقض الحكم فيه على نفسه ولا على غيره, ولكن في المستقبل ليس له أن ينقض بالقضاء الأول؛ لما روي عن عمر رضي الله عنه إن كان لا يشرك بين الأخ للأب والأم ثم شرّك وقال ذلك, وهذا على ما قضينا.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنه لما قيل له: هب أن أبانا كان حمارًا نقض القضاء, وهذا غلط.
وروى أن عمر رضي الله عنه قضى في الحد بسبعين قضية, وقيل: بمائة قضية مختلفة, يعني في مسائله, إذ لا يتصور لمسألة واحدة مائة قضية.
وكان لا ينقض الأول
بالآخر؛ لأنه تبين ذلك اجتهادًا, ولأنه يحتمل أن يكون مصيبًا في الأول مخطئًا في الثاني.
ويحتمل أن يكون مخطئًا في الأول مصيبًا في الثاني, والحكم الأول قد نفذ على السلامة ظاهرًا, فلا ينقض بأمرٍ محتمل, ولأنه لو نقض الاجتهاد بمثله أدى إلى أنه لا يثبت حكم أصلًا, لأنه يجوز أن يتغير اجتهاده بعد ذلك إلى الحكم الأول ثم يتغير عنه, وفي نقض ذلك مشقة عظيمة للتكرار.
وإن تغير اجتهاده قبل الحكم لم يحكم بالأول بل يحكم بالثاني؛ لأنه يعتقده خطأ, ولو حكم به لكان حكمًا بما يعتقد أنه خطأ, وهذا لا يجوز, ويفارق هذا إذا كان قد حكم؛ لأن هناك بعد الحكم على السلامة في الظاهر فلا ينقض بأمرٍ محتملٍ, وهنا لم ينفذ الحكم, وهذا كما لو فسق الشهود قبل الحكم, ولو فسقوا بعد الحكم لم ينقض الحكم.
[156/ أ] وحكي عن أبي حنيفة ومالك- رحمهما الله تعالى- أنهما قالا: إن خالف معنى نص الكتاب أو السنة أو القياس الجلي أو الخفي لم ينقض حكمه, وإن خالف إجماعًا نقض حكمه.
وهذا قول مستبعد ولكنه محكي عنهما وناقصًا في ذلك؛ لان مالكًا قال: إن حكم بالشفعة للجار نقض حكمه, وقال أبو حنيفة: وإن حكم بجواز بيع لحم متروك التسمية عمدًا عند الذبيحة نقض حكمه.
وكذلك إن حكم في القسامة بيمين المدعي ينقض حكمه.
وقال محمد بن الحسن: لو حكم بالشاهد واليمين ينقض حكمه.
وهذه الأحكام لا تخالف الإجماع, والذي عنهما خطأ ظاهر؛ لأنه إذا نقض الحكم بمخالفة الإجماع فنقضه بمخالفة نص الكتاب والسنة أولى.
وقال القفال: عدّ أبو حنيفة مسائل وذكر أنه ينقض الحكم فيها, حكم من قال أكثر اللعان يقوم مقام الكل, وأن زوج الأمة لا يلاعن لنفي الولد, وأن لا قصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف.
وأن من تزوج بأمةٍ ووطئها مع العلم بتحريمها لا يحد, فإن النكاح بغير ولي جائز, والحكم بشهادة الفاسق, والحكم بجواز بيع أم الولد, والحكم بأن لا تقبل شهادة القاذف بعد التوبة؛ لأن الخطأ ظهر في هذه المسائل بدليلٍ قاطع.
ونص الشافعي على نقض الحكم في مسألة واحدة, وهي أن المرأة إذا فقدت زوجها تربصت أربع سنين ثم اعتدت أربعة أشهر وعشرًا, ثم تزوجت وقضى القاضي بصحته نقض حكمه.
ومن أصحابنا من قال: لا ينقض حكمه في شيء من هذه المسائل؛ لان الخطأ ظهر منها بقياس الشبه, وهذا هو الصحيح.
[156/ ب] والنص في مسألة المفقود غريب, ولعله ذكره تغليظًا للقول فيه لا اعتقادًا.
مسألة: ٌَقَالَ: "وَلَيْسَ عَلَى اَلْقَاضِي أَنْ يَتَعَقَّبَ حُكْمَ مَنْ قَبْلِهِ".
الفصل
علم أنه لا يجوز للحاكم أن يتعقب حكم من قبله من الحكام, ويتفحص عنه؛ لأن الظاهر من فعله الصحة والسلامة لما ثبتت ثقتهم وأمانتهم, فلا يجوز تتبع ذلك, ولأنه لا يحتاج إليه حتى يتظلم منه ويطالب بالنظر فيه, فلا يجوز أن يشتغل بما لا حاجة إليه, ولأنه يشتغل بماضٍ لم يلزمه عن مستقبلٍ يجب عليه, ولأنه تتبع غير متوجه عليه مثله.
وقال في "الحاوي": لا يجب عليه هذا من غير متظلم, وهل يجوز إن لم يجب عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا وهو قول جمهور البصريين.
والثاني: ذكره أبو حامدٍ, يجوز لما فيه من فضل الاحتياط.
فإن ثبتت فيها نظر, فإن وجد خللًا فإن كان يتعلق بحق الله تعالى كالطلاق والعتاق, ووجب نقضه وجب عليه نقضه؛ لأن النظر في حقوق الله تعالى من غير مطالبة أحدٍ, وإن كان يتعلق بحق الآدمي لا ينقصَه إلا بمطالبة؛ لان الحاكم لا يستوفي لمن لا ولاية له عليه بغير مطالبةٍ.
ولو تظلم متظلم وادعى على القاضي وسأل إحضاره لم يحضره بمجرد قوله حتى يسأله ما بينك وبينه؛ لأنه ربما يقصد ابتذاله من غير أن يكون له حق, وإن قال بيني وبينه من قرضٍ أو بيع أو غير ذلك أحضره وحكم بينهما؛ لأن القاضي والعامي في هذه الحقوق سواء.
وإن قال: ارتشى مني على الحكم وقال: لا أحدكم لك إلا أن تعطيني مالًا, فأخذ مني مالًا وحكم لي وجعل المال [157/ أ] معلومًا.
فهو بمنزلة قوله: غصبني على مالٍ؛ لأن الارتشاء حرام كالغضب, فيحضره ويحكم بينهما باليمين والبينة.
إن قال: قضى عليَّ بشهادة فاسقين أو عبدين, ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحضره إلا بعد أن يقيم البينة على ما يقول ثم يحضره؛ لأن الظاهر من حكمه نفوذه على الصحة فلم يجز أن يعدل فيها عن الظاهر إلا ببينةٍ, ولان القضاء يكون ظاهرًا فلا يتعذر إقامة البينة به ويفارق الارتشاء وغيره؛ لأن ذلك يكون باطنًا فيتعذر إقامة البينة.
والثاني: يحضره من غير مطالبة الخصم بالبينة؛ لأنه ربما يتعذر إقامة البينة على ذلك, وربما إذا أحضره أقرّ به فيلزمه إقراره, وهذا هو الصحيح.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجه ثالث أنه إن اقترن بدعواه أمارة تدل على صحتها من كتاب تضمنه أو محضرٍ ظاهر احضره, وإن جردت الدعوى عن أمارة لم يحضره, فإذا قلنا لا يحتاج إلى بينة فاحضره, أو قلنا: لا بد من بينة فأقامها وأحضره, سأله عما
يدعيه عليه, فإن أقرّ أنه قضى بشهادة فاسقين أو عبدين ألزمه الحق؛ لأنه أقرّ أنه قضى عليه بغير حق, وإن أنكر ذلك فالقول قوله, وهل يحنث؟
قال الإصطخري وابن أبي أحمد: لا يحلف؛ لأن الحاكم لا يكون إلا أمينًا عفيفًا من أهل الاجتهاد, فالظاهر من فعله الصحة والصواب, ولأنه يؤدي إلى الامتهان, والسائل وأعداء القاضي كثير, ولا يؤمن أن يتقلدا القضاء خوفًا من هذه.
وقال أصحابنا: يحلف وهو الصحيح؛ لان أكثر ما فيه أنه أمين, والأمين إذا ادعى عليه خيانة فالقول قوله مع اليمين كالمودع.
فرع
قال ابن أبي أحمد: إذا ادعى على الحاكم المعزول [157/ ب] أنه قتل ابنه ظلمًا يحضر ويُسأل, فإن اعترف به ثبت عليه ما ادعاه, وإن أنكره كان على المدعي البينة, فإن أقامها على إقراره أنه قتله ظلمَا قُبلت, إن لم يكن له بينة لم يحلف.
وإن قال: قتلت ابنك لفلانٍ بالحكم لقصاص وجب عليه ببينةٍ قامت عليه بالقتل, أو إقرار كان من ابنك, فقال المدعي: ما أقرَّ ابني ولا قامت عليه ببينة بالقتل, فالقول قول المعزول في ذلك, وهو مصدق ولا يمين عليه, ولا يسمع من المدعي بينة إلا أن يقيم بينة على إقراره على ما ذكرنا.
وكذلك لو حضر الذي ذكر المعزول أنه حكم له بالقصاص, فقال: ما حكمت لي بشيء, ولا وجب لي على ابنه قصاص, ولا ترافعنا إليك في الخصومة.
وكذلك القاضي إذا حكم بشهادة شاهدين بطلاقٍ أو قتلٍ أو عتاقٍ, فادعى المحكوم عليه على الشاهد أنه شهد عليه في ذلك بزورٍ, فإن أقرّ الشاهد أخذ بإقراره وإن أنكر لم يكن عليه يمين.
وقال صاحب "الإفصاح": ويتهيأ أن يقال: لا تسمع هذه الدعوى؛ لأن الظاهر من حاله السلامة, فدعواه عليه طعن فيه, ولهذا لا يحلفه على دعواه هذه, فإذا لم يحلفه لم تسمع الدعوى, ويجيء فيه الوجه الآخر الذي ذكرنا أنه يحلف.
فرع آخر
قال: ولو قال المدعي: أخرج عقارًا أو عينًا من يدي ودفعها إلى فلانٍ بغير حق, فقال المعزول: فعلت هذا بحق وجب عليك ببينةٍ أو إقرارٍ, كان القول قول المعزول بلا يمين.
وأما الذي في يده فإن صدق القاضي أنه حكم له بذلك لم يقبل قوله ولا قول المعزول له إلا أن يقيم البينة أن المعزول كان حكم له بذلك وهو قاضٍ؛ لأن قول المعزول بعد عزله: كنت حكمت لفلان بكذا لا يقبل إلا أن يأتي المحكوم له ببينةٍ, [158/ أ] فإن لم يكن له بينة انتزع من يده ولو كان الذي يدعيه الطالب مستهلكًا فحكمه حكم العين على ما قدمناه.
وحكي الخصاف عن أبي حنيفة أن القول قول (المدعى)
عليه, وهذا غلط؛ لأنه مُقر بأنه أخذ منه عينًا وأتلفها وذلك يوجب الضمان, ودعواه الحكم بها لا يقبل, كما لا يقبل في العين الناقصة.
مسألة: قَالَ: "وَإِذَا تَحَاكَمَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ لاَ يَعْرِفُ لِسَانَهُ لَمْ تُقْبَلِ التَّرْجَمَةُ عَنْهُ إِلاَّ بِعَدْلَيْنِ".
اعلم أنه لا بد عندنا من ترجمانين عدلين سواء ترجما الدعوى أو الإقرار أو الإنكار أو الشهادة, ثم لا يحتاج في كل شاهدٍ إلى ترجمانين, إذ ليس هذا شهادة الفرع, وينبغي أن يعرفا ذلك اللسان لا يشكان فيه, لأن شكا لم يقبل ذلك عنهما, نص عليه في "الأم" وقال: يقبل فيه ما يقبل في الشهادة, ويرد فيه ما يرد في الشهادة.
قال أصحابنا: ولا يقبل لظاهر هذا الكلام إلا أن يشهد بلفظ الشهادة, ولا تقبل الترجمة من الصبي والعبد والمرأة, وهذا لأن الترجمة قول من غير جهة المحكوم عليه يتعلق به حكم الحاكم, فوجب أن يعتبر فيه الأوصاف التي ذكرناها كالشهادة.
وقال بعض أصحابنا: إن كان هذا في المال قُبل فيه شاهدان, وشاهد وامرأتان كما يقبل في الإقرار بالمال, وإن كان فيهما لا يقبل إلا رجلان لم يقبل في الترجمة إلا رجلان, وإن كان في الزنا يحتمل قولين؛ أحدهما: لا يقبل أقل من أربعةٍ.
والثاني: يقبل شاهدان, وأصلهما الشهادة على الإقرار بالزنا هل يعتبر أربعة أم يكفي اثنان؟ فيه قولان, وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة, يكفي ترجمان واحد كما في الخبر لا يعتبر العدد, وهذا لا يصح لما ذكرنا.
وقال في "الحاوي": [158/ أ] ومن أصحابنا من قال: لا يفتقر إلى لفظ الشهادة, وهذا غلط؛ لأنه لما افتقر إلى العدد والشهادة وجب أن يفتقر إلى لفظها.
وقال في "الحاوي": لو كانا أعجمين فهل للمترجمين عن أحدهما أن يترجما عن الآخر؟ فيه وجهان مخرجان من الوجهين في الشهادة إذا تحملا عن احد شاهدي الأصل هل يتحملان عن الشاهد الآخر أم لا؟.
فرع
ترجمة ما قال القاضي للخصم الأعجمي خبر محض يجوز من الواحد وإن كان عبدًا؛ لان الشهادة لا تكون إلا عند الحكام الملزمين.
فرع آخر
لا يجوز أن يكون بين العجمي وبين المترجمين واسطة لفرق الشافعي بعرفان لسانه.
فرع آخر
قال القفال: إذا كان القاضي أصم لا بد من المستمع ويعتبر العدد في السمع, وفيه وجه آخر لا يحتاج إلى العدد؛ لأن الخصم حاضر يسمع وهذا ليس بشيء, ولا يتصور أن يكون الحاكم أعجميًا؛ لان من لم يعرف العربية لا يصلح للقضاء, وإن كان القاضي
يسمع والخصم أصم كفي واحد يسمعه ما يقول القاضي ويقول خصمه.
فرع آخر
قال أصحابنا: تقبل شهادة الأعمى في الترجمة؛ لأنه لا يحتاج فيها إلى البصر.
مسألة: قَالَ: "وَإِذَا شَهِدَ الشُهُودُ عنْدَ القاضي كَتَبَ حِلْيَةَ كْلَّ رَجُلٍ وَرَفَعَ فٍي نَسَبِهٍ".
الفصل
الحلية عي ذكر أوصاف الرجل في نفسه, والرفع في النسب أن يكتب اسم أبيه وجده أو أجداده إن كان نسبه معروفًا, أو ولايته إن كان مولى.
وجملته أن الشهود إذا حضروا عند القاضي إن كانوا من العلماء المعروفين بالعدالة يصغى إلى شهادتهم, ولا يحتاج فيهم إلى السؤال عن عدالتهم, وإن كانوا غير هؤلاء يستحب للقاضي أن يعظ الشهود, فيقول: روي عن النبي- صل الله عليه وسلم- أنه قال: [159/ أ] "شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار".
فإن أقاموا على أمرٍ يكتب أسمائهم وكناهم ورفع أنسابهم بما يتميزون به عن غيرهم, ويثبت حُلاهم وأوصافهم وألوانهم وأبدانهم لئلا تشبه الأسماء والأنساب, فيكتب أقرع, أو أسمر, أو أبيض, أو أشهل أقنى ألأنف, أو أفطس رقيق الشفتين أو غليظهما, طويل أو قصير أو ربعة, أقط أو ملتحي, دقيق الساقين أو غليظهما, ويكتب صنائعهم وموضع مساكنهم ومعايشهم وصلواتهم, ليسأل عنهم جيرانهم وأهل سوقهم وأهل مساجدهم, والغرض بذلك أن يتميزوا, فلا يقع اسم على اسم, فإن الرجل ربما يعرف بكنيته دون اسمه, وباسمه دون كنيته, وتسهيل النظر في حاله والمسألة عنه, وقال ابن شبرمة: شيئان عمل أحدٌ بهما قبلي ولا يتركهما بعدي؛ أخذ تحلية الشهود, والسؤال عنهم سرًا.
مسألة قال: "وّأُحِبُّ إِنْ يَكُنْ لَهُمْ سِدَةُ عُقُولٍ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ ثُمَّ يَسْأَلَ كُلَّ وّاحدٍ مِنْهُمْ عّلّى حِدَة".
الفصل
إذا شهد شاهدان بحقٍ ينظر, فإن عرف الحاكم فسقهما في الباطن والظاهر, أو في الباطن لم يحكم بشهادتهما, وغن عرف عدالتهما في الظاهر والباطن إن كان سأل عنهما قبل ذلك حكم بشهادتهما, وإن لم يعرف فسقهما ولا عدالتهما لا يجوز أن يحكم بظاهر الحال حتى يسأل عن العدالة في الباطن, سواء شهدا بمالٍ, أو حدِّ, أو قصاصٍ, أو نكاح أو غير ذلك.
وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا شهدا بحدٍّ أو قصاصٍ فلا بد من معرفة العدالة في الباطن كما
قلنا, وإن شهدا بمالٍ أو نكاحٍ اقتصر على الظاهر, ولا يحتاج إلى السؤال إلا أن يطعن الخصم ويقول: هما فاسقان, فحينئذ يلزمه السؤال, واحتج بأن أعرابيًا جاء إلى النبي- صل الله عليه وسلم-[160/ ب] فشهد برؤية هلال رمضان, فقال له: "أتشهد أن لا إله غلا الله؟ ". قال: نعم.
فقال: "أتشهد أني رسول الله؟ " فقال: نعم.
فصام وأمر الناس بالصيام.
ودليلنا أن ما وجب البحث عنه في شهود القصاص يجب في شهود الأموال, كالإسلام, والعدالة إذا طعن الخصم فيها.
وأما الخبر الذي ذكره فنقول: صار إلى الإسلام وترك دين الكفر في زمان رسول الله- صل الله عليه وسلم- فقد أنثى الله تعالى عليه ووصفه بالعدالة فلم يحتج إلى البحث عن حاله.
وقال مالك في روايةٍ: إن كان لهم سيما جميل وسمت حسنٍ حكم بشهادتهم من غير بحثٍ عن عدالتهم, وغن لم يكونوا كذلك يجب البحث.
فإذا تقرر هذا فلا يخلو حال الشهود من احد أمرين؛ إما أن يكونوا وافري العقول بحسن حالهم بحيث لا تسبق التهمة إليهم, أو كانوا من جملة الأغنياء والعوام الجهال بحيث تسبق التهمة إليهم، فإن كانوا وافري العقول وحسنت حالهم لم يتعرض لهم؛ لأن الاحتياط لا يفيد مع أمثالهم؛ وإن كانوا بخلاف ذلك يحتاج أن يفعل الحاكم معهم أمرين: أحدهما: أن يفرقهم ويسأل كل واحدٍ على الانفراد عن الشهادة وكيف تحملها, وفي أي وقتٍ كان, وفي أي موضعٍ, ومن حضره, وهل جرى ثم كلامٌ ونحو ذلك, فإن اختلف كلامهم ردهم, وإن اتفق كلامهم ورأى أن يعظهم وعظهم وخَوّفَهم, وحذّرهم من الكذب وشهادة الزور, وغن كان تم حال حسنة ولم يكن سدة العقل, يستحب أن يفعل هذا أيضًا ليستدل على عورةٍ إن كانت في شهادته.
وإذا سال واحدًا لم يدعه يرجع إلى أصحابه؛ لأنه ربما يخبرهم بما قال فيقولون مثل قوله.
والدليل على هذه الجملة ما روي أن أربعة [160/ أ] من حواشي نبي الله داود- عليه السلام- هموا بإصابة امرأة, فامتنعت عليهم فشهدوا عليها عند داود- عليه السلام- بالزنا, وروي أنهم نسبوها إلى الكلب وقالوا: إن كلبًا أتاهم, فهم داود- عليه السلام- برجمها, فبلغ ذلك سليمان- عليه السلام- وهو يلعب مع الصبيان, فاستدعى بأربعةٍ من الصبيان فشهدوا بمثل ذلك, ففرقهم وسألهم, فاختلفوا فرد شهادتهم, فبلغ ذلك داود عليه السلام ففرق الشهود وسألهم فاختلفوا فرد شهادتهم.
وروى انه سأل كل واحدٍ عن لون الكلب وصفته فاختلف كلامهم في لونه فردهم, وهذا قول على أن في شريعة داود- عليه السلام- كان الزنا بالكلب موجبًا للحد.
وروى أن سبعة نفرٍ خرجوا في سفرٍ ففقد واحد منهم, فجاءت امرأته إلى على - رضي الله عنه - تدعى عليهم بقتله، ففرقهم وأقام كل واحد منهم إلى ساريةٍ ووكل به رجلًا, واستدعى احدهم وسأله فأنكر, فقال علي رضي الله عنه: الله اكبر, فظنوا حين سمعوا تكبيره انه كبر على إقرار الأول, ثم استدعى واحدًا بعد واحدٍ فأقروا, فقال الأول: أنا ما أقررت علي رضي الله عنه: قد شهد عليك أصحابك وأنا قاتلك,
فاعترف فقتلهم جميعًا.
وروي أن أول من فرق الشهود دانيال النبي عليه السلام, شهد عنده شهود على امرأةٍ بالزنا ففرقهم, فقال واحدٌ: زنت برجل شابٍ تحت شجرة كمثرى.
وقال الآخر: تحت شجرة تفاح, فعلم أنهم كذبوا, [160/ ب] فدعا الله تعالى عليهم, فنزلت نار من السماء فأحرقتهم.
والدليل على الوعظ ما روي أن رجلين شهدا عند علي- رضي الله عنه- فوعظهما على- رضي الله عنه- واجتمع الناس فذهبا في الزحام, فقال علي رضي الله عنه: لو صدقا لثبتا, ولم يقطع يد الرجل.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: كنت عند محارب بن دثار وهو قاضي الكوفة, فجاءه رجل ادعى على رجلٍ حقًا فأنكر, فأحضر المدعي شاهدين فشهدا له بما ادعاه, فقال المشهود عليه: والذي تقوم به السماء والأرض ما كذبن في الإنكار, ولقد كذبا عليَّ في الشهادة, ولو سألت عنهما لم يختلف فيهما اثنان, وكان محارب بن دثار متكئًا فاستوى جالسًا, وقال: قال رسول الله- صل الله عليه وسلم-: "إن الطير لتخفق بأجنحتهما وترمي بما في حواصلها من هول ذلك اليوم, وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوّأ مقعده من النار" فإن صدقتما فاثبتا, وإن كذبتما فغطيا رؤوسكما وانصرفا, فغطيا رؤوسهما وانصرفا.
وروي عن محمد بن الفرات أنه قال: شهدت محارب بن دثارٍ وأتاه رجلان يختصمان, فجاء أحدهما بشيخ مخضوب له ضفيرتان, بين عينيه أثر السجود, فشهد له, فقال المشهود عليه: والله لقد شهد عليَّ بالباطل ولئن سألت عنه لرجع, فقال محارب للشيخ: قد سمعت, فإن كنت شهدت بباطلٍ فارجع, فإن رسول الله -صل الله عليه وسلم- قال: "إن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى توجب له النار, وأن الطير تجيء يوم القيامة رافعة مناقيرها تحت العرش تضرب بأجنحتها [161/ أ] تضع ما في بطونها من هول ذلك اليوم" فاتق الله, فإن كنت شهدت بباطلٍ فارجع, فقال الشيخ: لقد رجعت, ومضى.
والدليل على أنه لا يفعل ذلك عند الضبط والمعرفة ما حكي أن رجلًا شهد عند أبي عمرو القاضي في بيع بستان, فقال أبو عمرو: كم في ذلك البستان, فقال: هو كما قلت, فقال: كم في دارك من جذع؟ قال: فأمسك عنه وعلم أنه ضابط.
وحكي أن رجلًا شهد عند علي بن عيسى بشهادةٍ, فقال علي بن عيسى: في أي موضع شهدت عليه بذلك؟ فقال له: في فضاء وسعني ووسع الشهود والمشهود عليه.
وحكي أن أم أبي عمرو بن العلاء شهدت عند سوار بن عبد الله مع امرأة أخرى, فجعلت أم أبي عمرو تلقنها وتذكرها, فزجرها سوار, فقالت: ألم تسمع قول الله تعالى: [أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى {[البقرة: 282], فخجل سوار.
والمغربي وطائفة من أهل الظاهر قالوا: يجب على المشهود له إقامة البينة بعدالة الشهود, ولا يلزم الحاكم ذلك إلا أن يتطوع, وهذا فاسد؛ لأن التعديل والجرح
مستحق على الحاكم, فوجب أن يكون الكشف عنهما مستحقًا عليه.
فرع
لو اعترف المشهود عليه بعد التهمة, فهل يجب الحكم عليه بشهادتهم؟ فيه وجهان: أحدهما: يحكم عليه؛ لأن البحث عن عدالته معتبر في حقه وهو قد اعترف.
والثاني: لا يحكم عليه؛ لأن في الحكم بشهادتهم حكمًا بعد التهم فلا يجوز أن يحكم بها بتزكية الخصم.
ولأن اعتبار التعديل في الشاهد [161/ ب] حق الله تعالى فلا يترك بقول الخصم, كما لو رضي الخصم أن يحكم عليه بشهادة الفاسق لا يجوز له أن يحكم به.
مسألة: قال: "وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ جَامِعِينَ لِلْعَفَافِ".
الفصل
أراد بأصحاب المسائل المزكين, وشرط الشافعي رضي الله عنه فيهم ثلاث شرائط: العفة والأمانة لئلا يرتشوا.
والثاني: وفو العقل لئلا يخدعوا ولا يميلوا للعدو مع عدوه بتحرجه ويخفي جميله ويظهر قبحه, ولا صديقًا له فيظهر جميله ويخفي قبحه, وقلما يخلو المسلم عن قبيح وحسن.
والثالث: البراءة من الشحناء والبغضاء والعداوة بينهم بالعصبية, لئلا يجرح من لا يوافقه في مذهبه, ويعدل من يوافقه, ويسأل من يعدله بالموافقة ويجرحه بالمخالفة.
وأما قول المزني: وَأنْ يَكُونُوا جَامِعينَ للأَمَانَةِ فِي أَدْيَانِهِمْ لاَ يَتَعَطَّلُونَ بأَنْ يَسْأَلُوا الرَّجُلَ عَنْ عَدوِّهِ فَيُخْفِي حَسَنًا وَيَقُولَ قَبِيحًا شرحه الشافعي رضي الله عنه في "الأم" فقال: وأن يكونوا جامعين للأمانة في أديانهم, وأن يكونوا أهل عقول لا يتغفلون بأن يسألوا الرجل عن عدوه فيخفي حسنه ويقول قبيحًا, فيكون ذلك جرحًا عنده.
فأفسده المزني بالاختصار فقال: جامعين الأمانة في أديانهم لا يتعطلون بأن يسألوا, وهذا لا يشبه بعضه بعضًا, والصحيح ما قال في "الأم".
ثم قال: ويحرص أن لا يعرف له صاحب مسألة, يعني المزني, لا ينبغي أن يكون معروفًا فيحتال إليه بالرشوة والإخداع.
قال: وإذا كتب لهم كتاب السؤال يكتب صفات الشهود [162/ أ] على ما وصفنا ويكتب اسم من شهدوا عليه واسم من شهدوا له, ومبلغ ما شهدوا به, وهذا ينسخ من المحضر الذي عقده بدعوى المدعي على المدعى عليه, وأقل ما يكتب أربعة أشياء: ذكر الشهود بأسمائهم وأنسابهم وصفاتهم ومساكنهم وأسواقهم على ما ذكرنا.
والثاني: ذكر المشهود له باسمه ونسبه لئلا يكون والدًا ونحوه.
والثالث: ذكر من شهدوا عليه لئلا يكون عدوًا يشهد على عدوه.
والرابع: مبلغ الحق؛ لأن الإنسان طابت نفسه بتعديل اليسير, ولم تطلب نفسه بتعديل الكثير, فيكون ذكره للمزكي أولى.
ويأمرهم أن يسألوا عنه في جيرانه وسوقه وموضع مصلاه, وهو بالخيار أن يطلق فيقول: سلوا من شئتم, وبين أن يعين فيقول: سلوا فلانًا وفلانًا.
ومن أصحابنا من قال: يعتبر في أصحاب مسائله سبعة أوصاف:
أحدهما: أن يكونوا جامعين في الطعمة والأنفس والعفاف في الطعمة, أن لا يأكلوا الحرام والشبهة, فيدعوهم إلى قبول الرشوة, والعفاف في الأنفس أن لا يقدموا على ارتكاب محظور.
والثاني: أن يكونوا وافري العقول ليصلوا إلى غوامض الأمور بلطف, ولا ينفذ عليهم خداع ولا صلة.
والثالث: أن يكونوا براء من الشحناء.
والرابع: أن لا يكونوا من أهل الأهواء والعصيبة في نسبٍ أو مذهب فيميل مع موافقة في تحسين قبيحه ويميل على مخالفة في تقبيح حسنه.
والخامس: أن يكون بعيدًا من مماطلة الناس وهي اللجاج؛ لأن اللجوج ينصر هواه ويرتكب ما يهواه, ولا يرجع عن الخطأ وإن ظهر له الصواب, فلم يوثق بلجاجه أن يعدل مجروحًا وأن يحرج معدلًا.
والسادس: أن يكون جامعًا للأمانة ليورد بأمانته ما عرف ويتأول فيه ما يصرفه [162/ ب] عن أقوى الأمرين إلى أضعفها وعن أظهر الحالين إلى أخفاهما.
والسابع: أن لا يسترسل فيسأل عدوًا منابذًا أو صديقًا مواصلًا؛ لأن العدو يظهر القبيح ويخفي الحسن, والصديق يظهر الحسن ويخفي القبيح.
قال: ويؤمر بأن لا يعرفوا عند أربعة أصنافٍ المشهود له حتى لا يحتال في تعديل شهوده وعند المشهود عليه حتى لا يجري في جرح شهوده, وعند الشهود حتى لا يحتالوا في تعديل أنفسهم, وعند المزكين عن المشهود حتى لا يحتال لهم الأعداء في الجرح والأصدقاء في التعديل.
ذكره في "الحاوي".
ولو سأل عن صديقه المعافي فعدله فلا بأس؛ لان شهادته له مقبولة وقد بينا أن لا يفعل ذلك.
فرع
الحاكم مخير بين أمرين؛ أحدهما: وهو الأحوط, أن يكتب بذلك أربع رقاع يرفع منها أخرتين إلى مزكيين ليسألا عن الشاهد الآخر يزكيه كل واحد من الشاهدين مزكيين ويصير المزكون أربعة.
والثاني: أن يقتصر على رقعتين فيهما ذكر الشاهدين, فيدفع إحداهما إلى أحد المزكين فتصير التزكية فيهما مسموعة من مزكيين.
فرع آخر
اعلم أنه قد يسمى أصحاب المسائل المزكين, وإذا توجه بها أصحاب المسائل المزكون كان أول ما سألوا عمن شهدوا له, فإن ذكروا أن بينهم وبينه ما يمنع من شهادتهم عليه لم يسألوا عما عداه, وإن ذكروا جواز شهادتهم له سألوا عمن شهدوا عليه, فإن ذكروا ما يمنع من شهادتهم عليه لم يسألوا عما عداه, وإن ذكروا جواز شهادتهم له ذكروا القدر الذي شهدوا به.
ثم على أصحاب المسائل أن يشهدوا عند الحاكم [163/ أ] بما عرفوه من هذه الأحوال الأربع إن اجتمعت أو افترقت, فإن لكل واحدة منهن حكمًا في غير هذه القضية وأن اعتبار جميعها في هذه القضية.
مسألة: قَالَ: "وَلَا يَقْبَلُ المسألة عَنْهُ وَلاَ تجريحهَ إِلاً مِنَ اثْنَيْنِ".
اختلف أصحابنا في تأويل هذا,, فقال أبو إسحاق: أراد به المزكين دون أصحاب المسائل؛ لان الاعتماد على المزكين دون أصحاب المسائل, فيجوز أن يكون صاحب المسألة واحدًا فيبعثه ليسأل, فإن عاد وأخبر بالجرح توقف الحاكم ولا يستدعي الجارح؛ لأن في ذلك فضيحة الشاهدين, والقصد معرفة عدالتهم لا فضيحتهم ولكن يقول للخصم زد في شهودك, وإن عاد وعدل لم يعتمد على قوله ويستدعي المزكي ويسأله عن ذلك حتى يخبره مشافهةً ولا يقبل ذلك إلا من مزكي على ما قاله الشافعي رضي الله عنه.
وقال الإصطخري: المراد بذلك أصحاب المسائل, فيحتاج أن يكونوا اثنين كالمزكين, فإذا أخبرا بالجرح والتعديل عمل على ذلك ولا يحتاج إلى حضور المزكين, وإن كان كالشهادة على الشهود؛ لأنه موضع حاجة لأنه لا يلزم المزكي أن يحضر عند الحاكم لتزكية وليس للحاكم إجباره على ذلك, فصار ذلك كالمرض والغيبة في سائر الشهادات وهذا هو المنصوص, وذلك خلاف نص الشافعي؛ لأنه قال: ويمضي من كل واحدٍ منهما ما رفعه إلى الآخر, وهذا إنما يكون في أصحاب المسائل دون المزكين, ولان العدد لا يسقط في الشهادة على الشهادة فكذلك هنا؛ لأن ذلك شهادة على المزكي, وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز أن يكون المزكي [163/ أ] واحدًا؛ لأن التزكية ليس من شرطها لفظ الشهادة, فلم يفتقر إلى العدد كرواية الأخبار, وهذا لا يصح كما ذكرنا؛ لأنه وافقنا أنه لو جرح الشاهد بواحدٍ وعدل باثنين فالتعديل أولى, فدل أن قول
الواحد لا يثبت به شيء، إذ لو ثبت عند خلوه عن معارض لثبت وإن عارضه ضده، كما لو جرحه اثنان وعدله عشرة كان الجروح أولى بالإجماع.
وأما قوله: إنه لا يعتبر فيها لفظ الشهادة لا تسلم؛ لأنه لا يقبل الجرح والتعديل إلا بلفظ الشهادة.
ثم إذا بعت اثنين للمسألة يخفي عن كل واحد منهما ما دفعه إلى صاحبه، ويوصي كل واحد منهما بإخفائه لئلا يتواطئا على شيء واحدٍ بالرشوة، ثم ينظر فإن اتفقا على الجرج أو التعديل عمل عليه.
وإن اختلفا فجاء أحدهما بالتعديل والآخر بالجرح، قال الشافعي: "أعادهما مع غيرهما"، قال أصحابنا: أما إعادتهما فلأن أحدهما لا محالة مقصر في النظر؛ لأنا لا نعلم أن الرجل الواحد لا يكون عدلاً فاسقاً.
وأما ضم غيرهما إليهما فلأنهما ربما يختلفان في المرة الثانية كما اختلفا في المرة الأولي، فلا يمكن تنفيذ الحكم مع اختلافهما، فإذا ضم إليهما غيرهما يرجى تزكية المزكيين فيردهما.
ثم ينظر فإن عاد الآخران بالتعديل فقد ثبت التعديل بثلاثة أنفس فعمل عليه.
وإن عاد أحدهما بالتعديل والأخر بالجرح فقد ثبت واحد منهما باثنين، فيكون الجرح أولى من التعديل، وإن عاد أحدهما بالتعديل والآخر توقف فيه، فإن التعديل قد ثبت.
وإن عاد أحدهما بالجرح وتوقف الآخر" فإن [164/ أ] الجرح قد ثبت، ولو عدل رجل بشاهدين وجرحه آخران، قال الشافعي: "الجرح أولى"، لأن التعديل على الظاهر والجرح على الباطن لزيادة العلم مع الجارح.
فرع
لا يجوز أن يقبل تعديل الولد للوالد.
وقال أبو جنيفة: يقبل، ودليلنا أنه إثبات حكم على خصم بقول غيره فلا يجوز من الوالد.
فرع آخر
لا يقبل التعديل من المرأة خلافا لأبي حنيفة حنيفة، لأن شهادتها لا تقبل فيما لا يقصد فيه المال ويطلع عليه الرجال.
فرع آخر
إذا ثبت أنها شهادة محضة اختلف أصحابنا في أن القاضي يحكم في تعديلهم وجرحهم بأصحاب مسائلة وبمن عدلهم وجرحهم من جيرانهم وأهل الخبرة بهم على وجهين:
أحدهما: أن أصحاب مسائلة هم الشهود عنده بالتعديل والجرح وهم المتحملون عن الجيران وأخل الخبرة ما ذكره من التعديل والجرح، وهذا ظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه وقول الأكثرين من أصحابة، فعلى هذا يجوز أن يكون ما يسمعه أصحاب المسائل من الجيران بلفظ الخير؛ لأن الشهادة مختصة بالحكام، ولا يعتبر فيهم العدد ويعتبر أن يقع في نفوس أصحاب المسائل صدق المخبر فيما ذكره من تعديل وجرح،
فربما وقع في نفسه صدق الواحد وربما ارتاب باثنين فيلزمه أن يستزيد، ويجوز لأصحاب المسائل أن يسألوا الجارح من أين علم تعديله وجرحه، ولا يجوز للحاكم أن يسأل أصحاب المسائل من أين علمتم الجرح والتعديل، وهذا اختيار الإصطخري.
[164/ ب].
والثاني: وهو قول أبي إسحاق أن يشهد بالجرح والتعديل هم من عرفهم من الجيران وأهل الخبرة، ويكون أصحاب مسائلة فيها، لأن الشهادة سميت بذلك مسموعة من أهل المعرفة الباطنة وهو الجيران دون أصحاب المسائل، ولأن شهادة أصحاب المسائل كالشهادة على الشهادة، وهي لا تسمع مع القدرة على شهود الأصل.
فعلى هذا كان ما يذكره أصحاب المسائل خبراً يجوز أن يقتصر فيه على قول الواحد بلفظ الخبر دون الشهادة، ويذكر الحاكم بالجرح والتعديل، ثم يسمع بالتعديل والجرح من الجيران وأهل الخبرة على شرط الشهادة.
فرع آخر
إذا شهد شاهدان من أصحاب مسائلة ومن الجيران على ما قدمناه من الوجهين بتعديل أحد شاهدي الأصل، جاز أن يشهد بتعديل الشاهد الآخر قولاً واحداً وإن كان في الشهادة على الشهادة قولان.
والفرق أن في الشهادة على الشهادة هما فرع الأصل في التزكية فهما شاهدان على الأصل.
فرع آخر
لو شهد اثنان بجرحه في سنة أو في بلد، ثم شهد اثنان بتعديله في سنة بعدها، أو في بلد آخر انتقل إليه حكم تعديله لأنه قد يتوب وينتقل عن الفسق إلى العدالة، والتوبة ترفع المعصية ولا يقدم التعديل على الجرح إلا في هذه المسألة.
فرع آخر
لو بعث بذلك إلى المزكي فعدلهم ى يقبل التعديل بالكتاب حتى يحضر المزكي فيشير إليه أن الذين عدلتهم هؤلاء، لأنه ربما يلبس عليه بالكتاب، والتزكية [165/ أ] نوع شهادة فلا تقبل بالكتاب، ذكره أصحابنا رحمهم الله.
مسألة: قال: "ولا أقبل الجرح إلا بالمعاينة أو السماع".
أراد به صاحب المسألة إذا أخبر بالجرح لا يقبل إلا أن يضيف إلى نفسه رؤية ما يجرح، أو يستفيض ذلك في الناس، ويخبره كل من سأله بفسقه، وهذا لأنه لا يصير عالما بذلك إلا بالشهادة أو بالسماع أو بالمشاهدة يحصل العلم، وكذلك بالسماع المتواتر، فإن لم يكن متواترا ولكنه شاع في الناس، يجوز أن يؤدي الشهادة مطلقا كما يشهد بالموت والنسب بالاستفاضة، وإن كان خبر الواحد والعشرة لا يصير عالماً به،
ولكنه يشهد بما يسمع ويكون شاهد الفرع، والذي يشهد عنه شاهد الأصل فيكون حكمه حكم شاهد الفرع، هكذا ذكره أبو حامد، وقد قيل: يعتبر بهذا الكلام الرد على أبي حنيفة حيث قال: يقبل الجرح مطلقا كما يقبل التعديل مطلقا، ونحن لا نقبله إلا مفسرا، بل يقول عاينته يفعل كذا، أو سمعته يقول كذا، وما ذكرناه أولاً أظهر.
مسألة: قال: "ولا نقبله إلا من فقيه دين عاقل إلا بأن يفقه على ما يجرحه به".
قد ذكرنا أنه لا يقبل الجرح إلا بعد بيان سببه خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله، وهذا لأن الناس يتباينون في الأهواء، فيشهد بعضهم على بعض بالكفر أو الفسق بالتأويل، وهو بالجرح عندهم أولى.
وقد قال مالك رحمه الله تعالى: يفسق الرجل بشرب النبيذ المطبوخ وإن اعتقد إباحته، ومن الناس من يقول: [165/ ب] يفسق بالوطء في نكاح المتعة ونحو ذلك، وقد يعدون ما ليس بجرح جرحاً، ولا فرق بين أن يكون الجارح فقيهاً أو غير فقيه.
وقال الشافعي رضي الله عنه: لقد حضرت رجلاً مستهلاً بجرحه فقال له السائل: بأي شئ تجرحه فقال: ما يخفي على من تكون الشهادة به مجروحة، فقال الذي يسأله: لا أقبل هذا منك إلا أن تبين، فقال: رأيته يبول قائماً، فقال: وما في ذلك؟ فقال: ينتضج على ساقيه ورجليه وثيابه ثم يصلي قبل أن ينقيه، فقال: أفرأيته فعل ذلك فصلى قبل أن ينقيه وقد انتضج عليه؟ فقال: لا، ولكن أراه سيفعل.
وهذا الضرب كثير في الناس والجرح خفي فلا يقبل لحفائه لما وصفت من الاختلاف إلا بتصريح الجرح، ومذهب الفقهاء أن لا يكفر أحد من أهل القبلة.
قال الشافعي رضي الله عنه: "إلا واحداً وهو من نفي علم الله تعالى الأشياء قبل كونها فهو كافر"، وقد ذهب جماعة إلى تكفير أهل الأهواء كلهم.
وحكي أن رجلاً جرح وقال: إنه طين سطحه بطين استخراجه من حوض البستان، ومثل هذا لا يكون جرحاً إلا بالإجماع، فلهذا يجب الاستفسار.
فإن قيل: كما أن الجرح يختلف فكذلك العدالة، ولو عدلوا لا يلزم بيان سبب العدالة.
قلنا: هل يشترط ذكر سبب التعديل؟ فيه وجهان: فلا نسلم، وإن سلمنا فلأن أسباب العدالة تكثر ولا يمكن ضبطها بخلاف أسباب الجرح فافترقا.
فإن قيل: في كشف سبب الجرح هتك ستر الشاهد ويصير الجارح به قاذفاً.
[166/ أ] قلنا: وإذ هو فاسق هتك ستره أيضاً، وربما هذا العار عند بيان السبب، وذكر ما لا يوجب الفسق، وأما القذف فيمكنه أن لا يصرح به، وإذا أتى به بلفظ الشهادة لا يكون قاذفاً.
فرع
لو سأل الحاكم الشاهدين عن سبب الجرح فذكر له وكان زنا لم يكن قاذفاًً، سواء كان بلفظ الشهادة أو بغير لفظ الشهادة، لأنه لا يقصد إدخال المعرة عليه بالقذف، بل قصد إثبات صفته عند الحاكم ليتبين الحاكم حكمه عليه، هكذا ذكره أبو حامد.
وقال في "الحاوي": لا يصير أصحاب المسائل إذا شهدوا بها قذفه وإن لم تكمل شهادتهم، لأن أصحاب المسائل ندبوا للإخبار فأسمعوه ولم يندب الجيران إليه.
ولا يفرق بين أن يذكر أصحاب المسائل هذا الجرح بلفظ الشهادة أو بلفظ الخبر، ولكن الحاكم يحكم به إن كان بلفظ الشهادة ولا يحكم به إن كان بلفظ الخبر.
فرع آخر
قال في "الحاوي": اعلم أن الفسق يكون من ثلاثة أوجه: بالأفعال كالزنا والغضب، وبالأقوال كالقذف والكذب، وبالاعتقاد كاستحلال المحظور والتدين بالبدع.
والأفعال تعلم بالمعاينة، والأقوال تعلم بالسماع وكذلك الاعتقاد، فلا يقبل من الجارح إذا شهد بأفعال الجرح إلا إذا شاهدها، ولا يقبل منه إذا شهد بأقوال الجرح إذا سمعه ولا يقبل إذا قال: بلغني، أو قيل لي، ولا يقبل شهادة الأعمى بالجرح في الأقوال والأفعال، فأما إذا شهد عن الإخبار بها، فإن كانت أخبار آحاد لم يكون للمخبر أن يشهد بها، وإن كانت من أخبار الاستفاضة أو التواتر التي لا يعترضها ارتياب جاز أن يشهد بها كما [166/ ب] بالأنساب وتقبل به شهادة الأعمى.
فإن كان الشاهد عند الحاكم بهذا الجرح هم الجيران إن كانت هذه الشروط معتبرة في شهادتهم أن يعلمه إما يعلمه إما بالمعاينة للأفعال أو بالسماع للأقوال، أو بالخبر المستفيض للأفعال والأقوال، وأن الشاهد بها أصحاب مسائل يحملوها عند علمها من هذه الوجوه الثلاثة جاز لهم أن يشهدوا بها عنهم، لأن أصحاب مسائله ندبوا للبحث عنها، ولو تحملوهاٍ من هذه الوجوه لعلموا الشهادة بها، ولما احتاجوا إلى المسألة عنها.
مسألة: قال: "ولا يقبل التعديل إلا بأن يقول: عدل على ولي".
الفصل
اختلف أصحابنا في هذا، فقال بعضهم: هذا يدل على أن الحاكم لا يسأل عن أسباب التعديل، ويسأل عن أسباب الجرح، لأن الشهادة بالتعديل أن يجدوه سليماً من الهفوات، ولا يحتاج في هذا إلى شرح السبب، وعلى هذا السؤال عن سبب العدالة استظهار لا واجب، وهذا الذي عليه القضاة في زماننا هذا.
وعلى هذا قال الإصطخري: قول "قول عدل علي ولي" استحباب للتأكيد، لأن الشهادة بالتعديل تقتضي
الحكم بها عليه وله، فيكفي أن يقول عدل.
وبه قال أبو حنيفة، ومالك وأحمد رحمهم الله، وهو اختيار صاحب: الإفصاح" والقفال.
وقد قال في "حرملة": إذا قال هو عدل مرضي كفي في التعديل، وهذا لأن المقصود إثبات عدالته عند الحاكم، وذلك يثبت بهذا ولا يحتاج إلى زيادة.
وقال أبو إسحاق وجماعة: هو على الوجوب، وهو ظاهر كلام الشافعي هنا، ونص عليه في "الأم" أيضاً، واختلفوا في العلة، فقال أبو إسحاق: إنما شرط هذا لأنه قد يكون [167/ أ] عدلاً في شيء دون شيء، وفي القليل دون الكثير، فإذا قال ذلك عم ولو يخص.
وإذا قال عدل ولم يزد لم يثبت العدالة المطلقة، كما إذا قيل: فلان صادق، ولا يثبت بهذا القدر صدقة على الإطلاق.
وقال غيره: العلة أنه قد يكون الشاهد بالتعديل من لا تقبل شهادته عليه، لأنه من أعدائه، فإذا قال عدل على ولي زال هذا الاحتمال، فقوله عدل علي نفي للعداوة، وإذا قال عدل لي نفي للقرابة وهذا أبلغ الألفاظ في التعديل وعلى هذا لا يلزم أن يقول هذا إذا علم أنه لا نسب بينهما ولا عداوة.
وعلى تعليل أبي إسحاق يلزم ذلك وإن علم أنه لا نسب بينهما ولا عداوة.
فرع
الشهادة بأنه عدل رضا جرت العادة بالجمع بينهما في صحة التعديل، وقال جمهور أصحابنا: قوله"رضا" محمول على التأكيد، لأن العدل رضا.
وقال بعض أصحابنا البصريين: هذا شرط في صحة التعديل، لأن التعديل سلامة والرضا كمال.
فرع آخر
استزاد بعض القضاة في التعديل أن يقول إنه مأمون في الرضا والغضب، وهذا تأكيد لا يكون شرطاً، لأنه من أحكام العدالة فلا يلزم ذكرها كالصدق والأمانة.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: سؤاله عن أسباب العدالة واجب لجواز الاحتمال في التعديل كجوازه في التفسيق، فعلى هذا يكون الشاهد مؤد بالأسباب، والقاضي هو الحاكم بالعدالة، وتكون استزادته من الشهود أن يشهدوا أنه عدل، ولي استخبار عن حكم العدالة وليس بشرط في قبول الشهادة على سببها، وهل يكون هذا الاستخبار لازماً في حق الحاكم وأنه لم يكن في حق الشاهد؟ فيه وجهان: [167/ ب] أحدهما: يكون لازماً في حقه ليكون حكمه بالتعديل على أحوط الأمور.
والثاني: أنه ليس بلازم في حق الشاهد، لأن الشهادة بأسباب التعديل تغني عما سواه.
فرع آخر
إذا قلنا يشترط ذلك بسبب التعديل جاز أن يكون الشاهد بالتعديل من غير أهل الاجتهاد.
وإن قلنا لا يشترط وجب أن يكون الشاهد بالتعديل من أهل الاجتهاد.
فرع آخر
إذا قال المزكي لا أعلم إلا خيراً لا يكفي، وقال الطحاوي: عن علي بن معبد، عن أبي يوسف أنه قال: تقبل شهادته، ولم يذكر خلافاً، وهذا لا يصح، لأنه لم يصرح بالعدالة فلا يكون تعديلاً كما لو قال: أعلم فيه خيراً.
فإن قيل: إذا كان من أهل الخبرة ولم يعلم إلا خيراً فهو عدل.
قلنا: يجوز أن لا يعلم عدالته ولا فسقه لاشتباه حاله عليه فلا يدل على حقيقة العدالة.
مسألة: قال: "ثم لا يقبله حتى يسأله عن معرفته به، فإن كانت باطنة متقادمة وإلا لم يقبل ذلك منه".
وجملة هذا أنه لا يقبل التعديل إلا ممن له خبرة باطنة ومعرفة متقادمة بالشاهد، وهذا لأن الرجل لا يكاد يعرف الرجل إلا بمعاشرة متقادمة ومصاحبة، ولا يداوم الإنسان الفسق بل يفعله في بعض الأوقات دون بعض، فإذا لم يتقادم عهده ومعرفته به لم يقف عليه.
وقد روي حرشة بن الحر أن رجلاً شهد عند عمر - رضي الله عنه- بشهادة، فقال له: أعرفك ولا يضرك أن لا أعرفك ائتني بمن يعرفك، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه، قال: بأي شئ تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل، فقال: هو جارك الأدنى الذي تعرفه ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه؟ [168/ أ] قال: لا.
قال: فعاملك بالدينار والدرهم اللذين يهما يستدل على الورع؟ قال: لا.
قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا.
قال: لست تعرفه، ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك.
وقال مجاهد: دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فقال: "من يعرف هذا؟ " فقال رجل: أنا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه، فقال: "ليست تلك بمعرفة".
وقيل: الشهادة بالتعديل تخالف الشهادة بالجرح من وجهين، ووجه ثالث مختلف فيه: أحدهما: أن الشهادة بالتعديل لا تقبل إلا ممن كان قديم المعرفة بخلاف الجرح.
والثاني: لا تقبل إلا من أهل المعرفة الباطنة والجرح يقبل من أهل المعرفة الظاهرة والباطنة.
والثالث: هل يشترط ذكر سبب التعديل فيه وجهان، ولا يحكم بالجرح إلا بعد سببه.
مسألة: قال: "ويسأل عمن جهل عدالته سراً، فإذا عدل سأل عن تعديله علانية ليعلم أن المعدل سراً هو هذا مخافة أن لا يوافق اسم أو نسب نسباً".
قال أصحابنا: فإن لم يكن إشكال وعلم أن المزكي لا يرتاب به ولا يحتاج على إظهار التعديل، وقيل: هل يحتاج إلى الإشارة إذا عدل؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: تلزم الإشارة إليه عند القاضي، فيقول: هذا هو الذي شهدنا عندك بتعديله ليزول الاشتباه ويحصل الاحتياط.
والثاني: قال ابن أبي هريرة: لا يجب ذلك لكنه يستحب بكل حال.
والثالث: إذا كان مشهوراً في الناس بما يتميز به عن غيره لا يحتاج إلى الإشارة وجوباً لكنه يستحب، وتجب الإشارة في المجهول غير المشهور وهذا أصح.
فرع
إذا ثبتت عدالته عنده يعرف المشهود عليه أنه لزمه الحكم [168/ ب] فيما شهدوا به عليه، وعرفه ما عمل في أمر الشهود، فإن زعم أنه يمكنه جرحهم نظر في ذلك وتوقف في إنقاذ الحكم إن كان ما يزعم قريباً، ولا يستعجل في إنقاذ الحكم.
روى أنس-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التأني من الله والعجلة من الشيطان".
وروي ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تأنيت - وروي إذا تثبت- أصبت أو كدت تصيب، وإذا استعجلت أخطأت أو كدت تخطئ".
فرع آخر
لو جرح الشهود في السر لم يسأل عنهم في العلانية لئلا يؤدي إلى هتك الستر، وإثبات العداوة بينهم وبين من جرحهم، وإذا عدل أعلن التعديل ليرغب الناس في حسن الذكر، وربما كان عند بعض الناس من جرحه ما يخفي على غيره، ولو ابتدأ أصحاب المسائل بالشهادة فيمن بحثوا عنه ولا يعلم الحاكم بما يشهدون به من جرح ولا تعديل فينبغي أن يمنعهم على الجهر حذراً أن يشهدوا بالجرح المأمور بالستر، وإن علم أنهم لا يشهدون بالعدالة جاز أن يدعوهم إلى الشهادة سراً وجهراً.
فرع آخر
لو عدل الشهود اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أن الحكم بعدالته قد استقر على التأييد ما لم يطرأ جرح من بعد بناءً على أصل العدالة.
والثاني: قال أبو إسحاق: يعيد البحث عن عدالته في كل مدة لجوا أن يتغير فيها حاله، ولا يلزمه البحث في كل شهادة، لأنه شاق وخارج عن العرف ولم يحد المدة بحد.
وحكي عن بعض الناس أنه قال: يسأل عنه كل ستة أشهر، وهذا ليس بمذهبنا، ونسه صاحب "الحاوي" إلى بعض أصحابنا والمذهب أنه تتوقف المدة على اجتهاده وما يراه.
[169/ أ].
فرع آخر
إذا أعاد البحث مراراً واستقرت عدالته، فإن تجددت منه استرابة أعاد البحث والكشف وإن لم يتجرح ذلك لا يعيد البحث.
فرع آخر
قال الشافعي- رضي الله عنه-: وإذا نزلت قافلة الحاج أو الغزاة أو غيرهما في بلد يحضر رجلان من أهل القافلة من يعرفه الحاكم لم يحكم بشهادتهما وإن رأي عليهما سيما الخير وأثر الصلاح والعدالة.
وقال مالك رحمه الله تعالى: إذا رأي فيهما سيما الخير حكم بشهادتهما، لأنه لا يمكن معرفة عدالتهما ولا يمكن التوقف عن الشهادة، فإن فيه تضييعاً للحق، فكان المرجع إلى السيما الجميل وهذا غلط، لأن عدالتهما مجهولة فلا يجوز الحكم بشهادتهما كشاهدي الحضر، وظاهر مذهبهم تسليم هذا الأصل.
وأما ما ذكره فلا يصح، لأنه ربما يؤدي إلى إثبات ما لا يستحق وذلك لا يجوز.
فرع آخر
لا يقبل من الفاسق التعديل سراً كان أو علانية، وقال أبو حنيفة: إذا قام [.......] من الناس في الحكم وغيره، فقال القاضي: إن هذا الشاهد عدل ولم ينكر أحد ذلك فقد ثبت عدالته، فجعل سكوتهم كإخبارهم بالعدالة وهذا لا يصح، لأن سكوتهم يحتمل معاني فلا يجوز أن يقطع بواحد منها.
فرع آخر
لا يجوز للحاكم أن يتخذ شهوداً راتبين فيقبل شهادتهم، ور يقبل شهادة غيرهم لأن في ذلك إضراراً بالناس وتضييقاً عليهم، ولأن شرط قبول الشهادة العدالة، فكل من كان بهذه الصفة وجب قبول شهادته، وقد قال تعالى: [وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ] [الطلاق:2]، ولم يخص، وربما ثبتت الحقوق في مواضع لا يكون هناك شهود راتبون ويقال: إن أول من اتخذ ذلك إسماعيل بن إسحاق [169/ ب] وتابعه سائر القضاة في بعض البلاد في هذا، ليكون الشهود أعياناً معدودين فلا يستشهد الخصوم بمجهول العدالة، ولا يطمع في الشهادة غير مستحق لها، وعندنا يكره ذلك، ولم يفعله الصدر الأول.
فإذا تقرر هذا فيجب على الحاكم أن يسمع شهادة كل من يشهد عنده، فإن عرف فسقه رد شهادته، لأنه يجوز أن يحكم بالجرح والتعديل بعلمه.
مسألة: قال: "ولا ينبغي أن يتخذ كاتباً حتى يجمع أن يكون عدلاً عاقلاً".
الفصل
اعلم أنه لا يستغنى قضاة الأمصار والولاة على الأعمال عن كاتب ينوب عنهم في
ضبط الأمور، فيجوز لهم أن يتخذوا كاتباً، وقيل: يستحب لهم ذلك.
وهذا لأن على بن أبي طالب رضي الله عنه كان كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كتب القضية يوم الحديبية.
وكان زيد بن ثابت- رضي الله عنه- كاتبه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تعرف السريانية؟ " فقال: لا، فقال: "إنهم يكتبون إلي ولا أحب أن يقرأ كتبي كل أحد، فتعلم السريانية" قال زيد: فتعلمها في نصف شهر.
وروى ابن عباس - رضي الله عنهما- أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له: السجل.
ولأنا لو كلفناه كتب السجلات والمحاضر بيده وينظر بين الناس أدى إلى المشقة والحرج، ويتعذر عليه الجمع بين الأمرين، فكان له أن يتخذ كاتباً يستعين به.
ثم ذكر الشافعي أن يشترط فيه أربعة أوصاف، العدالة، والعقل، والعفة، والنزاهة من الطمع، وهذا لأن الكتابة موضع أمانة فلا توضع في غير العدل، ويستحب أن يكون فقيهاً ليعرف مواقع الألفاظ، ويفرق بين الواجب والجائز، وتعتبر النزاهة لئلا يستمال بالطمع.
[170/ أ] وقوله: "عاقلاً": أردا سديد العقل، لأن وجود العقل شرط العدالة.
قال أصحابنا: ويستحب أن يكون جيد الخط ويفصل بين الحروف ويميزها ويضبط ما يحتاج أن يكون مضبوطاً فلا يكتب سبعة مثل تسعة، ذكره صاحب "الإفصاح" وقيل: ينبغي أن يكون أدبياً فلا يأتي بلفظ يلبس أو يوهم تضاعيف حروفه وأطراف سطوره كتبه شيء يتغير به الحكم، فلا ينبغي أن يفاوت الحروف في تباعدها وتدانيها، وأن يقارب السطور في كتابته وهذه كلها مستحبة، والمعتبر فيه أن يكون ممن يحسن الكتابة.
فرع
لا يجوز أن يكون عبداً، لأن الحرية شرط في كمال العدالة.
وقال في "الأم": ما ينبغي عندي للقاضي ولا لوال من ولاة المسلمين أن يتخذ كاتباً ذمياً، وينبغي أن يعز المسلمين بأن لا يكون لهم حاجة إلى غير أهل الإسلام، والقاضي أول الخلق عذراً بهذا.
قال أصحابنا: لا يجوز أن يكون ذمياً، لأنه جرح نفسه في الدين عند قبول قوله فيه.
وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1] الآية، وقال أيضاً عز اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:51]، وقال أيضاً عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118].
وروى أبو سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما بعث من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تدعوه إلى الخير وتحضه عليه، وبطانة تدعوه إلى الشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله".
وهذا صحيح وقد جاء به
القرآن العظيم وهو الآية التي ذكرناها.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم [170/ ب] قال: "لا تستضيئوا بنار المشركين" أي لا ترجعوا إلى أمانهم ولا تعولوا على مشاورتهم.
وروي أن أبا موسى الأشعري قدم على عمر- رضي الله عنهما- ومعه كاتب نصراني فأعجب عمر بخطة وحسابه واستحسنه، فقال له عمر: أحضر كاتبك ليقرأه، فقال: إنه نصراني لا يدخل المسجد، فزبره عمر وقال: لا تأتمنوهم وقد خوفهم الله تعالى، ولا تقربوهم وقد أبعدهم الله تعالى ولا تعزوهم وقد أذلهم الله تعالى.
وروي: ولا تكرموهم إذ أهانهم الله تعالى، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله تعالى، ولا تأمنوهم إذ خوفهم الله تعالى، وأمر بعزله.
وروي أنه قال عمر- رضي الله عنه -: اتخذته كاتباً؟ فقال: له دينه ولي كتابته، فقال عمر رضي الله عنه ما ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان، أحدهما: مات ذكرنا.
والثاني: أنه يجوز أن يكون كافراً وفاسقاً، لأن ما يكتبه لا بد أن يقف عليه القاضي ثم يمضيه فيؤمن خيانته.
فرع آخر
إذا اتخذ القاضي كاتباً فهو بالخيار، إن شاء أجلسه عنده وإن شاء أجلسه بالبعد منه.
فإن أجلسه عنده فإذا مضى شئ يحتاج إلى إثبات أمره يكتبه وينظر في ذلك حتى لا يحرف ولا يغير، وإن أجلسه ناحية، فإذا أقر عنده رجل بحق وينكره أنفذ المقر إليه حتى يثبته.
قال الشافعي رضي الله عنه: ويستحب أن يكتب الحاكم اسم المقر عنده احتياطياً لئلا يرجع عن الإقرار إلى أن يبلغ [171/ أ] فربما يختلط ولا يعرف عينه.
وينبغي أن يقرأ القاضي بعد كتابته ويعلم فيه بخطه، ويشهد به على نفسه ليكون حجة للمتحاكمين وقيل: إنه يتخير بين أن يلقيه عليه حتى يكتبه في لفظه، أو يكتبه الكاتب بألفاظه والقاضي ينظر إليه أو يقرأه بعد الكتابة.
فرع آخر
لو رد القاضي المتخاصمين عند الاشتباه إلى وساطة متوسط بينهما لم يلومهما الرجوع إليه، وإن سألاه ردهما إليه لزمه الكف عن النظر بينهما ولا يلزمه ردهما إلى وسيط معين، لأن ردهما إليه تقييد له إلى النظر بينهما، ولا يلزمه أن يقلد لهما ناظراً، فإن فعل كان تبرعاً منه وحملهما الوسيط على التراضي دون الإلزام، إلا أن يرد القاضي إليه الإلزام فيصير حاكماً وملزماً.
فرع آخر
يجوز للكاتب أن يتخذ كاتباً كما يجوز للقاسم أن يتخذ قاسماً.
مسألة: قال: "والقاسم في صفة الكاتب".
يشترط في القاسم زيادة، وهو أن يكون عارفاً بالحساب، لأن مدار القسمة على الحساب، وينبغي أن يكون عارفاً بالقيم لئلا يحتاج في التقويم إلى غيره، فإنه لم يعرف القيم يجوز ويرجع إلى أقوال مقومين يقومون.
مسألة: قال: "ويتولى القاضي ضم الشهادات ورفعها لا يغيب ذلك عنه".
الفصل
قال أصحابنا: نذكر في هذا الفصل كيف يجتمع عنده الشهادات التي يحتاج إلى ضمها ورفعها، ثم يبين كيفية الضم والرفع، [171/ ب] فإذا تقدم خصمان إلى القاضي، وادعى أحدهما على الآخر، فإن القاضي يسأل المدعى عليه عما ادعاه عليه، فإن اعترف به وسأله المدعي أن يكتب بذلك محضراً كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، حضر مجلس القاضي فلان ابن فلان الفلاني، وفلان ابن فلان كما يعرفه القاضي، وإن كان لا يعرفه القاضي كتب: رجل ذكر أنه فلان ابن فلان، ويجليه بالأوصاف التي ذكرنا، وأحضر معه رجلاً ذكر أنه فلان ابن فلان ويجليه، وادعى عليه بكذا وكذا، فسأله القاضي عما ادعاه عليه فأقر بجميعه، وذلك في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، وأشهد فيه من حضر القاضي من الشهود، ويلزم القاضي ذلك إذا سأل المدعي، لأنه ربما ينسى القاضي أو يعزل.
ومن أصحابنا من قال: الإشهاد يجب بأنه أقر بكذا وكذا، لأنه إن كان مذهبه أنه لا يجوز له الحكم بعلة وربما يجحد بعده فلا يمكنه الحكم بعلة عليه.
وإن كان مذهبه جواز الحكم بعلة ربما ينسى أو يعزل فلا يمكنه الحكم به ولا يقبل قوله بعد عزله، وهل يلزمه أن يكتب له محضراً؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه، لأنه وثيقة له كالإشهاد.
والثاني: لا يلزمه، لأن الشهادة يكفيه فلا حاجة إلى محضر.
وقال بعض أصحابنا: إن كان في دين يستوفي عاجلاً لا يلزمه الكتبة، وإن كان في دين مؤجل أو في ملك متأبد فهل يلزمه؟ وجهان.
وإن أنكر ما ادعاه عليه فسأل القاضي فلان ابن فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان ابن فلان المدعي بينة [172/ أ] إن كانت له فأحضر فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان فشهدا عليه بجميع ما ادعى عليه، وإن لم يكن بينة لا يحلف القاضي المدعي عليه إلا بسؤال المدعي، فإذا سأل إحلافه كتب: فسأل فلان ابن فلان المدعي إحلافه فحلفه القاضي فلان ابن فلان بالله الذي لا إله إلا هو فحلف، ويكون هذا المحضر حجة للمدعي عليه فيكتب له بسؤال لئلا يدعي عليه الحق
في مجلسٍ آخر، ويلزمه الإشهاد عليه، وهل يلزمه كتب المحضر؟ فيه وجهان.
وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على المدعي وكتب: فنكل المدعى عليه عن اليمين ورد اليمين على المدعى عليه فلان ابن فلان، فحلفه القاضي فلان ابن فلان بالله الذي لا إله إلا هو أنه يستحق عليه ما ادعاه وهو كذا وكذا، وذلك في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا.
وإن سأله أن يحكم له بذلك ويشهد على نفسه يلزمه ذلك فإنه حجة.
وإن سأله أن يكتب بالإشهاد على نفسه محضرًا هل يلزمه؟ فالحكم على ما ذكرنا إذا ثبت بالإقرار، وهذا إذا كان عنده قرطاس من بيت المال، أو أحضر المحكوم له قرطاسًا، فإن لم يكن لا يلزمه أن يكتب وجهًا واحدًا.
وقال في "الحاوي": إذا ثبت الحق بالبينة فهل يلزمه الإشهاد على نفسه صاحب الحق؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأن له بالحق بينة فلم يلزم القاضي أن يجدد له بينةً، ويكون في ذلك مخيرًا.
الثاني: يلزمه كما في الإقرار؛ لأن الشهادة على نفسه مع البينة الموجودة تعديل بينته وثبوت حقه، وهذه ثلاثة أحكام لا تثبت إلا بإشهاده على نفسه.
وإن سأله أن يسجل له هل يلزمه ذلك؟ فيه وجهان؛ أحدهما لا يلزمه في المحضر.
واعلم أن المحضر حكاية الحال وما جرى بينهما من الدعوى والإقرار، [172/ ب] والإنكار، والبينة، واليمين، والنكول، ورد اليمين، والسجل تنفيذ ما ثبت عنده وإمضاء ما حكم به، فهذا فرق بين المحضر والسجل، فإن ذكر في المحضر تنفيذ الحكم جرى مجرى السجل في المعنى وإن خالف لفظه في الابتداء واستغنى به عن السجل، وإن ذكر له في السجل حكاية الحال جرى مجرى المحضر في المعنى وإن خالف لفظه في الابتداء واستغنى به عن المحضر، وإن كان الأولى أن لا يعدل بواحدٍ منهما عن موضوعه؛ لأن المقصود بالمحضر أن يتذكر أحكام ما جرى بين المتنازعين ليحكم به بموجب الشرع، والمقصود بالسجل أن يكون حجة لما نفذ به الحكم، وقد ذكرنا صفة المحضر.
وقال في "الحاوي": صفة المحضر أن يكتب: حضر القاضي فلان ابن فلان وهو يومئذ قاضي عبد الله الإمام فلان على بلد كذا في مجلس حكمه وقضائه في موضع كذا.
وقد ذكر أبو حامد أنه كان على إقرارٍ لم يذكر مجلس حكمه؛ لأنه ليس في الإقرار حكم بخلاف سماع البينة، وليس لهذا الفرق بينهما وجهٌ؛ لأن الدعوى لا يسمعها القاضي إلا في مجلس حكمه؛ لأنه يتعلق بالإقرار إلزام والإلزام حكم.
ثم يذكر اسم المدعي واسم المدعى عليه وما جرى بينهما على ما ذكرنا، وفي السجل يبدأ
بالشهادة كما يبدأ في المحضر بالحضور، فيكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أشهد عليه القاضي فلان ابن فلان، فإن كان خليفة القاضي كتب خليفة القاضي فلان ابن فلان، وإن كان من جهة الإمام كتب في مدينة كذا وهو يومئذ قاضي عبد الله فلان أمير المؤمنين عليها وعلى نواحيها، ويذكر ما في يده من الأعمال، وأرضه وقال: في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا أنه قد ثبت عنده [73/ أ] بإقرارٍ أو شهادة فلان ابن فلان، وفلان ابن فلانٍ وثبتت عدالتهما عنده فسأل فلان ابن فلان أن يحكم له فحكم له به وأنفذه وأمضاه، وأشهد على نفسه بذلك من حضره من الشهود.
وإن كان الحاكم لا يعرف من يحكم عليه به فإنه يحكم على يمينه وكتب السجل على ما ذكرنا من اسمه ونسبه وحليته، ويكون الاعتماد على حكمه.
وقال ابن جرير الطبري: إذا لم يعرف اسمه ونسبه لا يكتب ذلك، وهكذا في المحضر لا يقول: ذكر أنه فلان ابن فلان؛ لأنه ربما يزور في ذلك وهذا غلط؛ لأن الاعتماد على الحلية، ولا يمكن أن يزور في الحلية ويغيرها.
ثم إذا قلنا يلزمه كتب السجل له، أو قلنا لا يلزمه فكتب له ينبغي أن يكتب نسختين ويدفع إليه إحداهما تكون حجةً في يده وتكون الأخرى عند القاضي، ولا يختم النسخة التي يتركها عند نفسه ويكتب على ظهرها: خصومه فلان ابن فلان ويدعها في القمطر، والقمطر في اللغة دفتر الحساب وغيره يُصَيَّرُ ويجمع في مكانٍ واحدٍ ويعين ويشد، يقال: قمطرت الحساب قمطرةً إذا عينته وشددته، وتسمي العامة السفط الذي يجمع فيه المحاضر والسجلات قمطر، فإذا جمعها فيه ختمها بنفسه، أو قال لأمينه حتى يختمه وهو ينظر إليه، ولا يدعه يدخل يده فيه لئلا يطرح فيه شيئًا، فإذا ختمه أخذه منه ونظر فيه لئلا يختم بغير ختمه، ثم يأمر حتى يحمل إلى موضعه، فإذا كان اليوم الثاني دعا بالقمطر وأبصر الختم ثم فكه بنفسه، أو أمر أمينه به، ولا يزال يفعل ذلك حتى يتم الأسبوع، فإذا كان العمل كثيرًا أو قد استجمعت كتب كثيرة شدها [173/ ب] وعزلها وكتب عليها: كتبت أسبوع كذا، أو خصومة أسبوع كذا في شهر كذا من سنة كذا، فإذا مضت السنة جمعها كلها في موضع واحدٍ وشدها وكتب عليها: كتبت سنة كذا، أو خصومة سنة كذا، لتكون كتب كل سنةٍ وكل شهرٍ مفردة، فإذا احتاج إليه سهل طلبه والوصول إليه، فلا يذهب وقته ولا يتقاعد عن الاجتهاد في الأحكام.
وقال بعض أصحابنا: إذا كان السجل في الإقرار فلا يكتب فأقر به في مجلس حكمي؛ لأن الإقرار يصح من غير مجلس الحكم، وإذا كان بالبينة يكتب: وذلك في مجلس حكمه وقضائه؛ لأن البينة لا تُسمع إلا في مجلس الحكم، ويكتب الحاكم في محضر الإقرار علامته على رأسه الحمد لله رب العالمين ونحو ذلك، ويكتب في آخر المحضر عند سماع الشهادة: شهدا عندي بذلك، وفي أعلى المحضر علامته على ما ذكرنا.
وفي محضر التحليف يكتب: وذلك في مجلس الحكم؛ لأن الاستحلاف لا يكون إلا في مجلس الحكم، وكذلك في الحكم بالنكول ورد اليمين، وفي السجل بالحكم بالحق لا يحتاج أن يذكر محضرًا من المدعى عليه؛ لأن القضاء على الغائب جائز، فإذا أراد أن يذكره احتياطيًا قال بعد أن حضره فأساغ له الدعوى عليه.
وقال في "الحاوي" في هذا الفصل: اعلم أن القضاء هو الفصل لانقضاء التنازع، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] الآية، والذي يجب على القاضي في نظره ثلاثة أمورٍ: أحدها: فصل التنازع بين الخصوم.
والثاني: التوثقة فيما ثبت عنده من الحقوق.
والثالث: حفظ ما حصل عنده من الحجج والوثائق.
أما الأول فله حالتان: إحداهما: أن يكون الحكم فيه واضحًا فيعجل فصله في الوقت المألوف من زمان نظره، ولا يلزمه في الليل وأوقات [174/ أ] الاستراحة، ولا يجوز له مع المكنة أن يؤخره، فإن أخره أثم إلا أن يحلله الخصوم، فإن اتفق الخصمان على تأخيره لم يكن له تعجيله، وإن دعا أحدهما إلى التعجيل عجل.
والثانية: أن يكون الحكم فيه مشتبهًا فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون الاشتباه لاختلاط الدعوى فينبغي أن يأخذها بكشف المشتبه ولا يعجل في الفصل والأمر في كشفه موقوف عليهما، فإذا كشفاه فصل.
والثاني: أن يكون الاشتباك لإشكال الحكم على القاضي لاحتماله عنده، فينبغي أن يقف الحكم على اجتهاده فيه ومشاورته الفقهاء في وجه صوابه، ولا يعجل بفصله مع الاشتباه، وإذا بان اجتهاده لا يؤخره.
وأما الثاني: وهو التوثقة فلا يخلو ثبوت الحق عنده من أحد ثلاثة أضربٍ:
أحدها: أن يثبت بإقرار المدعى عليه، فإذا سأله أن يشهد على نفسه بما ثبت عنده يلزمه.
والثاني: أن يثبت باليمين مع النكول فيلزمه الإشهاد أيضًا، وإن سأل كتب المحضر فقد ذكرناه.
والثالث: أن يثبت بالبينة، فإن سأل الإشهاد فقد ذكرنا وجهين.
وأما الثالث: فقد ذكرنا كيف يحفظ المحاضر والسجلات.
مسألة: قَالَ: "وَلَا يَقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا مِمَّا وَجَدَ فِي دِيوَانِهِ إِلَّا مَا حَفِظَهُ".
الفصل
جملة هذا: أنه إذا تقدم اثنان إلى الحاكم وادعى أحدهما على الآخر حقًا فأنكر فادعى المدعي أن له حجة في ديوان القاضي، فالقاضي يخرج ذلك، فإن لم يذكره ولا شهد عنده به شهود ولكنه وجد عليه خطه وختمه لا يجوز له أن يحكم به، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد، وأحمد في رواية.
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يجوز له أن يحكم به وهو رواية أخرى عن أحمد،
وهذا لا يصح؛ لأن الحكم أقوى من الشهادة؛ [174/ ب] لأن الشاهد يخبر والحاكم يلزم، ثم لا يجوز للشاهد أن يشهد لوجود خطة إذا لم يكن ذاكرًا له فالحاكم أولى.
قالوا: إذا كان في قمطرة وتحت ختمه لا يحتمل إلا أن يكون صحيحًا، قلنا: يجوز أن يزور على خطه وختمه، والخط يشبه الخط.
وذكر القفال عن أبي يوسف: أن له أن يشهد على الخط أيضًا وفيه نظر.
فإن قيل: أليس قلتم إذا وجد بخط أبيه دينًا على رجل في دفتر حسابه له أن يدعيه ويحلف عليه فما الفرق؟ قلنا: قال أصحابنا: يراعى الاحتياط في الحكم والشهادة، فلا يحكم فيهما إلا بالعلم، وفي المعاملة يكفي عليه الظن، ولهذا يقبل خبر الواحد فيها وهذا ضعيف؛ لأن الحاكم يحكم بشهادة شاهدين ويمين المدعي عند الرد، وإن كان قبلنا ذلك.
والأولى أن يقال: إذا أمكنه الرجوع فيما حكم به إلى ذكر نفسه؛ لأنه فعل نفسه فروعي فيه ذلك، وأما ما كتبه أبوه فلا يمكن الرجوع فيه إلى اليقين، فيكفي فيه غلبة الظن، وكذلك إذا وجد الإنسان بخط نفسه حقًا على الرجل فلا يطالب به ولا يحلف عليه إلا أن ينفيه.
مسألة: قَال: "وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ شُهُودٌ أَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمٍ فَلَا يُبْطِلُهُ وَلَا يُحقُّهُ إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ".
اعلم أنه إذا ادعى رجل على رجلٍ حقًا عند الحاكم وادعى أنه أقر به عنده نظر، فإن كان له بينة تشهد أنه أقر له عنده حكم به عليه وإن لم يذكره؛ لأن البينة لو شهدت بإقراره مطلقًا في غير مجلس الحكم حكم بها فههنا أولى أن يحكم بها، وإن لم يكن له بينة فذكر الحاكم أنه أقر له به عنده فهل يحكم بعلمه؟ قولان على ما سنذكره، وإن ذكر المدعي أنه حكم له بالحق عليه حاكم غيره، فإن أقام بينةً [75/ أ] على ذلك ألزمه الحاكم الحق وأنفذ الحكم، وإن لم يكن له بينة وادعى على الحاكم والحاكم لا يعلم ذلك هل يحكم بعلمه؟ فعلى ما ذكرنا من القولين، وإن ادعى أنك أيها الحاكم حكمت لي عليه بهذا الحق نظر، فإن تذكره ألزمه إياه وإلا يكون هذا حكمًا بالعلم، وإنما هو إمضاء ما حكم به، وإن لم يذكره القاضي فشهد عنده شاهدان على حكمه لم تقبل الشهادة على فعل نفسه، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف.
وقال ابن أبي ليلى، ومحمد، وأحمد؛ يقبل؛ لأنهما لو شهدا عنده أن غيره حكم به يقبل، فكذلك إذا شهدا عنده بحكمه وجب أن يحكم لأنهما شهدا بحكم حاكم وهذا لا يصح؛ لأنه يمكنه الرجوع إلى الاحتياط والعلم في نفسه فلا يرجع إلى الظن، كالشاهد إذا نسي شهادته فشهد عنده شاهدان أنه شهد بذلك لم يكن له أن يشهد، ويخالف حكم غيره؛ لأنه لا يمكنه أن يرجع إلى العلم واليقين فيه، ولهذا نقول: من شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا يبني على الأقل؛ لأنه اليقين، ولا يعمل على قول المأمومين.
فإن قيل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في خبر ذي اليدين حين سلم
في صلاته من ركعتين؟ قلنا: عمل على يقينه ولكنه تذكر عند قولهما.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي رضي الله عنه: إلا أن الحاكم إذا لم يتذكر لا يجوز له أن يبطله، ولا يجوز له أن يحقه، ولكنه يتوقف عنه حتى لو رفع إلى حاكم آخر يمضيه وجوبًا.
فإن علم حاكم آخر أنه أنكره فلا ينبغي له أن يقبله، وأراد به أن الحاكم إذا لم يعلم وأنكر أن يكون حكم به ثم رفع إلى غيره لا يجوز له أن أن يمضيه؛ لأنه بالإنكار قد كذب الشاهدين اللذين يشهدان [175/ ب] بحكمه.
ومن أصحابنا من قال: إذا شهد عند الثاني شاهدان أن الأول توقف على الحكم لم يجز للثاني أن يحكم به؛ لأنه يمضي حكمه على حكم الأول، فهو فرع له، فإذا ثبت أن الأصل توقف فيه لم يجز للفرع أن ينفذ، كما لو شهد شهود الفرع عند الحاكم ثم قامت البينة أن شاهدي الأصل توقفا عن الشهادة لا يحكم بشهادة شهود الفرع، فأما إذا توقف نفذه الثاني، ولهذا قال الشافعي -رضي الله عنه-: الأول لا يبطله ولا يحقه حتى يجوز له من بعده تنفيذه، وهكذا ذكر القفال رحمه الله من غير شبهةٍ، وقيل: فيه وجهان.
وقال أبو بكر الأزدي: لا يحكم به الثاني؛ لأن توقفه أورث تهمةً وشبهةً، وهذا أيضًا غلط لما ذكرنا من النص.
وقال بعض أصحابنا: وهكذا رواية الإخبار لا تجوز عندنا بأن يرى سماعه في كتابٍ من كتب الحديث ما لم يحفظه على وجهه من يوم سمعه إلى يوم رواه.
وإن كان نسي فالآن يتذكر بالحديث على وجهٍ فيروى.
ومعنى قولنا: "يحفظ على الوجه" أي الألفاظ التي يختلف الحكم باختلافها، فأما إذا روى له إنك رويت لنا كذا عن فلانٍ، فإن له أن يروي ذلك، كما كان سهيل بن أبي صالح يقول: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عني عن أبي هريرة؛ لأنه كان يروي لربيعه حديثًا ثم نسيه، فرواه له ربيعة عن نفسه.
وفي الحقيقة لا فرق بين المسألتين لأن وزان هذا أن يقول الحاكم: قد شهد فلان عندي أني حكمت بكذا فلا يضر أن يقبل ويكتب السجل هكذا، وإنما لا يجوز أن يسمع مثل هذه الشهادة، ثم يقول: حكمت على فلان بكذا، أو يمضي الحكم الأول فيأخذ به الحق.
وقال بعض أصحابنا في [176/ أ] الأخبار: إن غاب عنه كتاب الحديث لا يجوز له أن يروي بحفظه لاحتمال أنه زيد فيه، وإن لم يغب عنه ذلك جاز أن يوريه بخطه وإن كان لا يتذكر بخلاف الشهادة؛ لأنه يشترط في الشهادة ويشدد فيها ما لا يشترط في الرواية ولا يشدد، ألا ترى أنه يقول: حدثنا فلان عن فلانٍ، ولو قال: حدثني فلان عن فلانٍ أنه يشهد لم يقبل.
[ق 2 أ]
باب ما يكون قذفًا وما لا يكون قذفًا
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَلَدًا فَقَالَ: لَيْسَ بِابْنِي فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ".
الفصل:
إذا أظهرت امرأة الرجل ولدًا فقالت: هذا ولدته وهو منك فقال: هذا الولد ليس مني أو ليس بابني لم يكن قاذفًا بهذا القول ولا نافيًا نسب الولد، لأنه يحتمل القذف وغيره فلم يكن صريحًا فيه، فرجع إليه فيه وقلنا له: ما أردت بذلك فإن قال: أردت به القذف فهو كما قال ابتداءً هذا لولد من زنا وليس مني وقد مضى حكمه، وإن قال: أردت أن لا يشبهني خُلقًا وخَلقًا نُظر، فإن صدقته المرأة لم يلزمه شيء، وإن كذبته وقالت: أردت القذف فالقول قول الزوج مع يمينه، فإن حلف سقطت دعواها، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين عليها، فإن حلفت حكم بأنه قاذف ولزمه الجد إلا أن يقيم البينة على أنها زنت أو يلاعن، وإن قال: أردت أن الولد من زوج آخر، فإن لم يعرف لها زوج قبله والولد لاحق به إلا أن ينفيه باللعان؛ لأنه اعترف بأن الولد منها فلحقه بالفراش، وإن عرف لها زوج قبله لا يخلو إما أن يعرف وقت الطلاق وقت انقضاء العدة وقت النكاح الثاني أو لا يعرف ذلك، فإن عرف ذلك فإن كان دون سنة أشهر من حين تزوج بها فالولد للأول، وإن كان لستة أشهر فصاعدًا فهو لاحق بالثاني إلا أن ينفيه باللعان، وإن لم يعرف ذلك وأشكل الأمر فلا يلحق به الولد، والقول قوله مع اليمين إلا أن يقيم البينة على أنها أتت به وهي زوجته لوقت يمكن أن يكون منه ويقبل فيه أربع نسوة [ق 2 ب] أو شاهدان أو شاهدٌ وامرأتان، فإذا قامت على ذلك لحق به إلا أن ينفيه باللعان وفي صفة يمينه وجهان:
أحدهما: يقول: والله ما هذا الولد مني.
والثاني: يقول: والله لقد ولدته لزمان يستحيل أن يكون مني.
والحلف على أنه من الزوج الأول بلا خلاف؛ لأن يمينه للنفي عنه لا للحوقه بغيره، فإن حلف كان منفيًا عنه باللعان، فإن نكل ردت على الزوجة ويمينها أن يحلف أن هذا الولد منه ما هو من غيره وجهًا واحدًا؛ لأنها في ذلك على يقين، فإذا حلفت لحق الزوج وله نفيه باللعان، وإن نكلت هل يوقف حتى يبلغ الولد فيحلف؟ وجهان بناءً على القولين في رد اليمين على