مسألة [1]: قال: لا يجوزُ إلا إقرارُ بالغٍ رشيدٍ.
الفصل
وهذا كما قال: الإقرار الإثبات، يقال: أقر فلان بكذا إذا أثبته، وقرَّ الشيء واستقر في ذمته، والاعتراف مثل الإقرار.
وقيل: حقيقة الإقرار الإخبار بحق عليه، وحقيقة الشهادة الإخبار بحق على غيره.
والأصل في الإقرار وتعلق الحق به الحكم به في الشريعة الكتاب والسنة الإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء:135] وشهادة المرء على نفسه هو الإقرار.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة:282] أي: فليقر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران:81] وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 102] وقوله تعالى: ﴿بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172].
وأما السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - في خبر العسيف " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" [2]. واعترفت فرجمها.
وروي "أن ماعز بن مالك أقر عند وسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالزنا فرجمه" [3]. وروي أن الغامدية أقرت بالزنا فرجمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأما الإجماع: لا خلاف بين المسلمين فيه [99 /ب] لأن الإقرار أقوى الحجج لأنه لا يتهم على نفسه فيما يقر والشاهد يتهم في الشهادة على غيره ويكفي في الإقرار واحد، ولا يكفي أقل من شاهدين في الشهادة فإذا ثبت الحق عليه بالشهادة فلأن يثبت بالإقرار أولى.
فإذا ثبت هذا فالكلام الآن فيمن يصح إقراره وفيمن لا يصح.
والناس ضربان: مكلف، وغير مكلف وأما غير المكلف فلا يصح إقراره بحالٍ وهو الصبي والمجنون وسواء كان الصبي مميزاً أو غير مميز، مأذوناً له بالإقرار أو غير مأذون له فيه، وسواء كان حقاً على البدن أو حقاً في المال.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يصح إقرار الصبي المميز إذا كان مأذوناً في التجارةء وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه".
واعلم أن المراهق لو أقر بالاحتلام أو أقرت المراهقة بالحيض قبل إقرارهما إذا
احتمل السن ذلك ولا يمين عليهما، ولا يقال: هذا إقرار غير بالغ بل هو إقرار بالغ.
وللمراهق في بعض المواضع عبارة مسموعة وإن كان مردودا ًفي الإقرار في حق يلزمه في ذمته ألا ترى أنه يحيى بين أبويه وهو ابن سبع سنين فيصح اختياره.
وقد قال بعض أصحابنا: يقبل انتسابه إلى أحد المتداعيين إذا استويا في الدعوة ولم يوجد قائف إذا بلغ هذا السن ولذلك اعتبر الشافعي عبارته في مسألة أخرى فقال: إذا كشف الإمام عما تحت إزار صبيان المشركين ليفصل بين المقاتلة والذرية كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بني قريظة فصادف صبياً منهم قد أنبت الشعر تحت ثيابه فقال: أيها الإمام إني لست بالغ فإني عالجت قبل أوان الإنبات حتى أنبت قبل قوله إذا احتمل ما يقول.
ولو أقر الصبي بالوصية فيه قولان مبنيان على صحة وصيته.
ثم إذا بلغ هل يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى؟ نُظر، فإن كان حقاً لزمه باختيار من له الحق كالقرض ونحوه لم يلزمه، وإن كان حقاً لزمه بغير اختيار من له الحق كالغصب وإتلاف المال يلزمه [100/أ] ذلك.
وأما المغلوب على عقله بجنون أو مرض، أي مرض كان سواء زال عقله بشيء أكله أد شربه للدواء أو بعارض لا يُدرى سببه أو أكره فأوجر الخمر مكرهاً فذهب عقله لا يجوز إقراره بكل حال.
فإن أفاق فأقر في حال صحته أنه فعل شيئاً في حال زوال عقله فإن كان حقاً على البدن كالقصاص ونحوه لا يلزمه ولولي المقتول أن يأخذ الأرش ويأخذ المسروق منه السرقة.
وكذلك البالغ لو أقر أنه صنع شيئاً من هذا في صغره وإن كان حقاً في المال فالحكم ما ذكرنا.
ولو أقر الخنثى المشكل قبل أن يبلغ خمس عشرة سنة كان باطلاً سواء احتلم من فرج النساء أو من ذكر الرجال ولا يجوز إقراره ما لم يبلغ خمس عشرة سنة نص عليه في الإقرار بالحكم الظاهر [1].
وأما المكلف فعلى ضربين: مكره، وغير مكره فإن كان مكرهاً كان إقراره ساقطاً بكل حالٍ، وإن لم يكن مكرهاً فعلى ضربين:
محجور عليه وغير محجور عليه، فإن لم يكن محجوراً عليه كان إقراره صحيحاً لازماً سواء كان حقاً على البدن أو في المال، وسواء كان طلاقاً أو عتقاً فالباب واحد، وإن كان محجوراً عليه فهو على ثلاثة أضرب محجور عليه لسفه ورق وفلسٍ، فإن كان لسفه نُظر فإن أقر بحق على البدن كالقطع والقتل والحد والتعزير استُوفي منه.
وإن كان حقاً في المال لم يلزمه في الحكم ولا يُستوفى منه بعد زوال الحجر.
وأما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان حقاً لزمه باختيار من له الحق لم يلزمه لأن صاحب الحق ضيع حق نفسه.
وان كان حقاً لزمه بغير اختيار من له الحق وهو الإتلاف لزمه فيما بينه وبين الله تعالى.
وان كان حقاً في المال يتعلق به حق على البدن وهو السرقة
لزمه القطع قولاً واحداً، وهل يغرم السرقة؟ قولان فإذا قلنا: لا يغرم ففك الحجر يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى دون الحكم.
وإن كان الحجر لرق فإن أقر بما يتعلق بالبدن لزمه، وإن كان بالمال لزمه في ذمته قولاً واحداً فإذا عتق استوفي منه في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى.
وان كان حقاً في مال يتعلق به حق على البدن مثل السرقة [100/ب] قطعناه وهل يتعلق الغرم برقبته فتباع فيه أم لا؟ وقد ذكرنا.
وإن كان هذا الإقرار منه بعد عتقه في حق لزمه في حال رقه فإن كان حقاً على البدن أقيم عليه حد العبيد، وإن كان في مال استوفي منه إن كان واحداً.
وإن كان بالسرقة قطعناه وغرمناه، وإن كان مأذونا فكذلك إلا إذا أقر بماله تعلق بمال التجارة كالبيع والشراء فيقبل قوله ويستوفى مما في يديه من مال التجارة، فإن عجز عن شيء كان في ذمته دون رقبته.
وإن كان الحجر للفلس فقد ذكرنا.
وأما قول الشافعي: "بالغ رشيد".
أراد بالرشيد العاقل لأنه ليس من شرط صحة الإقرار العدالة ويحتمل أنه أراد أن لا يكون سفيهاً محجوراً عليه حتى يصح إقراره بالمال فإذا تقرر هذا قال الشافعي بعد هذا: "ومن لم يجز بيعه لم يجز إقراره ".
فإن قيل: هذا لا يستقيم طرداً وعكساً لأن العبد المحجور عليه لا يجوز بيعه ويجوز إقراره بالقصاص ونحوه، والسفيه المحجور لا يجوز بيعه ويجوز إقراره بالقصاص والطلاق والنسب والاستيلاء، والأعمى لا يجوز بيعه ويجوز إقراره وكذلك السكران، قلنا: قال بعض أصحابنا: أراد الإقرار بالبيع خاصة يعني لم يجز إقراره بالبيع.
وقيل: أراد أنّه لا يجوز أكثر إقراره وقد يذكر الحد على معنى الأكثر الأغلب وقيل: أراد لم يجز إقراره بالمال وهذا مستقيم في السفيه والعبد، وأما الأعمى فيجوز بيع ما شاهده قبل العمى ويجوز سلمه وفي غيره قولان.
وقيل: كل نقص يمنح البيع يمنع الإقرار والأعمى لا يجوز بيعه لعام الرؤية لا لنقصه.
وأما السكران قال ابن أبي أحمد: يجوز إقراره، ولا يجوز بيعه كما ذكرتم، وبه قال ابن أبي هريرة لأن البيع يجمع ماله وما عليه فإذا لم يجز ماله لم يجز ما عليه لأن أحدهما لا ينفرد عن الآخر.
وقال في "الإفصاح ": بيع السكران يحتمل وجهين.
وقال القاضي الطبري: الصحيح عندي جواز بيعه لأنا نجري أفعاله مجرى أفعال الصاحي.
وقال في "الجامع": روى المزني عن الشافعي في ظهار السكران ما إذا صح كان بمنزلة المجنون في إقراره.
وقال الشافعي في موضع: "ولو شرب رجل خمراً أو نبيذاً مسكراً فأقر [101/أ] في حال سكره لزمه ما أقر به".
وقيل: أراد الشافعي: ومن لم يجز بيعه بحالٍ كالصبي والمجنون لم يجز إقراره في حالٍ من الأحوال.
وقيل المحجور عليه أربعة، والرابع المريض وحكم إقراره يأتي.
فرع
إقرار المرتد في بدنه لازم قبل الحجر وبعده.
وأما في ماله بعد الحجر ففي حجره وجهان أحدهما: يجري مجرى حجر المرض فعلى هذا عقوده لازمة وإقراره نافذ.
والثاني: يجري مجرى حجر السفه، فعلى هذا عقوده باطلة وفي إقراره وجهان.
وأما إقراره قبل الحجر فهل يصير محجوراً بنفس الردة؟ وجهان: أحدهما: يصير محجوراً بها وحكمه مضى، والثاني: لا يصير محجوراً إلا بالحاكم فيجوز إقراره بحكم ينفذ.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه لا يجوز إقرار المكره.
قال الشافعي [1]: والإكراه أن يصير الرجل في يدي من لا يقدر على الامتناع عنه من سلطانٍ أو لصَّ أو متغلبٍ على واحد من هؤلاء.
ويخاف المكره خوفاً عليه دلالة أنه إن امتنع من قبول ما أمر به يبلغ به الضرب المؤلم أو إتلاف نفسٍ، فإذا خاف هذا سقط عنه حكم ما أكره عليه.
ولو كان لا يقع في نفسه أنه يبلغ به شيء مما وصفت لم يسعه أن يفعل شيئاً ويلزمه حكمه.
ولو حبس فخاف الحبس، أو قيد فخاف طول القيد أو وعد فخاف أن يقع به الوعيد ببعض ما وصفت يسقط عنه ما أكره عليه، ولو فعل شيئاً له حكم ثم أقر بعد فعله أنه لم يخف أن يوفي له بوعيد ألزمته ما أحدث من إقرار وغيره.
قال [2]: ولو حبس أو قيد فقال: ظننت أني إن امتنعت مما اكرهت عليه لم ينلني حبس أكثر من ساعة أو لم ينلني عقوبة خفت أن لا يسقط عنه المأثم فيما فيه مأثم مما قال: فأما الحكم فيسقط عنه من قبل أن الذي به الكره كان ولم يكن على يقين من التخلص.
فرع آخر
لو اقل لرجل: أقررت لك بكذا وأنا مكره فالقول قوله مع يمينه، وعلى المقر له البينة أنه أقر له غير مكره.
فرع آخر
لو شهد شاهدان أن فلاناً أقر لفلانٍ وهو محبوس بكذا، أو عند سلطان بكذا فقال المشهود عليه: أقررت خوفاً من الحبس أو لإكراه السلطان فالقول قوله مع يمينه إلا أن تشهد البينة أنه أقر عند سلطان غير [101/ب] مكره ولا مخافة ولا محبوس بسبب من أقر له، نص على هذا كله في كتاب"الإقرار" [3] بالحكم الظاهر وهذا كما لو كان موكلاً به لأن شاهد الحال يدل على أنه مكره.
فرع آخر
قال: لو أقر لعبدٍ لزمه الإقرار وكان المال المقر به للسيد.
وقال في "الحاوي": إن قلنا: يملك بالتمليك صح، وإن قلنا: لا يملك وجهان، أحدهما: لا يصح كما لا يصح للبهيمة.
والثاني: وهو الأصح يصح لإمكان معاملته على ذمته.
وكذلك إذا أقر المجنون لزمه، وكذلك لو أقر مستأمنون ببلاد الحرب لأهل الحرب أو بعضهم لبعض غير مكرهين لزمتهم والحد أيضاً، كما ألزمهم في داو الإسلام.
فرع آخر
لو أقر لبعير الرجل أو لدابة له لم يلزمه الإقرار، وكذلك لو قال: عليّ بسبب هذا البعير لا يلزمه إلا أن يبين ما لزمه مثل أن يقول: بجنايتي عليها ونحو ذلك.
ولو قال: عليّ لسيدها بسببها كذا وكذا يلزمه ذلك.
فرع آخر
لو قال السيد: هذه الناقة عليّ بسبب ما في بطنها كذا وكذا لم ألزمه إياه لأنه لا يكون عليه بسبب ما في بطنها شيء أبداً.
فرع آخر
لو أقر لمسجد أو رباط وأطلق ففي صحته وجهان مخرَّجان من اختلاف قوليه في الإقرار للحمل مطلقاً.
والمذهب أنه يصح، لأنه قد يستحق صرف ذلك في عمارته من علة وقف عليه.
ولو فسر فقال: لمسجد بمالٍ من وصية أو لرباطٍ بمالٍ من وقفٍ عليه أو لماشيةٍ مسبلة بعلوفة من وصية أو صدقة فهذا صحيح وليس بتمليك، بل هو إقرار بجهات ينصرف المال إليها.
فرع آخر
لو أقر لضيعة أو كنيسةٍ بمال بطل الإقرار بكل حالٍ لأنه لا يصح الوقف على ذلك ولا الوصية له فلم يبق وجه الاستحقاق.
وقيل: يقال له: فَسَّر فإن قال: إن نصرانياً أوصى له به فإن كان حربياً كان فيئاً، وإن كان ذمياً رد على ورثته.
فرع آخر
قال والدي رحمه الله: لو قال: لهذا الميت عليّ مال ظاهر ما قال في "المختصر" يقتضي جوازه لأنه قال: ولو أقر للميت بشيء وقال: هذا ابنه وهذه امرأته قبل، واصل هذه المسألة إذا قال: كان لفلان عليّ كذا فهل هو إقرار؟ وجهان والظاهر أنه إقرار وتقدير إقراره للميت أنه كان له عليّ مال نفيه [102/أ] وجهان أيضاً.
ويمكن أن يقال: لا يصح لأن الإقرار ههنا ويفصل بينه ويبن ذلك بأن المقر له هناك في حال الإقرار ممن يثبت له الحق ابتداء فأمكن استصحاب الحكم الذي كان ثابتاً من قبل، وههنا المقولة على صفةٍ لا يثبت الحق له ني حال الإقرار فيتعذر فيه الاستصحاب، ومن قال بهذا حمل كلام الشافعي على أنه أراد به إذا أقر له إقراراً صحيحاً لا إذا أضاف ذلك إلى حال الممات.
مسألة [1]: قال: فإنْ قالَ الرَّجُلُ لفلانٍ: علي َّشيءٌ ثم جحدَ.
الفصل
وهذا كما قال: الإقرار ضربان: ابتداء الإقرار، وجواب عن دعوى، واعلم أن الدعوى لا تسمع إلا محررة معلومة إلا في الوصية خاصة فإنها تسمع مجهولة إذا قال: أوصى لي زيد بشيء من ماله ويرجع إلى بيان الورثة.
فإذا حرر الدعوى فقال: لي عليك ألف درهم، فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، وان أقر نظر، فإن بينها فلا كلام وإن أقر بمجهول فلا فرق أن يبتدئ بذلك أو يكون جواباً عن الدعوى فإذا قال له: عليّ شيء صح الإقرار ولزم، وإن كان مبهماً ويجب عليه تفسيره لأن من أبهم شيئاً وأجمله ثبت حكمه ويكون التفسير إليه كمجملات الكتاب والسنة، ويفارق الدعوى لأنها حق له والإقرار عليه فافترقا في الجهالة.
وأيضا إذا لم تصح دعوى للجهالة كان له داع يدعوه إلى تحريرها، وفي المقر لا نأمن الرجوع عن إقراره فيسقط حق المقر له فألزمناه مع الجهالة.
فإذا ثبت هذا لا يخلو إما أن يفسر، أو يمتنع من التفسير، فإن امتنع وقال: لا أفسره سألنا المدعي عن الذي أراد بالشيء فإن قال: أراد به الألف الذي ادعيت قلنا للمقر: قد ادعى عليك أنك أردت بالشيء الألف الذي ادعاه فما تقول؟ فإن قال: ما أردت ذلك وامتنع من التفسير قلنا له: إن فسرت وإلا جعلناك ناكلاً ورددنا اليمين على المدعي فيحلف أنه أراد بالشيء الألف ويقضى له به.
وإن امتنع المقر له من اليمين قلنا: انصرفا فلا حكم لكما عنانا.
فقال في "الحاوي" [2]: فيه قولان: أحدهما: ما ذكرنا وهو المنصوص.
والثاني: قاله في كتاب "الإقرار": يحبسه حتى يفر لأنه صار مقراً وبالامتناع عن التفسير كالمانع من حقَّ عليه فيحبس به.
وقال بعض [102/ب] أصحابنا بخراسان: يحلف عند نكوله أن له عليه ألف درهم ولا يحتاج إلى أن يقول: ولقد أراد بإقراره ألفاً إذ لو لم يكن إقرار وحصل نكول كان المدعي يحلف هكذا فالإقرار المجمل لا يريد المقر له شراً وهذا حسن.
وقال القاضي أبو عليّ البندنيجي رحمه الله: لا أعرف على قولنا مثل هذه اليمين فإنه يحلف على إرادة غيره بالمبهم وهو ضعيف وهذا خلاف النص، ويمكن التوصل إلى معرفته بقوله وبالإمارات الدالة عليه.
وان فسر الشيء لم يخل من أحد أمرين إما أن يفسره بمال، أو بما ليس بمال، فإن فسره بمالِ نُظر، فإن فسره بجنس الدعوى فقال: أردت بالشيء عشرة دراهم فإن صدقه المدعي في التفسير أخذه منه وكان على دعواه فيما بقي من الألف.
وإن قال: ما أراد بالشيء العشرة وإنما أراد به الألف قلنا له: قد ادعى عليك الألف، وادعى أنك أردت بالشيء الألف فله أن يستحلفك على الأمرين يميناً واحداً أنه لا يستحق محليك الألف ولا أردت بالشيء الألف، وما لم يجمع بين الأمرين لا
يقبل يمينه ولو قال: ما لك عليّ إلا درهم لكني أردت بإقراري ألف درهم لزمه الألف، فإن نكل عن اليمين يرد اليمين على ما ذكرنا.
هذا إذا فسر بجنس الدعوى، فإن فسره بغير جنسها مثل إن قال: أردت بالشيء ثوباً أو رجعنا إلى المدعي وفي الرجوع إليه ثلاث مسائل:
إحداها: إن قال: صدق في التفسير وذلك لي والألف لي أخذ ذلك وكان على دعواه في الألف.
والثانية: قال: صدق في التفسير وليس ذاك لي والألف لي لا يأخذ ذلك لأنه لا يدعيه وكان على دعواه في الألف.
والثالثة: لم يصدقه في التفسير بل قال: أردت بالشيء الألف، قلنا: هو يدعي عليك الألف والإقرار به فاحلف يميناً واحدة عليهما.
ولو قال: لا أدري ما أراد بقوله وليس لي ذلك حلف ما له عليه ما يدعيه فتكون اليمين على حسب الدعوى، وإن فسره بما ليس بمال وكان ابتداء الإقرار وفي ذلك الشيء منفعة كالكلب الذي يُعد للصيد، والحرث والماشية، وجلد الميتة.
والسرقين ونحو ذلك فيه وجهان:
أحدهما: يقبل منه وهو الصحيح لأن ذلك مما يحصل للناس فيه بغية صحيحة فيجب رده عليه ويصح [103/أ] أن يريده بإقراره.
والثاني: لا يقبل منه لأنه ليس بمال ويطالب بالتفسير ثانياً فإذا فسر بما هو مال قبل قليلاً كان أو كثيراً.
وجده ماله قيمة.
فرع
لو فسره بالخمر والخنزير لا يقبل لأنه ليس بمال ولا منفعة فيه وهذا اختيار القاضي الطبري والقفال.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان:
أحدهما: يكون تفسيراً لأنه قال في الإقرار بالحكم الظاهر: لو أقر أنه غصب منه شيئاً ثم فسره بكلب أو جلد ميتة لزمه تسليمه، وإن فسره بخمر أو خنزير أرقت الخمر وذبحت الخنزير.
والثاني: لا يكون تفسيراً لأن قوله: عليّ شيء إقرار بما تضمنه أو بما تصح الدعوى به وهذا مما لا تصح الدعوى عليه به لأنه لا يقر عليه فلا يقبل تفسيره به ويفارق هذا قوله: غصبت لأنه قد يغصب ما ليس بمال ولا منفعة فيه ولا تتوجه به الدعوى عليه.
ولو قال في مسألة الغصب: أردت أني غصبتك فحبستك ساعة لم يقبل منه لأن الحر لا يغصب فخرج هذا أن في مسألة الغصب يقبل وجهاً واحداً.
وفي الإقرار بالشيء وجهان فإذا قلنا: يقبل لا يجب التسليم إليه بل يراق الخمر ويقتل الخنزير.
ولو كان مما يقر عليه اليد وهو الكلب وجلد الميتة يلزمه التسليم، فإن هلك قبل التسليم لا ضمان عليه.
وقيل: إذا فسر الشيء بما ليس بمال فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يقبل لأنه
يمتد إليه اليد وإن كان خمراً.
والثاني: لا يقبل أصلاً.
والثالث: إن كان يقر عليه اليد يقبل وإلا فلا يقبل.
فرع آخر
لو فسره بما لا تثبت عليه اليد كقوله: أردت به جواب السلام أو جواب الكتاب أو الشمس أو القمر أو الريح أو النار لا يقبل منه.
فرع آخر
لو فسره بحد القذف هل يقبل؟ فيه وجهان: أحدهما: يقبل لأنه حق الأدمي.
والثاني: لا يقبل لأنه يؤول إلى مالٍ.
ذكره القاضي الطبري رحمه الله.
فرع آخر
لو فسره بقشر رمانة، أو قمع باذنجان لم يقبل منه فإن قيل: قشور الرمان مال فيجب أن يقبل منه.
قلنا: ذاك مما لا يتمول في العادة لأنه يُرمى به ويخالف [103/ب] هذا ذاك فإنه يتمول في العادة.
فرع آخر
لو فسره بجوزة واحدة يُقبل لأنه لا يُرمى به في العادة.
فرع آخر
لو فسره بحبة حنطة، أو حبة خردلة لا يقبل لأنه لا يطلق عليه اسم الشيء عادة، وقا قال القفال: لا يجوز أن يجعل هذا مهراً ولا ثمناً ولا ضماناً ولا أجرة.
وقال في "الحاوي" [1]: لو فسره بتمرة أو لقمة لا يقبل لأنه تافه حقير وإن كان اسم الشيء ينطلق عليه وهذا لأنه لا يستحق به مطالبة ولا يتوجه إليه إقرار لأمرين: أحدهما: ارتفاع اليد عنه.
والثاني: مساواة الجمع فيه وهذا غريب.
فرع آخر
لو فسره بالوديعة عنده يقبل، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يقبل تفسيره بغير المكيل والموزون لأن غير ذلك لا يثبت في الذمة، وهذا غلط لأنه مملوك يدخل تحت العقد كالمكيل.
وقيل: حد المقر به كل شيء جازت المطالبة به.
وقيل: حده كل شيء جاز الدعوى به وهو فيما يجوز الانتفاع به وهذا أصح لأنه حد لما يجوز المطالبة به ولما يجوز الإقرار به لأن كل شيء صح الإقرار به سمعت الدعوى فيه وما رد في أحدهما رد في الأخر.
فرع آخر
إذا لم يفسر الشيء عند سؤال الحاكم أعاد القول عليه ثانياً، فإن أبى أعاد عليه ثالثاً
وهل هو شرط أو استحباب؟ فيه وجهان: أحدهما: شرط لا يجوز الحكم قبله ليتحقق بالتكرار امتناعه من التفسير.
والثاني: أنه استحباب فإن حكم عليه قبل إعادة القول ثلاثاً أجزأه بعد إعلامه أنه يحكم عليه بعد امتناعه.
فرع آخر
قال: فإن لم يفسر حتى مات قام ورثته مقامه في التفسير ووقف جميع ماله حتى يفسروا وإنما يوقف الجميع لأنه ربما يأتي التفسير على جميعه.
فرع آخر
الشهادة على الإقرار بالمجهول تجوز لأنها شهادة على الإقرار به لا بالمجهول نفسه.
وإن شهدوا على نفس المجهول فقالوا: نشهد أن له عنده شيئاً أو مالا أو حقاً فيه وجهان: أحدهما: يصح وقيل: نص عليه الشافعي في كتاب "الرهن" فقال: لو ادعى الراهن أن المرتهن أقر بقبض شيء من الحق وأنكر المرتهن فقامت البينة به فالقول قول المرتهن [104/] في قدره.
والثاني: لا تصح لأن البينة ما يبين، وعندنا لا بين شيئاً فسقطت وهذا أظهر وتأويل النص أن البينة قامت على الإقرار به.
فرع آخر
اعلم أن حق الله تعالى، كحد الزنا، وحد شرب الخمر، لا يلزمه الإقرار به عليه بل هو مناوب إلى ستره والتوبة منه لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من أتى منكم من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله فإن من أبدلنا صفحته نُقم عليه حد الله" وأما حق الآدمي كالقصاص وحد القذف فعليه الإقرار به والتمكين من استيفائه.
وأما حق الله تعالى المالي كالزكاة والكفارة لا يلزمه الإقرار به بل عليه أداؤه من غير إقرار.
وأما حق الآدمي من العين والدين، والمنفعة والحق كالشفعة وغير ذلك فإن كان مستحقه عالماً به لزمه أداؤه من غير إقرار مما لم يقع فيه تناكر، وإن كان غير عالم به لزمه الأمران الإقرار والأداء.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: الإقرار لا يصح إلا شروط أربعة مُقرّ، ومُقِرّ له، ومقر به، وقد ذكرناها والرابع: المقر عنده وهو من يصير الحق به محفوظاً إما حاكم ملزم أو شاهد متحمل وليس للإقرار عد غير هذين تأثير، فإذ كان الإقرار عد حاكم فمن شرطه أن يكون بعد سماع الدعوى عليه فإن أقر عنده قبل سماع الدعوى وفي غير دعوى فيه وجهان:
أحدهما: يصح، حكاه ابن المنذر عن الشافعي.
والثاني: لا يصح وهو اختيار البصريين ويشبه أن يكون اختلافهم في هذا من اختلاف قولي الشافعي هل للحاكم أن يحكم بعلمه؟ فإن قلنا: يجوز ذلك فهذا يجوز وإن قلنا: لا يجوز ذلك لا يجوز هذا.
وإن كان الإقرار عند شاهدين فمن شرطه أن
يستر عنهما فيقول بعد الإقرار: اشهدا عليّ بذلك.
فإن لم يستر عنهما وأقر عندهما أو سمعاه يقر من غير قصد لهما ففي صحة تحملها وجواز شهادتهما عليه بذلك وجهان والمشهور أنه يجوز.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: الإقرار ضربان: مفسر، ومجمل، والمفسر ضربان: مستوفى، ومختصر فالمستوفى [104/ ب] يقول مائة دينار بصفتها والمقصر أن يقول: مائة دينار ولا يذكر صفتها.
والمجمل ضربان عام وخاص فالخاص قوله: على مال، والعام قوله علي شيء وقد شرحنا بعضها وتمام الشرح يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، فإذا تقرر هذا نرجع إلى بيان لفظ المختصر.
قال: إذا أقر بشيء ثم جحد أي جحد أن يكون المراد بالشيء هو الذي يزعمه المقر له.
وقوله: أقرر بما شئت مما يقع عليه اسم شيء يوهم أن التفسير إلى مراده ومشيئته وليس كذلك بل يلزمه أن يفسر إقراره بما علم أنه مراده عند إقراره بينه وبين ربه ولا يلزمه أن يفسره بجميع ما عليه له.
وقد يكون لرجل على رجل أنواع ديون فيقول: لفلان علي شيء ومراده ذكر بعضها أو ذكر كلها، فإن أراد ذكر بعضها عند الإقرار فليكن تفسيره على وفق الإقرار.
وإن أراد ذكر كلها فكذلك ينبغي أن يوافق التفسير اللفظ فصار تقدير كلام الشافعي كأنه قال: إذا جحد قيل له: أقرر بما شئت وأردت بإقرارك ومرادك لا على معنى الاختيار يوم تفسيرك.
مسألة 1: قال: وسواء قال: له علي مال أو مال كثير أو عظيم.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان علي مال يرجع في تفسيره إليه، فإن فسره بما يتمول قُبل سواء كان قليلاً أو كثيراً مثل قيراط من فضة أو باقة من بقل.
وإن فسره بغير المال لا يقبل قولاً واحداً ويخالف المسألة قبلها لأن حقيقة المال اسم لما يتمول فلا يقبل غيره.
وإن زاد على هذه صفة فقال: علي مال عظيم أو جليل أو خطير أو نفيس أو كبير أو كثير فحكمه حكم ما لو قال: علي مال ولم يزد عليه.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: مال كبير يلزمه عشرة دراهم.
ولو قال: مال عظيم لا نص فيه، وقياس قوله إنه يلزمه عشرة دراهم.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قال: مال عظيم يلزمه نصاب تجب فيه الزكاة من أي جنس كان.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: يلزمه مائتا درهم، قال أبو بكر الرازي: هذا [105/ أ] مذهب أبي حنيفة.
وربما يقولون: ما لا نص فيه لأبي حنيفة، فقوله فيه
قول أبي يوسف لأنه قال: ما لا نص فيه فقولي فيه قول أبي يوسف.
وذكر بعض أصحاب مالك أنه إذا قال: عليّ مال فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مثل قولنا.
والثاني: لا يقبل إلا أول نصابه من نصب الزكاة من أي مال كان.
والثالث: ما يستباح به البضع والقطع في السرقة وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينار.
ولو قال: مال عظيم فقد قال بعضهم: هو كما قال: عليّ مال.
ومنهم من قال: يلزمه زيادة على ذلك وان قلت.
ومنهم من قال: يلزمه قدر الدية.
وقال الليث بن سعد: يلزمه اثنان وسبعون درهما لأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: 25] وكانت غزواته وسراياه اثنتين وسبعين.
واحتج الشافعي لإبطال التقدير فقال: معلوم أن المسكين يرى الدرهم عظيما فإذا أقر فقال: لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بدرهم أو درهمين فلم تقبل تفسيره وألزمته عشرة دراهم أو مائتي درهم فقد ظلمته، وإذا أقر لخليفة فقال: لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بعشرة أو بمائتين فقبلت تفسيره فقد ظلمت المقر له إذ ليس عندك في ذلك أصل من كتاب أو سنة وليس عندك في ذلك إلا مجمل كلام الناس وعاداتهم، وعاداتهم مختلفة على حسب اختلافهم.
وربما يقرأ بعض أصحابنا: وليس عندك إلا مجمل كلام الناس بالجيم والصحيح غير هذا وهو ما فسرنا، فإن قيل: في حديث عبد الرحمن بن عوف لما مر بقوم يحلفوا بين الركن والمقام فقال: أعلى دم أو على عظيم من المال، لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام، فقال الشافعي: لا يحلف بين الركن والمقام في أقل من عشرين دينارا وحمل قوله: عظيم من المال على هذا المقدار وهذه مناقضة لأصله.
قلنا: الشافعي إنما حمل قوله على هذا المقدار لأن قصد عبد الرحمن بن عوف قد علم أنه لم يرد به جميع ما يقع عليه [105/ ب] اسم المال العظيم لأنه قرنه بالدم.
ولأنه أخرجه مخرج الإنكار عليهم في انتهاك حرمة ذلك المكان في الشيء اليسير فكان هذا دليلا من حاله على أنه قصد مقدارا من المال مخصوصا، ولو اقترن بقول المقر من الدليل ما يدل على قصده لم نحمله على إطلاقه.
وأما ما ذكر الليث ابن سعد فلا يصح لأنه وصف ذلك بالكثرة ولا يمنع ذلك من وقوع الاسم على ما دون ذلك ولأن الله تعالى قال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:41] ولم ينصرف إلى هذا العدد.
فرع
لو قال: علي مال عظيم جداً أو قال: عظيماً عظيماً أو قال: مال وافر أو مغني أو تافه أو قليل أو صغير أو قليل جداً أو قال: مال قليل كثير أو وسط أو كثير إلا مالاً قليلاً أو مال إلا مالاً أو مال كثير عظيم جزيل ثقيل مغني فالكل واحد فبأي قدر من المال فسره جاز.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: لو قال: عليً مال عظيم عظيم عظيم يلزمه ستمائة درهم وليس بمشهور.
فرع آخر
لو قال: عليّ دراهم كثيرة أو كبيرة أو عظيمة أو لا تحصى كثرةً، يلزمه ثلاثة دراهم ولا يقبل أقل من ذلك كما لو قال: عليّ دراهم.
وقال بعض المتقدمين من فقهاء البصرة والمتكلمين: يلزمه درهمان وأصل هذا أن عندهم أقل الجمع المطلق اثنان لأن الجمع مشتق من اجتماع الشيء مع الشيء.
وعندنا أقل الجمع ثلاثة لأن لفظ الواحد يسلم في التثنية ولا يسلم في الجمع فلم يجز أن يتفق العدد فيهما مع اختلاف صيغة اللفظ الموضوع لهما.
وأما ما ذكروا لا يصح لأنه مشتق من اجتماع الجماعة، كما أن التثنية مشتق من اجتماع الاثنين.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: دراهم كثيرة أو عظيمة يلزمه عشرة دراهم، وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه مائتا درهم.
ولو قال: دنانير كثيرة عند أبي حنيفة يلزم عشرة وعندهم يلزم عشرون.
ولو قال: حنطة عظيمة عند أبي حنيفة يقبل ما يسمى عظيما في العادة، وعندهما يلزمه خمسة أوسق.
ولو تنازعا في الإرادة فالقول قول المقر مع يمينه فإن نكل عن اليمين فحكمه على ما ذكرنا.
فرع آخر
قال: ولو أقر بمال عظيم وذكر [106 /أ] جنس المال فقال له: عليّ ذهب عظيم وغاب المقر فالمقر له بالخيار بين ثلاثة أشياء: بين أن يصبر حتى يقدم المقر فيكون الكلام معه، وبين أن يكتب له كتاب إلى حاكم البلد الذي هو فيه فيكون الكلام معه هناك، وبين أن يأخذ من جنس ما أقر له بما يقع عليه اسم مال، فإذا حضر المقر فإن اعترف لك بما أخذت وزيادة وإلا فالقول قوله ويسلم لك ما أخذت هكذا نص عليه.
فرع آخر
لو قال: له عليّ دريهمات لم يقبل أقل من ثلاثة عندنا.
فرع آخر
لو قال: عليّ ثلاثة يقبل إذا بينها من جنس أو أجناس.
وقال محمد: لا يقبل عند الإطلاق إلا من جنس واحد اعتباراً بالعرف.
وهذا خطأ لأنه لا اعتبار بالعرف والأصل براءة الذمة.
فرع آخر
قال: ولو قال: لفلان علي أكثر من مال فلان أو أكثر مما في يديه من المال وهو يعرف ماله أو ما في يديه أو لا يعرفه فسواء، وأسأله عن قوله فإن قال: أردت بقولي أكثر في الحل دون المقدار فإن ماله عليّ حلال وما في يد فلان حرام والحرام قليل أبداً، أو قال: أردت به أن الذي له في ذمتي أكثر بقاء، لأن العين يخشى هلاكها والذي في الذمة لا يخشى هلاكه، أو قال: أردت أن الذي له عليّ أكثر بركة قُبل قوله مع يمينه.
فرع آخر
قال: وإن قال: لفلان علي أكثر من عدد ما في يده من المال أو عدد ما في يد فلان من المال رجعنا إليه في عدد مال فلان فإن قال: ماله عشرة وأقررت بأحد عشر حلف ما أقر له بأكثر منه والقول قوله.
ولو أقام المقر له شهوداً أنه قد علم أن في يده ألف درهم ألزمه أكثر مما قال لأن الإقرار إخبار والشهادة إخبار والمال ينتقل هن حال إلى حال ليخرج عن يد فلان ويعلم هو بذلك دون الشهود فلا يلزمه إلا اليقين.
وكذلك لو قال الشهود: نشهد أن له ألف درهم فقال زيد عقيبه: عليّ لفلان أكثر مما له فالمرجع في تفسيره إليه وان اتصل بكلامهم لما ذكرنا.
فرع آخر
لو قال: علمت أن له ألف دينار وأقررت لك [106 /ب] بأكثر من عددها فلوساً أو حرزاً فالقول قوله مع يمينه، وهكذا لو قال: أقررت لك بأكثر من عددها حنطة أو غيرها.
فرع آخر
لو قال لرجل: لي ألف دينار فقال له: لك عندي أكثر مما لك لزمه ألف دينار ولا أكثر منه بل رجعنا إلى تفسيره.
فإن قال: زعم أن ماله ألف دينار وأنا أعلم أنه كاذب فيما يدعيه، بل ماله دينار واحد فالقول قوله، فإذا ثبت أن ماله دينار قلنا: قد قلت له عليك أكثر من ماله فإن قال: أردت أكثر بقاءً فالقول قوله فيحلف أن تفسيره ما أقر له بغلس أو جوزة.
وان قال: أردت أكثر عدداً كان المرجع في الأكثر إليه.
وان قال: قد علمت أن ماله ألف دينار وأقررت أكثر منه ذهباً لزمه أكثر من ألف دينار ذهباً.
فرع آخر
لو قال: لفلان عليّ مثل ما لزيد عليّ جنساً وقدراً وصفةً ثم قال: لزيد علي ألف درهم يكون مقراً للأول بألف درهم.
ولو قال: لزيد درهم فللأول درهم.
ولو قال: مثل ما لزيد علي وأطلق ثم قال: للأول درهم ولزيد ألف لا يلزمه للأول ألف لأن مثل لفظ مشترك يقتضي المثلية في الجنس ويحتمل في القدر ويحتمل في الصفة ويحتمل في نفس الوجوب.
ولو قال: مثل ما لزيد جنساَ حُمل على الجنس دون القدر.
وان قال قدراً حمل على القدر دون الجنس.
فرع آخر
لو قال: لزيد عليّ ألف إلا نصف ما لعمرو عليّ ثم قال: لعمرو علي ستمائة فلزيد سبعمائة.
ولو قال: لعمرو ألف إلا ثلث ما لزيد عليّ ثم أقر لزيد بتسعمائة يكون لعمرو سبعمائة.
فرع آخر
لو ابتدأ المدعي فقال: لي عليك مائة دينار فقال: لك عليّ أكثر منها ثم تبين درهماً
قُبل لما ذكرنا من الاحتمال.
ولو قال: أكثر منها عدداً يلزمه زيادة العدد من أي جنس كان.
ولو قال: أكثر منها جنساً وعدداً يلزمه أدنى زيادة على مائة دينار والله أعلم.
مسألة: قال 1: وإذا قال: لهُ علي ألفُ درهم ولم يسم الألف.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: له عليّ ألف فقد حصر العدد وأبهم المعدود، فإن نقص من العدد شيئاً لم يقبل منه ويقال له: فسر المعدود، فبأي شيء فسره من المال قبل دراهم أو دنانير أو تمر أو حب حنطة مع يمينه [107/ أ] فإن فسره بما ليس بمال كالكلام ونحوها فعلى ما ذكرنا من الاختلاف.
فإن كانت المسألة بحالها فعطف على ألف معلوماً فقال: ألف ودار أو ألف وثوب أو ألف ودينار أو ألف ودرهم فقد فسر العطف ويلزمه ذلك ويرجع في تفسير المعطوف عليه إليه كقوله: ألف ولم يعطف ولا يكون العطف تفسيراً للمعطوف عليه بحال.
وقال أبو حنيفة: إن كان العطف مما يكال أو يوزن أو يعد كان تفسيراً للمعطوف عليه، وإن كان غير ذلك كالعبيد والثياب لا يكون تفسيراً.
وقال أبو ثور رحمه الله: يكون تفسيراً بكل حال، وهذا غلط لأن العرب قد تعطف جنساً على جنس، وجنساً على غير جنس فتقول: رأيت زيداً وعمراً ورأيت رجلاً وحماراً فلم يكن تفسير العطف تفسيراً للمعطوف.
ولو قال: عليّ ألف وخمسون درهماً، أو مائة وثلاثة دراهم، أو مائة وخمسون درهماً أو قال: خمسة وعشرون درهماً اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يكون تفسيرا للمائة والألف والخمسة وهذا اختيار ابن خيران والإصطخري.
وقال أكثر أصحابنا: يكون تفسيراً للجميع فيلزمه دراهم كلها وهذا اختيار أبي إسحاق.
وقال أبو حامد: وهذا قول الشافعي والفرق أن قوله دراهم خالف ما قبله في الإعراب ولم يثبت به شيء فيفرد فكانت تفسيراً لما قبله وقوله: درهم ودرهمان موافق لما قبله في الإعراب ولزم به زيادة منفردة فلا يكون تفسيرا.
وقال القاضي الطبري: قال الشافعي في كتاب "الإقرار والمواهب" لو قال: عليّ ألف وكرٌّ حنطة والكُر: اثنا عشر وسقاً يرجع في تفسير الألف إليه وهذا يأتي على صحة قول ابن خيران والماسرجسي، قيل لأبي إسحاق: ما الفرق بينهما؟ فقال: إن قوله: ألف يحتمل المكيل والموزون والمعدود فإذا قال: وكرّ فلا يحتمل إلا الكيل، فإذا قال: حنطة فالظاهر أنه تفسير الكر لأنه أليق به فكان رجوعه إليه أولى من رجوعه إلى الألف المطلق وليس كذلك مسألتنا لأن الألف والخمسين في الاحتمال [107/ ب] واحد وليس لأحدهما على الآخر مزية.
ولو قال: ألف وكر فقد أبهم كلاهما فيقال: فسر الألف بما شئت مما يعد وفسر الكر بما شئت مما يكال.
وعلى هذا إذا قال: بعتك هذا الثوب بألف وثلاثة دراهم أو بخمسة وعشرين درهماً لا يصح البيع على قول
ابن خيران ويصح على قول أبي إسحاق.
فرع
لو قال: لفلان عليّ ثلاثة دراهم وألف لا يكون تفسيرا للألف بلا خلاف.
ولو قال: علي خمسة عشر درهماً كان تفسيرا للخمسة والعشرة بلا خلاف لأن هذين العددين مركبين وليس أحد العددين معطوف على الآخر.
فرع آخر
لو قال: عليّ ألف وأحد عشر درهماً فيه وجهان أحدهما: لا يكون تفسيراً كما لو قال: ألف وثلاثة دراهم.
والثاني: يكون تفسيرا لأنه عدد منصوب للتمييز والتمييز أخص بالصفات والنعوت.
ويصير تقدير هذا الكلام: له عليّ ألف وأحد عشر من الدراهم ويخالف العدد بلفظ الجمع كقوله: دراهم أو خمسة دراهم أو تسعة دراهم فلا يكون تفسيرا.
مسألة 1: قال: وإذا قال: له علي ألفُ إلا درهماً.
الفصل
وهذا كما قال: اعلم أن الاستثناء، في الجملة صحيح في الإقرار والطلاق والعتاق وغيرها والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ {30﴾ إِلاَّ إِبْلِيسَ} [الحجر: 30، 31] ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ﴾ [العنكبوت: 14].
ويجوز استثناء الأقل وإبقاء الأكثر، واستثناء الأكثر وإبقاء الأقل، واستثناء النصف من النصف وبه قال كافة العلماء.
وقال بعض أهل اللغة: لا يجوز أن يستثني من نصف الجملة، وبه قال ابن درستويه النحوي وهو مذهب أحمد رحمه الله، واحتج بأن الاستثناء تبع لباقي الجملة فلم يجز أن يكون أكثر منها وهذا غلط لأن الله تعالى قال عن إبليس (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿39﴾ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿40﴾ [الحجر: 39: 40] ثم قال بعد هذا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] فاستثنى الغاوين من العباد والعباد من [108/ أ] الغاوين ولا بد أن يكون أكثر من الآخر أو يكونا مثلين، وأي ذلك كان فقد استثنى.
ولأن الخارج بالاستثناء غير داخل في اللفظ ولا مراد به فاستوي حكم قليله وكثيره، وإن كان الاستثناء يرفع جميع ما تقدم لا يجوز مثل أن يقول: عليّ ألف إلا ألف.
ويجوز الاستثناء من جنس المستثنى منه ومن غير جنسه بكل حال وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: إن كان المستثنى مما يكال أو يوزن أو يباع عدداً كالطعام والدراهم والجوز صح الاستثناء، وإن كان غير ذلك من الثياب والعبيد لا يجوز.
وقال محمد وزفر: يسقط الاستثناء بكل حال ويلزمه الألف.
وهذا غلط لأن لهذا الاستثناء وجهاً صحيحاً في الكلام فإنه إذا قال: عليّ ألفٌ إلا عبداً معناه إلا قيمة عبدٍ، ولو صرح بهذا كان صحيحاً فجاز أيضاً حمل الكلام عليه.
ولأنه لا يختلف أهل اللغة في صحة استثناء الجنس من الجنس ولكن اختلفوا في إعرابه فبعضهم نصبه، وبعضهم رفعه، فال ذلك على جوازه.
وقد قال النابغة 1 [من البحر البسيط]:
وقفت فيها أصيلاناً أسائلها عَيت جواباً وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأياماً أبينها والنوى كالحوض بالمظلومة الجلد
وقال أيضاً:
وبلدةٍ ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
واليعافير: ذكور الظباء، والعيس: الجمال البيض، والأواريّ: المعالف.
وقيل: يجوز الاستثناء من غير جنسه في الإقرار وهل يجوز في غير الإقرار؟ وجهان لأنه قد يصح أن يؤخذ في الحقوق المقر بها غير الجنس بدلاً عنها ويتعذر وجود مثله في غير الإقرار.
فرع
ألفاظ الاستثناء إلا وغير وخلا وما خلا وحاشا.
ولو قال: عليّ ألف واستثنى مائة أو أحط مائة فيه وجهان: أحدهما: يكون استثناءً صحيحاً لأنه قد صرح بحكمه فأغنى عن لفظه.
والثاني: لا يصح لأنه واعد بالاستثناء إذا قال: استثنى وحاط بغير استثناء إذا قال: أحط.
فرع آخر
إذا قال: لفلان ألفاً إلا درهماً نقول له: فسر الألف الذي أبهمته.
فإن قال: أردت به ألف جوزة [108/ ب] أو ألف لوزة أو ألف باذنجانة نُظر فإن كان إذا استثنى منه مقدار الدرهم يبقى من الألف شيء صح الإقرار، وان لم يبق شيء لا يصح هذا التفسير.
فرع آخر
إذا لم يصح التفسير هل يجب هذا الألف كاملاً أو يطالب بتفسير.
بألفٍ، يصح منه استثناء الدرهم؟ قال صاحب "الإفصاح ": فيه وجهان: أحدهما: أن الألف الذي فسره به يلزمه كله كما لو قال: له عليّ ألف درهم إلا ألف درهم بطل الاستثناء ولزمه جميع
الألف فكذلك ههنا، والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق لا يصح هذا التفسير ويقال له: فسره بألفٍ يمكن أن يستثنى به بمقدار درهم لأن الإقرار بالألف والاستثناء قد صح فلا يجوز إبطال الاستثناء، وليس كذلك إذا قال: له ألف درهم إلا ألف درهم فإن الاستثناء لم يصح فألزمناه ما أقر به.
والأول أصح لأنه لما فسره بالألف الذي لا يمكن أن يستثنى منه الدرهم وأخبر أنه أراد بالألف المطلق تبينا أن استثناؤه كان باطلا.
ولأنا إنما نطالبه بنفسه ما أراده بالألف المطلق ولا نجعله إلى اختياره، وإذا كان كذلك لم يكن لأمرنا إياه بتفسير آخر معنى وهو اختيار ابن أبي هريرة فإن امتنع من بيانه هل يجعل كالناكل أو يحبس؟ ذكرنا وجهين.
فرع آخر
لو استثنى مجهولاً من معلوم مثل أن يقول: له عليَ ألف درهم إلا ثوبا صح ذلك.
وكذلك إذا قال: إلا عبداً لأنه يحتمل أن يكون أتلف عليه ثوباً أو عبداً فيكون قيمته مستثناه من الألف فيقال له: بيّن قيمته فإن بينه بما يبقى بعد القيمة من الألف شي، قُبل منه ولا يصير الألف عبيداً خلافاً لمحمد رحمه اللهء وعند أبي حنيفة إذا قال: عليّ ألف إلا درهماً يصير الألف كلها دراهم لاستثناء الدرهم منها ووافقنا إذا قال: إلا عبداً.
فرع آخر
لو قال: علي ألف إلا خمسين درهما كان الدرهم تفسيراً للخمسين المستثناه دون الألف بخلاف ما لو قال: ألف وخمسون درهماً لأن هاهنا عطف جملةٍ على جملةٍ، فإذا أتى بالتفسير كان تفسيرا لهما، وإذا قال: إلا خمسين هو استثناء وليس بعطف فلم يكن الدرهم تفسيراً [109/ أ] بل كان تفسيراً للاستثناء فحسب والحكم على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو كان الاستثناء مجهولاً والمستثنى منه مجهولاً أيضا مثل إن قال: عليّ ألف إلا شيئاً يرجع في تفسيرهما إليه ويحتاج أن يبين بما يبقى شيء وإن قل.
ولو قال: عليّ ألف درهم إلا شيء يرجع في تفسير الشيء إليه والحكم ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: عليّ ألف درهم إلا شيء ينبغي أن يفسر الشيء بأقل من نصف الألف، فأما بأكثره فلا يقبل.
فإن قال قائلٌ: كيف نقبل منه التفسير المنفصل عن اللفظ في هذه المسألة ونظائرها؟ وقلتم اتصال الاستثناء شرط.
قلنا: ليس أمل الاستثناء كالتفسير لأن الاستثناء لفظ ظاهره الإسقاط فإذا اتصل جعل منعاً لابتداء الوجوب إذ الكلام بآخرهء وإذا انفصل تمحض ابتداء إسقاط فكان مردودا.
فأما اللفظ المجمل فيجوز أن يتراخى تفسيره عن وقت وروده كألفاظ الشريعة.
وعلى هذا قال أصحابنا: لو فسر المجمل تفسيراً غير مقبول فأراد أن يستأنف تفسيراً آخر كان ممكناً منه، ولو وصل بالأمل استثناء يرفع الجميع ثم أردنا لما بطل استثناؤه أن يستثنى مرة أخرى لم يمكّن منه.
فرع آخر
لو قال: عليّ ألف درهم ومائة دينار إلا خمسين، فإن أراد بالخمسين المستثناه جنساً غير الدراهم والدنانير يقبل، وان أراد أحد الجنسين من الدراهم أو الدنانير أو هما قبل أيضا.
وان فات بيانه قال أبو حنيفة: يعود إلى ما يليه، وعندنا يعود الاستثناء إليهما لأنه يحتمل ذلك والأصل براءة الذمة.
فرع آخر
إذا ثبت أنه يعود إليهما فيه وجهان أحدهما: إلى كل واحد منهما جميع الاستثناء فيستثنى من ألف درهم خمسون درهما ومن مائة دينار خمسون ديناراً وهو الأصح.
والثاني: يعود إليهما نصفين فيستثني من الدراهم خمسة وعشرون درهماً ومن الدنانير خمسة وعشرون دينارا.
فرع آخر
إذا استثنى عددين أحدهما معطوف محلى الآخر بحرف من حروف العطف فإن الاستثناءين جميعاً [109 /ب] يرجعان إلى المستثنى الأول مثل أن يقول: لفلان عليّ عشرة دراهم إلا درهمين وإلا ثلاثة دراهم فيلزمه خمسة دراهم.
فرع آخر
لو استثنى عددين ولم يكن أحدهما معطوفاً على الآخر بحرف من حروف العطف فإن الاستثناء الثاني يرجع إلى الاستثناء الذي تقدمه مثل أن يقول: لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهمين فيلزمه تسعة دراهم لأنه استثنى من الثلاثة درهمين فبقي درهم واحد وهو استثناء من العشرةء والأصل في جواز الاستثناء من الاستثناء قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ {58﴾ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿59﴾ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا} [الحجر 57 _ 160] الآية ومن أهل اللغة من ينكر ذلك ويقول: العامل في الاستثناء الفعل الأول بتقوية حرف الاستثناء، والعامل الواحد لا يعمل في معمولين ونقول في الآية: إن الاستثناء الثاني من قوله تعالى: (أَجْمَعِينَ) وعنده يجوز ذلك ويترك العامل.
فرع آخر
لو قال: لفلان عليّ درهم ونصف درهم إلا نصف درهم فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه درهم ونصف ويكون الاستثناء باطلاً لأن الدرهم جملة والنصف جملة أخرى لأن أحدهما معطوف على الآخر والجملة الأولى قد استقر من غير الاستثناء لأنه إذا تخلل بين الاستثناء وبين المستثنى منه كلام استقر ولم يجز أن يرجع الاستثناء إليه، فإذا كان كذلك وجب أن يرجع إلى النصف الذي يليه وإذا رجع إليه رفع الكل، وإذا كان الاستثناء يرفع جميع المستثنى منه كان الاستثناء باطلاً.
والثاني: يجب درهم واحد لأن الكلام إنما يستقر بالسكت عليه، أو العدول إلى
كلام لا يتعلق بالإقرار ولم يوجد ههنا واحد منهما فوجب أن يكون الاستثناء راجعاً إلى الجميع.
وأيضا فإن من أصل الشافعي أن الاستثناء يرجع إلى جميع ما تقام ذكره فيكون الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة [110/ أ] وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاستثناء صحيحاً.
وهكذا لو قال: إلا دوهم فيه وجهان: أحدهما: يلزمه درهم ونصف، والثاني: يلزمه نصف دوهم وهكذا لو قال: لفلان عليّ درهم ودرهم إلا درهماً فهو على الوجهين أحدهما: لا يصح الاستثناء ويلزمه درهمان وهو المذهب لأن الشافعي نص في باب إباحة الطلاق على أنه لو قال: أنتِ طالق طلقة وطلقة يقع طلقتان لأن الواو وإن كان يعطف إلا أنه لا يخرج الكلام من أن يكون جملتين والاستثناء يتعقب أحدهما ويرفع جميعه فلم يجز.
والثاني: يلزمه درهم واحد في الطلاق يقع طلقة واحدة.
فرع آخر
لو قال: علي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة قال الماسرجسي فيه وجهان: أحدهما: يلزمه سبعة لأن الاستثناء الثاني غير صحيح لأنه رفع جميع الاستثناء الأول.
والثاني: عليه ثلاثة دراهم فإن الثاني إذا لم يصح رجوعه إلى الاستثناء رجع إلى المستثنى منه فكأنه استثنى من العشرة سبعةء وقد تعطف العرب من غير حرف العطف قال الأخفش: تقول العرب: أكلت خبزاً زيتاً تمراً يريد به خبزاً وزيتا وتمراً.
وقال بعض الشعراء 1:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما يزرع الود في فؤاد الصديق
وعلى هذا إذا قال: عليّ عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا ثلاثة فهو على هذين الوجهين قلت: ويحتمل وجهاً آخر يلزمه عشرة، لأنه أثبت في الأخر ما نفى وزيادة فيثبت المنفي وتكون جملة المثبت عشرة والله أعلم.
وعلى هذا لو قال: لفلان علي عشرة دراهم إلا عشرة إلا ثمانية فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يلزمه عشرة لأن الاستثناء الأول لم يصح، والاستثناء الثاني يرجع إلى الاستثناء الأول فإذا لم يصح الأول لم يصح الثاني.
والثاني: يلزمه ثمانية دراهم وهو الأقيس لأن الاستثناء الأول إنما يسقط إذا سكت عليه وإذا لم يسكت يستعمل [110/ ب] الكل والأول إثبات وقوله: إلا عشرة نفي.
وقوله: إلا ثمانية إثبات فلزم إسقاط العشرة من ثمانية عشر يبقى ثمانية.
والثالث: يلزمه درهمان فيبطل الاستثناء الأول، ويبقى الثاني فكأنه قال: عليّ عشرة إلا ثمانية وهكذا لو قال: عليّ ألف درهم إلا ألف درهم إلا مائة درهم كان على هذه الأوجه
الثلاثة أحدها: يلزمه ألف، والثاني: يلزمه تسعمائة، والثالث: يلزمه مائة وهكذا في الطلاق إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين.
فرع آخر
لو قال: لفلان علي عشرة، إلا ستة إلا أربعة إلا درهمين إلا درهماً يلزمه سبعة دراهم فإن كل استثناء يرجع إلى الاستثناء الذي يليه فيكون ستة إلا أربعة درهمين، ثم استثنى درهمين إلا درهم وذلك درهم فيكون الجميع ثلاثة فكأنه استثنى من العشرة فيكون المقر به سبعة دراهم.
وإن شئت قلت: الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات فكأنه قال: عليّ عشرة تلزمني إلا ستة لا تلزمني فيكون أربعة ثم قال: إلا أربعة يعني أربعة تلزمني إلا درهمين لا يلزمني فيكون درهمين فيكون ستة ثم قال: إلا درهماً يلزمني فيكون سبعة.
وعلى هذا لو قال: عليّ عشرة إلا ثمانية إلا ستة إلا أربعة إلا درهمين إلا درهماً يلزمه خمسة دراهم فيكون ثمانية إلا ستة درهمين وأربعة إلا درهمين تكونن درهمين ودرهم بعده يكون جميع الاستثناء خمسة فيكون قد استثنى من العشرة خمسة فيلزمه خمسة دراهم.
وان شئت قلت: معاً عشرة يلزمني إلا ثمانية لا يلزمني فيكون درهمين ثم قال: ستة يلزمني إلا أربعة لا يلزمني فيكون درهمين ثم قال: درهم يلزمني فيكون المقر به خمسة دراهم.
وعلى هذا لو قال: عليّ ألف إلا ثماني مائة إلا أربعمائة إلا مائتين إلا مائة تلزمه خمسمائة على ما بيناه.
فرع آخر
لو قال في الطلاق: أنت طالق خمساً إلا ثلاثاً.
قال ابن أبي هريرة: يقع ثلاثاً لأن إيقاع الخمس لا يصح فالصحيح من الخمس ثلاث، فإذا استثنى من الثلاث ثلاثاً لم يصح [111 /أ].
وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار القافي الطبري يقع تطليقتان لأن خمساً إلا ثلاثاً عبارة عن الاثنين فكأنه قال: أنت طالق تطليقتين.
وعلى هذا لو قال: أنت طالق خمساً إلا تطليقتين يقع طلقة على الوجه الأول وعلى الوجه الثاني يقع ثلاثاً.
فرع آخر
لو قال: هذا الخاتم لفلان وفصه لي كان الاستثناء صحيحا، كما لو قال: هذا الخاتم إلا فصه لفلان.
وكذلك لو قال: هذا الدار لفلان وهذا البيت لي أو إلا هذا البيت فالكل واحد.
وان فصّل الكلام كان إقراراً بجميع الدار وبجميع الخاتم مع البيت والفصّ.
فرع آخر
لو قال: هذا العبد له إلا رأسه لم يكن استثناء، لأنه لا ينفصل.
فرع آخر
لو قال: غصبته عبداً إلا رأسه أو إلا يده فيه وجهان أصحهما: يكون غاصباً لجميعه
لا لحالة ما استثناه.
والثاني: أنه يكون مقراً بجزء منه يرجع في بيانه إليه.
فرع آخر
لو قال: عليّ درهم ينقص دانقاً كان كقوله إلا دانقاً.
فرع آخر
لو قال: غصبتك أو غصبتك ما تعلم لم يلزمه به ويقال: فسر فإن قال: أردت غصبتك نفسك وأدخلتك البيت أو المسجد فالقول قوله نص عليه في الإقرار بالحكم الظاهر وهكذا لو قال: غصبتك أو غصبتك مراراً كثيرة.
فرع آخر
لو قال: غصبتك شيئاً يرجع في تفسيره إليه كما لو قال: غصبت منك شيئاً.
ولو قال ههنا أردت غصبتك نفسك لم يقبل لأن قوله: غصبتك شيئا فالشيء غير نفسه.
فرع آخر
لو قال: غصبتك هذا العبد أو هذه الجارية فهو كما لو قال: غصبتك أحد هذين العبدين فيلزمه الإقرار وعليه التعيين، فإن عين أحدهما وصدّقه المقر له أخذه وانصرف، وان كذبه نُظر فإن قال: بل الآخر لي فالقول قول المقر مع يمينه يحلف ويسقط حق المدعي ويقال له: قد أقر لك بالأول فإن قبلته وإلا فذاك إليك.
ثم هل يقر في يده أو يرده الحاكم إلى يد نفسه؟ وجهان وقد ذكرنا من قبل نظيره.
فإن كانت بحالها فعين له العبد فقال له المقر: بل العبد والجارية كلاهما لي فالقول قول المقر [111/ ب] مع يمينه.
فإن كانت بحالها فقال: لا أعين قلنا: للمقر له عين أيهما شئت فاحلف أنه لك وحده فإن قال المدعي: هما معاً لي ولا أعين شيئاً والمقر لا يعين شيئاً وأنا أحلف عليهما وأستحقهما قلنا للمقر له: قد ادعاهما وقد نكلت عن التعيين فإن عينت وحلفت وإلا جعلناك ناكلاً وحلف المقر له عليهما واستحق.
وان ماتا في يديه أو أحدهما فالقول في ذلك كالقول فيهما وهما حيان.
وإن امتنع كل واحدٍ منهما من اليمين وسأل المقر له وقفهما حتى يعين الغاصب أحدهما لقلنا.
فإن أقر الغاصب بأحدهما ثم ادعى المقر له أنه حدث بالعبد عيب عناه فقال الغاصب: بل كان العيب به حين الغصب فإن كان عيبا لا يمكن حدوثه عند الغاصب فالقول قوله بلا يمين، وان كان عيباً يمكن حدوثه عند كل واحد منهما فالقول قول الغاصب مع يمينه.
وان كان عيباً لا يمكن حدوثه عند المغصوب منه فالقول قول المقر له.
مسألة: قال 1: وان أقر بثوبٍ في منديل أو تمرٍ في جرابٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أقر بشيء في ظرفٍ أو وعاءٍ كان إقراراً بالشيء دون الظرف
والوعاء فإذا قال: ثوب في منديل أو دهن في قارورة أو حنطة في مكيال أو ثوب في جراب أو تمر في جراب أو زيت في وعاء أو ماء في جرة لا تلزم الأوعية في هذه المسائل، قال الشافعي: وأصل ما أقول في هذا إني ألزم الناس أبداً اليقين وأطرح الشك ولا أستعمل عليهم الأغلب، وبه قال مالك رحمه الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قال: غصبت منه ثوبا في منديل كان غاصباً لهما لأن الظاهر أنه ظرفه في حال الغصب ووافقنا إذا قال له: عندي ثوب في منديل أنه لا يدخل المنديل فيه فنقيس عليه.
قال بعض فقهاء المدينة: إن كان المقر به ذائباً مثل إن قال: عليً زيت في دبّة دخل الظرف في الإقرار فإن كان جامدا لم يدخل.
وعلى هذا لو قال: غصبتك حنطة في أرض أو من أرض أو زيتاً في حُب أو من حُب أو بعيراً في مرعى أو من مرعى أو عبداً في غنم [112/ أ] أو في إبل أو عبداً من غنم أو من إبل أو حنطة في سفينة أو في غرارة لم يدخل الوعاء في الغصب، وهكذا لو قال: ثياباً في عيبةٍ أو فصاً في خاتم أو خاتماً في فصًّ أو سيفاً في حمالة أو حمالة في سيف لأن كل هذا قد يتميز من صاحبه فينتزع الفص من الخاتم والخاتم من الفص.
وهكذا لو قال: غصبتك زيتاً في زقٍ أو عسلاً في عكةٍ أو شهداً في جونة أو جرة فيها زيتُ أو قفصاً فيه طير أو عكة فيها سمن كان غاصباً للجرة دون الزيت والقفص دون الطير، والعكة دون السمن ولا يكون غاصباً لهما معاً إلا أن يبين فيقول: غصبتك عكة وسمنا وجرةً وزيتا فيكون غاصباً للشيئين والقول قوله في أي سمن أقر به وفي أي عكة أقر بها.
وهكذا لو قال: غصبتك عكة وسمنها أو جرة وزيتها.
أو غصبتك عكة بسمنها أو جرة بزيتها.
وكذلك لو قال: غصبتك داراً بقماشها أو سفينة بطعامها كان إقراراً بهما لأن البناء يعلق الثاني على الأول.
فرع
لو قال: غصبتك حمارا عليه سرج، أو حماراً مسرجاً كان غاصباً للحمار دون السرج، وكذلك لو قال: له عندي دابة مسرّجة.
ولو قال: دابة مع سرجها أو بسرجها كان إقرارا بهما.
وذكر ابن أبي أحمد في "التلخيص" أنه لو قال: لفلان عندي فرس عليه سرج لم يدخل السرج في الإقرار، وقد ذكرناه نصا في الحمار، ثم قال: ولو قال: لفلان عندي عبد عليه عمامة أو ثوب أو منطقة كان ذلك للمقر له، قلته تحرجاً، والفرق بينهما أن يد العبد يد مولاه فإذا أقر أن عليه عمامة فإن العمامة يجب أن تكون في يد مولاه الذي أقر له به فلا تسمع دعواه أن العمامة له إلا ببينة، وليس كذلك الفرس لأنه لا بدل له، وإنما الذي عليه من السرج يكون في يد من هو في يده وهذا يقتضي فرقا لا من جهة الإقرار، والعمامة غير داخلة في الإقرار كالسرج وإنما يثبت له من جهة يد العبد ولا يد للفرس، ومن أصحابنا من خالفه فيه وقال: هذا لا يصح على أصل الشافعي وإنما يجب عليه [112/ ب] تسليم العبد فقط وتكون العمامة للمقر كالسرج وهو اختيار القفال وجماعةٍ، وهذا لأن العبد لا يد له على نفسه ولا على ما
هو لابسه وممسكه ولهذا لا يقبل توله: إني عبد لغير من هو في يده وهذا هو الصحيح عندي: وعلى هذا إذا قال: له عدي عبد على دابة يجب أن يكون على هذين الوجهين.
وعلى ما ذكرنا لو قال: غصبتك عيبة فيها ثياب كان غاصباً للعيبة دون الثياب.
فرع آخر
لو قال: له عندي رأس عبدٍ كان إقراراً بجميع العبد لأن رأس العبد لا ينفصل عنه.
فرع آخر
لو قال: له عندي ثوب مطرز، فإن كان الطراز منسوجاً معه دخل في الإقرار لأنه بعض الثوب، وإن كان مركباً عليه ففي دخوله في الإقرار وجهان: أحدهما: يدخل لاتصاله، والثاني: لا يدخل لتميزه واحتماله.
مسألة 1: قال: ولو قالَ: لهٌ قبلي كذا ثمّ اقرَّ بما شاءَ واخذ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان قبلي كذا فذلك إقرار ملزم كما لو قال: عندي أو لفلان عليّ لأن لفظ قبلي ولفظ عندي متقاربان في معهود كلام العرب وفيه ثلاثة فصول يقول عليّ كذا.
ويقول كذا وكذا.
أو يقول: كذا وكذا وكل واحدٍ منها على ضربين، مطلق ومفسر.
أما الأول: وهو قوله كذا ولم يفسر كان كقوله: عليّ شيء.
وان قيد فقال: كذا درهم بالرفع أو بالخفض أو بالنصب يلزمه درهم فإن الإعراب لا يغير حكمه.
والرفع أن يقول: درهمُ والخفض أن يقول درهمٍ، والنصب أن يقول: درهماً.
وقال في "الحاوي" 2:لا خلاف في هذا بين الفقهاء وان كان على مقتضى الإعراب عند الخفض يتناول مائة درهم لأنه أول عددٍ يكون تمييزه محفوظاً بالإضافة لأن الفقهاء يجعلون قوله: درهماً أو درهم تفسيراً لجنسه وقوله كذا يتناول من الأعداد واحداً.
وقال القاضي الطبري: لو قال: درهم بالرفع لزمه درهم واحد ويكون تقديره شيء هو درهمٌ، وان قال درهم بالخفض لزمه بعض درهم حسب ما يفسرهء ويكون كذا كناية عن جزءٍ من الدرهم مضافٍ [113/ أ] إليه لأن كذا اسم مبهم بمعنى شيء فصح أن يفسر بجزءٍ من درهم ولو قال: درهما لزمه درهم ويكون منصوباً على تفسيره.
وقال بعض النحويين: إنه منصوب على القطع فكأنه قطع ما ابتدأ به وأقر بدرهم وعلى هذا مذهب نحاة الكوفة، وهذا اختيار كثير من أصحابنا وهو قول ابن أبي أحمد في تصنيفه.
ولو قال: كذا درهم ووقف بغير إعراب قال بعض أصحابنا: فيه وجهان فعلى ما ذكره القاضي الطبري يلزمه بعض درهمٍ لأن المجرور يوقف عليه ساكنا كما
يوقف على المرفوع وإذا احتمل ذلك لم يلزمه إلا اليقين.
وعلى القول الأول وهو اختيار أبي حامدٍ يلزمه درهم.
وأما الثاني: إذا كرر فقال: عليّ كذا وكذا فإن لم يفسر كان كقوله كذا مرة واحدةً وهو كقوله: علي شيء شيء فهو شيء واحد والتكرار تأكيد وقد مضى حكمه وهذا لأنه لم يعطف أحدهما على صاحبه بحرف العطف واليقين هو التكرار وما زاد عليه شك، وإن فسر وقال: كذا كذا دوهماً أو درهمٌ أو درهم فهو على ما ذكرنا في قوله: كذا درهم حرفاً بحرفٍ.
وقال ابن أبي أحمد في "المنهاج ": يلزمه درهم وزيادة إذا قال: كذا كذا درهماً.
وقال القاضي أبو علي الزجاجي قلت: أنّا لا نلزمه الزيادة وهو على ما قال وذلك غلط.
وقال أبو حامد في "الجامع": قد قيل إن المقر إذا كان من أهل العربية والعلم باللغة يلزمه أحد عشر درهماً إذا قال: درهماً بالنصب.
وقيل: لا يلزمه حتى يقول: أردت ما توجب العربية وهذا لا يعرف للشافعي في كتبه.
وقيل: هذا مذهب محمد ولا يفرق بين أن يكون عارفاً باللغة أو لا ولا نص فيه عن أبي حنيفة.
وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: إن كان نحوياً يلزمه ما قال محمد، وإن كان من العامة الذين لا يعرفون في الكلام يلزمه درهم واحد وهذا غلط لأن في قوله كذا درهم بالخفض لم يعتبر مقتضى اللسان في إيضاف مائة درهم كذلك ههنا.
وأما الثالث: إذا قال: كذا وكذا فإن أطلق ولم يفسر كان كقوله: شيء يعني فيرجع [113/ ب] في تفسيرهما إليه فإن فسرهما بمالين فالقول قوله.
وان فسر وقال: كذا وكذا درهماً قال المزني: يلزمه درهمان ثم قال: وقال في موضع آخر: يلزمه درهم فأكثر يعني أقل ما يقبل منه درهم واحد فإن زاد عليه قبل منه.
واختلف أصحابنا فيه على طوق فذهب المزني إلى أن المسألة على قولين: أحدهما: درهم واحل وهو اختيار المزني لأن أقل شيئين فسرا بدرهم نصف ونصف والأقل هو اليقين.
والثاني: يلزمه درهمان لأنه أقر بجملتين مبهمتين ثم فسرهما بالدرهم فالظاهر أن ذلك تفسيرا لكل واحدة منهما.
قال المزني: وهذا إذا نصب فقال: درهماً، فإن قال: درهم بخفض كان أقل من درهم لأن تقديره كذا وكذا من درهم.
وان قال: كذا وكذا درهم برفع يلزمه درهم واحد لأن تقديره كذا وكذا هما درهمٌ.
وقال أبو إسحاق: ليس على قولين بل هو على اختلاف حالين فالذي قال: درهم واحد إذا قال: كذا وكذا درهم بالرفع والذي قال: درهمان إذاً قال: بالنصب وهذا بين في كتاب "الأم " لأن الشافعي ذكرها بين المسألتين في كتاب الإقرار والمواهب وإحداهما تتلو الأخرى والظاهر أنه لم يقصد به القولين وإنما قصد به اختلاف حالين لأنه لا يجوز أن تكون المسألة الواحدة في موضعٍ واحدٍ ويجيب بجوابين مختلفين فيجب أن تكون الأولى بالنصب، والثانية بالرفع.
وقال القاضي الطبري: قد تأملت كتاب الإقرار والمواهب فوجدت الشافعي قال: وإذ قال: كذا وكذا درهماً أعطاه درهمين ثم قال: فإن قال: كذا كذا درهماً أو كذا وكذا درهماً قيل له: أعطه درهما أو أكثر من قبل أن كذا يقع على أقل من درهم فإن عينت درهماً فليس عليك أكثر منه فنصب الدرهم ني الموضعين على ما نقل المزني فيجب أن يقول أبو إسحاق: ذلك خطأ من الكاتب.
وقال أبو حامد: مذهب الشافعي ما قال أبو إسحاق في الفرق أنه إذا نصب كان تفسيراً لهما وإذا رفع كان معناه مبلغهما درهم.
قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون الشافعي قال: ظاهره درهمان فإذا أطلق ولم تكن له إرادة ألزمته درهمين وقوله: درهم أراد إذا قال: [114/ أ] عنيت درهماً فلا يكون عليه أكثر منه.
قال أبو إسحاق: وأبعدها ما ذكر المزني من أن الثاني مخالف للأول وأنه على قولين.
والطريقة الرابعة ما قال ابن أبي هريرة والصحيح أن يقال: إذا قال: كذا وكذا درهماً يلزمه درهمان، والذي قال: يلزمه درهم وأكثر أراد به إذا شك هل قال المقر: كذا كذا درهماً؟ أو قال: كذا وكذا درهماً؟ فألزم اليقين وهو درهم واحداٌ لأن مذهبه لا يختلف أنه إذا قال: كذا كذا درهما أنه يلزمه درهم واحد وهذا أيضاً يحتمل لأن الشافعي قال: فإن قال: كذا كذا درهماً أو كذا وكذا درهماً قيل له: أعطه درهماً أو أكثر وهذا يحتمل الشك.
وقال محمد: يلزمه أحدٌ وعشرون درهماً إذا قال: كذا وكذا درهماً وهذا اختيار أبي إسحاق فيمن كان نحويا.
وهذا غلط لما ذكرنا.
وحكي عن محمد أيضا أنه لو قال: كذا درهما لزمه عشرون درهما، وهذا غلط لأنه يؤدي إلى أن يلزمه باللغة إذا كرره أقل مما يلزمه إذا وحّده، لأنه يقول: في كذا كذا يلزمه أحد عشر درهماً، وفي كذا درهماً يلزمه عشرون درهما وهذا محال.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال: عليّ كذا كذا أو كذا وكذا درهماً يلزمه أحد عشر درهماً.
فرع
لو قال: عليّ كذا بل كذا قيه وجهان: أحدهما: يكون إقراراً بشيء واحد، ويكون الثاني إثباتا للأول.
والثاني: يكون إقرارا بشيئين كقوله: عليّ كذا وكذا لأنه لا يسوغ في اللسان أن يقول: رأيت زيداً إلا زيدا يعني الأول وإنما يصح ذلك إذا عنى غيره.
مسألة: قال: والإقرار في الصحة والمرض سواء يتحاصون معاً.
وهذا كما قال: إذا أقر رجل في صحته لرجل بمالٍ ثم مرض المقر مرضاً مخوفاً فأقر لآخر بمالٍ ثم مات فإن كان ماله الذي خلفه يفي بالدينين جميعاً قسم ماله بينهما فإن فضل شي، كان لورثته، وان كان ماله يعجز عهما قسم بينهما على قدر الدينين، فإن كان لأحدهما ألف والآخر ألفان قسم بينهما على الثلث والثلثين وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: يقدم غريم الصحة على غريم المرض وافقنا إذا ثبت بالبينة أنهما [114/ ب] يستويان وهذا غلط لأنهما استويا في الثبوت من غير مزية فأشبه ديني الصحة وهذا لأن المرض لا يوجب حجراً في الإقرار بدليل أنه ينفذ للأجنبي بجميع ماله فإن
قيل: أليس المحجور عليه إذا أقر بالدين بعد الحجر يقدم عليه من أقر له قبل الحجر في أحد القولين فما الفرق؟ قلنا: الفرق من وجهين:
أحدهما: أن المقر له في الحجر يرجع إلى ذمته ويأخذ حقه إذا استفاد مالاً فلم يكن في تقديم المقر له قبل الحجر إسقاط دينه، وههنا إذا قدمنا المقر له في صحته أدى إلى إسقاط حجره فإنه لا يرجع إلى ذمته بعد موته ولا يرجو أن يستفيد مالاً فيستوفى منه.
والثاني: أن الديون التي على المحجور عليه مبنية على تقديم الأقوى فالأقوى، ألا ترى أنا نقدم من وجد ماله بعينه على من دينه في الذمة؟ وليس في يده عين مالٍ بخلاف هذا.
فرع
العبد المأذون إذا أقر بدين لزمه من ثمن المبيع أو أرش العيب ونحوه ينقذ إقراره.
فلو حجر السيد عليه ثم أقر لآخر بدين نظر فإن كان المال الذي في يده صرف إلى المقر له أولاً ولم يبق في يده ولا في يد السيد منه شيء فلا يسترجع من المقر له ما قد حكمنا بملكه بإقرار العبد.
وان كان المال في العبد أو يد السيد لم يصرف إلى غرمائه فإنه يشاركهم أو يأخذ ما يفضل عنهم على وجهين بناءً على القولين اللذين ذكرناهما في إقرار المحجور عليه لا فرق بينهما.
فرع آخر
إذا قدم المريض قضاء بعد ديون غرمائه لم يشركه الباقون فيه خلافاً لأبي حنيفة وهذا لأنه لزمه قضاؤه فأشبه إذا قضى ثمن سلعته في يده.
مسألة 1: قال: ولو أقَّر لوارثٍ فلم يمت حتى حدث وارثٌ يحجبه.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أقر في مرضه لا يخلو إما أن يكون للأجنبي أو للوارث، فإن كان للأجنبي يلزم إقراره سواء كان الإقرار بعين أو دين أو كان بكل المال أو ببعضه لأنه مطلق التصرف في ماله ولا يتهم في إقراره ويكون مقدماً على الوارث.
وفيه قول آخر ذكره القاضي أبو علي الزجاجي [115/ أ] في "زيادة المفتاح " أنه يعتبر من الثلث لأنه كالوصية ولم يذكره غيره وهو غريب.
وان كان للوارث إما بدين أو بعين قائمةٍ، أو بسهم من ماله، أو بكل ماله؟ اختلف أصحابنا فيه قال أكثرهم: المسألة على قولين لأن الشافعي قال: إذا أقر لوارث فمن أجاز الإقرار لوارث أجازه، ومن أبى رده فالظاهر من هذا أنه خرج المسألة على قولين.
وقال ابن أبي هريرة: لا يختلف قول الشافعي أنه يقبل إقراره لوارثه والذي قال: من أبى رده إنما هو تفريع على قول غيره، وقال أبو
إسحاق: هذا هو القول الذي قطع به الشافعي ورد من خالفه فيه والآخر حكاية مذهب أهل العراق.
وقال أبو حامد: نص الشافعي على بطلانه في "الإملاء" وأملى في "الأم" إلى قولين والصحيح جوازه وبه قال الحسن وعمر بن عبا العزيز وأبو ثور وأبو عبيد.
وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: لا يصح إقراره له وهذا غلط لأن من صح إقراره بوارثٍ صح إقراره لوارث كالصحيح ولا يلزم المحجور عليه لسفه لأن من أصحابنا من قال: لا يصح إقراره بالوارث لأنه يوجب الإنفاق عليه.
وحكى أصحاب مالك أنه إن كان متهماً فيه لم يقبل، وان كان لا يتهم قٌبل، وهذا غلط لأن المريض غير متهم فإن حالة المرض وقت التوبة والإنابة إلى الله تعالى ولهذا يقبل إقراره بوارث وإن كان متهماً.
فرع
إذا قلنا: يصح إقراره للوارث لا فرق بين أن يكون حين الإقرار وحين الوفاة وارثا أو حين الإقرار وارثاً، وحين الوفاة غير وارث أو حين الإقرار غير وارث، وحين الوفاة وارثا.
وإذا قلنا: لا يصح إقراره للوارث فالاعتبار بحال الوفاة فإن كان حين الوفاة وارثاً فالإقرار باطل سواء كان حين الإقرار وارثا أو غير وارث، وان كان حين الوفاة غير وارث فالإقرار صحيح سواء كان حين الإقرار وارثاً أو غير وارث فلو أقر لأخيه وله ابن ثم مات ابنه قبل موته بطل إقراره لأخيه [115 /ب] لأنه وارث حين الموت، ولو أقر لأخيه وليس له ابن فولد له ابن قبل الموت حجب الأخ وصح إقراره له لأنه حين الموت غير وارث، ولو أقر لأجنبية ثم تزوج بها ثم مات وكان الكل في مرضه كان إقراره باطلا لأنها وارثة حين الوفاة وبه قال أبو حنيفة ومالك وهذا لأن ما يرد لأجل الورثة يعتبر فيه حال الموت كالوصية فإنه لو أوصى بثلثه وثلثه درهم ثم زاد ماله وصار ثلثه ألفاً تلزم الوصية من ألف.
وقال القاضي الطبري: قال أبو إسحاق: من منع الإقرار للوارث قال: إذا أقر لمن لم يكن وارثا ثم صار وارثاً جاز لأنه أقر له ولا تهمة عليه في هذا الإقرار ومصيره وارثا بعده لا صنع له فيه وإنما هو أمر من السماء والتهمة ههنا مرتفعة فيكون سبيله سبيل الأجنبي كما قالوا: إن المطلقة الثلاث في المرض تورث للتهمة فلو قال لها: أنت طالق إن قدم زيداً وطلقها بوصف فصادف ذلك مرضه الذي مات فيه لا ترث لأنه لا تهمة كذلك ههنا فعلى هذا جواب ما ذكرنا من المسائل على العكس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: قاله في "القديم": يعتبر كونه وارثاً وغير وارث يوم الإقرار، وقال في "الجديد": يعتبر يوم الموت، وقال القفال في "شرح التلخيص ": قوله القديم أصح عندي وهذا غريب لم يذكره أهل العراق.
وذكروا هذا المذهب عن عثمان البتي وابن أبي ليلى.
فرع آخر
لو كان للمريض عبد أو ثوب فأتلفه متلف فقال المريض: لا ضمان على من أتلفه فإني كنت وهبته منه وقبضه ثم أتلفه، فإن كان المقر له أجنبياً صح ولا ضمان.
وإن كان وارثاً لا يسقط عنه الضمان في أحد القولين لأن هبته لوارثه لا تصح فكان الشيء على ملك الميت فكان ضمانه عليه.
فرع آخر
لو أقر في مرضه بوارث صح وورث.
ولو اشترى ابنه في مرضه الذي مات فيه عتق ابنه ولم يرث لأن العتق وصية فلو ورّثناه أدى [116/ أ] إلى بطلان الوصية وليس كذلك الإقرار بالنسب لأنه إخبار عن حق واجب عليه وليس بوصية.
ألا ترى أنه إذا أعتق عبده في مرضه يعتبر من الثلث ولو أقر به لإنسان لم يعتبر من الثلث؟.
فرع آخر
لو ملك أخاه ثم أقر في مرضه أنه قد كان أعتقه وهو أقرب عصبته نفذ عتقه وفي ميراثه قولان: أحدهما: لا يرث إذا قلنا: إقراره لوارثه باطل لأن توريثه يوجب رد الإقرار له ورد الإقرار يبطل الحرية ويسقط الإرث فأثبتت الحرية بثبوت الإقرار وسقط الإرث.
والثاني: يرث إذا قلنا: يقبل الإقرار للوارث فيكون العتق نافذاً بإقراره والإرث ثابت بنسبه ولا يرتفع أحدهما بصاحبه.
مسألة 1: قال: ولو أقرَّ أن ابن هذه الأمة ولدهٌ منها.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان له أمة لها ولد وعليه دين عظيم ولا مال له سواهما ولم يسمع قط يقر بوطئها في صحته فأقر في مرض موته أنه ابنها ولد منها ثم مات لا يخلو من أربعة أحوال إما أن يقول: استولدتها في ملكي، أو بنكاح أو بوطء شبهة أو يطلق، فإن قال: استولدتها في ملكي تضمن هذا الإقرار أربعة أحكام، حكمين في الولد وهو ثبوت النسب والحرية ولا ولاء عليه لأنه لم يمسه رق، وحكمين في الأمة تصير أم ولد له تعتق بوفاته، فإذا مات عتقت من صلب ماله سواء أضاف الاستيلاد إلى حال الاستيلاد إلى حال الصحة أو إلى حال المرض وإنما قدمنا هذا على الديون لأنه لو أحبلها في مرضه وولدت منه وعرف ذلك بالبينة كان متقدماً على ديون الغرماء فإذا أقر به وكان إقراره في المرض مقبولاً لا يمنع المرض منه وجب أن يكون مقدماً على سائر الديون ولهذا نقول: إذا أقر في مرضه أنه أعتق هذا العبد في صحته يصير حراً ويكون مقدما على سائر الديون، لأنه لو قامت به البينة كان مقدماً عليها وكذلك لو رهن عبده في مرض موته وقامت به البينة قدمنا حق المرتهن على سائر الديون.
مسألة 1: قال وإذا أقر الرجل لحمل بدين كان الإقرار [116/ ب] باطلاً.
الفصل
وهذا كما إذا قال: لحمل هذه المرأة علي ألف درهم، أو قال: هذه العين التي في يدي لحمل هذه الجارية لا يخلو من ثلاثة أحوال.
إما أن يضيف إلى سبب لا يستحيل ثبوت المال به للحمل من جهته، أو يضيفه إلى سبب يستحيل ثبوته له من جهته، أو يطلق فإن أطلق فيه قولان:
أحدهما: لا يصح وهو الذي نقله المزني ونص عليه في كتاب "الإقرار والمواهب" لأن الظاهر أن الحمل لا يثبت له عليه مال، فالإقرار له باطل إلا أن يضيفه إلى جهة صحيحة وبه قال أبو يوسف.
والثاني: يصح نص عليه في الإقرار بالحكم الظاهر، وبه قال محمد، وقيل: إنه مذهب أبي حنيفة وهذا أصح وهو اختيار أبي إسحاق لأنه أقر بالمال لمن يجوز ثبوته له فكان لازماً كما لو أقر للطفل.
فإذا قلنا: لا يصح فإن أضافه إلى سبب يستحيل ثبوت المال له من جهته بأن يقول: لهذا الحمل عندي ألف درهم من معاملةٍ عاملته بها، أو جناية جنيت على بدنه فهذا أولى بالبطلان.
وإن أضاف إلى سبب لا يستحيل ثبوت المال من جهته وهو أن يقول: لهذا الحمل عندي ألف درهم كان لأبيه علي فمات وخلفه ولا وارث له غيره، أو قال: كان لأجنبي في ذمتي مال فأوصى به له ثم مات واستحقه هذا الحمل فإن هذا الإقرار لازم صحيح.
وإذا قلنا: الإقرار المطلق لازم فإذا أضافه إلى سبب يستحيل ثبوت المال له من جهته هل يبطل الإقرار؟ قولان بناءً على القولين في تبعيض الإقرار وهو إذا قال: تكفلت لفلان على أني بالخيار ثلاثاً.
أو قال: لفلان عندي ألف درهم من ثمن خمر أو خنزيرٍ، أو معاملة فاسدة، أو قال: استقرضت من فلان ألف درهم ثم قضيته فيه قولان أحدهما: لا يلزمه شي،.
والثاني: يُقبل قوله فيما يضره ويُرد فيما ينفعه فكذلك ههنا.
فإذا تقرر هذا فكل موضع قلنا: الإقرار باطل لا تفريع عليه، وإذا قلنا: صحيح فلا يطالب المقر بتسليم المال في الحال حتى تضع لأنه ربما كان ريحاً تنفش، وربما وضعته ميتاً فلا يلزمه الإقرار.
وإذا وضعته نُظر فإن كان ميتاً لم يصح إقراره، وان كان [117 /أ] عزاه إلى وصية عاد إلى ورثة الموصي، وإن عزاه إلى إرث عاد إلى ورثة الميت.
فإن كان أطلق كُلف التفسير وعمل على تفسيره، وان مات قبل التفسير بطل إقراره، وإن كان حياً لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون وضعته لأقل من ستة أشهر من حين الإقرار، أو لستة أشهر فصاعداً، فإن كان لأقل من ستة أشهر فالإقرار لازم وطولب بتسليم المال إلى وليه، وان كان لستة أشهر فصاعداً فإن كانت تحت زوج يطأها أو تحت سيد يطأها فلا يلزم الإقرار لأنا لا نتحقق وجوده في حال الإقرار، وان كانت مُطلقة أو متوفى عنها زوجها فوضعته لأقل
من أربع سنين فإنَّا نحكم بأنه ملحق بالواطئ وأنه كان موجوداً وقت الطلاق والوفاة، فعلى هذا يكون الإقرار له بالمال لازما.
وان وضعته لأكثر من أربع سنين بطل الإقرار.
ولو وضعت حيا وميتا وجوزنا الإقرار كان الجميع للحي وان كانا حيين، فإن كانا ذكرين كان بينهما نصفين، وان كانا ذكراً وأنثى فإن كان المال ميراثاً كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
وان أطلق أو كان وصية كان بينهما نصفين.
وهذا بعد ما تعذر الرجوع إلى بيانه، فإن أمكن الرجوع إلى بيانه رجعنا إليه.
ولو أقر للحمل مضافاً إلى أبيه وزعم أن الأب ميت فولي الحمل بعد الوضع يطالب المقر بالمال.
فإن وفر المال على من يقبضه للحمل وتلف ثم بان أن الأب غير ميت كان للأب مطالبة المقر بدين يدفعه إلى غير مستحقه.
قال المزني رحمه الله: قد قال الشافعي رحمة الله عليه: ههنا خلاف ما قال في كتاب الوكالة لأنه قال هناك: إذا أقر بمال لرجل وهذا وكيله فالمقر بالخيار إن شاء دفع إلى الوكيل وان شاء لم يدفع ولم يجعل المقر ههنا بالخيار إذا أقر للحمل بل ألزمه الدفع والإلزام في المسألتين أصح، ثم إن جحد الموكل التوكيل أو ظهر الأب حياً رجعنا عليه، هذا معنى كلامه وفي إيجازه إشكال فلهذا شرحنا قلنا: ما [117/ ب] أنصف المزني حيث قال: هذا خلاف ما قال في كتاب الوكالة لأن المخالفة بين المسألتين إنما يتصور بعد استواء الصورتين وليستا بمستويتين لأن الإقرار في كتاب الوكالة صحيح لا يختلف المذهب فيه، ثم تكلم الشافعي في لزوم التسليم فقال: لا يلزمه التسليم إلى الوكيل، فإن شاء دفع، وان شاء منع فأما في هذا الموضع فإنما تكلم الشافعي في صحة أصل الإقرار لا في وجوب الدفع والدفع فرع على الأصل، فكيف يدعي أن هذا خلاف ما قال في كتاب الوكالة، ثم إذا جئنا إلى مسألة الدفع اختلف مشايخنا فيه بخراسان فمنهم من جعل المسألتين جميعا على قولين: أحدهما: يلزمه الدفع فيهما وان كان يخشى رجوعاً في المستقبل.
والثاني: لا يلزمه الدفع إليهما إذ لا يأمن مطالبة تلحقه من بعد، ومن أصحابنا من ألزمه الدفع في مسألة الحمل، حيث يصح منه الإقرار ولم يلزمه ذلك في مسألة الوكيل لأنه معترف بموت الحمل والميت لا يحيا فإن كان حيا فقد أتى من جهة نفسه حيث كذب، والموكل قد يجحد التوكيل مع صدق المقر في تقدم التوكيل.
قال القفال: ومما يتصل بجواب سؤاله أنه لو كان عليه دين فطولب به فقال: لا أؤدي إلا بحضرة الشهود له ذلك إذ لو أخلفا بعد ذلك في القضاء كان القول قول صاحب الحق، وفي الوديعة إذا قال المودع: لا أرد إلا بحضرة الشهود وجهان على ما ذكرنا، فيأتي في مسألة الوارث هذان الوجهان: أحدهما: يلزمه دفعه لأنه إقرار.
والثاني: لا يلزمه دفعه لأنه أقر به للميت ثم شهد بموته فلم يثبت الموت بشهادته فإذا دفع، لا تبرأ ذمته فلا يجبر على دفعه ما لم تقم بينة أن الأب قد مات، فسقط اعتراض المزني على أحد الوجهين وهذا خلاف ما قاله أهل العراق أجمع.
فرع
لو قال: لحمل هذه المرأة عندي ألف أقرضيه أبوه أو غصبته إياه كان الإقرار لأبيه لأن القبض من أبيه حال الحمل، فإن كان أبوه ميتاً فهو موروث عن أبيه وإن كان حياً فهو لأبيه ولا يلزمه لما في بطن هذه المرأة شيء نص عليه.
فرع آخر
لو أقر بحمل أمةٍ لرجل، قال في كتاب "الإقرار [181/ أ] والمواهب ": إن أطلق لم يلزمه الإقرار لأن الحمل لا يملك إلا بالوصية.
فإن وصل إقراره فقال: أوصى لي فلان برقبة أمة وله بحملها صح الإقرار إذا ولدته لأقل من ستة أشهر من حين الوصية.
ومن أصحابنا من قال: إذا أطلق يحتمل قولاً آخر أنه يصح تخريجاً من الإقرار للحمل إذا أطلق ذكره في "الحاوي" 1.
مسألة 2 قال: ولو قال: هذا الرقيق له إلا واحداً.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: هؤلاء العبيد لزيد إلا واحداً منهم فإنه لي يقول للمقر: عين الواحد الذي لك، ونقول له: اتق الله ولا تدع غير الذي لك فإذا عين واحداً قلت قيمته أو كثرت نطر في المقر له فإن صدقه على ذلك سلم الباقي إليه، وإن كذبه كان القول قول المقر مع يمينه لأن الكل في يده فأيهم ادعاه منهم قٌبل قوله مع يمينه.
ولفظ الشافعي في ذلك الواحد لفظ التخيير وليس المراد منه التخيير بل مراده أنا نصدقه في أي عبدٍ أشار إليه.
وان مات كلهم إلا واحداً قلنا: عين فإن ذكر أن الذي له في جملة الموتى سلم إلى المقر له هذا الواحد.
وإن قال: هو لي فيه وجهان، أحدهما: لا يقبل لأنه تفسير يرفع جميع الإقرار، والثاني: يقبل وهو المذهب لأنه لم يرفع هو جميع الإقرار بل أقر بما سوى هذا الواحد غير أن الموت ذهب بهم فصار كما لو قال: هؤلاء له إلا غانماً فإن غانماً يكون له وإن ماتوا كلهم إلا غانما بقي له غانم.
فرع
لو قتل جميعهم إلا واحداً فبين أن المستثنى هو هذا الواحد يقبل وجهاً واحداً لأن المقتول لم يفت لاستحقاق قيمته على القاتل.
فرع آخر
لو قال: غصبته كلهم إلا واحداً ثم ماتوا إلا واحداً ثم بين أن المستثنى هو الواحد يقبل وجهاً واحداً لأن من مات من المغصوبين مضمون بالقيمة.
مسألة 1: قال: ولو قال: غصبتٌ هذه الدار من فلانٍ ومُلكها لفلانٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان وملكها لفلا ن آخر فإن الدار تُسلم إلى المغصوب منه لأنه يلزمه تسليمها إلى من غصبها منه ويجوز أن تكون في يده بحق إن كان الملك لغيره بحق [118/ ب] الإجارة وغيرها ثم ترجع هي مع مالكه علم ويكونان كرجلين تداعيا داراً في يد أحدهما وشهادته للمالك لا يقبل لأنه غاصب فلا تقبل شهادته، فإن قيل: إذا حسنت حاله وظهرت عدالته فاقبلوا شهادته.
قلنا: حسن الحال إنما يعتبر بعد رد المغصوب فأما ما دامت يده ثابتة على المغصوب فلا تحصل عدالته.
ولو قال: هذه الدار ملك لغيره وغصبها من زيد فأقر، ذكر الغصب في إقراره فيه طريقان إحداهما: الحكم فيه كالحكم في المسألة قبلنا بهذا للشبه، والثانية: يلزمه تسليمها إلى زيد، وهل عليه الضمان لعمرو؟ قولان كما لو قال: هذه لزيد لا بل لعمرو والفرق أن هناك أقر للأول باليد وللثاني بالملك على ما علم وقد لزمه الإقرار الأول فلم يكن لإقراره الأول مفرطاً ولا مخطئاً فلم يلزمه الغرم وههنا أقر بالملك لعمرو فيلزمه ردها إليه ثم أقر باليد لآخر فأحال بين المالك المقر له أولاً وبين الدار فيلزمه الغرامة.
فإن كان يعلم أنَ ملكها لعمرو وكانت في يد زيد بغير حق فعليه فيما بينه وبين الله تعالى تسليمها إلى عمرو.
مسأله 2: قال: ولو قال: غصبتها من فلانٍ لا بل من فلانٍ كان للأولِ ولا غرمَ عليه للثاني.
وهذا كما قال: إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان ثم قال متصلاً به أو منفصلاً عنه: لا بل غصبتها من فلان آخر، فإن الدار تسلم إلى المقر له أولاً ولا يقبل رجوعه عنه للثاني، وهل يلزمه الغرامة للثاني؟ اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق.
إحداها: وهو قول أكثر أصحابنا فيه قولان: أحدهما: يلزمه قيمة الدار للثاني وبه قال أبو حنيفة وهو الأصح لأنه أقر بها لفلان بعد أن حال بينها وبينه بغير حق فيلزمه الضمان كما لو أقر بعبد له بعد أن قتله.
والثاني: لا تلزمه القيمة لأنه يطالبه المقر له أولاً بالدار ولا يجوز أن تجتمع المطالبة بالعين وبدلها من القيمة.
ولأن الذي يدعيانه عين واحدة واعترف بها لهما فلا يغرم لأحدهما شيئاً كما لو قال: هي لهما.
والثانية: لا تلزمه الغرامة قولاً واحداً في الحال إلا أن يُؤيس من العين بتلفها في يد المقر له فيكون حينئذ غارماً، [119/ أ] وهذا معنى قول الشافعي: ولا غرم عليه للثاني أي عاجلا.
والثالث: إن كان سلمها المقر إلى الأول بيده فعليه الغرامة قولا واحدا.
وإن سلمها الحاكم فعلى قولين وهذا لا يصح، لأن الشافعي نص في كتاب الشهادات على أنه لو
أقر بها لزيد ثم قال: هي لعمرو يغرم لعمرو سواء سلمها إلى زيد أو لم يسلم، ولأن تسليم الحاكم بإقراره كتسليمه بنفسه.
وهكذا الطرق إذا قال: هذه الدار لزيد لا بل لعمرو أو قال: غصبتها من زيد وزيد غصبها من عمرو، أو قال: له عندي في وديعة ثم قال: لا بل فلان آخر هو الذي أودعنيه.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: هذه العين لفلان لا بل لفلان دفعت إلى الأول ولم يغرم للثاني بخلاف المسألة الأولى، والفرق أن الغصب سبب للضمان فإذا أقر به لزمه، وأما إقراره ليس سبب للضمان والحاكم يسلمها إليه فلا يلزم الغرم على المقر.
وقيل: هذا قول بعض أصحابنا وهذا غلط، لأن إقراره في ملك غيره بما أوجب تسليمه إلى غيره سبب موجب للضمان كما لو سلمه بنفسه وكما في إقراره بالغصب، وقال بعض أصحابنا في المسألة الأولى: هل يغرم للثاني؟ وجهان إذا قلنا في هذه المسألة يغرم وهذا غير صحيح والفرق ظاهر.
فرع
لو باع داراً ثم قال: كنت غصبتها من فلان هل يلزمه قيمتها للمقر له؟ قال في كتاب الإقرار بالحكم: الظاهر فيه قولان قال أبو إسحاق: ويجيء فيه الوجهان الآخران.
وقال ابن أبي هريرة: تلزمه قيمة المبيع ههنا للمقر له قولاً واحداً لأن في البيع عاوض عليها بالثمن الصائر إليه فغرم بخلاف المسألة قبلها في أحد القولين، وهكذا ذكره صاحب "الإفصاح " والماسرجسي، وهما أخذا عن ابن أبي هريرة وذكر مثل هذا في "الحاوي" 1 وهذا خطا بخلاف النص الذي حكينا.
فرع آخر
لو أعتقه ثم أقر بغصبه ففي الغرم قولان: لأنه لم يعاوض عليه سواء أعتقه تطوعاً أو عن كفارة.
فرع آخر
لو قال: غصبت هذا العبد من زيد وغصبته من عمرو فيه وجهان، أحدهما: يكون كالمقر بغصبه لثاني بعد أول فيسلم إلى الأول وفي غرم قيمته للثاني قولان.
والثاني: أنه كالمقر بغصبه منهما [119/ ب] فيكون بينهما ولا غرم.
فرع آخر
لو شهد شاهدان على رجل بأن الدار التي في يده لفلان فحكم الحاكم عليه بتسليم الدار إلى المشهود عليه ثم رجعا عن الشهادة لا ينقض الحكم برجوعهما ولا ينتزع الدار من يد المحكوم له.
وهل يلزمهما قيمة الدار للمشهود عليه؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: فيه الطرق الثلاثة كما في الإقرار، ومنهم من قال: لا تلزم الغرامة
عليهما قولاً واحداً لأنهما لم يتلفاها ولم تثبت أيديهما عليها، وفي الضمان إنما تجب بالإتلاف أو باليد ولم يوجد من الشاهدين واحد منهما فلم يجب عليهما الضمان، وليس كذلك في الإقرار فإنه يقر بأنه غصبها منه وضمنها بيده، فإذا تعذر ردها إليه جاز أن يلزمه الضمان.
فرع آخر
لو قال: غصبت هذا العبد من أحد هذين الرجلين فالإقرار لازم وعليه بيان المالك منهما فإن قال: لا أعرف المالك فإن صدقاه في ذلك أخذا العبد منه وكانا فيه خصمين وان كذباه فقالا: نعلم المالك حلف لا يعلم ذلك وأخذ العبد وكانا فيه خصمين، والخصومة فيه أنه عبد لا يد لواحدٍ منهما عليه ولا لغيرهما أيضا فإن كان مع أحدهما بينة قُضي له به وان كان مع كل واحد منهما بينة تعارضتا، وإن لم يكن هناك بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه ووقف لهما حتى يصطلحا.
ولو اعترف به لأحدهما سلم إليه، وهل يحلف للأخر؟ قولان بناء على أن الضمان هل يلزمه فإن قلنا: يلزمه الضمان لو رجع عن إقراره حلف لأنه وبما يرجع فيقر له فيلزمه الغرم.
وان قلنا: لا يلزمه الضمان لا يحلف.
مسألة 1: قال: ولا يجوز إقرارُ العبد في المال.
الفصل
وهذا كما قال: ذكرنا هذه المسألة في البيع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أقر بجناية أو إتلاف ووجب في ذمته ذلك بعد العتق، فكم يغرم بعد العتق وجهان أحدهما: جميع الدين بالغاً ما بلغ: والثاني: الأقل من قيمته أو الدين بناءً على أنه لو جنى بكم لفدى السيد بالأرش كاملاً أو بالأقل من قيمته أو أرش [120/ أ] جنايته وفيه قولان.
قال: وكذلك لو صدقه السيد وسلم في الجناية فبيع وبقي من الأرش شيء هل يٌتبع به إذا عتق؟ قولان والأصح أنه يلزم كمال الدين بالغا ما بلغ.
وقال في "الحاوي" 2 في الباقي وجهان بناءً على أنه هل تعلق برقبته ابتداء أو بذمته ثم انتقل إلى رقبته، ولو كذبه السيد تعلق بذمته وان كان مأذوناً في التجارة.
وقال أبو حنيفة: إن كان مأذوناً في التجارة قضاه مما في يده.
مسألة 3: قال: ولو قال رجل: لفلان عليّ ألفُ فأتاه بألفٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة موصولاً لم يثبت إلا وديعة ولا يضره قوله عليّ.
فإن ادعى بعد ذلك تلفها وأمكن قبلت يمينه ولو قال: عليّ ألف
درهم وأطلق ثم أحضر ألفاً وقال: هذا الذي أقررت لك به كان لك عندي وديعة، فإن قال المقر له: صدقت سلم إليه ذلك وبرئ، وان لم يصدقه وقال: هذا وديعة لي عندك ولكن الذي أقررت لي به دين في ذمتك فالقول قول المقر مع يمينه وعلى المقر له البينة خلافاً لأبي حنيفة، وهذا لأن قوله عليّ ألف درهم يحتمل الوديعة، لأن من عنده وديعة فعليه ردها على صاحبها وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] الآية ومن توجه عليه أمر الله تعالى جاز له أن يعبر عنه بكلمة الإيجاب، وقال أبو حامد: نقل المزني أنه يقبل منه.
وقال في موضع آخر: لا يقبل والقول قول المقر له مع يمينه لأن عليّ حرف إيجاب والوديعة ليت بواجبة.
وقال القاضي أبو علي البندنيجي: كنا نحكي هذا القول الآخر ولا نجده للشافعي فالمسألة على قول واحدٍ على ما ذكرنا وهو المشهور.
فرع
لو قال: علي ألف درهم، ثم قال: كانت وديعة وقد كان تلف ولم أعلم لا يقبل لأنه أقر بوجوبه على نفسه ثم ادعى أنه لم يكن واجباً عليه لأن الوديعة إذا تلفت من غير تعد منه لا يكون عليه ضمانها فلم يقبل منه.
فرع آخر
لو قال: علي ألف درهم في ذمتي فجاءه بألف وقال: الألف الذي أقررت به كان وديعة وتلف وهذا بدله قبل ذلك لأنه يجوز أنه تلف بتعد منه [120 /ب] فيكون بدل ما في ذمته.
ولو جاء بألف وقال: الألف الذي أقررت به هذا وهو وديعة لك فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل لأن الوديعة لا تثبت في الذمة ويفارق هذا إذا قال: ألف عليّ ثم فسره بالوديعة، لأنه لم يصرح بالمحل فاحتمل أن يكون المراد وجوب الحفظ مع الرد وها هنا صرح بالذمة وهو الأصح.
والثاني: يقبل منه لأنه يحتمل أن يكون قد تعدى فيه فثبت ضمانه في ذمته أو كان قد أتلفه وجاء ببدله فقال: كان وديعة في ذمتي.
وقال بعض أصحابنا: هذا مبني على القولين في المسألة قبلها فإن قلنا: هناك لا يقبل فها هنا أولى، وإن قلنا: هناك يقبل فها هنا وجهانء وهذا لا يصح على ما يثبت بأنه ليس هناك قول آخر.
مسألة 1 قال: ولو قال: له عندي ألفُ وديعة أو مضاربة ديناً كان ديناً.
وهذا كما قال: إذا قال: له عندي ألف درهم وديعة ديناً، أو ألف درهم مضاربة ديناً كان ديناً عليه ولا يقبل تفسير إقراره بالأمانة بعد ذلك لأن الوديعة والمضاربة، وان كانتا أمانة فالأمانة قد تصير مضمونة بالعدوان ولفظ الدين في هذه المسألة يقين لفظ الضمان
فأوجب ترك اليقين الأولى من براءة الذمة.
ولو قال: أردت أنه شرط علي ضمانه لم يقبل لأنه لا يكون ديناً بذلك.
فرع
لو قال: لفلان عليّ ألف درهم هو وديعة دفعه إلي بشرط الضمان كان وديعة ولم يكن مضمونا بالشرط، لأن ما أصله الأمانة لا يصير مضمونا بالشرط، وكذلك ما أصله الضمان وهو المأخوذ بشرط لا يصير بالشرط أمانة وقال في "الحاوي" 1: فيه وجه آخر أنه يضمن لقوله في الابتداء: عليّ ثم قوله من بعد دفعه إلي بشرط الضمان ظاهره بشرط جواز التصرف الموجب للضمان.
فرع آخر
قال في كتاب "الإقرار" 2 بالحكم الظاهر: لو أقرّ لرجل بخاتم فجاء بخاتم فقال: هذا الذي أقررت لك به، قال في موضع: يلزمه تسليمه، وقال في موضع أخر: لا يلزمه تسليمه وليست على قولين بل هي على اختلاف حالين، فإذا أتاه بخاتم وقال: هذا الذي أقررت لك به ضمان صدقه المقر له يلزمه تسليمه إليه، ولو قال: ليس هذا [121/ أ] لي وخاتمي غيره فالقول قوله ولا يلزمه تسليم هذا إليه لأنه لا يدعيه.
ولو قال: هذا لي والذي أقررت لي به غير هذا كان عليه تسليم هذا والقول قوله فيما يدعيه عليه لأن الخاتم واحد فلا يلزمه الثاني فالموضع الذي قال يلزمه تسليمه أراد به المسألة الأولى والثالثة، والموضع الذي قال: لا يلزمه تسليمه أراد به المسألة الثانية.
مسألة 3: قال: ولو قال: له في هذا العبد ألف درهمٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان في يده عبد فقال: لفلان في هذا العبد ألف درهم، فإن هذا يحتمل وجوهاً كثيرة منها أن يقول: فيه ألف درهم نقده فيه لي أو أوصى له مورثي أو جنى عليه هذا العبد جناية أرشها ألف درهم فهو يستحق من ثمنه ألف درهم، ويحتمل أن يقول: نقده فيه لنفسه ألف درهم، فإذا كان كذلك رجعنا إلى المقر في تفسيره فإن قال: نقده لي فيه ألفاً فإنه يلزمه ألف درهم وعليه أن يعطيه إياه من أي موضع شاء من ثمن هذا العبد أو من غيره.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يقبل هذا لأن قوله لفلان في هذا العبد ألف يقتضي أن يكون حقه متعلقا بعين العبد لا بالقرض.
وإن قال: أردت وصية أوصى له بها مورثي فإنه يستحق بيع العبد وأعطى ألف درهم من ثمنه إلا أن يتراضيا على دفعه من غيره وإن قال: أرش جناية جنى عليه فالسيد بالخيار إن شاء أعطاه من ثمنه، وإن
شاء أعطاه من سائر ماله.
وإن قال: نقد فيه لنفسه ألفاً فإنه قد ملك من العبد بمقداره ونظر فيه فإن كانا قد اشترياه صفقة واحدة نقول للمقر الذي في يده العبد: فكم نقدت أنت؟ فإن قال: ألفاً كان العبد بينهما نصفين.
وإن قال: ألفين كان له ثلثا العبد وللمقر له الثلث ولا يعتبر في ذلك قيمة العبد أن تكون مثل الثمن الذي ذكره أو أقل أو أكثر لأنهما قد يغبنان في الشراء فيغبنان فربما يشتريان عبداً يساوي ألفاً بألفين فيكونان مغبونين، وربما يشتريان عبداً يساوي ألفين بألفٍ فيكونان غابنين فلا تراعى القيمة.
وحكى القفال عن مالك: أنه إذا كان العبد لا يساوي أكثر من ألفين لم يقبل قول المقر إذا قال: نقدت فيه ألفين لأن الظاهر يدل على كذبه [121/ ب] وإن قال: اشترى هو جميع العبد بالألف فقد أقر بالعبد كله له.
وإن كانا قد اشترياه ني صفقتين نقول له: لما نقد لنفسه فيه ألف درهم كم اشترى به من العبد؟ فإن قال: نصفه أو ثلثه أو سدسه كان القول قوله ني ذلك مع يمينه وكان باقي العبد له سواء كان يسوي ذلك هذا القدر أو لا يسوي.
ولو قال: أردت أني رهنت بألف استقرضه منه هل يقبل منه؟ فيه وجهان: أحدهما: يقبل وهو الأصح واختيار القفال لأن الدين يتعلق بمحلين الذمة والعين فيجوز أن يكون الألف متعلقاً بالعبد وإن كان وثيقة به.
والثاني: لا يقبل لأن حق الرهن في الذمة وهو أخبر أنه في العبد وهذا ضعيف لأن حق الرهن آكد من حق الجناية لتعلقه بالذمة والعين معاً، ولو فسر بأرش الجناية قبل بالإجماع.
ولو قال: دفع إليّ ألفا لأشتري له بها من هذا العبد وأنقده في ثمنه فهو مدعي للإذن، فإن أنكر المقر له الإذن ني الشراء فالقول قوله وعلى المقر أن يغرم الألف.
فرع
لو قال: له من هذا العبد ألف فحكمه كما لو قال: في هذا العبد لأن في ومن حرفا صفة يقوم أحدهما مقام صاحبه وليس الألف جزءاً من العبد، وإنما يتوصل إليه من العبد فاستوي الحكم في قوله من وفي.
فرع آخر
لو قال: له من هذا العبد بقيمة ألف فهذا إقرار بملك جزء من العبد قدره بقيمة ألف فهل يصير الإقرار مقدراً بالقيمة أو يرجح فيه إلى بيانه؟ وجهان: أحدهما: وهو الأصح يرجع فيه إلى بنيانه فإن بين قدراً يتقوم بأقل من ألف قبل لأن القيمة قد تختلف ولا يقف في الأحوال على حد ولا الناس فيها مجمعون على قدر فلم يجز أن يتقدر الإقرار بها.
والثاني: يتقدر إقراره بالقيمة ذكره أبو القاسم الصيمري فيقوّم العبد فإن كانت قيمته أكثر من ألف فله منه بقسط الألف.
وإن كانت قيمته ألفاً ذكر عن بعض أصحابنا أنه لا يصير المقر له مالكاً لكله لأن من توجب التبعيض فلا بد من إخراج بعضه من إقراره.
قال الصيمري والصحيح عندي أنه يكون إقراراً بجميعه وأن من تكون للتبعيض
تارة وللتمييز تارة قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30] أي فاجتنبوا الأوثان الرجس.
فرع آخر
لو قال: لفلان في هذا العبد شركة كان مقراً بجزء مجهول فيرجع في تفسيره إليه فبأي شي، فسره قُبل قل أو كثر لأن ذلك اشتراك، وبه قال محمد.
وقال أبو يوسف: يكون له النصف لقوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12] واقتضى ذلك التسوية بينهم كذلك ها هنا.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يكون مقراً بثلث العبد ولا يقبل تفسيره بأقل وهذا غلط لأن هذا الحد لا يتناوله لفظه ولا يلزمه إلا اليقين كما لو قال: لفلان نصيب أو سهم.
مسألة 1: ولو قال: "له في ميراث أبي ألف درهم"
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان في ميراث أبي أو من ميراث أبي ألف درهم كان إقراراً بالدين على أبيه.
ولو قال: له في ميراثي من أبي أو من ميراثي من أبي كان هبة إلا أن يريد إقراراً، والفرق أنه في الأول لم يضف الميراث إلى نفسه، وفي الثاني أضاف الميراث إلى نفسه ثم جعل له بعضه فكان الظاهر أنه هبة.
وهكذا إذا قال: له في هذه الدار نصفها، أو من هذه الدار نصفها كان إقراراً.
ولو قال: من داري هذه نصفها أو في داري هذه نصفها كان هبة إلا أن يريد إقرارا.
فرع
لو قال: علي في ميراثي من أبي له ألف درهم كان إقرارا على نفسه بالدين لأنه أزال الإشكال بقوله: عليّ ذكره ابن أبي أحمد رحمه الله.
فرع آخر
لو قال: له من مالي ألف درهم بحق وأطلق أو قال: بحق عرفته أو بحق لزمني أو بحق ثابت أو بحق استحقه كان ديناً لأنه أزال معنى الهبة.
فرع آخر
قال في كتاب الإقرار والمواهب: لو قال: له في مالي ألف درهم كان إقراراً.
ولو قال: له من مالي ألف درهم كان ذلك هبة إلا أن يريد إقراراً.
فمن أصحابنا من قال: هذا سهو وقع من الكاتب ولا يكون إقراراً فيها كما لا فرق بين أن يقول: في ميراثي أو في داري وبين أن يقول: من ميراثي أو من داري.
ومن أصحابنا من فرق بأنه إذا قال: في مالي ألف درهم لا يتحقق دخول الألف المقر به في الإضافة لأن ما عداه من ماله يسمى مالاً [122/ ب] على الحقيقة فجعلناه إقراراً، وليس كذلك إذا قال: من مالي فإن
لفظة من تقتضي أن يكون الألف المقر به بعين المال المضاف إلى نفسه فجعلناه هبة، وأما في الدار لا فرق بين في ومن لأن قوله: من داري هذه نصفها أو في داري هذه نصفها يقتضي أن يكون النصف المقر به داخلاً تحت إضافة الدار إلى نفسه لأن اسم الدار لا يقع إلا على النصفين جميعاً.
وقيل: هذا الفرق ضعيف، لأنه يشكل بما لو قال: في ميراثي من أبي لم يكن إقراراً.
وقيل: ما قاله في الإقرار والمواهب أشبه فيه وفي نظيره لأن قوله له يقتضي الملك والهبة غير المقبوضة وغير مملوكة، ولم يأت بما ينافي الملك لأن في للظرف وقوله: من مالي أضاف الملك كله إلى نفسه فنافى الإقرار فافترقا.
فرع آخر
قال الشافعي: ولو قال: لك علي ألف درهم إن شئت أو هويت، أو شاء فلان، أو هوى فلان فإن شاء فلان أو هوى أو شاء هو أو هوى لم يكن عليه منه شيء لأن الإقرار لا يصح معلقاً بالشرط.
وهكذا لو قال: لك عليّ ألف إن شاء الله، أو إن قام فلان أو خرج فلان أو كلمت فلاناً قال الشافعي: هذا كله من جملة القمار ولا شيء عليه فإن قيل: أليس لو قال: بعتك عبدي هذا بألف إن شئت يصح فكذلك الإقرار وإلا قيل فما الفرق؟ قيل: الفرق أنه لو لم يشرط المشيئة في البيع كان القبول فيه إلى مشيئته وهو كقوله لعبده: بعتك نفسك بألف إن شئت فقال: قد شئت وقبلت صح ولزمه الألف.
وكذلك لو قال لزوجته: طلقتك بألف إن شئت فقالت: قد شئت وقبلت صح أيضاً ولزمه الألف لأن ذلك من منشأه بخلاف الإقرار فإنه إخبار عن واجب عليه فلا يصح تعليقه.
فرع آخر
لو قال: هذا الثوب لك بألف درهم إن شئت يكون بيعاً لازماً ولا يكون إقراراً ولكل واحدٍ منهما خيار المجلس ولم يقل ها هنا: إن شئت يكون بيعا أيضاً لأن معناه إن شئت وكل مشتر إنما يلزمه إن شاء.
فرع آخر
قال الشافعي: ولو قال: له عليّ ألف إذا جاء رأس الشهر كان إقراراً، ولو قدم الشرط فقال: إذا جاء رأس الشهر فله عليّ ألف لم يكن إقراراً.
قال أصحابنا: الفرق بينهما [123 /أ] أنه إذا قال: له عليَ ألف فقد أقر بالألف فإذا قال: إذا جاء رأس الشهر احتمل أن يكون أراد محلها أو وجوب تسليمها في ذلك الوقت فلم يبطل الإقرار.
وأما إذا بدأ بالشرط فإنه لم يقر بالحق وإنما علقه بالشرط فلم يكن إقراراً.
وقال القاضي الطبري: في هذا نظر ولا فرق على قياس مذهبه بين تقديم الشرط وتأخيره.
فرع آخر
لو قال: ما شهد به زيد عليّ فهو لازم لي لم يصر مقراً بما شهد به.
وقال مالك: يلزمه جميع ما شهد به زيد، وان لم تصر بينة مسموعة لأنه ألزم ذلك نفسه.
وهذا خطأ لأن هذا حوالة بالإقرار فلا يصح.
فرع آخر
له عليّ ألف إن مت لا يكون إقراراً أصلاً لأنه تعليق بالشرط وعند أبي حنيفة يكون إقراراً مات أو عاش.
فرع آخر
قال: ولو قال: لك علي ألف درهم إن شهد به علي فلان أو فلان وفلان فشهدا لم يلزمه من جهة الإقرار وهذه مخاطرة ويلزمه من جهة الشهادة إن كانا ممن تجوز شهادتهما أو أحدهما وحلف مع شاهده وقال ابن سريج: وسواء على هذا المعنى قيل له: إن فلاناً يشهد عليك بما يدعيه فيقول: هو عندي مصدق مرضي إن شهد عليّ، أو يقال له: إن فلانا يشهد عليك بما يدعيه هذا فيقول: إن شهد عليّ رضيت بذلك، أو إن شهد علي قبلت ذلك أو ألزمته نفسي، أو إن شهد علي صدقته، أو إن شهد لم أخالفه.
وقال القفال: وهكذا لو قال: إن شهد علي بدينار فهو صادق لا يكون إقراراً، وإن شهد لا يلزمه شيء من جهة الإقرار لأنه إنما قال علماً منه بأنه لا يشهد عليه ذلك الرجل، ولكنه لو شهد عليه رجل بدينار فقال: هو صادق في شهادته كان إقراراً.
وقال ابن أبي أحمد في "المفتاح ": لو قال: إن شهد لك عليّ فلان وفلان بألفٍ فهما صادقان كان إقراراً، وان لم يشهدا لأنهما لا يكونان صادقين إلا كان عليه الألف الآن فيلزمه وهذا اختيار القاضي الطبري ويخالف هذا إذا قال: إن شهد عليّ صدقته لأنه قد يصدق الإنسان من ليس بصادق وها هنا قال: فهما صادقان وإذا لم يكن واجباً عليه كانا كاذبين.
فرع آخر
لو قال: لك علي ألف [123/ب] إن قبلت إقراري فقياس المذهب أنه لا يكون إقرارا.
فإن قيل: أليس المقر له إذا لم يقبل الإقرار بطل؟ قلنا: إنما يبطل إذا كذبه أو رده، فأما إذا سكت فالإقرار صحيح غير مفتقر إلى القبول.
فرع آخر
لو أقر بشرط الخيار كان باطلا مثل أن يقول: أقر لك بكذا على أني بالخيار يوما أو يومين لأنه إخبار عن واجب في الذمة فلا يصح بشرط الخيار.
مسألة 1: قال: ´ولو قال: له عندي ألف درهم ´عارية كانت مضمونةً.