بحر المذهب للرويانيصفحات 163-191

الزائدةً، ويقتص من أربع أصابع القاطع، وتؤخذ منه دية إصبع وهي المستبقاة له مع الزائدة وتدخل حكومة ما تحتها من الكف في ديتها، وفي دخول حكومة باقي كفه في الاقتصاص من أصابعه ما ذكرناه من الوجهين: والقسم الثالث: أن تكون الإصبع الزائدة ثابتة على إحدى أنامل إصبع فيقتص من أصابع القاطع الأربع، فأما الإصبع التي تثبت الزائدةً في أناملها فلا يخلو حال الزائدة عليها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ثابتة منها في الأنملة العليا، فلا قصاص عليه في شيء منها، وتؤخذ منه دية الإصبع، ولو بذلها قصاصا لم يجز أن يقتص منها.
والثاني: أن تكون الزائدة ثابتة على الأنملة الوسطى، فيقتص من أنملته العليا، ويؤخذ منه دية ثلثي إصبع ستة أبعرة وثلثين لبقاء الأنملة الوسطى والأنملة السفلى.
والثالث: أن تكون الزائدة ثابتة في الأنملة السفلى، فيقتص من أنملته العليا والوسطى، ويؤخذ منه ثلث دية إصبع، لبقاء الأنملة السفلى، وهو ثلاثة أبعرة وثلث.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان الذي له خمس أصابع هو القاطع كان للمقطوع قطع يده وحكومة الإصبع الزائدة ولا أبلغ بها أرش إصبع)).
قال في الحاوي: إذا كانت الإصبع الزائدة في كف المقطوع دون القاطع اقتصصنا من كف القاطع وأخذنا منه حكومة الإصبع الزائدة، ولا تبلغ بها دية إصبع من أصل الخلقة، فلو قطع الإصبع الزائدة وحدها فلا قصاص فيها لعدم مثلها في أصابع القاطع، وتؤخذ حكومتها، فإن بقي لها بعد اندمالها شين وكانت كفه بعد أخذها أجمل منها مع بقائها ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج لا شيء فيها، ويعزر الجاني عنهما، لأن الحكومة أرش للنقص ولم يحدث من جنايته نقص، وإنما يعزر للألم، ويكون بمثابة من قطع سلعة يضمن إن أفضت إلى التلف، ولا يضمن إن برأت.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، والساجي: عليه حكومة، لأنه قد أراق دما بجناية، واختلفا في اعتبار حكومتها، فقال أبو إسحاق المروزي: اعتبر حكومتها والدم جار.
وقال الساجي: اعتبر حكومتها في أول أحوال اندمالها، لأنه أقرب إلى الاندمال المعتبر في غيرها.

فصل: ولو كانت الإصبع الزائدة في كف القاطع والمقطوع معا فهذا على ضربين: أحدهما: أن يتماثل محل الزائدة من كفيهما فتكون مع الخنصرين أو مع الإبهامين فيقتص من كف القاطع بكف المقطوع ويستوفي القصاص في الأصل والزيادة.
والثاني: أن يختلف محل الزائدة من كفيهما فتكون الزائدة من القاطع مع خنصره والزائدة من المقطوع مع إبهامه، فلا قصاص في الزائدة لاختلافهما باختلاف محلهما، ويقتص من أصابعه الخمس، ويؤخذ منه حكومة الأصبع الزائدة.
فصل: وإذا كان لرجل أربع أصابع من أصل الخلقةً وإصبع زائدةً في محل الخامسة الناقصة، والعلم بزيادتها وإن كانت في محل الخامسةً الناقصةً يكون إما بضعفها وقلة حركتها، وإما بدقها وصغرها، وإما بغلظها وطولها، وإما بسلبها عن استواء الأصابع، فإن قطع هذا الكف رجل سليم الكف لم يقتص من كفه، لأن فيها إصبعا من أصل الخلقة قد قابلتها إصبع زائدةً الخلقةً فلم يجز أن يأخذ الكاملة بالناقصة كما لا يأخذ السليمة بالشلاء، فإن أراد الدية أعطي دية أربع أصابع أربعين من الإبل وأعطي حكومةً في الزائدة، ويدخل في ذلك حكومةً الكف، فإن أراد القصاص اقتص من أربع أصابع القاطع وأخذت منه حكومة في الإصبع الزائدة، ولو قطع كفا كاملة الأصابع وله كف قد نقصت إصبعا وزاد في محلها إصبع، فإن رضي المقطوع أن يأخذ الزائدة بالكاملةً اقتص له من كف القاطع ولا شيء له في نقص الزائدة كما لو اقتص من شلاء بسليمةً، وإن لم يرض يأخذها بدلا من إصبعه اقتص له من أربع أصابع القاطع، وأخذ منه دية إصبع عشرا من الإبل، ولو كانت الزائدة في غير محل الناقصة لم يجز أن يقتص منها بالكاملة وإن تراضيا لسقوط القصاص فيها باختلاف المحل، ولو كانت كف كل واحد من القاطع والمقطوع ناقصةً إصبعًا وزائدةً إصبعًا فإن تساويا في الناقصةً والزائدةً جرى القصاص بينهما في الزيادة والنقصان، وإن استويا في الزائدةً واختلفا في الناقصة اقتص من الزائدة بالزائدة ويؤخذ من القاطع دية إصبع واحدةً وهي الناقصة من كف القاطع ويقتص من ثلاثة أصابع المتماثلة فيهما، وإن اختلفا في الزائدة واستويا في الناقصة فلا قصاص بينهما في الزائدة، ويقتص من أصابع القاطع الأربع ويؤخذ منه حكومة الزائدةً من المقطوع.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قطع له أنملة لها طرفان فله القود من إصبعه وزيادة حكومة وإن كان للقاطع مثلها أقيد بها ولا حكومة فإن كان للقاطع طرفان

وللمقطوع واحد فلا قود لأنها أكثر)).
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان الطرفان في أنملة المقطوع اقتص من القاطع وأخذ منه حكومة الطرف الزائد، وإن كان الطرفان في أنملة القاطع فلا قصاص عليه، وتؤخذ منه دية أنملة، وإن كان الطرفان في أنملة القاطع والمقطوع اعتبر تماثل الطرفين، فإن كان متماثلين جرى القصاص بهما في الطرفين وإن كانا غير متماثلين فلا، لأن الطرف الزائد من أحدهما متيامن ومن الآخر متياسر فلا قصاص بينهما، ويؤخذ من القاطع دية أنملة وزيادة حكومة في الطرف الزائد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قطع أنملة طرف ومن آخر الوسطى من إصبع واحد فإن جاء الأول قبل اقتص له ثم الوسطى وإن جاء صاحب الوسطى قيل لا قصاص لك إلا بعد الطرف ولك الدية)).
قال في الحاوي: إذا ابتدأ فقطع أنملة عليا من سبابة رجل ثم قطع أنملةً وسطى من سبابة آخر ليس لها عليا كان القصاص لصاحب العليا مستحقا في الحال، وقصاص صاحب الوسطى معتبرًا بصاحب العليا، فإن اقتص صاحب العليا اقتص بعده لصاحب الوسطى، وإن طالب صاحب الوسطى بالقصاص قبل اقتصاص صاحب العليا لم يخل صاحب العليا من أن يكون قد عفا عن القصاص أو لم يعف، فإن عفا سقط قصاص صاحب الوسطى، لأنه لا يجوز أن يأخذ أنملتين عليا ووسطى بأنملة واحدة وسطى وإن لم يعف صاحب العليا قيل لصاحب الوسطى: لا قصاص لك في الحال مع بقاء العليا وأنت بالخيار بين أن تعفو عن القصاص إلى الدية وبين أن تنتظر بها قصاص صاحب العليا.
فإن قيل: إذا كان غير مستحق للقصاص في الحال فكيف يجوز أن يستحقه في ثاني حال، وهلا كان باختلاف الحالين كالحر إذا قطع يد عبد لما سقط القصاص عنه في الحال لم ينتظر بها عتق العبد من بعد حتى يقتص منه قيل: القصاص في الوسطى قد وجب بعد قطع العليا وإنما أخر استيفاؤه لأجل صاحب العليا، وما أخر استيفاؤه من القصاص لسبب لم يوجب تأخيره بطلانه كتأخير الاقتصاص من الحامل حتى تضع، وخالف قطع الحر العبد، لأن القصاص له يجب فافترقا، فإن بادر صاحب الوسطى فاقتص من القاطع فقد تعدى بأخذ العليا مع الوسطى إذ لا قود له عليه فيها لعدم محلها منه، وعليه ديتها للقاطع، ويرجع صاحب العليا بديتها على القاطع.
فصل: ولو ابتدأ الجاني فقطع الأنملة الوسطى من سبابة رجل ليس له عليا ثم قطع العليا

من سبابة آخر فلا قصاص لصاحب الوسطى، سواء اقتص صاحب العليا أو لم يقتص، لأنه لم يستحق القصاص في الحال فلم تستحقه في ثاني حال كالعبد إذا أعتق، وكما لو قطع إصبعا شلاء ثم شلت إصبع القاطع بعد الجناية لم يقتص منها، وحكي ابن أبي هريرة في السليمة إذا شلت وجها ثانيًا أنه يقتص منها ولا وجه له اعتبارًا بما ذكرنا، ولو قطعهما من رجلين في حالةً واحدةً وجب لصاحب الوسطى القصاص إذا استوفاه صاحب العليا، ويصير كما لو تقدم بقطع العليا ثم الوسطى، لأن القصاص مستحق بعد القطع والعليا بعده مستحقة القطع.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولا أقيد بيمنى يسرى ولا بيسرى يمنى)).
قال في الحاوي: والمماثلة في القصاص معتبرة في الجنس والنوع، فالجنس أن تؤخذ اليد باليد، ولا تؤخذ يد برجل، والنوع أن تؤخذ يمنى بيمنى، ولا تؤخذ يمنى بيسرى، فإذا قطع يده اليمنى وكان للقاطع يد يمنى أخذناها قودًا، وإن لم يكن له يمنى سقط القصاص إلى الدية ولم يؤخذ بها اليسرى لعدم المماثلة وهو قول الجمهور.
وقال شريك بن عبد الله: أقطع اليمنى باليمنى ولا أعدل عنها إلى اليسرى، فإن عدمت اليمنى قطعت اليسرى بها، لاشتراكهما في الأيسر وتماثلهما في الخلقة وتقاربهما في المنفعة وهذا خطأ، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126] ولأن ما تميز محله وتفرد بنوعه لم يكن الاشتراك في الاسم العام موجبًا للقصاص كالإصبع لا تؤخذ السبابة بالوسطى وإن اشتركا في الاسم لاختلافهما في المحل، ولأنه لو جاز أخذ اليسرى باليمنى عند عمدها لجاز أن تؤخذ بها مع وجودها وذلك غير جائز مع الوجود فكذلك مع العدم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قلع سنه أو قطع أذنه ثم إن المقطوع ذلك منه ألصقه بدمه وسأل القود فله ذلك لأنه وجب له بإبانته، وكذلك الجاني لا يقطع ثانية إذا أقيد منه مرة إلا بأن يقطع لأنها ميتة)).
قال الماوردي: وهذه المسألة يشتمل في القاطع والمقطوع على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقطع أذنه فيبينها ثم إن المقطوع أذنه ألصقها بدمها فالتحمت مندملة ثم سأل القصاص من القاطع اقتص له منه لوجوب القصاص بالإبانة، فإن سأل المقتص منه أن تزال أذن المقتص له.
قيل: لا حق لك في إزالتها وإنما تزال في حق الله تعالى، لأنها بعد الإبانةً ميتةً

نجسة يلزم أخذه بإزالتها لما عليه من اجتناب الأنجاس في الصلاةً وهو حق يستوفيه الإمام دونك، وهكذا لو اقتص من أذن الجاني فألصقها بدمها فسأل المقتص له أن تعاد إزالتها، قيل له: قد استوفيت حقك من القصاص بالإبانة، وإنما تزال في حق الله تعالى لا في حقك، فلو قطع هذه الأذن الملصقة قاطع من المقتص له أو من المقتص منه لم يضمنها بقود ولا ديةً، ويعزر لافتياته على الإمام لا لتعديه على المقطوع، لأنه مستحق عليه فلم يكن تعديًا في حقه وكان افتياتًا في حق الإمام لمداخلته في سلطانه.
والثاني: أن تقطع أذنه إلى نصفها ثم يتركها فيلصقها المجني عليه بدمها فتلتحم وتندمل فلا قصاص على الجاني لأمرين: أحدهما: عدم الإبانة.
والثاني: إقرارها مندملةً وتؤخذ منه حكومة ما حدث من الشين بعد الاندمال فلو جني عليها آخر فقطعها إلى آخر الموضع الذي قطعها الأول أخذ بحكومتها دون القود كالأول، ولو أبانها اقتص منه بها، فلو بلغ القصاص إلى نصف أذن القاطع فألصقها بدمها أعيد قطعها منه قودًا، لأنها مقرة في غير القصاص فوجب أن تؤخذ في القصاص.
الثالث: أن تقطع أذنه وتتعلق بالجلد فلا تنفصل منه، فإن أعادها المجني عليه فالتصقت أقرت، لأنها إذا لم تنفصل فهي طاهرة لبقاء الحياة فيها، وإذا أقرت بعد الالتحام فلا قصاص فيها، وفيها حكومة بقدر الشين، وإن لم تلتحم وجب القصاص فيها فيقتص من أذن الجاني حتى تتعلق بجلدتها، ولا يقطع الجلدة كما لم يقطعها، لأن غضاريف الأذن محدودة فجرى القصاص فيها مع بقاء الجلد المغشي لها كما يقتص من الموضحة لانتهائها إلى العظم كذلك يقتص من غضروف الأذن لانتهائه إلى اللحم، فإذا اقتضى منها وأعادها الجاني فألصقها حتى التحمت أعيد قطعها ثانية، لأن حقه في بقائها بائنة كما بقيت أذن المجني عليه بائنةً.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ويقاد بذكر رجل شيخ وخصي وصبي والذي لا يأتي النساء، كان الذكر ينتشر أو لا ينتشر ما لم يكن به شلل يمنعه من أن ينقبض أو ينبسط.
قال في الحاوي: القصاص في الذكر واجب، لأنه عضو له حد وغايةً، فإذا استوعبه من أصل القضيب اقتص منه، ويؤخذ الطويل بالقصير، والغليظ بالدقيق، وذكر الشاب بذكر الشيخ، وذكر الذي يأتي النساء بذكر العنين، والذكر الذي ينتشر بالذي لا ينتشر ما لم يكن به شلل، وذكر الفحل بذكر الخصي.

وقال أبو حنيفة، ومالك: لا أقتص من ذكر الفحل بذكر الخصي، ولا الذكر المنتشر بغير المنتشر لنقصهما وقلة النفع بهما فلم يقتص من كامل بناقص، وهذا فاسد، لقول الله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126]. ولأنهما قد اشتركا في الاسم الخاص مع تمام الخلقة والسلامة من الشلل فجرى القصاص بينهما كسائر الأطراف، ولأن ذكر العنين صحيح وعدم الإنزال لعلة في الصلب، لأنه محل الماء، وكذلك ذكر الخصي صحيح، والنقص في غيره وهو عدم الأنثيين، ولأنه ليس في العنة والخصي أكثر من فقد الولد، وهذا المعنى لا يؤثر في سقوط القود، كما يؤخذ ذكر من ولد له بذكر العقيم، وكما يؤخذ ثدي المرضعةً ذات اللبن بثدي من لا ترضع وليس لها لبن، وفيما ذكرناه انفصال.
فأما الذكر الأشل فلا قصاص فيه من السليم كما لا يقتص من اليد السليمة بالشلاء، وشلل الذكر هو أن يستحشف أو ينقبض فلا ينبسط بحال، وينبسط فلا ينقبض بحال أو ينقبض باليد فإذا فارقته انبسط، أو ينبسط باليد فإذا فارقته انقبض، فهذا هو الأشل على اختلاف أنواع شلله، فلا يقتص منه إلا بأشل ولا يمنع اختلاف أنواع الشلل من جريان القصاص بينهما لعموم النقص وعدم المنفعة.
فصل: فإن قطع حشفة الذكر كان فيها القصاص، لأنها معلومة الغاية ولا يمنع اختلافهما في الصغر والكبر من جريان القصاص بينهما، ولو قطع بعض ذكره اقتص منه إذا أمكن، لأنه عصب يمكن قطعه وليس فيه عظم يتشظى كالذراع، فيقدر المقطوع من ذكر المجني عليه، فإن كان نصفه قطع نصف الذكر الجاني، سواء كان أكبر من ذكر المجني عليه أو أقل، وإن كان ثلثه قطع ثلث ذكر الجاني، ولا يؤخذ بقدر المقطوع: لأنه قد يكون نصف ذكر المجني عليه بقدر الثلث من ذكر الجاني، فيؤخذ نصف ذكره ولا يقتصر على ثلثه اعتبارًا بمقدار المقطوع من بقية ذكره لا من ذكر الجاني.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((وبأنثيي الخصي القصاص لأن ذلك طرف وإن قدر على أن يقاد من إحدى أنثيي رجل بلا ذهاب الأخرى أقيد منه وإن قطعهما ففيهما القصاص أو الدية تامةً)).
قال في الحاوي: أما القود في الأنثيين فواجب، لأنهما عضوان من أصل الخلقة فيهما منفعة ويخاف من قطعهما على النفس فأشبها الذكر، فيؤخذ أنثيا الشاب بأنثيي الشيخ، وأنثيي الرجل بأنثيي الصبي، وأنثيي من يأتي النساء بأنثيي العنين، وأنثيي الفحل

بأنثيي المجبوب، وهو الذي عناه الشافعي بالخصي، ومنع أبو حنيفة ومالك من أخذ أنثيي الفحل بأنثيي المجبوب، ومن أخذ أنثيي الذي يأتي النساء بأنثيي العنين، كما منعا منه في الذكر، والكلام فيهما واحد.
فإن قطع إحدى الأنثيين اقتص منها إذا علم أن القصاص منهما لا يتعدى إلى ذهاب الأخرى، لأن كل عضوين جرى القصاص فيهما جرى في أحدهما كاليدين والرجلين، فإن علم أن القصاص من إحداهما يتعدى إلى ذهاب الأخرى الأنثيين فلا قصاص فيهما، لأنه يصير قصاصًا من عضوين بعضو وذلك لا يجوز، ويؤخذ منه ديتها وهي نصف الدية، لأن في الأنثيين جميع الدية.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((فإن قال الجاني جنيت عليه وهو موجوء، وقال المجني عليه بل صحيح فالقول قول المجني عليه مع يمينه لأن هذا يغيب عن أبصار الناس ولا يجوز كشفه لهم)).
قال في الحاوي: إذا اختلف في سلامة العضو المجني عليه فقال الجاني: هو أشل وهو موجوء قد بطلت منافعه فلا قود علي ولا دية، وعلي حكومة.
وقال المجني عليه: بل هو سليم استحق فيه القود أو الدية عامةً فقد نص الشافعي في الأعضاء الباطنةً كالذكر والأنثيين القول المعتبر في سلامتها عند القصاص أن القول قول المجني عليه مع يمينه على سلامتها، وله القود إلا أن يقيم الجاني البينةً على ما ادعاه من الشلل، ونص في الأعضاء الظاهرة كاليدين والرجلين والأنف والعينين القول المعتبر في سلامتها عند القصاص أن القول قول الجاني مع يمينه أنها غير سليمة، ولا قود عليه ولا دية إلا أن يقيم المجني عليه البينة على سلامتها، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النصين على وجهين: أحدهما: أن القول قول الجاني مع يمينه في الأعضاء الظاهرة والباطنةً أنها غير سليمةً على ما نص عليه في الأعضاء الباطنةً لا قود عليه ولا دية.
وبه قال أبو حنيفة: لأن الأصل براءة الذمةً من قود وعقل فكان الظاهر صدقه.
والقول الثاني: أن القول قول المجني عليه مع يمينه في الأعضاء الظاهرة والباطنة على ما نص عليه في الأعضاء الباطنة، لأن الأصل سلامة الخلقة وثبوت الصحة، وهكذا لو قطع رجلًا ملفوفًا في ثوب فادعى أنه كان ميتًا وادعى وليه أنه كان حيًا فهو على قولين: أحدهما: أن القول قول الجاني.
والثاني: أن القول قول الولي وأصلهما اختلاف قوليه في أيهما هو المدعي:

أحدهما: أن الجاني هو المدعي لحدوث الموت، فيكون القول فيه قول الولي.
والثاني: أن الولي هو المدعي للقود، فيكون القول قول الجاني، فهذا أحد وجهي أصحابنا.
والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، أن اختلاف النصين محمول على اختلاف حالين، فيكون القول في الأعضاء الظاهرة قول الجاني مع يمينه أنها غير سليمةً، والقول في الأعضاء الباطنة قول المجني عليه مع يمينه أنها سليمة.
والفرق بينهما: تقدير إقامة البينة في الأعضاء الباطنةً وإمكانها في الأعضاء الظاهرةً، فيقوى في الباطن جنبة المجني عليه، وقوي في الظاهر جنبة الجاني، كما لو قال: إن ولدت فأنت طالق، فادعت الولادة وأنكرها، كان القول فيه قولها لتعذر البينة عليها.
وإن قال: إن ولدت فأنت طالق، فادعت الولادة وأنكرها كان القول فيه قوله دونها، لإمكان إقامة البينة على ولادتها.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من شرح المذهب، فإن قلنا إن القول قول المجني عليه في سلامتها مع يمينه حلف لقد كان سليما عند الجناية عليه، وحكم له بالقود أو الدية، إلا أن يكون للجاني بينة على ما ادعاه من الشلل وعدم السلامة، فإن شهدوا أنه كان أشل عند الجناية أو قبلها حكم بشهادتهم، وسقط القود والدية ووجب الأرش، لأن الشلل إذا ثبت قبل الجناية يزول وكان باقيا إلى وقت الجناية، فلذلك ما استوي حكم الشهادة في الحالتين، والبينة هاهنا إن كانت الجناية موجبة للقود شاهدان، وإن كانت موجبة للدية دون القود في الجناية شاهدان، أو شاهد وامرأتان، أو شاهد ويمين، وإن قلنا: إن القول قول الجاني فلا يخلو حاله من أن يكون قد اعترف بالسلامة قبل الجناية أو لم يعترف بها، فإن لم يعترف له بالسلامة وقال لم تزل سلامته وحلف، فالقول قوله مع يمينه، وإن اعترف له بالسلامة وادعى حدوث الشلل عند الجناية القول المعتبر في السلامة عند القصاص ففي قبول قوله قولان منصوصان: أحدهما: لا تقبل للاعتراف بالسلامة، لأنها قد صارت باعترافه بها أصل استصحابه فيصير القول فيه قول المجني عليه.
والثاني: أن يقبل دعواه في حدوث الشلل مع اعترافه بتقدم السلامة، لأننا لما قدمنا قوله في الشلل وإن كان الظاهر سلامة الخلقة قبلنا قوله مع اعترافه بسلامة الخلقة، لاعترافه بما وافق الظاهر من السلامة، فيكون القول قوله مع يمينه، لقد كان أشل ولا يلزم أن يكون يمينه على شلله وقت الجناية، لأن الشلل لا يزول بعد حدوث، فإن أقام المجني عليه بينة على سلامته سمعناها إن شهدت بسلامته وقت الجناية.
وإن شهدت بسلامته قبلها فعلى قولين من اختلاف قوليه إذا اعترف بتقدم سلامته هل

يقبل قوله في حدوث شلله.
فإن قيل بقبول قوله فيه لم يحكم عليه بهذه البينة، وإن لم يقبل قوله فيه حكم عليه بهذه البينة، وكان له إحلاف المجني عليه لقد كان سليما إلى وقت الجناية عليه، ولا يقبل فيما أوجب القود إلا شاهدان ويقبل فيما أوجب الدية دون القود شاهد وامرأتان أو شاهد ويمين والله أعلم.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: ((ويقاد أنف الصحيح بأنف الأخرم ما لم يسقط أنفه أو شيء منه)).
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لقول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: 45] ولأن الأنف حد ينتهي إليه، وهو المارن المتصل بقصبة الأنف الذي يحجز بين المنخرين، والمارن ما لان من الأنف من القصبة الذي بعده من العظم فشابه حد الكف من زند الذراع، فلذلك وجب فيه القود، فيؤخذ الأنف الكبير بالصغير، والغليظ بالدقيق، والأقنى بالأفطس، والشام بالأخشم الذي لا يشم، لأن الخشم علة في غير الأنف، ويؤخذ أنف الصحيح بأنف الأجذم والأخرم إذا لم يذهب بالجذام والخرم شيء منه، لأن الجذام مرض لا يمنع من القود، فإن ذهب بالجذام والخرم شيء من أنف المجني عليه روعي ما ذهب منه وما بقي، فإن أمكن فيه القود استوفي، وهو أن يذهب أحد المنخرين ويبقى أحدهما فيقاد من المنخر الباقي ويؤخذ مثله من الجاني، وإن لم يكن فيه القود لذهاب أرنبة الأنف وهو مقدمه سقط القود فيه، لأنه لا يمكن استيفاء الأرنبة مع القود فيما بعدها، وكان عليه من الدية بقسط ما أبقاه الجذام من أنف المجني عليه من نصف أو ثلث أو ربع.
ولو كان أنف المجني عليه صحيحا وأنف الجاني أجذم، فإن لم يذهب بالجذام شيء منه أقيد به أنف الصحيح ولا شيء عليه بعده، وإن أذهب الجذام بعضه أقيد من أنفه وأخذ من دية الأنف بقسط ما أذهبه الجذام من أنف الجاني من ربع أو ثلث أو نصف، ولو قطع الجاني بعض أنف المجني عليه وكان كل واحد منهما صحيح الأنف قدر المقطوع من أنف المجني عليه وما بقي منه.
فإن كان المقطوع ثلث أنفه أقيد من الجاني ثلث أنفه، وإن كان نصفا فالنصف، ولا يقاد بقدر المقطوع، لأنه ربما كبر أنف المجني عليه فكان نصفه مستوعبا لأنف الجاني، فيفضي إلى أخذ الأنف بنصف أنف وهذا لا يجوز، فلو قطع المارن وبعض القصبة أقيد من مارن الجاني وأخذ منه أرش المقطوع من القصبةً، لأنهما عظم لا يتماثل فلم يجب فيه القود، كما لو قطع يدا من عظم الذراع أقيد من كفه وأخذ منه أرش ما زاد عليها من عظم الذراع.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((وأذن الصحيح بأذن الأصم)).
قال في الحاوي: والقود في الأذن واجب، لقوله تعالى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ فيأخذ الأذن الكبيرةً بالصغيرةً، والغليظةً بالدقيقةً، والسمينةً بالهزيلةً، والسميعةً بالصماء.
وقال مالك: لا أقيد أذن السميع بأذن الأصم، لنقصها بذهاب السمع، وهذا فاسد؛ لأن محل السمع في الرأس، والصم يكون إما بسداد منافذه، وإما لذهابه من محله فلم يكن نقصا في الأذن وإنما هو نقص في غيرها، فجرى القود بينهما فيها، ومنفعةً الأذن تجمع الأصوات لتصل إلى السمع، وتؤخذ الأذن التي لا ثقب فيها بالأذن المثقوبة إذا لم يذهب بالثقب شيء منها، فإن أذهب الثقب منها شيئًا فهي كالأنف إذا أذهب الجذام شيئا منه، وكذلك قطع بعضها على ما بيناه في الأنف لتشابههما.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإن قلع سن من قد أثغر سنه هل يجب القصاص فإن كان المقلوع سنه لم يثغر فلا قود حتى يثغر فيتتام طرحة أسنانه ونباتها فإن لم ينبت، وقال أهل العلم به لا ينبت أقدناه)) قال في الحاوي: أما القصاص في الأسنان فواجب بقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: 45].
ولرواية أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: في السن القصاص ولأن فيها منفعةً وجمالًا فأشبهت سائر الأعضاء.
فإن قيل: فالسن عظم والعظم لا قصاص فيه.
قيل: السن لانفراده كالأعضاء المنفردة التي يجري القصاص فيها، وغيره من العظام ممتزج ومستور بما يمنع من مماثلة القصاص فلم يجب فيه القصاص، فإذا ثبت وجوب القصاص فيه لم يخل حال المجني عليه بقلع سنه من أحد أمرين: إما أن يكون قد ثغر أو لم يثغر، والمثغور أن يطرح أسنان اللبن وينبت بعدها أسنان الكبر، فإن كان مثغورًا قد طرح أسنان اللبن ونبتت أسنان الكبر فقلعت سنه وجب القصاص فيها من مثلها من سن الجاني، وأسنان الفم إذا تكاملت اثنان وثلاثون سنًا، منها أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وأربعة ضواحك، واثني عشر ضرسا، وهي الطواحن، وأربعة نواجذ وهي أواخر أسنان الفم، فتؤخذ الثنيةً بالثنيةً، ولا تؤخذ ثنيةً برباعيةً، ولا ناب بضاحك، كما لا يؤخذ إبهام بخنصر، وتؤخذ اليمنى باليمنى ولا تؤخذ يمنى بيسرى

وتؤخذ العليا بالعليا ولا تؤخذ عليا بسفلى، وتؤخذ السن الكبيرة بالصغيرة، والقويةً بالضعيفةً، كما تؤخذ اليد الصحيحةً بالمريضةً، لأن الاعتبار بالاسم المطلق، وإذا كان كذلك لم يخل حال السن المقلوعةً بالجنايةً من أن تقلع من أصلها أو يكسر ما ظهر منها، فإن قلعت من أصلها الأسنان قلعت سن الجاني من أصلها الداخل في لحم العمور ومنابت الأسنان، وإن كسر ما ظهر منها وبرز من لحم العمور كسر من سن الجاني ما ظهر منها وترك عليه ما ستره اللحم من أصلها، فإن عفا عن القصاص إلى الدية كانت فيه دية السن خمسًا من الإبل كما لو قلعها من أصلها، لأن منفعتها وجمالها بالظاهر دون الباطن، فإن عاد وقطع ما بطن من بقيتها كان فيه حكومةً، كمن قطع أصابع الكف وجب عليه دية كف، فإن عاد فقطع بقية الكف كانت عليه حكومة، ولو كان قد قطعها من أصل الكف لم يجب عليه أكثر من الدية، ولو كسر نصف سنة بالطول، فإن أمكن القصاص منها اقتص، وإن تقدر كان عليه نصف ديتها.
فصل: وإن قلع سن من لم يثغر فلا قصاص في الحال ولا ديةً، لأنها من أسنان اللبن التي جرت العادة بنباتها بعد سقوطها ووجب الانتظار إلى أقصى المدة التي يقول أهل العلم بها من الطب أنها تنبت فيه، فإن نبتت فلا قصاص فيها ولا دية، لأن القصاص والدية إنما يجبان فيما يدوم ضرره وعينه ولا يجبان فيما يزول ضرره وشينه كالسن إذا نبتت وكاللطمة إذا آلمت، لزوال ذلك وعوده إلى المعهود منه، فإن كان قد خرج مع سن اللبن حين قلعت دم نظر فيه فإن خرج من لحم العمور وجب فيه أرش، كمن جرح في لحم بدنه فأنهر دمه، وإن خرج من محل السن المقلوعة ففي وجوب الأرش وجهان حكاها أبو حامد الإسفراييني: أحدهما: لا يجب فيه أرش كمن لطم فرعف لم يجب فيه أرش.
والثاني: فيه الأرش، لأنه قد قلع بقلعه ما اتصل به من عروق محله ومرابطه فلزمه الأرش، وعلى مقتضى هذا التعليل يجب عليه الأرش وإن لم يخرج دم لقطع تلك المرابط والعروق.
فإن قيل به كان هذا الوجه الثاني أصح، وإن لم يقل به كان الوجه الأول أصح، والقول الثاني عندي أولى.
فإذا ثبت وجوب الانتظار بالسن المقلوعة وقت نباتها لم يخل حال صاحبها من أحد أمرين: إما أن يعيش إلى ذلك الوقت أو يموت قبله، فإن عاش إليه لم يخل حال تلك السن المقلوعة من أحد أمرين: إما أن تنبت أو لا تنبت، فإن لم تنبت وجب فيها القصاص، فإن عفا عنه فالدية تامةً، لأنه قلع سنا لم تعد فصارت كسن المثغور وإن نبتت فلها ثلاثة أحوال:

أحدها: أن تنبت كأخواتها في القد واللون، فلا قود فيها ولا دية.
والثانية: أن تنبت أقصر من أخواتها فالظاهر من قصرها أنه من قلع ما قبلها قبل أوانه فصار منسوبا إلى الجاني فيلزمه دية السن بقدر ما نقص من السن العائد، فإن كان النصف فنصف ديتها، وإن كان الثلث فثلثها.
والثالثة: أن تنبت في قد أخواتها لكنها متغيرةً اللون بخضرةً أو سواد، فالظاهر أنه من الجنايةً، فيؤخذ الجاني بأرش تغييرها، وإن مات المقلوع سنه قبل الوقت الذي قدره أهل العلم بالطب لعودها فلا قود فيها، لأن الظاهر أنه لو بقي لعادت، والقصاص حد يدرأ بالشبهة.
وأما الدية ففي استحقاقها وجهان: أحدهما: يستحق، لأن قلعها مستحق وعودها مع البقاء متوهم، فلم يسقط بالظن حكم اليقين.
والثاني: لا يستحق الدية اعتبارًا بالظاهر كما لم يجب القود اعتبارًا به.
فصل: وإذا كان المقلوع سنه مثغورًا فعادت سنه ونبتت ففيها قولان: أحدهما: أنه يصير كغير المثغور إذا عادت سنه بعد قلعها تكون هي الحادثة عن المقلوعةً، فلا يجب فيها قصاص ولا دية كما لو جني على عينه فأذهب ضوءها ثم عاد الضوء كان هو الأول ولم يكن حادثًا عن غير، فلو كان قد تقدم الاقتصاص منها لم يقتص للجاني منها، لأن المستوفي على وجه القصاص لا يجب فيه القصاص لكن له الدية يرجع بها على المجني عليه لأخذه القصاص من سن لا يستحق فيها القصاص.
والثاني: أن هذه السن الحادثة هبة من الله مستجدة وليست حادثة من المقلوعة، لأن الظاهر من حال المثغور أن سنه إذا انقلعت لم تعد، فلا يسقط بعودها قصاص ولا دية، فيقتص من الجاني وإن عادت من المجني عليه بخلاف من لم يثغر، لأن سن المثغور لا تعود في غالب العادة، وسن غير المثغور تعود في الأغلب، وخالف ضوء العين إذا عاد بعد ذهابه، لأنه كان مستورًا بحائل زال فأبصر بالضوء الأول لا بضوء تجدد وهذه سن تجددت فافترقا، ويتفرع على هذين القولين فرعان: أحدهما: أن يقلع رجل سنا فيقتص من سن الجاني بسن المجني عليه، ثم تعود سن الجاني فتنبت.
فإن قيل: إن السن العائدة في المثغور هي هبةً مستجدةً وليست حادثةً عن الأولى، فلا شيء على الجاني بعود سنه من قصاص ولا دية لاستيفاء القصاص منه، وما حدث بعده هبةً من الله تعالى له.
وإن قيل: إن السن العائدة في المثغور هي الحادثةً عن الأولى، ففي وجوب

الاقتصاص منها ثانيًا وجهان: أحدهما: يقتص منها إذا عادت ثانيةً كما اقتص منها في الأولى، وكذلك لو عادت ثالثةً ورابعةً، لأنه قد أفقد المجني عليه سنه فوجب أن يقابل بما يفقد سنه.
والثاني: لا قصاص فيها لاستيفائه منها وأنه جني دفعةً واحدةً فلم يجز أن يقتص منه أكثر من دفعةً واحدةً، فعلى هذا هل تؤخذ منه ديتها أم لا: على وجهين: أحدهما: تؤخذ منه الدية لترك سنه عليه.
والثاني: لا يؤخذ بالدية كما لم يؤخذ بالقصاص، لأن لا يجمع بين دية وقصاص.
والفرع الثاني: أن يقتص من سن الجاني بسن المجني عليه، فتعود سن الجاني وتعود سن المجني عليه، فلا قصاص هنا من الثانيةً ولا دية على القولين معًا، لأننا إن قلنا بأن العائدة هبةً مستجدةً فهي هبةً في حق كل واحد منهما، وإن قلنا إنها حادثةً عن الأولى فقد عادت سن كل واحد منهما والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قلع له سنًا زائدةً ففيها حكومةً إلا أن يكون للقالع مثلها فيقاد منه)).
قال في الحاوي: أما السن الزائدةً فهي ما زادت على الاثنين والثلاثين سنًا المعدودة التي عيناها من أسنان الفم، وتنبت في غير نظام الأسنان، إما خارجةً أو داخلةً، وتسمى هذه الزيادة سنا ثانيةً، قال الشاعر: فلا يعجبن ذا البخل كثرة ماله فإن الشغا نقص وإن كان زائدًا فإذا جني عليها جان فقلعها لم يخل أن يكون للجاني مثلها أو لا يكون، فإن لم يكن له مثلها فلا قود فيها، لعدم ما يماثلها، كما لو قطع نابه ولم يكن له ناب لم يؤخذ به غير الناب، فإذا سقط القصاص في الشاغبةً فعليه فيها حكومةً لا يبلغ بها ديةً سن غير شاغبةً لنقص الأعضاء الزائدة عن أعضاء الخلقةً المعهودةً، وإن كان للجاني سن زائدةً لم يخل من أن تكون في مثل محلها من المجني عليه أو غير محلها، فإن كانت في غير محلها منه مثل أن تكون الزائدة من الجاني مع الأسنان العليا ومن المجني عليه مع الأسنان السفلى أو تكون من الجاني يمنى ومن المجني عليه يسرى، أو تكون من الجاني مقترنة بالناب ومن المجني عليه مقترنةً بالثنية فلا قصاص فيها، لأن اختلاف محلهما يمنع من تماثلهما فإن كانت من الجاني في مثل محلها من المجني عليه ففيها القصاص، لتماثلهما في المحل، وسواء اتفقا في القدر والمنفعةً أو تفاضلا، لتساويهما في الاسم الخاص كما قلناه فيما كان من أصل الخلقة المعهودة.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ومن اقتص حقه بغير سلطان عزر ولا شيء عليه)).
قال في الحاوي: وهذا صحيح ليس لمستحق القصاص أن ينفرد باستيفائه من غير إذن السلطان، سواء كان في نفس أو طرف ثبت ذلك عند سلطان أو لم يثبت لأمرين: أحدهما: أن في القصاص ما اختلف الفقهاء في استيفائه فلم يتيقن فيه الحكم باجتهاد الولاة.
والثاني: أنه موجود في تعديته في الاقتصاص منه فلم يكن له القصاص إلا بحضور من يزجره عن التعدي، فإن تفرد باستيفائه فقد وصل إلى حقه ويعزر على افتياته، ولا شيء عليه إذا كان ما استوفاه من القصاص ثابتًا فإن ادعاه ولم يكن له بينة لم تقبل دعواه وصار جانيًا، فيؤخذ بما جناه من قصاص أو ديةً، ولا تكون دعواه شبهة في سقوط القصاص عنه، لأن سعدًا قال للنبي - ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ - ((أرأيت يا رسول الله، لو وجدت مع امرأتي رجلًا أقتله؟ قال: لا حتى تأتي بأربعة من الشهداء، كفي بالسيف شا)) يعني: شاهدًا عليك بالقتل، وقال منصور بن إسماعيل التميمي المصري، من أصحابنا: لا يعزر الولي إذا استوفاه بغير سلطان: لأنه استوفي حقه فلا يمنع منه كاسترجاع المغصوب وهذا فاسد بما قدمناه من الأمرين.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: ((ولو قال المقتص: أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها، وقال عمدت وأنا عالم فلا عقل ولا قصاص فإذا برئ اقتص من يمينه وإن قال لم أسمع أو رأيت أن القصاص بها يسقط عن يميني لزم المقتص دية اليد)).
قال في الحاوي: وصورتها في رجل وجب القصاص عليه في يمناه فأخرج يسراه فقطعها المقتص، فلا يجوز أن تكون اليسرى قصاصًا باليمنى لاستحقاق المماثلة فيه، كما لا تكون اليد قصاصا بالرجل وإن وقع به التراضي، وإذا كان كذلك بدئ بسؤال فخرج يده قبل سؤال المقتص القاطع: هل أخرج يده باذلا لقطعها أو غير باذل؟ فإن قال: أخرجتها غير باذل لقطعها وإنما أردت بإخراجها التصرف بها سأل حينئذ المقتص القاطع: هل علم أنها اليسرى أو لم يعلم؟ فإن قال: لم أعلم أنها اليسرى وظننتها اليمنى فقطعتها قصاصًا فلا قصاص على هذا المقتص في اليسرى وإن لم يكن قصاصًا في اليمنى، لأنها شبهةً تدرأ بها الحدود، وعليه ديتها، لأنه قطعها خطأ بغير حق، وهل يسقط بذلك حقه من قطع اليمنى أم لا؟ على وجهين:

أحدهما: قد سقط حقه من الاقتصاص منها لاعتقاده استيفاء قصاصه، فعلى هذا يرجع المقتص على مخرج يده اليمنى حالة في ماله، لأنها دية عمد، ويرجع مخرج يده اليسرى على عاقلة المقتص، لأنها دية خطأ، ولا يكونا قصاصا لاختلاف محلهما.
والثاني: أن حقه في الاقتصاص من اليمنى باق لبقائها، وأن الخطأ بغيرها لا يزيل الحق منها، فعلى هذا يكون للمقتص أن يقطع يمين الجاني المخرج ليسراه إذا اندملت اليسرى، لأن لا يوالي عليه بين قطعين فيسري قطعهما إلى تلفه، وهذا بخلاف ما لو استحق عليه قطع يديه فإنه يجوز أن يوالي عليه في الاقتصاص منهما بين قطعهما ولا ينتظر اندمال أولاهما، لأن قطعهما مستحق فلم ينتظر به الاندمال وفي مسألتنا الأولى غير مستحق فانتظر اندماله لاستيفاء المستحق بعده، فإذا اقتص من اليمنى كان على عاقلته دية يسرى الجاني.
وإن قال المقتص القاطع لليسرى علمت حين قطعتها أنها اليسرى.
قيل: عليك منها القصاص، لأنك أخذتها عمدًا بغير حق، سواء علم تحريم قطع اليسرى باليمنى أو جهل، فيقتص من يسراه بيسرى الجاني، فأما حقه في الاقتصاص من يمين الجاني فمعتبر بحاله في قطع اليسرى، هل قصد بقطعها القصاص من اليمنى أو لم يقصد بقطعها أن تكون قصاصًا باليمنى؟ فإن لم يقصد قصاصًا باليمنى كان على حقه من الاقتصاص من يمين الجاني، وإن قصد بقطع اليسرى أن يكون قصاصًا من اليمنى، ففي سقوط حقه من الاقتصاص منها وجهان: أحدهما: قد سقط حقه من قطع اليمنى قصاصا لاعتقاده استيفاء بدله ويكون له على الجاني ديتها.
والثاني: أنه على حقه في الاقتصاص من اليمنى، لأنه لما لم تكن اليسرى بدلًا عنهما واستوفي القصاص لها وجب أن يكون على حقه من القصاص من اليمنى.
فصل: وإن قال الجاني المخرج ليسراه: أخرجتها باذلا لقطعها الذي أخرج يسراه وكان عليه القصاص في يمناه سئل عن بذلها: هل جعلته بدلا من اليمنى أو غير بدل؟ فإن قال لم أجعله بدلا لعلمي بأنه لا يقتص من يسرى بيمنى قيل فقطع يدك هدر لإباحتك لها، فلا قود لك فيها ولا دية، ويعزر قاطعها زجرًا في حق الله تعالى مع علمه بالحظر، ولا يعذر مع جهله به، ثم يسأل قاطعها هل قطعها قصاصا أو غير قصاص: فإن قال: قطعتها غير قصاص كان على حقه في الاقتصاص من اليمنى بعد اندمال اليسرى، وإن قال: قطعتها قصاصًا من اليمنى، قيل له: علمت أنها اليسرى أو لم تعلم؟ فإن قال: علمت أنها اليسرى صار ذلك عفوًا منه عن قطع اليمنى فسقط حقه من الاقتصاص منها، وله ديتها حالة في مال الجاني، وإن قال: ظننتها اليمنى ولم أعلم أنها اليسرى أخرج يسراه وعليه قصاص في يمناه فهل يسقط بذلك حقه من القصاص في اليمنى؟ على ما مضى من الوجهين: أحدهما: لا يسقط وله الاقتصاص منها بعد اندمال اليسرى.

والثاني: يسقط القصاص منها ويرجع بديتها، وإن قال المخرج لليسرى أخرجتها لتكون بدلًا من اليمنى أخرج يسراه وعليه قصاص في يمناه سئل قاطعها: هل قطعتها بدلًا من اليمنى أم لا؟ فإن قال: لم أقطعها بدلًا كان عليه القصاص في يسراه، وله القصاص في يمنى الجاني، لأنه لما لم يسقط بذلك حقه من القصاص في اليمنى لم يسقط عنه القصاص في اليسرى، ولم يكن بذل مخرجها مسقطا لقصاصه لها، لأنه بذلها لتكون معاوضة باليمنى، فإذا لم تكن عوضًا سقط حكم البذل، وإن قال: قطعتها بدلًا لتكون قصاصًا من اليمنى سئل: هل علمت أنها اليسرى أو لم تعلم: فإن علم أنها اليسرى سقط قصاصه من اليمنى، وكان عليه دية اليسرى وله دية اليمنى فيتقاصان، لأنهما ديتا عمد في أموالهما، فإن تفاضلت ديةً أيديهما لكون أحدهما رجلًا والآخر امرأةً تراجعا فضل الدية وإن ظنها اليمنى ولم يعلم أنها اليسرى ففي سقوط القصاص ما قدمناه من الوجهين.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان ذلك في سرقة لم يقطع يمينه ولا يشبه الحد حقوق العباد)).
قال في الحاوي: وصورتها: أن يستحق قطع يمين السارق فيخرج يسراه فتقطع فقد قال الشافعي في موضع القديم: القياس أن تقطع يمناه والاستحسان ألا تقطع فصار قوله في القديم لم يلزم من تقديم على الاستحسان، لأنه لا يجوز أن يؤخذ يسرى السارق بيمناه كالقصاص وقطع اليمنى بعد قطع اليسرى إذا اندملت، فعلى هذا إذا أخرجها السارق مبيحا لها لا قصاص فيها ولها دية، وإن أخرجها لتقطع في السرقة بدلا من يمناه فليستفد بها منه.
وإن عمد الجلاد قطع اليسرى وعلم بها اقتص منه يد السارق، وإن لم يعلم فلا قصاص عليه وفي وجوب الدية وجهان: أحدهما: يجب عليه ديةً للصيد، لأن ما وجب في القود في عمده وجبت الدية في خطئه.
والثاني: لا ديةً عليه، لأنه في الخطأ متسلط، وفي العمد ممنوع هذا ما يقتضيه مذهبه في القديم.
فأما قوله في الجديد فلم يختلف أن أخذ اليسرى في السرقة مجزئ عن قطع اليمنى، وإن لم يجز في القصاص.
والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدها: أن حقوق الله تعالى موضوعة على المساهلةً والمسامحةً، وحقوق العباد

موضوعةً على الاستقصاء والمشاحة؟ والثاني: أن قطع اليمنى في السرقة يسقط بذهابها إذا تآكلت، ولا يسقط حكم الجناية بذهابها في القصاص إذا تآكلت والثالث: أن يسرى السارق تقطع إذا عدم اليمنى، ولا تقطع يسرى السارق بجاني إذا عدم اليمنى.
فلهذه المعاني الثلاثة افترقا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قال الجاني مات من قطع اليدين والرجلين، وقال الولي مات من غيرهما فالقول قول الولي)).
قال في الحاوي: وصورتها في رجل قطع يدي رجل ورجليه ثم مات المجني عليه فلا يخلو موته من خمسة أحوال: أحدها: أن يموت بعد اندمال اليدين والرجلين فيكون الجاني قاطعا وليس بقاتل فيلزمه إن عفا عن القصاص في يديه ورجليه ديتان إحداهما في اليدين، والأخرى في الرجلين.
والثانية: أن يموت قبل اندمالهما فيصير الجاني قاتلًا يقتص من نفسه بعد الاقتصاص من اليدين والرجلين، فإن عفا عن القصاص كانت عليه ديةً واحدةً، لأن ديات الأطراف تدخل في ديات النفس إذا سرت الجناية إليها.
والثالثة: أن يموت بعد اندمال أحدهما وبقاء الأخرى، كموته بعد اندمال يديه وبقاء رجليه، فيصير الجاني قاتلًا بسراية الرجلين قاطعًا باندمال اليدين وتلزمه ديتان إحداهما في النفس لسراية الرجلين إليهما والأخرى في اليدين لاستقرار ديتها باندمالهما، لأنها تدخل في دية النفس ما لم تندمل، ولا تدخل فيها إذا اندملت.
والرابعة: أن يختلفا فيدعي الولي أنه مات بعد اندمالهما فاستحق على الجاني ديتين، وادعى الجاني أنه مات قبل اندمالهما ليلتزم ديةً واحدةً، فالواجب مع هذا الاختلاف أن يعتبر الزمان الذي بين الجناية والموت، فإن اتسع للاندمال كالشهر فما زاد فالقول قول الولي مع يمينه بالله لقد مات بعد اندمال الجنايةً، لأنه قد استحق بابتداء الجناية ديتين، وما ادعاه من الاندمال محتمل فلم تقبل دعوى الجاني في إسقاط أحدهما إلا أن يقيم بينة أن المقطوع لم يزل مريضا حتى مات من الجناية فيحكم بها، ولا يلزمه إلا ديةً واحدةً، وإن ضاق الزمان عن الاندمال كموته بعد يوم أو أسبوع فالقول قول الجاني، لأن ما ادعاه الولي مخالف للظاهر ويحلف الجاني وإن كان الظاهر معه، لجواز أن يموت المقطوع مخنوقًا أو مسمومًا، فإن ادعى الولي مع ضيق الزمان عن

الاندمال أن المقطوع مات موجئا بذبح أو سم أو خنق صار مع كل واحد منهما ظاهر يوجب العمل عليه، فيكون على وجهين: أحدهما: أن يكون القول قول الولي مع يمينه وهو الأظهر من مذهب الشافعي، لأنه قد استحق في الظاهر بابتداء الجناية ديتين وما ادعاه من حدوث التوجية محتمل.
والثاني: أن القول قول الجاني مع يمينه، لأن الظاهر موته من الجناية وما ادعاه الولي من حدوث التوجية غير معلوم فلم يقبل منه، فعلى هذا لو اختلفا في اتساع الزمان وضيقه فقال الولي: اتسع الزمان للاندمال فالقول قولي في استحقاق الديتين، وقال الجاني: ضاق الزمان عن الاندمال فالقول قولي في أن لا تلزمني إلا ديةً واحدةً، فالقول قول الجاني مع يمينه دون الولي، ولا يلزمه إلا ديةً واحدةً لأمرين: أحدهما: أن الأصل قرب الزمان حتى يعلم بعده.
والثاني: أن الأصل بقاء الجناية حتى يعلم اندمالها.
والخامسة: أن يختلفا فيدعي الولي أنه مات من الجناية قطع يده ورجله ومات المقطوع فاستحق القصاص في النفس، ويدعي الجاني أنه مات من غير الجناية قطع يده ورجله ومات المقطوع فلا قود عليه في النفس، فإن ضاق الزمان عن الاندمال فالقول قول الولي مع يمينه، لأن الظاهر معه، فإن اتسع الزمان للاندمال فالقول قول الجاني مع يمينه، لأن الأصل أن لا قصاص عليه في النفس.
فصل: فلو كانت المسألة بضد المسطور وكانت الجناية موضحة توجب خمسا من الإبل ومات المجني عليه واختلف الولي والجاني، فقال الولي: مات من جنايتك فعليك دية النفس أو القصاص فيها، وقال الجاني: بل مات من غير جنايتي فليس علي إلا ديةً الموضحةً، فإن ضاق الزمان عن الاندمال فالقول قول الولي مع يمينه وله القصاص في النفس أو الدية كاملةً، لأن الظاهر معه، وإن اتسع الزمان للاندمال فالقول قول الجاني، لأن الظاهر معه في أن لم يجب بالجنايةً إلا دية موضحةً وأن النفس لا قصاص فيها، فصار الجواب بضد ما تقدم، لأنها بضده والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ويحضر الإمام القصاص عدلين عاقلين حتى لا يقاد إلا بحديدةً حادةً مسقاةً ويتفقد حديده لئلا يسم فيقتل من حيث قطع بأيسر ما يكون به القطع)).
قال في الحاوي: وإنما اختار الشافعي أن يحضر القصاص عدلين شاهدين ليشهدا باستيفائه إن استوفي، وبالتعدي فيه إن تعدي، فإن قيل: فما معنى قول الشافعي: عدلين

عاقلين))، والعدل لا يكون إلا عاقلا فمنه ثلاثة أجوبة: أحدهما: أنه قاله على طريق التأكيد، كمال قال الله عز وجل: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:26] و ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: 167]. والثاني: أنه أراد بالعقل ثبات النفس وسكون الجأش عند مشاهدة القصاص، وليس كل عدل يمكن جأشه عند مشاهدة القتل والقطع قاله أبو القاسم الصميري.
والثالث: أنه أراد بالعقل الفطنة والتيقظ ليفطن بما يجري من استيفائه من حق أو تعد، إذ ليس كل عدل يفطن لذلك قاله أبو حامد الإسفراييني، فإن غاب الشاهدان عن استيفاء القصاص لم يؤثر فيه وكان المسيء هو الحاكم بالقصاص دون المستوفي له، فأما صفة ما يستوفي به القصاص من الحديد فقد ذكرنا أنه ينبغي لمن حكم باستيفائه من سلطان أو قاض أن يتفقده حتى لا يكون مثلوما كالا ولا مسموما، لأن الكال يعذب المقتص منه والمسموم يهري لحمه، فإن اقتص بكال مثلوم لم يعزر، وإن اقتص بمسموم فإن كان القصاص في النفس فقد استوفي ولا غرم في السم لكن يعزر المقتص أدبا، كما لو قطع المقتص منه بعد قتله قطعا، وإن كان في طرف فأفضى السم إلى تلفه وصار التلف حادثا عن القصاص الذي لا يضمن وعن السم الذي يضمن فيلزم نصف الدية لحدوث التلف عن مباح ومحظور، كمن جرح مرتداً ثم أسلم وجرحه بعد إسلامه أخرى ثم مات ضمن نصف ديته لتلفه عن سببين أحدهما مباح والآخر محظور.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ويرزق من يقيم الحدود ويأخذ القصاص من سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس كما يرزق الحكام فإن لم يفعل فعلى المقتص منه الأجر كما عليه أجر الكيال والوزان فيما يلزمه)).
قال في الحاوي: ينبغي للإمام أن يندب لاستيفاء الحدود والقصاص رجلا أمينا من بيت المال إن لم يجد متطوعا، لأنه من المصالح العامة، ويكون من مال المصالح وهو خمس الخمس سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفيء والغنيمة المعد بعده للمصالح العامة، فإذا استوفي الجلاد القصاص أعطى أجرته منه، فإن أعوز بيت المال أو كان فيه ولزم صرفه فيما هو أولى منه من سد الثغور وفي أرزاق الجيوش منه كانت على المقتص منه أجرته دون المقتص له.
وقال أبو حنيفة: أجرته على المقتص له دون المقتص منه استدلالا بأن حقه متعين، وإنما يحتاج إلى الفصل بين حقه من حق غيره فكانت أجرة الفاضل على مستوفيه كمشتري الثمرة يلزمه أجرة لقاطها وجذاذها، وكمشتري الصبرة يلزمه أجرة حمالها ونقالها، ولأنه

لما كانت أجرة متعد المال على مستوفيه دون موفيه كذلك القصاص، ولأن العامل في الصدقات مستوف من أرباب الأموال لأهل السهمان، ثم كانت أجرته في مال أهل السهمان المستوفي لهم دون أرباب الأموال المستوفي منهم وجب أن تكون أجرة المقتص في مال المستوفي له دون المستوفي منه.
ودليلنا هو أن القصاص استيفاء حق فوجب أن تكون أجرته على الموفي دون المستوفي كأجرة الكيال والوزان، ولأنه قطع مستحق فوجب أن تكون أجرته على المقطوع منه كالختان وحلق شعر المحرم.
فإن قيل: فالختان وحلق شعر المحرم حق للمقطوع منه فلذلك وجب عليه أجرته والقصاص حق للمقطوع له دون المقطوع منه فكان المقطوع له أولى بالتزام أجرته من المقطوع منه.
قلنا: هما سواء، لأن الختان وحلق شعر حق على المقطوع منه كما أن القصاص حق على المقطوع منه، غير أن الحق في الختان والحلق لله تعالى وفي القصاص للولي فكا التزم حق الله التزم حق الآدمي.
فأما الجواب عن استدلاله بأجرة الجذاذ والنقل فهو أن ذلك تصرف فيما قد استقر ملكه عليه فاختص بمؤنة تصرفه فيه، وكذلك أجرة منتقد الثمن، وليس كذلك القصاص، لأنه إيفاء للحق ومؤونة الإبقاء مستحقة على الموفي كما قال تعالى:} فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ {[يوسف: 88].
ثم ثبت أن أجرة الكيال على الموفي دون المستوفي، كذلك في القصاص، وأما عامل الصدقات فهو نائب عن أهل السهمان في الإستيفاء لهم، وليس بنائب عن أرباب الأموال في الإبقاء عنهم، فكانت أجرته واجبة على من ناب عنه كأجرة الوكيل، وخالف المقتص؛ لأنه يقوم بالإبقاء دون الاستيفاء، فصار بالكيال والوزان أشبه.
فصل: فإذا ثبت ما ذكرنا أن أجرة القصاص على المقتص منه دون المقتص له فقال المقتص منه: أنا أقتص لك من نفسي لتسقط عني أجرة القصاص لم يكن ذلك له لأمرين: أحدهما: أن موجب المماثلة في القصاص يقتضي أن يؤخذ منه ما أخذه من غيره، ولا يكون هو الأخذ لهما معا.
والثاني: أنه حق عليه فلم يجز أن يكون هو المستوفي له كما لو أراد بائع الصبرة أن يكيلها بنفسه لم يكن له ذلك، فلو قال السارق وقد وجب قطع يده أنا أقطع يد نفسي ولا ألتزم أجرة قاطعي ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز القصاص.
والثاني: يجوز، لأن قطع السرقة حق لله يقصد به النكال والزجر فجاز أن يقوم بحق

الله تعالى عليه وخالف القصاص المستحق للآدمي وبالله التوفيق.

باب عفو المجني عليه ثم يموت وغير ذلك

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: ((ولو قال المجني عليه عمدا قد عفوت عن جنايته من قود وعقل ثم صح جاز فيما لزمه بالجناية ولم يجز فيما لزمه من الزيادة لأنها لم تكن وجبت حين عفا.
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا كانت جناية العمد على طرف كإصبع فعفا المجني عليه عنها لم يخل حالها من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تندمل.
والثاني: أن تسري إلى النفس.
فأما القسم الأول: وهو أن تندمل الجناية ولا تسري فهو مسطور المسألة، فإذا كانت على إصبع قطعها فاندملت لم يخل حال العفو عنها من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يعفو عما وجب بها من قود وعقل.
والثاني: أن يعفو عن القود وحده.
والثالث: أن يعفو عما وجب بها على الإطلاق.
فأما القسم الأول: وهو أن يعفو عما وجب بها من قود وعقل فيصح عفوه عنهما جميعا فلا يستحق بها قودا ولا دية وهو قول أبي حنيفة وجمهور الفقهاء.
وقال المزني: ((يصح عفوه عن القود ولا يصح عفوه عن الدية)) لأن القود وجب قبل عفوه والدية لم تجب إلا بعد عفوه، لأنه لو طلب القود قبل الاندمال استحقه ولو طلب الدية قبل الاندمال لم يستحقها، والعفو عما وجب صحيح وعما لم يجب مردود، وهذا فاسد، لأن الدية مستحقة بالجناية وإنما يتأخر استيفاؤها إلى الاندمال كالديون المؤجلة بدليل أن عبدا لو جني عليه فباعه سيده قبل اندمال جنايته ثم اندملت في يد مشتريه كان أرشها لبائعه دون مشتريه، لأن استحقها بالجناية الحديثة في ملكه ولم يستحقها المشتري وإن اندملت في ملكه فصار ذلك عفوا عما وجب له، وإن لم يستحق قبضها، وفيه انفصال عما احتج له.
وأما القسم الثاني: وهو أن يعفو عن القود فلا يكون ذلك عفوا عن الدية ويكون عفوا مقصورا على القود وحده، لأنه لما خصه بالذكر اختص بالحكم.
وأما القسم الثالث: وهو أن يعفو عما وجب بالجناية ولا يسمى قودا ولا عقلا

فيكون ذلك عفوا عن القود، وهل يكون عفوا عن الدية أم لا؟ على قولين: بناء على اختلاف قوليه فيما توجبه جناية العمد.
فإن قيل: إنها توجب أحد الأمرين من القود أو العقل كان ذلك عفوا عن الدية كما كان عفوا عن القود لوجوب الدية بالجناية كوجوب القود بها.
وإن قيل إنها توجب القود وحده على التعيين ولا تجب الدية إلا باختيار المجني عليه لم يصح عفوه عن الدية وإن صح عفوه عن القود، لأن القود وجب والدية لم تجب، فهذا حكم الجناية إذا اندملت.
وأما القسم الثاني: وهو أن تسري إلى ما دون النفس كسرايتها من الإصبع إلى الكف فلا قود في الكف لثلاثة معان: أحدهما: أن سقوط القود في أصل الجناية موجب لسقوطه فيما حدث عنها.
والثاني: أن السراية إلى الأطراف لا توجب القود وإن وجب بالسراية إلى النفس لما قدمناه من الفرق بينهما.
والثالث: أن أخذ الكف مع استيفاء الإصبع غير ممكن، فأما دية ما ذهب بالسراية من الكف فواجب مستحق لا يسقط بالعفو عن دية الإصبع لثلاثة معان: أحدهما: أنه لم يتوجب إليه عفو.
والثاني: أنه لم يجب عند العفو ولم يتوجب إليه عفو.
والثالث: أن الدية لما تبعضت لم يسر العفو عن بعضها إلى جميعها، والقود لما لم يتبعض سرى العفو عن بعضه إلى جميعه، ويلزمه أربعة أعشار الدية أربعون من الإبل، لأن في الإصبع المعفو عنها عشر الدية.
وأما القسم الثالث: وهو أن تسري جناية الإصبع إلى النفس فيموت منها فلا قود في النفس لمعنى واحد، وهو أن سقوط القود في أصل الجناية يوجب سقوط فيما حدث عنها، وعليه دية النفس إلا قدر دية الإصبع إذا صح العفو عن ديتها، لما قدمناه من المعاني الثلاثة، فيلزمه تسعة أعشار الدية، لأن دية الإصبع عشرها إلا أن يمنع من الوصية للقاتل، عل ما سنذكره فيلزمه جميعها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قال: قد عفوت عنها وما يحدث منها من عقل وقود ثم مات منها فلا سبيل إلى القود للعفو ونظر إلى أرش الجناية فكان فيها قولان أحدهما أنه جائز العفو عنه من ثلث مال العافي كأنها موضحة فهي نصف العشر ويؤخذ بباقي الدية.
والقول الثاني أن يؤخذ بجميع الجناية لأنها صارت نفسا وهذا (قاتل) لا

يجوز له وصية بحال.
قال المزني رحمه الله: هذا أولى بقوله لأن كل ذلك وصية لقاتل فلما بطل بعضها بطل جميعها)).
قال في الحاوي: وهذه المسألة تخالف ما تقدمها في ((صفة العفو)) وإن وافقتها في الصورة، وهو أن يقول المجني عليه وقد قطعت إصبعه عمدا: قد عفوت عنها وعما يحدث عنها من قود وعقل، وكان عفوه في المسألة الأولى مقصورا على العفو عنها دون ما حث منها فينقسم حال الجناية على ما قدمناه من الأقسام الثلاثة: أحدهما: أن تندمل، فيكون على ما مضى من صحة عفوه عن القود في الإصبع وعن ديتها.
والقسم الثاني: أن تسري الجناية إلى ما دون النفس كسرايتها إلى الكف فيسقط القود فيها بالعفو عنه، ويبرأ من دية الإصبع لعفوه عنه ويؤخذ بدية الباقي من أصابع الكف وهي أربع ذهبت بالسراية مع الكف وذلك أربعون من الإبل، ولا يبرأ منه بالعفو عنه، لأنه إبراء مما لم يجب، والإبراء من الحقوق قبل وجوبها باطل مردود.
والقسم الثالث: وهو مسألة الكتاب: أن تسري الجناية إلى النفس فيموت منهما وقد عفا عنها وعما يحدث منها من قود فيسقط القود عنه في النفس والإصبع بالعفو عنه، وأما الدية فقد صار هذا الجاني قاتلا والعفو عنه من عطايا المريض المعترة من الثلث كالوصايا، وقد اختلف قول الشافعي في الوصية للقاتل على قولين: أحدهما: باطلة كالميراث، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس لقاتل شيء)) فعم الميراث والوصية؛ ولأن الميراث أقوى وأثبت من الوصية لدخوله في ملك الوارث بغير قبول ولا اختيار ووقوف الوصية على القبول والاختيار، فلما منع القتل من الميراث الذي هو أقوى كان بأن يمنع من الوصية التي هي أضعف أولى.
والثاني: أن الوصية للقاتل جائزة، وإن لم يرث لتخصيص النص بردها للوارث لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)) فدل على عموم جوازها لغير الوارث، ولا يمنع الوصية كذلك القتل.
فإن قيل بالقول الأول: وهو أن الوصية للقاتل باطلة لزمته الدية كلها ولم يبرأ منها بالعفو عنها، وسواء ما وجبت بالجناية قبل العفو وما حدث بعده بالسراية، لأن سراية جنايته إلى النفس قد جعلته قاتلاً.
فإن قيل: فإذا أبطلتك الوصية للقاتل وأسقطتم عفوه عن الدية فهلا بطل العفو عن القود، لأن وصية لقاتل كما أبطلتم عفوه عن الدية أو أخرتم عفوه عن الدية كما أخرتم عفوه عن القود؟ قيل: لأن الدية مال والقود ليس بمال لأمرين: أحدهما: أنه لو وصى لرجل بثلث ماله كان الموصى له شريكا في الدية ولم يكن شريكا في القود.
والثاني: أنه لو وصى لرجل بالدية صح، ولو وصى له بالقود لم يصح فلذلك صح

العفو عن القود ولم يصح عن الدية، فهذا حكم عفوه على القول الذي ترد فيه الوصية للقاتل.
وإن قيل بجواز الوصية للقاتل اعتبر حال عفوه، فإن خرج مخرج الوصية فقال: قد وصيت له بها وبما حدث عنها من قود وعقل، صح عفوه عن جميع الدية ما وجب منها قبل العفو من دية الإصبع وما حدث بعده من دية النفس، وإن لم تكن قد وجبت عند العفو، لأن الوصايا تصح بما وجب ربما سيجب، وبما ملك وبما سيملك، وإذا صار ذلك وصية كانت الدية معتبرة من الثلث كسائر الوصايا، فإن احتملها الثلث صح جميعها فيبرأ الجاني من الدية كلها، وإن لم يحتملها الثلث أمضى منها قدر ما احتمله الثلث ورد فيما عجز إلا أن يجيزه الورثة، وإن لم يخرجه مخرج الوصية وجعله عفوا أو إبراء محضا فقد اختلف قول الشافعي في عفوه، وإبرائه هل يجري مجرى الوصية أم لا؟ على قولين: أحدهما: يجري مجرى الوصية لاعتباره من الثلث، فعلى هذا يكون على ما مضى من صحة جميعه إذا احتمله الثلث.
والثاني: أنه لا يصير وصية وإن اعتبر من الثلث، لأن الوصية عطية وهو العفو، والإبراء هو ترك وإسقاط، فخرج عن عطايا الوصايا، فعلى هذا يبرأ الجاني فيما وجب قبل العفو وهو دية الإصبع ولا يبرأ فيما وجب بعده من دية النفس، لأنه إبراء منه قبل وجوبه واستحقاقه ويلزمه من الدية تسعة أعشارها، واعترض المزني على هذا القول حين رأى الشافعي قد بعض عفوه فأجاز بعضه ورد بعضه اعتراضا وهم فيه فقال: إن صحت الوصية للقاتل صحت في الجميع وإن بطلت ردت في الجميع، ولم يكن لتبعيضها وتفريقها وجه، هذا وهم منه لأن الشافعي ما بعض عفوه وفرقه إذا كان وصية، والحاكم في جميعه على ما ذكره من صحته في الكل، وإن جازت الوصية له أو إبطاله في الكل وإن ردت وإنما فرقه إذا جعل إسقاطا وإبراء، لأن من حكم الإبراء على مذهبه أن يصح فيما وجب ويبطل فيما لم يجب فبطل اعتراضه.
مسألة: قال المزني رضي الله عنه: ((قال -يعني الشافعي ولأنه قطع بأنه لو عفا والقاتل عبد جاز العفو من ثلث الميت قال وإنما أجزنا ذلك لأنه وصية لسيد العبد مع أهل الوصايا)).
قال في الحاوي: وهذه مسألة من إحدى ثلاث مسائل أوردها المزني ها هنا لاعتراضه الذي قدمته، وصورتها في عبد جني على حر فعفا المجني عليه عنها وعما يحدث منها من قود وعقل، ثم سرت الجناية إلى نفسه فمات عنها، فهذا العفو قد تضمن إسقاط القود وإسقاط الدية، والقود مستحق على العبد الجاني، والدية مستحقة على سيده

لتعلقها برقبة عبده، وإذا كان كذلك لم يخل حال العفو من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون مطلقا.
والثاني: أن يضاف إلى العبد.
والثالث: أن يضاف إلى السيد.
فإذا كان مطلقا بأن قال الجاني: عفوت عنها وعما يحدث عنها من عقل وقود صح العفو عن القود في حق العبد، وصح عن الدية في حق السيد، وسواء جازت الوصية للقاتل أو لم تجز، لأنها وصية للسيد والسيد غير قاتل، وإن كان العفو مضافا إلى العبد بأن قال له المجني عليه قد عفوت عنك وعما يجب لي عليك من قود وعقل صح العفو عن القود ولم يصح عفوه عن الدية لوجوب القود على العبد ووجوب الدية على السيد، وإن كان العفو مضافا إلى السيد بأن قال المجني عليه: قد عفوت عما وجب لي على سيدك من قود وعقل صح عفوه عن الدية ولم يصح عفوه عن القود لوجوب الدية على السيد ووجوب القود على العبد.
مسألة: قال المزني رضي الله عنه: ((قال -يعني الشافعي ولأنه قال في قتل الخطأ لو عفا عن أرش الجناية جاز عفوه لأنها وصية لغير فاتل)).
وهذه المسألة الثانية التي أوردها المزني لحجاجه وهو أن تكون الجناية خطأ فيعفو عنها المجني عليه ثم تسري إلى نفسه فيموت منها فلا يخلو ثبوت هذه الجناية من أحد أمرين إما بأن تكون بإقرار أو بينة فإن أقر بها الجاني وعدمت فيها البينة لزمت بإقراره كما يلزم جناية العمد.
وقال مالك: لا يلزم إقراره بجناية الخطأ وإن لزم بجناية العمد، لأن دية الخطأ على العاقلة فصار مقرا بها على غيره فبطل إقراره وهذا فاسد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تحمل العاقلة عبدا ولا عمدا ولا صلحا ولا اعترافا)).
فأثبت للاعتراف حكما ونفاه عن العاقلة فدل على لزومه، ولأن للقتل الخطأ حكمين الكفارة والدية، لقول الله تعالى:} فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ {[النساء: 92] فإذا وجبت الكفارة بإقراره وجبت به الدية، ولأن ما وجب بالبينة وجب بالإقرار كالدين، وإذا لزم إقراره بها وجبت الدية عليه دون عاقلته إذا لم يصدقوه لتوجه التهمة إليه، ولذلك أسقطها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وإذا لزمته الدية وقد صار قاتلا جرى على العفو عنها حكم العفو عن دية العمد في إبطاله إن أردت الوصية للقاتل وجوازه إن أمضيت.

فصل: وإن ثبتت جناية الخطأ بالبينة وجبت الدية على العاقلة، وفي وجوبها قولان: أحدهما: وجبت عليهم ابتداء من غير أن يتوجه وجوبها على الجاني.
والثاني: أنها وجبت على الجاني ثم تحملتها العاقلة عنه، وعاقلته عصبته، فإن عدموا فجميع المسلمين في بيت مالهم، لأن دين الحق قد عقد الموالاة بينهم فصار المسلم لا يعدم عصبة، وإذا كان كذلك لم يخل مخرج عفوه من أن يكون وصية أو إبراء فإن كان وصية على ما ذكرنا فلا يخلو حالها من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يجعلها للعاقلة فيقول: قد وصيت بها وبما يحدث منها لعاقلته فتصح هذه الوصية في ثلثه إذا احتملها، وتبرأ العاقلة منها، سواء أجيزت الوصية للقاتل أو ردت، لأن العاقلة غير قتلة.
والثاني: أن يجعلها للقاتل فيقول: قد وصيت بها وبما يحدث منها للجاني فإن ردت الوصية للقاتل وجبت الدية على العاقلة لورثة المقتول، فإن أجيزت الوصية للقاتل فإن له استيفاءها من عاقلته، لأنها وصية له بما عليهم، سواء قيل بوجوبها عليهم تحملا أو ابتداء، لأنهم تحملوها ساعة وجوبها عليه من غير مهلة فصارت الوصية بها بعد استحقاقها عليهم.
والثالث: أن يجعل الوصية بها مطلقة فيقول قد وصيت بها وما يحدث منها، ولا يسمى الموصى له بها، فهذه وصية باطلة، لأنها لغير مسمى، وللورثة استيفاؤها من العاقلة.
فصل: وإن لم يخرج عفوه مخرج الوصية بل كان عفوا وإبراء محضا فالعفو والإبراء لا ينتقل من جهة من وجبت عليه الدية إلى غيره بخلاف الوصية، سواء أجرى عليه حكم الوصية أو حكم الإسقاط، إلا أنه إن جرى عليه حكم الوصية كان عفوا عن جميع الدية، وإن جرى عليه حكم الإسقاط كان عفوا عما وجب بابتداء الجناية دون ما حدث عنها، لأن الإبراء منه كان قبل وجوبه، وإذا كان كذلك لم يخل حال عفوه من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يتوجه إلى الجاني فيقول: قد عفوت عنك وعما يحدث بجنايتك، فإن قيل: إن الدية وجبت ابتداء على العاقلة لم يبرأوا منها، وكانوا مأخوذين بها، لأن العفو عن غيرهم، وإن قيل: إنها وجبت في الابتداء على الجاني ثم تحملها العاقلة عنه صح العفو عنها وبرأت العاقلة منها لتوجه العفو إلى محل الوجوب، سواء جعل هذا العفو في حكم الوصايا أو الإبراء، وسواء أجيزت الوصية للقاتل أو ردت، لأن وجوب الدية على الجاني غير مستقر لانتقالها في الحال عنه إلى عاقلته فلم يكن في الوصية بها ما يمنع القتل منها إذا لم يتقبل إليها مالها، لكن إن أجرى عليه حكم الوصية كان عفوا عن جميع

الدية، وإن أجرى عليه حكم الإبراء، أو الإسقاط كان عفوا عما وجب بابتداء الجناية دون ما حدث بعدها بالسراية فيلزم العاقلة ما حدث بالسراية دون ما لزم بابتداء الجناية.
والثاني: أن يتوجه العفو إلى العاقلة فيقول: قد عفوت عن عاقلتك في جنايتك وما يحدث منها فيصح العفو عنهم، سواء قيل بوجوبها عليهم ابتداء أو تحملا، لأنهم محل استقرارها، ولا مطالبة على الجاني بها لانتقالها عنه إلى من براء منها، لكن إن أجرى على العفو حكم الوصية كان عفوا عن جميع الدية، وإن أجرى عليه حكم الإبراء كان عفوا عما وجب بابتداء الجناية، وتؤخذ العاقلة بما حدث بالسراية.
والثالث: أن يكون العفو مطلقا فيقول: قد عفوت عنها وعما يحدث منها، فيصح العفو على الأحوال كلها، لتوجه العفو المطلق إلى محل الحق، لكن إن أجرى عليه حكم الوصية صح في جميع الدية، وإن أجرى عليه حكم الإبراء صح فيما وجب بالجناية وبطل فيما حدث بالسراية.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: ((ولو كان القاتل خطأ ذميا لا يجري على عاتقه الحكم أو مسلما أقر بجناية خطأ فالدية في أموالهما والعفو باطل لأنه وصية للقاتل ولو كان لهما عاقلة لم يكن عفوا عن العاقلة إلا أن يريد بقوله: عفوت عنه أرش الجناية أو ما يلزم من أرش الجناية قد عفوت ذلك عن عاقلته فيجوز ذلك لها، قال المزني رحمه الله: قد أثبت أنها وصية وأنها باطلة لقاتل)).
قال في الحاوي: وهذه المسألة الثالثة من مسائل حجاجه، وهي مصورة في الذمي إذا لم تكن له عاقلة، وفي المسلم إذا أقر بالجناية ولم يقم بها بينة، وهما يستويان في حكم جناية الخطأ وإن افترقا فيها من وجه آخر، واستواؤهما فيها أن الذمي إذا كانت له عاقلة لا يجري عليهم حكمنا كانت جناية خطئه في ماله، فلو جرى عليهم حكمنا كانت جنايته على عاقلته، والمسلم إذا أقر بجناية الخطأ كالذمي إذا لم يجز على عاقلته حكم في وجوب الدية عليهما في أموالهما، فإذا كان كذلك فهما قاتلان، فإن ردت الوصية للقاتل، وجبت الدية عليهما سواء خرج العفو مخرج الوصية أو مخرج الإبراء، وإن أجيزت الوصية للقاتل صح العفو عن جميع الدية، وإن أجري عليه حكم الوصية، وإن أجري على العفو حكم الإبراء صح فيما وجب بالجناية وبطل فيما حدث بالسراية، وأما ما يفترق المسلم والذمي فيه من جناية الخطأ فهو أن المسلم إذا لم تكن له عاقلة كانت جنايته في ماله لأن المسلمين أولياء المسلم دون الكافر فعقلوا عن المسلم ولم يعقلوا عن الكافر، ولئن صار مالهما بالموت إلى بيت المال إذا لم يكن لهما وارث فحكمه مختلف، لأن مال المسلم ينتقل إلى بيت المال ميراثا وينتقل مال الذمي إليه فيئا، وفيما أوردناه من

شرح (المذهب) في هذه المسائل الثلاث التي احتج بها المزني ما يزول به احتجاج وهمه وبالله التوفيق.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: ((ولو جني عبد على حر فابتاعه بأرش الجرح فهو عفو ولم يجز البيع إلا أن يعلما أرش الجرح، لأن الأثمان لا تجوز معلومة، فإن أصاب به عيبا رده وكان له في عنقه أرش جنايته)).
قال في الحاوي: وصورتها: في عبد جني على حرجناية عمد فالتمس المجني عليه أن يبتاعه من سيده، فالسيد بالخيار بين بيعه عليه أو منعه منه، سواء أراد السيد أن يفديه من جنايته أو أن يبيعه فيها، لأن البيع عقد مراضاة لا يلزم إلا بالاختيار، فإن أجاب سيده إلى بيعه على المجني عليه، فهذا على ضربين: أحدهما: أن بيعه عليه بثمن في الذمة.
والثاني: أن بيعه بأرش الجناية، فإن كان البيع بثمن في الذمة لم يكن الابتياع عفوا عن القود لاستحقاقه على العبد لو كان في ملك المجني عليه، ولم يسقط بانتقاله إليه، وإذا كان كذلك لم يخل بالقصاص من أن بكون مستحقا في طرف أو نفس، فإن كان مستحقا في طرف فالبيع جائز، وللمجني عليه أن يقتص من أطرافه إذا صار في ملكه كما كان له أن يقتص منه في ملك بائعه، ولا خيار له في نقصه بهذا القصاص، لعلمه باستحقاقه، وإن كان القصاص في نفسه لم يمنع ذلك من جواز بيعه لتردد حاله بين عفو واقتصاص، كالمريض المدمن يجوز بيعه مع خوف موته لتردد حاله بين برء وعطب، وإذا كان البيع جائزا فولى المجني عليه بعد ابتياعه على حقه من القصاص، وهو فيه بالخيار، فإن عفا عنه استقر البيع فيه، وكان له مطالبة بائعة بالدية إن كانت بقدر ثمنه فما دونه، وإن كانت أكثر منه فعلى قولين: أحدهما: يطالبه بجميعها.
والثاني: ليس له إلا قدر ثمنه، وسيده البائع مخير بين دفع الثمن الذي قبضه بعينه وبين أن يدفع إليه غيره، ويكون الباقي من الدية بعد ثمنه هدرا، وإن اقتص منه ولي المجني عليه المشتري له فقد اختلف أصحابنا في الاقتصاص منه هل يجري مجرى مستهلكه بالغصب أو مجرى موته بالمرض؟ على وجهين: أحدهما وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يجري مجرى استحقاقه بالغصب، فيعلى هذا يكون لولي المجني عليه أن يرجع على البائع بثمنه مع علمه بحاله، لأن من اشترى عبدا من غاصبه مع علمه بغصبه كان له الرجوع بثمنه.

والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن القصاص يجري مجرى موته بالمرض، فعلى هذا لا يرجع بثمنه لتلفه في يده ولا بأرش عينه لعلمه بجنايته.
فصل: وإن اشتراه المجني عليه أو وليه بأرش جنايته فهي مسألة الكتاب فيكون ذلك عفواً عن القصاص بمجرد الطلب، سواء تم البيع بينهما أم لا؛ لأنه عدول إلى الأرش، والعدول إليه عفو، ثم ينظر في أرش الجناية فإن جهلها المتبايعان كان البيع باطلاً للجهل يقدر الثمن، وإن علماها فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون مقدرة ورقاً أو ذهباً، فالبيع جائز.
والثاني: أن تكون مقدرة إبلاً كالجناية على الإصبع مقدرة بعشر من الإبل أثلاثاً في العمد أخماساً في الخطأ، فإذا ابتاعه بها فهي معلومة الجنس والسن مجهولة النوع والصفة، وفي جواز جعلها صداقاً قولان: أحدهما: يجوز للعلم بجنسها وسنها وثبوتها في الذمة واستحقاق المطالبة بها.
والثاني: لا يجوز للجهل بنوعها وحبسها، وأن حكم العقود أضيق وأغلظ.
فأما البيع فقد اختلف أصحابنا فيه، فكان أبو علي بن أبي هريرة يخرجه على قولين كالصداق، لأنهما عقداً معارضة، وذهب أبو إسحاق المروزي إلى بطلانه قولاً واحداً وإن كان الصداق على قولين، للفرق بينهما بأتساع حكم الصداق لثبوته بعقد وغير عقد وضيق حكم البيع الذي لا يستحق الثمن فيه إلا بعقد.
فإن قبل ببطلان البيع كان أرش الجناية في رقبة العبد يباع فيها إلا أن يفديه السيد منها.
فإن قبل بجواز البيع برئ العبد وبائعه من أرش جنايته، فإن وجد به المجني عليه أو وليه عيباً سوى الجناية كان له أن يرده به ويعود أرش الجناية في رقبته فيباع فيها أو يفديه السيد منها.
فإن قيل: فما الفائدة في رده وليس للمجني عليه غير ثمنه معيباً؟ قيل: لجواز أن يرغب في ابتياعه من يرضي بعيبه فيبرأ المجني عليه من ضمان دركه.
وبالله التوفيق.

جارٍ التحميل