مسألة: قال: وأقل ما يكون المولي به فائتًا في الثيب أن يغيب الحشفة، وفي البكر ذهاب العذرة".
الفيئة في الإيلاء عند القدرة التقاء الختانين بكرًا كانت أو ثيبًا والالتقاء أن يغيب الحشفة في الفرج وقول الشافعي في الثيب: أن يغيب الحشفة في البكر إذهاب العذرة لم يرد به أن الاقتضاض شرط، أو هما يفترقان بل أراد أن الالتقاء في حق البكر لا يقع إلا بالافتضاض، ثم قال الشافعي: فإن قال لا أقدر على افتضاضها أجل أجل العنين وينظر في هذا، فإن كذبته المرأة كان القول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بنفسه، وحلفناه لأنه متهم في ترك الفيئة، فإذا حلفت فاء فيئة معذور بالمرض بلسانه، ثم إذا سألت المرأة الحاكم أن يضرب له مدة العنة ضرب له المدة، ثم إذا مضت المدة، ولم يطأ كان لها المطالبة بالفسخ، وهذا هو المذهب المنصوص.
وقال ابن أبي هريرة: [119/ب] يتعين عليه الطلاق إذا أقر بالعجز؛ لأنه من خير بين شيئين ثم تعذر عليه أحدهما تعين الآخر، كالمخير في أنواع كفارة اليمين.
قال: وتأويل قول الشافعي أنه طولب بالفيئة بعد انقضاء المدة فاختار الطلاق ثم راجعها، ثم قال: لا أقدر على وطئها أُجل أَجل العنين، وهذا لأن حقها بعد انقضاء المدة ثبت معجلاً فلا يؤجل؛ لأنه يؤدي إلى الإضرار بها، وكذا ذكره صاحب "الإفصاح" وقال: إذا رجع خيرناها بين حكم الإيلاء وحكم العنة؛ لأنه قد اجتمع لها الأمران، وهذا لا يصح؛ لأنه إنما يكون مخيرًا بين الوطئ والطلاق إذا كان قادرًا على الوطئ، فأما إذا تعذر عليه بسبب فعليه يكون الفيئة بلسانه كما لو كان مريضًا، وها هنا قد ثبت عجزه في الحال بيمينه هذا كله من الكبر.
فأما إذا كانت ثيبًا فقال: لا أقدر على وطئها نظر، فإن لم يكن وطئها قبل ذلك فالحكم على ما ذكرنا من قبل، وزن كان قد وطئها لم يقبل منه أنه عنين ونطالبه بالفيئة أو الطلاق؛ لأن من وطئ في أول النكاح لا يكون في الحكم عنينًا من ذلك النكاح.
مسألة: قال: "لو جاء معها محرمة أو حائضًا خرج من حكم الإيلاء".
من فاء فيئة القادر خرج بها من حكم الإيلاء، سواء كان وطئه مباحًا أو حرامًا، مثل أن تكون حائضًا أو نفساء أو صائمة، لأن كل حكم يتعلق بالوطئ في النكاح لا يفترق بين المباح منه والحرام كتحريم الربيبة واستقرار المهر.
مسألة: قال: "لو آلي ثم جن فأصابها في جنونه أو جنونها خرج من الإيلاء وكفر إن أصابها وهو صحيح، ولم يكفر إذا أصابها وهو مجنون".
إذا آلي منها ثم جن قد ذكرنا أن المدة تحسب عليها في حال الجنون، وأنها لا تطالب ما دام مجنونًا، فإن وطئها لا يختلف أصحابنا أنه لا يحنث [120/أ] بهذا
الوطئ فلا تلزمه الكفارة؛ لأن قصد المجنون إلى الوطئ كعدم القصد، لاسيما فيما يتعلق بحق الله تعالى.
ولهذا لو قال: والله لا أدخل الدار فدخلها وهو مجنون لا يحنث في يمينه ويفارق الناس على أحد القولين؛ لأنه من أهل القصد في الجملة بخلاف المجنون.
قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج من حنث الناس أنه يحنث به، وتلزمه الكفارة.
وهذا غلط والفرق ظاهر.
فإذا تقرر هذا فالمنصوص أنه يخرج به من حكم الإيلاء؛ لأن وجود الجماع بدفع الإضرار والقصد غير معتبر.
بدليل أنه لو آلي عن أحد امرأتيه ثم وجدها على فراشه فوطئها ظنًا منه أنها امرأته الأخرى خرج به عن حكم الإيلاء وإن لم يقصد، ويفارص الحنث ووجوب الكفارة؛ لأن ذلك حق الله تعالى فيحتاج فيه إلى القصد.
ومن أصحابنا من قال: لا يخرج به عن حكم الإيلاء فيجب أن يستأنف لها أربعة أشهر بعد الوطئ كما لو طلقها في الإيلاء ثم راجع استؤنفت أربعة أشهر من يوم رحل الفرج.
وتأويل قول الشافعي خرج من حكم الإيلاء، أي فيما مضى من المدة دون المستقبل، وإذا أفاق طولب بالفيئة والطلاق وهذا غير صحيح لما ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: لا يخرج به من حكم الإيلاء ثم أفاق هل نستأنف له المدة من وقت الوطئ، أو يوقف في الحال؟ وجهان؛ أحدهما: ما ذكرنا أنه يستأنف.
والثاني: يوقف في الحال؛ لأنا قد ضربنا له المدة والوطئ الذي وجد منه كالمعدوم فإنه لم يتعلق به حنث، ولا خروج من حكم الإيلاء فصار كما لو لم يوجد، والصحيح ما ذكرنا.
وإذا قلنا: خرج من حكم الإيلاء فالمذهب أنه لا تنحل اليمين، فإن أصابها بعد ذلك [120/ب] وهو عاقل تلزمه الكفارة وتكون منزلته في هذا الوقت منزلة من حلف قبل النكاح، ثم نكح يكون حالفًا لا يحكم عليه بحكم الإيلاء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان؛ أحدهما: هذا والثاني: انحلت اليمين بالوطئ الأول، وهذا ليس بشء.
قال المزني: إذا خرج من حكم الإيلاء كيف لا يلزمه الكفارة؟ ولو لم تلزمه الكفارة ما كان حانثًا، وإذا لم يكن حانثًا لم يخرج به من حكم الإيلاء.
ومراد المزني من هذا الكلام غير مفهوم لأنه يشبه أن يكون معناه أنه إذا خرج من حكم الإيلاء وجب أن تلزمه الكفارة ويشبه أن يكون معناه أنه إذا لم تلزمه الكفارة وجب أن لا يخرج به من حكم الإيلاء وهذا أظهر الاحتمالين من كلامه قلنا: له الخروج من حكم الإيلاء بزوال المضارة وقد زالت وجوب الكفارة بحرمان العلم والقلم مرفوع عن المجنون فالأولى أن يفصل في الحكمين كما فصل الشافعي بينهما ولأن هذا الوطئ إبقاء حق لأدمي فلا يعتبر فيه القصد، وأما قول الشافعي رحمه الله "وكفر إذا أصابها وهو صحيح" يحتمل أنه أراد به إذا كانت مجنونة وهو عاقل تلزمه الكفارة إذا أصابها وهو صحيح، وله قصد بخلاف ما لو أصابها وهو مجنون لا كفارة عليه؛ لأنه جمع بين المسألتين فبين حكم الكفارة فيهما.
ويحتمل أنه أراد: إذا أفاق من جنونه بعدما وطئ فيه، ثم وطئ مرة أخرى يلزمه الكفارة وإن لم يكن موليًا.
فرع
لو استدخلت ذكره وهو نائم يخرج به من حكم الإيلاء ولا تلزمه الكفارة؛ لأنها وصلت إلى الإصابة وهو مرفوع العلم كما ذكرنا في وطئ الجنون، ولا تنحل اليمين به حتى لو وطئها بعد ذلك عمدًا تلزمه الكفارة.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان؛ أحدهما: هذا، والثاني: لا يخرج به [121/أ] من حكم الإيلاء لأن حقها في فعله لا في فعلها، ولم يحنث بذلك ولا يسقط به الإيلاء.
مسألة: قال: "والذمي كالمسلم فيما يلزمه من الإيلاء".
الفصل
قد ذكرنا أن إيلاء الذمي صحيح وتلزمه الكفارة كما تلزم المسلم خلافًا لأبي حنيفة - رحمه الله -. حيث قال: لا تلزمه الكفارة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاءه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق.
وهذا غلط لأنه يصح إيلاءه بالطلاق فيصح باليمين بالله تعالى كالمسلم.
وقال مالك: لا يصح على معنى أنه إذا أسلم لا يوقف ولا يطالب بشيء، واحتج بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، وهذا لا يصح؛ لأن الغفران من حقوق الله تعالى والفيئة من حقوق الزوجة فلا يسقط بالإسلام.
ثم اعلم أن الحكم بصحة إيلائه ولزوم الكفارة إنما يكون حين يتحاكم إلينا، فأما قبل تحاكمه فلا نتعرض له، وإذا تحاكموا إلينا هل يلزم الحاكم أن يحكم بينهما؟ فيه قولان؛ أحدهما: يلزمه.
والثاني: لا يلزمه.
وإذا حكم يحكم بحكم الإسلام لكل حال؛ لأن حكم الله تعالى على العباد واحد.
واختار المزني قول الوجوب فقال: هذا أشبه القولين؛ لأن تأويل قول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، عند الشافعي أن تجري عليهم أحكام الإسلام، واحتج بأن الشافعي - رحمه الله - قال في كتاب "الجزية": لو جاءت امرأة رجل منهم تستعدي بأن زوجها طلقها أو آلي منها أو ظهر منها، حكمت في ذلك حكمي على المسلمين".
وقال أيضًا في كتاب "الجزية": وإن جاء رجل منهم يطلب حقًا كان على الإمام أن يحكم على المطلوب، وإن لم يرض بحكمه، وقد مضت هذه المسألة في كتاب النكاح بالشرح.
مسألة: قال: "إذا كان العربي يتكلم بألسنة العجم [121/ب] فآلي بأي لسان منهما فهو مولٍ في الحكم".
الفصل
إذا كان العربي يحسن العجمية فآلي بالعجمية صح الإيلاء كما يصح الطلاق، وإذا آلي العربي بالعجمية وقال: لم أعرف معناه ولم يعرف أنه يعرف باللسانين فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل جهله به وهذا من حق المرأة، فأما في حق الله تعالى لوجوب
الكفارة لا يحلف، بل هو أمر بينه وبين الله تعالى، وعلى هذا لو قال العربي لأمته بالفارسية: شهره حري تو وقال: لم أعرف معناه حلف ولم يعتق.
ولو آلي العربي بالعربية ثم قال: جرى ذلك على لساني من غير قصد، أو قال العجمي هذا في إيلائه بالعجمية لم يقبل في الحكم؛ لأنه خلاف الظاهر ويدين ما بينه وبين الله تعالى.
وأعلم أن فيما نقله المزني إشكالا، وذلك أنه قال: فهو مولٍ في الحكم، وإذا كان يحسن العربي العجمية فآلي بالعجمية فهو مول في الحكم وغيره، فما معنى تقيده بالحكم؟ وإزالة هذه الأشكال بأن يقال: لعل الشافعي تصور المسألة في عربي علمًا أنه يتكلم بكلمات كثيرة من ألسنة العجم، فالظاهر أنه كان عالماً بمعنى الإيلاء في اللغة العجمية لما آلي بلسان العجم، فإذا ادعى إني لا أعقل ما ذكرت جعلناه في الحكم موليًا، لأنا لما عرفناه ناطقًا بلغة العجم في كلمات كثيرة فالظاهر منه أنه علم بالإيلاء، فأما بينه وبين ربه عز وجل فهو أعلم، ويحتمل أنه لم يعقل هذه الكلمة الواحدة، وإن عقل الكلمات الكثيرة.
والذي يدل على مراد الشافعي ما عطف على هذه المسألة "أنه لو كان لا يتكلم بالعجمية فقال: ما عرفت ما قلت وما أردت الإيلاء فالقول قوله مع يمينه" يعني في الحكم أن الظاهر هاهنا أنه لم يعقل معنى لفظه، والظاهر في المسألة الأولى أنه يعقل معناه.
مسألة: قال: "ولو آلي ثم آلي".
الفصل
إذا آلي ثم آلي، مثل أن يقول: والله لا وطئتك خمسة أشهر [122/أ] ثم قال: والله لا وطئتك خمسة أشهر، أو حلف على مدتين، فقال: والله لا وطئتك خمسة أشهر ثم قال: والله لا وطئتك سنة، فإذا مضت أربعة أشهر طولب، فإن وطئ حنث فيما قال الشافعي.
رحمه الله.
في "الأم": لا ينظر فإن أراد باليمين الثانية الأولى فكفارة واحدة، وإن أراد غيرها فأحب آلي "كفارتان"، ويجزيه كفارة واحدة لأنهما يمينان في شيء واحد"، وهو المشهور من مذهبه.
وقال أصحابنا: فيه قول آخر أن عليه لكل يمين كفارة.
قال أبو إسحاق: وليس وجوب الكفارتين بشيء، وإنما ذلك استحباب كما إذا نذر ثم نذر عليَّ شيء واحد لم يلزمه الثاني ما لم يكن لزمه بالأول استحباب كما إذا نذر ثم نذر عليَّ شيء واحد لم يلزمه الثاني ما لم يكن لزمه بالأول من الوفاء، فكذلك اليمين في الكفارة، وإن أطلق ولايته له، فإذا قلنا: إذا أراد غيرها يلزمه كفارة واحدة فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: يلزم كفارتان فها هنا قولان.
وقال صاحب "الإفصاح": إذا حلف على مدتين مختلفتين يجب كفارتان قولاً واحدًا؛ لأنهما يمينان مختلفان، وهذا لا يصح؛ لأن الحنث واحد فلا تتكرر الكفارة، كما لو كانتا على مدة واحدة.
قال القفال: بين الوصل وبين الفصل في هذه المسألة؛ لأنه لو قال
لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، وقال: أردت به التأكيد كان تأكيدًا والإيلاء كالتعليق؛ لأنه لا يوقع أمرًا بل يوجب أمرًا بخلاف ما لو قال: أنت طالق ثم قال: أردت به التأكيد لا يصح لأنه إيقاع.
مسألة: قال: "وقَدْ زعمَ من خالفنَا في الوقفِ أنَّ الفيئةِ فعلٌ يحدثُه اليمين فِي الأربعةِ الأشهرِ إما بجماع، وإمّا فِيء معذورِ باللسانِ، وزعمَ أنَّ عزيمةِ الطلاقِ انقضاءُ أربعةِ أشهر بغير فعل يحدثُه".
الفصل
رجع الشافعي.
رحمه الله.
عليه آلي أول كتاب الإيلاء يناظر أبا حنيفة في الوقف وزمان الفيئة وقد تقدم بيان ذلك، ثم احتج عليه بأنه لما كان الفيء فعلًا منه يخرج به عن [122/ ب] حكم الإيلاء، فكذلك وجب أن تتوقف على فعله، ولا يحصل ذلك بانقضاء المدة.
وحرره أصحابنا فقالوا: الطلاق أحد ما يخرج به المولي عن حكم الإيلاء، فوجب أن يتعلق بفعله كالفيئة.
واحتج أيضًا بأن ظاهر الآية أنه خيِّر بينهما في زمان واحد فيختار أحدهما في الزمان الذي يختار فيه الآخر، وأنت جعلت الفيء بالمدة لم يكن شيئًا فكيف يحصل الفراق بقدم الفيئة عند انقضاء المدة من غير عزم، ولا إحداث أمر عند انقضاء المدة، ثم إذا بطل مذهبه ثبت أن قوله تعالى: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: 227]، أراد: وإن أنشأوا الطلاق بعد انقضاء المدة، وقيل: مقصود من هذا الفصل أن عزم الطلاق عند الشافعي ظاهر اللفظ قال تعالى في آية التعريض بالخطبة: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 235]، أي: ولا تتلفظوا ولم يرد النهي عن الفيئة، وكيف ينهي عن الفيئة والتعريض بالخطبة مباح، وزعم أبو حنيفة، رحمه الله بالامتناع قصد وقوع الطلاق عند انقضاء المدة، فقال الشافعي: لو جاز أن يحمل هذا العزم على الفيئة لوجب أن يقال: إذا عزم طلاقًا في المدة قبل انقضائها، فإذا أجمعنا على أنها لا تطلق بالعزم حين يعزم فكيف تطلق بنفس انقضاء المدة من غير عزيمة ولا فعل أنشأه.
باب إيلاء الخصي
مسألة: قال: "إذا آلي الخصيَّ مِنَ امرأتهِ فهوَ كغيرِ الخصي".
الخصي إذا آلي من امرأته، وهو الذي سلت بيضتاه وبقي ذكره.
حكمه حكم الفحل؛ لأنه يجامع كما يجامع الفحل، وإنما عدم الإنزال وذلك لا يؤثر.
وقيل: جماع الخصي [123/ أ] أقوى وأشد لعدم الإنزال، وقيل: قد ينزل ماءً رقيقًا أصفر ولهذا ألحق به
الولد.
وأما المجبوب فعلى ثلاثة أضرب؛ مجبوب قد بقي منه ما يمكن أن يولجه ويجامع به، فحكمه حكم غير المجبوب.
ومجبوب لم يبقّ منه شيء أو بقي شيء إلا أنه لا يمكن إيلاجه فيه قولان؛ أحدهما: لا ينعقد إيلاؤه وهو الصحيح، وقد نص عليه في "الإملاء" وبه قال أبو حنيفة واختاره المزني؛ لأن الحنث غير متصور منه والمضارة غير متحققة.
والثاني: ينعقد إيلاؤه نص عليه في "الأم" ونقله المزني إلى المختصر؛ لأن قصد المضارة باليمين قد ظهر منه.
فإن قلنا بهذا قلنا له: فء بلسانك ولا شيء عليك غيره، والفيء باللسان من المجبوب أن يقول لها: لو قدرت لفعلت، ولا يقول: إذا قدرت فعلت؛ لأنه ميئوس من ذلك.
ومن أصحابنا من قال: النصان على حالين، فالذي قال ينعقد إيلاؤه إذا بقي له بعد الجب شيء يمكن منه الجماع، والذي قال لا ينعقد إذا لم يبقَ ذلك.
ومن أصحابنا من قال: كما على حالين على وجه آخر: فحيث صحح الإيلاء صور فيمن آلي وهو غير مجبوب ثم اعترض الجب، وحيث لا يصح الإيلاء صور فيمن آلي وهو مسموح عند الإيلاء، وهو جماعة من أصحابنا.
ومجبوب بقي من ذكره قدر ما يمكن الجماع به إلا أنه يدعي أنه عاجز لا يمكنه الجماع به، فالقول قوله في ذلك وحكمه حكم العنين، وقد ذكرنا حكم من آلي ثم ثبتت عنته.
مسألة: قال: "ولو آلي صحيحًا ثمَّ وجبَ ذكرهُ كانَ له الخيارُ مكانهَا".
وقد بينا هذا المسألة في " كتاب النكاح" فإذا اختارت المقام فمضت أربعة أشهر، فإن قلنا بقوله في "الإملاء" لا ينعقد إيلاؤه، بطل إيلاؤه بالجب، وإن قلنا بقوله في "الأم" فلها المطالبة بعد انقضاء المدة وإيلاؤه باقٍ [123/ ب] ورضاها بالمقام معه في خيار الجب لا يسقط خيار الإيلاء فيكفيه في معذور.
وأما قوله "كان لها الخيار مكانها": أي بسبب الجب العارض، ويكون على الفور قولًا واحدًا، لأنه خيار عيب فلا مهلة فيها.
فرع
لو آلي من الرتقاء أو القرناء.
قال أصحابنا: فيها قولان كالمجبوب، إلا أنا إذا قلنا يصح الإيلاء لا تضرب الإيلاء؛ لأن المنح بسبب من جهتها كالمريضة يصح الإيلاء منها ولا تحتسب عليه المدة، ولذلك يصح الإيلاء من الصغيرة ولا تضرب له المدة حتى تبلغن فتضرب له المدة، وكذلك من الناشرة ولا تضرب المدة حتى ترجع إلى الطاعة.
وقال أبو حنيفة: تضرب للمرأة الرتقاء المدة عقيب الإيلاء، فإن فاء إليها بلسانه وإلا بانت بانقضائها، وكذلك عقده إذا نشزت المرأة أو غابت المرأة في المدة وهذا غلط؛ لأن حقه من الوطاء سقط بذلك فوج أن تسقط المدة المضروبة له.