بحر المذهب للرويانيصفحات 144-165

كتاب الصيد والذبائح

صفحات 144-165

الرابع: ربعها.
ويجري العمل في ضمان كل مقدار منهما على ما قدمناه في الوجوه الخمسة.
مسألة: قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولوْ رمياهُ حيا فقتّلاهُ كان بيْنهُما نِصفيْنِ".
قال في الحاوي: وهذه المسألة قد دخلت في أقسام ما قدمناه، فإذا رمياه معاً فأصاباه في حالة واحدة لم يتقدم أحدهما على الآخر، فمات من إصابتهما كان ملكاً لهما بالسوية، سوا، تساوت الجراحتان أو تفاضلنا ما لم يكن أحدهما موجياً، فإن وجاء أحدهما، فعلى ما قدمناه من الوجهين، فلو كان الصيد مما يمتنع بجناحه، ويمتنع برجله كالرواح والفتح، فكسر أحدهما جناحه وكسر الآخر رجله ففيه وجهان: أحدهما: يكون بينهما لتأثير كل واحد منهما في إثباته.
والوجه الثاني: أنه يكون لكاسر جناحه دون كاسر رجله؛ لأن امتناعه بجناحه أقوى، وقد يمتنع، وإن كان مكسور الرجل، فعلى هذا لو تقدم أحدهما على الأخر، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يكون لكاسر الجناح أولاً كان أو آخراً؛ لأن إثباته بكسره أقوى.
والوجه الثاني: أنه يكون بينهما لإثباته بهما.
والوجه الثالث: أنه يكون للثاني منهما؛ لأن به كمال إثباته.
فصل: وإذا تنازع رامياً الصيد، فادعى أحدهما اجتماعهما على إصابته، ليكون بينهما، وادعى الآخر تقدمه بالإصابة ليكون له وحده لم يدخل الصيد من ثلاثة أحوال.
أحدها: أن يكون في أيديهما، فيكون القول قول مدعي الاجتماع في الإصابة مع يمينه؛ لأنه يدعي تساويهما في الملك مع تساويهما في اليد.
والحال الثانية: أن يكون في يد أحدهما فالقول فيه قول صاحب اليد مع يمينه سواء كان مدعي الاجتماع أو مدعي التقدم.
والحال الثالثة: أن يكون خارجاً عن أيديهما، فالظاهر تساويهما فيه، فهل يحكم فيه بالظاهر، أو يحكم بموجب الدعوى، فيه وجهان: أحدهما: يحكم بالظاهر، فعلى هذا يكون القول فيه قول مدعي الاجتماع دون مدعي التقدمح لأنه معترف بالتساوي والاشتراك، فتكون اليمين عليه وحده ويكون الصيد بينهما نصفين:

والوجه الثاني: أن يحكم بموجب الدعوى فعلى هذا يكون لمدعي التقدم النصف بغير يمين؛ لأن مدعي الاجتماع يعترف به له وهما متنازعان في النصف الباقي وقد تساويا فيه، فوجب أن يتحالفا عليه، فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر جعلناه للحالف، وان حلفا معاً جعلناه بينهما، فيصير لمدعي التقدم ثلاثة أرباعه، ولمدعي الاجتماع ربعه، والله أعلم.
مسألة: قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولوْ رمّاهُ الأول ورّماهُ الثّاني ولم يُدِرُّ أبلغ بِهِ الأول أن يُكوِّن مُمتنِعا أوْ غيْر مُمتنِعِ جعلناهُ بيْنهُما نِصفيْنِ".
قال في الحاوي: وصورتها صيد رماه اثنانء فأصاباه، ووجد ميتاً بعد إصابتهما فهذا على ضربين: أحدهما: أن يعلم حال الراميين، ويعلم صفة الرميتين، والعلم بحال الراميين أن يعلم هل اجتمعا عليه، أو افترقا، ويعلم إذا افترقا أيهما كان أولاً وآخراً.
والعلم بصفة الرميتين، أن يعلم هل كان إثباته بالأولى أو بالثانية، أو بهما وهذا الضرب قد ذكرنا حكمه، فلم يحتج إلى إعادته.
والثاني: أن يشكل حال الراميين، ويثكل صفة الرميتين، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون الإشكال في الراميين، هل أصاباه معاً أو تقدم أحدهما على الآخر، فيجري عليه في الملك حكم الاجتماع، ويكون بينهما نصفين؛ لتساويهما فيه، وهل يجري عليه في الذكاة والإباحة حكم الاجتماع أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يجري عليه حكم الاجتماع، فيكون ذكياً مباحاً إلحاقاً بحكم الملك.
والثاني: أنه يجري عليه في الذكاة والإباحة حكم الافتراق، فيحرم أكله، وإن جرى عليه في الملك حكم الاجتماع؛ لأن الأصل في أكله الحظر، فلو نبحه إلا بيقين، وقد يجوز أن يتقدم أحدهما على الآخر، فيحرم، ويجوز أن يجتمعا عليه فيحل فوجب أن يغلب فيه حكم التحريم.
والثاني: أن يعلم التقدم، ويقع الإشكال في المتقدم، فهذا على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يعلم صفة الرمي، ويشكل المتقدم بالرمي.
والثاني: أن يعلم المتقدم بالرمي، وتشكل صفة الرمي.
والثالث: أن يشكل المتقدم بالرمي، وتشكل صفة الرمي.
فأما الضرب الأول، وهو أن يعلم صفة الرمي، ويشكل المتقدم بالرمي، فهذا الإشكال في الملك دون الإباحة، فإن كان صفة الرمي لا تبيح الأكل، فالإشكال في

المالك غير مؤثر؛ لأنه لم يستقر على الصيد ملك، فإن كان صفة الرمي تبيح الأكل صار الإشكال في الملك مؤثراً، فإن لم يتنازعا فيه جعل بينهما نصفين لاستوائهما، وليس يمتنع إذا كان الأصل يوجب أن يكون لأحدهما أن يجعل مع الإشكال بينهما كالوالدين، يكون أحدهما مسلماً، والآخر كافراً إذا اختلفا في ميراث أبيهما، فادعاه المسلم لإسلام أبيه، وادعاه الكافر لكفر أبيه، وكان الأب مجهول الدين يجعل الميراث بينهما، وغن أحاط العلم باستحالة الشركة وإنه لا يكون إلا لأحدهما، لكن لما أشكل مستحقه، وقد استويا فيه جعل بينهما كذلك الصيد، وإن أوجب افتراقهما في رميه أن يكون لأحدهما لا يمتنع مع الإشكال أن يجعل بينهما، فإن تنازعا فيه تحالفا عليه، فإن حلفا أو نكلا كان بينهما، وإن حلف أحدهما كان للحالف منهما.
فصل: وأما الضرب الثاني، وهو أن يعلم المتقدم بالرمي وتشكل صفة الرمي، فهي مسألة الكتاب.
وصورتها: أن يعرف الأول والثاني، ويشكل هل أثبته الأول أو الثاني، فيرجع فيه إلى الاستدلال بالظاهر فأول الاستدلال بالظاهر أن يعتبر حال وقوفه، فإن وقف عند رمية الأول، فالظاهر أن الأول أثبته دون الثاني.
وإن وقف عن رمية الثاني، فالظاهر أن الثاني أثبته دون الأول، وإن لم يكن في اعتبار الوقوف بيان اعتبر بعده صفة الرمي، فإن كانت الأولى في مقتل، والثانية في غير مقتل، فالظاهر أن الأول أثبته دون الثاني، وإن كانت الأولى في غير مقتل، والثانية في مقتل، فالظاهر أن الثاني أثبته دون الأول، وإن كانت الأولى في مقتل، والثانية في مقتل، فالظاهر أن الأول أثبته دون: الثاني، وإن كانت الأولى في غير مقتل، والثانية في غير مقتل، فهي حالة إشكال لترددها بين إثبات الأول والثاني، وهما في الجواز على سواء، وقد انتفى الإشكال عما تقدمه في الحكم بالظاهر فإن أضيف إلى إثبات الأول كان هو المالك، وصار الثاني جارحاً تعتبر صفة جراحته في الأكل، والغرم، وإن أضيف إلى إثبات الثاني كان هو المالك، وتكون جراحته ذكاة سواء كانت في محل الذكاة أو غيرها، وكانت جراحة الأول هدراً، لتقدمها على ملك الثاني وإن لم تضف إلى إثبات أحدهما، لبقاء الإشكال تعلق بإشكاله حكمان: أحدهما: في الملك.
والثاني: في إباحة الأكل.
فأما الملك فقد نص الشافعي ها هنا أنه يكون بينهما نصفين، فاختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أن يكون بينهما اعتباراً بالظاهر من نصه، وتعليلاً بتكافئهما فيه بالاحتمال.

والثاني: وهو أظهر أن يكون للثاني منهما؛ لأننا على يقين من إثباته في رمية الثاني، وفي شك من إثباته برمية الأول، توجب أن يكون ملحقاً باليقين دون الشك ولمن قال بهذا عن نص الشافعي جوابان: أحدهما: أنه محمول على الإشكال في الراميين في التقدم، فيكون بينهما نصفين، فأما مع معرفة المتقدم منهما، فيكون للثاني، ولا يشتركان فيه تعليلاً بما قدمناه.
والثاني: أنه محمول على الشك في التقدم والاجتماع، فيكون بينهما لجواز اجتماعهما وكلام الشافعي يدفع هذا الجواب، والأول أشبه.
وأما إباحته الأكل، فلم يصرح فيه الشافعي ها هنا بشيء، وإن كان فحوى كلامه من جعله بينهما دليلاً على إباحته، فاختلف أصحابنا فيه أربعة أوجه: أحدها: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنه مباح الأكل؛ لأنه على أصل الامتناع، فصار على أصل الإباحة، وهذا تعليل في جعله ملكاً للثاني، ولم يشتركا فيه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أنه محرم الأكل؛ لأنه يجوز أن يثبته الأول فيحرم برمي الثاني، ويجوز أن يثبته الثاني فيحل، فصار متردداً بين حظر وإباحة، فغلب حكم الحظر على الإباحة.
والثالث: أن يقارب بين رمية الأول، ورمية الثاني حلّ أكله، وإن تطاول ما بينهما حرم، لأن الذكاة لا تدرك في قريب الزمان، وتدرك في طويله.
والرابع: إن كانت الرمية الأولى لا يثبت الصيد بمثلها في الغالب حلّ أكله اعتباراً بالغالب في امتناعه وإثباته.
فصل: وأما الضرب الثالث: فهو أن يشكل المتقدم من الراميين، فلا يعلم أيهما الأول وتشكل صفة الرميتين، فلا يعلم بأيهما ثبت فيجري عليه في الملك حكم الضرب الأول، فيكون بينهما نصفين وجهاً واحداً، ويجري عليه في الأكل حكم الضرب الثاني، فيكون في إباحة أكله أربعة أوجه.
فإن تنازعا في الملك بالتقدم تحالفا، وإن تنازعا في الإباحة لم يتحالفا؛ لأن اليد تدل على الملك، فتحالفا بها، ولا تدل على الذكاة، فلم يتحالفا فيها، ويحرم أكله على من ادعى تحريمه، ويحل لمن ادعى تحليله.
فإن جعل لمن ادعى تحريمه لم تؤثر فيه دعوى الإباحة، وكان حراماً عليه، وإن جعل لمن ادعى تحليله لم يؤثر فيه دعوى التحريم، وكان حلالاً كله، وإن جعل بينهما كان لمدعي التحليل أن يعاوض على حق منه إلا للمكذب له، ولم يجز لمدعي التحريم أن يعاوض على حقه منه لمصدق ولا لمكذب.

مسألة: قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولوْ رمى طائِرا فجُرحهُ ثمّ سقط إلى الأرض فأصبناهُ ميتاً لم نذِر أمات في الهواءِ أم بعدما صار إلى الأرض أكُلّ لِأنّه لا يوصِلُ إلى أن يُكوِّن مأخوذاً إلّا بِالوُقوعِ ولوْ حرم هذا حُرمِ كُلّ طائِر رمي فوقع فماتٍ ولكِنه لوْ وقع على جبلِ فتردّى عنه كان متردياً لا يُؤكِّلُ إلّا أن تُكوِّن الرِّميَة قد قطّعت رأّسهُ أوْ ذِبحتهُ أوْ قِطعة باثنتين فيُعلِمُ أنّه لم يُتردّ إلّا مذكي".
قال في الحاوي: أما الماشي من الصيد أياً رماه، فقط على جنبه، فمات أكل ولا يحرم بالسقوط على الأرض إذا عادته أنه لا يثبت بعد موته إلا ساقطاً، وأما الطائر من الصيد إذا رماه، فسقط على الأرض ومات، فإن كانت الرمية قد وحته في الهوار لوقوعها في مقتل حلّ أكله باتفاق وإن لم توحه لوقوعها في غير مقتلع فمذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه مأكول وقال مالك: هو غير مأكول إلا أن يعلم موته في الهواء؛ لأن سقوطه على الأرض قاتل، فصار موته بمبيح وحاظر، فوجب أن يحرم كالمتردية، ودليلنا عليه شيئان: أحدهما: أنه لما لم يؤصل إليه إلا بالوقوع على الأرض لم يمنع وقوعه عليها إباحة الأكل، وإن كان مؤثراً في فوات النفس كسقوط الماشي على الأرض.
والثاني: أن ما يشق الاحتراز منه في الصيد كان عفواً، كالذكاة في محلها وفيه انفصال.
فصل: فأما إذ سقط الطائر بعد رميه إلى الماء، فإذ كانت الرمية موجية حل أكله، وإن كانت غير موجية، فله حالتان: أحدهما: أن يكون من طير البر، فلا يحل أكله إذا مات بعد سقوطه في الماء؛ لرواية عامر الشعبي عن عدي بن حاتم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال وسأله: "إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتله، فكله، إلا أن تجده قد وقع في ماء فمات، فإنك لا تدري الماء قتله؟ أو سهمك؟ ولأن الماء بعد الجرح أبلغ في فوات نفه من الجرح مع إمكان الوصول إليه في الأغلب من غير وقوع في الماء.
والثاني: أن يكون من طير الماء، ففي إباحة أكله إذا مات بعد سقوطه في الماء وجهان: أحدهما: لا يحل أكله تعليلاً بما ذكرناه.
والثاني: يحل أكله؛ لأنه لا يكاد في الغالب يفارق الماء، فصار سقوطه فيه، كسقوط غيره في الأرض.

فأما إن سقط الصيد في النار فمات فيها لم يؤكل سواء كان الصيد طائراً أو ماشياً؛ لأن النار قاتلة، ويستغني الصيد عن وقوعه فيها، إلا أن يعلم موته قبل وقوعه فيها فيحل.
فصل: وإذا سقط الطائر بعد رميه على حائط أو شجرة أو جبل ثم تردى منه إلى الأرض، فسقط إليها، فمات أو كان الصيد ماشياً فرماه على الجبل، فتردى منه إلى الأرض، فمات، فله حالتان: أحدهما: أن يحصل موته قبل ترديه من الجبل والحائط الشجرة فيحل أكله؛ لأنه لا تأثير لترديه عن موته.
والثانية: أن لا يعلم موته قبل ترديه، فأكله حرام؛ لأنه قد صار من جملة المتردية التي حرمها الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿والْمُنْخَنِقَةُ والْمَوْقُوذَةُ والْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة:3] ولأن ترديه نادر، فحرم به كسقوطه في الماء.
ولو رمى طائراً، فخر إلى الأرض، واستقبله رجل بسيفه، فقطعه باثنتين حرم أكله إلا أن يكون الجرح قد وجأه في الهوى، فلا يحرم؛ لأن قطعه بالسيف قبل التوجية ليس بذكاة، فصار مستهلكاً له، فحرم به، وضمنه لمالكه.
مسألة: قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولا يُؤكِّلُ ما قِتلُهُ الرّمي إلّا ما خِرقُ بدقته أوْ قطع بِحدِّهُ فأما ما جُرحُ بِثقلِهُ فهوَ وقيذة".
قال في الحاوي: أما الذكاة في اللغة، ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن التطيب من قولهم: مسك ذكي إذا كان طيب الرائحة، ولكنها في الشرع تطييب الذبيحة بالإباحة.
والثاني: أنها القطع لكنها في الشرع قطع على صفة مبيحة، فصارت في الشرع قطعاً خاصاً، وفي اللغة قطعاً عاماً.
والثالث: وإليه أشار الشافعي، أن الذكاة القتل؛ لأنها لا تستعمل إلا في النفوس، لكنها في الشرع قتل في محل مخصوص، فصارت أخص منها في اللغة.
قال الشافعي: وجميع ما قال الله تعالى: ﴿إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:3] إلا ما قتلتم، ولكن كان مجوزاً أن يكون ببعض القتل دون بعض، فلما قال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:67] دل على أن الذكاة المأمور بها الذبح دون غيره، وكان النحر في معنى الذبح.

فإذا تقرر هذا، فالذكاة على ضربين في مقدور عليه، وممتنع.
فإذا كانت في مقدور عليه لم تكن إلا ذبحاً في الحلق أو نحراً في اللبة بما يقطع بعده دون ما يخرق بدقه، وسواء كان بحديد أو بغيره من المحدد إذا مار في اللحم مور الحديد من ليط القصب، وما حدد من الزجاج، والحجر، والخشب؛ لأن المقصود منها ما قطع بحد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما انهر الدم وفرى الاوداج فكل".
وروي أن عدي بن حاتم سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنا نجد الصيد ولا نجد ما نذكي به إلا الظرار وشقة العصا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرر الدم بما شئت".
قال أبو عبيد: الظرار حجارة محددة.
وقوله: "أمرر الدم بما شئت" أي سِلْهُ بما شئت.
فأما ما قطع من ذلك بشاة اعتماد المذكي، وقوة ثقله، فلا يؤكل ومثله الحديد لو كان لا يقطع بحده، ويقطع بشدة الاعتماد، وقوة الذابح لم يؤكل لأنه يصير المنهر للدم هو الذابح دون الآلة.
وأما الممتنع فكل موضع من جسده محل لذكاته مما قطع بحده كالسيف والسكين أو خرق، وثقب بدقته كالسهم والحربة، فمار في اللحم، ودخل، سواء كان حديداً أو ما قام مقامه من القصب، والخشب، والمحدد، والحجارة المحددة.
فأما ما قطع بثقله أو بقوة الرامي كالخشب الأصم، والحجر الصلد، فإنه وقيذ لا يؤكل لقول الله تعالى: ﴿والْمَوْقُوذَةُ والْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة:3] والموقوذة: هي المقتولة ضرباً، والمتردية: هي الواقعة من شاهق.
وروى عامر الشعبي عن عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيد المعراض، فقال: "ما أصاب بحده فكل، وما أصاب بعرضه، فهو وقيذ".
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن "الجلاهق" وهو قوس البندق؛ لأنه يقتل الصيد بقوة راميه، وليس يقتله بحده كالسهام، فأباح السهم، ونهى عن البندق.
فإن قيل: فقد روى الأعمش عن إبراهيم، عن عدي بن حاتم أنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البندق، فقال: "إن خرقت فكل، وإن لم تخرق فلا تأكل" قيل: هذا الحديث ليس بثابت، ولا أصل له، فإن سفيان قال: سألت الأعمش عن حديث البندق يعني هذا الحديث المروي عنه أنه ليس من حديثك، فقال: كيف أصنع بهؤلاء أصحاب الحديث يقرؤون من أصل ما ليس فيه.

فصل: فإذا ثبت أن ما لم يقطع بحده، ولم يخرق بدقته، وقطع بثقله أو بقوة الاعتماد عليه غير مأكول، فإن فاتت ذكاته في الحلق واللبة كان ميتة محرمة، وان أدركت حياته، فذبح في حلقه أو نجز في لبته نظر فيما أدركه من حياته، فإن كانت ضعيفة لا لبث لها كجرحة المذبوح لم يحل أكله بالذبح، وكان ميتة، وإن كانت حياته قوية يلبث معها، وإن لم يطل زمان لبثها صحت ذكاته، وحل أكله لقول الله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:3] فأباح ما أدركت ذكاته بعد تقدم المحظورات.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللهَ تَعَالَى: "وَمَا نَالَتْهُ الْجوارحِ فَقِتْلَتَهُ وَلَمْ تَذُمُّهُ اِحْتَمَلَ مَعْنِيَّيْنِ: أَحَدُّهُمَا أَنْ يُؤْكَلَ حَتَّى يَجْرَحَ قَالُ اللهِ تَعَالَى ﴿مِنْ الْجوارح﴾ [الْمَائِدَةَ: 4] والآخر أَنَّه حَلُّ قَالُ اِلْمِزِنَّي: الأول أَوَّلاهُمَا بِهِ قِيَاسَا عَلَى رَامِي الصَّيْدِ أَوْ ضَارِبَهُ لَا يُؤْكَلَ إلّا أَنْ يَجْرَحَه".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل أرسل كلبه أو غيره من الجوارح على صيد، فمات الصيد بإرساله عليه، فلا يخلو حال موته من ثلاثة أحوال: إحداها: أن يتعبه الكلب بالسعي عليه حتى يسقط الصيد ميتاً بالإعياء من غير أن يجرحه الكلب، فهذا ميتة لا يؤكل، لأنه لم يصل إليه، فهل يكون تذكية.
والثانية: أن يناله الكلب، فيعقره، فيموت من عقره وجراحته، فيحل أكله سواء جرحه بأنيابه أو بمخالبه في مقتل أو غير مقتل من رأس أو ذنب؛ لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:4].
فاختلف أصحابنا في موضع عقر الكلب، هل يحلّ أكله أو لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يحل أكله سواء كان قد غسله أو لم يغسله، ويأكل ما عداه من جسده؛ لأن لعاب الكلب ونجاسة أنيابه تسري في محله فلا يصل إليه الغسل.
والثاني: أنه يحل أكله، لأنه من جملة حكم بإباحتها من غير استثناء، فعلى هذا يجب غسله قبل أكله أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يجب غسله قياساً على محل ولوغه، ولا يحل أكله قبل الغسل.
والثاني: لا يجب غسله؛ للحوق المشقة فيه، فصار عضواً كسائر ما يشق التحرز منه من جمع الأنجاس.
والثالثة: أن يكون موت الصيد بصدمة الكلب أو بضغطته أو بقوة إمساكه من غير أن يعقره بجرح من ناب أو مخلب، ففي إباحة أكله قولان:

أحدهما: وهو (اختيار) المزني، ورواه أبو يوسف، ومحمد، وزفر عن آبي حنيفة أنه حرام لا يؤكل.
والثاني: ورواه الحسن بن زياد اللؤلؤي عن أبي حنيفة أنه حلال يؤكل.
فدليل القول الأول في تحريمه قوله تعالى.
﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] فجعل الجرح نعتاً، فصار في الإباحة شرطاً.
وروى رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا" فدل على أن ما لم ينهر لا يؤكل؛ ولأن قتل الصيد قد أبيح بآلة وبجوارح فلما لم يحل صيد الآلة إلا بعقره وجب أن لا يحل صيد الجوارح إلا بعقره، لأنه أحد النوعين، فكان العقر شرطاً في الحالين.
ودليل القول الثاني في إباحته قول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] يريد به الجوارح الكواسب كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية:21] أي اكتسبوا ثم قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:4] فكان على عمومه في كل إمساك عقر آو لم يعقر، ولأن شروط الذكاة معتبرة بحال القدرة والعحز فتجب مع القدرة قي محلها في الحلق واللبة ما يسقط مع العجز، كذلك العقر لا يثق اعتباره قي الآلة، فكان شرطاً وشق اعتباره في الجارح فلم يكن عقره شرطاً؛ ولأن ما كان شرطاً قي تعليم الجارح، كان شرطاً قي الاستباحة، كالإمساك، وما لم يكن شرطاً في التعليم لم يكن شرطاً قي الاستباحة، كالأكل، فلما لم يكن العقر شرطاً في تعليمه لم يكن شرطاً في استباحة صيده عقره من دواعي الآكل المؤثر قي الحظر فكان ترك عقره أصح في التعليم، وأبعد من الحظر، فكان أحق بالإباحة من العقر.
مسألة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَلَوْ رَمَى شَخُصَا يَحْسُبُهُ حَجَرَا فَأَصَابَ صِيدَا فَلَوْ أَكُلَّه مَا رَأَّيْتُهُ مُحْرِمَا كَمَا لَوْ أَخْطَأَ شَاةُ فَذِبْحَهَا لَا يُرِيدُهَا وَكَمَا لَوْ ذِبْحَهَا وَهُوَ يراها خَشَبَةَ لِينَةٍ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا رأى شخصاً، فظنه حجراً أو شجرة، فرماه بسهم، فبان أنه صيد قتله حل أكله، وكذلك لو رمى الشخص، وهو يظنه إنساناً أو حيواناً غير مأكول من كلب أو خنزير، فبان أنه صيد مأكول قتله حل أكله في هذه الأحوال كلها، وبه قال أبو حنيفة ومالك: لا يؤكل في هذه الأحوال كلها.
وقال محمد بن الحسن: إن ظنه غير حيوان من شجر أو حجر، فبان صيداً لم يحل أكله، وإن ظنه حيواناً غير مأكول، فبان مأكولاً حلّ أكله، وعلة إباحته عندنا مختلف فيها بين أصحابنا على وجهين:

أحدهما: أن العلة في إباحته قصده للفعل، فكان ما حدث من فعله المقصود مباحاً، كما لو قصد ذبح شاة فذبحها، وهو يحسبها غيرها، حل أكلها كما لو قبض على شي، يحسبه خشبة لينة فقطعها فبان أنه حلق شاة قد ذبحها حلّ أكلها.
والثاني: وهو تعليل أبي إسحاق المروزي أن العلة في إباحته مباشرته للفعل دون القصد؟ لأن ذكاة الصبي والمجنون مباحة، وإن لم يكن لهما قصد، فكان التعليل بالمباشرة أولى من التعليل بالقصد ولا يعتبر بنية الذكاة على التعليلين جميعاً، ألا تراه لا أشار بالسكين إلى حلق شاة ليعبث بها ولا يذبحها فانذبحت بها حلّ أكلها، وإن لم ينوه، وتأثير اختلاف الوجهين في هذا التعليل يتحقق فيمن رمي إلى الهواء، فسقط في علوه على صيد، فقتله، ففي إباحته وجهان: أحدهما: غير مباح إذا علل بقصد الفعل.
والثاني: مباح إذا علل بمباشرة الفعل، وهكذا لو كانت بيده سكين فسقطت على حلق شاة أو طائر، فذبحته، لم يحل أكله على الوجه الأول لأنه عن فعل غير مقصود وحلّ أكله على الوجه الثاني؛ لأنه عن مباشرة فعله.
فصل: فأما إذا أرسل كلبه على شخص يحسبه غير صيد فبان صيداً مأكولاً، تميز حينئذِ حال الشخص في إرسال الكلب، وإن لم يتميز في إرسال السهم، فإن كان الشخص حيواناً ظنه إنسان أسداً أو خنزيراً؛ فأرسل كلبه عليه، فبان صيداً مأكولاً حلّ؟ لأن الكلب يشلي على كل الحيوان فيستشلي، فاستوى في استرساله حال المأكول، وغير المأكول، وإن اختلفا في إباحة الأكل، وإن ظن المرسل أن الشخص شجرة أو حجر، فأرسل عليه كلبه، فبان صيداً، فقتله ففي إباحته وجهان: أحدهما: مباح كما لو أرسل سهمه عليه.
والثاني: محظور لأمرين هما تعليل، وفرق: أحدهما: أن إرساله على غير الحيوان عبث، فصار كالمسترسل بنفسه.
والثاني: أن تصرف الكلب باختياره ونفوذ السهم باختيار مرسله.
فأما إذا أرسل سهمه أو كلبه على غير شخص يراه، فصادف صيداً قتله، فقد ذكرنا أنه إن كان بإرسال كلب لم يؤكل، وإن كان بإرسال سهم، ففي إباحة أكله وجهان، وهو عكس مسألتنا في الشخص المرئي؛ لأنه في الشخص يؤكل ما أصابه سهمه، وفي أكل ما أصابه كلبه وجهان، وفي غير الشخص المرئي لا يؤكل ما أصابه كلبه، وفي أكل ما أصابه سهمه وجهان:

مسألة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمِنْ أَحَرَزَ صِيدَا فَأَفْلَتَ مِنْه فَصَادَّهُ غَيْرَه فَهُوَ كالأول".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا ملك صيداً بالاصطياد أو بابتياع، وأفلت منه لم يزد ملكه عنه سواء طال مكثه عنه أو قصر، وسواء بعد عنه في البر أو قرب من المصر، وسواء كان من الطير أو الدواب.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: إن بعد في البر مع قرب المكث زال ملكه عنه؛ استدلالاً بأن الإمساك سبب الملك، فإذا زال بالانفلات زال به الملك، كما لو ملك ماء باستقائه من نهر، فانصب منه في النهر، زال ملكه عنه، ولأنه لو بقي على ملكه بعد انفلاته تحرم صيد البر لجواز اختلاطه بمنفلت فحرم، وفي إجماعهم على إباحة صياه دليل على أن المنفلت عائد في الإباحة إلى أصله.
ودليلنا هو أنه يملك الصيد بالابتياع، كما يملكه بالاصطياد، فلما لم يزل به الملك عما إتباعه بالانفلات لم يزل به الملك عما صاده؛ ولأنه يملك عبده بالسبي؛ ولا يزول ملكه عنه بالرجوع إلى دار الحرب، كذلك الصيد إذا ملكه الاصطياد لم يزول ملكه عنه بالانفلات؛ ولأنه لو وسم الصيد قبل انفلاته لم يزل ملكه عنه بعل وسمه فوجب أن لا يزول به قبل وسمه؛ لأن الوسم لما لم يؤثر في ثبوت الملك لم يؤثر في زواله.
وأما الجواب عن استدلاله بأن زوال سبب الملك موجب لزوال الملك كالماء إذا عاد إلى النهر فهو بطلانه بالعبد المسبي إذا عاد آبقاً إلى دار الحرب زال سبب ملكه، ولم نوجب زوال ملكه، كذلك الصيد.
فأما الماء فقد اختلف أصحابنا في حكمه إذا عاد إلى النهر على وجهين: أحدهما: أنه على ملكه، وإنما اختلط بما لم يتميز عنه، فصار مستهلكاً.
والثاني: أن ملكه قد زال بمثله المقدور عليه، فخالف حكم الصيد الذي لا يقدر عليه.
وأما الجواب عن استدلاله بأن صيد البر على الإباحة بعد انفلاته، فهو أن اختلاط الحلال بالحرام إذا لم يمكن الاحتراز منه يوجب تغليباً الإباحة على التحريم، ألا ترى أن ماء النهر إذا أريق فيه خمر أو بول لم يحرم لتعذر الاحتراز منه؛ ولو اختلطت أخته بنساء بلد لم يحرم عليه أن يتزوج منهن من شاء، ولو اختلطت بعدد من نساء بلد حرمن كلهن؛ لأنه لا يقدر على الاحتراز منها في نساء البلد ويقدر على الاحتراز منها في العدد المحصور من نساء البلد، كذلك حكم الصيد المنفلت إذا اختلطت بصيد البر لم يكن الاحتراز، فحل، وإذا اختلط بعدد محصور من عدة صيود حرم.

فصل: فأما ملك الصيد إذا قتله باختياره فعلى ضربين: أحدهما: أن يقصد بإرساله التقرب إلى الله تعالى به، وهذا موجب لزوال المالك عنه كالعتق، واختلف أصحابنا، هل يحل صيده بعد امتناعه إذا عرف على وجهين: أحدهما: وهو قول كثير من البصريين أنه لا يحل صيد كالمعتق، لا يجوز استرقاقه، والوجه الثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: يحلّ صيده؛ لأن زوال الملك يوجب عوده إلى حكم الإباحة؛ وليخرج عن حكم السائبة المحرمة.
والضرب الثاني: أن لا يقصد بإرساله التقرب إلى الله تعالى، فقد اختلف أصحابنا في زوال ملكه عنه بالإرسال على وجهين: أحدهما: يزول كما يزول لو أرسله متقرباً به.
والثاني: لا يزول ملكه كما لو أرسل بعيره أو فرسه.
فإن قيل: ببقائه على ملكه حرم صيده إذا عرف، وإن قيل بزوال ملكه عنه حلّ صيده، وإن عرف، بخلاف ما تقرب به على أحد الوجهين؛ لأن لله تعالى في القرية حقاً ليس في غيره.
مسالة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَكُلَّ مَا أَصَابَهُ حَلالَ فِي غَيْرَ حُرَمِ مِمَّا يَكُونُ بمكة مِنْ حَمَّامِهَا وَغَيْرَه فَلَا بأس إِنَّمَا تَمنُّعَ بِحُرَمِهُ بِغَيْرَه مِنْ حُرَمِ أَوْ إحرام".
قال في الحاوي: أما الصيد في الحرم، فحرام كتحريمه في الإحرام، سواء كان منشؤه في الحل أو في الحرم، فإن خرج الصيد من الحرم إلى الحل حل صيده، سواء كان منشؤه في الحرم أو في الحل، فيكون تحريم الصيد معتبراً بمكانه في حال صيده لا بمنشئه وبه قال أبو حنيفة وقال مالك: إذا كان منشأ الصيد في الحرم قتله وضمن بالجزاء في الحل والحرم اعتباراً بالمنشأ، واستدلالاً بأن استقرار الحرمة به تمنع من استباحته كما تمنع من استباحة شجر الحرم، وأحجاره بعد إخراجه.
ودليلنا هو أن تحريم الصيد إنما هو لحرمة في غيره من حرم أو إحرام، فلما زالت حرمته بالإحلال من الإحرام وجب زوال حرمته بالخروج من الحرم؛ ولأنه لما حرم صيد الحلّ إذا دخل إلى الحرم اعتباراً بمكانه وجب أن يحل صيد الحرم إذا خرج إلى الحلّ اعتباراً بمكانه، وقد اعتبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك في طائر مع صبي صاده من الحلّ، وأدخله الحرم، فقال له: يا أبا عمير ما فعل النغير" فذل هذا الخبر على أمور.

منها: أن ما صيد في الحل جاز إدخاله إلى الحرم اعتباراً بمكانه الذي صيد فيه.
ومنها: جواز لعب الصبيان بذوات الأرواح.
ومنها: جواز المزح مع الصبيان.
ومنها: جواز كنية من لا ولد له يتكنى باسمه ومنها: جواز التصغير في الأسماء.
فأما الجواب عن استدلال مالك بحجارة الحرم وأشجاره، فهو أنها من جملة الحرم فلزم ردها إليه، وليس الصيد من الحرم، وإنما هو فيه، فافترقا.
مسألة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلَوْ تَحَوَّلَ مِنْ بُرْجِ إِلَى بُرْجِ فَأَخُذُّهُ كَانَ عَلَيه رَدَّه".
قال في الحاوي: أما إذا ملك طائراً إنسياً فطار من برجه إلى برج غيره كان باقياً على ملكه، ولم يملكه من طار إلى برجه بوفاق مالك، ولو صاد طائراً وحشياً فطار من برجه إلى برج غيره كان عندنا باقياً على ملكه سواء أنس ببرجه أو لم يأنس.
وقال مالك: إن أنس ببرجه لطول المكث كان باقياً على ملكه، وإن لم يأنس بطول المكث صار ملكاً لمن انتقل إلى برجه، فإن عاد إلى برج الأول، عاد إلى ملكه.
ودليلنا على ما قدمناه.
فأما إذا سقط طائر وحشي على برج رجل لم يملكه بسقوطه عليه، سواء ألفه أو لم يألفه حتى يصير تحت قدرته، فلا يقدر على امتناعه منه، وذلك بأن يغلق محليه باباً أو يلقى عليه قفصاً، فيصير ملكاً له كما يملكه إذا وقع في شبكته لقارته عليه في الحالين، فإن أخرج هذا الطائر في برجه كان حكم فراخه لحكمه إن ملكه ملك فراخه، وإن لم يملكه لم يملك فراخه، وكذلك بيضه، وإن كان أحق بأخذهما من غيره لملك الموضع، فإن أخذه غيره ملكه الآخذ له دونه، وإن تعدى بدخوله إلى ملكه.
مسألة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلَوْ أَصَابَ ظَبْيَا مقرطاً فَهُوَ لَغَيْرَه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا كان على الصيد أثر ملك أو يد أدمي من قرط أو ميسم أو خضاب أو قلادة لم يملكه صائده؛ لخروجه عن صفة الخلقة إلى أثار الملك، فخرج به عن حكم الإباحة إلى حكم الحظر، وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بظبي واقف فيه اثر فهمّ به أصحابه فمنعهم وقال: "حتى يجيء صاحبه".
وإذا لم يملكه لم يخل

حاله بعد صيده من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون قد صار في يده حياً، فهو في حكم اللقطة من ضوال الحيوان يعرفها ولا يضمها، فإن أرسل الصيد من غير تعريف ضمنه لمالكه.
والحال الثانية: أن يكون ثابتاً في شبكته أو شركه، فلا يلزمه تعريفه؛ لأنه لو يثبت له عليه يد، وإن حل الشبكة عنه، فاسترسل وامتنع لم يضمه؛ لأنه وان جرى على ما في الشبكة حكم يده من ملك الصيد لم يجز عليها حكم يده من الضمان والتعريف؛ لأنه يضعها لهذا الحكم، وإنما وضعها لثبوت الملك.
والحال الثالثة: أن يموت هذا الصيد باصطياده فلا يخلو حال ما مات به من ثلاثة أضرب: أحدها: أن يموت في شبكة قد وضعها فلا يضمنه؛ لأن وضع الشبكة مباح، فلم يضمن ما تلف بلها.
والثاني: أن يموت بسهم رماه، فيكون ضامناً له؛ لأن تلف بفعله وإن كان مغروراً به؛ لأن الضمان لا يسقط إلا بالأعذار.
والثالث: أن يموت بإرسال الكلب عليه ففي ضمانه وجهان: أحدهما: يضمنه كما يضمنونه بهمه.
والثاني: لا يضمنه؛ لأن قتل الكلب منسوب إلى اختياره، وقتل السهم منسوب إلى راميه.
فصل: وهكذا ما أخذه من أحجار الجبال، وخشب الغياض إذا وجد فيه صنعة أدمي من نقر أو نحت أن تربيع لم يملكه كالصيد، فأما إذا صاد سمكة وجد في جوفها جوهرة، فإن كان فيها أثر صنعة ملك السمكة لا يملك الجوهرة، وإن لم يكن فيها أثر صنعة نظر، فإن صادها من بحر ذلك الجوهر، أو كان فيها غيره فصادها من بحر بالعنبر والعنبر ملكها، ولم يملك الجوهرة والعنبرة، وكذلك لو وجد في جوفها ذهباً فإن كان مطبوعاً لم يملكه، وإن كان غير مطبوع وليس فيه أثر النار فإن كانت في بحر هو من معادن الذهب ملكه، وإن لم تكن من معادنه لم يملكه وكان لقطة.
مسألة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلَوْ شَقَّ السَّبْعِ بَطِنَ شَاةِ فَوصلَ إِلَى معاها مَا يَسْتَيْقِنُ أَنَّهَا لَمْ تُذْكَ مَاتَتْ فَذَكِيَتْ فَلَا بأس بأكلها لِقَوَّلَ اللهُ عِزِّ وَجَل: ﴿وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:3] وَالذَّكاَةُ جَائِزَةً بالقرآن.
قَالَ اِلْمِزِنَّي رحمَهُ اللَّهُ:

وَأُعَرِّفُ مِنْ قَوْلِهُ أَنَّهَا لَا تُؤَكِّلُ إذاً بَلَّغَ بِهَا مَا لَا بَقاءَ لِحًيَاتِهَا إلّا حَيَّاهُ المذكى وَهُوَ قولَ الْمَدَنِيِّينَ وَهُوَ عِنْدَِي أَقِيسُ لِأَنَِّي وَجَدَتْ الشَّاهُ تَمُوتُ عَنْ ذَكاَةٍ فَتَحِلُ وَعَنْ عَمَرَ فَتُحْرِمُ فَلَمَّا وَجَدَتْ الَّذِي أَوَجْبَ الذِّبْحِ مَوْتَهَا وَتَحَلُّلَهَا لَا يُبْدَلْهَا أَكُلَّ السَّبُعَ لَهُ وَلَا يَرِدُ بِهَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ إذاً أَوَجْبَ السَّبْعِ مَوْتَهَا وَتَحْرِيمَهَا لَمْ يُبْدَلْهَا الذِّبْحِ لَهَا وَلَا أَعلمَ خِلاَفَا أَنْ سَبَعَا لَوْ قَطْعَ مَا يُقْطَعْ المذكي مِنْ أَسُفْلِ حَلَقِهَا أو أَعلاَهُ ثَمَّ ذَبَّحَتْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يُقْطَعْ السَّبْعُ مِنْ حَلَقِهَا أَنَّهَا مَيْتَةُ وَلَوْ سَبْقَ الذابح ثَمَّ قَطْعَ السَّبْعُ حَيْثُ لَمْ يُقْطَعْ الذابح مِنْ حَلَمِهَا أَنَّهَا ذَكِيُّهُ.
وَفِي هَذَا عَلَى مَا عَلَى مَا قَلَتْ دَليلُ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيِ: وَلَوْ أَدَرَكَ الصَّيْدِ وَلَمْ يُبْلِغُ سِلاَحُهُ أَوْ مَعْلَمَهُ مَا يُبْلِغُ الذابح فَأَمْكَنَهُ أَنْ يَذْبَحَهُ فَلَمْ يُفَعِّلُ فَلَا يَاكُلُ.
قَالَ اِلْمِزِنَّي رحمَهُ اللَّهُ: وَفِي هَذَا دَليلُ أَنَّه لَوْ بَلَّغَ مَا يُبْلِغُ الذابح أَكُلَّ.
قَالَ اِلْمِزِنَّي رحمَهُ اللَّهُ: وَدَليلَ آخر مِنْ قَوْلِهُ فِي كِتَابُ الدِّيَاتِ لَوْ قَطْعَ حُلْقُومِ رَجُلِ ومريئه أَوْ قَطْعَ حَشْوَتِهُ فَأَبَانَهَا مِنْ جَوْفِهُ أَوْ صَيَّرَهُ فِي حالِ الْمَذْبُوحِ ثَمَّ ضَرِبَ آخر عنقَهُ فالأول قَاتِلَ دُونَ الآخر.
قَالَ اِلْمِزِنَّي رحمَهُ اللَّهُ: فَهَذِهِ أَدَلَّهُ عَلَى مَا وَصَفَتْ مِنْ قَوْلِهُ الَّذِي هُوَ أَصَحَّ فِي الْقِيَاسِ مِنْ قَوْلِهُ الْآخَرِ بِاللهِ التَّوْفِيقِ قال في الحاوي: وجملته أنه إذا افترس سبع أو ذئب شاة أو بعيراً ثم أقلع وفي الشاة حياة، فذبحت لم تخل حياتها من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون جرح الافتراس يجوز أن يبرأ، والحياة التي فيها يجوز أن تبقى، فذبحها على هذه الحال، فإن ذكاته تبيح أكلها، وهو متفق عليه لقول الله تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:3].
والحال الثانية: أن يكون الجرح لا يجوز أن تبقى كقطع رأسها، أو إخراج حشوتها ولم يبق فيها، إلا حركة المذبوح فلا يؤثر ذبحها، ولا يحل أكلها؛ لخروج أكثر الروح بجرح السبع دون الذبح، وهو متفق عليه.
والحال الثالثة: أن يكون جرح السبع لا يجوز أن يبرأ والحياة معه قليلة البقاء، مثله أن يقطع منها ما لا يحيا معه، كالمعا، لكن الروح فيها باقية، تعيش بها ساعة أو بعض يوم، فيكون ذبحها على هذه الحال ذكاة يحل بها أكلها كالحالة الأولى، وهذا مما لم يختلف فيه قول الشافعي، وإنما أشكل على المزني فجمع بين الحالتين، وتصور أن ذلك على قولين وليس كما توهم، وإنما هو على اختلاف حالين.
وقد روى سليمان بن يسار عن زيا بن ثابت قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شاة أخذها الذئب فأدركت، وبها حياة، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأكلها.
وقد جرح عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جرحين قطعا معاه، فسقاه الطبيب لبناً خرج منه، فقال له: اعهد، فإنك ميت فعهد ووصى، وأمر ونهى، فأجرى المسلمون عليه حكم الحياة في جميع ما كان من قوله وفعله، فدل على أن ما انتهى إلى حاله من الحيوان كان في حكم الحياة، وإباحة الذكاة فلو وقع الشك في ذبح الشاة هل كان في حال

حظرها أو إباحتها، ففي صحة ذكاتها وجهان: أحدهما: تكون ذكية تؤكل، لأن الأصل بقاء الحياة فيها إلى وقت الذبح.
والثاني: أنها محرمة لا تؤكل، لأن الأمل في فوات النفس الحظر حتى يعلم يقين الإباحة.
مسألة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَكُلَّ مَا كَانَ يَعِيشُ فِي الْمَاءِ مِنْ حُوتِ أَوْ غَيْرَه فَأَخُذُّهُ مَكَانَهُ." قال في الحاوي: اعلم أن الحيوان يتنوع ثلاثة أنواع، بري، وبحري، وما جمع بين البر والبحر.
فأما البري، فالمأكول منه لا يحل أكله، إلا بالذكاة، سوى الجراد وحده، فإنه يحلّ أكله ميتاً سواء مات بسبب أو غير سبب.
روى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: الحوت والجراد والدمان: الكبد والطحال".
وأما البحري، فيقم ثلاثة أقسام، مباح ومحظور، ومختلف فيه، وأما المباح، فهو السمك على اختلاف أنواعه، ويختص بحكمين: أحدهما: أنه مباح الأكل.
والثاني: أنه لا يفتقر إلى الذكاة ويحل أكله ميتاً، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
واختلف أصحابنا في إباحة أكله حياً على وجهين: أحدهما: لا يحل أكله حياً حتى يموت؛ لورود السنة بإحلال بعد الموت؛ لأن موته ذكاة.
والثاني: يحل أن يؤكل حياً وميتاً؛ لأنه لا يفتقر إلى ذكاة، وليس له حال تحريم فعمت فيه الإباحة، واختلف أصحابنا إذا صاد سمكة، فانقطع بعضها في يده وأفلت باقيها حياً، هل يحل أكل ما انقطع منها؛ على وجهين: ذكرهما ابن أبي هريرة: أحدهما: لا يحل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما أبين من حي فهو ميت"يعني محرماً؛ لأنه موته قد علم.
والثاني: أنه يحلّ أكله؛ لأن صيد البحر لا يحرم بالموت فاستوى حكم ما أخذ من حي وميت، ولو وجد سمكة في جوف سمكة حلّ أكلهما معاً، ما لم تنفصل الداخلة، فإن

انفصلت حتى تقطعت وتغير لون لحمها، ففي إباحة أكلها وجهان: أ~~: يحل أكلها كما يحل لو تقطعت بغير صيدها وتغيرت.
والثاني: يحرم أكلها؛ لأنها قد صارت في حكم الرجيع والفيء، وهكذا أكل ما في بطون السمك من غذائه على هذين الوجهين.
فصل: وأما الحرام، وهو الضفدع، وحيات الماء، وعقاربه، وجميع ما فيه من ذوات السموم الضارة، وما يفضي إلى موت أو سقم، فلا يحلّ أن يؤكل بحال؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه نهى عن قتل الضفدع"، وقيل: إنه خرج على سبب، وهو أن طبيباً وصف عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دواء فيه لحم الضفدع، فنهى عن قتل الضفدع" وقيل: هو سم.
واختلف أصحابنا بعد اتفاقهم على تحريمه هي: ينجس بعد موته على وجهين: أحدهما: أنه طاهر لا ينجس بالموت؛ لأن حيوان الماء موته وحياته سواء.
والثاني: أنه نجس إذا مات لأنه لما شابه حيوان البر في التحريم شابهه في التنجيس، فعلى هذا هل ينجس به الماء القليل أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يتنجس به كما ينجس بسائر الأنجاس.
والثاني: لا ينجس به للحوق المشقة في التحرز، فصار عضواً كدم البراغيث.
فصل: وأما المختلف فيه، فهو ما أشبه حيوان البر من دواب الماء من الفأر والكلاب والخنازير، وقيل: إنه ليس في البر حيوان إلا وفي البحر مثله، فاختلف الفقهاء في إباحة أكله على ثلاثة مذاهب: أحدها: هو الظاهر من مذهب الشافعي أن جميعه حلال مأكول، يستوي فيه ما أشبه مباحات البر ومحرماته من كلابه وخنازير، وقد قال في كتاب السلم: يؤكل فأر الماء.
وقال الربيع: سئل الشافعي عن خنزير الماء فقال: يؤكل، ولما دخل العراق سئل عن اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى في أكل هذا، وهذا حرمه أبو حنيفة، وأحلّه ابن أبي ليلى، فقال: أنا على رأي ابن أبي ليلى، يعني في إباحته.
وبه قال من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن عباس أبو أيوب الأنصاري وأبو هريرة رفي الله عنهم.
وفي التابعين: الحس البصري.
وفي الفقهاء: مالك، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والليث بن سعد، وهو قول الجمهور من أصحاب الشافعي، حكى ابن أبي هريرة عن أبي علي ابن خيران أن أكارا له صاد له كلب ماء، وحمله إليه، فأكله، وكان طعمه موافقاً لطعم الحوت لا يغادر منه شيئاً.

والثاني: وهو قول أبي حنيفة: أن جميعه حرام لا يؤكل، ولا يحل من حيوان البحر إلا السمك خاصة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي في بعض كتبه: إنه لا يحلّ من صيد البحر إلا الحوت، فاختلف أصحابه في اسم الحوت، فقال بعضهم: هو من الأسماء العامة ينطلق على جميع حيوان البحر إلا الضفدع، وما قتل أكله من ذوات السموم، فعلى هذا لا يختلف قوله في إباحة أكله.
وقال آخرون من أصحابه: إن اسم الحوت خاص بالسمك دون غيره، فعلى هذا جعلوه قولاً ثانياً للشافعي أن أكله حرام، كقول أبي حنيفة.
والثالث: وهو قول بعض أصحاب الشافعي أن ما أشبه مباحات البر من دواب الماء حلال، وما أشبه محرمات البر من كلاب الماء وخنازيره حرام جميعاً بين حيوان البر وحيوان البحر.
فصل: واستدل من أخذ بقول أبي حنيفة على تحريمه بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: 3] وبرواية ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد واسم الحوت خاص في السمك، فكانت الإباحة مقصورة عليه؛ ولأن ما اختص بغير اسم الحوت لم ينطلق عليه إباحة الأكل كالبري؛ لأن الحيوان لا يختلف حكم إباحته باختلاف مواطنه كالخنزير الجبلي والسهلي.
والدليل على إباحة جميعه قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] يعني بصيد البحر صيد الماء من بحر أو نهر أو عين أو بئر؛ لأن أصل جميع المياه من البحر، وفي طعامه تأويلان: احدهما: طافية، وهو قول أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما.
والثاني: مملوحة، وهو قول ابن عباس وفي قوله "متاعاً" تأويلان: أحدهما: طعام.
والثاني: منفعة، وفي قوله: و"للسيارة" ثلاثة تأويلات: أحدها: الحلال والمحرم.
والثاني: المقيم والمسافر.
والثالث: لأهل الأمصار وأهل القرى.
والدليل في هذه الآية من وجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يعني صيد البحر، فكان على عمومه في جميع حيوانه.

والثاني: قوله: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] يعني مطعومه، فدل على أن جميعه مطعوم.
وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" فعم جميع ميتاته، ولم يخصها.
وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: كل دابة تموت في البحر فقد ذكاها الله لكم، وهو محكي عن غيره من الصحابة، وليس فيه مخالف له، فكان إجماعاً ولأن ما لم يعش من الحيوان إلا في الماء حل أكله ميتاً كالحوت.
فأما الجواب عن استدلاله بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145] فمن وجهين: أحدها: أن مطلق اسم الخنزير لا ينطلق لفة وعرفاً إلا على خنزير البر، فإن أريد به غيره قبل خنزير الماء مقيداً به، فوجب أن يحمل حكمه على إطلاقه.
والثاني: أن اسمه لو انطلق عليها لخص تحريمها بقوله: لكل ميتة وأما الجواب عن قوله: "الميتتان: الحوت والجراد" فمن وجهين: أحدهما: أن اسم الحوت ينطلق على جميعها، فكان دليلاً على إباحتها دون حظرها.
والثاني: أن قوله: "الحل ميتته" أعم منه فصار الحوت داخلاً في عمومه، ولم يخصه؟ لأنه لا ينافيه.
وأما الجواب عن قياسه على البري، فهو أن الشرع قد فرق بين حيوان البر والبحر فلم يجز أن يجمع بينهما بالقياس.
وأما الجواب عن استدلاله بأن إباحة الحيوان لا يختلف باختلاف مواطنه، فهو مدفوع بالإجماع، ولاختلاف الأماكن مع الإجماع في الاسم والصورة تأثير في الحظر والإباحة؛ لأن الحمار الوحشي والحمار الأهلي يجتمعان في الاسم، ويشتبهان في الصورة، ويفترقان في الإباحة، فيحل الوحشي، ويحرم الأهلي، لاختلافهما في الإباحة والحظر، وإن اشتركا في الاسم واشتبها في الصورة، وبهذا يبطل قول من ذهب من أصحابنا إلى اعتبار حيوان البحر بحيوان البر فأحلّ منه ما أشبه محللات البر وحرم منه ما أشبه محرمات البر.
فصل: وأما النوع الثالث من الحيوان، وهو ما يجمع في عيشه بين البر والبحر فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما يكون مستقره في البر، ومرعاه من البحر مثل: طير الماء فهذا من حيوان البر وتجري عليه حكمه.

والثاني: ما يكون مستقره في البحر ومرعاه في البر كالسلحفاة، فهذا من حيوان البحر، ويجري عليه حكمه.
والثالث: ما يستقر في البر والبحر ويرعى في البر والبحر، فيراعي أغلب حاليه.
فإن كان أغلبهما البر في مستقره ومرعاه، أجري عليه حكم الحيوان البري، وإن كان أغلبها البحر في مستقره ومرعاه أجري عليه حكم حيوان البحر، وإن استوى فيه الأمران، ولم يغلب أحدهما على الآخر، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجري عليه حكم حيوان البر تغليباً للحظر؛ لأنه مستغن عن البحر.
والثاني: أنه يجري عليه حكم حيوان البحر تغليباً للإباحة؛ لأنه مستغن عن البر.
مسألة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلَوْ كَانَ شِيئَا تَطَوَّلَ حَيَّاتُهُ فَذِبْحَهُ لِاِسْتِعْجالِ مَوْتِهُ مَا كَرْهَتُهُ ". قال في الحاوي: أما السمك، فلا يلزم ذبحه، وإن قدر عليه، وإن طالت حياته بعد صيده جاز أن ينتظر به موته، ولا يكره انتظاره، وجاز أن يعجل ذبحه، ولا يكره ذبحه، وفي الاستحباب منها وجهان: أحدهما: أن تركه ليموت حتف أنفه أولى، لأن موته ذكاة.
والثاني: أن ذبحه أولى ليستعجل الراحة من أبطأ الموت.
وأما غير السمك من دواب البحر إذا قيل بإباحته، فإن لم يدرك ذبحه حياً بعد صيده حتى ماتّ حل أكله؛ لأن صيد البر إذا لم يقدر على ذكاته بعد صيده حلّ أكله، فكان صيد البحر أولى، وإن أدرك ذكاته بعا صيده فقد اختلف أصحابنا في وجوب ذبحه وكونه مع القدرة شرطاً في إباحته على وجهين: أحدهما: وهو قول الأكثر منهم أن ذبحه لا يجب، وأن موته ذكاة كالسمك، وهذا قول من جمع بين السمك وغيره في الإباحة.
والثاني: وهو قول من اعتبر حيوان البحر بحيوان البر في الحظر والإباحة فجمع بينهما في الذكاة، وحرمه مع القدرة عليها إذا مات، وهذا الجمع فاسد في الأمرين فأما دمه فمن جعل ذكاته شرطاً جعل دمه نجساً، ومن لم يجعل ذكاته شرطاً وجعله كالحوت في استباحته بموته، ففي دمه ودم جميع السمك وجهان: أحدهما: نجس لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة:3] والثاني: أن دمه طاهر: لأن دم الحي كلحم الميت، فلما خالف حيوان البر في

طهارته بعد الموت خالف في طهارة دمه، والله أعلم.
مسألة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَسَواءَ مِنْ أَخَذَّهُ مِنْ مَجُوسِيِّ أَوْ وَثَنِيَّ لَا ذَكاةَ لَه".ُ قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان الحوت لا يفقر إلى ذكاة، وكان موته في إباحته كالذكاة، فلا فرق بين أن يصطاده مسلم أو مجوسي أو وثني في إباحة أكله، وهو في صيده كموته حتف أنفه؛ ولأن ما كان موته ذكاته استوى فيه أهل الذكاة وغير أهل الذكاة كالجراد، فإنه يحل إذا مات أو ميت من يد مجوسي أو وثني.
وقال مالك: لا يعل الجراد حتى يقطف، وهذا خطأ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحلت لا ميت في ودمان، الحوت والجراد" ولأن قطف رأسه إذ كان معتبراً بعد موته لم يؤثر، وإن كان معتبراً قبل موته كان فيه تعذيب لذي روح ورد الهي عه، وليست التسمية عند صيدها مسنونة، ولا ورد بها شرع، وإن كان ذكرها الله تعالى على كل الأحوال حسناً.
مسألة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَسَواءَ مَا لَفْظُهُ الْبَحْرَ وَطَفَّا مِنْ مَيْتَتِهُ أَوْ أَخَذَ حَيَّا، أَكُلَّ أَبُو أيوب سَمَّكَا طَافِيَا وَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحلت لَنَا مَيْتَتَانِِ وَدَمَّانَ ". الْمَيْتَتَانِِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَّانَ: أَحَسْبَه قَالَ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ وَقَالَ [هُوَ الطَّهُورُ ماؤه: الْحَلُّ ميتتة " وَقَالَ اللهِ جَلِّ ثناؤه ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ﴾ [الْمَائِدَةَ: 96] وَهَذَا عُمُومَ فَمِنْ خُصَّ مِنْه شِيئَا فَالْمَخْصُوصَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أَهْل الْعلمَ إلا بِسَنَةِ أو إجماع الَّذِينَ لا يُجَهِّلُونَ مَا أَرَادَ اللهُ قَالِ اِلْمِزِنَّي رحمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْرِمَ الْحُوتُ وَهُوَ ذَكِيَّ لِأَنَّه طَفَّا لِجَازَ أَنْ يُقَوِّمَ المذكي مِنْ الْغَنَمِ إذاً طَفَتَا وَفِي ذَلِكَ دَليلَ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقِ ادليل، وبالله التوفيق".
قال في الحاوي: إذا مات السمك في الماء حلّ أكله سواء كان بسبب شدة برد الماء أو شدة حرارته أو نصب عنه حتى صار على اليبس أو مات، بغير سبب وسواء طفا على الماء حتى ظهر أو رسب في قرار فلم يظهر، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين والفقهاء.
وقال أبو حنيفة: إن مات بسبب حلّ أكله، وإن مات بغير سبب حرم أكله، وقال بعض العراقيين: إن طفا حرم، وإن رسب لم يحرم احتجاباً برواية ابن الزبير عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن أكل السمك الطافي".

وبرواية وهب بن كيسان عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كلوا ما حسر عنه البحر وما ألقي، وما وجدتم ميتاً طافياً فوق الماء فلا تأكلوه".
قالوا: وهذان الخبران نص في التحريم.
قالوا: ولأن موت ذي الروح بغير سبب يوجب تحريم أكله كالبري.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96].
وقد ذكرنا تفسيرها، وأن طعامه طافية على قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وحديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في البحر: "وهو الطهور ماؤه الحل ميتته".
وهذا كالنص، أضاف الميتة إلى البحر لا إلى سبب حادث، وحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان"، فالميتتان: الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال، فكان على عمومه.
وروى الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح نريد عيراً لقريش، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فسمي ذلك الجيش جيش الخبط، ثم ألقى لنا البحر ونحن بالساحل دابة تسمى العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، واستدمنا منه، وادهنا بودكه حتى باتت أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه فنصبه، ثم نظر إلى أطول ربى في الجيش، وأعظم جمل، فأمره أن يركب الجمل ثم يمر تحته، ففعل فمر تحته، فدل هذا الخبر على أمرين: أحدهما: إباحة أكل الطافي.
والثاني: إباحة أكل دواب البحر، وان لم يكن حوتاً.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: أشهد علي أبي بكر رضي اثه عنهما _ أنه قال: "السمكة الطافية على الماء حلال، ولم يظهر له مخالف فكان إجماعاً، وأكل أبو أيوب الأنصاري سمكاً طافياً، فإن كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يظهر منه إنكار دل على إباحته سنة، وإن كان بعده فلم يظهر له منكر كان إجماعاً؛ ولآن كل حيوان استغنى عن الذكاة في إباحته استغنى في موته كالجراد؛ ولأن ما حلَ أكل قبل الظفر حلّ أكله بعد الظفر كالمذكى.
فأما الجواب عن حديث جابر فمن وجهين: أحدهما: انقطاع إسناده وضعف حاله.
والثاني: حملهما على التنزيه إذا أنتن وتغير.
وأما قياسهم على البري فمنتقض بالجراد ثم المعنى في البري افتقاره إلى الذكاة.
وفي البحر استغناؤه عنها، والله أعلم بالصواب.

جارٍ التحميل