بشراء شيء كان التوكيل باطلًا.
وكذلك لو قال: اشتر لي ثيابًا أو دوابًا كان باطلًا أيضاً.
فرع آخر
لو قال: وكلتك في قبض ديوني صحت الوكالة، وكذلك لو قال: في قبض ودائعي لأنه لا غرر فيها ذكره بعض أصحابنا.
فرع آخر
لو وكله أن يزوجه امرأة بعينها، أو يزوجه من شاء كان جائزًا ذكره أبو حامد في "الجامع "، وفيه وجه آخر ذكره ابن سريج لا يجوز حتى يصفها بما يضبطه وهو اختيار الزبيري ذكره في كتاب "الفصول" لأن الأغراض تختلف فمن الناس من يرغب في الجمال، ومنهم من يرغب في كثرة المال ومنهم من يرغب في العشيرة أو في النسب.
فرع آخر
لو كان الوكيل بالنكاح ضمن الصَداق وأنكر الموكل الوكالة كان الوكيل غارمًا لما ضمن.
وأي قدر يضمنه؟ وجهان أحدهما: يضمن جميعه لاستحقاقه العقد، والثاني: يضمن نصفه لعدم الدخول فيه.
فرع آخر
لو وكله بأن يشتري له طعامًا بكذا كانت الوكالة بالحنطة لا غير، ولا يجوز له أن يشتري غيره وإن كان اسم الطعام ينطلق عليه اعتبارًا بالعرف والعادة، ألا ترى أنه لو وكله ببغداد ليشتري له خبزًا فاشترى خبز الأرز لم يجز؟ وإن كان اسم الخبز يقع عليه.
وعند أبي حنيفة له أن يشتري الدقيق أيضًا.
وهكذا إذا قال: أسلم هذا في كرٍّ من طعام أسلمها في الحنطة لا غير.
فرع آخر
لو وكله في شراء عبد بمائة فاشتراه قال ابن سريج: إذ اشتراه على الوجه المأذون فيه فهو للموكل وإن كان [85 / أ] على وجه غير مأذون فيه فهو للوكيل.
قال: والإذن ضربان إذن مستفاد لفظًا، وإذن مستفاد عادة وعرفًا، فإذا وافق أحد الإذنين كام للموكل.
وإن خالفهما كان للوكيل فإذا اشتراه بمائة دينار كان للموكل لأنه امتثل أمره لفطًا وعرفًا، وإن اشتراه بأقل من مائة وقع للموكل أيضًا لأنه امتثل الأمر عرفًا، فإن من رضي أن يشتريه بمائة فقد رمي بكل دينارٍ مها.
وفيه وجه آخر الموكل بالخيار في قبول هذا الشراء ورده وليس بمشهور.
وإن اشتراه بمائة وديار وقع للوكيل لأنه خالف الإذنين جميعًا.
فرع آخر
لو قال: اشتراه بمائة دينار فاشتراه بمائة درهم كان للوكيل لأنه خالف الإذنين جميعًا معًا لأن العرف يقتضي الاقتصار على الجنس المأذون فيه، وإن كان في غيره فضل،
كما لو أمره أن يشتري له عبدًا بمائة دينار فاشترى له جارية بمائة دينار تساوي ألف دينار كانت للوكيل.
فرع آخر
لو قال: ولا تشتره بأقل منها لم يكن له أن يشتريه بأقل منها لأن الإذن العرفي أزاله باللفظ فإن اشتراه بأقل منه لم يلزم الموكل.
فرع آخر
لو قال: اشتره بمائة دينار ولا تشتره بخمسين، كان له أن يشتري بالمائة نطقًا ولا يشتري بالخمسين نطقًا، وله أن يشتري بما بين المائة والخمسين عرفًا.
فإن اشتراه بأقل من خمسين فيه وجهان: أحدهما: يكون للموكل وهو الصحيح لأنه أذن له بالمائة نطقًا وبأبعاضها عرفًا واستثنى الخمسين نطقًا فما عداه يبقى على العرف كما يجوز أن يشتري بما فوق الخمسين.
والثاني: يقع للوكيل وهو اختيار أبي حامد لأنه لما منعه من الخمسين فما هو أقل منه أولى.
فرع آخر
لو أذن له بشراء عبد بصفٍة بمائة دينار فقد أذن له بالمائة نطقًا وبأبعاضها عرفًا، فإن اشتراه بمائة بتلك الصفة أو بأقل من المائة صح إن كان يساوي مائة، فإن كان لا يساوي مائة يكون للوكيل، وإن اشتراه دون تلك الصفة بأقل من المائة وقع للوكيل لأنه خالف الإذن النطقي في المقدار والعرفي في الصفة [85/ ب] فإن من رضي عبدًا بمائة لا يرضى دون ذلك العبد بدون المائة.
فرع آخر
لو وكله ببيع سلعة بعينها فباعها بها أو بأكثر جاز، وإن باعها بأقل لا يجوز.
فرع آخر
لو قال: بعها من زيا بمائة فباع منه بأكثر من مائة لم يجز لأنه وكله في صحاباته، بخلاف ما إذا وكله في شراء عبد بمائة يجوز الشراء بأقل منها، والفرق أنه إذا وكله في المبيع منه بمائة فهو ممنوع من قبض الزيادة منه وليس للوكيل قبض ما منع من قبضه، وفي الشراء مأمور بدفع الزيادة ودفع الوكيل البعض جائز وإن منع الزيادة.
فرع آخر
لو قال: بعها بمائة ولا تبعها بأكثر لم يجز بيعها بأكثر، ولو قال: بعها بمائة ولا تبعها بمائة وخمسين له بيعها بمائة، ولا يجوز له بيعها بمائة وخمسين، ويجوز أن يبيعها بما بين المائة والخمسين، وهل يجوز أن يبيعها بالزيادة على مائة وخمسين؟ وجهان.
فرع آخر
لو وكله في شراء عبد بمائة فاشترى نصفه بخمسين وقع للوكيل لأنه خالف الإذن النطقي في شراء نصفه والعرفي بالتبعيض فيه.
ولو أذن له أن يشتريه بثوب فإن اشتراه بثوب كان للموكل، وإن اشتراه بنصف ثوب كان للموكل أيضاً لأنه امتثل الإذن العرفي، فإنَّ من رضيه بثوب فهو بنصفه أرضي.
فرع آخر
لو وكله في بيع عبد فباع نصفه بأقل من ثمن الكل لم يجز، وبه قال أبو يوسف ومحمد خلافًا لأبي حنيفة وهذا لأن على الموكل ضررًا في تبعيضه.
فرع آخر
لو قال: بعه بمائة درهم فباعه بمائة دينار لم يجز.
ولو باعه بمائة درهم ودينار جاز لأنه باعه المأذون وزيادة.
وإن باعه بمائة وثوب فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأنه زاده خيرًا كما لو باعه بمائة دينار.
والثاني: لا يجوز لأنه باعه بغير جنس الأثمان.
ولأن بيعه بالعرض شراء وليس بيع.
فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الثاني بطل البيع في قدر الثوب وهل يبطل في الباقي؟ قولان بناء على القولين في تفريق الصفقة.
فإن قلنا: لا تفرق بطل في [86/ أ] الكل.
وإن قلنا: تفرق بطل في حصة الثوب من العبد، فإن كان قيمهما سواء بطل البيع في نصف العبد وثبت الخيار للمشتري لأن الصفقة تفرقت عليه ولا خيار للموكل لأنه رضي ببيع جميعه بمائة، فإذا باع نصفه بمائة نقد زاده خيرًا.
وحكي عن ابن سريج وجه آخر أنه لا خيار للمشتري أيضًا إذا علم بوكالته لأنه دخل على ذلك وهو عالم وهذا لا يصح لأن الاعتبار بمقتضى العقد، والعقد اقتضى أن العبد صفقة واحدة.
وقيل: فيه وجه ثالث أنه إن قال المشتري: علمت بوكالتي ولكني اعقدت أن بيع وكيله ينفذ عليه أو قال: علمت أنه لا ينفذ عليه غير أني اعتقدت أن لي الخيار فله الخيار لأنه دخل في العقد على هذا الاختيار وإن كان بخلاف ذلك فلا خيار.
فرع آخر
لو وكله في شراء عشرة أعبٍد وأطلق كان له أن يشتريهم صفقًة واحدًة وواحدًا واحداً.
فإن قيل: أليس قلتم: لو وكله في شراء عبد لم يكن له أن يشتريه في صفقتين؟ قلنا: الفرق أنه إذا اشترى نصفه فهو ناقص، وإذا اشترى واحدًا بعد واحد فلا نقص عليه.
فرع آخر
لو أمره بشمرائهم صفقة واحدة فاشتراهم فإن كان من واحٍد وقع للموكل لأنه امتثل الأمر نطقًا، وإن اشتراهم من اثنين وكانت العبيد مشتركة بينهم قال ابن سريج: يقع
للموكل لأنه حصل جميعهم للموكل بعقد واحد.
وقال أبو حامد: هذا لا يجيء على مذهب الشافعي لأن عقد الرجل مع الاثنين في حكم العقدين والصفقتين فهو كما لو أفرد كل خمسة بعقد لا يجوز لأنه خالف، كذلك ههنا، وهذا هو الصحيح.
فرع آخر
لو اشتراهم من اثنين صفقة واحدة خمسة من هذا وخمسة من هذا لا يكون الشراء للموكل بلا خلاف لأنهما صفقتان، وهل يلزم الوكيل؟ قد ذكرنا في هذا طريقتين: أحدهما: البيع باطل قولًا واحدًا إلا أن يكون سمى لكل واحٍد ما يخصه ثمنًا.
والثاني: فيه قولان فإذا قلنا: يصح وقع للوكيل وهكذا ذكره ابن سريج وخالف [86/ ب] قوله في المسألة التي قبلها حيث قال: يقع الشراء للموكل إذا اشتراهم من اثنين وكانت العبيد مشتركة بينهم.
فرع آخر
لو وكله بشرا، عبد بعينه بمائة فاشتراه بأكثر لا يلزم الموكل ويكون للوكيل.
وقال ابن سريج: الشراء لازم للموكل بالمائة التي عين والزيادة تلزم الوكيل بضمانه وكأنه تطوع بها.
وهذا خطأ لأن الثمن واحد ولا يتبعض حكمه.
ولأنه وافقنا على أنه لو عين العبد ولم يعين ثمنه مثل أن قال: اشتر لي سالمًا فاشتراه بأكثر من ثمن مثله لا يلزم الموكل الشراء.
فإن قال: الفرق بينهما أنه ليس في المقدر اجتهاد في الزيادة فصار متطوعا بها بخلاف غير المقدر ثمنه، قلنا: ينتقض بالبيع فإنه يبطل بنقصان الثمن في المقدر وغير المقدر، ولا يقال في المقدر يصح ويلزمه النقصان من مال نفسه، ولو قال الموكل في هذه المسألة: أجزته وقبلت الشراء بأكثر من ثمنه لم يكن له ذلك.
وقال ابن سريج: له ذلك ويصير له بالقبول لأنه إنما صرف إلى الوكيل نظرًا له فإذا سامح بالزيادة كان هو أحق به.
فقيل له: أليس في البيع بدون ثمن المثل يبطل البيع وإن أجاز؟ قال: نعم والفرق أن البيع بمخالفته يصير فاسدًا فلم يجز بالإجارة بخلاف الشراء.
فرع آخر
لو دفع إليه ألفًا وقال له: اشتر عبد فلان ولم يقل: بعينه ولا في الذمة، فيه وجهان: أحدهما: أنه يقتضي الشراء بعينه لأنه لما دفع إليه الألف دل على أنه قصد الشراء به، فعلى هذا إذا اشترى في ذمته لم يصح الشراء للموكل ويكون له وهذا اختيار صاحب "الإفصاح".
والثاني: يجوز له أن يشتري بعينه وفي الذمة وينقد الألف منه للإطلاق.
فرع آخر
لو دفع إليه دينارًا ليشتري له شاة وصفها له فاشترى له شاتين على الوصف الذي أمره به أو أطلق الشاة فاشترى شاتين يسوي كل واحد منهما دينارًا.
قال الشافعي في "الأم": العقد صحيح وفي الملك قولان: أحدهما: يملكهما الموكل معًا لأنه خالف الموكل على وجه ينفعه فجاز وكان جميعه [87/ أ] له كما لو
وكله ببيع ثوب بدينار فباعه بدينارين.
والثاني: ينتقل ملك إحداهما إلى الموكل وملك الأخرى إلى الوكيل، والموكل في شاة الوكيل بالخيار بين أن يقرها على ملك وكيله ويسترجع منه نصف دينار، وبين أن ينتزعها منه، قال ابن سريج: ويجوز انتزاع ملك الغير بغير اختيار لتعلقه بملكه ومشاركته له كما في الشفعة.
وقال القاضي الطبري: ولا وجه لهذا القول إلا أن يكون على قول يحكى عن الشافعي في البيع الموقوف.
وقال صاحب "الإفصاح": يحتمل على هذا القول أن يقال: تلزمه إحدى الشاتين تلزم الموكل ولا خيار له في شاة الوكيل؛ لأن أمره تناول إحدى الشاتين والأخرى لم يتناولها أمره فيقع ملكها للوكيل وهذا قول أبي حنيفة والأول أصح لحديث عروة البارقي على ما ذكرنا ولأنه حصل له المأذون فيه وزيادة من جنسه تنفعه فوقع له كما لو قال له: بع بمائة فباع بمائة وخمسين.
وهذا إذا كان الشراء في الذمة، فإن كان شراءهما بعين الدار فإن قلنا في المسألة الأولى: كلتاهما للموكل فكذلك ههنا.
وإن قلنا هناك: إحداهما للموكل والأخرى للوكيل فههنا إحداهما للموكل ويبطل العقد في الأخرى لأنه لا يجوز أن يملك الوكيل بثمن هو ملك غيره.
وقيل: لا فرق بين أن يكون الشراء بعينه أو في الذمة، لأن الشافعي نص في كتاب "الإجارة" على هذه المسألة وقال: إذا أعطاه دينارًا وقال: اشتر به شاة فاشترى به شاتين.
وهكذا إذا وكله بأن يشتري عشرة أقفزة حنطة بمائة درهم فاشترى أحد عشر قفيزًا من النوع الذي أمره به يكون على القولين.
وان لم يساو كل واحدة منهما دينارًا لا يلزم الموكل لأنه لا يطلب بدينار مالا يساوي دينارًا فعلى هذا إن كان الشراء في الذمة وقع للوكيل، وإن كان بغير الدينار بطل الشراء.
وإن كانت إحداهما تساوي دينارًا والأخرى تساوي أقل من دينار فيه وجهان: أحدهما: للموكل ما يساوي دينارًا والأخرى للوكيل.
والثاني: وهو الأقيس كلتاهما للموكل لأن الذي تناوله إذنه قد وجده وهذه الزيادة [81 / ب] تنفعه من كل وجٍه.
فرع آخر
إذا قلنا: كلتاهما للموكل فباع الوكيل إحداهما بدينار في الصورة الأولى وحمل الموكل الشاة والدينار خرج أبو العباس فيه قولين: أحدهما: لا يصح البيع لأنه باع مال الموكل بغير إذنه وهو الأصح.
والثاني: يصح لخبر عروة البارقي ولأنه بلغه غرضه أو حصل له الشاة واستفضل له دينارًا فهو كما لو اشترى له ابتداء شاة بنصف دينار واستفضل له نصف دينار وهذا ضعيف، وتأويل الخبر أنه كان وكيلًا مطلقًا بالبيع والشراء.
وقال أبو حامد: أصل القولين في هذه المسألة مسألة البضاعة، وهي إذا غصب مالًا وانجر فيه، فيه قولان؛ أحدهما: التصرف باطل.
والثاني: قاله في القديم رب المال بالخيار بين أن يجيز البيع فيكون كل الربح له وبين أن يبطله ويكون له ضمان ماله.
وأما في الصورة الأخرى إذا كانت إحداهما تساوي دينارًا والأخرى أقل منه، وقلنا:
كلتاهما للموكل فباع إحداهما، فإن باع التي قيمتها دينار لم يجز، وإن باع الأخرى فعلى الوجهين والفرق أنه إذا باع التي قيمتها دينار لم يحصل غرضه بخلاف ما إذا باع الأخرى.
فرع آخر
لو وكل وكيلًا في شراء عبد فاشتراه ودفع ثمنه من مال موكله ثم استحق العبد هل يكون الوكيل خصمًا في الرجوع بدرك الثمن على البائع بالوكالة الأولى؟ وجهان ذكرهما القاضي أبو القاسم بن كج: أحدهما: يكون خصمًا فيه لأنه من أحكام عقده.
والثاني: لا يكون خصمًا إلا باستثناف وكالة، لأن ما اقتضته الوكالة الأولى فقد تقضى.
وقال القاضي أبو الحسن الماوردي: الصحيح أن يُنظر، فإن استحق من يد الوكيل قبل وصوله إلى الموكل كان الوكيل خصمًا في الرجوع بدركه.
وإن استحق من يد الموكل لم يكن خصمًا فيه إلا باستئناف الوكالة لأن بحصوله في يد الموكل انقضت أحكام وكالته وانقطعت العلائق بخلاف ما قبل الوصول.
فرع آخر
لو كان له في ذمة وكيله ألف فقال له: أسلفه لي في كرٍّ من طعام فأسلفه قال ابن سريج: صح وإذا قبض الألف في ثمنه برئت ذمته منه، وإذا قبض الطعام كان أمانة في يده فإن هلك من غير تفريط [88 / أ] فلما ضمان عليه.
وقال أبو حامد: هذا سهو من ابن سريج ولا يجوز ذلك على مذهب الشافعي لأن الألف في الذمة فكيف يشتري به لغيره والغير ما تعيّن له حقه ولعله أراد أن يقول له: أسلف ألفًا في الذمة في كرِّ من طعام فلما فعل الوكيل هذا قال له الموكل: حصل علي ألف ثمن الطعام، ولي عندك ألف فادفع الألف الذي لي عليك إليه ففعل صح.
فرع آخر
قال ابن سريج: لو قال لوكيله ولا شيء له عليه ولا في يده: أسلف لي من مالك في كر من طعام يكون الطعام لي والألف قرضًا عليّ ففعل صح، وإذا دفع الألف في ثمن الطعام كان قرضًا على الموكل والطعام له.
وقال أبو حامد: هذا غير صحيح أيضًا لأن عند الشافعي لا يجوز أن يشتري بمال نفسه لغيره فيكون المبيع لغيره، ولا أن يبيع مال نفسه فيكون الثمن لغيره ولكن لو قال لوكيله: أسلف لي ألفًا في الذمة في كر من طعام فلما تم هذا قال له: اقض هذا الثمن عني من مالك ففعل صح لأنه يقضي دين غيره بأمره، فإذا فعل كان قرضًا على الموكل.
قال أصحابنا: ويجوز أن يأذن له قبل أن يعقد بدفع الثمن من عنده لأن التصرف من الوكيل يجوز تعليقه بالشرط.
ووجه قول ابن سريج أنه إذا أعتق عبده عن غيره جاز وكان الولاء لغيره واستحق العوض عليه.
فكذلك يجوز أن يشتري بملكه
سلعة لغيره وقال في "الحاوي" 1 كما قال ابن سريج ثم قال: فيه وجهان:
أحدهما: أنه قرض فيه وكالة فعلى هذا إن لم ينص على قدر الثمن كان فاسدًا لأن قرض المجهول فاسد.
والثاني: أنه عقد وكالة فيه قرض فعلى هذا لو لم يذكر قدر الثمن جاز ويتفرع على هذا أن يقول لغيره: أقرضتك ألفًا على أن ما رزق الله تعالى من ربح فهو بيننا نصفين: فأحد الوجهين أنه قرض فاسد يكون ضامنًا للمال وله الربح دول المقترض.
والثاني: أنه مضاربة فاسدة فعلى هذا ليس عليه ضمان المال والربح لربه وللعامل أجر مثله.
فرع آخر
إذا دفع إليه ألفًا وقال: أسلمه في طعام ففعل ولم يسم الموكل ثم اختلفا فقال: إنما أسلفت لنفسي وقال الموكل: بل لي فالقول قول الوكيل مع يمينه فإذا حلف حكم له بذلك [88/ ب] في الظاهر، وكان للموكل الرجوع عليه بالألف.
وقال أصحاب أبي حنيفة: القول قول الموكل لأنه دفع دراهمه.
واختلفوا إذا تصادقا إن لم ينوِ، لا له ولا للوكيل، فقال أبو يوسف: يكون للموكل لأن الظاهر معه حين دفع دراهمه، وقال محمد: يكون للوكيل.
فرع آخر
لو دفع إلى وكيله دراهم ليدفعها سلمًا في طعام ففعل ثم إن المسلم إليه رد من الدراهم رديئة وصدقة الوكيل عليها وأنكر الموكل فهي لازمة للوكيل دون الموكل، وفيه قولان ذكرهما ابن سريج أحدهما: يرجع ببدلها على الوكيل والطعام في ذمته للموكل وهذا إذا قلنا في مشتري الدراهم بغير أعيانها إذا أصاب بها بعد القبض عيبًا أنه يبدلها.
والثاني: يردها على الوكيل، فإذا أدى الطعام إلى الموكل رجع على الوكيل بحصة ما رده عليه من الطعام مثل أن يكون رد عليه الثمن فيرجع عليه بعشر الطعام، وهنا إذا قلنا في مشتري الدراهم إذا وجد بها عيبًا لا يبدلها.
فعلى هذا للوكيل أن يستوفي قيمة ما دفع من عشر الطعام من الدراهم المعيبة التي ردت عليه، فإن كان أكثر من حقه رد الزيادة، وإن كان أقل من حقه ليس له غيرها.
فرع آخر
لو دفع إليه ألفًا وقال: أسلفه في طعام ففعل وأطلق العقد ولم يذكر الموكل حال العقد وسلم الألف ثم أبرأ الوكيل المسلم إليه عن الطعام فإنه يبرأ في الظاهر لأنه هو المالك وللموكل تضمينه الألف دون الطعام، لأنه وإن كان الوكيل قد أتلف الطعام الذي له في الذمة فقد تلف المسلم فيه قبل القبض وأخذ البدل عنه لا يجوز، فرجع إلى رأس المال.
فرع آخر
لو وكله في قبض عين من رجل فجحدها من هي في يديه فقد ذكرنا أنه إذا وكله في قبض دين فجحد هل له تثبيته؟ وجهان.
والقياس أن العين والدين سواء، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يكون وكيلًا في تثبيتها لأنه وكيل في النقل فلم يملك الإثبات، كالوكيل في نقل الزوجة بخلاف الوكيل في الدين وهذا غلط لأن القبض في العين كالقبض في الدين فإذا جاز له الخصومة في الدين جاز له في العين و [89/ أ] يخالف الزوجة لأنه لا قبض فيها.
فرع آخر
لو وكله ببيع داره أو قسمة نصيبه أو طلب الشفعة لم يكن له تثبيتها ذكره بعض أصحابنا.
وقيل: فيه وجهان أيضًا إذا وكله في القبض.
وقال أبو حنيفة: إذا وكله في القسمة أو طلب الشفعة كان وكيلًا في تثبيتها، لأنه لا يتوصل إلى ذلك إلا بإثبات الملك فيه، وهذا لا يصح لأنه لا يتضمن التوكيل في إثباته لأنه قد يصلح لأحدهما دون الآخر.
فرع آخر
لو وكل المسلم ذميًا في شراء خمر لم يصح التوكيل، وإذا اشترى له لم يصح الشراء، وقال أبو حنيفة: يصح ويقع الشراء للمسلم وهذا غلط لأن ما لا يجوز أن يعقد عليه المسلم لا يجوز أن يوكل فيه الذمي كنكاح المجوسية.
فرع آخر
ذكره والدي رحمه الله، لو وكل وكيلًا ببيع ماله فطلبه واحد بألفين والأخر بألف فباعه بألف يحتمل أن لا يجوز البيع لفقد النظر، ويحتمل أن يجوز البيع لأن إطلاق الإذن يقتضي البيع بثمن المثل.
ولو قال: بعه بثمن مثله فباعه بألف في هذا الموضع جاز فكذلك إذا أطلق لأن مقتضى إطلاقه مقتضى هذا التقييد والأول أصح عندي.
فرع آخر
لو وكله بطلب الشفعة له في شقٍص بيع ولم يتبين الثمن فأخذه الوكيل بالثمن وهو أضعاف قيمة الشقص يجب أن يصح الأخذ لأن الشفعة إنما تؤخذ بمثل الثمن الذي وقع به البيع فالتوكيل بها توكيل بالأخذ بذلك الثمن قل أو كثر وصار من هذا الوجه كالتقييد.
فرع آخر
إذا وكل رجلًا ببيع عبده ثم إن رجلًا أخر وكل هذا الموكل بشراء ذلك العبد من وكيله أو أطلق الإذن فاشتراه من وكيله هل يصح؟ يُنظر فإن لم يقدر الثمن لم يصح لأنه يقصد إلى الزيادة في الثمن طلبًا لحظ نفسه والغرض فيه يتضاد.
وان قدر الثمن.
قال والدي رحمه الله: يحتمل أن يجوز كما لو كان الوكيل غير المالك لأن شرائط
العقد موجودة في الموضعين.
ويحتمل أن لا يجوز لأن إيجاب الوكيل إيجاب الموكل حكمًا، فلو جوزنا قبوله أدى إلى أن يكون موجبًا وقابلًا في عقد واحد وهذا لا يجوز في حق [89 / ب] غير الأب والجد، ونوضحه أن ابن العم لو أراد التزوج بموليته فوكل آخر بتزويجها منه لم يجز، لأن إيجاب الوكيل إيجابه من جهة الحكم فيؤدي إلى أن يكون موجبًا قابلًا، وعلى هذا لو وكل آخر بتزويج ابنته ثم إن رجلًا وكل هذا الأب بقبول نكاح ابنته من وكيله له ففعل هل يصح النكاح؟ يحتمل وجهين.
فرع آخر
لو وكل رجلًا بقبض دينه من فلان فقبضه الموكل وكان معيبًا ولم يعلم بعيبه فجاء الوكيل وقبض الجيد ممن عليه فدفعه ذلك إليه قبل معرفة الموكل بالعيب ثم علم به فرد ما أخذه هل يصح قبض الوكيل عن الموكل؟ قال والدي رحمه الله: الذي عندي أنه يجوز، وعندي أنه لا يجوز لأن الرد بالعيب انتقاص من الوقت لا من الأصل وقد أخذ الوكيل ذلك بعد براءة ذمته فلا يصح قبضه.
فرع آخر
إذا وكل رجلًا بإعتاق عبده فقال الوكيل له: أنت حر إن كنت دخلت الدار الفلانية
وكان العبد دخلها هل يعتق أم لا؟ فيه وجهان أحدهما: لا يعتق كما لو قال: أنت حر إن دخلت الدار.
والثاني: يقع لأنه لم يؤخر العتق فإنه وقع بلفظه، وإذا علقه بالدخول في المستقبل أخر العتاق بلفظه وهو وكيل بتنجيز العتق دون تأخيره فافترقا، والأول أظهر لأنه تعليق بالصفة، وإن كانت ماضية وهو لم يوكله بالتعليق.
فرع آخر
لو وكل رجلًا ببيع عبده بعشرة إلى يوم الخميس فلم يبعه حتى دخل ذلك اليوم لم يكن للوكيل بيعه لأنه وكيل ببيعه بثمن مؤجل إلى وقت كذا وقد فات الأجل، فلو باعه لباعه حالًا كما ليس للوكيل بالحال بيعه بالمؤجل.
وفيه وجه آخر أنه يجوز البيع.
فرع آخر
إذا باع مالًا من رجل وقال عند البيع: أبيع منك فإن كنت تشتريه للغير فلا أبيعه فظهر أن المشتري اشتراه للغير فالبيع باطل لأنه رجع عن إيجابه إن كان الشراء للغير وإن قال هذا قبل البيع ثم وقع البيع مطلقًا ففي صحة الشراء وجهان أحدهما: لا يصح، والثاني: يصح وما تقدمه من الموافقة لا اعتبار به وهذا أصح.
فرع آخر
لو قال [90 / أ] رجل لرجل أبرئني مما لك علي من الدين لأني معسر فأبرأه ثم تبين أنه كان موسرًا صح الإبراء لأنه أطلق البراءة ولو قيد لا يجوز.
فرع آخر
لو ادعى رجل على رجل ألفًا فأنكر وأقام المدعي بينة بالحق حكم به، فإن قال
المدعى عليه: استحلفه مع بينته أن الحق واجب عليَّ له يستحلف لأن فيه طعنًا على البينة.
ولو قال له: أبرئني من الحق أو قضيته أحلفاه لأنه ليس فيه طعنًا على البينة.
فإن كانت المسألة بحالها وكان مكان وكيل المدعي والموكل غاب فادعى وكيله على هذا الحاضر ألفًا فأنكر وأقام الوكيل البينة بذلك قضي بها لموكله.
فإن قال المقضي عليه: استحلفوا لي الوكيل أن الحق واجب عليّ لم يحلف لأنه لا نيابة في اليمين.
ولو قال: أبرأني الموكل من الحق أو قضيته لم يقبل وطولب بالحق فإن قال: استحلفوا لي الوكيل أنه ما أبرأني أو ما قضيته الحق لم نستحلفه لأنه لا نيابة في اليمين.
ولو قال: هذا الوكيل يعلم أن موكله أبرأني من الحق أو عزله عن الوكالة.
وقال الوكيل: لا أعلم فالقول قول الوكيل ههنا مع اليمين، لأنه لو أقر بالإبراء انعزل عن الوكالة، فإذا لزمه الحق مع الإقرار لزمه اليمين عند الإنكار، فإذا حلف كلفا المقضي عليه إقباض الحق وبه تقل زفر.
وقال أبو حنيفة: لا يحلف لأن هذه اليمين متوجهة على الموكل، فإن قال: أنظرني حتى يحضر الموكل ويحلف لي أنه ما أبرأني أو ما قضيته لم ننُظره وكلفاه الخروج عن الدين.
فإذا حضر الموكل فإن اختار أن يستحلفه فذاك إليه.
فرع آخر
لو حضر رجل عد الحاكم وثبت وكالته عنده في بيع عبده أو نقل زوجته إلى داره أو بيع داره التي في يد فلان فأقامت المرأة البينة أنه طلقها، وأقام العبد البينة أنه قد أعتقه ومن في يده الدار أنه قد اشتراها منه زالت وكالته لأن حق الموكل زال عما وكله فيه فهو كما لو وكله في بيع داره ثم باعها الموكل.
فرع آخر
لو قال: وكلتك في طلاق واحدة من نسائي لم يجز حتى يعين ويحتمل وجهًا آخر يجوز.
فرع آخر
إذا قال للقاضي: وكَّلَني [90 / ب] فلان في خصومة هذا فاعترف الحاضر بذلك ولا بينة للوكيل هل يسمع القافي خصومته؟ وجهان.
فرع آخر
لو وكل رجلًا في مطالبة رجل بحقه فالقياس ليس له قبضه، وظاهر المذهب له قبضه.
مسألة 1: قال: ولو كانَ لرجٍل على رجٍل حق فقالَ لهُ رجٌل: وكلني فلاٌن بقبضهِ منك.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان في يده مال لرجل بغصب، أو عارية، أو وديعة أو في ذمته مال كالدين والقرض وأرش الجناية فجاء رجل فقال: أنا وكيل صاحب الحق وقد وكلني بقبضه منك لا يخلو إما أن يصدقه في ذلك أو يكذبه، فإن كذبه أو قال: لا أعلم نظر فإن كان معه بينة وأقامها وجب التسليم إليه لأنه يبرأ بالدفع إليه.
وإن لم تكن له بينة فالقول قول من عليه الحق بلا يمين وقياس مذهبنا أنه لا تسمع دعواه عليه لأن الوكيل بالخصومة لا يدعي قبل ثبوت وكالته عندنا.
وقال أبو حنيفة: القول قوله مع اليمين وهذا غلط لأنه لو أقر به وصدقه لم يلزمه التسليم إليه فلا معنى لاستحلافه عليه.
فإن قيل: إذا قامت البينة على الوكالة تجبرون على الدفع وفيه تغرير بماله لأن الموكل يجوز أن يدعي عزله.
قلنا: لا نقبل منه ذلك إلا ببينة.
فإن قيل: قد يشهد على عزله ويقيم عليه البينة.
قلنا: يجيء فيه وجهان: أحدهما: لا ينعزل إلا بعد علمه فيصح قبضه منه، والثاني: ينعزل ولا يصح قبضه ولا يبرأ الدافع.
وإن صدقه في المال والوكالة جميعًا لا يجبر على دفعه إليه لأنا لو أجبرنا على دفعه إليه لغررنا بماله فإنه لا يأمن إذا دفعه إليه أن يجيء صاحب المال فينكر الوكالة فيلزمه غرامة ما دفعه إلى الوكيل فلم يجبر عليه.
وعلى هذا قال أبو إسحاق: لو أن صاحب المال طالبه بالمال وكان له عليه وثيقة كان له أن يمنع من دفعه إليه حتى يزيل الوثيقة خوفًا من أن يدعي ثانيًا ويقيم البينة عليه، فإذا أجبرناه على دفعه إليه قبل إزالة وثيقته كنا قد غررنا بماله فكذلك ههنا.
قال أبو حنيفة: إن كان دينًا أجبر على التسليم، وإن كانت عينًا لم يجبر على تسليمها في إحدى الروايتين وقال محمد [9 / أ] والمزني: يلزمه تسليم العين أيضًا، وروي عن محمد مثل قول أبي حنيفة، فإذا ثبت أنه لا يجبر عليه فإنه بالخيار إن شاء دفعه إليه، وإن شاء لم يدفع، فإن دفعه إليه فحضر صاحبه لا يخلو إما أن يصدقه في الوكالة أو يكذبه، فإن صدقه فقد برئ منه.
وإن كذبه لا يخلو المال الذي دفعه إليه إما أن يكون باقيًا في يد الوكيل أو تالفًا، فإن كان باقيًا في يده أخذه منه.
وإن كان تالفًا، فإن شاء غرم الدافع، وإن شاء غرم المدفوع إليه لأن الدافع دفع الشيء إلى من ليس بوكيله، وأما المدفوع إليه أخذه من غير أمره فإن غرم المدفوع إليه لم يرجع على الدافع لأنه يقول: أنا وكيله ولا ضمان علي فيما تلف في يدي فهو ظلم لحقني من جهته، فلا يجوز أن يرجع بالظلم على غير الظالم، وإن غرم الدافع فلا يرجع على المدفوع إليه لأنه يقول: إنه وكيله فلا ضمان عليه وإنما ذلك ظلم لحقني من جهة صاحبه فلم يجز أن يرجع بالظلم على غير الظالم.
وإن لم يكن قال: صدقت بل دفع على ظاهر الحال له أن يرجع على القابض إذا غرم لأنه يقول: ما صدقتك بل دفعت إليك على ظاهر الحال، فإما أن تثبت الوكالة حتى لا أغرم، أو ترد علي ما قبضت ويتفرع على هذا إذا أتلفها الوكيل أو تلفت بتفريطه فرجع على الدافع فينبغي أن يرجع الدافع عليه، وإن
صدقه على الوكالة، لأنه وإن قال: ظلمني بالرجوع عليّ فله حق على الوكيل فيأخذه ويستوفي منه حقه مع اعتراف الوكيل له بما يقوله.
وإن كان ذلك دينًا في ذمته فلا مطالبة له على المدفوع إليه لأنه يقول: إن حقي في ذمتك والذي دفعت إليه بغير أمري لم يسقط حقي من ذمتك فكان له مطالبته بحقه دون المدفوع إليه وهذا اختيار عامة أصحابنا.
ومن أصحابنا من قال: له أن يطالب أيهما شاء فأما الدافع فلما ذكرناه، وأما المدفوع إليه فلأن من عليه الدين دفعه إليه لأجله، وقضاء لما عليه من الدين فهو بمنزلة ما لو وكل بقضاء الدين ودفع إليه مالًا ليحمله إليه [19/ ب] ويقضي به دينه منه كان له مطالبة الوكيل به، فكذلك ههنا وهذا اختيار أبي إسحاق، فعلى هذا إن قبض من الوكيل فقد برئ به الدافع الذي كان عليه الحق والوكيل أيضًا، وإن رجع على الدافع نظر فإن كان المال باقيًا في يد الوكيل كان له أن يرجع به مع اعترافه أنه مال صاحب الدين لأنه على زعمه ظالم له بما أخذه، فإذا وجد له مال أخذ ذلك منه وإن كان قد تلف في يده لم يرجع عليه بشيء لأنه مقر بأنه أمين لا ضمان عليه.
وإن كان أتلفه أو تلف بتفريط رجع بمثله لما بيناه في العين إذا تلفت.
وقد قال القافي الطبري: هذا من غلطات أبي إسحاق، وليس كذلك عندي على ما ذكرنا.
فرع
لو جاء رجل إلى رجل فقال: لفلان عليك ألف درهم وقد مات وأنا وارثه ولا وارث له غيري فصدقه وجب عليه، قال الشافعي رحمة الله عليه: أجبر على دفعه إليه، والفرق بين المسألتين أنه إذا صدقه فإنه يقر بأن المال له وليس هناك من هو أحق منه فلزمه دفعه إليه كما إذا أقر له بالمال لزمه دفعه إليه وليس كذلك في الوكيل فإنه يقول: هناك من يستحق المال غير الوكيل وهو أحق به منه ولا أمن أن ينكر الوكالة فيلزمني الغرامة، فإن قيل: فقد يجوز أن يكون في قوله صاحب المال قد مات كاذبًا فتلزمه الغرامة فينبغي أن لا تجبروا على دفع المال إليه.
قلنا: قد صدقه على الموت ولا يجوز أن يكون موته صحيحًا ويلزمه الغرامة ويجوز مع صحة توكيله إياه أن يكذب فينكر التوكيل فيلزمه الغرامة فافترقا.
فرع آخر
لو قال: لفلان عليك ألف دوهم ولي عليه ألف دوهم فأحالني به عليك فصدقه هل يجبر على دفعه إليه؟ وجهان أحدهما: لا يجبر لجواز أن ينكر الحوالة فيلزمه الغرامة قياسًا على الوكالة، والثاني: يجبر عليه.
لأن الحوالة تنقل الحق من المحيل إلى المحتال فهو يقول: ليس ههنا أحق بالمال منه كالوارث سواء.
وإن كذبه فالقول قوله.
وهل القول قوله مع اليمين أو بلا يمين؟ إن قلنا: يجبر على الدفع إليه عنا التصديق [92/ أ] يلزمه اليمين وإلا فلا.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن في لفظ المزني إشكالًا وذلك
أنه جعل لرب المال الخيار في مطالبة أيهما شاء وأنتم فرقتم على المذهب الصحيح بين الدين والعين، فقلتم في العين: إذا تلفت يطالب أيهما شاء، وفي الدين لا يطالب القابض.
قيل: أما الفرق بين المسألتين ظاهر وهو ما أشرنا إليه أن الحق إذا كان ديناً وحلف رب المال على نفي التوكيل فرب الدين يزعم أن ما قبضه القابض شيء أخذه غصباً وذمة الدافع غير بريئة فلا مرجع لصاحب الدين إلى غير ذمة الدافع، فأما الوديعة التي هي عين المال فعين مال المودع الحالف على نفي التوكيل وقد صار قابضها في الحكم كصاحبها، والغصب إذا تلف عند الغاصب فعليه ضمانه وكلام المزني يحتمل أن يكون قد صور المسألة في الوديعة.
فإن قيل: أفيجوز أن يعبر عن الوديعة بقوله: ولو كان لرجل على رجل حق؟ قلنا: لا يستبعد هذا، لأن الشافعي قال في "كتاب الإقرار": لو قال لفلان: علي ألف ثم جاء بالألف وقال: هذا الألف الذي أقررت به كان وديعة له عندي قبل تفسيره، وإن كان مراد المزني الدين فقد أخطأ حيث قال: الرب الدين بعد يمينه مطالبة القابض.
واعلم أن في لفظ المزني غلطاً وهو أنه قال: وإذا غرم القابض لم يكن له أن يرجع على الدافع لأنه يعلم أنه مظلوم بريء.
وهذا غلط لأن المظلوم هو القابض، لا الدافع، لأن الدافع كان عليه ألف درهمٍ فدفعه مرةً ولم يغرمه ثانية ولم يستحلف صادقاً ولا كاذباً فكيف سماه المزني مظلوماً، اللهم إلا أن يجعل ذلك صفة للقابض فيقول: ليس للقابض أن يطالب الدافع لأن القابض عند نفسه بزعمه مظلوم بريء عما أغرم ولكنه بخلاف ظاهر لفظه وعطف كلامه.
مسألة [1]: قال: فإن وكَّلهُ ببيعِ سلعةٍ فباعها نسيئةً كان لهُ نقضُ البيعِ بعدَ أنْ يحلفَ ما وكلُه إلا بالنقدِ.
وهذا كما قال: قد ذكرنا هذه المسألة بشرحها ونذكر الآن ترتيباً فنقول: إذا باعه نسيائً ثم قال الموكل: وكلته بالبيع نقداً أو أطلقت التوكيل [92/ب] لا يخلو حال الوكيل والمشتري من أربعة أحوال، إما أن يصدقاه، أو يكذبه، أو يصدقه الوكيل دون المشتري، أو المشتري دون الوكيل.
فإن صدقاه كان البيع باطلاً، فإن كان باقياً أخذه، وان كان تالفاً يرجع بقيمته على من شاء من المشتري والوكيل، فإن رجع على المشتري لم يرجع على الوكيل لأن التلف في يده، وان رجع على الوكيل رجع على المشتري.
فإن كذباه فالقول قول الموكل على ما ذكرناه، فإذا حلف وكان تالفاً له مطالبة من شاء منهما بالقيمة، فإن رجع على الوكيل لم يرجع على المشتري في الحال لأنه يقول: البيع صحيح وعليك الثمن عند محله، فإذا حل الأجل يرجع بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الثمن فإن كان في القيمة أقل لم يرجع إلا بها لأن هذا القدر هو الذي غرضه وما زاد على ذلك لا يدعيه الموكل، وان كان الثمن أقل لم يرجع إلا به لأنه يقول: هذا هو
الواجب عليك وما زاد ظلم من الموكل عليك فلا يستحق الرجوع به، وإن رجع الموكل على المشتري فأخذ منه القيمة لم يرجع المشتري على الوكيل لأن البدل استقر عليه.
فإن كان الموكل قد قضى الثمن والمشتري طالبه بما قبض منه، فإن كان الثمن قائماً أخذه منه.
وان كان تالفاً قال بعض أصحابنا: له الرجوع عليه بالبدل إلا من ناحية أنه يغرمه ما غرم لك من ناحية ضمان الدرك فإن المبيع ما سلم له فإن قال المشتري للموكل: خذ قدر ما قبضت من الثمن وخذ منه بقية القيمة صح وهو معنى قول الشافعي في "اختلاف العراقيين": فإن كانت قيمة السلعة أكثر رجح الموكل بالفضل على المشتري.
وان كذبه الوكيل دون المشتري أو المشتري دون الوكيل فالحكم في المصدق كما لو صدقاه وقد مضى.
أما قول المزني: إذا حلف نقض البيع لم يؤد به أنه منعقد حتى يحتاج إلى نقضه بل إذا حلف حكم بأن البيع في الأصل غير منعقد وإنما هو تجوز في العبارة والشافعي قد فعل في كتاب النكاح مثل ذلك.
مسألة: قالَ وان وكلهُ بشراء سلعة فأصابَ بها عيباً كان له الردُ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا وكله في شراء [93 /أ] سلعة أو غيرها كالعبد والدابة لم يخل من أحد أمرين إما أن يوكله في شراء موصوف أو معين، فإن وكله في شراء موصوف فإطلاق هذا يقتضي أن يشتريه سليماً من العيوب، ولو اشترى معيباً مع العلم به لا يلزم الموكل.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: له أن يشتري المعيب من الأعمى والمقعد والمقطوع لعموم أمره في القراض.
وهذا غلط لأن الإطلاق يقتضي السلامة كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء:92] ويفارق القراض يجوز للعامل فيه شراء المعيب مع العلم به لأن القصد به طلب الفضل وقد يطلبه بشراء المعيب والقصد من التوكيل في الشراء أن يشتري له ما يقتضيه ويدخره ولا يقصد ذلك إلا في السليم، فإن ابتاع على ما وصف فوجد بها عيباً كان له ردها بالعيب لأن توكيله إياه بالشراء يقتضي السلامة من العيوب، ويكون الشراء صحيحاً لأنه اشتراه على ظاهر السلامة.
فإن قيل: فهلا قلتم إن الشراء باطل إذا ذكر أنه يشتريه لموكله لأنه اشترى غير ما تناوله الإذن كما لو وكله بشراء سلعة فاشترى غيرها؟ قلنا: لأن التحرز من العيب يشق ويخرج لأنه وبما يكون خفياً لا يعرف فسومح فيه فأجيز البيع وجعل له الرد بخلاف ما لو عدل من عين إلى عين.
وقال والدي رحمه الله: لو كان العيب ظاهراً يمكنه معرفته ولكنه لم يعلم يحتمل أن يجعل هذا كالعلم فيقع الشراء للوكيل، ويحتمل أن يصح الشراء للموكل وعليه يدل كلام أصحابنا، ولهذا له الرد به ولا يجعل كأنه علم به.
وإذا أراد الوكيل الرد فقال له البائع: انتظر حتى يطالع الموكل فلعله يختارها لم يلزمه ذلك لأنه ربما لا يرضى الموكل فيفوته الرد.
ولو قال: طالعه بذلك فإن رضي وإلا فلك الرد لم يكن عليه تأخير
الرد أيضاً.
وإن أخر الرد في هذا الموضع وطالع الموكل فإن وفي فلا كلام، وإن لم يرضَ قال بعض أصحابنا: كان للوكيل الرد لأنه على هذا الشرط أخر الرد.
وقال أبو حامد: هذا ضعيف لأن حق الرد على الفور فإذا أخر فات وقته فلا يرد [93/ب] ولو قال البائع: لا ترد لعل موكلك قد علم به وعرفه وسقط ردك، فالقول قول الوكيل بلا يمين وله الرد ولا يلزمه التأخير كما لو باع عبداً بألف فقال المشتري: لا تقبض الثمن لعل الموكل قد أبرأني منه لا يلزمه تأخير القبض كذلك ههنا.
وإن قال للوكيل: قد علم الموكل بالعيب ورضي به وسقط ردك فالقول قول الوكيل.
وقد قال المزني: ليس عليه أن يحلف ما رضي به الموكل، ومذهب الشافعي أن على الوكيل أن يحلف للبائع أنه لا يعلم أن موكله رضي بالعيب، وإذا حلف كان له الرد بخلاف المقارض لا يمين عليه على أنه لم يعلم برضا رب المال به.
وأما الذي نقل المزني قال أبو إسحاق: معناه أن البائع لم يدع رضا الموكل، فإذا لم يدع رضاه لا معنى لإحلافنا إياه، فأما إذا ادعى البائع رضاه وعلمه به لم يكن للوكيل رده حتى يحلف ما يعلم أن الموكل رضي به.
وقيل: معناه ليس عليه أن يحلف على البت والقطع بل يحلف على العلم، وقيل: أراد إذا لم يمتد الزمان بحيث يحتمل أن الموكل علم ورضي به، فأمّا إذا امتد الزمان واحتمل علمه فعلى الوكيل اليمين على العلم وإنما يحلف الوكيل لأنه يسقط عن نفسه الضمان بذلك لأنه إن لم يحلف وحلف البائع لقد رضي به الموكل لم يكن للوكيل فسخ البيع، ثم إذا جاء الموكل وأنكر الرضا فالبيع يلزم الوكيل وعليه أن يغرم للموكل ما دفع إليه.
ثم إن المزني أعاد هذه المسألة في آخر الباب وليس في الإعادة فائدة سوى التعليل فإنه لم يذكر العلة أولاً ثم ذكر العلة في آخر الباب.
وحكى الشافعي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يحلف الوكيل، وعن ابن أبي ليلى أنه قال: لا يرد حتى يحضر الموكل ويحلف.
واحتج أبو حنيفة بأنا لو قلنا: إنه يحلف لكان نائباً في اليمين وهذا لا يصح، لأنه يحلف على نفي العلم لا بالنيابة وهذا الذي ذكرنا إذا عارضه البائع في الرد فإن قبل الرد وقبض العبا ثم حضر الموكل فذكر أنه كان قد علم بالشراء ورضي بالعيب قبل رد الوكيل وصدقه البائع على ذلك قال ابن سريج: للموكل أن يسترد العبد من البائع لأنه ليس للوكيل [94/أ] رده بعد لزوم العقد وقد رده بعد لزومه.
ولو رضي الموكل بالعيب قبل أن يرده الموكل لم يكن له رده، ويخالف هذا المضارب إذا اشترى سلعة فوجد بها عيباً فرضي بها رب المال كان للمضارب ردها لأن للمضارب فيها قسطاً من الربح، فإذا رضي بها رب المال كان للمضارب ردها ليشتري سلعة يربح في بيعها وليس كذلك الوكيل فإنه لا حق له في السلعة.
وقيل: في المضارب وجه آخر أنه كالوكيل وهذا سهو، وان رضي الوكيل بالعيب كان للموكل ردها لما ذكرنا أن الحق للموكل دون الوكيل فلم يسقط حقه برضا الوكيل وله اختيار إمساكها.
وهذا إذا كان الوكيل عرف البائع أن يشتريه لموكله أو
قامت به البينة، فإن لم يعرفه ذلك ولم تقم به البينة فإن صدقه البائع كان له رده، وإذ كذبه لم يكن للموكل رد السلعة على البائع ولكنه بالخيار إذ شاء رضي بها معيبة وإذ شاء ردها على الوكيل وطالبه بما دفع إليه من الثمن، فإن ردها على الوكيل لم يكن للوكيل ردها على البائع لأنه قد رضي بعيبها.
قال والدي رحمه الله: هكذا ذكر صاحب "الإفصاح" وقيل: نص عليه الشافعي وليس بواضح الشراء صح للموكل ووقع الملك له فلا ينصرف الملك إلى الوكيل برده عليه.
وقال أبو حامد: يلزم الموكل ها هنا معيباً ويرجع على الوكيل بالنقص الذي أدخله عليه بتفريطه ترك الرد مع الإمكان لعدم إعلام الموكل.
ثم فيه وجهان:
أحدهما: يرجع بأرش العيب من الثمن وهو الأصح، لأنه عيب فات الرد به من غير رضاه فوجب الرجوع بالأرش.
والثاني: قاله أبو يحيى البلخي: يرجع بما لحقه من النقص في القيمة، فإن كان قيمة المبيع معيباً والثمن الذي وقع به البيع سوا، لا نقص هناك لا يرجع بشيء، وإذ كان الثمن أكثر رجع بذلك القدر.
وإن وكله ني شراء سلعة معينة فاشتراها ثم وجد بها عيباً اختلف أصحابنا على وجهين: أحدهما: له أن يردها لأن توكيله شرائها اقتضى سلامتها من العيوب كما لو لم يعين السلعة وقيل: [94/ب] نص عليه في "اختلاف العراقيين" والثاني: ليس له ردها لأنه لم يكله إلى اجتهاده وإنما وكله بشرائها فقط فلم يجز له ردها وكان ذلك إلى الموكل، فإن شاء ردها، وإن شاء رضي بها.
فرع
قال ابن سريج: لو دفع إليه ألفاً وأمره أن يشتري له طعاماً فاشتراه له فبان الألف معيبا فيه مسألتان:
إحداهما: إذا بان العيب قبل أن يقبض البائع الثمن.
والثانية: إذا بان ذلك بعد أن قبض البائع الثمن فإن بان ذلك قبل أن يقبضه البائع لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون الشراء بعين المال، أو في الذمة، فإن كان بعين المال نُظر فإن كان العيب من غير جنسه فالعقد صحيح والبائع بالخيار بين أن يقيم على البيع أو يفسخ، فإن أقام عليه قبض الثمن ناقصاً.
وإن اختار الفسخ فسخ والثمن أمانة في يد الوكيل، وإن اختار البائع المقام على البيع وأخذ بدل الثمن لم يَجُز لأن البيع إذا تعلق بعين الثمن لم يجز البدل ويكون الثمن أمانة في يد الوكيل، فإن تلف في يده بلا تفريط فلا ضمان عليه.
وان كان الشراء في الذمة فالعقد صحيح قولاً واحداً وملك الموكل الطعام ووجب للبائع الثمن، فإن كان العيب في الثمن من غير جنسه أبدله الموكل.
وان كان العيب من جنسه فالبائع بالخيار بين أن يقبله ناقصاً وبين أن يطالب بالبدل لأن البيع ما تناول عين الثمن فيجوز البال.
وإن قبض البائح الألف ثم علم بالعيب لا يخلو إما أن يكون الشراء بعين المال أو بالذمة، فإن كان بعين المال فإن كان العيب من غير جنسه فالبيع
باطل، وإن كان من جنسه فالبيع صحيح والبائع بالخيار فإن أمسكه معيباً فلا كلام.
وإن أراد البدل لم يجز.
وان اختار: الفسخ رد الثمن على الوكيل ويكون أمانة في يديه، فإن تلف ضمن قولاً واحداً لأن الثمن إن كان معيباً لم يجب في ذمة الوكيل شيء.
وإن كان الشراء في الذمة فالعقد صحيح وملك الموكل الطعام، فإن كان العيب من غير جنسه رده وطالبه بالبدل، وان كان من جنسه فهو بالخيار بين الإمساك [95/أ] والرد فإن اختار الإمساك فلا كلام.
وإن اختار الفسخ رد الثمن على الوكيل فإذا وده عليه نُظر فإن سلمه الوكيل إلى الموكل كان للبائع المطالبة.
وإن تلف في يد الوكيل هل على الوكيل الضمان؟ وجهان بناءً على مسألة الثمن في ذمة من يتعلق فإن قلنا: في ذمة الموكل والوكيل واسطة كالضامن فلا ضمان على الوكيل ويطالب الموكل بالثمن ليدفع إلى البائع فإن قبضه البائع فأصابه معيباً أيضاً رده على الوكيل، فإن تلف في يده فلا ضمان عليه وعلى هذا أبداً لو تكرر ألف مرة لأنه أمين.
وإن قلنا: يجب الثمن في ذمة الوكيل فعلى هذا يجب عليه الضمان لأن الموكل دفع إليه ليقضي الموكل دين نفسه به فما لم يقضِ به دين نفسه وفو ثمن المبيع الواجب في ذمته فهو أمانة في يده، فإذا قضى به دينه ضمنه، وإذا رده البائع عليه عاد إلى يده على الضمان فإذا تلف كان عليه الضمان فتكون في ذمته للموكل ألف معيب، وعلى الموكل أن يفك ذمة المشتري عن الألف الذي هو أصل الثمن وهو ألف سليم، فإذا فك ذمته بألف سليم فعلى الوكيل ألف معيب فإذا وجد ألفاً معيب من جنس ذلك المعيب أعطاه.
وإن لم يجد فإن رضي الوكيل أن يعطيه سليماً مكان المعيب جاز، وإن لم يتطوع بألف بالفضل أعطاه بقيمته ذهباً لأنه قد أعوز بالمثل فيرجع إلى القيمة.
فرع آخر
لو وكل وكيلاً في بيع عين من الأعيان فباعها انتقل الملك عن الموكل إلى المشتري، وملك الموكل الثمن في ذمة المشتري ولا يملك الوكيل شيئاً في الوسط قولاً واحداً.
ولو وكل بالشراء واشترى لموكله شيئاً فنواه حين العقد، أو ذكره في العقد نطقاً انتقل الملك عن البائع إلى الموكل ولم يملك الوكيل في الوسط قولاً واحداً.
وقال أبو حنيفة: يدخل أولاً في ملك الوكيل ثم ينتقل ثمنه إلى الموكل بلا فضل لأن حقوق العقد تتعلق به فدخل في ملكه، ولهذا لو اشتراه بأكثر من ثمن مثله دخل في ملكه.
وهذا غلط لأنه قبل لغيره عقداً فصح له فوجب أن ينتقل الملك إليه كالأب والوصي.
فرع آخر
إذا اشترى الوكيل بعين مال الموكل ملكه البائع على الموكل ولا يملك البائع على الوكيل ثمناً بحالٍ، وإن اشترى بثمن في الذمة فمن الذي وجب فيه الثمن؟ قال ابن سريج: [95/ب] فيه وجهان:
أحدهما: يجب على الموكل لأن الثمن على من ملك المثمن وملك المثمن للموكل دون الوكيل، وللبائع مطالبة الموكل به وله مطالبة الوكيل أيضاً ويكون بمنزلة الضامن ومباشرته قبول العقد بنفسه وعلى هذا إن غرم الوكيل رجع به على الموكل لأنه يضمن بأمره، وإن غرم الموكل لم يرجع به على الوكيل.
وعلى هذا إن أبرأ البائع الموكل من الثمن فإن الثمن يسقط، وإذا أبرأ الوكيل فإن الثمن لا يسقط عن الموكل وهذا هو المذهب وعبر أصحابنا عن هذا الوجه بأن الثمن يلزم في ذمة الموكل وذمة الوكيل على سبيل الضمان.
والثاني: أن الثمن لزم الوكيل دون الموكل لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد، ألا ترى أن الوكيل إذا فارق في الصرف من المجلس قبل القبض بطل الصرف؟ وإن كان الموكل في المجلس وقبضه وإن فارق الموكل دون الوكيل لم يبطل الصرف فعلى هذا ليس للبائع مطالبة الموكل بالثمن وإنما المعاملة بينه وبين الوكيل.
وعلى هذا إذا برئ الموكل لا يسقط الثمن، وإذا برئ الوكيل سقط وهل للوكيل مطالبة الموكل في الثمن في الحال؟ خرَّج ابن سريج فيه وجهين: أحدهما: له مطالبته في الحال كما ثبت للبائع الثمن في ذمة الوكيل ثبت للوكيل في ذمة مثله وهذا ضعيف قيل: إنه كما لو أعار عبده منه ليرهنه لنفسه فحينئذ كان له مطالبته بفكاكه والثاني: ليس له مطالبته به حتى يدفع الثمن إلى البائع، فإذا دفع الثمن إلى البائع كان له أن يرجع عليه به وجرى هذا مجرى الحوالة على من لا حق عليه.
وفرع ابن سريج على هذا فقال: لو قال لرجل: بعْ عبدك هذا من زيد بألف على ذمتي فباعه من زيا صح وتلف في يد العبد ولم يملك عليه الثمن، ويكون الثمن على الضامن، والمطالبة عليه وحده فإذا دفع الثمن إلى البائع من عنده هل يرجع به على المشتري؟ نظر فإن دفع الثمن بإذنه رجع عليه وإن كان بغير إذنه لم يرجع به عليه لأنه قد تطوع به، وبه قال أبو حنيفة والأصح ما ذكرناه فيما قبل أنه باطل لأن البيع وجب تمليك المبيع مؤقتاً فلا يجوز، وعلى ما ذكرنا لو كان وكيلاً في [96/أ] الاستسلاف فاستسلف له ألفاً في كر من طعام ملك الموكل الثمن من المسلم وطعام المسلم في ذمة من وجب على ما ذكرنا من الخلاف.
فرع آخر
إذا قلنا: ليس للوكيل مطالبة الموكل ما لم يغرم فيما ذكرنا من المسألة لو أبرئ عن الوكيل لا يرجع على الموكل وإذا قلنا له مطالبته به قبل الغرامة لو أبرأ الوكيل منه رجع به على الموكل ولو دفع الوكيل بالثمن عرضاً فإن قلنا: لا يطالبه به قبل الغرامة رجع على الموكل بأقل الأمرين من الثمن أو قيمة العرض، وإن قلنا: بالوجه الآخر رجع الوكيل عليه بالثمن دون قيمة العرض.
فرع آخر
لو أراد الوكيل أن يمنع الموكل من البيع حتى يقبض الثمن لم يكن له على
الوجهين، لأن البائع لم يمنعه منه خلافاً لأبي حنيفة.
فرع آخر
لو ذكر الوكيل الموكل عند الشراء، وأنكر الموكل الإذن فإن صدّق البائع الوكيل على ما ادعاه من إذن الموكل كان البيع باطلاً.
فإن كذب الوكيل هل يصير الشراء، للوكيل لازماً؟ فيه وجهان بناء على اختلاف الوجهين في الوكيل هل يكون ضامناً للثمن مع تسمية الموكل أم لا؟.
فرع آخر
لو لم يكن الوكيل ذكر الموكل في عقد الشراء فإن كذّب البائع الوكيل فيما ادعاه من إذن الموكل فالشراء لازم للوكيل، فإن صدقه على الإذن فغي بطلان العقد وجهان على اختلاف الوجهين في الموكل هل يصير مشاركاً للوكيل في التزام الثمن في العقد؟.
فرع آخر
إذا قلنا بلزوم الشراء، للوكيل في هذه المسألة هل يصير مالكاً للعبد؟ وجهان: أحدهما: يصير مالكاً له ويملك كسبه وزيادة ثمنه.
والثاني: لا يملكه وإنما يكون في يده ليستوفي من ثمنه ما أداه في ثمنه، فإن زاد الثمن لم يملك الزيادة ولا فاضل الكسب.
فرع آخر
ولي اليتيم إن لم يذكر في العقد اسمه كان الولي ضامناً للثمن ولا يضمنه الطفل في ذمته ويؤدي ذلك من ماله.
وإن ذكر اسمه في العقد لم يلزمه ضمان الثمن بخلاف الوكيل في أحد الوجهين، والفرق أن شراء الولي لازم للمولى عليه بغير إذنه فلم يلزم الولي ضمانه وشر اء الوكيل يلزم بإذن موكله فلزم الوكيل [96 /ب] ضمانه.
فرع آخر
لو استحقت السلعة وضاع الثمن من يد الوكيل قد ذكرنا الحكم، وقال أبو حامد في "الجامع": قد قيل: إن المشتري إن كان يعلم أنه وكيل رجع بالثمن على موكله دونه، وكذلك إن أقام الوكيل البينة أنه فلان فيما باعه، وان لم يعلم بوكالته ولم يقم البينة رجع بالثمن إلى الوكيل.
ومن أصحابنا من قال: للمشتري الرجوع على من شاء من الوكيل والموكل بالثمن.
فإن أخذه من الموكل لم يرجع به على الوكيل، وإن أخذه من الوكيل، رجع به على الموكل ولا فرق بين العلم بأنه وكيل أم لا، والمذهب الأول.
فرع آخر
إذا وكل في بيع ماله فباعه كان للوكيل والموكل مطالبة المشتري بالثمن.
وقال أبو حنيفة: ليس للموكل المطالبة بالثمن، وهذا غلط لأنه يصح قبض الموكل لهذا الدين فجازت له المطالبة به.
فرع آخر
الوكيل بالبيع إذا أبرأ المشتري من الثمن لم يبرأ منه وقال أبو حنيفة: يصح إبراؤه ويضمنه للموكل، وهذا غلط لأن إبراء الموكل عنه يصح فلا يصح إبراء وكيله عنه بغير إذنه.
فرع آخر
لو صار الوكيل متعدياً ثم ادعى تلف العين تال القفال: القول قوله وعليه ضمان قيمته.
وقال القاضي أبو عاصم الغامدي: لا يقبل قوله في التلف ويطالب بإقامة البينة على التلف، فإن لم تكن له بينة فالقول قول الموكل.
وهكذا الخلاف في الغاصب إذا ادعى تلف العين المغصوبة.
فروع في الشهادة في الوكالة لأبي العباس ابن سريج رحمه الله
اعلم أن شهادة الوكيل على موكله مقبولة كما يشهد الوالد على ولده، والولد على والده.
وإن شهد لموكله نظر، فإن شهد له في غير ما وكل فيه صح مل إذ كان وكيله بالبيع شهد له بالشراء وكان وكيله بالشراء فشهد له بالبيع، أو كان وكيله فيهما شهد له بالنكاح قبلت شهادته في هذا كله.
وإن كان فيما وكله فيه لا يخلو إما أن يكون مقيماً على الوكالة أو مصروفاً عنها، فإذ كان مقيماً عليها لا تقبل شهادته قولاً واحداً، لأنه خصم فيه بدليل أنه تسمع دعواه به عليه فلم يجز أن يكون شاهداً [97/أ] فيه.
وإن كان مصروفاً عن الوكالة لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون قد خاصمه فيه حين كان وكيلاً، أو صرف قبل أن يبتدئ بالخصومة، فإن كان قد خاصمه فيه لا تقبل شهادته لأنه صار خصماً له بدعواه المتقدمة.
ولأنه يريد أن يزكي نفسه وليبين صدقه فيما ادعاه عليه فكان متهماً في شهادته.
وان لم يكن خاصمه فيه قولان مخرجان: أحدهما: تقبل شهادته وبه قال أبو حنيفة لأنه ما لم يخاصم لم يصر خصماً فلا تهمة فيها.
والثاني: لا تقبل لأنه يريد تزكية نفسه وبيان صدقه فيما كان قد دخل فيه من الوكالة ولأنه بعقد الوكالة صار خصماً، وبه قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله.
فرع آخر
لو أراد الوكيل أن يدعي ذلك الشيء لنفسه مثل إنْ وكله في دعوى دارٍ ثم عزله ثم ادعاها لنفسه فإن كان بعد أذ ادعاها لموكله لم يجز، وإن كان قبل الدعوى وبعد قبول الوكالة فعلى ما مضى من القولين المخرجين.
فرع آخر
لا تثبت الوكالة إلا شهادة ذكرين فأما بشهادة رجل وامرأتين لا تبت لأنه إثبات تصرف فهو كالوصية إليه.
وعند أبي حنيفة تثبت الوكالة والوصاية بشاهد وامرأتين.
وعلى هذا عندنا لا تثبت كلتاهما بشاهد ويمين.
وتثبت كلتاهما بالشهادة على الشهادة.
فرع آخر
إذا شهد أحد الشاهدين أن هذا وكيل فلان وشهد الآخر أن فلاناً وكله ثم عزله لا نحكم بصحة الوكالة لأن من شهد بالعزل يقول: ليس بوكيل ولا تثبت الوكالة بشاهد واحد.
ولو حكم الحاكم بشهادتهما ثم رجع أحدهما بعد الحكم وقال: قد كان موكله عزله لا تسمع شهادته الثانية.
وإن قال ذلك أحدهما قبل أن يحكم الحاكم بشهادتهما لا نحكم بذلك بعد رجوع أحدهما.
وخرّج ابن سريج فيه وجهاً آخر أنه يحكم بها لأن الشهادة بالوكالة قد تمت، والشهادة الثانية بالعزل لم تتم وهذا سهو منه ولا يجيء على المذهب لأن ما يحدث بالشاهد بعد الشهادة [97/ب] قبل الحكم المقارن للشهادة.
وإن رجعا وقالا: عزله بعد الحكم ثبت العزل بشهادتهما لأن الشهادة تمت بالعزل.
فرع آخر
لو شهد أحدهما أن فلاناً وكل فلاناً يوم الخميس وشهد آخر أنه وكله يوم الجمعة لم يحكم بشهادتهما.
ولو شهد أحدهما أنه أقر عناه يوم الخميس بتوكيله وشهد آخر أنه أقر يوم الجمعة عنده بتوكيله حكم بشهادتهما لأن الإقرار إخبار عن توكيل سابق فيجوز أن يخبر عن توكيل واحد في وقتين مختلفين بخلاف المسألة الأولى.
وعلى هذا لو شهد أحدهما أنه أقر عنده بالعربية أنه وكله وشهد الآخر أنه أقر عنده بالعجمية أنه وكله ثبتت الوكالة.
ولو شهد أحدهما أنه وكله بالعربية وشهد الآخر أنه وكله بالعجمية لم تتم الشهادة.
فرع آخر
لو شهد شاهدان أن فلاناً وكل فلاناً والموكل غائب فقال الوكيل: ما علمت هذا وأنا أتصرف عنه ثبتت وكالته، لأن معنى ذلك أني لم أعلم إلى الآن وقبول الوكالة ليس على الفور ويجوز متراخياً ولا يشترط قبولها قولاً.
ولو قال: ما علمت ذلك وسكت، قلنا له: فسر ذلك فإن فسر بما ذكرنا ثبتت وكالته.
وإن قال: أردت بذلك أني لا أعلم صدق ذلك الشاهدين لم تثبت الوكالة لأنه قدحٌ في الشاهدين.
فرع آخر
لو أدعى رجل أنه وكيل فلان الغائب وأقام على ذلك بينة فشهد أبناء الموكل أن أباهما عزله فإن صدقهما الوكيل انعزل بإقرار الوكيل.
وان كذبهما أو سكت فادعى من عليه الحق أنه عزل وكيله قبلت شهادتهما على أبيهما لأنهما شهدا على الأب.
وإن سكت هو أيضاً ولم يقل شيئاً لا تسمع هذه الشهادة لأنهما شهدا لمن لا يدعي عزله والوكيل على وكالته.
وإن قبض الوكيل الحق ثم حضر الموكل وذكر أنه كان قد عزل وكيله وأن القبض بعد العزل وأن شهادة ولديه صحيحة لم تقبل شهادتهما هاهنا لأنهما يشهدان لأبيهما، وذلك أنهما يثبتان له رجوعاً على من عليه الحق بعد استيفائه منه فلم تقبل.
فرع آخر
لو ادعى [98/أ] الوكالة فشهد له أجنبيان وكان أحد الشاهدين قريب الآخر مثل إن
كانا أخوين أو أباً وابناً قبلت لأن القرابة بين الشاهدين لا تقدح في الشهادة.
وإن شهد للوكيل أخواه أو عماه قبلت.
وان شهد أبناؤه أو جداه لم تقبل.
وإن شهد له أخوا الموكل أو عماه قبلت، وإن شهد أبناؤه أو جداه لم تقبل لأنها شهادة له فإنهما يثبتان تصرفاً عن الموكل.
وقيل: يحتمل أن يقال: يقبل لأن هذه الوكالة تثبت بقوله ويستحق الوكيل بذلك التصرف وما يثبت بقوله يثبت بشهادة القرابة عليه كالإقرار.
وإن ادعى الوكيل الوكالة وأنكر الموكل فشهد عليه ابناه أو أبواه تثبت الوكالة وأمضى تصرفه لأن ذلك شهادة عليه.
فرع آخر
لو ادعى المكاتب أنه وكيل فلان فشهد له أخواه قبلت شهادتهما، وإن شهد له ابناه لم تقبل.
وإن شهد له أخوا السيد تقبل، وإن شهد له ابنا السيد لم تقبل لأنها شهادة تجر نفعاً للسيد.
فرع آخر
لو شهد للمكاتب سيده بذلك لم تقبل؛ لأنها شهادة تجر نفعاً للسيد.
فرع آخر
لو شهد للمكاتب سيده بذلك لم تقبل.
فإن أدى المكاتب نجومه وعتق وأعاد سيده تلك الشهادة قال ابن سريج: فيه قولان يعني وجهان: أحدهما: تقبل لأنه لا مضرة عليه في الرد فتقبل عند الإعادة كالصبي إذا شهد ثم بلغ أو أعاد تقبل.
والثاني: لا تقبل لأنها شهادة ردت للتهمة فإذا أعاد لا تقبل كما لو ردت لفسق ثم أعادها.
فرع آخر
لو شهد أحدهما أن فلاناً وكل زيداً وشهد الآخر أنه وكل زيداً وعمراً فيه لم تثبت الوكالة لواحد منهما، لأن الشاهد الأول يشهد بثبوت التصرف لزيد على الانفراد، والثاني يشهد بأنه لم يوكله بالتصرف على الانفراد.
فرع آخر
لو شهد أحدهما أنه وكله ببيع العبد الفلاني وشهد الآخر أنه وكله ببيع ذلك العبد والعبد الآخر كان له التصرف في العبد الذي اتفقا عليه لأن الشهادة قد تمت فيه ولا يملك في الآخر.
فرع آخر
لو شهد شاهدان أنه وكل فلاناً بخصومته عنا القاضي الفلاني لم يكن له [98 /ب] أن يخاصمه عند غيره.
ولو شهد أحدهما أنه وكله بخصومته عند القاضي الفلاني وشهد الآخر أنه وكله بخصومته عند القاضي الآخر لم تثبت وكالته.
فرع آخر
لو شهد أحدهما أنه وكله بالبيع مطلقاً وشهد الآخر أنه وكله ببيعه وقال: لا ينفذ البيع حتى تستأمرني لم يحكم بوكالته لأن الشهادة لم تكمل على وكالة مطلقة يملك التصرف فيه مطلقاً.
فرع آخر
لو شهد أحدهما أنه قال لزيد: أنت وكيلي وشهد الآخر أنه قال له: أنت جريي لا تثبت الوكالة لأن قوله وكيلي غير قوله جريي.
ولو شهد أحدهما أنه أقر عنده أنه وكله وقال الآخر: اشهد أنه أقر عندي بأنه قال له: أنت جريي قال ابن سريج: تثبت الوكالة.
والجري: هو الوكيل بلغة مصر.
فرع آخر
لو شهد على نفس التوكيل فقال أحدهما: أشهد أنه قال له: قد وكلتك، وقال الآخر: أشهد أنه أذن له في التصرف حُكم بشهادتهما لأن أحدهما شهد بنفس اللفظ والآخر أخبر عن معنى قوله.
وهكذا إذا قال أحدهما: وكله في بيع عقاره وطلاق زوجته، وقال الآخر: سلَّطه عليه حُكم بشهادتهما لأن أحدهما أذن بنفس اللفظ والآخر بمعناه وهذا أصل أن الشهادة إن كانت على نفس التوكيل لم تكمل شهادتهما حتى يحكيا فعلةً واحدةً، فإن حكى أحدهما غير ما حكاه الآخر لم تثبت.
وإن لم تكن على نفس التوكيل بل على الإقرار لم يضر الاختلاف في العبارة إذا اتفقتا في المعنى.
وإن كانت الشهادة على نفس التوكيل ولكن حكى أحدهما لفظه، والآخر معنى لفظة كملت كالإقرار وعلى هذا الباب كله وقياسه.
فإن قال أحدهما: قال له: وكلتك، وقال الآخر: قال له: أوصيت إليك فإن الشهادة لم تكمل على فعلٍ واحدٍ.
وهكذا إن قال أحدهما: قال له: وكلتك، وقال الآخر: قال له: أوصيت إليك بالتصرف في حال الحياة فإن الشهادة لم تكمل على واحدٍ.
وإن قال أحدهما: أقر عندي أنه وكله وقال [99/أ] الآخر: أقر عندي أنه أوصى إليه لم تكمل أيضاً على فعلٍ واحدٍ لأن إخباره عن التوكيل غير إخباره عن الإيصاء، ولو قال أحدهما: أقر عندي أنه وكله، وقال الآخر: أقر عندي فقال: أوصيت إليه بالتصرف في حال الحياة كملت الشهادة لأنه إخبار عن الاستتابة بعبارتين.
فرع آخر
لو قال لغيره: اشترِ جارية زيد بيني وبينك فقال: نعم فلقيه آخر فقال له مثل ذلك فاشتراها المأمور كانت بين الأول والمأمور إلا أن يقول: فسخت وكالة الأول واشتريتها للثاني فتكون بينه وبين الثاني.
فرع آخر
لو قال: إذا جاء رأس الشهر فقد أبحت لك أكل كذا فيه وجهان.
والله أعلم.