بحر المذهب للرويانيصفحات 123-162

فرع آخر لو قال: أنت طالق خمس طبقات إلا ثلاث طلقات وقعت طبقتان, وقال ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح": يقع ثلاث لأن الاستثناء يرجع إلى ما يملك من الطلقات, فأما ما لم يملكه فلا حكم له فما زاد على الثلاث وجوده وعدمه سواء, فكأنه استثنى الثلاث من الثلاث وذلك لا يصح فوقع الثلاث, وعلى هذا لو قال: أنت طالق خمسًا إلا اثنتين وقعت واحدة في قولهما وفي قول عامة أصحابنا يقع ثلاث والأول أصح وهو المنصوص لأن البويطي ذكر هذه المسألة في آخر كتاب الطلاق, فقال وإذا قال: أنت طالق ستًا إلا أربعًا وقعت اثنتان, وذكر ابن الحداد في مسائله وقال: يقع طلقتان كما حكاه البويطي ووجهه إن عن الثلاث عبارتين, إحداهما: إلا لثنتين, والثانية: الثلاث فإذا قال: خمس إلا اثنتين فكأنه قال: ثلاث وكان الاستثناء منه بمنزلة الاسم الواحد.
[35/ ب].
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إلا أربعًا, قال ابن حداد: يقع الثلاث وبه قال زفر لأنه استثنى أربعًا لأنه استثنى أربعًا من الثلاث الأخر دون الذي قبله وذكر في البويطي: يقع ثلاثًا وذكر الكرخي عن أبي يوسف ومحمد: أنهما قالا: إذا قال: أنت طالق اثنتين واثنتين إلا اثنتين يقع طلقتان لأن الاستثناء من كل الجملة وإذا أمكن تصحيح الاستثناء لا يسقط.
فرع آخر قال القاضي أبو على الزجاجي: على قياس ما ذكرنا لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا أربعًا إلا واحدة طلقت ثلاثًا, ولو قال أربعًا إلا ثلاثًا إلا واحدة طلقت طلقتان, ولو قال: ثلاثًا إلا أربعًا إلا ثلاثًا طلقت طلقتين, ولو قال: أربعًا إلا واحدة وإلا اثنتين طلقت واحدة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة وقعت طلقتان لأن طلقتان لأن قوله ثلاثًا إثبات وقوله إلا اثنتين نفي وقوله إلا واحدة إثبات وجملته أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا إلا اثنتين فيه ثلاثة أوجه, أحدهما: يقع ثلاث تطليقات ويبطل الاستثناء الأول والثاني لأن يرفع الكل فيسقط وإذا سقط الأول سقط الثاني لأنه متعلق به وهذا اختيار ابن أبي هريرة, والثاني: إن الاستثناء الأول يسقط ويصح الثاني فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين يقع طلقة واحدة, والثالث: يصح الاستثناء الأول والثاني لأن الاستثناء الأول إنما يسقط إذا وقع السكت عليه, فإذا

قال إلا ثلاثًا إلا اثنتين فكأنه استثنى واحدة لأن الثلاث إلا اثنتين عبارة [36/ أ] على الواحد فيكون قد استثنى من الثلاثة الأولى واحدًا فيقع طلقتان أو يقول يستعمل الحطاب كله فأثبت ثلاثًا ونفي ثلاثًا ثم أثبت من الثلاث المنفي طلقتين فيكون طلقتان.
فرع آخر لو قدم الاستثناء فقال: أنت إلا واحدة طالق ثلاثًا طلقت ثلاثًا وسقط الاستثناء أنه يعود إلى ما تقدمه ولا يصح أن يعود إلى ما تقدمه ولا يصح أن يعود إلى ما تعقبه, وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: يصح هذا الاستثناء لأن التقديم فيه لغة العرب, قال الفرزدق يمدح هشام بن إبراهيم خالد هشام بن عبد الملك: وما مثله في الناس إلا مملكًا أبو أمه حيٌ يقاربه وتقديره وما مثله في الناس حيٌ يقاربه إلا ملكًا أبو أمه أبو الممدوح.
فرع آخر الاستثناء يصح بجميع الحروف المستعملة فيه وهي إلا وغير وسوى وعدا وحاشى وخلا فإن قال ثلاثًا خلاً واحدة أو حاشى واحدة طلقت اثنتين وفي غير يستعمل الإعراب بضم الراء منها تارة ويفتح أخرى فإن قال: ثلاثًا غير واحدة بالفتح كان استثناء, ولو قال غير واحدة بضم الراء قال أهل العلم بالعربية: تطلق ثلاثًا لأنه بالضم يصير نعتًا ولا يكون استثناء, ولا يكون استثناءً أنت طالق ثلاثًا ليست واحدة زلا نص عن أصحابنا فإن كان المطلق من أهل العربية الذي يستعمل الإعراب في كلامه فالجواب ما قالوه, وإن كان من غيرهم كان على وجهين: على ما قدمنا من أمثاله.
مسألة: قال: "ولو قال: كلما ولدت ولدًا فأنت طالقٌ واحدةٌ فولدتْ ثلاثةٌ في ببطنٍ طلقتْ بالأولِ واحدةٌ".
الفصل [36/ ب] إذا قال لها: كلما ولدت ولدًا فأنت طالق واحدة فولدت ثلاثًا في بطن طلقت بالأول واحدة, بالثاني أخرى وإن انقضت عدتها بالثالث ولا يقع الطلاق بالولد الذي تنقضي به العدة لأنها تبين يه, ألا ترى أنه إذا قال: إن متُ فأنت طالق فماتت لا يقع الطلاق لأنها تبين بالموت, فإن راجعها حين وضعت ولدين فولدت الثالثة وهي زوجته وقعت الثالثة, وحكي عن ابن خيران عن الشافعي أنه قال في "الإملاء": إذا ولدت الثالث طلقت ثالثة واستقبلت العدة وهكذا حمى ابن الحداد في مسائله عن الإملاء وقال: فيه قولان وهكذا ذكر القفال قال: ويخرج على هذا أنه إذا قال للرجعية: أنت طالق مع انقضاء عدتك هل يقع؟ فيه قولان وقال أيضًا: هذان القولان

مبنيان على أن الرجعية إذا طلقت في حال العدة هل تستأنف العدة أو تبني؟ قولان فإن قلنا: تبني وافق ولادتها للولد الثالث انقضاء العدة فلا تقع الثالثة, وإن قلنا: تستأنف حصل ولادتها للولد الثالث بين عدة بمضي وعده تستأنف فلم يقع في غير عدةٍ فلا يلغى.
وقال بعض أصحابنا ليست المسألة على قولين ولا يصح ما ذكروا عن الإملاء فإن صح فتأويله: أنه راجعها بعد الطلقتين ثم ولدت والمسألة على قول واحد إذا لم يراجعها على ما ذكرنا, ولو ولدت أربعًا طلقت ثلاثًا وانقضت عدتها بالرابع بلا خلاف, ولو ولدت ولدين وقعت طلقة بالأول وتقضي عدتها بالثاني ولا يقع عليها بالثاني طلاق على القول الصحيح, وإن ولدت ولدًا واحدًا وقعت طلقة ويلزمها أن تعتد بثلاثة أقراءٍ بعده وهذا إذا كان بين الولد الثاني والثالث أقل من ستة أشهرٍ فإن كان بينهما ستة أشهر [37/ أ] فأكثر كان الثالث حملاً حادثًا لا يلحقه نسبه وتكون العدة قد انقضت بالولد الثاني ولا يقع عليها إلا طلقة واحدة ولا يقع عليها بالثاني والثالث شيءٌ وعلى هذا لو كان بين الأول والثاني أكثر من ستة أشهرٍ طلقت بالأول وحده طلقة وتنقضي عدتها قبل وضع الثاني والثالث لأنهما من حمل مستأنف ولحوقهما به كمن وضعت بعد انقضاء عدتها, وقال في "الحاوي" هكذا ذكره أبو حامد ولا يصح هذا عندي لأنه لا يمتنع أن يطأها في العدة قبل انقضاء الفرء الثالث فتعلق وتكون باقية في عدتها إلى وضعه فتقضي به العدة فلا وجه لما قاله بل نقول: ينظر في الثاني والثالث فإن كان بينهما أكثر من ستة أشهرٍ انقضت عدتها بالثاني ولم تطلق به وكان لاحقًا بالزوج وصار الثالث مولودًا بعد انقضاء العدة فيكون لحوقه على ما يذكر في المولود بعد انقضاء العدة, وإن كان بين الثاني والثالث أقل من ستة أشهرٍ فهما من حمل واحد, فعلى هذا تطلق بالثاني ثانية ولا تنقضي به العدة لبقاء الحمل وتنقضي عدتها بالثالث ولا تطلق به ويلحقان بالزوج كالأول, ولو ولدت ولدين وقعت طلقة سواء كان بينهما ستة أشهر أو أقل.
فرع لو ولدت ولدين معًا من غير سبق لكونهما في مشيمةٍ تطلق بينهما طلقتين وعليها الاعتداء بثلاثة أقراء, ولو ولدت ثلاثة أولاد معًا طلقت بهم ثلاثًا ويلزمها الاعتداد بالأقراء لأنه وجدت الصفات كما لو قال: إن كلمت زيدًا فأنت طالقٌ, وإن كلمت عمرًا فأنت طالق, وإن كلمت خالدًا فأنت طالق فكلمتهم دفعة واحدة طلقت ثلاثًا.
فرع آخر لو ولدت أربعة واحدًا منفردًا والثلاثة مجتمعين معًا طلقت بالأول واحدة وانقضت

عدتها بالثلاث ولم تطلق بواحدٍ [37/ ب] منهم لاجتماعهم في انقضاء العدة فيجري عليهم إذا اجتمعوا في الطلاق حكم الافتراق وفي العدة حكم الواحد فإنها لو وضعت أربعة لمرة طلقت ثلاثًا والفرق أنه يجوز أن يقترن عدد الطلاق ولا يجوز أن تقترن العدة والطلاق.
فرع آخر لو قال: إذا ولدتِ مني فأنت طالقٌ فولدت وقالت: هو من زنا وصدقها الزوج طلقت ولا يقبل ذلك ما لم ينفه باللعان.
فرع آخر لو قال لها: إذا ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ثلاثة أولاد وقعت طلقة بالواد الأول ولا يتكرر لأن إذا لا تقتضي التكرار.
فرع آخر لو قال لها: إذا ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقةٍ, وإذا ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين نظر فإن ولدت أولاً ذكرًا ثم أنثى وقعت طلقة وبانت بالأنثى, وإن ولدت أولاً أنثى وقعت طلقتان وبانت بالذكر, وإن ولدتهما معًا وقعت ثلاث تطليقات, وإن أشكل وقعت طلقة والورع أن يدعها لئلا يكون الطلاق ثلاثًا.
فرع آخر لو ولدت خنثى واحدةً في الحال, ثم إن بان أنثى تبين أنه وقعت أخرى.
فرع آخر لو ولدت ذكرًا وانثيين في هذه الصورة نظر فإن كان الأول هو الذكر ثم ولدت الأنثيين طلقت بالأول طلقة وبالأنثى طلقتين وتنقضي العدة بالثالث, وإن ولدت انثيين ثم الذكر وقعت طلقتان بالأولى ولا يقع بالثانية شيء وتنقضي العدة بالذكر لأنه لا تقتضي التكرار, وإن ولدت أنثى ثم ولدت ذكرًا ثم ولدت أنثى وقعت ثلاث تطليقات وهكذا إذا ولدت أنثى وذكريين, وإن أشكل طلقت طلقتين والاحتياط ثلاثًا.
فرع آخر لو قل لها: إن كان في بطنك ذكر فأنت طالق طلقةً وإن كان في بطنك أنثى [38/ أ] فأنت طالق طلقتين فولدت ذكرًا وأنثى طلقت ثلاثًا, ولو قال: وإن كان ما في بطنك ذكرًا فأنت طالق طلقة فولدت ذكرًا وأنثى لم تطلق لأن الصفة لم توجد.
فرع آخر لو قال: إن كان حملك ذكرًا فأنت طالق واحدة, وإن كان حملك أنثى فأنت طالق طلقتين فولدت ذكرًا وأنثى لم تطلق لأن حملها لم يكن ذكرًا ولا أنثى بل كان ذكرًا وأنثى.

فرع آخر إذا ولدت ما في فأنت طالق فولدت ثلاثة أولاد لم تطلق إلا بهم جميعًا ثم تعتد بثلاثة أقراء.
فرع آخر لو قال: إن ولدت ولدًا فأنت طالق, وإن ولدت غلامًا فأنت طالق فولدت غلامًا طلقت طلقتين لأنه قد وجدت الصفتان صفة الغلام وصفة الولد.
فرع آخر لو قال لمملوكته: إذا ولدت ولدًا فهو حرٌ وامرأتي طالق فولدته نظر, فإن كان حيًا عتق وطلقت, وإن كان ميتًا طلقت ولم يعتق لأن الميت لا يعتق.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو قال لها: إن كنت حاملاً بغلام فأنت طالق طلقة, وإن ولدت جارية فأنت طالق طلقة, فإن ولدت غلامًا تبينًا أنه وقع عليها طلقة من القول وانقضت عدتها بوضعه, وإن ولدت جارية وقع عليها تطلقةً بولادتها واعتدت بالأقراء, وإن ولدت غلامًا وجاريةً فإن كان الغلام أولاً تبينًا أنها طلقت طلقةً, وإذا ولدت الجارية انقضت عدتها بوضعها ولم يقع بولادتها شيء لأنها تبين بولادتها, وإن ولدت الجارية أولاً تقع طليقتان لأن بولادة الجارية يقع عليها طلقة وبولادة الغلام نتبين إنها طلقة من حين الإيقاع وتنقضي بولادته العدة.
فرع آخر [38/ ب] قال ابن الحداد: لو قال: إن كان أول ولدٍ تلدينه غلامًا فأنت طالق واحدة, وإن كان جارية فأنت طالق ثلاثًا فولدت غلامًا وجارية, فإن كان الغلام أولاً وقعت واحدة وانقضت العدة بوضع الجارية ولم يقع بها شيء, وإن ولدت الجارية أولاً وقعت ثلاث وانقضت العدة بوضع الغلام, وإن أشكل الأول منهما وقع اليقين, ولو قال: إن كان أول ولد تلدينه غلامًا فأنت طالق ثلاثًا يعنى من هذا الحمل فإن ولدت غلامًا وجارية وقعت طلقة وانقضت العدة بولادة الجارية ولم يقع بولادها شيء, وإن ولدت واحدًا فإن كان غلامًا وقعت طلقة لأن اسم الأول يقع عليه, وإن كانت جارية لم يقع شيء لأن اسم الآخر لا يقع عليها ذكره ابن الحداد, وقال القاضي الطبري: ينبغي أن يقال في الغلام مثله لأنه إذا لم يقع عليه اسم الآخر إلا بعد الأول لا يقع أيضًا اسم الأول إلا لما بعده آخر.
فرع آخر ذكره في "الحاوي" لو قال: يا حفصة إن كان أول ما تلدين ذكرًا فعمرة طالق,

وإن (كان) أنثى فأنت طالق فولدت ذكرًا وأنثى فإن كان الذكر أولاً تطلق هي بعدها, وإن ولدتهما معًا لا تطلق واحدة منهما لأنه ليس في الولدين أول, ولو ولدت واحدًا بعد آخر وأشكل هل تقدم الذكر أو الأنثى طلقت إحداهما لا بعينها, ويكون كالطلاق الواقع على إحدى زوجتيه وقد أشكلت.
فرع آخر لو كان له أربع نسوةٍ فقال: كل ما ولدت واحدةٌ منكن فصواحباتها طوالق فولدت جميعًا فإن ولدن في حالةٍ واحدة تطلق كل واحدة ثلاثًا بولادة كل واحدة منهن وتعتد كل واحدة بالأقراء, وإن ولدن واحدة بعد واحدة قال ابن الحداد [39/ أ] والقفال وجماعة: تطلق الأولى ثلاثًا وتنقضي عدتها بالأقراء, والثانية تطلق واحدة وتنقضي عدتها بالولادة, والثالثة تطلق طلقتين وتنقضي عدتها بالولادة, والرابعة تطلق ثلاثًا وتنقضي عدتها بالولادة لأن الأولى لما ولدت طلقت كل واحدة من الثلاث طلقة واحدة ولم تطلق هي لأن ولادة كل واحدة صفة في وقوع الطلاق على غيرها لا عليها فلما ولدت الثانية بانت بولادتها لوقوع الأولى عليها وطلقت بها الأولى واحدة وطلقت بها الثالثة طلقة ثانية وطلقت بها الرابعة طلقة ثانية, فإذا ولدت الثالثة طلقت بها الأولى ثانية ولم تطلق الثانية لانقضاء عدتها بالولادة وطلقت بها الرابعة طلقة, وهذه الثالثة تنقضي عدتها بالولادة بعد وقوع طلقتين عليها, فإذا ولدت الرابعة طلقت بها الأولى طلقة ثالثة ولم تطلق الثانية والثالثة لانقضاء عدتها وانقضت عدتها بالولادة.
وقال ابن القاضي في "التخليص": واختاره القاضي الطبري وجماعة من المتأخرين: لا يقع على الأولى طلاق وتطلق كل واحدة من الثلاث تطليقة لأن الأولى لما ولدت لم يقع عليها ووقع على كل واحدة من الثلاث تطليقة نطليقة فإذا ولدت الثانية انقضت عدتها ولم تطلق غيرها لأنه بالبينونة خرجت من أنت تكون صاحبة لهن, والشرط أن تكون صاحبة حالة الوقوع وهي بعد الولادة إلا أن تكون صاحبةً حالة الولادة وخرجن ببقائهن في العدة أن يكون صواحب لها فلم يوجد شرط الطلاق فيهن فم يطلقن, وكذلك الثالثة والرابعة تنقضي عدتهما ولم يطلق بهما غيرهما, وقال صاحب "الحاوي": لا يصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن يرجع إلى إرادة الزوج بقوله هذا [39/] فإن أراد به الشرط فالجواب على ما قاله ابن القاضي, وإن أراد به التعريف فالجواب على ما قاله ابن الحداد, وإن لم يكن له إرادة أوقات الرجوع إلى إرادته بالموت كان محمولاً على التعريف دون الشرط لأن الشروط عقود ولا تثبت بالاحتمال.
فرع آخر لو ولدت اثنين معًا ثم اثنين معًا في هذه الصورة التي ذكرناها فعلى قول ابن الحداد

كل واحدة من الأولتين ثلاثًا ثلاثًا وتنقضي عدتهما بالأقراء وتطلق كل واحدة من الآخرين تطليقتين وتنقضي عدتهما بالولادة لأن الأولتين إذا ولدتا طلقت كل واحدة منهما تطليقة بولادة صاحبتها وطلقت كل واحدة من الأخريين تطليقثين بولادة كل واحدة من الأوليتين, فإذا ولدت كل واحدة من الأخرتين لم تطلق واحدة بولادة صاحبتها لانقضاء عدتها بولادتها وطلقت كل واحدة من الأولتين تطليقتين بولادة الأخريين فاستكمل طلاق الأولتين ثلاثًا ووقع على الأخريين طلقتان وعلى قول ابن القاضي تطلق كل واحدة من الأولتين واحدة واحدة بولادة صاحبتها وكل واحدة من الأخريين تطلق تطليقتين بولادة الأوليتين, ولا تطلق الأولتان بولادة الأخريين لأنهما قد خرجتا بانقضاء العدة والولادة من أن تكونا صاحبتين للأوليتين.
فرع آخر لو قال: كلما ولدت واحدة منكن فسائركن طوالق فالجواب بإجماع أصحابنا على ما قال ابن الحداد في قوله: فصواحباتها طوالق لأن قوله فسائركن منصرف إلى غير التي ولدت لأن ذلك مشتق من السؤر وهو ما بقي بعد الشرب فكأنه قال: فالباقيات طوالق.
فرع آخر لو قال: كلما ولدت واحدة منكن فأنتن طوالق يدخل [40/ أ] الوالدة فإذا ولدت كلهن واحدةً بعد واحدةٍ الأولى ثلاثًا طلقة بولادة نفسها وطلقتان بولادة الأخريين وعليها العدة لأن الطلاق الثلاث لحقتها بعد ولادتها وتطلق الثانية طلقة بولادة الأولى وتنقضي عدتها بولادة نفسها, وتطلق الثالثة طلقة بولادة الأولى وطلقة بولادة الثانية وتنقضي عدتها بولادة نفسها وتطلق الرابعة ثلاث تطليقات وتنقضي عدتها بولادتها وفي هذه الصورة لا خلاف بين ابن الحداد وابن القاضي.
فرع آخر لو ولدن كلهن في واحد في هذه الصورة طلقت كل واحدة ثلاثًا بولادة نفسها وبولادة اثنتين من الباقيات لا بأعيانهما وعلى جميعهن العدة لأن الطلاق وقعٍ عليهن بعد الولادة ولو ولدت اثنتان منهن معًا ثم ولدت الآخرتان في وقت واحد معًا طلقت كل واحدة من الأولتين ثلاثًا طلقة بولادة نفسها وطلقة بولادة صاحبتها وطلقة بولادة واحدة من الآخريين لا بعينها وعليها العدة وتطلق الآخرتان تطليقتين وتنقضي عدتهما بولادتهما.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو قال كلما ولدت واحدة منكن فصواحباتها طوالق ثم طلقهن طلقة طلقة ثم ولدن, فإن ولدن دفعة واحدة لم تطلق واحدة منهن بولادة الأخرى لأن عددهن تنقضي بولادتهن فلا يقع الطلاق مع البينونة, وإن ولدت واحدة بعد واحدة بانت الأولى بولادتها ووقع على الباقيات طلقة ثانية, وإذا ولدت الثانية بانت ووقع على

الثالثة وثالثة وعلى الرابعة ثالثة وبانتا فإذا ولدتا انقضت عدتهما ولم يقع بولادتهما شيء, وعلى قول ابن القاضي تبين كل واحدة بولادتهما ولا يقع على الباقيات شيء [40/ ب] لأنهن بالبينونة خرجن من أن يكن صواحباتها.
فرع آخر إذا قال: إذا دخلت بك فأنت طالق ولا نية له فقبلها أو لمسها بشهوة أو وطئها دون الفرج طلقت وفيه وجه آخر لا تطلق إلا بالجماع في الفرج.
مسألة: قال: "ولو قال: أنت طالقٌ إن شاء الله لم يقع".
إذا قال: أنت طالق إن شاء الله لم يقع الطلاق, وكذلك لو قال: لعبده أنت حر إن شاء الله لا يعتق وجملته إن الاستثناء يدخل في الطلاق والعتاق والإيمان والنذور والأقارير فيحل ذلك ويرفعه, وفي الطلاق لا فرق بين أن يكون مباشرة كقوله: أنت طالق ومعلقًا بصفة كقوله أنت طالق إذا طلعت الشمس إن شاء الله أو يكون يمينًا كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله فكل هذا واحد لا يقع الطلاق, ونص في الأقارير أنه لو قال: علي ألف إن شاء الله لا يكون إقرارًا, وقال: لا فصل بين أن تعلق بمشيئة الله تعالى بما يحبه الله ولا يكرهه أو بالضد من هذا لأن الأشياء كلها بمشيئة الله تعالى فلا يعلم أنه قد شاءه حتى يكون, وبه قال طاوس والحكم بن عتبية وجاهد والثوري وأبو حنيفة وأصحابه, وقال الزهري ومالك والليث: لا يدخل الاستثناء في الطلاق والعتاق والإقرار وإنما يدخل في الإيمان بالله خاصة.
وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: ترتفع بمشيئة الله حكم جميع الإيمان بالله وبالطلاق وبالعتق ولا يرتفع به وقوع الناجز من الطلاق والعتق والنذر والإقرار, وقال أحمد: لا يرتفع به حكم النذر والعتق والإقرار ويرتفع به حكم غيرها, وحكي عن أحمد [41/ أ] أنه قال: لا يرتفع الطلاق خاصةٌ لأنه وصل إيقاعه بما يرفعه في الحال وفي ثاني الحال فلم يصح كما لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا وهذا غلط لأنه وقع جميع ما أوقع من حيث أثبته فلا يجوز وهاهنا علق بالمشيئة ولا يعلم حصولها على ما بينا والصحيح عن أحمد ما ذكرنا أولاً, وحكاه القفال عن مالك وهو غلط عليه وحجته أن الله تعالى شاء العتق والنذر وندب إليه وكره الطلاق فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق".
والدليل على بطلان هذا المذهب ما ذكرنا, وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين ثم قال في أثرها إن شاء الله لم يحنث فيما حلف عليه".
وقد روى عطاءٌ عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله أو لغلامه أنت حر إن شاء الله أو عليه المشي إلى بيت الله إن شاء الله فلا شيء

عليه".
وروى المقدام بن معدي كرب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الاستثناء في الطلاق والعتاق جائز" ولأن الطلاق وإن كان مكروهًا فإذا وقع وقع بمشيئة الله تعالى ولا يصير الشيء موجودًا إلا بمشيئة الله تعالى.
وقد روي أن يهوديًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المشيئة فقال: "المشيئة لله" فقال: إني إن أشاء أقعد فقال: "شاء الله أن تقعد" فقال: إني إن أشاء أن أقوم فقال: شاء الله أن تقوم فقال: إني إن شاء أقطع هذه النخلة فقال: شاء الله أن تقطعها", فنزل جبريل وقال: [41/ ب] لقنت الحجة.
وفي ذلك نزل قوله تعالى ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:5] الآية".
فرع اختلف أصحابنا في قوله: إن شاء الله هاهنا هل يكون ذلك استثناء يمنع من انعقاد ذلك كله؟ أو يكون شرطًا تعلق به فلم يثبت حكمه لعدمه على وجهين: أحدهما: وهو ظاهر المذهب أنه استثناء يمنع من انعقاده فلا يثبت له حكم ولا عقد.
وقال أبو إسحاق المروزي هو شرط فلم يلزم لعدمه, وإن كانت منعقدة ذكره في"الحاوي".
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن شاء الله, أو إن شاء الله أنت طالق لا طلاق عندنا, وهكذا لو قال: أنت طالق بمشيئة فلان, أو إذا شاء الله أو متى شاء الله.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن لم يشأ الله لم يقع الطلاق لأنه لا فرق بين أن يعلق على وجود مشيئته وبين أن يعلق على عدم مشيئته.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ما لم يشأ الله لا يقع أيضًا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق أن شاء الله بفتح الألف وقع الطلاق, وكذلك لو قال: إذ شاء الله لأن تقديره أنت طالق لأن الله شاء.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله فالمذهب أنه يقع الطلاق لأنه جعل المشيئة مخلصًا له من الحنث, وإذا جهل المخلص من الحنث وقع الحنث كما لو قال: أنت

طالق إلا أن يشاء زيد فلم تعلم مشيئته وقع الطلاق وفيه وجه آخر أنه لا يقع الطلاق لأنه علق الطلاق بعدم المشيئة أن لا تطلق فإذا لم يعلم ذلك لم يقع الطلاق.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ما شاء الله قال بعض أصحابنا: يقع الطلاق لأن حقيقة ما شاء الله لما مضى من المشيئة وتقع واحدة لأنا لا نعلم مشيئته لأكثر من ذلك.
فرع آخر لو قال: [42/ أ] أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إن شاء الله, أو قال: أنت طالق ثلاثًا وواحدة إن شاء الله فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يقع طلاقه ويرجع الاستثناء إلى الكلام كله, وكذلك لو قال: أنت طالق وطالق إن شاء الله وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة: يرجع إلى الثاني ويقع الأول وهذا غلط لأن الاستثناء اتصل بالكلام من غير قطع فأشبه إذا قال: أنت طالق واحدة وثلاثًا إن شاء الله.
فرع آخر لو قال: أنتما طالقان إن شاء الله كان الاستثناء راجعًا إليهما, ولو قال: حفصة طالق وعمرة طالق وإن شاء الله فإن أراد بالاستثناء عمرة الأخيرة طلقت حفصة, وإن لم تطلق عمرة وإن أرادها لم يطلقا, وإن أطلق كان الاستثناء راجعًا إليهما لأن المجموع بالواو كالجملة الواحدة.
وقال أبو حنيفة: يرجع إلى أقرب المذكور فتطلق حفصة دون عمرة, وقال بعض أصحابنا ولو قال: أردت بالاستثناء حفصة الأولى دون الثانية حمل على إرادته وطلقت عمرة الأخيرة دون حفصة الأولى وعند أبي حنيفة يرجع إلى الثانية ويقع الأول.
فرع آخر قال الشافع: في "الأم" في الإيمان: إذ قال: إن شاء الله لا يقع الطلاق إذا أراد الاستثناء, فأما إن كان قصده إن شاء الله كقوله تعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:23 - 24]. أو كان مشتهرًا بقوله إن شاء الله فسبق على لسانه لم يكن الاستثناء.
وقال أصحابنا: لو لم يعرف تفسير قوله إن شاء الله يقع الطلاق أيضًا لأنه لم يرد به الاستثناء.
فرع آخر قال أبو بكر الفارسي من أصحابنا: إن لم يكن من عزمه هذا الاستثناء ولكنه لما فرغ من [42/ ب] أنت طالق ندم فتدارك بقوله: إن شاء الله حكمه في الظاهر بأنه استثنى إذ لا يعرف باطن الحال ولكن فيما بينه وبين الله تعالى واقع والاستثناء غير عاملٍ قال: وكذلك لو لم ينو في الابتداء الاستثناء بقوله: إلا اثنتين ثم بدا له من بعد فاستثنى عقيبه يقع الطلاق وادعى في هذا إجماع الأمة واختاره القفال وغيره ولم يذكره أصحابنا بالعراق وقياس المذهب أنه يصح الاستثناء, وإن لم يكن على هذا الوجه لأن

الكلام واحدٌ وآخره منوط بأوله ليظهر بأجره حكم أوله وقيل وجهان, أحدهما: تعتبر نيته في أوله, والثاني: يكفي أن ينوي قبل الفراغ منه فإن حتى لم ينوه حتى فرغ من الكلام ثم بدا له يقع وجهًا واحدًا وعليه عامة أصحابنا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن شاء الله وشئت فقالت: شئت لم تطلق لأنه لا يعلم مشيئة الله تعالى.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إلا أن يشاء فلان فما فلان قادرًا على المشيئة لم تطلق فلو مات حكمنا بأنها طلقت قبيل عجز فلان عن المشيئة وقيل: فيه وجهان.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن شاء زيد فشاء وهو عاقل يقع وإن كان زائل العقل فإن كان يجنون أو إغماء فقال: شئت لم يقع, وإن كان بسكر يقع لثبوت الأحكام بأقواله ويحتمل وجهًا آخر أنها لا تطلق لأن سكره يوجب تغليظ الحكم على نفسه لا على غيره.
فرع آخر لو مات زيد أو غاب أو خرس لم يقع لأنه لا تعلم مشيئته لأن المشيئة إنما تعلم من جهة النطق لا من جهة الإشارة هكذا نص الشافعي رحمه الله عليه, قال أصحابنا: إذا خرس فيه وجهان, أحدهما: هذا لأن تعليق الطلاق بمشيئته تعلق بقوله: شئت لأنه إذا قال ذلك وقع الطلاق شاء أو لم يشأ فإذا خرس فقد تعذر ذلك [43/ أ] ولأن المشيئة وقت الطلاق كانت نطقًا فلم تثبت بالإشارة وعلى هذا لو كان أخرس وقت التعليق فشاء بالإشارة طلقت, والثاني: يقع الطلاق بإشارته وأراد الشافعي رحمة الله تعالى عليه الأخرس الذي لا يحسن الإشارة وهذا لأن إشارة الأخرس تقوم نطقه مع العجز في وقت البيان فلا اعتبار بما تقدمه ألا ترى أنه لو كان أخرس وقت الطلاق ناطقًا عند البيان لم تصح مشيئته إلا بالنطق, وإن صحت منه وقت الطلاق بالإشارة.
فرع آخر لو اختلفا فقالت: قد شاء وأنكر الزوج فالقول قوله.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن شاء الحمار فهذا من الشروط المستحيلة لأنه لا مشيئة للحمار فجرى مجرى قوله أنت طالق إن صعدت السماء وفيه وجهان.
فرع آخر لو اختلفا فقال الزوج: كنت مغلوم العقل بالنوم أو الإغماء وعرف ذلك وقالت

المرأة تجاننت أو تناومت أو تغاشيت فالقول قوله لأنه أعرف بنفسه.
فرع آخر لو قال: طلقتك في حال الجنون وقالت: بل طلقتني بعد الإفاقة فإن أنكرت أن يكون قد جن فالقول قولها مع يمينها لأنه على أصل الصحة, وإن أقرت بأنه كان مجنونًا في وقت فيه وجهان, أحدهما: القول قوله ولا طلاق لأن الأصل بقاء النكاح.
والثاني: القول قولها ويقع الطلاق لأن الأصل الإفاقة.

باب طلاق المريض

مسألة: قال: "وطلاق المريض والصحيح سواء".
المريض إذا طلق امرأته نفذ طلاقه لأن المرض لا يزيل التكليف ثم ينظر فإن كان رجعيًا لم يؤثر في المهر ولأن الرجعية في معنى الزوجة فأيهما مات ورثه الآخر سواء كان المرض مخوفًا أو لم يكن, فإن انقضت عدتها [43/ ب] انقطع الميراث ولا يجعل فارًا من ميراثها إذلو أراد الفرار لأبانها, وإن كان باينًا مثل أن طلقها ثلاثًا أو طلقها الطلقة التي بقيت له عليها فإن بانت لم يرثها قولاً واحدًا, وإن ماتت نص في الرجعة والعدد والإملاء على مسائل مالك على قولين, أحدهما: ترثه وهو قول مالك وأبي حنيفة وعامة أهل العلم, وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وربيعة والليث والأوزاعي والثوري وأحمد.
والثاني: لا ترثه وهو الأقيس والصحيح وبه قال ابن الزبير وعبد الرحمن بن عوف وهو اختيار المزني وأبي ثور رواه ابن اللبان عن علي رضي الله عنهم, واحتجوا بما روي أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية في مرض موته فورثها عثمان رضي الله عنه ولأن التهمة لحقته في قطع إرثها فغلظ عليه توريثها كالقائل حرم المراث للتهمة وهذا غلط لأن سبب الإرث هنا النكاح فالإرث بالنكاح ولا نكاح بحال كالإرث بالنسب ولا نسب بحال.
وأما ما ذكره من الإرث لا حجة فيه لأن عبد الرحمن خالفه حين قصد قطع حقها بالطلاق, وقال: ما فررت من كتاب الله تعالى أنه أباح الطلاق.
وقال ابن أبي الزبير: ورث عثمان تماضر ولو كنت أنا ما ورثتها, وقال ابن أبي مليكة سألت عبد الله بن الزبير عن رجل يطلق امرأته في مرضه فيبتها فقال: أما عثمان فورثها وأما أنا فلا أرى أن أورثها ببينونة إياها ولأنه روي أنها سألت الطلاق وعندهم لا ترث وأما التهمة فلا تصح لأنها موجودة إذا طلقها قبل الدخول ولا ترث.

فرع إذا قلنا: ترثه فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ترثه ما دامت في العدة فإذا انقضت لم ترث, وبه قال أبو حنيفة [44/ أ] والاوزاعي والليث وأحمد في رواية وهذا لأنه إذا لم تكن في عدة لم يبق النكاح ولا علقه من علقه فلا معنى للميراث, وقال عمر رضي الله عنه: ترثه في العدة ولا يرثها.
وروي في حديث تماضر أن عبد الرحمن بن عوف مات وهي في عدتها, وروي أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه ورثها عثمان بعد انقضاء عدتها.
والثاني: أنها ترث ما لم تتزوج وبه قال أحمد في الرواية وابن أبي ليلى وقد روي عن أبي بن كعب أنه قال: والذي يطلق وهو مريض لا يزال مورثها حتى يبرأ أو تتزوج ولأنها لم تتزوج فالتهمة لاحقه بالزوج, فإذا تزوجت تبينًا أنها رضيت بذلك وخرج هو عن التهمة.
والثالث: أنها ترث أبدًا وبه قال مالك وربيعة لأن الفرقة هي السبب القاطع للميراث فإذا لم ينقطع بها الإرث لم ينقطع فيما بعد فعلى هذا القول والذي قبله لو كان الطلاق قبل الدخول بها ورثت وعلى القول الثالث يتصور أن ترث المرأة من زوجين وثلاثة وعلى القولين الأولين لا ترث إلا من زوج واحد.
فرع آخر لو طلق في مرضه أربع زوجات له وتزوج بأربع سواهن صح النكاح, فإن قلنا: إن المطلقات يرثن قال الماسرجسي: فيه وجهان, أحدهما: يكون الربع أو الثمن بين جميع المطلقات والزوجات يشتركن فيه وهو الصحيح لأن كل واحدة منهن ترث بالإنفراد, فإذا اجتمعن ورثن كالأربع, والثاني: أنه للأربع الأوائل المطلقات دون المتزوجات لأن حقهن أسبق, وقال أبو حامد: فيه ثلاثة أوجه وقيل ثلاثة أقاويل.
والثالث: أنه للمتزوجات دون المبتوتات لأن ميراثهن بالنص والشرع منع توريث الزيادة على الأربع وهذا اختيار القفال وهذا ضعيف [44/ 4] لأن الشرع منع نكاح الزيادة على الأربع فأما إرث المطلقات فقد ثبت بإجماع الصحابة فلا يسقط نكاح غيرهن ولو يرد الشرع بمنع الزيادة على الأربع من الميراث.
فرع آخر لو أقر في مرضه أنه طلقها ثلاثًا في صحته ومات من ذلك المرض لم ترثه على القولين لأن المريض إذا أقر بما فعله في حال الصحة كان بمنزلة ما فعله في حال صحته.
ألا ترى أنه لو أقر في مرضه أنه وهبه في صحته وأقبضه كان من رأس المال؟ ومن أصحابنا من قال: فيه قولان أيضًا كما لو طلقها في مرضه لأن التهمة موجودة والأول أصح نص عليه في "الأم" وبه قال أبو إسحاق وهو قول أبو حنيفة وهو كما

لو أقر أنه أعتق في الصحة كان من رأس المال.
فرع آخر قال أبو حنيفة رحمه الله: لو أقر في مرضه أنه كان طلقها في الصحة ثم أوصى لها ومات فإن لها أقل الأمرين من الوصية أو الميراث لأنه متهم إذا كانت الوصية أكثر وكان أخرجها من الميراث لتصح الوصية لها, وإذا كان الميراث أكثر فلا تهمة وهي وصية لغير وارث.
قال القفال: وينبغي أن يكون مذهبنا هكذا, وقال بعض أصحابنا بخراسان: والأقيس أن لها الوصية بالغةً ما بلغت إذا خرجت من الثلث وهو اختيار شيخنا ناصر وبه قال أبو يوسف ومحمد.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن شئت فشاءت وقع الطلاق ولا ترثه قولاً واحدًا وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: لأنه غير متهم في طلاقها لقطع ميراثها, وقال ابن أبي هريرة من أصحابنا: ترث وبه قال مالك وأحمد في رواية.
وهكذا الخلاف لو سألته الطلاق فأجابها إليه أو خالعها واحتجوا بأن ميراثها ثبت بقصة [45/ أ] عبد الرحمن وامرأته سألته الطلاق وهذا غلط لأنه لم يطلقها عبد الرحمن بن عوف عقيب سؤالها.
وقد روي أنها سألته الطلاق فقال: إذا حصنت ثم طهرت طلقها, وإذا تأخر لم يكن جوابًا بل كان طلاقًا مبتدأ ولأن تماضر أخذت المال صلحًا لا إرثًا ولو سألته أن يطلقها طلقةً فطلقها ثلاثًا لأنها لم تسأله طلاقًا يقطع ميراثها في الحال.
فرع آخر لو علق طلاقها بصفة نظر فإن كانت صفة لها منها يد كقوله إن مشيت أو خرجت من الدار أو إن صليت التطوع أو إن صمت التطوع ونحو هذا لم ترث قولاً واحدًا.
وإن كانت صفة لابد لها منه مثل قوله إن قمت أو قعدت أو أكلت أو شربت أو كانت صفة تحرم عليها تركها كقوله: إن صليت الفرص, أو إن صمت الفرض فهو على القولين لأن عليها ضررًا في ترك هذه الأشياء شرعًا وطبعًا.
فرع آخر قال في "الحاوي": لو علق طلاقها بما لابد لها من الأكل والشرب على ما ذكرنا ففعلته قبل وقت الحاجة فيه وجهان, أحدهما: يجري عليها حكم الاختيار اعتبارًا

بوقت الفعل لأنها تجد بدًا من تقديمه قبل الحاجة.
والثاني: يجري عليها حكم عدم الاختيار اعتبارًا بحال الفعل لأنها لا تجد بدًا من فعله.
فرع آخر لو قال: إن كلمت أبويك فأنت طالق ثلاثًا فكلمتهما ترث لأن ترك كلامهما معصية ذكره أصحابنا, لو قال: إن خرجت إلى منزل أبيك أو إلى منزل ابنك فأنت طالق فخرجت إلى منزل واحد منهما طلقت ولا ترث لأنه لا حاجة بها إلى ذلك ولا يجوز لها أن تخرج إلى منزلهما من غير إذن الزوج, ولو علق طلاقها بكلام غيرهما من الأقارب [45/ ب] فكلمت طلقت ولم ترث, وقال الحسن بن زياد: وإن كلمت ذا محرمٍ ورثت كالأبوين.
فرع آخر لو قال قي صحته: إن كلمت زيدًا فأنت طالق, أو إن دخلت الدار فأنت طالق ثم مرض فدخل الدار وكلم زيدًا ترث لأنه متهم بإيقاع الفعل في مرض موته.
فرع آخر لو قال في صحته: إذا مرضت فأنت طالق ثلاثًا فمرض ومات ترثه على هذا القول, وكذلك لو قال: إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثًا فلم يطلقها حتى مات طلقت قبل وفاته بلحظة ورثت لأنه كان يمكنه أن يختار في أن لا يقع عليها الطلاق الثلاث فلما ترك ذلك كان متهمًا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق في آخر أجزاء صحتي المتصل بأول أسباب موتي طلقت فيه ولم ترث وإن كان متهمًا لأنه طلاق في الصحة فلم يجز أن ترث ذكره في"الحاوي".
فرع آخر لو قال في صحته: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق, أو إذا قدم زيدٌ فأنت طالق ثلاثًا فحصلت الصفة وهو مريض وقع الطلاق ولم ترثه قولاً واحدًا.
وقال القفال: فيه قولان, أحدهما: أنها كالمبتوتة في المرض.
والثاني: أنها كالمبتوتة في الصحة اعتبارًا بحالة التعليق وهي حالة الصحة.
وفي القول الأول اعتبارًا بحالة الوقوع وهما كالقولين فيمن علق عتق عبده بمثل هذه الصفة فوجدت في المرض هل يعتبر العتق من الثلث أو من رأس المال قولان.
وأبو حنيفة ناقض هاهنا فجعل العتق من الثلث اعتبارًا بحالة الوقوع ولم يورث هذه المبتوتة اعتبارًا بوقت التعليق.
وقال مالك وزفر: ترث لأن الطلاق وقع عليها في مرضه وهذا غلط لأنه لا يتهم به في قطع ميراثها (فلم) ترث.
[46/ أ].

فرع آخر لو قال: في صحته أنت طالق قبل موتي بشهر وغاب بعد شهر من قوله طلقت قبل موته بشهر فإن كان وقوع الطلاق عليها لم ترثه لأنه طلاق في الصحة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ترث لأن التهمة موجودة وكلام القفال يدل عليه وهو غريب, وإن كان مريضًا فالصحيح أنها لا ترثه لأنه عقد طلاق يجوز أن يكون وقوعه في الصحة.
ومن أصحابنا من قال: ترثه لأنه لما قيده بزمان الموت ضار منهما بالتعرض له وهو الأقيس.
فرع آخر لو طلقها في مرضه ثلاثًا ثم برأ من برضه ثم مات لم ترثه قولاً واحدًا خلافًا لزفر, ولو طلق امرأته الأمة أو الذمية ثلاثًا في مرضه ثم عتقت أو أسلمت ثم مات لم ترثه قولاً واحدًا لأنها طلقها في حالة ليس بينهما توارث, وكذلك لو كان هو عبدًا ثم عتق.
فرع آخر لو اختلفت هي وورثة الزوج فقالت: طلق بعد عتقي وإسلامي وقالوا: طلق قبل العتق والإسلام فالقول قول الورثة لأن الأصل أن لا ميراث.
فرع آخر لو اختلفت الحرة وورثة الزوج فقالت: طلقني في مرضه فلي الميراث وقال: الورث طلقك في الصحة فلا ميراث فالقول قولها ولها الميراث لأن الأصل فيها استحقاق الميراث وشككنا في تقدم الطلاق.
فرع آخر لو قال: للذمية في مرضه إن أسلمت فأنت طالق فأسلمت ورثت لتهمته.
فرع آخر لو قال: لها السيد إن طلقك الزوج غدًا فأنت اليوم حرة فطلقها الزوج غدًا ثلاثًا في مرضه لم ترث قولاً واحدًا سواء علم الزوج بذلك أم لا لأن العتق لا يقع إلا بالطلاق.
فرع آخر لو قال سيد الأمة [46/ ب] أنت حرة غدًا وقال زوجها وهو مريض: أنت طالق ثلاثًا بعد غدٍ ثلاثًا, وهل ترث؟ ينظر فإن كان الزوج جاهلاً بعتق السيد لم ترثه قولاً واحدًا, وإن كان عالمًا فعلى القولين.
فرع آخر لو طلقها طلقة رجعية ثم أعتقها سيدها ومات زوجها نظر فإن كان قبل انقضاء العدة

ورثته لأن الرجعية في معنى الزوجات, وإن مات بعد انقضاء العدة لم ترثه لأنه غير متهم في ذلك الطلاق.
فرع آخر لو قال: في مرضه إذا عتقت فأنت طالق ثلاثًا فعتقت ترث على هذا القول.
ولو قال ذلك وهو صحيح لم ترث بلا خلاف.
فرع آخر لو طلقها في مرضه ثم ارتدت ثم استلمت ثم مات لم ترثه قولاً واحدًا نص عليه لأنه أخرجت نفسها عن الميراث بالردة.
فرع آخر لو طلقها في مرضه ثم ارتد هو ثم عاد إلى الإسلام لم ترثه لأنه حدث حالة لو مات فيها لم ترثه ولفظ الشافعي عندي أنها لا ترث في هذه المسألة.
فرع آخر لو كان مريضًا فارتد ومات لم ترثه لأنه لا يقصد بالردة الفرقة.
فرع آخر لو انفسخ نكاحها في مرضه بأحد العيوب الخمسة فيه وجهان, أحدهما: أنها في حكم الطلاق.
والثاني: لا ترثه قولاً واحدًا لأنه بسبب من جهتها.
فرع آخر لو قذفها في حال صحته ثم لاعنها في مرضه لا ترثه نص عليه الشافعي رضي الله عنه.
وقال القفال: بمفهومه أن القذف واللعان لو كانا في المرض ترثه في أحد القولين, وقال غيره من أصحابنا: لا فرق بين أن يكون القذف في المرض أو الصحة لأنه [47/ أ] مضطر إلى ذلك لإسقاط الحد عن نفسه ونفي النسب, وقيل فيه ثلاثة أوجه, أحدهما: ترثه كالطلاق وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف.
والثاني: لا ترثه لأنه لا يتهم به للحوق العار في لعانه.
والثالث: ينظر فإن لاعنها في المرض عن قذف في صحته لم ترثه, وإن كان في قذف في المرض ورثته لأن تقدم القذف في الصحة يزيل التهمة وبه قال محمد.
فرع آخر إذا قلنا: ترث لا تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة, وقال أبو حنيفة: تنتقل لأنها ترث من زوجها كالرجعية وهذا غلط لأن باينة بالطلاق فعدتها عدة الطلاق,

وتخالف الرجعية لأنها لو لم ترث منه بإن كانت أمة رجعية تنتقل إلى عدة الوفاة بموته بخلاف هذه.
فرع آخر لو كان مريضًا فقال: إن بريت من مرضي فأنت طالق فبرأ ثم مات طلقت ولا ترث قولاً واحدًا.
فرع آخر إذا طلقها في مرضه المخوف ثم قتل قبل أن يصح منه ورثته في أصح القولين لأن المرض اتصل بالموت فهو كما لو مات منه.
فرع آخر لو قال: أنت طالق قبل موتي قال ابن الحداد: وقع الطلاق في الحال لأن ذلك قبل موته كما لو قال: أنت طالق في كل سنةٍ وقع فب الحال طلقة لأنه في السنة.
ولو قال: أنت طالق قبيل موتي لم يقع في الحال بل يقع في الجزء الذي قبيل الموت لأن ذلك تصغير يقتضي الجزء اليسير الذي يبقى, وهو كما لو قال: أنت طالق قبل رمضان وقع عقيب اليمين.
وإذا قال قبيل رمضان وقع في آخر جزء من شعبان.
فرع آخر لو قال: أنت طالق مع موتي لم يقع الطلاق لأن تلك الحالة حالة البينونة.
ولو قال: لعبده أنت حر [47/ ب] مع موتي عتق لأنه يصح أن يقول: أنت حر بعد موتي, ولا يجوز أن يقول: أنت طالق بعد موتي.
ثم أعلم أن المزني احتج بقول الشافعي: الناس إنما يرثون من حيث يورثون وهو في احتجاجه على أبي حنيفة حيث قال: في ولدٍ تداعاه رجالٌ يلحق بهم ثم يرث هذا المولود من كل واحدٍ منهم كمال ميراثه ولا يرث منه كل واحدٍ منهم إلا بعض الميراث, فقال: يجب أن يستووا في الميراث لأن الناس إنما يرثون من حيث يورثون.
فقال المزني: لما اجتمعنا هاهنا أنه لا يرثها فكذلك هي وجب أن لا ترثه لهذا الذي ذكره الشافعي وأصحابنا أجابوا عن هذا بأنه قد يوجد الإرث مع أحد الجانبين دون الآخر, ألا ترى ابن العم يرث ابنة العم ولا ترث منه والجد مع ابنة ابنته, وإن الأخ مع عمته كذلك فيبطل الدليل.

باب الشك في الطلاق

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى عليه: لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" علمنا أنه لم يزل تيقن طهارته إلا بتيقن حدثه, كذلك من استيقن نكاحها ثم شك في الطلاق لم يزل اليقين إلا بيقين".

إذا شك هل طلق امرأته أم لا؟ فهما على الزوجية لأن الأصل الزوجية فهو شك طرأ على يقين فيسقط الشك وهما على الزوجية والورع أن يحنث نفسه, فإن كان في اعتقاده أنه متى طلق طلق واحدة جعلها رجعية وراجعها واعتقد أنها على اثنتين فلا يضره ما فعل, وإن كان في اعتقاده أنه متى [48/ أ] طلق طلق ثلاثًا الزم نفسه بأن يوقع الطلاق عليها لتحل لغيره بلا شبهةٍ ولا يقول: ألزمت نفسي لأنه ربما لا يكون قد طلق فيبيح زوجته للغير بل يبتدي ويوقع الطلاق احتياطًا, وقال شريك بن عبد الله: إذا شك في الطلاق طلق واحدة ثم راجعها حتى تصح الرجعة يقينًا وهذا غلط لأن لفظ الرجعة ممكن مع الشك في الطلاق فلا يحتاج يقين الطلاق, وإذا وقع الطلاق ثم شك في عدده بني علي اليقين فإن تيقن الواحدة وشك في الثانية جعلها واحدة, وإن تيقن طلقتين وشك في الثالثة فهما طلقتان والورع أن يجعل الطلاق في الزيادة وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجماعته, وقال مالك وأبو يوسف: يلزمه الأكثر احتياطًا وهذا غلط لأن كل ما لو وقع الشك في أصله بني على اليقين فإذا أوقع في عدده بني على اليقين كما في الصلاة.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا ألزمه الأكثر لا تحل له إلا بعد زوج فإذا تزوجها ثانية بعد زوج ثان وطلقها واحدة طلقت ثلاثًا لجواز أن يكون طلقها في النكاح الأول اثنتين فبقيت معه على واحدة, فإذا تزوجها ثالثة بعد زوج ثان وطلقها واحدة طلقت ثلاثًا لجواز أن يكون طلقها في النكاح الأول واحدة ويسمى طلاق الدولابي.
مسألة: قال: ولو قال: حنثت بالطلاق أو بالعتق وقف عن نسائه.
الفصل إذا حنث بالعتق أو بالطلاق ولا يبدي ذلك بأن قال: إن كان هذا الطير غرابًا فنسائي طوالق وإن لم يكن غراًبا فعبيدي أحرار فطار الطير قبل أن يعلم ما هو.
أو قال: إن كان هذا المقبل زيدًا فنسائي طوالق [48/ ب] وإن لم يكن زيدٌ فعبيدي أحرار فغاب الشخص قبل أن يعرف وقع الحنث في أحد الملكين قطعًا ولكنا نجهل عينه فنأمره بالتوقف عن وطء النساء وعن التصرف في العبيد كما لو طلق واحدة منهن ثلاثًا وأشكال يوقف عن وطء الكل لأنه قد تحقق الحنث كذلك هاهنا فإذا توقف كلفناه البيان عن الطائر لأنه قد شاهده ونأخذه بنفقتهم جميعًا فإن الامتناع من قبله حتى يتبين ولا يقرع بينهما في حياته فإن بيانه أقوى من القرعة, فإن تبين فقال: كان غرابًا طلق النساء ونظر في العبيد, فإن ادعوا أنه حنث فيهم دون النساء فالقول قوله فإن حلف رقوا, وإن نكل عن اليمين حلفوا, وعتقوا فتطلق النساء بإقرار ويعتق العبيد بنكوله ورد اليمين, وإن صدقوه على الرق, وإن قال: كان في غرابٍ عتق العبيد وينظر في النساء فإن صدقنه فهن على

الزوجية, وإن أنكرن وقلن كان غرابًا فالقول قوله فإن حلف سقط دعواهن ويكون اليمين على البت وإن نكل وحلفن وطلقن وعتق العبيد بإقراره وطلقت الزوجات بيمينهن ونكوله فإن قيل: أليس قلتم: إذا أنكح الوليان امرأةً فأقرت لأحدهما بأنه السابق وادعى الأخر عليها هل تحلف قولان فما الفرق؟ قيل لأن السيد هاهنا لو أقر للعبيد عتقوا وأقر للنساء فكان لغرض اليمين فأيده وهو أن تقبل رجوعه عن إقراره الأول وهناك لو أقرت للثاني ثانيًا لا يقبل إقرارها فلم يكن لغرض اليمين عليها فائدة.
وإن لم يتبين لا يخلو إما أن يقول: لا أبين أو يقول: لست أعلم نظر, فإن قال: لا أتبين حبساه حتى يبين وإن قال: لست أعلم نظر فإن صدقه النساء والعبيد توقف حتى ينكشف الأمر وإن ادعوا [49/ أ] علمه فادعى عليه أحد الفريقين فالقول قوله فيحلف أنه لا يعلم أيش كان الطائر ولا يحبس ويوقف عن الملكين حتى يتبين أمره أو يموت, فإن نكل عن اليمين ردت عليهم وحبس لهم ورجع إلى بيانهم إن كان عندهم علم كما يجوز رد اليمين إذا نكل اليمين لهم ثم إن اتفق الفريقان على أن الحنث كان بعتق العبيد حلفوا دون النساء وعتقوا بإيمانهم ولم تحل النساء للشك في طلاقهن, وإن اختلف الفريقان فأدعى النساء الحنث بطلاقهن وادعى العبيد الحنث بالعتق حلف كل واحدٍ من الفريقين على ما ادعاه وطلق النساء بإيمانهم وعتق العبيد بإيمانهم, وإن كان مع بعضهم بينة بما كان الطائر أقامها وحكمنا بها, وقال القفال: إذا قال: لا أعلم يجعل امتناعه من الإقرار للعبيد إذا كان الدعوى منهم مثلاً إنكارًا ثم تعرض اليمين فيجعل سكوته وإعادته قول لا أدري نكولاً فيحلفون ويعتقون ثم النساء يدعين حكم عليه هكذا بإنكارٍ ثم بنكول فيحلفن ويطلقن وهذا حسنٌ ولكن ظاهر المذنب ما تقدم.
فرع لو قال: كنت أعلم ولكني نسيت فانتظروني حتى أتذكر نظر.
فرع آخر لو ادعى علبه أحد الفريقين فأنكر يكون ذلك إقرارًا منه للآخرين وهذا لا إشكال فيه.
فرع آخر لو عين في النساء وأكذبه العبيد حلف لهم, فإن نكل عن اليمين قد بينا أنه يرد اليمين عليهم فلو لم يسألوا أحلافه هل يحلفه الحاكم عنهم أم لا؟ وجهان, أحدهما: يحلفه لأن في عتقهم حقًا لله تعالى.
والثاني: لا يحلفه لأن قولهم في تصديقه مقبول بغير يمين, ولو روعي حق الله تعالى لحلف وإن صدقوه.
فرع آخر إذا أراد السيد في زمانه الوقف أن يستخدم العبيد وينفق عليهم وأراد العبيد أن يكتسبوا لأنفسهم وينفقوا من كسبهم [49/ ب] فيه وجهان: أحدهما: القول قول السيد

تغليبًا لسابق الملك.
والثاني: القول قولهم تغليبًا لحكم التحريم وهكذا لو كان بدل العبيد إماءً.
فرع آخر لو مات قبل أن يتبين فهل يرجع إلى بيان الورثة؟ ظاهر المذهب لأنه لا يرجع لأن الشافعي قضى هاهنا بالقرعة فلو كان البيان مرجوًا من الورثة لما قضي به كما في حياته, ولأن ذلك يتضمن إسقاط الورثة بأن بينوا الطلاق في النساء وبعض الورثة لا يسقطون البعض, ولهذا لا يجوز للورثة أن يلاعنوا على نفي النسب الذي أنكره المورث, وقيل: فيه وجهان وقيل قولان, وقال القفال: فيه طريقان أحدهما: قول واحدٌ وهو الصحيح لما ذكرنا.
والثاني: فيه قولان كما لو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها فمات قبل البيان هل يرجع إلى الوارث؟ قولان: أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: يرجع إليهم لأنهم قائمون مقامه في حقوقه وجميع أموره, فإذا قلنا: لا يرجع إليهم أو لم يكن له وارث أو كان ولو يعلم أقرعنا بينهم فإن خرجت القرعة على الطلاق لم يعمل في الطلاق لأن القرعة لا مدخل لها في الطلاق وإنما أقرعنا بينهما للعتاق, فإذا كان كذلك تعين الزوجات على الزوجية بالشك ويرثن لأنه لم يحكم بطلاقهن.
قال الشافعي: والأولى أن يدعن ميراثهن, قال القفال: وهل تعاد القرعة؟ وجهان والمذهب أنه لا يعاد, وإن خرجت أولاً القرعة على العبيد عتقوا والنساء على أصل الزوجية لا بالقرعة, وهل يرثنه أم لا؟ ينظر فإن كن ادعين علمه بأن الطير كان غرابًا لم يرثن لأنهن اعترفن بأنهن [50/ أ] طلقن ثلاثًا ثلاثًا, وإن لم يكن منهم دعوى ورثن والورع أن لا يرثن كيلا يكون الحنث فيهن فإن كان بعضهن ادعين ذلك دون البعض ورث من لم يدع ذلك من ادعاه, وقال أبو ثور: إذا وقعت القرعة على النساء يطلقن كما يعتق العبيد بها وهذا غلط لأنه لو طلق واحدةً من نسائه لا بعينها لم يقرع بينهن بخلاف ما لو أعتق واحدًا من عبيده لا بعينه وهذا لأن العتق محله الملك, وفي الملك تدخل القرعة في النكاح فكذلك في الطلاق الذي محله فإن قيل: كيف تصح القرعة؟ في شيئين, أحدهما: لا مدخل لها فيه قلنا: لا يمتنع مثل ذلك كما يقبل شاهد وامرأتان في السرقة التي يجب فيها القطع فيغرم بها, وإن كان لا يقطع بها كذلك هاهنا تدخل القرعة فتعمل في الرق والحرية, وإن كان لا مدخل لها في الطلاق.
فرع آخر إذا خرجت القرعة على النساء فلم يطلقن هل يزول بهذه القرعة الشك عن رق العبيد أم لا؟ ظاهر المذهب أنه زال ذلك عنهم لأن القرعة إن لم تعمل في الطلاق الزوجات عملت في نفي الحرية عن العبيد, ومن أصحابنا من قال: الشك بحاله في رق العبيد لأن القرعة إذا لم تعمل فيها خرجت عليه لم يعمل في غيره فيكون العبيد على أصل

الملك بالشك ويجوز بيعهم ويكون مع ذلك مشكوك في لعانه وهو اختيار القاضي الطبري, وقال ابن أبي هريرة: هل يتصرف في العبيد على أصل الملك أو يتصرف فيهم وهو شاك في ملكهم وجهان, وفائدة الوجهين, أنا إذا قلنا: يتعين على أصل الملك فله بيعهم ولا يكره له ذلك [50/ ب] وإذا قلنا: يبقى على الإشكال يكره له بيعهم ونقول لهم: الورع أن لا تبيعوهم فإن باعوهم صح البيع وكذلك يكره لهم الاستمتاع إن كنّ إماءً ولا نحرمه لأن الرق مشكوك فيع فإن قيل: أليس منعتم الموروث من التصرف لأجل الشك؟ فهلا منعتم الوارث من التصرف آنفًا؟ قلنا: الفرق في حق المورث تيقنا الحنث في أحد ملكيه, إما النساء, وإما العبيد فأوقفنا عنهما, وأما الورثة إنما يملكون العبيد دون النساء فلم نتيقن الحنث في حقهم وهذا كما لو قال رجل: إن كان هذا الطائر غرابًا فنساؤه طوالق وقال آخر: إن لم يكن غرابًا فعبيدي أحرار ولم يعلم لا يوقف على واحدٍ منهما ملكه لأنه لا يتيقن الحنث في حقه.
فرع آخر لو قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فنسائي طوالق, وإن كان حمامًا فعبيدي أحرار ولم يعلم ذلك لم يحنث هاهنا لجواز أن يكون غير غراب وغير حمام وهو من جملة الشك في الطلاق والعتاق.
فرع آخر لو رأى رجلان طائرًا فقال أحدهما: إن كان هذا غرابًا فامرأتي طالق وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فامرأتي طالق فطار ولم يعلم قد ذكرنا أنه لا يحكم على واحد منهما بالطلاق لأن الأصل لكل واحد منهما بقاء النكاح وهذا كما أنه يجوز أن يجتهد في إناءين أحدهما نجس ويتوضأ كل واحدٍ منهما ويصلي يجوز, ولا يجوز أن يتوضأ بهما رجل واحد.
فرع آخر لو قال: هذا في اليمين بحرية عبدين بأن قال أحدهما: إن كان غرابًا فعبدي حر, وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فعبدي حر, وطار الطائر لم يعتق عبد واحد منهما لأن كل واحدٍ منهما شاك في وقوع الحرية على عبده, فإن بادل كل واحدٍ منهما عبده بعبد صاحبه صح الملك ونظر [51/ أ] فإن لم يكن أحدهما كذب صاحبه لم يعتق عليه, وإن قال: كل واحدٍ منهما لصاحبه بل كلن ما قلت وخالفه عتق على كل واحدٍ منهما ما يملكه بإقراره السابق, وإن لم يتبادلا ولكن اشترى أحدهما عبد صاحبه, قال صاحب "الإفصاح": يحتمل أن يقال: يقف عنهما لأن فيهما حرًا لا محالة ولم يذكر القفال غيره ويحتمل أن يقال: له بيعهما لأن بيع كل واحد منهما كان جائزًا فلا يحرم بالشك.

وقال أبو حامد: عتق ما اشتراه لأنه لما أمسك عبد نفسه كان ذلك إقرارًا بأن عبد صاحبه هو الذي عتق فإذا صار الحق له بعد ذلك عتق, كما لو قال: عبد فلان حر ثم ملك وفي هذا نظر لأنه يحتمل أنه في إمساك عبده على الرق خاطئًا وإنه هو الحر.
فرع آخر لو كان له امرأتان فقال: إن كان هذا حمامًا فزينب طالق, وإن لم يكن حمامًا فعمرة طالق وخفي الأمر فإنه يحال بينه وبينهما حتى يتبين.
ولو قال: إن كان حمامًا فزينب طالق, وإن كان غرابًا فعمرة طالق وخفي الأمر لا يلزمه شيء لأنه يحتمل أنه كان غير الحمام والغراب.
مسألة: قال: ولو قال: إحداكما طالقٌ ثلاثًا منع منهما.
الفصل إذا طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم أشكلت مثل 0 أن يرى إحدى امرأتيه منطلقة فقال لها أنت طالق وأشكلت وأنكرت كل واحدة منهما أن تكون هي المنطلقة أو عينها ثم نسي, أو قال: إحداكما طالق وهو يريد إحداهما بعينها ثم نسي أو لم ينس يكون إقرارًا وإخبارًا عن التي طلقها وليس بتعين طلاق بالاختيار والشهوة ثم إذا بين لا يخلو إما أن يبين قولاً أو فعلاً فإن بين قولاً فقال: هذه التي طلقتها طلقت هذه والثانية زوجته, وإن بين بالفعل بأن وطئ إحداهما لم يكن ذلك دليلاً [51/ ب] على أنها الزوجة والأخرى المطلقة والفرق بين البيان بالفعل لا يقبل هو أن الناس أجمعوا على أنه لو وطئهما جميعًا لم تطلق كل واحدة منهما, ولو قال بلسانه: طلقت هذه لا بل هذه طلقتا جميعًا فدل الفرق.
فرع آخر لو بين بالقول وقال: هذه التي لم أطلقها فهذه زوجته والأخرى مطلقة.
فرع آخر لو قال: هذه التي طلقتها لا بل هذه طلقتا معًا لأنه أقر بطلاق واحدة ورجع عنها فأقر بطلاق الأخرى وقبل ما أقربه ثانيًا ولم يقبل رجوعه عن طلاق الأولى.
فرع آخر لو كانت الزوجات ثلاثًا فقال: طلقت هذه لا بل هذه طلقن جميعًا.
فرع آخر لو قال: طلقت هذه بل هذه طلقت الأولى وأبهم الطلاق في الثانية والثالثة فنكلفه البيان.

فرع آخر قال ابن سريج: ولو قال: طلقت هذه أو هذه فقد أبهم الطلاق في الأولى والثانية وطلق الثالثة لأن معنى قوله: وهذه أي: وطلقت هذه.
وقال أبو حامد: ظاهر هذا الكلام غير ما قال أبهم الطلاق بين الأولى وبين الثانية والثالثة لأن قوله: وهذا معناه طلقت هذه أو هاتين فكأنه شك في تطليق الأولى أو تطليق الثانية والثالثة وهذا أولى لأن على قول ابن سريج يحتاج أن يحتاج أن يضمر وهذه طلقتها وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى إضمار شيء.
فرع آخر لو كن أربعًا فقال: طلقت هذه أو هذه فقد أبهم الطلاق في الأولى وفي الثانية وفي الثالثة وفي الرابعة فنكلفه البيان.
فرع آخر لو قال: هذه وهذه أو هذه وهذه ولم يقل: لا بل قلنا: حصل الطلاق في الأوليين أو الأخريين فإن بين بعده إحدى الأولتين طلقتا دون الأخرتين, وإن بين إحدى الأخرتين طلقتا [52/ أ] دون الأولتين.
فرع آخر لو قال: هذه أو هذه وهذه أو هذه قلنا: يحتمل أنه تبين إحدى الأخرتين فعليه أن يبين واحدة منن الأولتين وواحدة من الأخرتين ويحتمل أنه جعلهن أقسامًا الأولى قسم والثانية مع الثالثة قسم والرابعة قسم فإن بين الأولى أو الرابعة لم تطلق غير التي بين وأن بين إحدى الوسطتين طلقتا معًا ذكره القفال.
فرع آخر قال القفال: لو قال: هذه أو هذه وهذه فكن ثلاثًا وأشار إلى ثلاث من جملة الأربع احتمل أنه أراد الأولى وحدها أو الأخرتين وحدهما فيقال: له بين ماذا أردت ويحتمل أنه أراد الأخيرة بكل حال مع إحدى الأولتين فيقال له: بين إحدى الأولتين.
فرع آخر إذا وطئ إحداهما لا يكون دليلاً على أنها الزوجة على ما ذكرنا ثم نقول له: عليك البيان قولاً فإن بين في التي وطئها فلا كلام وطئ زوجته, وإن تبين في الأخرى فالزوجية في الأخرى والمطلقة موطوءة بشبهةٍ فلها مهر مثلها, وقال القفال: فإن كان الطلاق ثلاثًا جددناه إن لم يدع الشبهة ويوجب المهر بكونها معذورة بالجهل.
فرع آخر إذا بين كان الطلاق من وقت الإيقاع دون البيان, والعدة من وقت الإيقاع بلا خلاف بين أصحابنا بالعراق لأن البيان هاهنا إخبار عن طلاق وقع ويعين ولهذا لا نقول له:

في الأول بين المطلقة بل نقول عين المطلقة.
وقال القفال: فيه قولان, أحدهما: وهو الأظهر هذا.
والثاني: إنه من يوم البيان ثم قال: وهذا لا يصح وإنما يخرج من قول الشافعي في النكاح الفاسد إذا فرق فيه بين الزوجين هل تكون العدة من آخر الوطء أو من يوم التفريق؟ قولان والفرق ظاهر وهو أن هناك كان يستفرشها على حكم الزوجية, وإن لم يطأها زمانًا وهاهنا قد خلينا بينهما فلم يكن مستفرشًا لها.
[52/ ب].
فرع آخر إذا بين الطلاق في إحداهما فللأخرى عليه اليمين إن ادعت أن الطلاق كان لها, فإن نكل حلفت وطلقت أيضًا.
فرع آخر لو أرسل ولم يعين واحدةً منهما مثل أن يقول: إحداكما طالق ولم يقصد بقلبه إحداهما بعينها فإنا نكلفه البيان ونطالبه ونشدد عليه هاهنا لأنه موكول إلى اختياره وشهوته ونعذره إن امتنع حتى لا تكون غير امرأته محبوسةً بسببه ويلزمه نفقتها فإن قال: عينت في هذه طلقت وكانت الأخرى زوجةً ولا يسمع دعوى الأخرى عليه لأنه اختيار شهوةٍ.
وقال مالك: يقع الطلاق عليهما لأن إرسال الطلاق عليهما يجعل لكل واحدة منهما فيه خطأ.
قال: ولو قال: إحداكما طالق ثلاثًا ثلاثًا وهذا غلط لأنه أضاف الطلاق إلى واحدة فلا يقع على اثنتين كما لو عين واحدةً.
وقال داود: لا طلاق على واحدة منهما كما لو قال: لأحد هذين الرجلين علي درهم لا يلزم شيء ٌ وهذا غلط لأنه اجتمع الحظر والإباحة وأمكن تميزها فوجب التمييز.
فرع آخر لو قال: في هذه المسألة عينت في هذه لا بل هذه لم تطلق الأخرى لأنه الحق الطلاق بواحدة منهما فإذا عينه في إحداهما فقد اختار وقوعه عليها ولا يصح الرجوع فيه فلم يكن لقوله: لا بل هذه معنى وليس كذلك إذا كانت معينة وأشكلت فإن قوله: هذه إخبار عن المطلقة, فإذا قال: لا بل هذه كان رجوعًا عن الإقرار الأول إلى الثاني فيلزمهما كما لو قال: لفلان علي درهم لا بل دينار يلزمه الدرهم والدينار.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: تطلقان معًا كما في المسألة قبلها وهذا على القول الذي يقول: البيان في المبهم يوجب وقوع الطلاق باللفظ دون [53/ أ] التعيين والوجه الأول على القول الذي يقول: لا يقع باللفظ بل بالتعيين وهذا غريب.

فرع آخر لو قال عند التعيين: هذه وهذه أو هذه وهذه وهن أربع فالطلاق يحصل في الأول لما ذكرنا ولو قال: هذه أو هذه قلنا: ما زدتنا بيانًا, وإذا قال: هذه أو هذه وكن ثلاثًا قلنا: تعين في إحدى الأولتين وخرجت الثالثة عن أن تعين فيها فيقال له: عين في إحدى الأولتين.
فرع آخر قال الشافعي: لو قال هاهنا: هذه ثم قال: أخطأت بل هذه طلقتا معًا ومعناه أنه إذا قال: بل هذه يكون منه استئناف طلاقها فيطلقان معًا.
فرع آخر لو وطئ واحدة منهما هل يكون اختيارًا لها وطلاقًا للأخرى؟ قال المزني وأبو إسحاق وعامة أصحابنا وبه قال أبو حنيفة: يكون طلاقًا للأخرى واختيارًا لهذه لهذه كما لو وطئ البائع الجارية المبيعة في مدة الخيار كان اختيارًا لفسخ البيع وهذا لأنه اختار شهوته والظن بالمسلم أنه لا يترك زوجته ويطأ أجنبية مطلقة محرمة, وقال بعض أصحابنا: لا يكون اختيارًا لها لأن الطلاق لا يقع إلا بالقول كما في القسم الأول, وحكاه أبو حامد عن ابن أبي هريرة ولا يصح عنه وإنما الصحيح عنه القول الأول.
وقال القفال: فيه قولان وهو غريب وظاهر مذهب الشافعي الثاني لأن الشافعي قال: منع من وطئها, فلو كان الوطء اختيارًا لم يمنع.
وقال أحمد: الوطء لا يكون تعيينًا ولا القول وإنما يعين بالقرعة, وروي ذلك عن علي وابن عباس رضي الله عنهم ولأن الطلاق وقع على إحداهما فليس له تعيينه باختياره كما لو على واحدة منهما بعينها ثم نسي.
وحكي عن أحمد القرعة في هذا الأصل أيضًا وهذا غلط لأن الزوج يملك إيقاع الطلاق وتعيينه [53/ ب] ابتداءً فإذا أوقعه ولم يعينه كان له تعينه لأنه استيفاء ما يملكه.
ويخالف الأصل الذي قاسوا عليه لأنه استوفي هناك في ملكه من الطلاق والتعيين فليس له الرفع من واحدة إلى غيرها.
فرع آخر إذا قلنا: الوطء يكون بيانًا قال أبو إسحاق: كان الوطء مباحًا لأنه لا يحرم ما يحصل به البيان وعلى قول غيره يحرم الوطء قبل البيان وهو ظاهر كلام الشافعي على ما ذكرنا وهذا لأن إحداهما مطلقة فيلزمه التوقف عنها حتى يعين الطلاق فيمن شاء منهما.

فرع آخر إذا لم يجعل الوطء بيانًا أخذ بتعيينه قولاً وهل يلزمه تعيينه في غير الموطوءة أو يكون على خياره في تعيينه في أيهما شاء؟ وجهان, أحدهما: يلزمه تعيينه بالقول في غير الموطوءة ليكون الوطء لزوجته.
والثاني: يكون خياره في تعيينه في أيتهما شاء كما كان مخيرًا لو لم يطأ.
فرع آخر إذا قلنا: يكون على خياره فعينه في الموطوءة تعين فيها وهل يكون الطلاق واقعًا بهذا التعيين أو يكون واقعًا باللفظ المتقدم؟ وجهان قال أبو إسحاق: يقع في وقت التعيين وبه قال أبو حنيفة لأنه يظهر حكمه عنده, وقال ابن أبي هريرة: باللفظ المتقدم والوطء صادفها وهي غير زوجةٍ غير أنه لا حد عليه بحال وهذا لأن الطلاق قد وقع بدليل أن نأمره بالتوقف عنهما وحرمت عليه إحداهما لا بعينها فكيف يكون الطلاق من حين التعيين ويكون التحريم سابقًا؟ ومن أصحابنا من حكي عن ابن أبي هريرة ما ذكرنا عن أبي إسحاق, وعن أبي إسحاق ما ذكرنا عن ابن أبي هريرة والصحيح ما ذكرنا.
فرع آخر إذا قلنا: الطلاق يقع بالتعيين فالعدة من وقت التعيين, وبه قال أبو حنيفة.
وإذا قلنا: الطلاق يقع باللفظ المتقدم ففي العدة وجهان, أحدهما: من وقت التعيين اعتبارًا بالتغليظ [54/ أ] في الأمرين.
والثاني: من وقت الفظ المتقدم, وقال القفال: فيه قولان ولعله أراد تخريجًا لأن النص غير ظاهر على القولين, وقيل: المذهب أن الطلاق باللفظ والعدة من وقت التعيين إلى اختياره وشهوته كانت كل واحدة منهما على حكم الزوجية حتى يتبين وهو كما يقول في المنكوحة نكاحًا فاسدًا إذا فرق القاضي بينهما وجبت العدة من حين التفريق بينهما, وإن كان التحريم سابقًا كذلك هاهنا.
فرع آخر قال القفال: إذا عين الطلاق في الموطوءة هل يلزمه المهر لها؟ وجهان بناءً على أن الطلاق من وقت الإيقاع أو من حين التعيين وظاهر المذهب أنه يلزمه المهر.
فرع آخر لو كان نكاح إحداها فاسدًا فإن كان الطلاق مرسلاً غير معين وقع على زوجته ولا يرفع إلى خياره لأنه لا يقع الطلاق إلا عليها, وإن كان معينًا وقال: أردت المنكوحة نكاحًا فاسدًا قبل منه.
وكذلك لو اتفقت الزوجتان في الاسم والنسب ونكاح إحداهما فاسد فذكرهما باسمهما ونسبها اللذين يشتركان فيه وقال: أردت به المنكوحة نكاحًا فاسدًا قبل منه.
وقال أبو حنيفة: إن قال: إحداكما طالق فيلزمه, وإن اشتركا في الاسم والنسب لم

يقبل منه, ووافقنا في العبدين إذا اشتركا في الاسم وشراء أحدهما فاسد وشراء الآخر صحيح, وقال: يا فلان أنت حر وأراد المشترى فاسدًا قبل منه فنقيس عليه.
فرع آخر لو شك في طلاق زوجته فأقام معها وأصابهما فماتت وأخذ ميراثها ثم تيقن ذلك الطلاق فيها أخذ منه مهر مثلها للإصابة ورد جميع ما أخذه من ميراثها, ولو مات هو وأخذت ميراثها من تركته ثم أقرت بأنها علمت أنه قد طلقها ثلاثًا ولا تصدق على أن لها مهرًا بالإصابة سواءً ادعت الجهالة [54/ ب] بتحريم الأصل أو لم تدع ذلك, إذا ادعت انه غصبها على نفسها أو لا اللهم إلا أن تقر لها الورثة بما ذكرت فترد الميراث ولها مهر مثلها بالإصابة, ولو قال: لا أدري أطلقت نسائي أو واحدة منهن أم لا ثم مات ورثنه معًا ولا يمنعن من ميراثه بالشك في طلاقهن.
فرع آخر لو قال: إذا جاء غد فأنت طالق أو عبدي حرٌ بعد غدٍ لم تطلق إذا جاء غدٍ لأنه أوقع الطلاق أو العتق بعد غدٍ ولم يعين, فإذا جاء بعد كان الخيار إليه في تعين الطلاق أو العتق.
مسألة: قال: "فإن ماتتا أو إحداهما قبل أن يقر وقفنا له من كل واحدةٍ منهما ميراث زوج".
الفصل إذا ماتت إحداهما فيما ذكرنا من الصورة لم يتعين الطلاق في الأخرى, وقال أبو حنيفة: يتعين الطلاق في الأخرى لأنه لا يجوز أن يطلق بعد موتها وهذا غلط لأنه يملك تعيين الطلاق قبل موتها فكذلك بعد موتها كما لو طلقها بعينها ثم أشكلت, فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي رحمة الله تعالى عليه في الميراث إذا حصل الموت قبل البيان ثلاث مسائل إحداها: إذا ماتتا فلا فرق بين أن تموتا معًا أو تموت واحدة بعد واحدة فيوقف من تركة كل واحدةٍ منهما ميراث زوج, وقلنا له: بين ثن ينظر فإن كان الطلاق معينًا فالبيان أخبارٌ فإن قال: هذه المطلقة دون هذه نظر فإن صدقه الوارث في هذا ورثها وبانت الثانية, وإن كذبه الوارث وقال: بل طلقت الأخرى فالقول قوله مع يمينه, وإن كان الطلاق مبهمًا فمتى عينه في واحدة طلقت وورث الأخرى ولا اعتراض للوارث هاهنا لأن بيانه اختيار شهوةٍ فلا اعتراض لهم عليه لما صح إيقاعه بعد الموت ولا إشكال أنه لا يرث التي عين الطلاق فيها سواء قلنا: الطلاق من وقت الإيقاع أو من [55/ أ] وقت البيان لأن من قال: إنه من وقت البيان قال: تستند الفرقة إلى وقت الإيقاع, وإن لم يوجد حقيقته إلا بعد الموت وهذا هو الدليل على ضعف هذا القول

فإن الصحيح أنه قولٌ واحدٌ من وقت الإيقاع، وقال أبو حنيفة: رحمه الله: إذا ماتتا بطل التعيين وله نصف ميراث زوج من تركة كل واحدة منهما، وإن ماتت إحداهما تعين الطلاق في الحية على ما ذكرنا.
المسألة الثانية: إذا مات أولاً وبقيتا وقفنا من تركته ميراث زوجة ولكنا لا نقسمه بينهما لأن المستحق واحدة منهما، وإن لم يكن له وارث وقف حتى يصطلحا، وإن كان له وارث، وقال: لا أبين فكذلك نفقه حتى يصطلحا، وإن قال وارثه: أنا أبين الزوجة من غيرها هل يرجع في البيان إليه؟ الظاهر أنها على قولين وقيل: وجهان، فإذا قلنا: يرجع إليه قام مقام مورثه وإذا قلنا: لا يرجع إليه وقف حتى يصطلحا واختلف أصحابنا في موضع القولين فقال أبو إسحاق: سواء كان الطلاق معينًا أو مبهمًا فالكل على قولين.
وقال بعض أصحابنا: القولان إذا كان الطلاق معينًا فإن كان مبهمًا فلا بيان للوارث لأنه بيان اختيار وشهوٍة وهذا أصح، وقال القفال: إذا مات هو وهما حيان فالوارث لا يقوم مقامه قولًا واحدًا لأنه لا غرض له في ذلك وإنما القولان إذا ماتتا أو ماتت إحداهما قبله فيكون له في البيان غرض صحيح.
ولو قال لعبديه: أحدكما حرٌ ومات قبل التعيين والبيان فهل يقوم الوارث مقامه؟ قولان وإن كانا حيين لأن له غرضًا صحيحًا في تعيين أحد العبدين ما ليس في تعيين إحدى الزوجتين لتفاوت العبدين في القيمة والأغراض.
المسألة الثالثة: إذا ماتت واحدٌ ثم مات هو ثم ماتت الثانية والمسألة إذا كان الطلاق معينًا ثلاثًا فيرجع إلى الوارث [55/ ب] فإن قال: طلق التي ماتت أولًا دون التي بقيت ثم ماتت بعد موته فقد آثر على نفسه لأنه يقول: ما ورثها والدي بل ورثته الثانية، وإن قال: طلق التي ماتت آخرًا دون التي ماتت أولًا فقد أقر بأن والده ورث الأولى ولم ترثه الأخرى فإن صدقه الوارث فيما يقول فهو على ما ذكر، وإن لم يصدقه الوارث هل يقبل فيما أخبر؟ قولان منصوصان: أحدهما: يقبل قوله كما في القسم الأول والثاني: لا يقبل وهو الأصح لأنه يريد إحراز المال من الميته الأولى وحرمان الثانية من الميراث فهو متهم فيه.
فإذا قلنا: إنه يقبل قوله يحلف على العلم أنه ما طلق الأولى ويحلف على البت أنه طلق الأخرى ويحتاج إلى يمينين إذا كانت على فعل نفسه كانت على القطع نفيًا كانت أو إثباتًا، وإذا كانت على فعل غيره فإن كانت نفيًا فهي على العلم، وإن كانت إثباتًا فهي على البت والقطع، فإذا خلف كان لوالده الميراث من الأولى ولا ميراث للثانية من تركته، وإذا قلنا: لا يقبل قوله وقف له من الأولى ميراث زوج ووقف من تركته للثانية ميراث زوجة حتى يصطلحوا وهذا الحكم لو ماتت إحداهما ثم مات الزوج وبقيت الأخرى حيًة ولم تمت على ما ذكرنا حرفًا بحرفٍ.
فرع لو كان له أربع زوجات فقال: زوجتي طالق وقع على واحدٍة منهن وكان عليه

البيان، وحكي عن أحمد رحمه الله أنه قال: تطلق الأربعة وحكاه أصحابنا عن ابن عباس رضي الله عنه واحتجوا بأن لفظ الواحد في الإثبات قد يعبر به عن الجنس قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: 187]. وأراد ليالي الصيام وتقول العرب: درهمي لك وعبدي لك ويريدون [56/ أ] كل الدراهم والعبيد وهذا غلطٌ لأنه أوقع الطلاق على واحدة فلا يقع على الجماعة كما لو قال: إحدى نسائي طوالق، وأما ما ذكروه لا يصح لا يستعمل ذلك مجازًا والكلام يحمل على الحقيقة مهما أمكن.

باب ما يهدم الزوج من الطلاق

مسألة: قالَ الشافعيُّ رحمةُ اللهِ تعالى عليهِ: "لمّا كانتْ الطلقةُ الثالثةُ توجبُ التحريمَ كانتْ إصابةُ زوجةِ غيرهِ توجبُ التحليلَ".
الفصل إذا طلق امرأته طلقًة أو طلقتين وانقضت عدتها ثم تزوجت بزوج آخر وأصابها ثم طلقها ثم رجعت إلى الزوج الأول بنكاح جديد كانت عنده على ما بقى من الطلاق وبه قال عمر وعلي وأبو هريرة ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد وزفر ومحمد، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تعود إلى الزوج الأول بالطلاق الثلاث وقد هدم الزوج الثاني تلك الطلقة أو الطلقتين كما يهدم الطلاق الثلاث، واحتج الشافعي بأن هذه الإصابة لا تفتقر إليها الإباحية فلا تؤثر في الطلاق كإصابة المولي والوطء بالشبهة وبهذا فرق إذا كان قد طلقها ثلاثًا لأنها تفتقر إلى الإصابة فأثرت تلك الإصابة في الطلاق، وقد روي أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تزوج امرأًة ثم طلقها فتزوجت فطلقها زوجها ثم نكحت الآخر رجعت على ما بقى من الطلاق".
فرع قال ابن سريج: لو قال: لها متى أمرتك بأمر فخالفتيني فأنت طالق ثم قال: لا تكلمي أباك وأمك فخالفت وكلمتهما لم تطلق لأنها خالفت النهي لا الأمر وقال والدي رحمه الله: يحتمل أن يقال: تطلق لأن النهي عن الخروج من ذلك الموضع أمرٌ [56/ ب] بضده وهذا أقيس عندي لجريان العادة تسميته أمرًا.
فرع آخر قال في "الإملاء" لو قال لها: متى نهيتني عن منفعة أمي فأنت طالق فقالت له: لا تعطِ من مالي شيئًا لم يحنث لأنه لا يجوز أن يعطي أمه مالها، وإذا أعطاها لا يجوز أن تنتفع به.
فرع آخر لو قال لها: أنت طالق إن كلمت زيدًا وعمرًا وبكرًا مع خالدٍ، فإن أراد في بكر مع

خالد استئناف كلام كان شرط الطلاق كلام زيدٍ وعمرو دون بكر وخالد، فإذا كلمت زيدًا وعمرًا معًا أو على الانفراد طلقت، وإن كلمت أحدهما لم تطلق، وإن أراد بقوله: وبكرًا مع خالدٍ الشرط صار شرط الطلاق كلامهم كلهم فإن كلمتهم إلا واحدًا منهم لم تطلق لأنه جعل شرط الطلاق اجتماعهما في الكلام، وإن جمعت بين بكر وخالد في الكلام وفرقت بين زيد وعمرو في الكلام طلقت لأنه لم يجعل الجمع في زيد وعمرو شرطًا.
وإن قال ذلك من غير إرادة حمل ذكر بكر وخالد على الاستئناف دون الشرط لأن اختلافه في حكم الإعراب وخالف بينهما في حكم الشرط وهو نصب الأول ورفع الثاني.
وقال بعض أصحابنا: قوله: وفلان مع فلان يقتضي أن يكون كلاهما لفلان وفلان في الحال كون فلان مع فلان وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: 154]. وكانت هذه الجملة حالًا في الأولى كذلك هاهنا وهذا ليس بمشهور.
فرع آخر لو صرح وقال: إن كلمت هذين في حال كون فلان مع فلان أو أراد هذا بما تقدم من اللفظ نظر فإن كلمتهما وفلان لم يكن مع فلان لم تطلق، وإن كلمتهما وكان حين الكلام [57/ أ] فلان مع فلان وقع الطلاق.
فرع آخر لو قال: إن كلمت زيدًا وعمرًا فأنت طالق فقد علق الطلاق بكلامهما، فإن كلمتهما وقع الطلاق، وإن كلمت أحدهما لم يقع.
ولو قال: إن كلمت زيدًا أو عمرًا فأنت طالق فكلمت واحدًا منهما طلقت لأنه علق الطلاق بكلام كل واحد منهما.
فرع آخر لو قال: إن كلمت زيدًا أو عمرًا أو بكرًا فأنت طالق فكلمت أحدهم طلقت واحدةً على ما ذكرنا، وإن كلمتهم قال ابن سريج: تطلق ثلاثًا لأن كلام كل واحد منهم شرط يتعلق به الجزاء إذا انفرد فوجب أن يتعلق به الجزاء إذا اجتمع.
وقال صاحب "الحاوي": عندي أنها لا تطلق إلا واحدًة لأن الجزاء واحد علق بأحد ثلاثة شروط فوجب أن لا يتعلق بها إذا اجتمعت بها الأجزاء واحدة.
ولكن لو قال: إن كلمت زيدًا فأنت طالق، وإن كلمت عمرًا فأنت طالق، وإن كلمت بكرًا فأنت طالق ثلاثًا لأنها ثلاثة شروط علق بكل شرط منهما جزاءً منفردًا.

فرع آخر لو قال: أنت طالق لا كلمت زيدًا أو عمرًا وخالدًا فكلمتهم طلقت، وإن كلمت بعضهم لم تطلق.
ولو قال: أنت طالق لا كلمت زيدًا ولا كلمت عمرًا ولا خالدًا، فإن كلمت واحدًا منهم طلقت.
فرع آخر لو قال: لامرأتيه إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقان فدخلت كل واحدة منهما كل واحدة من الدارين طلقتا وإن دخلت إحداهما إحدى الدارين ودخلت الأخرى الدار الأخرى فيه وجهان، أحدهما: طلقتا لأن دخول الدارين موجود منهما.
والثاني: وهو الأصح لا تطلقان حتى تدخل كل واحدة منهما كل واحدة من الدارين لأنه لو أفرد طلاق كل واحدة منهما الدخول بدخول الدارين لم تطلق إلا بدخولهما معًا.
[57/ ب] وكذلك لو قال: إن ركبتما هاتين الدابتين فأنتما طالقان فركبت كل واحدة منهما كل واحدة من الدابتين، أو قال: إن أكلتما هذين الرغيفين فأنتما طالقان فأكلت كل واحدة أحد الرغيفين.
فرع آخر لو قال: إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الأخرى فأنت طالق لم تطلق إلا بدخولهما جميعًا لأنه علق الطلاق بدخولهما.
ولو قال: أنت طالق إن دخلت هذه الدار، وإن دخلت الأخرى فأيهما دخل وقع الطلاق.
وكذلك لو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، وإن دخلت الأخرى طلقت بدخول كل واحدة منهما ويفارق الأولى لأنه جعل الطلاق جوابًا لدخولهما.
فرع آخر قال ابن سريج: لو قال لعبده: إن لم أبعك اليوم فامرأتي طالق ثم أعتقه في الحال طلقت لأن معناه إن فاتني بيعه اليوم وبالعتق فاته البيع، ولو دبره لم تطلق لأن التدبير لا يمنعه من البيع ثم ينظر فإن باعه لم تطلق وإن لم يبعه طلقت.
فرع آخر لو كاتبه في الحال لم تطلق أيضًا في الحال لأنه يجوز أن ينفسخ فيجوز بيعه.
وإذا قلنا: إذا أعتقه طلقت في الحال في زمان طلاقها وجهان، أحدهما: طلقت عقيب عتقه.
والثاني: طلقت في آخر اليوم إذا ضاق عن وقت البيع لو كان بيعه ممكنًا.
فرع آخر لو قال: إن كنت أملك أكثر من مائة فأنت طالق وكان معه خمسون درهمًا فإن قال معناه لا أملك زيادًة على مائة لم يحنث لأنه صدق لأن الذي معه خمسون لا يملك

أكثر من هذه ولا أكثر من ألف، وإن قال: أردت أملك مائة ولا أملك زيادة عليها حنث، وإن طلق ولم يكن له نيةٌ فيه وجهان، أحدهما: يحنث [58/ أ] لأن معناه إثبات مائٍة معه ونفي ما زاد عليها، وعلى هذا لو ملك أكثر ولو قيراطًا طلقت.
فرع آخر لو قال: إن كنت أملك إلا مائة فأنت طالق، وكان يملك أقل من مائة يقع طلاقه، ومن أصحابنا من حكي فيه وجهين والأول أصح لأن إلا هاهنا مستثناة من نفيٍ فوجب أن يكون إثباتًا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غدٍ فإن جعل غدًا شرطًا في وقوع الطلاق عليها اليوم لم تطلق اليوم لأن الشرط لم يوجد.
وإذا جاء غدٍ لم تطلق أيضًا لأن الطلاق يقع عقيب وجود الشرط فلا تطلق بوجود الشرط قبل زمان وجوده ويخالف هذا إذا قال: أنت طالقٌ قبل وفاتي بشهر لأنه ما جعل موته شرطًا به يقع الطلاق، وإنما رتب الطلاق على هذا فمثاله هاهنا أن لو قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غدٍ وأنا صحيحٌ أو أنت من أهلي فإذا جاء غدٍ طلقت على ما رتب لأنه ما جعل غدًا شرطًا، وإنما رتب وقوعه على هذا الوجه.
فرع آخر.
لو قال: أنت طالق اليوم غدًا فإن قال: معناه تطلقين اليوم فإن من طلق اليوم فهي طالقٌ غدًا طلقت اليوم طلقة ولم تطلق غدًا شيئًا.
وإن قال: معناه تطلقين اليوم وتطلقين غدًا طلقت اليوم طلقًة وغدًا طلقًة.
وإن قال: معناه تطلقين اليوم أو غدًا طلقت مكانهما لأنه جعل كل واحد من اليومين محلًا لوقوع الطلاق مطلقة.
وإن قال: معناه اليوم تطلقين نصف طلقٍة وغدًا نصف طلقة أخرى طلقت اليوم طلقٍة وغدًا طلقة أخرى.
وإن قال: معناه نصف طلقٍة اليوم والنصف الباقي منها غدًا يقع في اليوم طلقة تكميلًا للطلقة الواقعة فيه وهل تطلق من غدٍ؟ وجهان [58/ ب] ذكرهما ابن سريج، أحدهما: لا تطلق لأن البعض الذي أوقعه في غده قد تكمل في يومه.
والثاني: تطلق لأن البعض الذي في يومه يكمل في الشرع لا بتقديم ما أخره فوجب أن يكون الذي في غده واقعًا بالإرادة لأن الأصل لا طلاق.
فرع آخر لو قال: طلقت هذه أو هذه وهذه، قال ابن سريج: تطلق الثانية وإحدى الأولتين فيلومه تعيينها لأنه شك فيهما وعطف الثالثة على المطلقة.

وقال أبو حامد: ينبغي أن تكون الثالثة أيضًا مشكوكًا في طلاقها لأنه عطفها على الشك ومن اختار قول ابن سريج أجاب عن هذا بأنه عدل عن لفظ الشك إلى واو العطف فينبغي أن ر يشاركهما في الشك ويكون معطوفًا على الجملة.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو تزوج رجل بجارية والده عند عدم الطول وخوف العنت وصح النكاح ثم قال لها: إذا مات أبي فأنت طالقٌ ثم مات أبوه فيه وجهان، قال ابن سريج وجماعة لا يقع الطلاق وينفسج النكاح بالملك لأنه التقى الفسخ والطلاق فلم يقع الطلاق.
وقال المزني: في "المنثور": لو قال لامرأته الأمة: إذا ملكتك فأنت طالقٌ في حال ملكي فملكها انفسخ النكاح ولا يقع الطلاق وهو اختيار القاضي الطبري.
وقال أبو حامد: عندي يقع الطلاق لأن صفة الطلاق موته والطلاق يقع عقيب الصفة، وأما الفسخ فلا يقع عقيب الملك فلا يلتقي زمان الطلاق مع زمان الفسخ فيقع الطلاق، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن النكاح لا يجتمع مع الملك لأن الملك ينافيه فيحصل الملك والبينونة في حالٍة واحدٍة وذلك عقيب الموت [59/ أ] من غير فصلٍ.
فرع آخر لو كانت المسألة بحالها ومات الأب وعليه دين يستغرق قيمتها فمذهب الشافعي أن الدين لا يمنع انتقال الملك إلى الورثة فيكون حكمه كما لو لم يكن عليه ففي الطلاق وجهان.
وقال الإصطخري: الدين يمنع انتقال الملك إلى الورثة فعلى هذا يقع الطلاق لأنه لم يملكها.
فرع آخر لو كان الدين لا يستغرق جميعها فقد انتقل الملك في الكل على مذهب الشافعي وفي البعض على قول الإصطخري فيكون الحكم كما لو لم يكن عليه دين لأن ملك البضع ينافي النكاح كملك الكل.
فرع آخر لو كانت المسألة بحالها فقال زوجها: إذا مات أبي فأنت طالق وقال أبوه: إذا مت أنا فأنت حرة فقد تعلق بموت والده طلاقها وعتقها، فإذا مات أبوه نظر فإن لم يكن عليه دين وخرجت من الثلث عتقت بموت أبيه ويقع الطلاق لأنه ما ملكها، وإن لم تخرج من الثلث عتق منها بقدر الثلث وملك الزوج ما بقى منها، وهل يقع الطلاق على ما مضى؟ قال عامة أصحابنا: لا يقع وهو ظاهر المذهب.
وقال أبو حامد: يقع، وإن أجاز الورثة فإن قلنا: الإجازة ابتداء عطية من جهة الورثة لم يقع الطلاق.
وإن قلنا إنها تنفيذ لما فعله الموروث وقع الطلاق، وإن كان عليه دين يحيط بالتركة لم تعتق لأنها لا

تخرج من الثلث ثم هو على قول الشافعي ملكها وهل يقع الطلاق على ما مضى؟ وعلى الإصطخري لم يملكها فيقع الطلاق، وإن كان الدين لا يحيط بالتركة فالحكم كما لو لم يكن دين، ولو كاتبها المولى ثم مات لم يقع الطلاق على قول ابن الحداد لأنه ينتقل ملكها إلى الورثة وينفسخ نكاحها.
فرع آخر لو قال: لامرأته [59/ ب] الأمة إذا أعتقك سيدك فأعتقها طلقت وكانت عدتها عدة الحراير وإن قال لها سيدها: إذا طلقك زوجك فأنت حرة فطلقها عتقت وفي عدتها قولان، أحدهما: عدة حرة.
والثاني: عدة أمٍة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن كلمت فلانًا إلى أن يقدم زيدٌ أو حتى يقدم زيد أو حتى يأذن زيد، قال ابن سريج: إن كلمته قبل قدوم زيد أو قبل إذنه وقع الطلاق لأن هذا التحديد يرجع إلى شرط دون الطلاق فيكون تقديره إن كلمته من الساعة إلى أن يقدم إن كلمته من الساعة إلى أن يقدم فلان فأنت طالق، وإن كلمته بعد قدومه أو إذنه لم تطلق لأن التحديد يصح دخوله في الشرط ولا يصح دخوله في الطلاق ألا ترى أنه يصح أن يقول: إن كلمت فلانًا على أن يقدم فلان فأنت طالق، لا يصح أن يقول: أنت طالق إلى أن يقدم فلان فإذا كان كذلك عاد إلى ما يصلح عوده إليه دون ما لا يصلح وعلى هذا لو قال: جعلت الغاية في قدوم عمرو حدًا للطلاق لا يصح لأن وقوع الطلاق يمنع تحديده إلى غاية.
فرع آخر لو قال: يا زانية أنت طالق ثلاثًا إن شاء الله يرجع الاستثناء إلى الطلاق ويكون قاذفًا لأن يازانية اسم مشتق من فعل لا يصح دخول الاستثناء فيه لأنه يصح أن يقول: أنت طالق ثلاثًا إن شاء الله ولا يصح أن يقول: يا زانية إن شاء الله وهكذا لو قلب الكلام فقال: أنت طالق ثلاثًا يا زانية إن شاء الله رجع إلى الطلاق دون القذف.
وقال محمد: يرجع إليهما لأنه لا يصح رجوعه إلى الأبعد دون الأقرب وهذا فاسدٌ بما ذكرنا أن الأسماء المشتقة من الأفعال والصفات لا يصح دخول الاستثناء فيها [60/ أ].
فرع آخر لو قال: يا طالق أنت طالق ثلاثًا بقوله يا طالق وعاد الاستثناء إلى قوله أنت طالق ثلاثًا لأن الاستثناء يعود إلى ما أوقع لا إلى الأسماء المشتقة.
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا يا طالق إن شاء الله فكذلك أيضًا.
وقال محمد: يعود الاستثناء إليهما معًا فلا تطلق.
فرع آخر قال ابن سريج: لو كانت له زوجتان حفصة وعمرة فقال: يا حفظة فأجابته عمرة فقال: أنت طالق فإن قال: قدرتها حفصة ولم أعلم أن عمرة أجابتني طلقت عمرة في

الحكم لأنه خاطبها بالطلاق فقال: أنت طالق ولا تطلق فيما بينه وبين الله تعالى، وأما حفصة فإنها تطلق بإقراره في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا آخر أنه يقع الطلاق على حفصة خاصة لأنه يحتمل أن يكون أوقع الطلاق التي ناداها دون التي أجابته، وكذلك إن قال: أنا أردت بقولي أنت طالق حفصة وعلمت أن التي أجابتني عمرة طلقت عمرة بظاهر الخطاب في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى على ما أراد وتطلق حفصة بإقراره في الظاهر والباطن، وإن أشار إلى عمرة وقال لها: أنت طالق يا حفصة ولم يشر إلى حفصة فإن عمرة تطلق بالإشارة إليها ولا تطلق حفصة، وإن قال: أنا قدرت أن المشار إليها هي حفصة وإن قال: أنا قصدت أن أطلق حفصة ظاهرًا وباطنًا وطلقت عمرة في الحكم وهذا لأن التسمية تسقط مع الإشارة إلى العين، ولهذا لو أشار إلى امرأةٍ أجنبية فقال لها: أنت طالق يا حفصة ظنها زوجته حفصة لم يقع الطلاق على حفصة لأنه ما أشار الطلاق إليها ولا أرسله نحوها.
فرع آخر لو أرى أجنبية في الطريق [60/ ب] فقال: حفصة طالق ولم يشر إليها تطلق زوجته لأنه قد سماها وأوقع الطلاق عليها، ولو قال: إنما أردت هذه الأجنبية بالطلاق دون زوجتي لا يقبل قوله، وقال في "الحاوي": لو رأى أجنبية فظنها زوجته عمرة فقال لها: أنت طالق وأشار إليها لم يقع على زوجته، ولو سمى فقال: يا عمرة وأشار إلى الأجنبية أنت طالق ولم يعلم أنها أجنبية طلقت زوجته عمرة في الظاهر للتسمية وكان في الباطن مدينًا لأجل الإشارة.
فرع آخر لو قال لها: إن تظاهرت منك فأنت طالق مني ثلاثًا قبل ظهاري منك فظاهر منها وقع الظاهر ولزمته الكفارة بالعود ولم يقع الطلاق لأن الطلاق معلق بشرط لا يمكن تصحيحه بحال لأنا متى ألزمناه الطلاق بطل الظهار وفي بطلان الطهار بطلان الطلاق ويقع المسألة في دورٍ.
فرع آخر قال ابن الحداد: إذا قال لامرأته: إن اشتريتك فأنت طالق ثلاثًا وقال لها سيدها: إن بعتك فأنت حرة فاشتراها منه عتقت وطلقت ثلاثًا، لوجود الصفتين، قال أصحابنا: أما العتق فيقع على جميع الأحوال في انتقال الملك في مدة الخيار لأنه يتعقب العقد خيار المجلس فله إيقاع العتق فيه لأنه يملك فيه لأنه يملك فيه فسخ البيع، وأما الطلاق فإنما يقع إذا قلنا: الخيار يمنع انتقال الملك أو قلنا: إنه مراعى، فأما إذا قلنا: الخيار

لا يمنع انتقال يجب أن ينفسخ بالملك ولا يقع الطلاق ويجيء هاهنا ما ذكره أبو حامدٍ إذا علق طلاقها بموت أبيه وكان أبوه مالكها أن الطلاق يقع لأن الملك يحصل عقيب الشراء والفسخ يترتب عليه والطلاق يقع عقيب الشراء قال ابن الحداد: وقد نصَّ الشافعي على أن الحرَّ إذا اشترى امرأته الأمة فلن يتفرق والبائع حتى طلقها ثلاثًا فإن تم الشراء [61/ أ] فلا طلاق لأنه يستدل على أن طلاقه صادف أمته لا امرأته، وإن لم يتم الشراء عمل طلاقه وحرمت عليه وهذا على القول الذي يقول: الملك موقوف مراعى.
فرع آخر قال ابن سريج: لو طلق امرأته ثلاثًا فتزوجت صبيًا مرضعًا فأرضعته خمس رضعاتٍ في الحولين حرمت عليه وانفسخ نكاحها، ثم أنها تزوجت بزوج آخر ودخل بها وطلقها أو مات عنها فإنها لا تحل للزوج الأول لأنها أرضعت زوجها الصغير فصارت من حلائل أبنائه فحرمت على الآباء.
فرع آخر قال: كان رجلٌ ببلخ فقالت له امرأته: اصبغ ثيابي يكن لك فيه أجرٌ، فقال الرجل: إن كان لي فيه أجر فأنت طالق ثلاثًا فقالت المرأة: هذه المسألة وقعت ببلخ فاستُفتي فيها إبراهيم بن يوسف العالم فقال: إن كان إبراهيم بن يوسف عالمًا فأنت طالق فاستفتي إبراهيم فقال: لا يحنث في اليمين الأولى لأنه مباح ولا أجر في المباح، ويحنث في اليمين الثانية لأن الناس يُسمونني عالمًا واليمين تقع على عرف الناس.
وقال بعض أصحابنا: يحنث في اليمين الأولى إن قصد بذلك برًا لأن الرجل قد يؤجر في المباح واللعب مع امرأته وجاريته وفي جماعهما إذا قصد به تعففهما وتطيب قلبهما، وإن كان مباحًا وهذا صحيح ظاهر.
فرع آخر لو أن رجلين كانا على سلم أحدهما على أول الدرج من السلم والآخر على الدرجة العليا منه فقال الذي هو على الدرجة العليا منها للذي على الدرجة السفلى: إن نزلت منها قبل أن تصعد فامرأتي طالق، وقال الآخر: وأنا وإن صعدت إليك قبل أن تنزل إليَّ فامرأتي طالق فرفع السلم كما هو وهما عليه فوضع على الأرض أو حول فجعل أعلاه أسفله فقد خرجا جميعًا من اليمين [61/ ب] بانتقالهما عن الحال علقا الطلاق عليها.
فرع آخر قال: لو قال لها وهي حامل: إن ألقيت ما في بطنك فأنت طالق فألفته نظر فإن كان ذلك مخلوق الولد وقد مضى عليه أكثر من أربعين يومًا لم يقع الطلاق، وإن أسقطت

في أربعين يومًا من أول العلوق طلقت، وإنما فرقنا بين الحالتين لما ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أهل الخبرة إن الولد إنما يكون في الرحم أربعين يومًا ثم يخرج بعد ذلك إلى البطن.
فرع آخر قال: لو قال لها: إن لم تصومي يوم الجمعة فأنت طالق، أو إم لم تصلي غدًا ركعتين فأنت طالق فحاضت قبل أن يمكنها الصلاة أو وافق يوم طهرها يوم النحر أو يوم الحيض فتركت الصوم والصلاة طلقت إن شاء الله لأنه لا صلاة لها مع الحيض ولا صوم أيضًا في يوم النحر ويوم الحيض، ولو قال لها إن لم تصومي يوم النحر، أو إن لم تصلي في وقت الحيض فأنت طالق فصامت يوم النحر أو صلت في حيضها لم تطلق، والفرق أن الكلام إذا أطلق وأرسل إرسالًا يحمل على الصحة والسلامة، وإذا عين واستقصى في الوصف والشرط كان على ما شرط ووصف صحيحًا كان أو فاسدًا ونظيره ما ذكرنا لو قال لها: إن لم تبيعي هذا الحر فأنت طالق فباعته لم تطلق، وإن كان البيع فاسدًا، ولو قال: إن بعت مالك فأنت طالق فباعت حرًا لم تطلق.
وقال بعض أصحابنا في المسألة الأولى: إذا قلنا: لا يقع الطلاق عند عدم الاختيار لا يقع هاهنا أيضًا وهو الصحيح عندي.
فرع آخر قال لو قال لها: أنت طالق إن سألتيني الخلع إن لم اختلغك فقالت: وأمتي حرة إن لم أسألك ذلك قبل الليل، فإن سألته الخلع فقال الزوج: خالعتك على ألفُ تعطينها فقالت [62/ أ] لا أقبل بَرَّ كلٌّ منهما ولم يحنث.
فرع آخر قال لو قالت له امرأته: يا أحمق فقال لها إن كنتُ أحمق فأنت طالق فإن لم يرد بطلاقه إياها نظر في أموره وأحواله في مثل سنه وصناعته، فإن وجد في ذلك ناقصًا في مراتب أمثاله نقصًا بلا مرض ولا سبب من سُكر أو غيره علم أنه أحمق فيقع الطلاق وإلا فلا يقع.
فرع آخر قال لو قالت له امرأته: ما أنت إلا غوغا فقال الرجل: إن كنت غوغا فأنت طالق فإن أراد الشرط دون المجازاة لقولها فإن كان الرجل يجتمع مع المفسدين والذين يمخرقون على العامة في الأسواق ويجنباهم الناس ولا بغية له من يقع أو دفع ضره طلقت، وإن كان بخلاف ذلك (لم) تطلق.

فرع آخر لو قال لها: أنت طالق إن أحببت دخول النار فقالت: أحببتُ دخولها فيه وجهان، أحدهما: لا يقع ولا يقبل قولها لأنه يكذبها العادة الظاهرة فإن أحدًا من العقلاء لا يرضي بها ويحب ذلك.
والثاني: يقع ويقبل قولها لأن المحبة معني يوجد في قلبها وهى أعلم بالحال فقد تحب ذلك، إما لضعف رأيها أو بلوغها الطريقة التي يسلكها بعض الصوفية فإن أحوالهم على ما يقال: تبلغ إلى حد يحبون دخول النار بدلًا من المعاتبة والمحاسبة وفي الكفرة من يرضي ذلك جزعًا على نفسه وفي الناس من يلقى نفسه في النار لدفع مضرة هي أعظم من ذلك وقد يلقى نفسه فيها لئلا ينتقم منه عدوه.
فرع آخر لو قال لها: إن لم تُعرّفيني عدد الجوز الذي في هذا البيت فأنت طالق فإن المخلص من ذلك أن تذكر عددًا يتيقن [62/ ب] أنه أكثر من عدد ذلك الجوز ولم تطلق لأنه حينئذٍ قد عرفته عدده وما زاد عليه من العدد لغو، وكذلك، لو قال: إن لم تعرفيني عدد حب هذه الرمانة قبل كسرها فأنت طالق فإنها تخبره بعدد حتى يتيقن الزيادة على ما يحتمل من العدد.
فرع آخر قال المزني في المنثور: لو قال لها: أنت طالق ثلاثًا ثم قال لامرأة أخرى: أنت شريكتها في هذا الطلاق ثم قال لامرأةٍ له أخرى وأنت شريكتها في هذا الطلاق فقال الشافعي: تطلق الأولى منهن ثلاثًا والثانية اثنتين والثالثة واحدة.
قال المزني: وعندي تطلق كل واحدة منهن ثلاثًا وذلك أنه جعلهن كلهن مشتركات فيما أوقع من الطلقات بينهن لكل واحدة ثلثها فنجزأها فتكون واحدة.
فرع آخر قال المزني في (المنثور): لو قال لها: إذا قدم أبوك فأنت طالق فقالت له: لم تؤخرها عجلها لي الساعة فقال: عجلتها لك يريد بذلك الطلقة التي عقدها بقدوم أبيها القياسُ عندي وبالله التوفيق إن الطلقة قد انعقدت مؤخرة فلا يجوز أن يكون أبدًا في عينها عجلة وقد شرحنا نظير هذه المسألة قبل هذا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق في مجيء ثلاثة أيام وقع الطلاق عليها إذا طلع الفجر من اليوم الثالث، ولو قال في مضى ثلاثة أيام فإنها تطلق إذا مضت ثلاثة أيام فإن كان قال: بالليل طلقت إذا غربت الشمس من اليوم الثالث: وإن كان قال ذلك بالنهار طلقت حتى يصير إلى مثل ذلك الوقت من اليوم الرابع.

فرع آخر قال في (البويطي) لو قال: أنت طالق في مكة أو بكة أو في الدار أو في البحر فهي طالق [63/ أ] ساعة تكلم به إلا أن يكون نوى إذا كنت بمكة أو في الدار وهذا يدل على أنه إذا نوى ذلك يقبل منه في الحكم أيضًا لأنه محتمل وهذا لأن المطلقة بغير مكة يكون مطلقة بمكة وكذلك إذا قال: أنت طالق في الظل وهما في الشمس، وقال في (الحاوي): إن أراد كونها بمكة دونه أو كونه بمكة دونها روعي ذلك، وإن لم يكن له إرادة روعي حُصولها بمكة دونه لأنه هو الأظهر من الكلام فإذا حصلت بمكة طلقت سواء كان الزوج بها أم لا، فإن لم يكن في مكة لا يقع الطلاق وما قاله (البويطي) لا يصح لأنه يسقط فائدة التخصيص ويبطل بقوله: أنت طالق في غد فإنها لا تطلق في مجيء غدٍ، وإن كانت المطلقة في اليوم مطلقة في غدٍ.
فرع آخر قال ابن سريج بعد ما حكي عن البويطي ما ذكرنا لو قال لها: أنت طالق في الشتاء وهما في الصيف لا يقع الطلاق إلا إذا دخل الشتاء لأن هذا يذكر للشرط.
فرع آخر لو قال: إن كلمتني فأنت طالق وقالت: إن كلمتني فعبدي حر طلقت ولم يعتق عبدها لأنها كلمته.
فرع آخر لو قال لهما: إن ضربت زيدًا فأنت طالق فضربته على ثوبه فأن أحس بالضرب من تحت الثوب طلقت سواًء آلمه أو لم يؤلمه، وإن لم يحس بالضرب لم تطلق.
فرع آخر لو قال لها: إن ضربتك فأنت طالق فعضها أو قطع شعرها قال ابن سريج: لا يحنث لأن هذا ليس بضرب، وحكي عن المزني أنه قال: أنا واقف في هذا لأني إن قلنا: لا يقع على البعض اسم الضرب احتملته اللغة، وإنما أتوقف لأنه لا بد من ضربٍ بالأسنان وأنه يحصل به بالإيلام.
فرع آخر لو قال لها: أنت طالق قبل قدوم فلان بشهر [63/ ب] فقد ذكرنا أنه إذا قدم بعد شهر ولحظة تسنا أن الطلاق وقع عقيب عقد الصفة، فإن عقد هذه الصفة ثم خالفها ثم قدم زيد بعد شهر ولحظة تبينا أن الطلاق وقع قبل عقد الخلع، فإن كان الطلاق ثلاثًا

جارٍ التحميل