غلطت في الحساب واتفقا أنه لم يكن هناك ولا سبب يوجب الآخر أكثر من النصف وكان بينهما من قبل نصفين ودلت المشاهدة على أن هذا يوجب أن لا ترد دعواه؛ إذ لا يؤاخذ كذبه المشاهدة فيستوي حكم الفصلين أن عليه البينة وعلى صاحبه اليمين, وإن كانا نصبًا قاسمًا ففيه قولان: أحدهما: يعتبر التراضي فيها في الابتداء فقط والثاني يعتبر التراضي في الابتداء وبعد خروج القرعة وهما مبينان على أنهما لو حكما رجلًا فحكم بينهما هل يعتبر رضاهما بعد الحكم؟ قولان؛ والمنصوص الظاهر أنه يعتبر التراضي بعد القرعة, فإن قلنا: يفتقر التراضي في الابتداء أو بعد خروج القرعة لم تقبل الدعوى لأنه رضي بعد تعيين الحق بأخذه ناقصًا, وإن قلنا يفتقر إلى التراضي في الابتداء فقط فهي بمنزلة قسمة الإجبار.
فرع
قال الشافعي رضي الله عنه: وإذا اختلفا في الحد الذي ينتهي نصيب كل واحد منهما فقال أحدهما: تنتهي حصتك إلى هذا الموضع, وقال الآخر: تنتهي إلى موضع بعده فإنهما يتحالفان, فإذا تحالفا انفسخت القسمة, وإن قال أحدهما لصاحبه: حدي ينتهي إلى الموضع الفلاني وأنت غصبتنيه وأضفته إلى حصتك فالقول قول الذي في يده لأنه اعترف له باليد وادعى الغضب.
مسألة: قال: "وإذا استحق بعض المقسوم أو لحق الميت دين فبيع بعضها انتقض القسم".
صورة المسألة: أن يقسم الشريكان الأرض ثم استحق بعض نصيب أحدهما فلا يخلو إما أن يستحق شيء بعينه, أو مشاعًا, فإن استحق قطعة من نصيب أحدهما بعينه بطلت القسمة وردت على ملكهم وميز ملكهم, والذي استحق يكون من جميع الأرض.
والثاني: يكون بين الشريكين ويكون قد بقي لمن استحق بعض نصيبه حقًا في الأرض التي حصلت بالشركة فصارت الإشاعة كما كانت فبطلت القسمة اللهم إلا أن يستحق قطعة أرض بعينها مثل ما استحق من نصيب الآخر قطعة بعينها فبقي مع كل واحد منهما مثل ما بقى مع الآخر فتكون القسمة بحالها.
وإن استحق بعض الأرض مشاعًا فالقسمة قد بطلت في العدد المستحق, وهل تبطل في الباقي؟ اختلف أصحابنا فيه فقال ابن أبي هريرة: هذا مبني على القولين في تفريق الصفقة, فإن قلنا: لا تفرق بطلت القسمة في الكل, وإن قلنا: تفرق لم تبطل في الباقي, وقال أبو إسحاق تبطل قولًا واحدًا في الكل لأن القصد من القسمة تمييز الحقوق وهنا قد عادت الإشاعة في نصيبهما لأن المستحق صار شريكًا لكل واحد منهما فبطلت القسمة ويفارق البيع لأنه لما جاز عقد البيع في الابتداء بالتراضي جاز
استدامته بعد ذلك بالتراضي وهذه الطريقة أصح, وهكذا لو بان أنه كان أوصى بعين من الأعيان واحتمله الثلث فأدخلت في القسمة لأنه كالمستحق.
وأما إذا ظهر دين على الميت بعد قسمة الورثة التركة قبل للورثة: إن شئتم قضيتم الديون من مالكم فتبقى القسمة بينكم, وإن شئتم بعتم من التركة بمقدار الدين, فإن اختاروا بيع التركة نظر ف'ن استغرق جميع التركة انتقضت القسمة بالبيع، وإن استغرق بيع بمقداره وتبطل القسمة ويقسم بين الورثة والمشتري على قدر حقوقهم, ومن أصحابنا من قال: هذا مبني على أن الوارث إذا بع التركة تعلق بها دين يستغرقها هل يصح البيع؟ فيه وجهان: وقيل قولان, فإذا قلنا: البيع صحيح فالقسمة أيضًا صحيحة, وإذا قلنا: لا يصح البيع فإن قلنا القسمة إفراز حق يصح, وإن قلنا إنها بيع لا يصح فإن قلنا: يصح فإنما يصح بشرط أن يقضي الورثة الدين, فإن لم يقضوا انتقضت القسمة وبيعت الأرض في الدين, وإن كان أوصى بشيء غير معين مثل ألف درهم ونحو ذلك فهو كما لو ظهر دين على ما ذكرنا.
فرع
لو مات رجل ولا دين عليه فلحقه دين حادث بسبب بئر حفرها فتردى فيها حيوان وغير ذلك من الأسباب, فالدين الحادث بعد القسمة كالدين القديم الظاهر بعد القسمة, فإن أدوه استقرت القسمة, وإن أبوا أنقضنا القسمة.
فإن قال قائل: قضاء الدين واجب من المال الذي خلفه كذلك الوصية فما معنى قول الشافعي رضي الله عنه: ويقال لهم في الدين بالوصية إن تطوعتم أن تعطوا أهل الدين والوصية أنقذنا القسمة, قلنا: قضاؤهما واجبان لكن من غير التركة لا من مال الورثة, فإن طابت أنفسهم بقضائها من مالهم جاز أن يسمى مثل هذا تطوعًا وإن العوض يصل إليهم من الميراث.
مسألة: قال: ولا يقسم صنف من المال مع غيره.
فصل
صورة المسألة: أن يكون بين رجلين أرض مختلفة بعضها فيه نخل وبعضها فيه بئر نصفها يشرب بالنضح ونصفها بالسيح وبعضها بالبعل فطلب منه أن يقسم أعيانًا وجعل لكل واحد منهما جنسًا منفردًا فلا يجبر على هذه القسمة بل يقسم كل جنس منفردًا كما قلنا في الدور المفترقة لا تقسم أعيانًا, ولكن تقسم كل واحدة على الانفراد, وقد ذكرنا الخلاف عن مالك وأبي يوسف ومحمد, وحكي عن مالك أنه قال: إذا اتصلت جمعت في قسمة الإجبار مع اختلافها, وإن افترقت لا تجمع, لأنها إذا اتصلت معًا وبها منفعتها ولا يعتبر المحال والمحلة, وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله مثل قولنا إلا أنه
قال: إذا كانت إحداهما حجرة الأخرى يجوز أن يجعل إحداهما في أحد النصيبين لأنهما يجريان مجرى الدار الواحدة, ودليلنا أن أثمانها متباينة ومنافعها مختلفة فلا يجوز أن يجمع في حق واحد, وأما تقارب المنفعة فلا معنى له كما لو كانتا متفرقتين وربما تتقارب منفعتها أيضًا, وأما ما ذكر أبو حنيفة لا يصح لأن الحجرة مسكن منفرد عن الدار فأشبه الدار المجاورة فإن تراضيا على ذلك جاز ويكون ذلك بمنزلة التتابع, ومراد الشافعي لا تقسم جبرًا, قال أبو إسحاق: أراد الشافعي بهذا إذا كانت في مواضع متفرقة كل نوع منه يقسم بانفراده, فإن كانت في موضع واحد يتصل بعضها ببعض يجوز أن يقسم الجميع قسمة واحدة ويجبر الممتنع عليها إذا لم يكن فيها كما لو كان قراح أحد طرفيه أكثر قيمة من الطرف الآخر بعماوة فيه يقسم الجميع قسمة واحدة ويجبر الممتنع عليها إذا لم يكن فيها رد, وكما لو كانت في الدار رواق وخزائن وصفة فإنها تقسم, وإن كان بعض أجزائها أرفع من بعض ذكره القاضي الطبري وقال ابن القاص وقد قيل: لا يجبر لأن قيمتها متقاربة وهذا أشبه بقول الشافعي رضي الله عنه.
فرع
لو كان بينهما دكاكين فالحكم على ما ذكرنا في الدور, ولو كانت بينهما عضائد صغار وهي الدكاكين الصغار التي لا يمكن قسمة كل واحد منها فطلب أحد الشريكين قسمة بعضها في بعض فيه وجهان:
أحدهما: يجبر عليه لأنها تجري مجرى البيوت في الخان الواحد يقسم ويجمع حق كل واحد منهما في بيت منفرد.
والثاني: لا يجبر عليه بل يقسم كل واحد منها لانفراد كل واحد منهما بطريقة وسكناه كالدكاكين المتفرقة, وقد ذكرنا أن البعل النخل إذا أرسخ عروقها في الماء والطري ما سقي العواثير من ماء السبيل والنضح ماء البئر الذي يستقي السوابي وقوله: والأعين: يريد ما يشرب مما ينبع من الماء, والأرض بدون الانقطاع يريد به ما يشرب من النهر الكبير مثل دجلة والفرات واعتبر باختلاف الشروب عن تفرق مواضعها.
مسألة: قال: وتقسم الأرضون والثياب والطعام.
الفصل
أما الأرضون قد ذكرناها وجملة المذهب فيها أن كل أرض تساوت أجزاؤها في القيمة, أو اختلفت أجزاؤها في القيمة إلا أنه يمكن تعديلها وقيل: الضياع المزرعة والمغروسة تقسم ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يتصل بعضها ببعض ويتماثل في المنفعة
والثمر والمؤنة فيضم بعضها إلى بعض ويقسم جبرًا كالصفة الواحدة, والثاني: أن يفترق ولا يضم بعضها إلى بعض بل يجبر على قسمة كل ضيعة منها, والثالث: أن يتصل ويختلف إما في منفعة بأن يكون في بعضها شجر وبعضها مزروعًا وبعضها كرمًا أو نخلًا, أو يختلف في مؤنة بعضها بشرب من نهر وبعضها بنضح, أو يختلف في نفاسة بعضها فقد ذكرنا أن الشافعي رضي الله عنه قال: لا يضم بعضها إلى بعض بل يجبر على قسمة كل صنف.
وأما العقار المسكون ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدهما: لا يدخله قسمة الإجبار مع تمييزه وهي أن يكون بين الشريكين دارًا فيدعو أحدهما: إلى أن يجعل كل دار لأحدهما: فلا يجبره.
والثاني: ما تدخله قسمة الإجبار مع تمييزه وهي أن تكون قرية ذات مسكن بين شريكين فدعا أحدهما: إلى أن يقسم جميع القرية, ودعا الآخر إلى أن يقسم كل مسكن منها فقسمة الإجبار واقعة على جميع القرية فتنقسم نصفين بما اشتمل عليه من مساكنه لأن القرية حاوية لمساكنها كالدار الجامعة للبيوت, وفي الدار لا يقسم كل بيت كذلك هنا.
والثالث: ما اختلف فيه هو أن يكون بينهما عضائد متصلة وقد ذكرنا حكمها, وأما الثياب قال أبو إسحاق: إن كانت من جنس واحد يجبر على قسمتها, وإن كانت من أجناس فطلب القسم على أن يقع نصيب كل واحد منهما أحد الثوبين لم يجبر الممتنع, وإن طلب قسمة كل جنس بينهم أجبر الممتنع, قال: وكذلك لو كان بينهما ثوبان من جنس وصفة واحدة فطلب أحدهما: القسمة على أن يقع في نصيب كل واحد منهما أحد الثوبين أجبر الآخر عليه فإن قيل: فقد منعت ذلك في الدارين والأرضين المتفرقتين فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن قسمة الثوب الواحد وقطعه يؤدي إلى إذهاب منفعته وإتلاف ثمنه وليس كذلك قسمة الدار الواحدة والأرض الواحدة فإنه لا ضرر فيها فافترقا, قال أبو إسحاق: فإن كان ثوبًا واحدًا لا تنقص قيمته بالقطع [12/ 42 ب] فإنه يقسم بينهما نصفين جبرًا وإن كان ينقص لا يجبر هذا ظاهر قول الشافعي رضي الله عنه, واختاره ابن سريج والاصطخري وجماعة وقال أبو سلمة: من أصحابنا يجبر بكل حال لأن الثياب لا تنقسم نصفين بخلاف الدور, وقال ابن خيران وابن أبي هريرة: لا يجبر على قسمة الأثواب أصلًا لأنها بمنزلة الدور والأرضين المتفرقة فلا تقسم أعيانًا ولأن في قسمة الثوب الواحد ضررًا وقسمة الثياب على أن يكون لكل واحد ثوب ينفرد به مبادلة, ولا يجبر على واحد منهما.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كان لا تنقص قيمته بالقطع فيه وجهان: وظاهر المذهب أنه يجبر, وهذان الوجهان مبنيان على ما لو باع ذراعًا من كرباس وعينه جانب منه على أن يقطعه من ذلك الموضع هل يجوز؟ فيه وجهان وإن كان ينقص لم يجبر بحال.
والثوب الواحد إذا اختلف فيه لاختلاف نقوشه وألوانه لا يجبر على قسمته بلا خلاف.
وأما الطعام فعلى ضربين: مائع وجامد, فالجامد مثل الحنطة والعدس والحمص وغير ذلك يجبر على قسمتها لأن أجزائها متعادلة, وإذا قسم كيلًا كما يباع كيلًا ولا يضم نوع منها إلى نوع قولًا واحدًا.
وأما المائع فإن لم يكن دخله ماء ولا نار قسم جبرًا كخل الخمر والأدهان لتساوي أجزائها, وإن دخلته النار نظر, فإن دخلته للتصفية لا لعقد الإجزاء مثل العسل والسمن ونحو ذلك جازت قسمته, وإن دخلته النار لعقد الإجزاء كالدبس ونحوه فإن قلنا: القسمة بيع لم يجز كما لا يجوز بيع بعضه ببعض, وإن قلنا: إفراز حق يجوز.
وأما قسمة الحيوان والعبيد وغيرها فالخلاف فيها كالخلاف في الثياب, ونص الشافعي على جواز قسمة الرقيق في كتاب العتق فيقول: إن تفاضلوا لا يجبر, وإن تماثلوا ففيه وجهان: ظاهر المذهب أنه يجبر وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق, وقال ابن أبي هريرة وابن خيران: لا يجبر وأصل هذا حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه في إعتاق المماليك في مرضه فأقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فجعله ابن سريج دليلًا على قسمة الإجبار, وحمله ابن خيران على جوازه في العتق لاختصاصه بالجبرية فلا يجوز في غيرها, قال ابن خيران: وإن قال قائل: أليس تجب شاة في أربعين شاة فيؤخذ منها وذلك قسمة قلنا: ذاك ليس بقسمة, ولذلك يجوز أن يؤخذ من غيرها ويجب في الكبار جذعة من الضأن أو ثنية من المعز فدل أنه ليس بشركة ولا أخذها بقسمة, وبقولنا قال أبو يوسف ومحمد: إن الحيوان كلها تقسم, وقال أبو حنيفة: الرقيق لا يقسم لأنه تختلف منافعه ويقصد منها العقل والدين والفطنة ولا يقع التعديل بخلاف الشاة والبقر وهذا لا يصح لأن القيمة تجمع ذلك ويحصل التعديل, ولو اختلفت منافعها باختلاف أنواعها كالضأن والمعز يقسم كل نوع على الانفراد بلا تعيين وكذلك إذا كان بعض المعز تركيًا وبعضها هنديًا لا يقسم جبرًا, واعلم أن الشافعي رضي الله عنه أجاز قسمة الكلاب كما أجاز الوصية بها فمن أصحابنا من أجاز قسمتها إجبارًا وجهًا واحدًا للنص عليه وأنها بخروجها عن القيمة تجري مجرى ذوات الأمثال وقيل: فيه وجهان أيضًا وجعل هذا النص دليلًا على أنه أصحها, وأما الآلات من الخشب كالأبواب والأواني فكالحيوان إن اختلفت لا يجبر, وإن تماثلت فيه وجهان.
وأما قسمة الحمامات والأرجاء ليأخذ كل واحد منهما واحدًا, قال ابن القاص: من أصحابنا من قال: لا يجوز لأن قسمة كل واحد منها في نصيبه لا يصح فجازت قسمة حملتها كالحيوان, ثم ذكر عن ابن سريج أنه كان يفرق بينهما ويقول: الأصل البقاع والرحى والحمام بقعة وإنما لا يتهيأ قسمتها للجارة ونحو ذلك, فإذا كان كذلك كان
معنى القسمة التي فيها الرد فلم تجز إلا بالتراضي, وليس كذلك الحيوان لأن كل واحد منهما لا ينقسم وبنا ضرورة إلى إفراز حقوقهم فجاز إذا كثروا أن يقتسموا إجبارًا وهو كالوجهين في الدكاكين الضيقة.
وأما الدراهم والدنانير [12/ 44 أ] وسائر الموزونات التي لها مثل يجوز قسمتها جبرًا ولا يجوز قسمة الجواهر لتفاوتها وتباين قيمتها, وهل يعتبر التقابض قبل التفرق في قسمة الدراهم؟ قولان بناء على أنها بيع أو إفراز حق.
ولو كانت حنطة بعضها عراقية, وبعضها شامية, فإن اختلفت فيه أنواعه يصير إلى كل نوع كالجنس يقسم على انفراد, وإنما تماثل قيمة أنواعه فيه وجهان: أحدهما: يغلب حكم الجنس لتماثله فيجوز أن يقع الإجبار في إفراد كل واحد نوع, والثاني يغلب حكم النوع لامتيازه فيقسم كل نوع على انفراده وهذا أشبه, وأما الحديد يقسم جبرًا إن لم يكن مصنوعًا, فإن كان مصنوعًا أو أواني فإن اختلفت لا يجبر, وإن تماثلت فوجهان كما ذكرنا في الحيوان.
أما قسمة الدين, فإن كان على غريم واحد فقسمته فسخ الشركة, فإذا فسخت انقسم الدين في ذمة الغريم ويجوز أن ينفرد باقتضائه, ولو كانت الشركة على حالها لم يجز لأحدهما: أن ينفرد بقبض حقه منه وكان ما قبضه مشتركًا إن يقبضه عن غير إذنهم, وإن أذنوا في قبض حقه كان إذنهم له في قبض حقه فسخًا لشركته ولا وجه لمن خرجه على القولين في المكاتب إذا أدى إلى أحد الشريكين بإذن شريكه هل نختص فيه قولان لأن الفرق ظاهر وهو ثبوت الحجر على المكاتب وعدمه في حق الغريم [12/ 44 ب].
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان وليس بشيء على ما ذكرنا, وإن كان الدين على غرماء يختص كل واحد بما على واحد لم يجز جبرًا لأن الغرماء يتفاضلون في الذمم واليسار وهل يجوز اختيارًا؟ فيه قولان بناء على أنها إفراز حق أو بيع فإذا قلنا: لا يجوز فيه فوجه الصحة أن يحيل كل واحد لأصحابه بحق على الغريم الذي لم يختره ويحيلوه بحقوقهم على الغريم الذي اختاره فيتعين الحق بالحوالة دون القسمة, وأما قسمة الرطب والعنب قد ذكرنا فيما قبل إنها إن قلنا: إن قسمة إفراز حق يجوز إجبارًا واختيارًا بكيل أو وزن وهل يجوز بالخرص قسمة الإجبار لأن المقصود بها التحقيق المعدوم في الخرص في قسمة الاختبار لأنها محمولة على التراضي, وإن قلنا: بيع لا يجوز أصلًا وأما قسمة الوقف فقد ذكرنا أنه إن اختلط بملك لا يجوز لأن حقوق أهله مقصودة على منافعه, بيع ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز جبرًا ولا اختيار تغليبًا للوقف, والثاني يجوز جبرًا واختيارًا تغليبًا للملك.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كانت دارًا مشتركة وفي أحد نصفين الدار بيت مزوق هل يجبر على القسمة من غير رد قسمة ولا هدم شيء قولان:
وأصلهما ما قال الشافعي: لو كانت التركة عبدين أحدهما: قيمته مائة وقيمة الآخر مائتين ففيه قولان: أحدهما: لا ينقسم إلا أن يتراضيا على الرد, والثاني يقسم فمن صار له القليل القيمة فهو له وربع الآخر مشاعًا فيقسم ما يحمل القسمة ويشاع ما لا يحتمل القسمة فإذا قلنا بالقول الثاني, فهناك تقسم جميع الدار سوى هذا البيت المزوق ويترك ذلك البيت المزوق على الإشاعة.
فرع آخر
لو تنازع الشريكان بعد القسمة في بيت دار قسماها فادعى كل واحد منهما في سهمه ولا بينة يتحالفان, ونقضت القسمة بعد إيمانهما, وقال مالك: القول قول صاحب اليد فيه مع يمينه, ولو وجد أحدهما: بعد القسمة عيبًا في سهمه فله الخيار في فسخ القسمة.
فرع آخر
لو كان بينهما جريب بر يجبر على القسمة, فإن دفع أحدهما: منه ابتداء خمسة أقفزة هل يجوز أن ينفرد بها وتكون قسمة أم لا فيه وجهان.
مسألة: قال: وإذا طلبوا أن يقسموا دارًا في أيديهم قلت: ثبتوا على أصول حقوقكم.
الفصل
صورة المسألة: أن تكون دار بين اثنين فترافعا إلى الحاكم وطلبا أن يقسمها بينهما, فإن أقاما البينة بالملك قسم لأنه قد ثبت أنه ملك لهما, وإن لم يقيما البينة ولكنهما تعادا بالملك اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: نص الشافعي رضي الله عنه لا يقسم لجواز أن تكون الدار لغيرهما وفي يدهما بعارية أو إجارة ونحو ذلك فإذا قسم الحاكم بينهما ادعيا ملكها, وإن الحاكم حكم لهما بذلك فتقع الشبهة بقسمة الحاكم بينهما ذلك لحاكم آخر وكان الاختيار أن لا يقسمها بينهما بنفسه, وأما قول الشافعي: وقد قيل تقسم ويشهد حكاية لمذهب أبي حنيفة حيث قال: إن كانا ورثاها قسمها بينهما من غير بينة الملك, وإن كانا اشتراها فله أن لا يقسم وبه قال أبو يوسف ومحمد: والدليل على أن هذا ليس بقول الشافعي أنه قال: ولا يعجبني ذلك ومن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما: ما ذكرنا, والثاني يقسمها بينهما لأن اليد تدل على الملك كالبينة والطريقة الأولى أصح, فإذا قلنا: يقسم استظهر بأمرين أحدهما: أن ينادي هل من منازع له؟ والثاني أن يحلفهما أنه لا حق فيها لغيرهما وفي هذه اليمين وجهان أحدهما: استظهارًا ويجوز تركه, والثاني واجبة لا يجوز القسمة بدونها, ثم إذا فرغ من القسمة يشهد الشهود أنه قسمها على إقرارهما من غير بينة على ملكهما ولكن
بحكم أن الدار في أيديهما من غير منازع ولا خلاف أنه لا يجب على القاضي أن يقسم بينهما, وإنما لو تقاسما لا يمنع وفائدة قسمة القاضي بينهما ذلك أنه يقرع ويقسم فلا يكون لهما الامتناع إذا كان مما تجري فيه القسمة جبرًا, وإذا اقتسموا بأنفسهم لا يجبر ولمن شاء منهم مثل خروج القرعة وبعده أن يقول: لا أرضى وحكي عن أبي يوسف ومحمد وأحمد أنهم قالوا: تقسم بأقدارهم كل شيء وعن أبي حنيفة: إن كان منقولًا يقسم, وإن كان عقارًا فادعياه ميراثًا لا يقسم إلا ببيته تشهد على الميراث, وإن ادعياه بابتياع أو غيره قسم من غير بينة تشهد بالابتياع, واحتج بأن الميراث باق على حكم ملك الميت فلا يقسمه إلا بالاحتياط للميت, فإذا لم يثبت عنده الموت والإرث فلا احتياط فيه ويخالف العقار المنقول ويتحفظ بالقسمة بخلاف العقار وهذا أصح من مذهب أبي حنيفة مما ذكرنا ولأن ما ذكره أبو حنيفة لا يصح لأنه لا حق للميت فيه إلا أن يظهر عليه دين والأصل عدمه وعندنا إذا أقاما البينة بالابتناء لم تكن بينة بالملك لأن يد الأب فيها كأيديهما, ولو كان تنازعهما غيرهما في تلك الحال ولا خلاف أنه لا يجوز للحاكم أن يقسم بينهما لأن قسمته إثبات ملكهما, ول تنازعا ويدعي كل واحد منهما أنها له لملكًا فجعلها أحكام بينهما بأيديهما وإيمانها لا يجوز أن يقسمها بينهما إن سألاه لأن في تنازعهما إقرار بسقوط القسمة.
فرع
الحاكم إذا أقر بالحكم قبل عزله والحاكم إذا أقر بالقسمة حال ولايته قبل لأنهما يملكان الحكم والقسمة وكل من ملك شيئًا ملك الإقرار به, وإن أقر بعد العزل فالمذهب أنه لا يقبل ويكون شاهدًا به نص عليه في "الأم" وقال الاصطخري: يكون شاهدًا به كالمرضعة تشهد على الإرضاع تقبل شهادته سواء كان بأجرة أو بغير أجرة وهذا لا يصح, والفرق أن الحكم هناك يتعلق بوصول اللبن إلى الجوف ولهذا لو أرضع وهي نائمة لم تثبت الحرمة, وليس ذلك من فعلها والقسمة فعله والحكم يتعلق به فلم تقبل شهادته على فعله وأيضًا فالرضاع لا يتضمن تعديل المرأة المرضعة والقسمة الصحيحة تتضمن تعديل القاسم فلم تقبل شهادته فيما تجر به إلى نفسه منفعة.
فرع آخر
لو كان بينهما منافع فأراد قسمتها مهاياة وهي أن تكون العين في يد أحدهما: مرة ثم في يد الآخر مرة مثلها جاز لأن المنافع كالأعيان فجاز قسمتها, وإن طلب أحدهما: وامتنع الآخر لم يجبر الممتنع قيل: فيه وجه أنه يجبر كما يجبر على قسمة الأعيان, والصحيح المنصوص الأول لأن حق كل واحد منهما معجل فلا يجبر على تأخيره بالمهاياة ويخالف قسمة الأعيان لأنه لا يتأخر بالقسمة حق واحد منهما, وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك: يجبر الممتنع على المهاياة [12/ 47 أ] وعند أبي حنيفة [أنه]
لا يجبر في العبيد على المهايا ويحبر في الدار.
ولو طلب أحدهما: القسمة بعد المهايا كانت له وأسقطت المهايا في قول أبي حنيفة وعند مالك.
لا تنتفي وتلزم المهايا.
باب على القاضي في الخصوم والشهود
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: وينبغي للقاضي أن ينصف الخصمين في المدخل عليه.
الفصل
جملة هذا أن الحاكم يحتاج أن يسوي بين الخصوم في خمسة أشياء في المدخل عليه والجلوس بين يديه والإقبال عليهما والاستماع منهما والحكم عليهما والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا﴾.
قال أبو عبيد: في أدب القضاء وهو الرجلان عند القاضي فيكون إل ى القاضي وإعراضه لأحد الرجلين عن الآخر.
وروى عطاء عن أم سلمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا ابتلي أحدكم بالقضاء فليسو بينهم في المجلس والإشارة رضي الله عنه: أن البني صلى الله عليه وسلم قال: إني لأحرج عليكم حق الضعيفين اليتيم والمرأة, وأيضا خبر عمر وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما وقد ذكرناه, وروي أن عمر وأبي بن كعب تقاضيا إلى زيد بن ثابت رضي الله عنهم في محاكمة بينهما [12/ 47 ب] فقصداه في داره فقال زيد بن ثابت لعمر بن الخطاب: لو أرسلت إلى لجئتك فقال عمر: في بيته الحاكم فأخذ زيد وسادته ليجلس عليها عمر فقال عمر: هذا أول جورك سو بيننا في المجلس فجلسا بين يديه ونظر بينهما فتوجهت اليمين على عمر فقال زيد بن ثابت لأبي بن كعب: لو عفوت لأمير المؤمنين عن اليمين فقال عمر:" ما يدري زيد ما القضاء وما على عمر أن يحلف إن هذه أرض وهذه سماء" وروي أن أبي كعب ادعي نخلاً في يد عمر فقال: هي لي, وقال عمر هي لي وفي يدي, فاختصما إلى زيد فلما انتهيا إلى الباب قال عمر: السلام عليكم فقال زيد: ووعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله فقال عمر: قد بدأت بجور قبل أن أدخل الباب فلما دخل قال: هنا يا أمير المؤمنين فقال عمر: وهذه مع هذه ولكنى مع خصمي فقال أبي: نخلي غلبني عليه عمر فقال عمر: هي نخلي وفي يدي فقال زيد لأبي: هل لك من بينة؟ فقال: لا, فقال لأبي: فعف أمير المؤمنين من اليمين, فقال
عمر: مازلت جائزاً مذ دخلنا عليم وعليك يا أمير المؤمنين وهنا يا أمير المؤمنين فاعف أمير المؤمنين ولم يعفيني منها إن عرفت شيئاً أخذته بيميني ثم حلف عمر أن النخل كلها لي وما لأبي بن كعب فيها حق فقال: والله إنك لصادق وما كنت تحلف إلا على حق ثم قال عمر لأبي: هي لك بعدما حلفت عليه, وروي أنه قال له بعدما حلفت [12/ 48 أ] لا يرى زيد بن ثابت القضاء بعد هذا اليوم..... وروي أن عليا رضيا الله عنه نازع يهودياً في درع, فتخاصما إلى شريح القاضي فصدره شريح فقال علي رضي الله عنه: لو كان خصمي مسلماً ما ارتفعت عليه ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" لا تسووا بينهم في مجالسهم ولا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم" قال صاحب " التقريب": إن صح الحديث وإلا سوى بينهم, واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه وجهان: أحدهما: يسوى بينهما كما في الدخول والكلام والثاني يقدم المسلم لخبر علي رضي الله عنه, ومن أصحابنا من قال: صح الخبر ولا يسوى بينهما وجهاً واحداً ورواه إبراهيم التميمي مشروحاً أن عليا رضي الله عنه عرف درعاً له مع يهودي فقال: يا يهودي درعي سقطت مني يوم الجمل فقال اليهودي: ما أدري ما تقول بيني وبينك قاضي المسلمين هذه درعي وفي يدي فانطلقا إلى شريح فلما رآه شريح قام عن مجلسه فأجلسه موضعه فجلس علي وأجلس اليهودي بين يديه فقال علي: لو كان خصمي مسلماً لجلست معه بين يديك ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الخير أورده ابن أبي أحمد وقال: بهذا أقول وروى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن الخصمين يقعدان [12/ 48 ب] بين يدي الحاكم", وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال:" قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي" واعلم أن المأخوذ عليه أن يسوي بينهما في الأفعال دون القلب فإن كان محبب إلى أحدهما: قلبه ويحب أن يفلح بحجته على الآخر فلا شيء عليه في ذلك لأنه لا يمكنه التسوية بينهما في القلب والقلوب بيد الله تعالى لا يستطاع التحرز من مثلها ومحبتها قال النبي صلى الله عليه وسلم: في القسم بين النساء هذا قسمي فيما أملم وأنت اعلم فيما لا أملك يعني قلبه وحبه لعائشة رضي الله عنها.
ويستحب أن يجلس الخصمان بين يديه لما ذكرنا أن عبد الله بن الزبير خاصم عمرو بن الزبير فدخل عبد الله على سعيد بن العاص وعمر بن الزبير معه على السرير فقال سعيد لعبد الله: هنا فقال: لا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم قال ابن العاص: فإذا جلس الخصمان بين يديه أقبل عليهما بمجامع قلبه وفهمه وعليه السكينة والوقار ولا يمازح الخصم ولا يضاحكه ولا يشير إليه ولا يساره دون صاحبه.
مسألة: قال: ولا ينهرهما ولا يتعنت الشاهد.
اعلم أنه لا يجوز للقاضي أن يزجر الخصوم ويصيح عليهم إلا أن يفعلوا ما استحقوا ذلك [12/ 49 أ] وهذا لأنه إذا فعل خلط عقولهم ولا يتمكنون من إيراد الحجة, ولا يجوز له أن يتعنت الشهود إن كان لهم عقول وافرة وحسن سمت في الظاهر لا يفرقهم ولا يسألهم عن الشهادة متفرقين لأنه يكون تعنتاً وإنما يفعل ذلك إذا استراب بهم على ما ذكرنا أولاً, ولا يقول للشهود: لم تشهدون, وكيف تشهدون ونحو ذلك لأنه تعنت وتشوش للأمر عليهم فلا يتمكنون من إقامة الشهادة ويكون ذلك ميل إلى المشهود له.
وقال في " الحاوي:": اعلم أن القضاة زعماء العدل والإنصاف فدنوا ليناصف بينهم الناس فكان أولى أن يكونوا أنصف الناس, قال الله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾.
واعلم أن للقضاة آداباً تزيد بها هيبتهم وتقوى بها رهبتهم والهيبة والرهبة في القضاة من القواعد نظرهم ليقود الخصم إلى التناصف ويكفهم عن التجاحد.
ثم آدابهم تشتمل على ثلاثة أقسام: أحدهما: في أنفسهم وهو يعتبر بحال القاضي فإن كان مرموقاً بالزهد فالتواضع والخشوع أبلغ في هيبته وأيد في رهبته, وإن كان ممازحاً لأبناء الدنيا تميز عنهم بما يزيد في هيبته من لباس لا يشاركهم فيه ومجلس لا يساويه فيه غيره وسمت يزيد فيه على غيره [12/ 49 ب] فأما اللباس فينبغي أن يختص بألطفها ملبساً ويخص يوم نظره بأفخر لباسه جنساً يستكمل ما جرت به العادة بلبسه من العمامة والطيلسان ويتميز بما جرت عادة القضاة من القلانس والعمائم السود والطيالسة السود, فقد اعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم دخول مكة عام الفتح بعمامة سوداء تميز بها من غيره ويكون نظيف الجسد بأخذ شعره وتقليم ظفره, وإزالة الرائحة المكروهة ويستعمل من الطيب ما يخفي لونه وتظهر رائحته إلا أن يكون في يوم ينظر فيه بين النساء فلا يستعمل الطيب.
وأما مجلسه في الحكم فينبغي أن يكون فسيحاً لا يضيق بالخصوم ولا يسرع فيه الملل ويفترش بساطاً لا يزري ولا يطغى ويختص فيه بمقعد ووسادة ولا يشاركه غيره فيها وليكن مجلسه في صدر مجلسه ليعرفه الداخل عليه ببديهة النظر, ولو كان فيه مستقبلاً للقبلة كان أفضل ويفتح مجلسه بركعتين يدعو بينهما بالتوفيق والتسديد على ما ذكرنا ثم يطمئن في جلوسه متربعاً مستنداً وغير مستند.
وأما سمته فينبغي أن يكون في مجلس الحكم غاض الطرف كثير الصمت قليل الكلام يقتصر في كلامه على سؤال وجواب, ولا يرفع بكلامه صوتاً إلا لزجر وتأديب وليقلل الحركة والإشارة وليقف من أعوانه بين يديه من يستدعي الخصوم إليه ويرتب مقاعد الناس في مجلسه ويكون مهيباً [12/ 50 أ] مأموناً ليصان به مجلسه وتكمل به هيبته.
ويجعل يوما جلوسه للحكم العام
معروف الزمان والمكان, ويجعل يوم جلوسه أول الزمان فإنه أولى من آخره والاعتدال أن يكون له في كل أسبوع يومان إن اتبعا ولا يحل بيوم في كل أسبوع فإن وردت فيما عداه أحكام خاصة لم يؤخرها إن ضرت, ويتخير بين أن يستحلف أو يتولى بنفسه بعد أن يستكمل الراحة والدعة لئلا يسرع إليه ملل ولا ضجر.
والثاني آداب القضاة مع الشهود فمن آدابهم معهم إذا تميزوا وارتسموا بالشهادة أن يكون مقعدهم في مجلسه متميزاً عن غيرهم بالصيانة ولا يساويه واحد منهم في مقعده ولا فيما يخصص به من سواده قلنسوته ليتميز للخصوم القاضي عن شهوده.
وينبغي أن يخص الشهود في ملابسهم بما يتميزون به عن غيرهم ليتميزوا عن من يشهدهم كما تميز القاضي منهم.
ويسلموا على القاضي بلفظ الرئاسة عليهم ورد القاضي عليهم مجيباً أو مبتدئاً على تماثل وتفاضل ويقدم بعضهم على بعض في المجلس والخطاب بحسب ما يتميزون فيه من فضل وعلم بخلاف الخصوم الذين يلزمه التسوية بينهم, وإن تفاضلوا فإن حضروه في غير مجلس الحكم جلسوا في مقاعدهم المعروفة في مجليه ورتبهم فيه على اختياره وقطع تنافسهم فيه فإن التنافس يوهن العدالة, فإن تنافسوا في التقدم في أداء الشهادة [12/ 50 ب] كان قدحا في عدالتهم بالتمنع في أدائها وإن تنافسوا في الجلوس لم يقدح في العدالة ما لم يتنابذوا ويجو في غير مجلس الحكم أن يحادثهم القاضي ويحادثونه ويؤانسونه بما لا نتخرق به الحشمة ولا تزول معه الصيانة.
فأما حضورهم في مجلس الحكم فعليه وعليهم من التحفظ والانقباض فيه أكثر مما عليهم في غيره, فإن أحب القاضي أن يفردهم عن مجلسه في موضع معتزل ليستدعوا منه إقامة الشهادة كان أولى وكانوا بمنظر ومسمع وخص منهم شاهدين لمجلسه ليشهدوا بما يجري من الدعاوي والأحكام, وإن أحضرهم جميعاً في مجلسه جاز كانت ميمنة مجلسه أولى بهم من ميسرته, فإن افترقوا في الميمنة والميسرة جاز, وإن كان اجتماعهم أولى.
ويكون جلوس الكاتب في مجلسه بحيث يواجه القاضي ويشاهد الخصوم ويجمع بين سماع كلامه وكلامهم وجلوسه في الميسرة أولى به من الميمنة لأن حاجة القاضي في الإقبال عليهم أكثر منها على الشهود, وإقباله على ميسرته أسهل عليه من إقباله على ميمنة, وينبغي للقاضي أن يكف عن محادثة الشهود ويكفوا عن محادثته ويكون القاضي لهم مقصورا على الأدب في الشهادة وكلامهم له مقصوراً على أداء الشهادة ويغضوا عنه أبصارهم ولا يلقنهم شهادة ولا بتعنتهم فيها [12/ 51 أ] ولا يسألهم عن سبب تحملها, فإن أخبروه بسبب التحمل كان أولى إن تعلق به فضل بيان وزيادة استظهار أو كان تركه أولى إن لم يفد, ولا ينبغي للقاضي أن يستدعيهم للشهادة ولا ينبغي لهم أن يبدؤوا بها إلا بعد استدعائهم.
والذي يجب فيه أن يستأذن المشهود له القاضي في إحضار شهوده, فإن أذن له أحضرهم وقال لهم القاضي: بم تشهدون؟ على وجه الاستفهام
ولم يقل: اشهدوا فيكون أمراً, ويكون القاضي فيه بالخيار بين أن يقول ذلك للشاهدين فيتقدم من شاء منهما بالشهادة ولا يحتاج الثاني إلى إذن بعد الأول, ومن أن يقول ذلك لأحدهما: فيبدأ بالشهادة ولا يكون للآخر أن يشهد إلا بعد إذن آخر, ولو بدأ بالأول فاستوفى الشهادة, وقال للثاني: اشهد بمثل ما شهد به لم تصح شهادته حتى يستوفيها أيضا كالأول لأنه موضع أداء وليس موضوع حكاية.
والقسم الثالث: آداب القضاة مع الخصوم: وهو أن يبدأ بالنظر بين من سبق منهم ولا يقدم مسبوقاً إلا باختيار السابق ويجمع بينهما في الدخول ولا يستدعي أحدهما: قبل صاحبه فتضعف به نفس المتأخر بل يسوي في المدخل بين الشريف والمشرف, والحر والعبد, والكافر والمسلم, فإذا دخلا سوي بينهما في لفظ ولحظ, إن أقبل كان إقباله عليهما, وإن أعرض كان إعراضه عنهما, وإن تكلم كان كلامه لهما, وإن أمسك [12/ 51 ب] كان إمساكه عنهما, ولا يجوز أن يكلم أحدهما: دون الآخر, وإن اختلفا في الدين ليلاً يصير مماثلاً لأحدهما: ولا يسمع الدعوى منهما وهما قائمان حتى يجلسا بين يديه تجاه وجهه.
وينبغي أن يكون مجلس الخصوم عند القاضي أبعد من مجالس غيرهم ليتميز به الخصوم من غيرهم, فإن اختلف جلوسهما فتقدم أحدهما: كان القاضي بالخيار بين أن يؤخر المتقدم أو يقدم المتأخر, والأولى أن ينظر, فإن كان المتقدم جلس في مجلس الخصوم وتأخر عنه الآخر قدمه إليه, وإن كان المتأخر جلس في مجلس الخصوم وتقدم عليه الآخر أخره إليه حتى يتساويا فيه.
ومن عادة الخصوم أن يجلسوا في التحاكم بروكاً على الركب لأنه عادة العرب في التنازع وعرف الحكام في الأحكام فإن كان التخاصم بين النساء جلسن متربعات بخلاف الرجال لأنه أستر لهن.
وإن كان بين رجل وامرأة برك الرجل وتربعت المرأة لأنه عرف لجنسها فلم يصر تفضيلاً لها.
والأولى بالقاضي أن يجعل للنساء وقتاً وللرجال وقتاً ولا يخص تحاكم النساء مع الرجال من يستغني عن حضوره ويختار عند تحاكم النساء أن يكون الواقف بين يديه لترتيب الخصوم خصياً, وإن كان التحاكم بين رجل وامرأة فالأولى أن ينظر بينهما عند تحاكم الرجال من أجل المرأة ولا عند تحاكم النساء من أجل الرجال ويجعل لهما وقتا غير هذين.
[12/ 52 أ] وإذا حضر الخصمان تقاربا إلا أن يكون أحدهما: رجلاً والآخر امرأة ليست بذات محرم فيتباعدا ولا يتلاصقا.
مسألة: قال: ولا ينبغي أن يلقن واحداً منهما حجة ولا شاهد شهادته.
اعلم أنه لا يجوز للقاضي أن يلقن أحد الخصمين شيئاً فلا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف وغير ذلك, ولا يلقن المدعى عليه الإنكار ولا الإقرار به لأنه إن لقنه الإنكار أضر بالخصم, وإن لقنه الإقرار أضر به, فلم يجز ذلك لأن عليه التسوية بين
الخصمين فيتركهما والقيام بحجتهما فلا يعينهما ولا واحداً منهما لا بصريح ولا تنبيه فإن ذلك محظور, وكذلك لا يجوز أن يلقن الشهود شيئا لأنه إذا لقنهم الشهادة أضر بالمشهود عليه, وإن لقنهم أن لا يشهدوا أضر بالمشهود له.
فرع
إذا جلس الخصمان بين يديه فهو بالخيار بين أن يسكت حتى يبتدئ أحدهما: بالكلام ومن أن يكلمهما فيقول: تكلما, أو يقول الذي على رأيه: تكلما ولا يجوز أن يقبل على أحدهما: ويكلمه دون صاحبه هكذا ذكر الشافعي رضي الله عنه, وقال ابن القاص: إذا جلس الخصمان بين يديه نظر القاضي إليهما كالمستنطق لهما ويقول العون للمدعي: تكلم فإن قاله الحاكم فلا بأس, وكان شريح يقول: أيكما المدعي فليتكلم, وقال أصحابنا: إذا عرف المدعي فلا بأس له أن يخاطبه [12/ 52 ب] فيقول له: تكلم, وإذا لم يعرف المدعي يقول ما قال شريح, أو ما قال الشافعي رضي الله عنه: تكلما, وقال في " الحاوي": إذا أمسك الخصمان عن الكلام لغير سبب لم يتركهما على تطاول الإمساك وقال لهما: ما خطبكما؟ وهو أحد الألفاظ في الاستدعاء لم يتركهما كما قال موسى عليه الصلاة والسلام لابنتي صلى الله عليه ما خطبكما, وإن قال: تكلما أو يتكلم المدعي منكما أو يتكلم أحدكما جاز والأولى أن يقول ذلك العدل القائم على رأسه أو بين يديه.
فرع آخر
لو تنازعا في الكلام كفهما عن التنازع حتى يتفقا على المبتدئ فيهما, وإن أقاما على التنازع ففيه وجهان: أحدهما: يقرع بينهما, والثاني يصرفهما حتى يتفقا على المبتدئ منهما.
فرع آخر
إذا بدأ المدعي بالدعوى فداخله الآخر في الدعوى, فإن لم تكن صحيحة قال له: صحح دعواك ولا يلقنه ذلك, فإن لم يصحح دعواه أقامه بعد ثانيه ولا يلقنه صحيح دعواه لأنه يصير معيناً له على خصمه, وقال له: صحح دعواك وإلا صرفتك, وقال الإصطخري وجماعة: لا يجوز أن يلقنه ما يصحح دعواه لأنه توقيف لتحقيق الدعوات وليس بتلقين للحجة, لأن في تلقين الحجة كسراً لقلب صاحبه أيضاً والمذهب الأول لأن في تلقين الدعوى كسراً لقلب صاحبه أيضاً.
فرع آخر
لو قال للمدعي: استعن بمن ينوب عنك فإن إشارته إلى الاستعانة بالاحتجاج [12/ 53 أ] عنه لم يجز, وإن إشارته إلى الاستعانة في تحضير الدعوى جاز.
فرع آخر
إذا حقق الدعوى فالأولى أن يقول المدعي للحاكم: سله الخروج من دعواي, فإن لم يقل ذلك جاز لأن شاهد الحال يدل على أنه مطالب فيقول الحاكم للمدعى عليه: ما تقول في دعواه؟ فإن أقر لزم الخروج منها, وإن أنكر قال للمدعي: ألك بينه؟ فإن جاء ببينة سمعها وحكم بها, وإن لم تكن بينه لم يستحلف الخصم حتى يسأل استحلافه لأن ذلك حق له, فإن استحلفه قبل ذلك لا يعتد اليمين وتعاد اليمين بعد المطالبة, ثم إن طالبه بتحليفه وحلف أسقط الدعوى عن نفسه وإن نكل ردت اليمين على المدعي فيحلف ويستحق ما ادعاه.
واعلم أن في لفظ الشافعي رضي الله عنه إشكالا لأنه قال: فإذا أنفذ حجته نكلم المطلوب ومعلوم أن المدعي لا يشتغل بإقامة حجته إلا بعد جواب المطلوب, ومعناه فإذا أنفذ دعواه فسمى الدعوى التي هي سبب الحاجة إلى الحجة حجة, وقال في " الحاوي": إذا صح الإنكار فيه وجهان: أحدهما: الأولى أن يقول له القاضي قد أنكر ما ادعيته عليه فماذا تريد؟ والثاني الاختيار أن يقول: قد أنكر ما ادعيت فهل لك من بينه؟ وهذا أشبه لما روى وائل بن حجر أن رجلاً من حضرموت حاكم رجلاً ن كندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض فقال للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا, قال: فيمينه [12/ 53 ب] فقال: يا رسول الله إنه فاجر ليس يبالي ما حلف عليه, وليس يتورع من شيء فقال: ليس لك منه إلا ذلك.
فرع آخر
لو قدم المطلوب الإقرار قبل استيفاء الدعوى لزمه الإقرار وسقط الإقرار وسقط جوابه عن الدعوى إذا وقعت بإقراره, وإن قدم الإنكار طولب به بعد استيفاء الدعوى لأن الإنكار إسقاط فلم يجز تقديمه بخلاف الإقرار.
فرع آخر
لو كانت دعواه في رقعة ودفعها إلى القاضي وقال: أثبت دعواي في هذه الواقعة وأنا مطالب له بما فيها فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل القاضي حتى يذكره نطقاً أو يوكل من ينوب عنه وبه قال شريح: لأن الطلب يكون باللسان دون الخط, والثاني يجوز ولكن يجب عليه أن يقرأها على الطالب ويقول: هكذا تقول أو تدعي, فإذا قال: نعم سأل المطلوب عن الجواب ولا يجوز أن يسأله قبل قراءتها على الطالب واعترافه بما تضمنها, فإن فعل المطلوب في جواب الدعوى مثل ذلك وكتب جوابه في رقعة ورفعها إلى القاضي فقال: هذا جوابي عن الدعوى, فإن جوزنا ذلك في الطالب جوزنا هذا في المطلوب, وإن لم نجوز في الطالب لا نجوز في المطلوب.
فرع آخر
لو لقن الشاهد صفة لفظ الأداء ولم يلقنه ما يشهد به في الأداء ففيه وجهان أحدهما: يجوز لأنه توقيف لا تلقين [12/ 54 أ] وقد أشار إليه الشافعي رضي الله عنه والثاني لا يجوز لما فيه من المماثلة, ويقول له: إن بينت ما تصحح به شهادتك سمعتها وقال القفال: يجوز أن يلقن قدر ما لابد منه مثل أن يشهد ببيع ويظن أن عنده شهادة الملك فلا بد من أيقول تشهد بالملك إذا لو لم يقل هذا القدر وقال: زد أو قال: هل عندك زيادة؟ لم يدر الشاهد ماذا يقول فالاستكشاف يجوز, والتلقين لا يجوز.
فرع آخر
لو بادر إلى أداء الشهادة لا يبعثه على التوقيف عنها إلا في الحدود التي تدرأ بالشبهات فيجوز أن يعترض بالتوقف كما فعله عمر رضي الله عنه في قصة المغيرة حين شهدوا عليه بالزنا حتى توقف زياد عن الشهادة بتعريض.
مسألة: قال: ولا ينبغي أن يضيف الخصم دون خصمه
أراد بهذا أن الحاكم لا يضيف أحد الخصمين دون صاحبه بل إذا أضاف أحدهما: أضاف الآخر ولا يجيب إلى ضيافة أحدهما: ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين, وقد رو إنه نزل بعلي رضي الله عنه ضيف فأضافه أياماً ثم إنه خاصم إليه رجلاً فقال له علي: تحول عنا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نضيف الخصم إلا ومعه خصمه وروي أنه لما نزل به قال له ألك خصم؟ فقال: نعم فقال: تحول عنا وذكر الخبر, وروي أن رسول الله [12/ 54 ب] صلى الله عليه وسلم كان لا يضيف الخصم إلا ومعه خصمه وروي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله إنه كان إذا ادعى عبد على شريف حجبه حتى يقضي بينه وبين خصمه ولأنه إذا فعل ذلك انكسر قلب خصمه ويوجب التهمة في الميل إلى أحدهما:
مسألة: قال: ولا يقبل منه هدية, وإن كان يهدي إليه قبل ذلك.
اعلم أن الرشوة في الحكم حرام للخبر المعروف, ولأنه إما أن تأخذ ليحكم بغير حق أو ليوقف حق الخصم وكلاهما حرام, وأما الهدية فإن أهدي إليه من لم تجر عادته بالإهداء إليه قبل الحكم لا يجوز قبولها لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من وليناه شيئا من أعمالنا ورزقناه فما أخذ بعد ذلك فهو غلول" وروي أنه قال:" هدايا الأمراء
غلول" وروي سحت ولأنه إنما يهدي إليه لخصومة حاضرة أو لخصومة يتوقعها وذلك لا يجوز.
وإن أهدي إليه من جرت عادته بالإهداء إليه فإن كانت له خصومة حاضرة حرم عليه أخذها لأن الظاهر أنه أهدي إليه للخصومة, وإن لم يكن له خصومه يكره له أخذها ولا يحرم لأنه ربما يكون قد أهدي إليه لانتظار خصومة فيكره, ويجوز أن يكون جرى على عادته في الهدية فلا يجزه نص عليه, وقال في " الأم": وما أهدي له ذو رحم [12/ 55 أ] أو ذو مودة كان يهاديه قبل الولاية فالتنزه أحب إلى, ولا بأس أن يقبل, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له قبولها للخبر وقال الصميري: فيه قولان وهذا غلط لأنه إذا كانت عادته جارية بذلك لم يكن من أجل الحكم فلا تهمة والخبر محمول على العمال من جهة الأمراء ويجري ذلك في حقهم مجرى الرشوة وقال أبو حنيفة وأصحابه: الهدية ممن لم تجر عادته بالإهداء إليه قبل القضاء تكره ولا تحرم, وإن أهدي إليه من غير عمله قال الشافعي: كرهت له ذلك فإن قبل فجائز فأجراه الشافعي مجرى من جرت عادته بالهدية, ومن أصحابنا من حرمها وليس بصحيح فإن قيل: أليس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدايا, وقال:" لو أهدي إلي ذراع لقبلت" قلنا: الله تعالى ميزه عن الخلق فقال:" ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ وقرئ وهو أب لهم لأنه كان يكافئ وقد كافأ الأعرابي الذي أهدى بعيراً حتى رضي ولأنه بعيد من الميل ميزه عن الظن فلا يقاس عليه.
فرع
إذا منعناه من قبولهما فقبل فماذا يصنع بها.
فيه وجهان: أحدهما: يرد إلى بيت المال لأن في ذلك مصحة للمسلمين.
وقد روي أن عمر رضي الله عنه دخل على حفصة فرأى عليها قلادة من ذهب أهدت إليها ابنه هرقل فقال: أو أهدت إلى جميع نساء المسلمين مثل ذلك فقالت: لا فقال: افأهدت إليك [12/ 55 ب] لمكانك مني فأخذها ووضعها في بيت المال قال أصحابنا: لعله احتياط لها في ذلك وفعل ذلك برضاها فإنه لا بأس بهذا لأنها ليست بوصية ولا قاضية.
وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه قال: " إنما كانت الهدايا في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سواها رشوة" والثاني يردها إلى صاحبها لأنه لم يملكها فإن مات صاحبها يردها إلى ورثته, فإن لم يكونوا وضعها في بيت المال لتنفق في مصالح المسلمين, وإن كان ورثته غيباً وضع في بيت المال للحفظ للورثة, وروي أن رجلاً أهدى إلى عمر رضي الله عنه رجل جذور وتحاكم إليه من بعد مع خصم وجعل يقول: فصل بيني وبينه كما تفصل رجل الجذور, فقال عمر: فما زال يذكرني حتى كدت أزيغ فقام وأخرج رجل الجذور ورده وقال: إن
هدايا الأمراء غلول" وروي أن رجلاً كان يهدي إلى عمر رضي الله عنه كل سنة فخذ جذور فخاصم إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين اقض بيننا قضاء فصلاً كما يفصل الفخذ من الجذور فكتب عمر إلى عماله لا تقبلوا الهدايا فإنها رشوة.
ولو أهدي إليه خوفاً منه وتوقياً شره فهو حرام عليه لا يملكه وإن المهدي ممن لا يتحاكم إليه في الحال.
فرع آخر
قال أصحابنا: ينبغي لكل ذي ولاية أن يتنزه عن قبول هدايا أهل عمله لما ذكرنا من الخبر [12/ 56 أ] وروي أنه لما رجع ابن اللتبية قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لكم وهذا أهدي ألي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر يهدى إليه أم لا.
والمهاداة من عدا الولاة مستحبة في البذل ومباحة في القبول وقد ذكرنا ذلك في كتاب الهبات.
فرع آخر
مهاداة الإمام الأعظم ومن قام مقامه فكل الناس تحت ولايته ومن جملة رعيته فإن هاداه أهل الحرب جاز له قبولها كما تجوز استباحة أموالهم
فرع آخر
إذا هداه أهل الحرب ينظر في سبب الهدية, فإن كانت من أجل سلطانه فسلطانه بالمسلمين فصارت الهدية لهم دونه فكان بيت مالهم أحق بها منه, وإن هداه لما يختص بسلطانه من مودة سلفت جاز له أن يتملكها, وإن هداه لحاجة عرضت فإن كان لا يقدر على قضائها إلا بالسلطنة كان بيت المال أحق بها منه, وإن كان يقدر عليها بغير السلطنة كان أحق بها من بيت المال.
فرع آخر
لو هاداه أهل الإسلام ليستعين به إما على حق يستوفيه له, وإما على ظلم يدفعه عنه, وإما على باطل يعينه عليه, فهذه هي الرشوة المحرمة, وأهل الهدية إن كان على حق لقوم فهو من لوازم نظره ولا يجوز لمن لزمه القيام بحق أن يستعجل عليه كما في الصلاة.
وإن كان على باطل يعين عليه كان أعظم تحريما [12/ 56 ب]
فرع آخر
لو أهدي إليه من كان يهاديه قبله من ذي نسب أو مودة فهذه هدية لا رشوة وهي على ثلاثة أضرب, أحدهما: أن تكون بقدر ما كانت قبل الولاية لغير حاجة عرضت فيجوز قبولها للعرف وانتفاء الظن, وإن لم يقبلها كان نهاية الاحتياط لأنه إبراء لساحته وأجمل لذكره
والثاني: أن يقترن لحاجة عرضت إليه من قبوله عند الحاجة ويجوز أن يقبلها بعد الحاجة, فقد روي أن زيد بن ثابت كان يهدي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبناً فيقبله حتى اقترض زيد بن ثابت مالاً من بيت المال ثم اهدي إليه اللبن فرده عمر فقال زيد: لم رددته قال: لأنك اقترضت من بيت المال مالا فقال زيد: لا حاجة لي في مال يقطع الوصلة بيني وبينك فرد المال وأهدي إليه اللبن فقبله منه
والثالث: أن يزيد في هديته على فوق العادة لغير حاجة فينظر فإن كانت الزيادة من جنس الهدية جاز قبولها لدخولها في المألوف وإن كان من غير جنسها منع من قبولها لخروجها عن المألوف.
فرع آخر
لو أهدى إليه من لم يكن يهاديه قبل الولاية فهو على ثلاثة أضرب أحدهما: أن يهدي إليه من يخطب منه الولاية على عمل يقلده فهذه رشوة حرام سواء كان مستحقاً أو لا وعليه ردها, [12/ 57 أ] ويحرم على باذلها إن كان غير مستحق للولاية, وإن كان مستحقاً لها فإن كان مستغنياً عن الولاية حرم عليه بذلها, وإن كان محتاجاً إليها لم يحرم عليه بذلها.
والثاني: أن يهدي إليه من شكره على جميل كان منه فهذا ملحق بالهدايا لأن الرشوة ما تقدم والهدية ما تأخر وعليه ردها ولا يجوز له قبولها لأنه يصير مكتسباً مجاملته ومعتادا على جاهه وسواء كان ما فعله من الجميل واجبا أو تبرعا لا يحرم بذلها على المهدي
والثالث: أن يهدي إليه مبتدأ فهذه هدية بعث عليها جاه السلطنة, فإن كافأ عليها جاز له قبولها, وإن لم يكافئ عليها ففيه وجهان: أحدهما: يقبلها لبيت المال لأن جاه السلطنة لكافة المسلمين والثاني يردها لأنه المخصوص بها فلم يجز أن يستأثر دون المسلمين بشيء وصل إليه بجاه المسلمين.
فرع آخر
مهاداة ولاة الأعمال كعمال الخراج والصدقات ينظر فيها, فإن كان المهدي من غير أهل عمله كانت المهاداة بينهما كالمهاداة بين غير الولاة من الرعايا وإن كان من أهل عمله فعلى ثلاثة أضرب أحدها: أن يكون قبل استيفاء الحق فهذه رشوة يحرم قبولها وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" اللطفة عطفه" يعني: تعطف عن الواجب وسواء كان العامل مرتزقاً أو لا.
[12/ 57 ب].
والثاني أن يهدي إليه بعد استيفاء الحق منه على جميل قدمه إليه, فإن كان ذلك الجميل مما يجب على العامل أن يعلمه بحق عمله وجب رد الهدية وحرم قبولها وإن كان مما لا يجب عليه لم يكن للعامل أن يتملكها ما لم تعجل المكافأة عليها وفيها وجهان: أحدهما: تعاد إلى مالكها لخروجها عن المقصود بها.
والثاني: تكون لبيت المال لأنها مبذولة على فعل نائب عنهم وفي قبله قال النبي صلى الله عليه وسلم: هدايا الأمراء غلول, والغلول ما عدل بع عن مستحقه.
والثالث: أن يهدي إليه بعد استيفاء الحق على غير سبب أسفله فإن عجل المكافأ ة عليها بمثل قيمتها جاز أن يتملكها لأنه بالمكافأة معاوض فجري في إباحة التملك مجرى الابتياع, وإن لم يكافئه فقد خرجت عن الرشوة والجزاء فلم يجب ردها وتعرض بها للتهمة وسوء المقالة وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يقر على العامل ولا يسترجع منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسترجع الهدية من ابن اللتبية.
والثاني: يسترجع منه لبيت المال لأنه أخذها بجاه العمل ويضم إلى المال الذي استعمل فيه لوصولها بسببه, فإن رأى الإمام أن يعطيه إياها جاز إذا كان مثله يجوز أن يبدأ بمثلها, وإن رأى أن يشاطره عليها جاز كما فعل عمر رضي الله عنه في ابنيه حين [12/ 58 أ] أخذا مال العراق قرضاً واتجرا وربحا فأخذ منهما نصف ربحهما كالقرض.
والثالث: إن كان العامل مرتزقاً قدر كفاية أخذت منه الهدية لبيت المال, وإن كان غير مرتزق أقرت عليه لما روى بريده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال" من استعملناه على عمل فرزقناه فما أخذ بعد ذلك فهو غلول"
فرع آخر
لو كان مرتزقا ولم يكتف برزقه عما تدعوه الحاجة إليه فقد روى المستورد بين شداد أن النبي صلى الله علية وسلم قال:" من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة, فإن لم يكن له خادم فليسكت خادماً فمن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً" فدل هذا الحديث على أن الغلول المسترجع منه ما يجاوز قدر حاجته.
فرع آخر
ولو كان الحاكم لا يأخذ رزقاً من بيت المال فقال: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي عوضاً حكي عن أبي حامد أنه قال له ذكره القاضي الطبري أيضا ولم يذكرا إن طلب من أحدهما: وينبغي أن يكون أخذه من أحدهما: للحكم بالحق يجري مجرى الهدية التي ذكرناها ذكره في " الشامل"
فرع آخر
لو أضاف العامل من هو من أهل عمله فإن كان العامل مستوطناً لم يجز أن يدخل في ضيافته, وإن كان مجتازا جاز أن يدخل بعد استيفاء الحق منه ولم يجز قبله.
فرع آخر
قد ذكرنا مهاداة قضاة الأحكام [12/ 58 ب] وقال في " الحاوي": الهدايا في
حقهم أغلظ مأثمًا وأشد تحريمًا لأنهم مندوبون لحفظ الحقوق على أهلها دون أخذها وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم" فخص الحكم بالذكر تغليظاً قال: وفيه ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تكون الهدية في عمله من أهل عمله فللمهدي ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون ممن لم يهاديه قبل الولاية فلا يجوز أن يقبل لأنه معرض لأن يحاكم أو يحاكم وهو من المتحاكمين رشوة محرمة ومن غيرهما هدية محظورة.
والثاني: أن يكون ممن يهاديه قبله وله في الحال محاكمته فلا يحل.
والثالث: أن يكون ممن يهاديه قبله وليس محاكمة, فإن كان من غير ذلك الجنس بأن كان يهاديه بالطعام فصار يهاديه بالثياب لم يجز أن يقبلها لأن الزيادة هدية للولاية وإن كان من جنسه فهل يجوز قبولها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لخروجها عن سبب الولاية, والثاني: لا يجوز قبولها لجواز أن يحدث له محاكمة ينسب بها إلى الممايلة والثاني من الأقسام: أن تكون الهدية في عمله من غير أهل عمله فلمهديها ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون دخل بها إلى عمله فصار بالدخول فيها من أهل عمله فلا يجوز أن يقبلها لجواز أن يحدث له محاكمة [12/ 59 أ] والثانية: أن لا يدخل بها المهدي إلى عمله ويرسلها وله محاكمة وهو فيها طالب أو مطلوب فهي رشوة محرمة, والثالثة: أن يرسلها ولا يدخل بها إلى عمله ولا محاكمة له فهل يجوز قبولها: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لما يلزمه من التزامه, والثاني: يجوز قبولها لوضع الهدية على الإباحة.
والقسم الثالث: أن تكون الهدية من غير عمله ومن غير أهل عمله لسفره عن عمله فنزاهته عنها أولى فإن قبلها جاز ولا يمنع.
فرع آخر
نزول القاضي ضيفاً على غيره فإن كان في عمله لم يجز, وإن كان في غير عمله جاز ولا يكره إن كان عابر سبيل, ويكره إن كان مقيماً
فرع آخر
قال في " الحاوي": أذا أبيحت له الهدية جاز أن يتملكها, ولو خطرت عليه فهي على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تكون رشوة فيحب ردها على باذلها, فإن ردها قبل الحكم نفذ حكمه, وإن ردها بعد الحكم فإن كان حكمه على الباذل نفذ حكمه, وإن كان حكمه لباذل ففي نفوذه وجهان: أحدهما: ينفذ إذا وافق الحكم كما ينفذ حكمه للصديق, والثاني: لا ينفذ كما لا ينفذ للولد للتهمة بالممايلة.
والثاني: أن تكون الهدية جزاء لتأخيرها عن الحكم فيجب ردها على مهديها والحكم معها نافذ سواء كان الحكم للباذل أو عليه.
والثالث: أن تخرج الهدية عن الرشوة والجزاء لابتداء المهدي بها تبرعاً فلا يتملكها القاضي لخطرها [12/ 59 ب] وفيه وجهان: أحدهما: ترد على مهديها لفسادها, والثاني: توضع في بيت المال لبذلها طوعاً لنائب المسلمين.
فرع آخر
قال في " الحاوي": روى عبد الله بن جعفر عن خالد بن أبي عمران عن القاسم عن ابن أبي أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربي" وهذا وإن كان مرسلاً فليستظهر في الاستدلال به على ما يوجبه حكم الأصول فيقول: مهاداة الشافع تعتبر بشفاعته وهي على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يشفع في محظور من إسقاط حق أو معونة على ظلم فهو في الشفاعة ظالم وبقبول الهدية عليها آثم لا على كلاهما.
والثاني: أن يشفع في حق يجب عليه القيام به فالشفاعة مستحقة عليه والهدية محظورة لأن لوازم الحقوق لا يستعجل عليها.
والثالث: أن يشفع في مباح لا يلزمه فهو بالشفاعة محسن لما فيه من التعاون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشفعوا إلى ويقضي الله على لسان رسوله ما يشاء" وللهدية على هذه الشفاعة ثلاثة أحوال: أحدها: أن يشترطها الشارط وقبولها محظور عليه لأنه يستعجل على الإحسان والثانية أن يقول المهدي: هذه الهدية جزاء على شفاعتك فقبولها محظور عليه كما لو شرطها [12/ 60 أ] والثالثة أن يمسك الشافع عن اشتراطها ويمسك المهدي عن الجزاء بها فإن كان مهادياً كره, وإن لم يحرم فإن كافأه عليها لم يكره القبول.
مسألة: قال: وإذا حضر مسافرون ومقيمون فإن كان المسافرون قليلا فلا بأس أن يبدأ بهم.
الفصل
إذا اجتمع المسافرون والمقيمون في باب القاضي فإن كان المسافرون قليلاً فلا بأس أن يبدأ بهم لأنه ربما يفوتهم السفر والرفقة, والمقيمون لا يفوتهم شيء وقد وضع الله عنهم الصوم وشطر الصلاة رفقاً بهم فلذلك تجوز البداية بهم للرفق بهم,
فرع
قال في" الحاوي": وهل يعتبر استطابه نفوس المقيمين؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعتبر ويجوز للقاضي أن يقدمهم وإن كره المقيمون لدخول الضرر على المسافرين دون المقيمين والثاني يعتبر حتى إن امتنعوا لم يجبرهم لاستحقاق التقدم بالسبق والأصح الوجه الأول وهو المذهب.
فرع آخر
قال في " الأم": وإن جعل لهم يوماً بقدر ما يضر بأهل البلد ويرفق بالمسافرين فلا بأس.
فرع آخر
وإن كثر المسافرون حتى تنادوا أهل البلد آسى بينهم أي سوى بينهم مخافة الضرر ولكل حق, قال في " الأم": كان لكلهم حق ولا يجوز إضاعة الحق.
فرع آخر
لو كثروا كما في أيام الموسم فإن كان اليوم الواحد يتسع للنظر بين المقيمين والمسافرين [12/ 60 ب] جعل للمقيمين فيه وقتاً وللمسافرين فيه وقتاً فإن استوي الفريقان سوي بين الفريقين, وإن تفاضل فاضل في الوقتين, وإن كان اليوم الواحد لا يتسع جعل للمسافرين يوماً وللمقيمين يوماً إن تساووا, وإن تفاضلوا فاضل بينهم في الأيام وينبغي أن يخص المسافرين بالمجلس الأول إن لم يضر بالمقيمين إما إجباراً أو باستتابة نفوسهم على الوجهين وإن استضر به المقيمون أقرع بينهم في المجلس الأول لأنه ليس فيه سبق يعتبر فعدل فيه إلى القرعة.
مسألة: قال: ولا يقدم رجلاً جاء قبله رجل.
الفصل
قال أصحابنا: إذا كان يوم القضاء فالحاكم يجب أن يقعد أمينه على بابه حتى يكتب أسماء الخصوم الأول فالأول فإذا جاء القاضي نظر في الرقعة وينظر بين الأسبق فالأسبق إذا كانوا مقيمين في البلد لأنه لا يمكن النظر بين جماعتهم في رقعة فلا بد من تقديم بعضهم فكان تقديم الأسبق أولى كما قلنا في المياه المباحة والاعتبار بسبق المدعي مجيئه لا بالمدعى عليه.
فرع
ينبغي أن يكون الذي يتولى إثبات أسمائهم فهماً أميناً فطناً, ويثبت في كل اسم الطالب واسم أبيه وجده وقبيلته وصناعته, وقال بعض أصحابنا: يثبت معه في الواقعة دون المطلوب ولأن الطالب لو قال: أريد أن أحاكم غيره في هذا المجلس لم يمنع.
فرع آخر
إذا أريد إحضاره عند خروج رقعته نودي باسمه وحده دون اسم أبيه وجده, فإذا حضر سأله القاضي عن اسمه واسم أبيه وجده فإن وافق ما في الرقعة نظر بينه وبين خصمه, وإن خالف قال له: ليست هذه رقعتك فانصرف حتى يحضر صاحبها ونودي مرة ثانية حتى يحضر من هو صاحبها ثم نودي مرة ثالثة فإن لم يحضر اخرج رقعة غيره, فإن حضر صاحب الرقعة الأولى وصاحب الرقعة الثانية فإن كان حضوره قبل الشروع في النظر بين الثاني وخصمه قدم الأول عليه وشرع في النظر ولم يقطع واستوفاه ثم نظر الأول وبعده.
فرع آخر
لم جاؤوا دفعة واحدة أو لم يمكن ضبط ذلك لكثرتهم, فإن رضوا بتقديم واحد منهم قدم, وإن تشاحنوا أقرع بينهم فيكتب أسماءهم في رقاع ويتركها بين يديه ثم إذا أراد أن يحكم أخذ واحدة فمن خرج اسمه نظر بينه وبين خصمه وكذلك يفعل في الثاني والثالث ولا حاجة فيه إلى الاحتياط الذي يفعل في قسمة الأموال من الإدراج في البنادق وغير ذلك لأن هذا أسهل.
فرع آخر
لو أن القاضي استناب في إخراج هذه الرقاع وفي القراع من يثق [12/ 61 ب] بعقله وفطنته جاز وكان أبلغ في صيانته.
فرع آخر
لو كان المسبوق مريضاً يستضر بالصبر عذره الله تعالى في حقوقه بالرخص, فإن عذره الآدميون في تقديمه على أنفسهم كان أولى بهم, وإن شاحوه قدمه القاضي إن كان مطلوباً ولم يقدمه إن كان طالباً لأن المطلوب مجبر والطالب مخير.
فرع آخر
إذا نظر بين الأسبق وبين خصمه لا ينظر إلا في خصومة واحدة وإن كان له خصومة أخرى لا ينظر فيها ونظر في خصومة من يليه لئلا يؤدي إلى فوت حق الباقين, وقال في " الحاوي": لو ادعى دعوى ثانية على الخصم الأول هل تسمع بسبقه؟ فيه وجهان: أحدهما: تسمع لأنها مع خصم واحد, والثاني لا تسمع لأنها في محاكمة أخرى
فرع آخر
لو كان في آخر المجلس ولم يكن بعده خصم جاز للحاكم أن يصغي إلى خصومته الثانية, والثالثة لأنه لا ضرر فيه على أحد إن لم يلحق القاضي ملل.
فرع آخر
لو أن المدعى عليه بعد انبرام الحكم معه استأنف دعوى على المدعي فإن لم يكن اسمه ثابتاً في رقعة المدعي لم يسمعها, وإن كان اسمه ثابتاً في رقعة المدعي ففيه وجهان: أحدهما: تسمع دعواه بهذا السبق وهو قول من يرى إثبات اسمه في رقعة المدعي, والثاني: لا يسمعها إلا في مجلس آخر وهو الأصح لأن اسمه فيها [12/ 62 أ] لم يثبت لحقه بل لحق غيره ذكره في " الحاوي".
فرع آخر
لو كان المدعي السابق ادعى على اثنين معاً في حالة واحدة فإن كانت الدعوى مختلفة لم يسمع إلا على واحد, وإن كانت الدعوى واحدة كادعائه ابتياع دار منها جاز لأنها محاكمة واحدة بين طالب ومطلوبين.
فرع آخر
لو اجتمع اثنان في الدعوى على واحد فإن اختلف دعواهما لم تسمع إلا من أحدهما: وإن لم تختلف دعواهما لادعائهما ميراثاً بينهما جاز أن يسمع دعواهما عليه لأنها محاكمة واحدة بين طالب ومطلوب.
فرع آخر
لو كانت الدعاوي على واحد تسمع عليه دعوى الجماعة واحداً بعد واحد لأن الحكم حق المدعي دون المدعى عليه والمدعي جماعة وكذلك لو ادعى المدعي الثاني على المدعي الأول نظر الحاكم بينهما أيضاً.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو أراد الحاكم أن يقدم واحداً من غير قرعة لغرض مثل المرأة تقدم على الرجال جاز.
فرع آخر
لو تقدم اثنان إلى حاكم فادعى أحدهما: على الآخر فقال المدعى عليه: أيها الحاكم أنا جئت به وأنا المدعي, فإن الحاكم يقول له: قد سبقك بالدعوى ويمكن أن يكون الآخر صادقاً فيما ذكره ويمكن أن يكون كاذباً فلم يسقط حق السبق بأمر محتمل فينظر الحاكم في خصومه الأول فإذا فرغ منها نظر في خصومة المدعى عليه.
فرع آخر
لو جاء رجلان [12/ 62 ب] فحضرا بين يدي الحاكم وادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه هو الذي جاء به ليدعي عليه, حكي ابن المنذر في هذا مذهب فقال: من
الناس من قال: يقرع بينهما, ومنهم من قال: يقدم الحاكم من شاء منهما, ومنهم من قال: يصرفهما حتى يصطلحا ثم يعودا, وقيل: بعد التحليف يقدم من شاء ولا نص للشافعي رضي الله عنه فيه, وقال أصحابنا: مذهبنا كما لو جاء مدعيان في حالة واحدة يقرع بينهما لتساويهما.
فرع آخر
لو كان لجماعة حق على رجل فوكلوا رجلاً فقدمه إلى القاضي وطالبه بحقوقهم فأنكر فلا يجوز أن يستحلفه القاضي يميناً واحدة بجماعتهم لأن لكل واحد منهم حق الاستحلاف, وحقوق الجماعة لا تتداخل فإن رضي الجماعة أن يستحلفوه يميناً واحدة ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنهم لو أقاموا بينة واحدة ثبت حق جماعتهم بها فجاز أن يسقط المدعى عليه دعواهم أيضاً بيمين واحدة والثاني وهو المذهب لا يجو لأن القصد من اليمين الردع والزجر وعند الجمع لا يحصل ذلك, وإن حصل الرضا كما لو رضيت المرأة أن يحلف الزوج دفعة واحدة في اللعان لا يجوز ذلك, ولأن اليمين حجة في حق الواحد, فإذا رضي بها في حق الاثنين صارت الحجة في حق كل واحد منهما ناقصة والحجة [12/ 62 ب] الناقصة لا تكمل يرضى الخصم كما لو رضي أن يحكم عليه بشاهد واحد لم يجز, وقال بعض أصحابنا بخراسان: وجه أن للحاكم أن يفعل ذلك من غير الرضي وهذا ليس بشيء وحكي الإصطخري أن إسماعيل بن إسحاق القاضي حلف رجلاً بحق رجلين يميناً واحدة فخطأه أهل عصره
فرع آخر
إذا استعدى رجل على رجل إلى الحاكم لزم أن يستدعيه سواء علم بينهما معاملة أو لم يعلم وبه قال أبو حنيفة وأحمد في رواية وقال مالك: لا يعدي عليه إلا أن يعلم أن بينهما معاملة وهو رواية عن أحمد, واحتج بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يعد به الحاكم على خصمه حتى يعلم أن بينهما معاملة ولأن في أعدائه على كل من استعدى عليه تبذلاً لأهل المروة فلا يجوز ذلك إلا بسبب ظاهر, وهذا لا يصح لأنه يؤدي إلى الإضرار بالناس لأنه قد يستحق عليه بغصب أو وديعة أو إعارة وغير ذلك وإن لم يكن بينهما معاملة, فإذا لم يعد عليه سقط حقه, وأما ما ذكره فلا يصح لأنه مقابل بما ذكرناه أنه يؤدي إلى إسقاط الحقوق.
ثم لا بد له في مجلس الحكم لأن عمر رضي الله عنه حضر عند زيد بن ثابت وعليا رضي الله عنه حضر عند شريح, وقال ابن سيرج: إذا كان من أهل الصيانات استدعاه الحاكم إلى داره [12/ 63 ب] وحكم بينه وبين خصمه فلا يحصل بذلك بذلة.
مسألة: وينبغي للإمام أن يجعل مع رزق القاضي شيئاً لقراطيسه.
الفصل
قد ذكرنا أنه ينبغي للإمام أن يجعل للحاكم رزقاً من بيت المال لأن منفعته مشغولة بمصالح المسلمين كالمرابطين وكارتزاق الخلفاء الراشدين على الخلافة لانقطاعهم بها عن المكاسب وهذا الرزق جعالة لا أجرة ومتى وجد الإمام متطوعاً بالقضاء لم يجز أن يعطي على القضاء رزقا والأولى إذا استغنى عن الرزق أن يتطوع بعمله لله تعالى التماس ثوابه, وإن استباح أخذه مع الحاجة والغنى ورزقه مقدر بالكفاية مع غير صرف ولا تقتير, وكذلك إنفاق أعوانه من كاتب وحاجب وقاسم وسجان.
ويستحب أن يجعل له مع ذلك شيئاً يشترى به القراطيس التي تكتب فيها المحاضر والسجلات لأن ذلك من مصالح المسلمين وفيه تذكرة للحجج وحفظ لما عسى ينساه فهو كأجرة الكيال والوزان فإن لم يفعل الإمام ذلك, أو لم يكن في بيت المال شيء فإنه يكون على المحكوم له فإذا جاء بقرطاس كتب له الحاكم المحضر والسجل لأن الحق في ذلك فإن لم يفعل لم يكن عليه ولا يلزم الحاكم أن يبذل القرطاس من عنده وليس له إكراه [12/ 64 أ] المدعي على ذلك لأنه لوثيقة حقه فمن المحال إكراهه عليه, فإذا تقرر هذا قال في المختصر: فإن لم يفعل قال للطالب: إن شئت فآت بصحيفة يكتب فيها شهادة شاهديك وكتاب خصومتك ولا أكرهك ولا أقبل أن يشهد لك شاهد بلا كتاب فأنسى شهادته وذكر في " الأم" هذا الفصل وقال: يقول القاضي للطالب: إن شئت جئت بصحيفة بشهادة شاهديك وكتاب خصومتك وإلا لم أكرهك ولم أقبل منك أن يشهد عندي شاهد الساعة بلا كتاب وأنسى شهادته فاختلف أصحابنا في تأويل المسألة قال ابن العاص وغيره: قد قيل: معناه أن يكون لرجل على رجل حق مؤجل فأقام صاحب الحق أن يغيب فأقام الشهود على الذي عليه الحق لكي يحكم الحاكم عليه وقت حلول الحق لا يقبل الحاكم ذلك ولا يسمع الشهادة إلا بكتاب فيه ذكر الشهود عليه والشهادة ومبلغ الحق وأسماء الشهود لأنه قد ينسى ذلك الوقت وليس به إلا قبول الشهادة في الحال ضرورة لأنه ليس وقت الحكم, وقال بعض أصحابنا: صورة المسألة هذه ولكن قوله وأنسى شهادته من النسيان فكأنه قال: إن لم يكن كتاب بما سمعت من شهادتك أو حكمن لك ثم جئتني بعد ذلك تطالبني بإمضاء ما حكمت [12/ 64 ب] لك به والحكم بما سمعت من شهادتك لم أفعل إلا أن يكون كتاب في يدك أتذكر بع فإن قيل: لو شهد شاهد مع الكتاب والقاضي نسي شهادته لا يجوز أن يقبل فما معنى قوله بلا كتاب؟ قلنا: فائدة ذكر الكتاب الأمن من النسيان لأن الكتاب لو كان مكتوباً فالقاضي يطالبه والخصم يعرض عليه فكان لا ينسى فمعنى قوله: ولا أقبل أن يشهد لك شاهد بلا كتاب أي بلا ذكرى بسبب الكتاب فلما كان الكتاب سبب الذكر وضعه موضع الذكرى.
قال القاضي الطبري: وهذا ليس بشيء لأن معنى قوله: وأنسى شهادته معناه: أؤخر شهادته ولهذا نقله المزني وأنسا بالألف لا بالياء على أنه من التأخير وليس من النسيان وقد بينه في " الأم" فقال: ولم أقبل منك إن شهد عندي شاهد الساعة بلا
كتاب وأنسا شهادته, ويدل على هذا أنه إذا نسي لم يحكم بالكتاب وإنما حكم بما يذكره فليس التأويل إلا الأول وهو ظاهر لمن تأمل كلام الشافعي رضي الله عنه في " الأم" ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة أن الحاكم إذا حكم لرجل بشيء يقول للمحكوم له: ائتني بصحيفة لأكتب لك فيها ذلك فلا أنسى فإني إذا نسيت لا يفيد حكمي وليس معناه لا يحكم له حتى يأتي بالكاغد [12/ 65 أ] ولكن يقدم إليه العذر.
فإن كان القاضي بحيث لا يمكنه حفظ شهادة شاهد إلى أن يشهد الآخر بل يلتبس عليه, وقال أبو حامد وأكثر أصحابنا: هذا هو الصحيح في الفقه, لأن الشافعي ذكر هذه المسألة في " الأم" على خلاف نقل المزني وقال: ائتني بالصحيفة لشهادة شاهدين يعني لأكتب فيها شهادة شاهديك فالمزني حرف ذلك ونقل: ائتني بصحيفة فيها شهادة شاهديك والصحيح هذا ومن تأمل كلامه في " الأم" عرف حقيقته, وقال في " الحاوي": اختلف أصحابنا في تأويله على وجهين أحدهما: يكتب فيه ما حكم له بالشهادة والثاني يكتب فيه الشهادة ليحكم بها فمن ذهب إلى التأويل الأول منع من سماع الشهادة قبل إنكار الخصم ومن ذهب إلى التأويل الثاني جوز سماع الشهادة قبل إنكار الخصم,
فرع آخر
إذا تعذر القاضي من بيت المال وأراد أن يرتزق من الخصوم فقد ذكرناه.
وقال في " الحاوي": إن لم يقطعه النظر عن اكتساب المادة إما لغنائه بما يستجده وإما لقلة المحاكمات التي لا تمنعه من الاكتساب لم يجز أن يرتزق من الخصوم, وإن كان يقطعه النظر عن اكتساب المادة مع صدق الحاجة جاز له الارتزاق منهم [12/ 65 ب] بثمانية شروط أحدهما: أن يعلم به الخصمان قبل التحاكم إليه فإن لم يعلما إلا بعد التحاكم لم يجز أن يرتزق منهما والثاني: أن يكون رزقه على الطالب دون المطلوب والثالث: أن يكون عن إذن الإمام لتوجه الحق عليه ولا يجوز بغير إذن الإمام والرابع: أن لا يجد الإمام متطوعاً والخامس: أن يعجز الإمام عن دفع رزقه والسادس: أن يكون ما يرتزقه من الخصوم غير مؤثر عليهم ولا مضر لهم, والسابع: أن لا يستزيد على قدر حاجته, والثامن: أن يكون قدر المأخوذ مشهوراً يتساوى فيه جميع الخصوم وإن تفاضلوا في المطالبات لأنه يأخذه على زمان النظر فلم يعتبر بمقادير الحقوق فإن فاصل بينهم لم يجز إلا أن يتفاضلوا في الزمان.
واعلم أن في مثل هذا معرة تدخل على جميع المسلمين ولئن جازت في الضرورات فواجب على الإمام وكافة المسلمين أن تزال مع الإمكان إما بأن يتطوع منهم بالقضاء
من يكون من أهله، وإما أن يقام لهذا بكفايته فيسقط رزقه على أهل البلد لأنه لما كان ولاية القضاء من فروض الكفايات كان رزق القاضي بمثابة ولايته.
ولو اجتمع أهل البلد عند إعواز [12/ 66 أ] بيت المال على أن جعلوا للقاضي من أموالهم رزقاً داراً جاز وكان أولى من أن يأخذ من أعيان الخصوم
فرع آخر
قال في "الحاوي": إذا تحاكم الخصمان فلهما حالتان: إحداهما: أن يسألاه الكتابة، والثانية: أن لا يسألاه، فإن لم يسألاه إياها كان القاضي مندوباً إلى إثبات محاكمتهما في ديوانه مشروحة بما انفصلت عليه من إلزام أو إسقاط احتياطاً للمتحاكمين ووجوب ذلك معتبر بالحكم، فإن كان بما استوفى وقبض لم يجب عليه إثباته وكان ثابتاً مستظهراً، وإن كان فيما لم يقبض ولم يستوف، فإن كانت الحالة مشهورة لا تنسى مثلما لم يجب إثباتها إلا استظهاراً، وإن جاز أن ينسى مثلها وجب عليه إثباتها ليتذكر بخطه ما حكم وألزم لأنه كفيل بحفظ الحقوق على أهلها فالتزم بذلك ما يؤول إلى حفظها، وإن سأله الخصم أن يكتب له ما حكم به ليكون حجة بيده فالذي يكتب القاضي كتابان محضر وسجل، والمحضر حكاية الحال، والسجل حكاية المحضر مع زيادة إنفاذ الحكم به والذي يشتمل عليه المحضر من حكاية الحال يتضمن أربعة فصول صفة أحدها الدعوى بعد تسمية المدعى والمدعى عليه والثاني ما يعقبها من جواب المدعي عليه من الإقرار والإنكار، والثالث حكاية شهادة الشهود على وجهها، فإن حكي شهادة أحدهما: وأن الآخر شهد [12/ 66 ب] بمثل شهادته جاز بخلاف ما لو قاله الشاهد في أدائه ويكره في المحضر ذلك لمنعنا منه في الأداء، والرابع ذكر التاريخ في يوم من شهره وسنته، ولو ضم إليه ذكر ما أداه الشهود من تاريخ التحمل كان حسناً، وإن تركه قضاة زماننا، وأما السجل يتضمن ستة فصول: أحدها: تصديره بحكاية شهادة القاضي بجميع ما فيه، والثاني: حكاية جميع ما تضمنه المحضر من الفصول الأربعة، والثالث: حكاية إمهال القاضي المشهود عليه ليأتي بحجة الدفع فعجز ولم يأت، والرابع: إمضاء الحكم للمشهود له وإلزامه للمشهود عليه بعد مسألة الحاكم، والخامس: إشهاد القاضي على نفسه بما حكم، والسادس: تأريخ يوم الحكم ثم جعله نسختين وأشهد فيهما على نفسه وسلم أحدهما: إليه ووضع الآخر في ديوانه.
فرع آخر
في تسمية الشهود الذين حاكم بشهادتهم في المحضر والسجل قال أكثر أهل العراق: ترك تسميتهم أولى وهو أحوط للمشهود له واختاره الإصطخري، وقال أكثر
أهل الحجاز تسميتهم أولى وهو أحوط للمشهود عليه لعله يقدر على جرحهم اختاره ابن سريج.
فرع آخر
لو أن القاضي عدل عن كتب السجل إلى أن زاد في الخصمين إنفاذ حكمه وأمضاه بعد إمهال المشهود عليه بما يدفع به الشهادة قال: [12/ 67 أ] وأشهد على نفسه جاز.
مسألة: فإن قبل الشهادة من غير محضر فلا بأس.
قد ذكرنا هذه المسألة وذكر في "الأم" أن لا يقبل القاضي شهادة الشاهد إلا بمحضر من الخصم المشهود عليه، فإن قبلها بغير محضر فلا بأس ولا يختلف فيه أصحابنا ولكن إذا سمع الشهادة فإن كان الخصم غائباً أو متوارياً في البلد حكم عليه بلا خلاف، وإن كان حاضراً غير مستتر إذا دعاه أجابه قد ذكرنا في الحكم عليه وجهين: أحدهما: يحكم به وبه قال ابن شبرمة وأحمد وإسحاق، قال ابن شبرمة: أحكم عليه ولو كان وراء الجدار وهذا لأن البينة ثبتت، فإن كان له حجة تزيل بينتها سمعها وأنقض الحكم، والثاني وهو ظاهرة المذهب واختاره أبو إسحاق لا يحكم بها إلا بعد حضوره لأنه ربما كانت عنده حجة تزيل عن نفسه شهادة خصمه ولا ضرر في تأخير الحكم إلى وقت حضوره ويجوز تأخير الحكم مدة لا يلحقه الضرر كاليوم واليومين والثلاثة أكثره، فإن لم يأت بالحجة حكم عليه، فإن قيل: إذا كنت تسمع جرحه بعد الحكم فلا فائدة في تأخير الحكم من أجله قلنا: قال أبو إسحاق: فيه فائدة أنه إذا أتى بشهادة على فسق الشهود، فإن كان قبل الحكم لم يحكم بها وإن كان بعد الحكم لم ينقضه لجواز أن يكون حدث الفسق بعد الحكم، وقد ذكرنا عن القتال [12/ 67 ب] أنه قال: هل يسمع البينة من غير حضوره؟ فيه وجهان والصحيح ما ذكرنا أنه لا خلاف في جواز سماع البينة ولو كان غائباً عن الحكم حاضراً في مجلسه لا يجوز الحكم عليه إلا بعد حضوره وإعلامه بلا خلاف لأنه لا ضرورة، ذكره في "الحاوي" وقال مالك: يجوز القضاء على الغائب فيما ينقل ولا يجوز فيما لا ينقل من العقار حكاه صاحب "الحاوي"، ثم قال الشافعي: وينبغي إذا حضر أن يقرأ عليه ما شهدوا به عليه وينسخه أسماءهم وأنسابهم ويطرده جرحهم ثم إذا لم يأت به حكم عليه ومعنى قوله يطرده جرحهم أي يمهله الجرح إن أمكنه ذلك.
مسألة: قال وإذا علم من رجل بإقراره أو تيقن أنه شهد عنده بزور عزره.
أراد بتيقن سوى الإقرار، وجملته أن شهادة الزور من أكبر الكبائر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كالإشرال بالله قاله ثلاثاً ثم قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾
﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ وروى خريم بن فاتك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعدلت شهادة الزور بالاشتراك ثلاث مرات وتلا هذه الآية.
فإذا ثبت عند الحاكم أن شاهداً شهد بزور عزره وأشهره [12/ 68 أ] وإنما يثبت على رجل بالقتل أو الزنا والحاكم يعلم أنه ما قتل ولا زنا إذ كذبته المشاهدة أن يشهد بقطع يد رجل ثم وجدنا يديه صحيحتين ونحو ذلك، وأما إذا شهد شاهدان أنه أقر بأنه شهد بزور لا يثبت بذلك شهادة الزور عليه لجواز أن يكونا كذبا كذبا في شهادتهما عليه، وإن قالا: نشهد أنه كاذب في شهادته لا يقبل لأنهما ينفيان أن يكون هذا الحق ثابتاً والشهادة على النفي تقبل ولا يؤثر هذا في القضاء بعد القضاء، ولكن لو أقيمت الشهادة بذلك قبل القضاء لم يقذ القاضي بتلك الشهادة فأما إذا كذبته المشاهدة فلابد من نقض الحكم بلا إشكال.
والأصل في تعزيره إذا تحققنا منه بما ذكرنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يجلد شاهد الزور أربعين وروى ابن المنذر أن عمر رضي الله عنه جلد شاهد الزور أربعين سوطاً، وروي أنه أتى بشاهد زور فوقفه للناس يوماً إلى الليل يقول: هذا فلان شهد بزور فاعرفوه ثم حبسه، وروي أنه ظهر على شاهد زور فضربه أحد عشر سوطاً ثم قال: لا تأسروا الناس بشهود الزور فإنه لا نقبل من الشهود إلا العدل، وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا أخذ شاهد زور بعث به إلى عشيرته فقال: إن هذا شاهد زور فاعرفوه وعرفوه، ثم خلى سبيله لأنه أتى [12/ 68 ب] بكبيرة لا يجب فيها الحد فاستحق التعزير والأمر في التعزير عندنا مردود إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى أن يضر به أقل من أقل الحدود وهو دون أربعين فغاية تعزيره تسعة وثلاثون سوطاً، وإن رأى أن يحبسه مع ذلك فعل، وإن رأى أن لا يضر به لأنه شيخ ضعيف ويحبسه فعل ذلك، وإن رأى أن ينادى عليه فقط فعل ذلك، وقال مالك رحمه الله: يجوز أن يزيد في تعزيره على أكثر الحدود وقال ابن أبي ليلى لا يبلغ بها المائة ويجوز ما دونها، وقال أبو يوسف: يجوز ما دون الثمانين.
والأصل في تشهيره والنداء عليه ما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اذكروا الفاجر بما فيه لكي يعرفه الناس ". وروي: لكي يحذره الناس، ولأنه إذا شهره يجتنبه الناس ويحذروه وإذا لم يفعل ذلك ربما اغتروا به.
وكيفية التشهير أن يبعث معه ثقة إلى المواضع التي يعرف فيها فإن كان من أهل الأسواق ففي سوقه، وإن كان من أهل المساجد ففي مسجده قال الشافعي رحمة الله عليه: وإن كان من أهل قبيله وقفه في قبيله، وإن كان من قبيله وقفه في قبيلته والفرق بين القبيلة والقبيل أن القبيلة بنو الأب الواحد والقبيل الأخلاط المجتمعون من آباء شتى فيقول المنادي: السلام عليكم هذا فلان ابن فلان [12/ 69 أ] قد عرفناه بشهادة الزور فاعرفوه، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يعزر بل تكفي الشهرة، ذكره الطحاوي والمشهور أنه لا يعزر ولا يشهر ولا يجوز أن يزد على ما ذكرنا
فلا يسود وجهه ولا يحلق رأسه ولا ببلاءه بذلك على نفسه، وقال شريح: يجوز أن يفعل كل ذلك في شهرته، وروي أنه قال: يركب حماراً وينادي على نفسه هذا جزاء من شهد بالزور، وقال بعض العلماء: يحلق نصف رأسه، وقد روي عن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة أنه أمر بحلق نصف رأسه وتسخيم وجهه والطواف به في الأسواق والذي شهد له معه، ودليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة وهذه مثلة.
فرع
لو كان من ذوي الصيانات قال ابن أبي هريرة: يصان عن هذا النداء ويقتصر فيه على إشاعة أمره لقوله صلى الله عليه وسلم: "اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم"، وقال غيره من أصحابنا لا فرق بين ذوي الصيانة وغيرهم لأن الصيانة قد خرج منها بزوره.
فرع آخر
إذا ظهر أنه شاهد زور يقضى بفسقه فلا تسمع له شهادة من أحد ما لم يتب، فإن تاب وأمسك حتى يستمر عليها ويتحقق صدق معتقده فيها تقبل شهادته.
فرع آخر
هل ينادى بعد توبته بقبول شهادته؟ فيه وجهان: أحدهما: ينادى بها كما نودي بفسقه والثاني: لا ينادى بها [12/ 69 ب] لأن ظهور التوبة بأفعاله أقوى ولأن في النداء بذلة.
فرع آخر
إذا شهد بالخطأ لم تكن شهادة زور ولكن يوبخ عليها لتسرعه إلى الشهادة قبل تحققها، فإن كثر ذلك منه ردت شهادته، وإن كان على عدالته بعد الثقة بها.
فرع آخر
لو شهد شاهدان بحق ثم بان أنهما كانا فاسقين ترد شهادتهما ولا يتصل بهما شيء مما ذكرنا لأنه لا يقطع على كذبهما، وإنما ردت شهادتهما للفسق لا للكذب.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه ينبغي للقاضي إذا لم يثق بسلامة الشهود مما ذكرا أن يقدم وعظهم وتحذيرهم فقد كان شريح رحمه الله تعالى إذا حضره شاهدان للشهادة قال لهما: حضرتما ولم أستدعكما، وإن انصرفتما لم أمنعكما، وإن قلتما: سمعت فاتقيا الله فإني متق بكما.
مسألة: قال: واختلف قوله في الخصم يقر عند القاضي فقال: فيها قولان:
الفصل
اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في القاضي إذا علم شيئاً ولم يشهد عنده به شهود هل يجوز أن يقضي بعلمه؟ فقال في أحد القولين: لا يجوز سواء كان في حقوق الله تعالى أو حقوق الآدميين وسواء علمه قبل القضاء أو بعده ولكن يكون شاهداً به يشهد غيره وقول الشافعي أحد القولين أنه كشاهد لم يرد به أن شاهداً آخر لو شهد عند القاضي صار الحاكم كالشاهد الثاني حين يقضي ولكن المراد به ما ذكرنا [12/ 70 أ] أنه عند قاض آخر كشاهد حتى لو شهد معه الشاهد الثاني قضى ذلك القاضي به وبه قال شريح والشعبي ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن وأبو عبيد.
والقول الثاني: قاله في "الأم": يجوز أن يحكم بعلمه واختاره في كتاب "الرسالة" وهو اختيار المزني وبه قال أبو يوسف والربيع: وهو الصحيح، ولا فرق بين أن يعلم في ولايته أو في موضع عمله أو غيره وقال أبو حنيفة: إن علمه قبل ولايته يحكم، وكذلك إن علمه في غير موضع عمله، وإن كان في عمله بعد ولايته حكم به، وروي عن محمد مثله وروي عن ابن أبي ليلى أنه قال: يحكم بما علمه في مجلس قضائه ولا يحكم بما علمه في غيره ووجه القول الأول ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في قصة الحضرمي والكندي شاهداك أو يمينه ليس لك منه إلا ذاك، وروي عن عمر رضي الله عنه: أنه تداعى عنده رجلان فقال له أحدهما: أنت شاهدي فقال: "إن شئت شهدت لك ولا أحكم، أو أحكم ولا أشهد".
وروي أن عمر قال لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما: أرأيت لو رأيت رجلاً قتل أو سرق أو زنا قال: شهادتك شهادة رجل من المسلمين قال: أصبت وسئل الشعبي عن رجل كانت عنده شهادة فجعل قاضياً فقال أتي شريح: في ذلك [12/ 70 ب] فقال: أنت الأمير.
وأنا شاهداك وقال شريح: القضاء جمر فادفع الجمر عنك بعودين.
ووجه القول الثاني ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنعن أحدكم مخافة الناس إذا رأى الحق يقوم به ويعمل به قال أبو سعيد: وددت أني لم أسمع هذا الخبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي "لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق إذا رآه أو سمعه"، وروي أو علمه.
وروي أنه قال: في خطبته ولا يمنعكم مخافة الناس من أنفسكم أن تقولوا بالحق إذا علمتم، وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنعن أحدكم مخافة أن يتكلم بحق إن علمه فما زال البلاء حتى قصرنا، وروى سعد بن الأطول: أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالا فأردت أن أنفقها على عياله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أخاك
محبوس بدين فاقض عنه" فقضى عنه فقال يا رسول الله: أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأته ليس لها ببنة فقال:" أعطها فإنها صادقة" وظاهره أنه حكم لها بعلمه وروى أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجلان فقال أحدهما: يا رسول الله إن لي عند هذا بعيرا, وقال الآخر: ليس له عندي بعير فقال: استحلفه فحلف بالله [12/ 71 أ] الذي لا إله إلا هو وما له عندي بعير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفر قولك لا إله إلا الله قم بأداء البعير فإنه عندك" وروى أبو داود بإسناده عن عمارة بن غزيه عن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم المشي وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه الفرس ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتعاه فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي فقال: أو ليس قد ابتعته منك فقال الأعرابي: لا والله ما بعتك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد ابتعته منك فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا فقال خزيمة: أشهد أنك بعته فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بم تشهد فقال: بتصديقك يا رسول الله.
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة شهادة رجلين" ووجه الحديث عندنا أنه صلى الله عليه وسلم حكم على الأعرابي بعلمهما إذا كان صلى الله عليه وسلم صادقا بارا في قوله وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد لقوله والاستظهار بها على خصمه وغلط من قال: تجوز الشهادة لمن عرفت صدقة لهذا الخبر, وروي " أن البائع كان سوار بن الحارث المحارب فجحد [12/ 71 ب] فشهد به خزيمة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضر؟ فقال يا رسول الله: صدقتك ما جئت به وعلمت أنك لا تقول إلا حقا فقال: من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه وروي " أن الأعرابي قال: إن شهد على خزيمة فأعطني الثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خزيمة أنا لم استشهدك فكيف شهدت؟ قال: أنا أصدقك على خبر السماء ألا أصدقك على ذا الإعرابي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين فلم يكن في الإسلام رجل تجوز شهادته شهادة رجلين غير خزيمة" وأيضا روي" عن زينب الأسدية قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أبي ترك جارية" فولدت ابناً وإنا نتهمها فقال: ائتوني به فلما أتوه نظر إليه وقال: إن الميراث
له وأما أنت فاحتجبي منه" وهذا حكم بعلمه واحتج المزني فقال:" قد قطع بأن سماعه الإقرار منه أثبت من الشهادة وصرح في كتاب الرسالة قال: أقضي بعلمي وهو أقوى من شاهدين" لأن العلم به مقطوع والشهادة ظن فكان الحكم بعلمه أولى, وقال الربيع: كان الشافعي رضي الله عنه يعتقد جواز القضاء بعلمه ولكن كان لا يبوح به مخافة قضاة السوء فالمسألة على قول واحد أنه يجوز القضاء بعلمه وأما خبر الحضرمي [12/ 72 أ] فلا حجة فيه لهم لأنه لم يكن معه علم الحاكم وجوز النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون معه شاهدان, وأما خبر عمر فغير مشهور فالقياس يقدم عليه واعلم أن الشافعي رضي الله عنه قال: في كتاب الرسالة أقضي بعلمي وهو أقوى من شاهدين وشاهد والمرأتان وهو أقوى من شاهد ويمين وهو أقوى من النكول ورد اليمين ولا إشكال في قوله أقوى من شاهد وامرأتين لأن الطلاق والنكاح لا يثبت بشاهد وامرأتين والشاهد والمرأتان أقوى من شاهد ويمين لأن الإجماع أقوى من الخلاف والإشكال في قوله والشاهد واليمين أقوى من النكول ورود اليمين ولموضع الإشكال أن الشاهد واليمين بينة مختصة بالأموال والنكول ورد اليمين بينة جارية في الدماء والفروج وجميع الأحكام بين الآدميين فكيف جهل الشافعي الشاهد واليمين؟
والجواب: لعل الشافعي أراد بقوله أقوى من النكول ورد اليمين في علم القاضي فإنه يغلب على قلبه فوق العلم الذي ثبت له بالنكول ورد اليمين وذلك أن شهادة العدل الواحد فوق نكول الناكل قد ينكل لكونه ظالماً وقد يخرج عن اليمين وهو صادق فصار شهادة العدل مع يمين الطالب فوق نكول الخصم مع يمين الطالب في التغليب على قلب الحاكم, فأما في الفوائد التي تستفاد من البينات فالنكول ورد اليمين أقوى [12/ 72 ب] من الشاهد واليمين أو نقول: هو أقوى في النفس من ورد اليمين لأنها أتت من غير جهة المدعي واليمين بعد النكول بينه من جهة المدعي.
فرع آخر
إذا قلنا لا يحكم بعلمه فأقر عنده الخصم لم يجز أن يحكم إلا أن يشهد بإقراره شاهدان ليصير حاكماً لا بعلمه وينبغي أن يكون في مجلس حكمه شاهدان عادلان على القول حتى لا يحتاج إلى القضاء بالعلم به قال مالك: وقال بعض أصحابنا: لا يعتبر ذلك ويجوز أن يقضي هنا قولاً واحدا لأنه يحكم بالإقرار وليس يحكم بالعلم قال في " الحاوي": وأكثر أصحابنا على هذا وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا "إذا أقر في مجلس الحكم وقضى عليه في ذلك المجلس وقال: هو قضاء بالحجة فيجوز قولاً واحداً فإن فارق مجلسه ثم عاد فأراد أن يقضي أو أقر في غير المجلس ففيه قولان.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كان مع علمه شاهد واحد هل يقضي ويعد نفسه شاهد آخر, فيه وجهان: أحدهما: يقضي وبه قال شريح, والثاني: لا يقضي بعلمه يدع الحكم بعلم نفسه وإذا شهد عنده شاهدان بالنكاح والقاضي يعرف بين الزوجين رضاعاً لا يقضي بصحة النكاح, ولو قضى يكون عاصياً ولا يصح قضاؤه وكذلك لو شهد بقتل رجل وهو يعرف يقيناً بقاء ذلك الرجل لا يقضي ونحو ذلك كبير وقال في "الحاوي": لو شهد عنده شاهدان بما يعلم خلافه لم يجز أن يحكم بعلمه [12/ 73 أ] وهل يجوز حكمه بالشهادة؟ فيه وجهان: أحدهما: يحكم بها لأن الشهادة هي المعتبرة في حكمه دون علمه والثاني لا يحكم بها.
وهو الأصح لأنه يتحقق كذبهما.
فرع آخر
لو ذكر القاضي أن بينة قامت عنده بصدقة على ما ذكر منها ويجوز له أن يحكم بها على القولين لأنه حاكم بالبينة دون العلم.
فرع آخر
إذا قلنا: يحكم بعلمه يقول القاضي للمنكر علمت أن له عليك ما ادعاه وحكمت عليك بعلمي فإن اقتصر على أحد هذين وأغفل الآخر لم ينفذ حكمه ذكره في" الحاوي"
فرع آخر
إذا قلنا: لا يقتضي بعلمه في الأموال ففي حدود الله تعالى أولى وإذا قلنا: يحكم بعلمه هناك ففي حدود الله تعالى هل يجوز أن يقضي بعلمه؟ قال الشافعي رضيا الله عنه: يحتمل أن تكون حقوق الآدميين ويحتمل أن يفرق بينهما لأن من أقر بشيء للناس ثم رجع لم يقبل رجوعه ومن أقر لله تعالى ثم رجع قبل رجوعه فخرجه على قولين: على هذا القول وقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: لو رأيت رجلاً على حد لم أحده حتى تقوم البينة عندي ولأن الحد مأمور بالستر عليه والخصم في الحدود الحاكم فلا يحكم فيما بعلمه.
فرع آخر
إذا قلنا: يحكم بإقراره في مجلس حكمه ولا يكون حاكماً بعلمه بل يكون حكماً بحجته فأقر في مجلس حكمه بحد الله تعالى حكم عليه بالحد من غير شهادة أيضاً
فرع آخر
لو حكم خصمان رجلاً من الرعية [12/ 73 ب] ليقضي بينهما جاز لما روي أن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب رضي الله عنهما تحاكما إلى زيد بن ثابت, وروي أن
عثمان وعبد الرحمن بن عوف تحاكما إلى خبير بن مطعم رضي الله عنهم فإن قيل: كان عمر رضي الله عنه إماماً فإذا تحاكم إلى زيد صار زيد حاكماً قلنا: لم ينقل أكثر من الرضا بحكمه وهذا لا يصير حاكماً.
وروي أن عليا رضي الله عنه حكم في الإمامة ففيما عداها أولى وهكذا حكم أهل الشورى في الإمامة عبد الرحمن بن عوف
فرع آخر
التحاكم يجوز سواء كان في البلد حاكم أو لا لأنه إذا جاز أن يوليا عند عدم الحاكم جاز مع وجود الحاكم كالإمام يجوز أن يولي رجلاً حاكماً وإن كان في البلد حاكم.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد في أدب القضاء إذا تحاكما إليه فأيهما أراد الرجوع عن ذلك رجع مالم يقض بينهما, فإذا قضى وأبرم الحكم قال الشافعي رضي الله عنه فيه قولان: أحدهما: أن ذلك لازم ولا يرد إلا ما يرد من قضاء قاض غيره وبه قال أبو حنيفة وأحمد لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حكم بين اثنين تراضياً له فلم يعدل بينهما فهو ملعون.
ولولا أنحكمه يلزمها لم يلزمه بترك العدل ولأنهما إلى من لم يتراضيا بحكمه جاز ولزم فلئن يلزم بتراضيهما أولى ولأنهما رضيا بحكمه ونظره فحكمه محل الإمام الذي رضوا بحكمه وأمانته والثاني [12/ 74 أ] أنه كالفتيا يعني لهما فلا ينفذ حكمه عليهما إلا أن يترضيا به بعد الحكم لأن الحكم إنما يلزم ممن له ولاية والولاية لمن ولاه الإمام لأنه يلي على الأيتام ويزوج ألأيامي وهذا لا ولاية له فلا يلزم حكمه إلا بالتراضي قال ابن سريج: وهذا أشبه بقوله: لأنه قال في القاسم بالتراضي لا يلزم القسمة ألا أن يتراضيا عليه بعد القسمة وهذا اختيار المزني والأول أصح عندي خاصة في زماننا هذا وبه قال أكثر الفقهاء وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحداً" فصار بتأمرهم له نافذ الأمر عليهم وروى شريح عن أبيه هانئ أنه " وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى المدينة فكانوا يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلا تكني أبا الحكم فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي بهذا الفريقان فقال صلى الله عليه وسلم: حسن هذا فما لك من الولد فقال لي شريح ومسلم وعبد الله, قال فمن أكبرهم؟ قال قلت: شريح قال: وأنت أبو شريح"
فرع آخر
إذا قلنا بالقول الأول فلو شرع المحكم في الحكم فأراد أن يمتنع فهل له ذلك؟ فيه وجهان: ذكرهما الإصطخري أحدهما: له ذلك لأنه إنما يلزم بالتراضي حال الحكم ولم يؤكد ذلك, والثاني ليس له ذلك لو جوزنا ذلك لم يلزم بحال [12/ 74 ب] لأنه كلما هم بالحكم يمتنع المحكوم عليه.
فرع آخر
لا يجوز لقاضي البلد أن يرد من حكمه إلا ما يرد من حكم غيره, وقال أبو حنيفة رحمه الله: له أن يفسخ إّا خالف رأيه, وإن لم يخالف الإجماع لأن هذا عقد في حق الحاكم فكان له فسخه كالعقد الموقوف يجوز أن يفسخه من وقع في حقه وهذا لا يصح لأن هذا الحكم قد صح ولزم فلا يفسخ بمخالفة رأيه كسائر الأحكام وأما ما ذكره فلا يصح لأنه لازم للخصمين فكيف يكون موقوتاً ولا سليم الوقف في العقود.
ولو كان كما قاله لكان له إمضاءه إذا خالف رأيه
فرع آخر
إذا حكم بينهما به في المجلس الذي حكم فيه قبل التفرق لأن قوله لا يقبل عليهما بعد الافتراق كما لا يقبل قول الحاكم بعد العزل.
فرع آخر
لو تعدى الحكم إلى غيرهما وكان منفصلاً عن الحكم ولا يتصل به إلا عن سبب موجب كبينة شهدت بالدين وأن فلانً ضامنه يلزم حكمه في الدين دون الضمان لأن الرضي لم يوجد ممن عليه الضمان.
فرع آخر
لو كان متصلاً بالحكم ولا ينفصل عنه إلا بسبب موجب مثل إن تحاكما إليه في قتل خطأ فقامت به البينة ففي وجوب الدية على العاقة التي لم ترض بحكمة وجهان: أحدهما: يجب عليهم بهذا الحكم إذا قلنا تجب الدية على الجاني ثن تتحملها العاقلة والثاني لا تجب على العاقلة الدية لأنهم [12/ 75 أ] لم يرضوا بحكمه إذا قلنا تجب الدية ابتداء بين العاقلة.
فرع آخر
يجب أن يكون الحاكم من أهل الاجتهاد بحيث يجوز قضاءه فإن كان لا يصلح للقضاء فهو مصلح لا لاحاكم فلا يلزمهما قوله قولاً واحداً
فرع آخر
التحكيم لا يجوز إلا في أحكام مخصوصة والأحكام ثلاثة أقسام: قسم يجوز فيه التحكيم وهو حقوق الأموال وما يصح العفو منه والإبراء وقسم لا يجوز فيه التحكيم
وهو ما اختص القضاة بالإخبار عنه من حقوق الله تعالى والولايات عن الأيتام والحجر على المبذر وقسم مختلف فيه وهو أربعة أقسام: النكاح واللعان والقذف والقصاص فيها وجهان: أحدهما: يجوز التحكيم فيها لوقوفها على رضا المتحاكمين، والثاني لا يجوز لأنها حقوق تختص الولاة بها وحكمها آكد والأول أظهر وبه قال أكثر أصحابنا.
فرع آخر
لو أن امرأة لا ولي لها فتحاكمت مع رجل غلى رجل ليزوجها منه فإن كانا في دار الحرب أو في بادية لا يصلان إلى حاكم جاز، وإن كانا في دار الإسلام يقدران على الحاكم جاز في أحد القولين وهو اختيار أبي طاهر الزيادي وأبي إسحاق الإسفرايني وعملائه وأنا على هذه الفتوى خاصة في زماننا هذا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يجوز في الحدود والقصاص وجهاً واحداً وفي اللعان وجهان، وكذلك في النكاح.
فرع آخر
لو رضي المتنازعان بتحكيم اثنين لم ينفذ [12/ 75 ب] ذلك فإذا أذن له يجوز أن يستخلف قل عمله أو كثر إلا أنه إن قل عمله يتخير في الاستخلاف، وإن كثر عمله يجب عليه الاستخلاف، ويجوز له أن يولي من شاء في بلد ولايته وقراه وأطرافه والمستحب أن لا يدع طرفاً من ولايته قد جرت العادة فيه بأن يكون هناك خليفة كيلا تبعد على الناس المسافة ولا يشق والأولى إذا ولي قضاء مصر كبير أن يقضي هو في المصر ويستخلف على السواد لأنه تبع فاختص بالتابع، وإن كانا مصرين كالكوفة والبصرة كان بالخيار في أن يقضي في أيهما شاء ويستخلف في أيهما شاء.
فرع
القاضي في بلدين إذا حكم في أحدهما: واستخلف خليفة في البلدة الأخرى أن ينتقل إلى بلد خليفته وينفذ خليفته غلى بلده إلا أن يكون الإمام عين له الحكم في إحداهما والاستخلاف على الآخر فلا يجوز أن يعدل عما عين له وتكون ولايته على البلد الآخر مقصورة على اختيار الناظر فيه دون الحكم.
فرع أخر
لو تنازع خصمان فيه وفي خليفته فإن كان القاضي في يوم التنازع ناظراً فالداعي إليه أولى، وإن كان خليفته ناظراً، والقاضي فيه تاركاً فالداعي غلى خليفته أولى لأنه أعجل.
فرع أخر
لو جعل له الإمام على القضاء رزقاً فإن سمي له اختص به، وإن سمي للقضاء شاركه فيه خلفاءه بحسب كفاياتهم في النظر وكثرة العمل، فإن عزل من استخلف وقام بعمله جاز [12/ 76 أ] أن يأخذ رزقه، وإن لم يقم به لم يجز أن يأخذه.
فرع أخر
لو نهاه الإمام عن الاستخلاف لا يجوز له ذلك سواء قل عمله أو كثر، وإن
استخلف فلا ولاية لخليفته فإن حكم بين خصمين ترافعا إليه كان كالمحكم من الرعايا.
فرع آخر
إذا كثر عمله لزمه إعلام الإمام بعجزه عن النظر لتخير الإمام بين أن يأذن له بالاستخلاف أو يصرفه عما لا يمكنه القيام بنفسه، ولا يجوز للإمام بعد علمه أن يتركه على حاله وأولى الأمرين بالإمام أن يصرفه عن الزيادة ليكون هو المتولي للاختيار فيكون عن ثقة من نفسه فإن لم يعلم الإمام أو أعلمه فلم يأذن له في أحد الأمرين فكثرة عمله على ضربين: أحدهما: أن يكون مصراً كثير السواد كالبصرة فيختص نظره بالبعد اعتباراً بالعرف وله أن يحكم بين أهل السواد إذا قدموا عليه، فإن استعدى إليه على رجل من أهل السواد فإن كان على أقل من مسافة يوم وليلة لزمه إحضاره، وإن كان على مسافة القصر وأكثر ففي وجوب إحضاره قد ذكرنا وجهين، والضرب الثاني أن يكون عمله مشتملاً على مصرين متباعدين كالبصرة وبغداد يتخير في النظر في أيهما شاء، فإذا نظر في أحدهما: هل ينعزل عن الآخر؟ قال صاحب "الحاوي ": يحتمل وجهين: أحدهما: أنه انعزل عنه لتعذر حكمه فيه بالعجز عما لو تعذر بآفة والثاني لا ينعزل عنه ويكون باقي الولاية عليه لصحة الولاية عليهما [12/ 76 ب] مع العجز عنهما فعلى هذا يجوز أن ينتقل من أحدهما إلى الآخر وعلى الوجه الأول لا يجوز له ذلك.
فرع آخر
لو أطلق الولاية ولم يأذن له في الاستخلاف ولا نهى عنه فإن كان الذي ولاه إياه مما يمكنه القيام في جميعه بنفسه فالمذهب أنه يجوز له الاستخلاف في شيء منه لأنه رضي باجتهاده دون غيره فهو كالوكيل لا يوكل، وبه قال جمهور أصحابنا، وقال الإصطخري: له الاستخلاف اعتباراً بعموم ولايته ولأن الإمام يولي القضاء للمسلمين لا لنفسه ولهذا لا يجوز له عزله فلا يقف استخلافه على إذنه والأول أصح.
ولا نسلم بل له عزله من غير فسق ذكره ابن خيران وجماعة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان ولا معنى لهذا فإن المذهب المنصوص ما ذكرنا.
وإن كان الذي ولاه مما لا يمكنه القيام فيه بنفسه يجوز له أن يستخلف على القدر الذي لا يمكنه القيام فيه بنفسه لأن مثل هذا التقليد يتضمن الإذن في الاستخلاف ضرورة، كما لو دفع ثوباً إلى بزاز ليبيعه يتضمن الإذن في أن يدفعه إلى من ينادي عليه، وأما القدر الذي يمكنه القيام فيه بنفسه هل يجوز له أن يستخلف فيه؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: يجوز له لما جاز الاستخلاف في البعض جاز في الكل، والثاني لا يجوز وهو الأصح لأنه لا ضرورة في ذلك.