أحدهما: تحل عليه, وبه قال مالك؛ لأنه حديث حالة تعلقت حقوق الغرماء بأعيان ماله فوجب أن تحل الديون المؤجلة كما لو مت.
والثاني: لا تحل عليه - وهو الأصح- وبه قال أبو حنيفة, واختاره لأنه معنى لا يقطع تصرفه في ذمته فلا يجب حلول الدين المؤجل كنفس الإفلاس قبل الحجر.
والفرق بينه وبين الموت, أن الرجل إذا مات بطلت ذمته ولا يملك بعد الموت شيئًا, والمحجور عليه ذ ذمة والأجل محل الذمة فلا يسقط ما لم تخرب وخرابها بالموت.
فإن قلنا: لا تحل قسم ماله بين الغرماء الذين ديونهم حالة, فإن كانت أعيان ماله لأصحاب الديون المؤجلة هل تباع في حق أصحاب الديون الحالة؟
المنصوص أنها تباع في حقهم, لأنه مال من أموال المفلس كسائر أمواله, ومن أصحابنا من قال: لا تباع في حقهم, وأشار إليه الشافعي في "الإملاء" وشبه بالرهن في يديه حتى يحل الحق فيطالبه بالثمن أو يرجع فيه ويعاد الحجر عليه لأجلهم إن طلبوا ولا القياس, وإذا قلنا تحل عليه الديون المؤجلة [ق 327 أ] صارت كلها حالة, فمن كان له عين ماله فله الرجوع فيه, ومن لم يكن له عين مال ضارب الغرماء بالثمن, وهذا هو المذهب؛ لأن الشافعي شبهه بالميت على هذا القول فكان حكمها سواء.
وقال أبو إسحق وابن أبي هريرة: إن كان دينه في ذمته ضرب مع الغرماء بحصته, وإن كان مبيعًا في يديه يعزل من جملة ماله إلى أن ينقضي الأجل ولا يدفع إليه في الحال, ثم ينظر فإن كان المشتري أفاد مالًا قبض منه ثمنه, وإن لم يفد مالًا كان أحق بعين ماله.
وقال صاحب "الإفصاح": العين والدين سواء في هذا, وهو أن يعزله من ماله ولا يدفع إليه شيئًا إلا بعد حلول الأجل.
ومعنى قولنا: "تحل ديونه" أي يضارب الغرماء, فأما القبض فلا يجوز إلا بعد مضي أجله, وهذا كله تخليط, وليس للشافعي في التفريع على هذا القول نص, والذي يقتضيه مذهبه كما ذكرنا.
وإن قال قائل: قال الشافعي في "الإملاء": ولا يفسخ البيع حتى يحل أجله مفلسًا, لأنه يمكن أن يؤسر قبل الأجل, قال أبو إسحاق في "الشرح": هذا على القولين جميعًا.
قلنا: هذا الفول الذي يقول يحل الدين وعلى هذا حمله المزني في "المختصر" فبطل ما قاله أبو إسحاق وصاحب "الإفصاح" وهذا لأن الدين إذا حل لا معنى للحبس على الأول.
وإن كانت الديون كلها [ق 327 ب] مؤجلة لا يختلف المذهب أن الحاكم لا يحجر عليه سواء ظهرت أمارات الفلس أو لم تظهر؛ لأنه لا مطالبة لهم في الحال, ولا يصح الحجر إلا بمطالبة الغريم.
فرع
إذا مات وله ديون مؤجلة قد ذكرنا أن الأجل يسقط, وبه قال عامة الفقهاء, وقال
ابن أبي ليلى: يبقى الأجل ولا يحل بموته, وروي ذلك عن الزهري, وعمرو بن دينا, وهذا غلطا لما روى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات الرجل وله دين إلى أجل وعليه دين إلى أجل فالذي عليه حال, والذي له إلى أجله" ولأن في تبقية الأجل إضرارًا بالميت فإن ذمته مرتهنة بدينه, ولا تنتفع به الورثة أيضًا؛ لأنهم لا يقدرون أن يتصرفوا في الأعيان لتعلق الدين بها فلا وجه لبقاء الأجل.
مسألة:
قال: "ولو جني عليه عمدًا".
الفصل:
إذا جني على مفلس لا يخلو إما تكون الجناية عمدًا أو خطأ, فإن كانت خطأ أو عمدًا يوجب المال لم يصح عفوه عليه؛ لأن ذلك تبرع منه وإن كانت عمدًا يوجب القصاص فإذا قلنا: موجب العمد القصاص فقط والمال إنما يجب بالعفو على ماله كان له أخذ القصاص وله العفو على غير مال؛ لأن المال لا يجب إلا بالاختيار ولا يلزمه اختيار المال [ق 328 أ] وليس للغرماء منعه من ذلك.
وإن قلنا: موجبة أحد شيئين إما القصاص وإما الدية فعفا عن القصاص ثبت على هذا القول فلا يصح عفوه على مال ثابتٍ.
مسألة:
قال: " وليس على المفلس أن يؤاجر".
إذا فرق ماله على الغرماء ولم يبق شيء يفك الحجر عنه وليس للغرماء ملازمته وبقولنا قال مالك, وهذا لا عن من ليس له مطالبته ليس له ملازمته, كما لو كان الدين مؤجلًا.
واحتج بما روى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لصاحب الحق اليد واللسان" وقلنا: نحمله على الموسر بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك".
وقيل: بماذا ينفك حجره؟ وجهان:
أحدهما: بقيام البينة بإعساره مع يمينه, ولا يفتقر إلى فك الحاكم, وهو اختيار أبي إسحاق.
والثاني: لا ينفك إلا بحكم الحاكم؛ لأنه ثبت بحكمه فلا يزول إلا بحكمه وهذان الوجهان مبينان على أن حجره كحجر المرهون, أو كحجر السفيه, وإن كان مكتسبًا لا يجبره على أو يؤاجر نفسه لتؤخذ أجرته وتصرف إلى غرمائه [ق 328 ب] كما لا يجبر على خلع زوجته على مال أو على قبول الهبات.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز, ومالك, وعبيد الله العنبري, وأحمد إسحاق: يجبر على أن يؤاجر نفسه وتقضي من أجرته باقي ديونه.
وروي عن مالك أنه قال: هذا فيمن عادته أن يؤاجر نفسه, واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم باع سرقًا في دينه وكان رجلًا دخل المدينة وذكر أن وراءه مالًا فداينه الناس فركبته ديون ولم يكن له مال, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسماه سرقًا وباعه بخمسة أبعرة.
ومعناه باع منافعه وآجره, فإن بيع الحر لا يجوز, وهذا غلط لما ذكرنا من خبر أبي سعيد الخدري.
واحتج الشافعي فقال: "وذو العسرة ينظر إلى ميسرة".
ويشير به إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]؛ ولأنه إذا أعتق شركًا له في عبد لم يجب أن يؤاجر نفسه ليقوم عليه الباقي كذلك ها هنا, ولأنه مكتسب للمال فلا يجبر عليه, وأما خبرهم قلنا: منسوخ بالإجماع؛ لأن البيع وقع على رقبته, ولهذا قال غرماؤه للذي يشتريه: ما تصنع به؟ فقال: أعتقه فقالوا: لسنا بأزهد منك في إعتاقه فأعتقوه.
مسألة:
قال: "ويترك له من ماله قدر ما لا غنى به عنه".
الفصل:
الحاكم إذا أراد قسمة ماله [ق 329 أ] بين غرمائه لا يجوز أن يستلب جميع ماله حتى لا يبقى شيئًا؛ لأن له من ماله حقًا كما أن للغرماء فيه حقًا فينفق عليه وعلى من يلزمه نفقته من ماله من يوم الحجر إلى أن يباع عليه ماله ويقسم بين غرمائه.
وكذلك اليوم الذي يقسم فيه ماله لأنه كان غنيًا في أول هذا اليوم فوجب أن ينفق عليهم, وفقرة لا يتحقق قبل قسمة ماله ويكون مقدمًا على حقوق الغرماء, وكذلك كسوته وكسوة من تلزمه كسوته, والكسوة أقل ما يكفيه في الصيف والشتاء, فأما في الصيف فقميص وسراويل ونعل.
قال الشافعي: "وعمامة" يريد بها المنديل, وإن كان له عادة بالإزار فيها إزار,
وكذلك الطيلسان أو الرداء إن كانت عادته.
وأما في الشتاء يضم إليها جبة ويكون بدل النعل خفًا وشمكًا, وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يستبقي لأقاربه من ماله في يومهم وليلتهم النفقة, وإنما يستبقي لأهله لأن نفقة الأقارب لا تلزم الفقراء وإنما تلزم الأغنياء, وقالوا: نفقته في هذه الأيام نفقة المعسرين, لأنه ليس من جملة الموسرين, وهذا أقيس ولكنه خلاف المذهب المشهور, وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" وملكة قبل القسمة باق على ما كان [ق 329 ب] وهذا إذا لم يكن له صنعة يكتسب بها, فإن كانت له صنعة يمكنه أن يكتسب بها فنفقته ونفقة من تلزمه نفقته من كسبه, ولا ينفق عليهم من ماله؛ لأن حقوق الغرماء تعلقت به.
ولا وجه للإنفاق من المال ورد الكسب في المال, وإن لم يف كسبه بنفقتهم أكملت من ماله, فإن فضل منه شيء رد الفضل إلى ماله وقسم على غرمائه.
قال الشافعي: "وإن كانت ثيابه كلها عوالي مجاوزة القدر اشترى له من ثمنها أقل ما يلبس" من هو في مثل حالة التعفف لا حالة التجمل وقضاء حقوق الناس به أولى من استحسان الملابس, ولا يقتصر على قميص واحد بحال بل يشتري منه دست ثوب يليق به.
وإذا كان الرجل متجملًا يلبس فوق القميص ذراعه يشتري له ذلك, وإن كان يلبس دون ما يليق بحالة لم يزد على ما اعتاد لبسه إذ حاله الآن ليست بأحسن مما كان من قبل.
مسألة:
قال: "وإن مات كفن رأس ماله".
الفصل:
إذا مات المفلس كفن من ماله؛ لأن نفقته كانت واجبه في ماله حال حياته فوجب تجهيزه منها بعد وفاته, وكذلك إذا مات واحد ممن يلزمه نفقته في حياته من أقاربه, وفي كفن زوجته وجهان, واختار أبو حامد أنه في ماله أيضًا.
ثم قال أكثر أصحابنا: يكفن في ثلاثة أثواب [ق 330 أ] كما كان يلبس في حياته.
وقال أبو إسحاق: يكفن في ثوب واحد يستر عورته ويخالف حال الحياة لأنه لابد له من تغطية رأسه؛ لأن كشفه يؤذيه بخلاف الميت, وقيل عن أبي إسحاق: يكفن في لفافةٍ واحدةٍ بجميع بدنه؛ لأن هذا أقل ما يكفي الحد ثلاثة أثواب, وهذا اختيار جماعةٍ من أصحابنا, وعلى هذا إذا ماتت المرأة مفلسة يجب أن تكفن في لفافةٍ واحدةٍ فإن فيها كفاية لها.
مسألة:
قال: "ويباع عليه مسكنه (وخادمه) "
الفصل:
إذا كان له مسكن وخادم يحتاج إليهما يباعان في دين الآدميين, لأنه يمكنه أن يسكن ويستخدم بكرًا, ولو وجبت عليه الكفارة لا يلزمه بيع مسكنه, وكذلك إذا كانت له رقبة تحتاج إليها للخدمة لا يلزمه إعتاقها وينتقل إلى الصوم, والفرق من وجهين:
أحدهما: أن حقوق الآدميين مبنية على التشديد والتغليظ, وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والتسهيل.
والثاني: أن للرقبة بدلًا من الصوم ينتقل إليه وليس لحقوق الآدميين بدل فلا يمكن استيفاؤه إلا من مسكنه وخادمه.
ويجوز أخذ الصدقات مع وجودها؛ لأن الصدقة تؤخذ بالحاجة وهو محتاج والدين يجب قضاؤه مما في يده مع حاجته إليه فافترقا.
وقال [ق 330 ب] أحمد وإسحاق: لا يباع مسكنه ولا خادمه فيه, وروي عن ذلك عن عمر بن عبد العزيز.
فإن قيل: لم قال الشافعي: إذا بيعت ثيابه الغوالي اشترى له من ثمنها, وللحاكم أن يشتري من غير ثمنها, وجميع مال المفلس في هذا سواء, قيل: يحتمل أن يكون هذا توسعًا في الكلام من غير أن تتعلق فائدة بهذا التقييد ويجوز أن يقال: إنما يلبس الرجل من ماله أطيبه نظرًا لنفسه واحتياطه لدينه, فلعل له غرضًا في صرف ثمن ما يلبسه إلى ما يشتري ليلبس.
فرع
إذا كان للمفلس أم ولدٍ فإنها تؤاجر في الدين لأنها في حكم ملكة ذكره القاضي الطبري وجماعة, ومن أصحابنا من قال: لا تؤاجر كما لا يلزم إجارة نفسه, والمذهب الأول.
فرع آخر
لو كانت مفلسة لا زوج لها, وهي تخطب بمهرٍ عظيم لم يجب عليها أن تتزوج لحق الغرماء بلا خلاف.
فرع آخر
جميع ما ملكه في حال الحجر بإتباع واصطياد, أو قبول هبة, أو وصية يصير داخلًا تحت الحجر كأنه موجودًا وقت الحجر.
مسألة:
قال: "وإن أقام شاهدًا على رجل بحق".
الفصل:
إذا أقام المفلس شاهدًا على رجل كان له أن يحلف معه, فإن أبى أن يحلف فهل للغرماء أن يحلفوا؟ قولان:
قال في "القديم": يحلفوا بالله الذي يحلفوا بالله الذي لا إله إلا هو أن هذا يستحق على فلان كذا وكذا فيحلف كل [ق 331 أ] واحد منهم.
وقال في "الجديد": لا يحلفون وهو الأصح؛ لأنه إثبات المال للغير بيمين الغير وذلك لا يجوز.
وعلى هذا إذا لم يكن معه شاهد فنكل المدعى عليه عن اليمين ورددنا اليمين على المدعي المفلس فلم يحلف هل يحلف الغرماء؟ قولان ومن أصحابنا من قال: ها هنا قول واحد لا يحلفون, وإنما القولان في غرماء الميت إذا أقام الوارث شاهدًا واحدًا بدين الميت ولم يحلف مع شاهده هل يحلف الغرماء؟ قولان؛ لأن الوارث يحلف على ظاهر علمه بموت مورثه وقد يدخله شك في ذلك, ويكون الغرماء أعلم بالأمر منه, وفي الحي هو أعلم بالأمر نفسه من غرمائه فنكوله يمنع أن يكون ظاهر الحال معه فلا يجوز أن يحلف الغرماء.
فرع
لو أقام المكاتب شاهدًا واحدًا ولم يحلف لم يجز للورثة أن يحلفوا معه, فأما الورثة بعد الورث يحلفون لأنهم يثبتوه ملك أنفسهم والغرماء يثبتون ملك المفلس.
باب العهدة في مال المفلس
مسألة:
قال: "ومن بيع عليه في دين بعد موته أو في حياته بفلسٍ فكله سواء".
الفصل:
إذا باع الحاكم مال المفلس ووضع عنه على يد عدل, أو باع العدل بأمره أو باع ولي اليتيم ماله فتلف الثمن في أيديهم [ق 331 ب] بلا تفريط فلا ضمان على واحد منهم, وكان تلفه من مال من بيع عليه على ما ذكر, ولو استحق المبيع من يد المشري فعهدة المشتري على المفلس الذي بيع عليه خلافًا لأبي حنيفة.
وقد ذكرنا هذه المسألة في "كتاب الرهن" وهل يقدم المشتري بعهدة الثمن على سائر الغرماء؟ قد ذكرنا قولين والأصح أنه يقدم قولًا واحدًا, وقول الشافعي:
"يُقال للمشتري: أنت غريم المفلس كغرماء سواء".
أراد انتظار ظهور المال لا في المضاربة عند الوجود, وقيل: إنه على اختلاف
حالين فالذي قال: يقدم إذا ظهر الدرك قبل قيمة المال والذي قال: يكون أسوة الغرماء إذا ظهر الدرك بعد القسمة فيكون أسوة الغرماء في الحجر الثاني أو هذا ضعيف.
باب حبس المفلس
مسألة:
قال: "إذا ثبت عليه الدين بيع ما ظهر له".
الفصل:
وهذا كما قال إذا كان عليه دين لا يخلو إما أن يكون في يده مال ظاهر أو لا, فإن كان في يده مال ظاهر وجب عليه بيعه وقضاء دين منه, فإن امتنع فالحاكم بالخيار بين أن يعزره على ذلك ويحبسه إلى أن يبيعه, وبين أن يتولى الحاكم بيعه ويؤدي ديونه.
والأصل في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "مال الغني ظلم" وقال أيضًا: "لي الواجد ظلم [ق 332 أ] يحل عرضه وعقوبته".
واللي: المطل, وعرضه أن يقال له: يا ظالم يا معتدي, والعقوبة والتعزير والحبس, فإذا لم يكن له مال ظاهر وادعى أنه معسر لا مال له وأظهر مالًا لا يفي بديونه, وادعى أنه لا يملك غيره, فإنه صدقة الغرماء لا يخلو الدين ثبت عليه من أحد أمرين؛ إما أن يكون بعوض أو بغير عوض, فإن كان بعوض حصل له مثل القرض والبيع لا يقبل قوله على تلف ما حصل عنده إلا ببينه, فإن أقام البينة نظر, فإن كان أقامها على هلاك العوض الذي حصل له قبل منه شاهدان عادلان سواء كانا يعلمان باطن أمره أو لا يعلمان, وليس عليه أن يحلف ها هنا مع الشاهدين؛ لأنه تكذيب للشهود وأن إقامة البينة على إعدامه لا تقبل هذه الشهادة إلا من شاهدين عدلين يخبران باطن أمره, مثل أن يكونا شريكين له أو مجاورين لسكنه أو متجره, أو مختلطين به, وقال مالك - رحمه الله: لا تسمع البينة على الإعسار لأنها شهادة النفي, وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقبيصة بن مخارق: "المسألة حرمت إلا في إحدى ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها [ق 332 ب] ثم يمسك, ورجل أصابته جائحة حتى شهد, أو تكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن به جائحة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادًا من عيش أو قوامًا من عيش".
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن هذه الشهادة تتضمن إثبات حال نتوصل إلى معرفته ظاهرًا ويقف عليه الشهود, ويغلب على الظنون صدق الشهود, فهو كما لو شهدوا أن فلانًا وارث
فلان ولا وارث له سواه تسمع إذا كانوا من أهل الخبرة الباطنة, وإن كان على النفي.
فإذا تقرر هذا, فادعى الغريم أن له مالًا باطنًا يخفي على الشاهدين يحلف مع الشاهدين لجواز أن يكون له مال في الباطن قد خفي عليهما, ثم هذه اليمين هل تجب أم تسحب؟ قال في "القديم" وحرملة: تستحب, وقال في "الأم" ونقله المزني: أنها واجبة فالمسألة على قولين:
أحدهما: واجب لما ذكرنا ولا يؤدي إلى تكذيب الشهود.
والثاني: مستحبة لأن فيه طعنًا على البينة إذ شهدت بأنه لا مال له فصار كما لو شهدوا على إقرار رجل بشيء, فقال المشهود عليه: حلفوه أني أقررت له "يحلف, والأول أولى لأنه لو كان فيها طعن على الشهود لما استحب التحليف أيضًا كما في مسألة الإقرار, وقال أبو حنيفة: لا يحلف أصلًا, وقال بعض أصحابنا [ق 333 أ] بخراسان: يشترط ها هنا ثلاثة شهود على الإعسار ولا يكفي اثنان, ولعل هذا القائل قال: هذا من قوله صلى الله عليه وسلم في خبر قبيصة "حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجة من قومه" وهذا غلط لأن مراد النبي صلى الله عليه وسلم استفاضة حاله بقولهم لا على طريق الشهادة حتى لو استفاض ذلك بقول واحد أو بقول نسوة أو عبيد يكفي في جواز دفع الصدقة, وإن لم تقم البينة وقال: إن غريمي يعلم هلاك مالي أو يعلم إعساري وإنه لا مال حلف الغريم على العلم بالله الذي لا إله إلا هو أنه لا يعلم إعدامه وهلاكه, فإذا حلف حبس نظرًا للغريم في حبسه ولا غاية لحبسه أكثر من الكشف, فإذا عرف بعد ذلك حاله في الإعسار حرم تطويل حبسه؛ لأن المقصود ماله لا تعذيبه, وقال أبو حنيفة رحمه الله في رواية: الأصول لا تسمع بينة الإعسار في الحال بل يحبس شهرين, ثم تسمع البينة على إعساره.
وروي عنه رواية شاذة يحبس أربعة أشهر, رواه الحسن بن زياد, وروى محمد عنه ستة أشهر.
وقال الطحاوي: يحبس شهرًا, وروي عنه يحبس ثلاثة أشهر, وربما يقولون: ليس له غاية فيحبس قدرًا يغلب على ظن الحاكم أنه لو كان له مال [ق 333 ب] لظهر بما لحقه من الضجر بالحبس, ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس, فمنهم من يضجر بمدة يسيرة, ومنهم من لا يضجر إلا بمدة طويلة, وربما يقولون بحبسه حتى يختبر الحاكم حاله, فإن أمكنه ذلك في مدة يسيرة فعل, وإن لم يمكنه ذلك لكثرة أسبابه إلا في مدة طويلة فعل, ثم قال أبو حنيفة بعد هذا كله لا يتحقق الفلس بحال, واحتج عليه الشافعي رحمة الله عليه - بقوله تعالى ﴿وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] فلو كانت العسرة لم تتحقق لما أفاد الأمر في هذه الآية فائدة, والدليل على بطلان ما ذكره من المدة أن كل سنة جاز سماعها في الحال كسائر البينات, وإن كان الدين ثبت عليه بما لا عوض له من إتلاف أو صداق امرأة أو كفالة, ونحو ذلك لا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون قد عرف له مال أو لا؛ فإن عرف له مال فالحكم فيه على ما مضى لأن الظاهر
بقاء ماله, وإن لم يعرف ذلك فالأصل الفقر فيكون القول قوله وعلى الغرماء البينة, وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حبة وسواء ابني خالد: لا يتأسى من رزق الله تعالى ما اهتزت رؤوسكما فإن ابن آدم يخلق ليس عليه إلا قشرتاه ثم يرزقه الله عز وجل".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه [ق 334 أ]:
أحدهما: لابد من البينة على إعدامه بكل حال.
والثاني: إن لزمه الدين باختياره بالضمان أو النكاح يلزمه إقامة البينة على إعدامه لأنه لا يختار التزامه إلا أن يكون له مال, وإن كان لزمه لا باختياره مثل تلف مال رجل على يده على وجه يكون من ضمانة تكفي يمينه على الإعدام ولا يحتاج إلى البينة.
والثالث: ما ذكره وهو اختيار ابن سريج -رحمه الله- وعامة أصحابنا, وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وقال ابن أبي أحمد في أدب القاضي: سمعت ابن سريج يقول على مذهب الشافعي -رحمة الله عليه-: كل حق وجب عليه صداقًا كان أو ضمانًا لا يقبل قوله: إني معسر إلا بشاهدين عدلين واليمين معه, إلا العاقلة إذا ادعى العدم في دية الخطأ يقبل قولهم مع اليمين, وهذا هو الوجه الثاني الذي ذكرنا.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز, والليث: أنهما لا يجوزان حبس أحد في دين.
وقال مالك لا يحبس لبعضهم إذا أطلعه الباقون حتى يجتمعوا على حبسه, وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع
قال بعض العلماء: تجب نفقته في مدة حبسه على غرمائه, وبه قال بعض أصحابنا ذكره في "الحاوي" وهذا قول باطل؛ لأنه حبس ليتوصلوا إلى حقوقهم, وفي النفقة زيادة إضرار بهم [ق 334 ب].
فرع آخر
لو كان حرفة يعملها في حبسه هل يمنع؟ وجهان, والأصح أنه لا يمنع لأنه بكسبه يفضي إلى قضاء دينه.
فرع آخر:
لا يلزم إخراجه إلى الجمعة والجماعات, ولا يلزمه الاستئذان للخروج إلى الجمعة إذا علم بشاهد الحال لو أنه استأذن لم يؤذن له.
وقال بعض الفقهاء: يلزمه الاستئذان في كل, ثم إن منعه امتنع لأن ابن سيرين -رحمه الله- حبس في ثمن زيت كان عليه فكان يغتسل في كل جمعة ويلبس ثيابه ويستأذن فإذا منعه السجان رجع.
فرع آخر
لو مات فمنع الغرماء من دفنه عزورًا.
فرع آخر:
لو ادعى رجل على المحبوس حقًا جاز للحاكم إحضاره من حبسه لاستماع الدعوى عليه, وقال مالك: لا يجوز ذلك, وهذا غلط لأنه يمكن أن يستوفي في حق الثاني من دعواه ويرد إلى حق الأول في حبسه, ولو كان كما قال مالك لكان الحبس نافعًا في دفع الدعاوى عنه.
فرع آخر:
لو هرب المحبوس لم يجب على الحاكم طلبه وكان للخصم أن يطلبه, فإن وجده في موضع وتعذر عليه إحضاره لزم الحاكم إحضاره إذا سأله الخصم, ثم سأله عن سبب هربه, فإن قال: هربت لإعساري لم يعزره لأنه شبهة, وإن لم يكن عذر عذره.
فرع آخر
لا يمنع المحبوس من التطلع إلى الطريق [ق 335 أ] من كوة ولا محادثة من يزوره.
فرع آخر:
لو وجب الحبس على امرأة حبست عند نساء ثقات أو عند ذي رحم محرم ومنع الزوج منها.
إذا حبس المفلس لغرمائه لعدم البينة بعسرته استكشف الحاكم عن أمره, ولم يجز التغافل.
وقال مالك: لا يجوز أن يتولى الكشف عن حالة, لأن ذلك ميل وإسقاط الحق ويجب عليه الإعراض عنه حتى يقيم البينة بعسرته, وهذا غلط لأنه كما يلزمه ترك الميل يلزمه رفع الظلم وحبسه إن كان معسرًا ظلم, ولا يقدر على إقامة البينة لكونه محبوسًا فيلزم الحاكم التمكن حتى يتخلص من الظلم.
فرع آخر
إذا قسم الحاكم ما وجد من ماله بين غرمائه يزول الجحر عنه على الصحيح من المذهب, وهو اختيار أبي إسحاق على ما ذكرنا, ولا يحتاج إلى حكم الحاكم في رفع الحجر, لأن الشافعي قال:
"وإذا أفاد ما لا فجائز ما صنع فيه حتى يحدث له السلطان حجرًا آخر".
وفرق الشافعي بين المبذور وبين المفلس بلفظ موجز, فقال:
"لأن الوقف الأول لم يكن له لأنه غير رشيد".
يعني أن وقف مال المفلس لم يكن لعدم رشده فصح عقده بعد قسمة ماله من غير أمر الحاكم.
بخلاف حجر السفيه, وقيل: المحجور عليهم أربعة, المحجور عليه لسفهٍ [ق 325 ب] لا يزول الحجر عنه إذا صار رشيدًا إلا بالحاكم, والثاني: المحجور عليه بالجنون متى زال الجنون زال الحجر بغير الحاكم, والثالث: المحجور عليه للفلس, وقد ذكرنا.
والرابع: المحجور عليه لصغره, إذا بلغ ورشد هل يزول الحجر عنه بغير من له الولاية عليه من أب أو حاكم؟ وجهان, وقيل: إنهم ستة, والخامس: المريض يصير محجوزًا عليه فيما زاد على الثلث من غير الحاكم, وإذا زال المرض زال الحجر من غير الحاكم, والسادس: المرتد هل يصير محجورًا عليه بنفس الردة؟ قولان: حكاهما أبو حامد في "الجامع":
أحدهما: يصير محجورًا لتعلق حق المسلمين بماله فأشبه حجر المريض لتعلق حق الورثة بماله.
والثاني: لا يصير محجورًا إلا بالحاكم كحجر السفيه, لأنه حجرًا وجبه فعل المعصية والسفه إذا أسلم زال الحجر بلا خلاف.
مسألة:
قال: "فإن شهدوا أنهم رأوا في يديه مالا سألته".
الفصل:
وهذا كما قال, إذا ادعى الغرماء أنه أفاد مالًا بعد فك الحجر عنه لم يخل من ثلاثة أحوال, إما أن ينكر, أو يعترف به لنفسه, أو يعترف به لغيره, فإن أنكر فالقول قوله؛ لأن الحاكم الحجر عنه حتى يثبت إعساره عنده فكان الأصل الإعسار حتى يعرف المال, وإن قال: ملكت مالًا ملكوا........... مطالبته بالدين [ق 336 أ] فإن سألوا أن يعيد الحجر عليه نظر, فإن كان ما معه أكثر مما عليه لم يحجر عليه, وإن كان دون ذلك حجر عليه, ثم غرماء الحجر الأول والغرماء الذين تجددوا بعده في الضرب بعد الحجر الثاني سواء.
وقال مالك - رحمه الله-: يختص به الغرماء المتأخرون لأنه استفاد من جهتهم, وهذا غلط؛ لأن حقهم كلهم في ذمته حال الحجر, فكانوا سواء وما ذكروه لا يعلم حقيقة, ثم مهر الزوجة وسائر الديون سواء, وإن لم يحصل له منها مال, وإن أقر الإنسان, وقال: هذا مضاربة لفلان أو وديعة, فإن كان المقر له حاضرًا سألناه, فإن قال كذب مالي قبله حق حكمنا بالمال للمفلس وكان للغرماء المطالبة بالدين.
وإن قال: صدق في ذلك سلمناه إليه وليس للغرماء أخذه ولا لهم تحليفه, لأنه أقر به للحاضر ولا فائدة لعرض اليمين عليه, ولو رجع لا يقبل رجوعه.
ومن أصحابنا من قال: يحلف المفلس لأنه يحتمل أنه كاذب في إقراره, فإن نكل عن اليمين حبس حتى يسلم المال أو يحلف, وهذا ضعيف, والأول أصح وبه قال أبو حنيفة وجماعة, وإن كان المقر له غائبًا فالقول قوله مع يمينه ولم يحبس, وإن نكل عن اليمين, قال أبو إسحاق: قال الشافعي: "حبس" قال أبو إسحاق: إنما حبسه [ق 336 ب] لأن الظاهر أن الذي في يده له فحبسه لذلك لا لأجل النكول, وإنما حبسه إلى أن يقدم الغائب ويستكشف أمره, ويخالف هذا إذا أقر به لحاضر فصدقه لأنه لا معنى لعرض اليمين عليه مع إقراره ولا يحلف فيه, وإن طلبوا يمين المقر له؟
قال أصحابنا: يحلف لأنه لو كذب المقر له ثبت المال لهم, فإن صدقه حلف فإن قال قائل: لم قال الشافعي: "فمتى استقر عند الحاكم ما وصفت لم يكن له حبسه ولا يغفل المسألة عنه".
أي يداوم على المسألة والبحث والقاضي ممنوع عن تجسيس الخصومات والمسألة عنها من غير استدعاء, قلنا: أراد استدعاه الغرماء استئناف المسألة وتجديدها وإلا فلا يكون له التعرض والتجسس.
مسألة:
قال: "وإذا أراد الذي عليه الدين إلى أجل السفر".
الفصل:
وهذا كما قال: إذا كان عليه دين فأراد السفر لا يخلو الدين من أحد أمرين: إما أن يكون حالًا أو مؤجلًا, فإن كان حالًا لصاحب الدين منعه حتى يقضي دينه, وإن كان مؤجلًا ليس له منعه سواء كانت مدة السفر أبعد من أجل الدين أو أقرب منه, وليس له مطالبته بوثيقة من رهن أو كفيل.
وحكي أصحابنا عن مالك أن له منعه حتى يقيم كفيلًا بالحق؛ لأن عليه ضررًا في آخر حقه, وهذا [ق 337 أ] غلط؛ لأن صاحب الدين المؤجل كالأجنبي لأنه لا يملك مطالبته بوجه والأجنبي لا يمنعه من السفر كذلك هذا, وأما الضرر فإنما لحقه بتأجيله الحق ورضاه بغير كفيل فلم يكن له تداركه بعد ذلك, وهذا إذا كان الغالب من سفره السلامة, فأما إذا كان مخوفًا كسفر الجهاد والسفر في البحر الذي يكون الغالب منه التلف.
اختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: لا فرق وهو المذهب؛ لأن الأصل السلامة وقد قال الشافعي رحمة الله عليه؛ لأنه ترك التحفظ حين وجوب الدين له وهو عام في كل سفر.
والثاني: له منعه إلا بكفيل ورهن لأن الظاهر منه التلف فيستضر الغريم بتلف حقه, ولهذا قال الشافعي في "كتاب السيرة": "ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين" ولم يفصل بين الحال والمؤجل.
فرع
لو أفلس رجل وكان قد وهب هبة لمن دونه لا يلزم الثواب قولًا واحدًا, وإن كان وهبها لنظيره أو أعلى منه فيه قولان:
أحدهما: يقتضي الثواب.
والثاني: لا يقتضي الثواب.
فإذا قلنا: يقتضي الثواب ففي الثواب ثلاثة أوجه:
أحدهما: قدر قيمة الهبة.
والثاني: ما جرت العادة به, والثالث: ما يرضي الواهب, فإذا قلنا بالأول والثاني: لا يجوز له أن يقبل أقل منه
فإذا قلنا [ق 337 ب]: بالثالث لو رضي الواهب المفلس بدانق في مقابلة ألف لم يكن للغرماء الاعتراض عليه نص عليه في "الأم".
فرع آخر
لو تصرف الوارث في التركة قبل قضاء الدين فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح لأنه مال تعلق به دين فلا يصح التصرف فيه من غير رضا من له الحق كالرهن.
والثاني: يصح لأنه حق تعلق بالمال بغير رضا المالك ولا يمنع التصرف كمال المريض فعلى هذا إن قضاء الوارث الدين فإن لم يقض فسخنا.
فرع آخر
لو باع عبدًا ومات وتصرف الورثة في التركة, ثم وجد المشتري بالعبد عيبًا فرده أو وقع في بئر كان حفرها في حياته ظلمًا بهيمة فلزمه ضمانها ففي تصرف الورثة وجهان:
أحدهما: يصح لأنهم تصرفوا في مالٍ لهم لا يتعلق به حق أحد.
والثاني: يبطل لأنا بينا أنهم تصرفوا والدين متعلق بالتركة.
فرع آخر
قال والدي رحمه الله: إذا ادعى واحد من الغرماء عن المفلس مالًا على رجل بغير إذنه وأراد إثباته بالبينة مع حضور المفلس وامتناعه من الخصومة يحتمل أن يقال له ذلك؛ لأن حق الغريم يتعلق به عند ثبوته ويحتمل أن يقال: لا يجوز له ذلك, لأن المفلس من
أهل الدعوى, فلا تصح الدعوى عنه من غير إذنه كغير المفلس, ولأن الأصل لتعلق حق الغريم [ق 338 أ] بالمال ثبوت الملك للمفلس, وهذا الأصل لا يثبت لأن المفلس لا يدعبه بل يجحده فكيف يصح إثبات ما هو فرع له؟ وأصل هذين الاحتمالين إذا أقام المفلس شاهدًا واحدًا على ما ادعاه ولم يحلف معه هل للغريم أن يحلف معه؟ فيه قولان.
فرع آخر
إذا أقر رجل للمفلس بمال فكذبه المفلس هل يسقط الإقرار؟ يحتمل أن يقال: يسقط؛ لأن المقر له كذبه وليس هذا كإتلاف في المال؛ لأن المال لم يثبت له فإن صحة الإقرار محتاجة إلى التصديق, ويحتمل أن يقال: صحة الرد مبينة على جواز إقرار المفلس بعين ماله لرجل, وفيه قولان, وهذا لأن صحة الإقرار لا تفتقر إلى القبول, ألا ترى أنه لو أقر بمال لمجنون صح, وصار ذلك مالًا من أمواله, وإن لم يحصل من جهته التصديق والقبول بوجه.
فرع آخر
إذا كان له دين على ممتنع وللممتنع دين فأراد استيفاء حقه من الدين الذي عليه وهما جنسان ويغلب على ظنه أنه إن دفع ما عليه إلى الممتنع لم يتمكن من استرجاعه بوجه كيف يستوفي ذلك؟
قال والدي رحمة الله: الأظهر عندي أنه يشتري شيئًا بما عليه من الدين من غير إذن الحاكم في أحد قولين, وفي القول الثاني يدفع ما عليه إلى الحاكم أو أمينة بإذنه, ثم يستوفيه [ق 338 ب] بدينه على معنى استيفاء من ثمنه ببيع يقع بإذنه, وهذا لأنه وجد عين مال الممتنع من غير جنس حقه, هل يبيعه بنفسه أو لا بد من الحاكم؟ قولان, وبيع ما في ذمته لا يتصور إلا بشراء مال به وهو حقيقة البيع أيضًا؛ لأن المبايعين كل واحد منهما بائع ومشترى على التحقيق, فإذا صح هذا فإن أمكنه شراء جنس من حقه فعله, وإن لم يمك اشترى غير جنس حقه, ثم يصرفه في جنس حقه, ثم استوفاه بحقه, وهذا إذا كان الدين الذي عليه مما يجوز بيعه قبل القبض كالقرض ونحو, فإن كان مما لا يجوز بيعه كالمسلم فيه فعلى أحد القولين يدفعه إلى الحاكم أو أمينة ثم يباع بإذنه ولا يحتاج إلى الممتنع, وعلى القول الآخر يحتمل أن يقال يعزل من ماله بقدر ما عليه, فإذا فعل ذلك صار كأن اللقطة إذا كان طعامًا رطبًا أكله من ماله قامت هذه القيمة مقام اللقطة حتى تلفت قبل الحول من غير تعدي لا ضمان على الملتقط, ولا يبعد ها هنا أن يعزل من ماله ذلك ويكون للمالك للضرورة, ويؤكد أن الشرع ورد بقبض المال من نقسه لنفسه في حق الأب والجد فلا ينكر للضرورة في هذه [ق 339 أ] المسألة تجويز ذلك قياسًا على ما ورد به الشرع.