تحريت فيها مذهب الشافعي رحمة الله عليه قال: قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء: 16].
وهذا كما قال: الوكالة في اللغة التكفل بما يفوض إليه ويستناب فيه والوكيل الذي تكفل بما وكل به فيكفي موكله القيام.
والوكيل في صفات الله تعالى الكفيل بأرزاق العباد.
وقيل: الوكالة في اللغة اسم ينطلق على الحفظ والمراعاة لما على الوكيل من حفظ ما وكل فيه ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ [النساء: 109] أي: حفيظًا والأصل في جوازها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً﴾ [الكهف: 19] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] فجوز العمل عليها وذلك بحكم النيابة عن المستحقين.
وقوله تعالى ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ الآية: [يوسف 93] وهذه وكالة واحتج المزني فيها بقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ الآية فجعل قَيّم اليتيم وكيلًا له يتصرف في مصالحه بوكالة شرعية إلى وقت معلوم فدل على جوازها.
وقال أيضًا: إذا جاز أن ينصب نائبًا في مال ولده فلأن ينصب [60 / ب] البالغ العاقل نائبًا في خاص ماله أولى.
وأما السنة فما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وَكَّلَل عمرو بن أمية الضمري ليقبل له نكاح أم حبيبة رضي الله عنها 1. ووكَّلَ أبا رافع في نكاح ميمونة رضي الله عنها 2. وَوَكَلَّ حكيم بن حزام وعروة البارقي في شراء شاة بدينار، وتمام الخبر:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى عروة البارقي رضي الله عنه دينارًا يشتري به أضحية أو شاة فاشترى شاتين وباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار فدعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبركة في بيعهه" فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه 3. وروي عن حكيم بن حزام رضي الله محنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معه بدينار ليشتري له أضحية فاشتراها بدينار وباعها بدينارين فربع فاشترى أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فتصدق به النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعا له أن يبارك له في تجارته" 4.
وروي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد فسلمت عليه وقلت: أريد الخروج إلى خيبر فقال: "إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقًا فإن ابتغى منك آيًة فضع يدك على ترقوته" 1.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه.
وروي أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وكل عبد الله بن جعفر وقال: "إن للخصومات قحمًا تتقحمها الشياطين" 2. والحجم المهالك.
وَوَكَّلَ عقيلًا عند عمر وعثمان رضي الله عنهم ثم بعد ذلك كان يوكل عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما حين ضعف عقيل عن مباشرة الخصومة 3. ولأن الحاجة تدعو إلى الوكالة في البيع لأنه قد يكون له مال ولا يحسن التجارة فيه وقد يحسن ولا يتفرغ إليه لكثرة أشغاله فجاز أن يؤكل فيه غيره.
مسألة 4: قال المزني رحمه الله: وللناس أن يوكلوا في أموالهم وطلب حقوقهم وخصوماتهم.
الفصل
وهذا كما قال: الوكالة تفتقر [6 / أ] إلى وكيل وموكِّل وموكَّل فيه فبدأ المزني بالموكل فيه والحقوق على ضربين ضرب: هو حق للآدميين وضرب: هو حق لله تعالى.
فأما حق الآدميين فعلى ضربين: ضرب يتعلق بالمال كالبياعات والإيجارات والهبات والصدقات المحرمات والإقالات والفسوخ كالرد بالعيب ونسخ البيع في مدة الخيار وغير ذلك والوصايا وقضاء الديون فالتوكيل يصح في جميع ذلك.
وضرب يتعلق بالبدن وهو على ثلاثة أضرب أحدها: يصح التوكيل فيه كالنكاح والطلاق والرجعة والعتاق ومن ذلك التوكيل في الخصومات فإن حضور مجلس الحكم يلزمه فإذا وكل فيه ناب عنه وكيله.
والثاني: لا تصح فيه الوكالة قولًا واحدًا كالأيمان والإيلاء واللعان والظهار لأن اليمين لا تنعقد إلا بلفظه والإيلاء واللعان يمين والظهار في معنى اليمين لأنه يقتضي وجوب الكفارة.
والثالث: هل يصح التوكيل؟ فيه قولان وهو استيفاء القصاص والحدود.
وهل يصح التوكيل في اختيار ما زاد على الأربع إذا أسلم عنهن وأسلمن؟ قولان: أحدهما: لا يصح لأن ذلك يتعلق بالشهوة ولهذا لا يقوم الحاكم فيه إذا امتنع من الاختيار.
والثاني: يصح لأنه استباحة فرج محظور فصح فيه التوكيل كالنكاح والرجعة والأول أصح.
وأما حق الله تعالى فعلى ضربين فرب يتعلق بالمال كالزكاة والكفارات
والهدايا يجوز التوكيل فيها قولًا واحدًا.
وضرب يتعلق بالبدن وهو على ضربين:
ضرب لا يجوز فيه التوكيل قولًا واحدًا كالطهارة والصلاة والصيام ولكن في الطهارة يجوز الاستعانة بغيره.
وفي ركعتي الطواف تدخل النيابة إذا حج عن غيره.
وفي الصوم عن الميت قولان.
وضرب يصح فيه التوكيل وهو الحج فإنه إذا عجز عن الحج بنفسه له أن يستنيب من يحج عنه، ومن أصحابنا من ذكر ما يجوز فيه النيابة وما لا يجوز فيه النيابة على ترتيب المختصر فقال: لا تصح النيابة في الطهارة لأن محلها [61 / ب] متعين.
ويجوز أن يستنيب في صب الماء على أعضائه لأن إيصال الماء إلى أعضائه غير واجب عليه.
وكذلك يستنيب في تطهير بدنه وثوبه من النجاسة.
وفي الصلاة لا تجوز إلا في ركعتي الطواف على ما ذكرنا.
وفي الزكاة يجوز أن يستنيب من يؤديها محنه ويجوز أن يستنيب في إخراجها من ماله ويستنيب الإمام في تسليمها إلى الفقراء وأهل السهمان والصوم ذكرنا.
وفي الاعتكاف لا تدخل.
والحج ذكرنا.
وفي البيع يجوز التوكيل.
وكذلك في جميع أحكامه وكذلك في الرهن وقبضه.
ولا تتصور الوكالة في التفليس.
وفي الحجر يجوز أن يوكل الحاكم من ينوب عنه فيه.
وفي الصلح يصح التوكيل وكذلك في الحوالة والضمان والشركة والوكالة.
وفي الإقرار هل يصح التوكيل؟ وجهان.
وفي العارية يصح التوكيل لأنها هبة المنافع وفي الغصب لا تجوز الوكالةء ولو وكل كان الغاصب الوكيل دون الموكِّل.
وفي الشفعة تصح النيابة في طلبها وكذلك في القراض والمساقاة والإجارة.
وفي إحياء الموات هل يجوز التوكيل؟ قولان وكذلك في الاحتطاب والاحتشاش.
وفي العطايا والهبات والوقف يصح التوكيل ولا يصح في الالتقاط ولو أمره به فالتقط كان أحق به من الأمر وفي الميراث لا تدخل النيابة إلا في قبض الموروث وقسمته.
وفي الوصايا والودائع وقسم الفيء والغنيمة والصدقات تصح النيابة، وفي النكاح يصح التوكيل من الولي والخاطب وكذلك في تسمية الصداق وقبضه وكذلك في عقد الصلح والخلع ولا يصح في القسم لأنه يتعلق ببدن الزوج.
ويصح التوكيل في الطلاق.
وفي الرجعة هل تجوز النيابة؟ اختلاف بين أصحابنا والصحيح جوازه لأنها صلاح للنكاح فأشبه أصل النكاح.
ولا تجوز في الإيلاء والظهار واللعان والعدة والرضاع.
وتجوز في النفقات في إيصالها إلى مستحقها وتسلمها.
ولا تصح في الجنايات.
ويجوز التوكيل في إثبات القصاص والاستيفاء في الجملة.
وكذلك في الديات وفي إيصالها إلى مستحقها.
ولا يجوز في القسامة لأنها أيمان.
ويجوز في الكفارات [62/ أ] كالزكوات.
ويجوز أن يستنيب الإمام في قتال أهل البغي وكذلك في الحدود يستنيب في استيفائها ولا يجوز في إثباتها لأنه لا تسمع الدعوى فيها إلا في حد القذف وكذلك في
زنا المقذوف.
ولا تصح النيابة في الأشربة، ويجب الحد على الشارب لأنه فعل المحرم.
ولا تصح في الجهاد وكل من حضر الصف توجه الفرض عليه.
وفي الجزية يجوز التوكيل فيها في عقد الذمة وتسليمها.
وأما الاصطياد فقد ذكرنا.
ويجوز التوكيل في الذبح.
وكذلك في السبق والرمي لأنه كالإجارة أو الجعالة.
ولا يجوز في الأيمان والنذور ويجوز في القضايا والأحكام والشهادة وتكون شهادة على شهادة وليس بتوكيل.
ويجوز التوكيل في الدعاوى لأنها مطالبة بحق غيره.
ويجوز في العتق والتدبير والكتابة.
ولا تتصور في الاستيلاء لأنه يتعلق بالوطء والوطء يختص بالفاعل.
وأما من يصح منه التوكيل ومن لا يصح، فكل من جاز له التصوف بنفسه جاز له أن يوكل فيه كالحُر الرشيد، والحُرة الرشيدة، والحُر الفاسق والحرة الفاسقة والمسلم والمشرك في ذلك سواء.
وللمسلم أن يوكل كافرًا ذميًا كان أو حربيًا لأنه لما جاز أن يتبرع عنه جاز أن يتوكل عنه.
ولو أسلم كان على وكالته وكذلك يجوز للكافر أن يوكل مسلمًا ذميا كان أو حربيًا.
وعلى هذا يجوز للمكاتب أن يوكل بالتصرف فيما في يده من المال لأن له أن يتصرف فيه بنفسه بغير إذن مولاه.
ويجوز للمحجور عليه بالفلس أن يوكل بالشراء في الذمة ولا يجوز له أن يوكل ببيع شيء في يده ولا بالشراء في الذمة أيضًا.
ويجوز له التوكيل في الطلاق وكذلك العبد يجوز له أن يوكل في الطلاق من دون سيده.
ولا يجوز أن يتوكل لغيره بغير إذن سيده فإن أذن له سيده جاز ذلك إلا في عقد النكاح لغيره فإن فيه وجهين، أحدهما: يجوز كما يجوز له أن يتزوج لنفسه بإذن سيده.
والثاني: لا يجوز لأنه عقد مبني على اعتبار الكمال ولهذا لا يجوز للمرأة أن تتولاه وقيل: يجوز له أن يقبل لغيره بالوكالة كما يقبل لنفسه وفي الإيجاب [62/ ب] بالوكالة وجهان.
والعبد المأذون لما صح تصرفه فيما في يده بإذن اليد فكذلك التوكيل فيه يحتاج إلى إذن السيد.
والمرأة لا يجوز أن تكون وكيلة في النكاح ويجوز غيره من الحقوق.
والفاسق يقبل النكاح لنفسه ولا يقبل لغيره في أحد الوجهين، والكافر لا يجوز أن يكون وكيلًا في تزويج المسلمة بلا خلاف.
ولو جعل الرجل طلاق امرأته إليها جاز وهل يجوز أن تكون وكيلة في طلاق غيرها؟ وجهان:
ولو وكل المرتد رجلا هل يجوز؟ فيه ثلاثة أقوال، أحدها: باطل، والثاني: جائز، والثالث: موقوف بناء على تصرفاته.
ولو توكل المكاتب بغير إذن سيده قال ابن سريج: إن كان بجعل جاز وإلا فلا يجوز لأن فيه تعطيل منافعه على سيده بغير أمره.
ويجوز أن يكون الوكيل مرتدًا لأن في تصرفه لنفسه أقاويل لا في تصرفه لغيره.
فرع
لو قال: وكلتك أو أقمتك مقامي أو جعلتك نائبا عني كان وكيلًا لأنه ذكر ما هو المقصود باللفظ الصريح فيها، وهكذا لو قال: استنبتك لأن الوكالة نيابة... ولو قال:
سألتك أو عولت عليك لا يصح عند الوكالة به.
وكذلك لو قال: اعتمدت عليك.
مسألة 1 قال: ولا ضمان على الوكلاء ولا على الأوصياء.
الفصل
وهذا كما قال: جميع من يتلف مال الغير في يده ثلاثة أضرب: ضرب لا يلزمه الضمان إلا بالتعدي قولًا واحدًا وهو مثل الوكيل والوصي والمضارب والمودع والمرتهن والمستأجر.
وضرب يلزمه الضمان قولًا واحدًا كالغاصب والمستعير والمساوم والقابض عن شراء فاسد فهؤلاء يلزمهم الضمان.
وضرب في وجوب الضمان عليه قولان وهو الصانع كالخياط والصباغ والقصار والحائك ونحن نبين ذلك في موضعه إن شا، الله تعالى.
مسألة 2: قال: والتوكيل من كل موكل رجل أو امرأة تخرج أو لا تخرج.
الفصل
وكما قال: التوكيل في الخصومة جائز سواء وصى به الخصم أو لم يوص حاضرًا كان أو غائبًا صحيحًا كان أو مريضًا رجلًا كان أو امرأًة برزة كانت أو نحير برزة إذا حضر خصم عند الحاكم واستعدى على خصم فبعث الحاكم إليه [63/ أ] كان بالخيار بين أن يحضر وبين أن يوكل من يجيب عنه وإذا حضر الوكيل ليس للمدعي أن يقول: لا أدعي إلا على خصمي وكذلك لو حضر وكيل المدعي ليس للمدعى عليه أن يقول: لا أسمع الدعوى إلا من خصمي بل لها ولكل واحٍد منهما أن يدعي بنفسه وأن يوكل من ينوب عنه، وبه قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يصح التوكيل إلا بعذر من سفر أو مرض.
وفي المرأة المخدرة اختلفوا وقالوا: لا نص فيها.
وقال مالك: إن كان الخصم يشنع ويتسفه جاز التوكيل وإلا فلا.
وهذا غلط لأنه وكله في خالص حقه فلا يفتقر إلى رضا غيره كما لو وكله في استيفاء الديون.
ويجوز عندنا إثبات التوكيل عند القافي وإن لم يكن الخصم حاضرًا خلافًا لأبي حنيفة ثم قال الشافعي 3: وليس الخصم من الوكالة بسبيل وقد يقضى للخصم على الموكل فيكون حقًا ثبت عليه بالتوكيل يعني قد يكون الموكل ألحن بحجته من الوكيل فإذا وكل من هو دونه ثبت عليه الحق بوكيله.
ولو كان المخاطب عن نفسه صاحب الحق سلم من ثبوت الحق عليه فلا يكون رضا خصمه شرطًا في التوكيل، لأنه ربما ينفعه هذا كما يضره في حال.
فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في تثبيت الوكالة عند الحاكم، فإذا حضر عند الحاكم وابتدأ فوكل وكيلًا عنده فقال: قد وكلت هذا في كذا وكذا أو أقر عناه أنه قد وكله في كذا وكذا فقد ثبتت وكالته عند الحاكم فيما وكله فيه وللوكيل التصرف فيما وكله فيه.
وقال أبو حنيفة: إذا سمع هذا صار عالماً به وشاهدًا ولا تثبت الوكالة به فإذا حضر الوكيل عند الحاكم وادعى لموكله دعوى على خصمه قال الحاكم للمدعى عليه: أجب عن الدعوى ويكون هذا القول منه حكمًا بعلمه فيبت حينئذ إذ يجوز للقاضي أن يحكم بما يعلمه في حال ولايته، وأن وكل وكيلًا لا بحضرة الخصم الحاكم في كذا وكذا وأشهد على نفسه بذلك شهودًا فحضر الوكيل وحده عند الحاكم، فادعى أنه وكيل فلان وفي كذا وكذا سمع [63/ ب] دعواه فإن كان معه بينة أقامها وسمعها الحاكم فإذا سأله الحكم بذلك حكم له وثبت وكالته عنده فمتى شاء طالب بالحق أو خاصم.
فإذ حضر عنده وادعى أولًا فقال: أنا وكيل فلان وهو يدعي على هذا كذا وكذا لم يسمع دعواه عليه، وقال له: ثبتت وكالتك عندي فإذا ثبتها فادعى لموكلك فيه فيستأنف دعواه ويثبتها عنده.
وقال أبو حنيفة: إذا حضر الوكيل وادعى أنه وكيل فلان وهذان شاهدان لم يسمع الحاكم هذه الدعوى ولا البينة ولكن إن ابتدأ فقال: ادعى لموكلي فلان على هذا ألفًا سمع الحاكم الدعوى منه وكلف الجواب عنها فإذا أجاب بلا أو نعم يقول الحاكم للوكيل: ثبت وكالتك فيقيم البينة بها ويحكم بذلك الخلاف في فصلين: أحدهما: أن عدنا يسمع الحاكم البينة على التوكيل من غير خصمه وعنده لا يسمع.
والثاني: عندنا لا يسمع دعواه لموكله قبل ثبوت وكالته وعنده يسمع.
وبني على أصله أن القضاء على الغائب لا يجوز وسماع البينة بالوكالة من غير خصم قضاء على الغائب، وأن الوكالة من الحافر لا يلزم الخصم فما لم يجب على دعوى الوكيل لم يكن رضًا بالوكالة.
وهذا غلط لأنه إثبات وكالة فلا يفتقر إلى حضور الموكَّل عليه كما لو كان الموكل عليه جماعة فإذا حضر واحد منهم لا يفقر إلى حضور الباقين عندهم.
والدليل على أنه لا يسمع الدعوى قبل ثبوت الوكالة أن الدعوى لا تسمع من خصم فإما أن يخاصم عن نفسه أو عن موكله وهذا لا يخاصم من نفسه ولا ثبت أنه وكيل لمن يدعي له فلا تسمع دعواه، كما لو ادعى لمن لم يدع وكالته.
فرع
لو حضر عند الحاكم وادعى أنه فلان بن فلان وأقام بذلك البينة سمعها وحكم له به وإن كان الحاكم لا يعرفه الموكل لأنه قد سماه ووقع في نفسه إلى حيث لا يشاركه فيه غيره.
فرع آخر
لو حضر عند الحاكم ومعه رجل فقال الحاكم: هذا وكيلي تثبت وكالته عنده وإن كان الحاكم لا يعرفهما ولا يعرف اسم واحد منهما لأن المشاهدة تغني.
فإن خاصم عن موكله بحضرة موكله جاز، وإن غاب الموكل فحضر هذا [64 / أ] الوكيل فقال للحاكم: أنا وكيل الرجل الذي اعترف بوكالتي عندك وهو فلان ابن فلان لم يقبل
الحاكم ذلك إلا أن يقيم البينة أن الذي وكلني بخصوماته هو فلان ابن فلان أو يحضرا عنده فقال: هذا وكيلي فعرفهما الحاكم بأسمائهما أو أنسابهما فيصح أيضا.
فرع آخر
لو وكل وكيلين وأشهد على نفسه ثم غاب هو وأحد الوكيلين فحضر الحافر منهما عند الحاكم وادعى أنه وكيل فلان الغائب هو وفلان فشهد له به شاهدان سمعها الحاكم وحكم بها وثبتت وكالته ولم يكن له أن يتصرف وحده لأن الموكل ما رضي باجتهاده وحده فإن حضر الوكيل الآخر نُظِر، فإن ادعى الوكالة لم يفتقر إلى استئناف الشهادة بها لأن الحاكم سمعها وحكم بها فيدخل في الوكالة بغير استئنافها وإن حضر وأنكر الوكالة لم يكن وكيلًا لأنه كذب شهوده وإن حضر وقبلها وثبتت وكالته ثم عزل نفسه انعزل ولم يكن للآخر أن يتصرف وحده لما مضى، ولا للحاكم أن يضم غيره إليه لأن الموكل رشيد لا يولى عليه.
وقال أبو حنيفة في الطلاق والعتاق: لأحدهما أن ينفرد في التصرف دون البيع الذي يفتقر إلى اجتهاده.
ولو كانت المسألة بحالها فوكلهما معًا فكل واحد منهما له أن يتصرف منفرداً لأنه رضي باجتهاد كل واحد منهما.
فإن حضر الغائب له أن يتصرف منفردًا أيضا إذا أقر بالوكالة.
وإن كان هذا في الوصية فأوصى إليهما ومات الموصي وغاب أحد الوصيين فحضر الحاضر الحاكم وادعى الوصية إليه وأقام البينة ثبتت الوصاية ولم يكن له التصرف وحده.
وإن حضر الغائب وادعاها دخل معه في الوصايا من غير استئناف بينة.
وإن جحد زالت وصايته.
وإن حضر وقبل ثم عزل نفسه زالت وصايته ولم يكن للباقي أن يتصرف وحده وللحاكم أن يضم إليه غيره لأنه ينوب عن الميت بخلاف الوكالة، وهذا لأنه لا نظر له فيمن لا يؤتى عليه.
وإن أراد الحاكم أن يرد الأمور إلى هذا الواحد فيه وجهان، أحدهما: ليس له ذلك لأن الحاكم يملك تنفيذ الأحكام دون التغيير.
والثاني: له ذلك كما يملك [64/ ب] أن يضم إليه غيره.
وإن كان أوصى إلى كل واحد منهما لا يحتاج إلى ضم أخر إليه بحال.
مسألة 1: قال: فإن وكله بخصومة فإن شاء قبل وإن شاء ترك.
وهذا كما قال: إذا وكل رجلًا في خصومة رجل فإن شاء قبل الوكالة وإن شاء ترك لأنه عقد فلا يلزمه قبوله كسائر العقود.
فإن قيل: فإن شاء أقام على الوكالة وإن شاء فسخ لأن الوكالة عقد جائز من الطرفين.
ولو شرط للوكيل فيها عوضا اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إذا دخله العوض فصار لازمًا وصار بمنزلة الإجارة.
وقال في "الإفصاح": يكون جائزًا ولا يصير لازمًا وهذا أصح إلا أن يتعاقدا بلفظ الإجارة لأنه وإن دخله العوض فهو عقد وكالة بدليل أنه يجوز عقدها على منافع مجهولة لأنه إذا قال: وكلتك في خصومة فلان على كذا وكذا درهمًا يجوز والإجارة على منافع مجهولة
لا تجوز.
ولأن الإجارة لا تنعقد بلفظ الوكالة.
وجملته أن العقود على أربعة أضرب، لازم من الطرفين كالبيع ونحوه، وجائز من الطرفين كالشركة والوكالة والمضاربة ونحوها.
ومعناه أنه يجوز لكل واحٍد منهما فسخه من غير عذر.
وجائز من أحد الطرفين وهو الرهن والكتابة جائز من قبل المرتهن والعبد لازم من جانب الراهن والسيد.
ومختلف فيه وهو عقد السبق والرمي إذا تسابقا وأدخلا محللًا بينهما فيه قولان، أحدهما: إنه إجارة تلزم من الطرفين.
والثاني: جعالة جائزة من الطرفين.
والوكالة تجعل من هذه الجملة.
فرع
قبول الوكالة لا يكون على الفور بل إن شاء قبل في الحال كالبيع وإن شاء كالبيع.
وإن شاء قبل على التراخي كالوصاية إليه وهذا لأنه مجرد الإذن والإذن قائم ما لم يرده ولا يختص بالحال ولأن إذن الغائب وتوكيله يصح، وإن كان المأذون له لا يعلم إلا بعد وصول الإذن إليه، ولأن الوكالة تصح في الموجود والمفقود فجاز تأخر القبول فيها كالوصية، وقال القافي أبو حامد: قبولها على الفور كسائر العقود وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع آخر
لو تعين زمان [165/ أ] العمل الذي وكل فيه وخيف فواته كان قبول الوكالة فيه حينئذ على الفور.
وكذلك لو عرضها الحاكم عليه عنا ثبوتها عنده صار قبولها على الفور أيضًا ذكره في "الحاوي" 1.
فرع آخر
لو وكله بالمكاتبة جاز إذا غلب على ظنه صحة الكتابة ويقبل على التراخي كما في المشافهة.
فرع آخر
إذا أراد الوكيل أن يقبل الوكالة يجوز أن يقبلها قولًا وفعلًا فالقول أن يقول: قبلت الوكالة والفعل أن يتصرف فيها.
وذكر القفال: أن الوكالة لا تحتاج إلى القبول لأن الاشتغال بالتصرف قبول منه لها والأولى ما ذكرنا من العبارة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يحتاج إلى أن يقول: قبلت؟ وجهان مشهوران، والأصح أنه يصير وكيلًا إذا وطن نفسه على امتثال الأمر من غير أن يقول: قبلت وعلى هذا عادات السلف والخلف، وهذا لأنه أمر فتصرفه امتثال له كالإيداع والإعارة.
فرع آخر
لا فرق في عزل الوكيل نفسه بين أن يكون الموكل حاضرًا أو غائبًا علم به أو لم
يعلم.
وقال أبو حنيفة: لا يصح منه العزل إذا شرع في الخصومة إلا في وجه الموكل.
وقال مالك: إن كان في عزله ضرر لا يجوز إلا بحضور الموكل وإن لم يكن ضرر يجوز.
وهذا غلط لأنه رفع عقد فلا يفتقر إلى حضور من لا يفتقر إلى رضاه كالطلاق.
فرع آخر
لو كان الفاسخ الموكل فقال: فسخت أو عزلت وكيلي نُظر، فإن كان الوكيل حاضرًا انفسخت وإن كان غائبًا فعلم به انفسخت.
وهل يفسخ قبل العلم بالفسخ؟ قولان، أحدهما: ينعزل وهو الأصح، والثاني: لا ينعزل وبه قال أبو حنيفة وقال: إن بلغه الخبر من عدل رجلًا كان أو امرأة انعزل وإن بلغه من فاسق لم ينعزل وإن بلغه من فاسقين انعزل، وعن أبي يوسف ومحمد كيف بلغه الخبر انفسخ حتى قال: لو بلغه ذلك من صبي انفسخ، وعندنا لا اعتبار بقول الصبي والفاسق أصلًا على القول وهذا غلط لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضاه فلا يفتقر إلى علمه كالطلاق.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان بناء على وكيل القصاص إذا قتل بعد عفو الموكل قبل العلم بالعفو هل تلزمه الدية؟ قولان.
فرع آخر
[65/ ب] إذا نسخ الله تعالى حكمًا وعلم بها رسوله هل يكون نسخًا في حق من لم يعلم من أمته؟ فيه طريقان: أحدهما: فيه وجهان كالوكالة سواء.
والثاني: لا يكون نسخًا في حقهم وبه قال أبو حنيفة، لأن أمر الشريعة يتضمن تركه المعصية ولا يجوز أن يكون عاصيًا مع جهله به، وفي الوكالة يتضمن إبطال التصرف فلا يمنعه عدم العلم كما لو مات الموكل ولم يعلم بموته ينعزل الوكيل بلا خلاف.
فرع آخر
لو وكل بالخصومة بمسألة الخصم أو بالطلاق بمسألة المرأة أو بالخلع بمسألتها عزله وقال أبو حنيفة: تلزم الوكالة وليس له عزله أصلًا وهذا قياسًا على سائر الوكالات.
فرع آخر
إذا قلنا: ينعزل قبل العلم لو باع فلم يصح البيع فسلم إلى المشتري هل يصير ضامنًا للسلعة؟ قال القاضي الطبري: رأيت المحصلين من أصحابنا لم يزيدوا على بطلان التصرف ولم يتعرضوا لذكر الضمان.
ورأيت بعض أصحابنا في الكلام مع المخالف سلم أنه إذا سلمها إلى المشتري ضمن، وحجته أن الشافعي رحمة الله عليه قال في الوكيل: إذا قتل بعد العفو قبل العلم بالعزل تلزمه الدية والكفارة فلما صح العفو جعل النفس مضمونة عليه كذلك ها هنا.
فإن قيل: فإذا تلفت سلعة في يده بعد عزله وجب أن تكون مضمونة عليه قيل: أمانته لا تبطل إلا بتعد من جهته، فأما فسخ الوكالة وعزله لا يبطل أمانته وإنما يبطل به تصرفه.
ويمكن أن يقال: إن تسليم السلعة من حكم
التوكيل فوجب أن لا يجوز ويتغير حكمه بفسخ الوكالة كالبيع ويفارق إمساك السلعة وتلفها في يده، فإن ذلك من حكم الأمانة فإن الوكيل قبضه قبض المودع فلا يلحقه الفسخ وإنما الفسخ يلحق عقد الوكالة التي انعقدت بالقول.
فرع آخر
فسخ الوكالة أن يقول: فسخت الوكالة، أو نقضتها، أو عزلتك، أو صرفتك عنها، أو أزلتك عنها، ونحو ذلك من الألفاظ التي تقتضي ذلك وتصرح بمعناه.
وأما ما تنفسخ به الوكالة حكمًا فالموت والجنون والإغماء، أمّا الموت فيبطل أملاكه ويمنع وقوع التصرف له.
وأما الجنون والإغماء [66 / أ] فيثبت عليه الولاية ويبطل تصرفه بنفسه فيبطل إذنه.
ولا فرق بين أن يوجد ذلك فيهما أو في أحدهما.
فرع آخر
لو جن الموكل ولكنه عرف أنه يفيق سريعًا قبل أن يولى عليه ظاهر المذهب بطلان.
وقال ابن سريج: لا تبطل خامة إذا كان مألوفًا لأن قصور مدته وسرعة إفاقته يجعله عفوًا.
فرع آخر
قال القاضي أبو علي الزجاجي: إن كان الإغماء مما يطول بطلت الوكالة.
وإن كان مما يغرب عقله ويفيق عن قريب لا يبطلها.
وإن طرقه ذلك أول مرة ثم أفاق بعد مدة يسيرة فيه قولان وأراد وجهان.
ولو ناما أو أحدهما أو مرضا أو أحدهما فالوكالة بحالها طال أو قصر.
فرع آخر
لو حجر على الموكل لسفه بطلت وكالته لأنه انقطع تصرفه لنقص فيه كالمجنون، ولو كانت الوكالة بالطلاق أو الخلع لا تبطل الوكالة بالحجر عليه لأنه يملك التوكيل فيها بعد الحجر.
ولو جن بعد الوكالة بالخلع أو الطلاق تزول الوكالة بالجنون لأنه لا يملك التوكيل فيه بعد الجنون.
فرع آخر
لو حجر عليه لفلس فإن كان وكل في بيع شيء بعينه انفسخ، وإن كان وكله في الخصومة أو في شراء شيء في الذمة لم ينفسخ لما ذكرنا.
فرع آخر
لو فسقا أو أحدهما نظر فإن كانت الوكالة فيما لا يفتقر إلى العدالة كالخصومات والمعاوضات فالوكالة بحالها.
وإن كانت فيما يفتقر إلى العدالة كالنكاح فإن كان التوكيل في إيجاب النكاح زالت الوكالة على المذهب الصحيح.
وإن كانت في قبول النكاح فإن فسق الموكل فهي بحالها.
وإن فسق الوكيل زالت الوكالة لأن الفاسق يقبل النكاح لنفسه ولا يقبل لغيره في ظاهر المذهب، وهذا أصل متى افتقر التصرف إلى
عدالة زال بزوالها لتصرف الولي والحاكم وأمينه والولي في النكاح ومتى افتقر التصرف إلى العدالة لم يزل بزوالها.
فرع آخر
لو وكله في بيع عبد ثم باعه أو أعتقه بطلت الوكالة، وكذلك لو وكله في نقل زوجته ثم طلقها بطلت الوكالة لتعذر [66 / ب] التصرف.
فرع آخر
لو وكل زوجته أو وكلت زوجها ثم طلقها لم تنفخ الوكالة لأن الطلاق قطع عقد فلا ينقطع غيره بانقطاعه، كما لو ابتاع منها شيئًا ثم طلقها.
ولو كانت الوكالة في طلاقها فطلقها زالت الوكالة ولو كانت الوكالة في التزوج بها فتزوج الموكل زالت الوكالة حتى إن طلق ليس له أن يتزوج بوكالته.
فرع آخر
لو وكل زوجة الغير لا تجوز الوكالة إلا بإذن زوجها لأن الزوج مالك للاستمتاع بها وله منعها من الخروج لتصرفها.
ولو وكلها بإذن الزوج جاز فيما سوى النكاح وفي الطلاق وجهان على ما ذكرنا.
ولو توكلت ثم طلقها زوجها كانت الوكالة بحالها.
فرع آخر
لو وكل عبده ببيع شيء أو شراءه ثم أعتقه فيه وجهان: أحدهما: تبطل الوكالة وهو اختيار ابن سريج رحمه الله لأنها من جهة السيد أمر بدليل أنه يلزمه امتثاله فبطل بالعتق كسائر أوامره.
والثاني: لا تبطل كما لو وكل زوجته ثم طلقها.
ولو كان هذا العبد وكيلًا لغيره فأعتقه لا تبطل الوكالة بلا إشكال، وقال ابن سريج: ها هنا أيضا وجهان، والأشبه أنها لا تبطل لأن عقد الوكالة حصل من جهة غير اليد وملك الموكل لم يزل وإنما زال ملك غيره.
فرع آخر
لو قال لعبده: إذ شئت توكل لفلان فقبل الوكالة ثم أعتقه لا تبطل الوكالة وجهًا واحدًا لأن قبولها كان باختيار العبد ولم يكن بأمر من جهة السيد.
وكذلك لو قال له: بع هذا الثوب إذ شئت ثم أعته لا يبطل الإذن ذكره ابن سريج وقال: مسألة الوجهين إذا قال: توكل لفلان إن وكلتك ولم يقل: إن شئت.
فرع آخر
قال ابن سريج: وكذلك لو باعه فالحكم فيه كالحكم في العتق.
وقال في "الحاوي" 1: بطلت الوكالة وجهًا واحدًا لأن المشتري ملك مافعه.
قال: فإن جدد له المشتري إذنًا بالوكالة المتقدمة هل يحتاج إلى تجديد إذن من الموكل؟ وجهان:
أحدهما: لا يحتاج وبه قال ابن سريج لأن المانع من الوكالة حق المشتري وارتفع بحدوث إذنه وحده.
والثاني: [67 / أ] وهو الأصح يحتاج إلى إذنه لأن بطلانها رفع سببها فلا تصح إلا بالتجديد.
فرع آخر
لو وكل صبيًا لم تصح وكالته سواء كان يعقل أو لا يعقل، وكذلك لو وكل الصبي رجلًا لم يجز.
وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك بإذن الولي.
فرع آخر
هل يجوز أن يكون وكيلًا في طلاق مسلمة؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأنه يملك الطلاق.
والثاني: لا يجوز لأنه لا يملك طلاق مسلمة.
فرع آخر
لو وكل رجلًا بالخصومة ثم عزله ولم يعلم به الوكيل فجاء رجل وادعى على موكله دينًا وأقام البينة عليه وحكم الحاكم به نفذ حكم الحاكم سواء قلنا: انعزل الوكيل أو لم ينعزل لأن صحة الحكم لا تفتقر إلى حضور الخصم ويجوز القضاء على الغائب.
فرع آخر
لو قام الوكيل رجلًا وادعى عليه وأقام شاهدين فحكم الحاكم وكان قد عزله قبل التثبيت قال القاضي الطبري: الذي عندي أنه لا يصح الحكم إذا قلنا: صح العزل لأن الدعوى إذا لم تصح لم يمح الحكم للمدعي.
فرع آخر
لو قال لوكيله: كلما عزلتك فأنت وكيلي من الرأس لا يصير بهذا وكيلا بعدما يعزله خلافًا لأبي حنيفة لأنه تعليق بالصفة.
وقيل: لو تصرف ها هنا بعد العزل هل يجوز؟ وجهان.
فرع آخر
لو ادعى رجل الوكالة في المخاصمة وصدقه الخصم فمذهب الشافعي أنه لا يقبل الحاكم ذلك منهما ولا يسمع تخاصمهما لما فيه من إثبات الحجة على صاحبهما.
وقال ابن سريج: يقبل الحاكم ذلك منهما ويسمع تخاصمهما لأن إقرار الوكيل على الموكل غير مقبول فلم يكن فيه إضرار به وإنما هو إقامة بينة على المطلوب يجوز مع حضور الموكل وغيبته.
فرع آخر
لو وكله في مخاصمة كل خصم له جاز، وفيه وجه أخر لا يجوز لأنه قد تقل الخصومات ويكثر فيكثر الضرر.
ولو وكله في مخاصمة كل خصم يحدث له هل تصح الوكالة؟ وجهان: أحدهما: وهو قول البصريين لا يصح لأنه يتضمنها الجهالة بالموكل
فيه وإنها على غير شيء في الحال.
والثاني: وهو قول البغداديين وأهل [67 / ب] العراق تصح لأن الوكالة من العقود الجائزة فلا تبطل بالجهالة وكالوصية تجوز بالحادث المجهول.
فرع آخر
لو وكل وكيلين على الاجتماع والانفراد ثم عزل أحدهما ولم يعين فيه وجهان: أحدهما: أن كل واحٍد منهما على جواز تصرفه ما لم يعلم أنه المعزول بعينه.
والثاني: أن كل واحٍد منهما معزول من التصرف خوفًا من أن يكون هو المعزول بعينه.
فرع آخر
لا وكل عشرة نفٍر ثم قال: عزلت أكثركم فأقله ستة، ولو وقع الوكالة مجتمعًا ثم عين الستة هل لمن بقي التصرف في ذلك الشيء؟ وجهان.
فرع آخر
لو قال: وكلتك في استيفاء مالي على زيد يجوز أن يستوفيه من وارثه إذا مات، ولو قال: وكلتك في استيفاء مالي من زيد لم يجز أن يستوفيه من وارثه، والفرق أنه إذا قال: ما على زيد يتوجه إلى المال، وإذا قال: من زيد يتوجه إلى زيد أن يكون هو المستوفى منه.
مسألة 1: قال: فإن ثبت فأقر على موكله لم يلزمه إقراره.
وهذا كما قال: إذا وكله بالخصومة لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يوكله بها وينهاه عن غيرها، أو يوكله بها وبغيرها.
أو يوكله بها مطلقًا.
فإن وكله بها ونهاه عن غيرها مثل أن يقول: وكلتك بالخصومة وتثبيت الحق وقبضه ونهيتك عما سواه لم يكن له التصرف إلا فيما نص عليه بلا خلاف.
وإن وكله بها وبغيرها فقال: وكلتك بالخصومة وتثبيت الحق وقبضه والصلح والإبراء كان له التصرف في كل ما وكله فيه.
ولو وكله بالإقرار اختلف أصحابنا فيه.
قال أبو إسحاق: لا يصح التوكيل به لأن إقرار الوكيل إخبار عن الغير بما يجب عليه وذلك لا يجوز في الشريعة إلا على طريق الشهادة، ولأن قوله: "أقر عني" معناه: إذا أقررت عني فقد لزمني المال فلا يجوز الإقرار معلقًا بصفة.
وقال غيره من أصحابنا: يصح التوكيل لأن الشافعي قال: لم يلزمه إقراره، لأنه لم يوكله بالإقرار ولا بالصلح ولا بالإبراء فدل على أنه إذا وكله به يصح وتقديره: أخبر عني بأن له عليّ كذا، فيجوز ذلك وهذا إذا قال: أقر عني فأما إذا قال: أقر بكذا فليس بشيء لأنه [68/ أ] أمره بأن يقر على نفسه فإذا قلنا: يجوز اختلفوا فمنهم من قال: إلا عيّن له مقداره وصفته صح التوكيل به، وإن أطلق لا يصح لأنه لا يدري بأي مقدار يقر عليه
وهو اختيار الإصطخري وابن أبي هريرة، وعلى هذا لو قال الموكل: كل ما أقر به الوكيل علي فهو صادق فيه لم يلزمه ما أقر به الوكيل للجهالة.
ومن أصحابنا من قال: يصح مطلقًا فما صح عنده أنه يجب عليه فإنه يقر به ويحكم عليه بذلك، ووجهته أنه لما صح أن يقر بمعلوم ومجهول ويرجع في تفسيره إليه كذلك يصح أن يوكل فيهما.
وقال صاحب "الإفصاح": إذا قال: أقر عني لفلان بمائة دينار يحتمل أن يقال: إن ذلك إقرار منه ويحتمل أن لا يكون إقرارًا منه، لأنه ليس بصريح ولأن الإقرار أن يخبر عن نفسه، فأما إذا أمر غيره بالإخبار عنه فإنه لا يكون إقرارًا.
فأما إذا قال: أقر عني لفلان ولم يبين ما يقر به لا يكون إقرارًا منه، ومن أصحابنا من قال: يحتمل أن يكون ذلك إقرارًا منه ويرجع في تفسيره إليه فحصل في هذه المسألة خمسة طرق:
أحدها: أن التوكيل بالإقرار لا يصح ولا يكون إقرارًا من جهته وهو اختيار أبي إسحاق وابن سريج.
والثاني لا يصح التوكيل به ولكن يكون إقرارًا من جهته إن كان وكله بالإقرار بمال معلوم، وإن وكله بالإقرار بالمجهول لم يكن إقرارًا منه وهو اختيار صاحب "الإفصاح".
والثالث: يستوي المعلوم والمجهول ويكون إقرارًا من جهته ويرجع في المجهول إلى تفسيره.
والرابع: يصح التوكيل بالمعلوم وإذا أقر عليه الوكيل لزمه ولا يصح التوكيل بالمجهول.
والخامس: يجوز التوكيل بالمعلوم والمجهول، وأما إذا قال: أقر عني لفلان بألف درهم علي أو قال: فإنه واجب علي فهذا إقرار منه لا يختلف أصحابنا فيه.
وإن وكله مطلقًا بالخصومة لا يملك الإقرار عنه ولا الإبراء ولا الصلح ولا قبض الحق، لأنه ما وكله فيه والخصومة ضد هذه الأشياء، وبه قال مالك وابن أبي ليلى وزفر.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يقبل إقراره على موكله في مجلس الحكم دون غيره.
وعن أبي يوسف [68 / ب] روايتان: إحداهما: مثل قولنا.
والثاني: يملكه في مجلس الحكم وغيره.
فرع
لو وكله في الإبراء فإن لم يذكر المبرأ ولا القدر لا يصح التوكيل.
وإن ذكر محت الوكالة ولا يبرأ ما لم يبرئه الوكيل وجهًا واحدًا وهذا لأن الإبراء إن كان هبة فالتوكيل في الهبة يجوز كالطلاق وفيه وجه آخر يجوز مطلقا وإن لم يذكر القدر.
فرع آخر
لو وكله في إبراء نفسه من حق موكله لم يجز لأنه يصير نائبًا لنفسه.
وفيه وجه آخر يجوز كما لو قال لها: طلقي نفسك وهذا هو المذهب لأنه إسقاط حق وليس بعقد وكالة ولهذا يحتاج أن يبرئ نفسه في الحال، وإن أخره لم يصح ولا فرق بين أن يقول: أمرتك أن تبرئ نفسك من الدين الذي عليه، أو وكلتك أن تبرئ غرمائي وتبرئ
نفسك إن شئت، أو قال لصاحب الدين: وكلني فيه فقال: ذلك إليك.
فرع آخر
لو وكله أن يصالح عن نفسه فيه وجهان كما قلنا في التوكيل لإبراء نفسه وهذا إذا عين له ما يصالح عليه.
فإن أطلق لا يجوز له أن يصالح إلا على شيء يبلغ قيمته قدر الدين، ولو قال: صالح على ما شئت يجوز له أن يصالح على كل وجه.
فرع آخر
لو وكل المدعى عليه بصلح اجتهد الوكيل في تقليل المصالح عليه والاستنقاص ما أمكن ثم على أي قدر وقع الصلح جاز.
فرع آخر
لو وكله أن يهب لزيد ما رأى من أمواله لم يجز للجهل به، ولو وكله في هبة شيء معلوم بعينه يجوز ولو وكله في هبة ذلك لنفسه كان على الوجهين.
فرع آخر
إذا وكله في قبض حقه من زيد فأنكر زيد الحق هل للوكيل مخاصمته وإثبات الحق؟ وجهان: أحدهما: ليس له وبه قال أبو يوسف ومحمد ورواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة كما لو وكله في تثبيت الحق ليس له قبضه لأنه لم يوكله بذلك، والثاني: له ذلك وبه قال أبو حنيفة لأن تحت التوكيل بالقبض توكيلًا بالتوكل إليه وعلى هذا قال ابن سريج: لو وكله في قمة دار فتوزع في أصلها له مخاصمته.
فرع آخر
لو أقر الوكيل على الموكل لا يقبل ويصير به خارجًا عن الوكالة.
ولو أبرأ لا يصح الإبراء ولا يصير به خارجًا عن الوكالة والفرق أن [69 / أ] في ضمن إقراره أن موكله ظالم في مطالبته بخلاف الإبراء.
فرع آخر
لو قال الموكل: كل ما أقر به الوكيل علي فهو صادق فيه لم يلزمه ما أقر به الوكيل للجهالة.
فرع آخر
لو عدل الوكيل شهود خصم الموكل لا يقبل تعديله ووافقنا فيه أبو حنيفة وقال أصحابنا: وعندنا تعديل أحد الخصمين بينة خصمه غير مقبول أيضًا إلا أن يكون هو من أهل التزكية وتعديل الشهود فيصح إلا أن يقول: هما عدلان عليّ فيما شهدا فحينئذ يكون هذا إقرارًا.
مسألة 1:قال: فإن وكله بطلب حد له.
الفصل
وهذا كما قال: الوكالة جائزة في تثبيت القصاص وحد القذف في قول الكافة.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: لا يجوز ذلك وهذا غلط لأنها وكالة في تثبيت حق فجاز كالتوكيل في إثبات سائر الحقوق.
وأما في حدود الله تعالى لا تتصور الدعوى والطلب والتوكيل.
وأما الوكالة في استيفا، القصاص وحد القذف يجوز بحضوة الموكل قولآ واحدآ وذلك نيابة كنيابة الجلاد والحداد.
وهل يجوز بغيبة الموكل؟
قال الشافعي 2: ها هنا لم أحد له ولم أقر حتى يحضر المحدود له والمقتص له.
وقال في باب القصاص بالسيف: ولو أذن له فجيء به ثم عفا الولي عنه فقتله الوكيل فيه قولان: أحدهما: لا شيء عليه والثاني: لا قود عليه ولكن عليه الدية والكفارة.
واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق:
قال أبو إسحاق: يجوز أن يوكل في استيفائه بحضرته وغيبته قولًا واحدًا وقصد هاهنا ضربًا من الاحتياط والاستحباب لا أنه منع التوكيل في غيبته وهو المنصوص في باب الشهادة على الجناية في آخر الديات قال: وتجوز الوكالة في تثبيت البينة على القتل عمدًا أو خطأ، فإن كان القود لم يدفع إليه حتى يحضر الولي أو من يوكله بقتله فيكون له قتله فأخبر أن حضور وكيله بمنزلة حضوره وهذه الطريقة اختيار القافي أبي حامد والقاضي الطبري وبه قال مالك رحمهم الله.
ووجهه أن كل ما جاز توكيله في استيفائه بحضرة الموكل جاز في غيبته كسائر الحقوق ومن أصحابنا من قال: [69 / ب] قولًا واحدًا لا يجوز ذلك لأنه ربما يعفو أو يكذب البينة فيحرم قتله، وإذا كان غائبًا لا يمكنه استدراكه ومن قال بهذا تأول ما قاله في باب القصاص على أنه تنحى به لئلا يترشش عليه الدم ولم يغب عنه، وذكر القافي الطبري في "المنهاج" أن هذا هو المذهب الصحيح وبه قال أبو حنيفة.
وقوله: قد يقر له معناه قد يقر بمثل ما يقوله المشهود عليه أنه غير قاذف أو غير قاتل وعلى هذا لو كان قد وكله في ابتداء الأمر بالاستيفاء بعد التثبيت فليس للوكيل الاستيفاء بذلك التوكيل المتقدم حتى يجدد له إذنًا، والمسألة محتملة.
وبه قال أبو حنيفة وهذا لا يصح، لأن الأصل عدم العفو وكان خلفاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم يحكمون في البلاد مع جواز النسخ لأن الأصل عدمه ويجوز إمضاء الحكم في القصاص مع غيبة الشهود والحاكم، ويجوز رجوع الشهود وتغير اجتهاد الحاكم.
ومنهم من قال: فيه قولان وهذا اختيار صاحب "الإفصاح".
فإذا قلنا: لا يجوز فوكل واقتص الوكيل بغيبته وقع القصاص موقعه ولكن لم يستوفه بوكالة صحيحة.
وإذا قلنا: يجوز
واقتص بغيبته وكان بعد العفو قبل العلم قد ذكرنا قولين فإذا قلنا: يلزم الدية ففي صفة الدية وجهان.
قال أبو إسحاق: دية عمد محض في ماله حالة، وقال ابن أبي هريرة: دية عمد الخطأ مؤجلة على العاقلة.
وإذا قلنا: لا دية ففي وجوب الكفارة وجهان، وقال ابن أبي ليلى رحمه الله: إذا وكله في إثبات القصاص له استيفاؤه ما لم ينه عنه وهذا غلط لأن الإثبات غير الاستيفاء وينفرد عنه فلا يجوز أن يكون التوكيل بأحدهما توكيلاً بالآخر.
وأما حدود الله تعالى إذا ثبتت فللإمام أن يستوفيها بنفسه وله أن يوكل في استيفائها ويصح التوكيل فيه بحضرة الإمام وغيبته قولًا واحدًا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خبر المتساوقين: "واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" 1. وأمر برجم ماعز بن مالك بغير حضرته، ولأنه لا معنى لاشتراط حضور الإمام لأن الحق ليس له ولا يجوز عفوه عنه ولا يسقط بقوله.
[70/ أ].
مسألة 2: قال: وليس للوكيل أن يوكل إلا أن يجعل ذلك إليه الموكل.
وهذا كما قال: إذا وكل رجل رجلًا في تصرف لا يخلو من أحد أمرين إما أن يطلق التوكيل، أو يفوض إليه أن يوكل غيره فإن قال: وكلتك فيه ولم يرد عليه نظر فإن كان مما يمكن أن يتولاه بنفسه لم يكن له أن يوكل فيه غيره لأنه رضي بأمانته فلم يكن له تفويضه إلى غيره كما لو أودعه وديعة كان عليه حفظه وليس أن يودعها عنا غيره.
وقال ابن أبي ليلى: له أن يوكل كما للومي أن يوكل وهذا غلط لما ذكرنا، والفرق بينه وبين الوصي أنه يتصوف بنوع ولاية لأن له التصرف فيما لم ينص له على التصرف فيه بخلاف الوكيل.
ولأن الوصي لا يملك أن يوصي إلى غيره فكذلك الوكيل لا يوكل.
وإن كان مما لا يمكن أن يتولاه بنفسه ولا بد من معونة غيره جاز له التوكيل فيه وجهًا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: يجوز كعامل القراض.
والثاني: وهو الأصح لا يجوز لأنه غير مأذون فيه.
وهذا غلط لأنه يقتضيه العرف والعادة لعلمه أنه لا يمكنه القيام به.
ثم هل له أن يوكل في جميع ما فوض إليه أو يوكل في القدر الذي لا يمكنه القيام فيه بنفسه؟ وجهان: أحدهما: يجوز في جميعه لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل فيه فجاز في جميعه كما لو أذن له في التوكيل لفظًا.
والثاني: لا يجوز إلا في قدر ما لا يمكنه التصرف فيه بنفسه لأنه يجوز التوكيل للحاجة فاختص بما دعت إليه الحاجة، بخلاف ما إذا صرح بإطلاق التوكيل.
وهذا إذا كان ممن لا يتصاون عن الأسواق ولا يتولى التصرف بنفسه يجوز له التوكيل فيه بكل حال، لأن إذنه له في التصرف مع علمه بحاله إذن له في التوكيل.
وهكذا إذا كان العمل مما لا يباشره الوكيل في العادة.
ذكره القاضي الطبري
وغيره.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه لا فرق وإن كان قد جعل إليه أن يوكل غيره فيه كان له التوكيل في جميع الأحوال إلا أنه إن قال له: وكل عني أو وكل رجلًا على أن يكون وكيلي فإذا وكله يكون [70 / ب] وكيلًا للموكل دون الوكيل فينعزل بموت الموكل ولا ينعزل بموت الوكيل.
ولو قال: جعلت إليك أن توكل وأطلق فإذا وكل يكون وكيلًا للوكيل دون الموكل فينعزل بموت الوكيل وموت الموكل جميعًا.
وكذلك إذا صرح وقال: وكل عن نفسك.
فإن قيل: أليس لو أوصي إلى رجل وأذن له أن يوصي عن نفسه لا يجوز ذلك فما الفرق؟ قلنا: إذا أذن للوصي أن يوصي عن الموصي جاز، وإن أذن له أن يوصي عن نفسه فيه قولان والأصح أنه يجوز، وإن سلمنا فالفرق أن الوصاية نوع ولاية فلا تثبت من جهة من يتصرف بالتولية والوكالة تصرف بالإذن فجازت من جهة من يتصرف بالإذن.
وقال في "الحاوي" 1: إذا أطلق وقال: أذنت لك بالتوكيل فإن عين له من يوكله كان الثاني المعين وكيلًا للموكل دون الوكيل الأول لأن في التعيين تنبيهًا عليه، وان لم يعينه فيه وجهان: أحدهما: يكون وكيلًا للموكل كالوكيل الأول لا ينعزل بعزل الأول.
والثاني: يكون وكيلًا للوكيل ينعزل بعزل الأول وكذلك ينعزل بأن يعزله الوكيل الأول.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: وكيل الوكيل هل ينعزل بموت الواسطة؟ وجهان: أحدهما: وهو الأصح وظاهر مذهب الشافعي أنه لا ينعزل.
والثاني: وبه قال المزني إنه ينعزل لأنه استفاد الإذن من جهته وكذلك هل ينعزل بجنونه وإغمائه؟ وجهان وهذا غريب.
وقال أيضًا: هل ينعزل الوكيل الثاني بعزله الوكيل الأول؟ وجهان: أحدهما: لا ينعزل لأنه لم يوكله بالعزل ويخالف هذا وكيل العامل في القراض ينعزل بعزله لأنه لا يحتاج العامل في هذا التوكيل إلى إذن رب المال بخلاف الوكيل ها هنا فإنه يحتاج إلى إذن الموكل في التوكيل.
فرع
لو وكله وكالة جامعة في خصومة وقال: قد أذنت لك في جميع ما منعت فيها ففي توكيل الوكيل غير.
قولان: أحدهما: يجوز لدخوله في جملة ما وكله.
والثاني: لا يجوز لأن اسم الوكالة بالخصومة وإن كانت جامعة يقتضي توكيل الوكيل في ذلك بنفسه دون غيره وقيل: فيه وجهان [71 / أ] ذكر.
ابن سريج رحمه الله وهذا أصح.
فرع آخر
إذا قلنا: يجوز له أن يوكل فإن قال: وكلتك عن الموكل أو أطلق كان وكيلًا للموكل.
وإن قال: وكلتك عن نفسي كان وكيلًا له والحكم على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو قال للوكيل بالبيع: جعلت إليك أن توكل من رأيت فعلى الوكيل إذا أراد التوكيل أن يختار ثقة أمينًا كافيًا فيما يوكل فيه.
فإن وكل ثقًة أمينًا ثم حدث فسقه هل يجوز له عزله قبل استئذان الموكل في عزله؟ وجهان: أحدهما: ليس له لأنه وكيل غيره حتى يستأذنه في عزله.
والثاني: له ذلك لأن إطلاق الإذن يقتضي توكيل ثقة عدل.
فرع آخر
إذا قلد الإمام رجلًا أن يحكم في ناحيٍة من النواحي بين أهلها فإن كان يمكنه النظر فيها بنفسه لم يجز له أن يقلد الحكم غيره ويستنيب عن نفسه غيره إلا بإذنه.
وإن كان العمل كثيرًا لا يمكنه أن ينظر فيه بنفسه له أن يقلد فيما لا يمكنه أن ينظر فيه بنفسه وفيما يمكنه النظر بنفسه هل له أن يقلد فيه وجهان على ما ذكرنا.
مسألة 1: قال: وإن وكله ببيع متاعه فباعه فقال الوكيل: قد دفعت إليك الثمن.
الفصل
وهذا كما قال: إذا وكله ببيع سلعة فقال: بعتها وقبضت ثمنها وتلف في يدي فصدقه على البيع والقبض وأنكر التلف فالقول قوله في التلف وللموكل أن يستحلفه، وهكذا المودع والمضارب والشريك والمرتهن.
وإن قال: دفعت إليك ثمنها أو رددت عليك السلعة فإن كانت الوكالة بغير أجرة فالقول قوله مع يمينه وإن كانت بأجرة هل يقبل قوله مع يمينه؟ وجهان وهكذا المضارب والشريك والأجير المشترك إذا ادعوا رد المال على هذا الخلاف لأن كل هؤلاء يتصرفون بعوض.
وأما المرتهن أو المستأجر إذا ادعى رد العين المرهونة أو المستأجرة لا يقبل إلا ببينة والفرق بينهما [71 / ب] وبين الوكيل والشريك والأجير المشترك أن هؤلاء لا حق لهم في العين فقبل قولهم في الرد على أحد الوجهين، وللمرتهن والمستأجر حق في العين فلم يقبل قولهما في الرد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يقبل قول المرتهن في الرد أيضًا لأن يده يد أمانة وهذا ضعيف.
وأما الوصي إذا ادعى رد ما في يده إلى اليتيم بعد بلوغه لا يقبل لأنه لم يأتمنه اليتيم أو قاس أصحابنا على هذا الملتقط إذا ادعى رد اللقطة على صاحبها، وإذا أطارت الريح ثوبًا فألقته في داره فادعى رده على صاحبه لا يقبل قوله، وإذا ادعى رد الوديعة إلى ورثة المودع بعد موته أو ادعى رد مال المضاربة إلى ورثة رب المال.
ومن أصحابنا من قال: يقبل قولهم في ذلك لأنهم أمناء وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 16] فلو كان يقبل قوله في الرد لما أمر بالشهادة.
فرع
لو ادعى التصرف وأنكره الموكل فقال: قد بعت وأنكر الموكل قد ذكرنا هذه
المسألة وقد قال ابن سريج: فيه قولان: أحدهما: لا يقبل نص عليه في الصرف والنكاح والرهن لأن هذا إقرار في حق الموكل بما يسقط به حقه ويبطل عليه ملكه فلم يقبل.
والثاني: يقبل قوله نص محليه في "الرهن الأخير" وهو الأقيس لأنه يملك البيع فيملك الإقرار به كالموكل في ملك نفسه وكالحاكم في الحكم وهكذا الوكيل في النكاح إذا قال: زوجتها، فقال: ما زوجتها فعلى القولين وقيل: في هذه المسألة للشافعي قولان.
ولأبي العباس ابن سريج وجهان فالقولان ما ذكرنا، وأما الوجهان: أحدهما: أنه إن كان ما أقو به الوكيل يتم به وحده كالعتق والطلاق والإبراء يقبل قوله فيه لأنه يصح من الوكيل في الحال، وإن كان بخلافه لم يقبل إقراره به.
والثاني: وهو اختياره أن ما كان الإقرار به كإيقاعه قبل قوله فيه وما كان بخلافه لم يقبل وهذان الوجهان إذا كان الوكيل عند الاختلاف باقيًا على الوكالة فأما مع العزل فلا وجه له.
وقال أبو حنيفة: يقبل إقرار الوكيل في الكل إلا في مسألة وهي إذا قال لوكيله: زوجني امرأة فأقر الوكيل أنه تزوجها [72 / أ] له وادعت المرأة وأنكر الموكل العقد لا يقبل قوله لأنه إقامة البينة على النكاح لأنه لا يعقد إلا بحضرة البينة وهذا لا يصح لأن عنده ينعقد النكاح بشهادة فاسقين.
ولا يثبت بهما.
فرع آخر
لو أمر وكيله بشراء عبد فقال الوكيل: اشتريته بألف وقال الموكل: اشتريته بخمسمائة فالقول قول الموكل وقال أبو حنيفة: إن كان الألف بيد الوكيل فالقول قوله وإن لم يكن بيده فالقول قول الموكل.
وهذا غلط لأنه يقبل قوله في أصل الشراء فكذلك في قدر ثمنه هكذا ذكر في "الحاوي" 1. وقال بعض أصحابنا: فيه قولان أيضًا والمشهور في كتبه أن القول قول الموكل، وهذا اختيار أبي حامد وفي هذا نظر عندي.
فرع آخر
إذا كان له قبل رجل مال فطلبه بإقباضه فقال: لا أسلم لك حقك حتى تشهد على نفسك بالقبض لم يخل محليه الحق من أحد أمرين؟ إما إن يكون ممن يقبل قوله على القابض في إقباضه أو لا يقبل، فإن كان يقبل كالمودع وغيره الذي ذكرنا فعليه تسليمه ولا يجب على القابض الإشهاد على نفسه بالقبض سواء ثبت عليه ذلك بالبينة أو بغيرها.
وقال القاضي الطبري: فيه وجهان: أحدهما: هذا وهو الصحيح لأن قوله مقبول في الرد فلا حاجة به إلى الإشهاد.
والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة، له الإشهاد ولا يصير ضامنًا بمنعه إياه بذلك لأن له غرضًا صحيحًا وهو إسقاط اليمين عن نفسه إذا جحد صاحبه القبض وربما إذا حلف وافق قدر بلاء فيقال بيمينه كما قال عثمان بن
عفان رضي الله عنه: فيكون له غرض في اليمين.
وهذا أولى عندي.
وقيل: هذا إذا كان الإشهاد ممكنًا لا يؤدي إلى تأخير الحق، فإن كان يتأخر لتعذر الإشهاد له منعه.
وإن كان ممن لا يقبل قوله في الإقباض كالمستعير والمرتهن والغاصب ونحو ذلك فإن كان قد ثبت عليه بالبينة لم يلزمه تسليمه بغير بينة لأنه لا مخلص له منه إلا ببينة، وإن كان ثبوته عليه بغير بينة فعليه تسليمه وليس على القابض بينة وقيل: فيه وجهان أيضا:
أحدهما: يلزمه تسليمه من غير بينة لأنه يمكنه أن يقول: أليس لك عندي شيء؟ ويكون جوابًا صحيحًا [72/ ب] فيحلف عليه ويبرأ.
والثاني: لا يلزمه إلا ببينة ليسقط عن نفسه اليمين عند الجحود وقيل: في الوكيل ثلاثة أوجه: أحدهما: ليس له مطالبة الموكل بالإشهاد.
والثاني: له ذلك.
والثالث: وبه قال مالك رحمه الله إن كان قد قبض بالإشهاد له ذلك وإلا فلا.
فرع أخر
لو وكله بالإيداع هل يلزمه الإشهاد؟ وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأن القول قول المودع في الرد والهلاك.
والثاني: يلزمه لأنه لا يأمن أن ينكر فيشهد عليه الشهود.
فرع آخر
لو قال الموكل: استوفيت الثمن من المشتري فادفع إلي وقال الوكيل: ما استوفيت وكان مأذونا في أن يسلم من دون استيفاء الثمن أو كان الثمن مؤجلًا فسلم المتاع ثم حل الأجل، فالقول قول الوكيل وبرئ المشتري بإقرار الموكل.
فرع آخر
لو قال الوكيل: دفعت الثمن إليك أيها الموكل وقال الموكل: لم تدفع وحلف الوكيل ثم ود المشتري المتاع بالعيب فإن شاء طالب بالثمن الموكل، وإن شاء طالب الوكيل إذ قد دفع إليه فإن طالب الموكل لم يرجع به على الوكيل لأن الوكيل أمين قد حلف مرة أني دفعت إليك، وإن طالب الوكيل لم يرجع على الموكل ونقول له: جعلناك أمينًا وقبلنا يمينك حين أراد الموكل أن يغرمك فالآن أنت تريد أن تغرمه فيحلف الموكل أنه ما قبض منك الثمن ويبرأ ذكره القفال رحمه الله.
مسألة 1: قال: فإن طلب منه الثمن فمنعه منه.
الفصل
وهذا كما قال: إذا باع الوكيل ثم جاء الموكل فطالبه بالثمن فمنعه لا يخلو إما أن يكون له عذر أو لا عذر له فإن كان له عذر مثل أن يكون حاقنًا فقال: حتى أتطهر أو خاف فوت الصلاة أو الجماعة أو الجمعة، أو كان مشغولًا بشراء أو بيع يلحقه الضرر
بتركه فقال: حتى أفرغ من ذلك أو كان ذلك بالليل فقال: هو في الدكان فإذا أصبحنا دفعته إليك فإنه معذور ولا يصير ضامنًا بمنعه إياه.
وإن لم يكن له عذر فمنعه صار ضامنًا فإن تلف في يده وجب عليه مثله أو قيمته.
فإن ادعى دفعه إليه بعد ذلك لم يقبل قوله من غير بينة، وإن منعه منه وكان قد تلف قبل المنع ولم يعلم به وثبت ذلك بالبينة هل يضمنه؟ فيه وجهان: [3 / أ].
أحدهما: لا يضمن لأنه قد تلف وهو أمانة فلا يصير مضمونًا بعد التلف إذ لم يوجد سببه الضمان عند بقائه وهو الأصح.
والثاني: يضمن وبه قال ابن سريج كالوديعة عنده يضمن باعتقاد الامتناع من الرد وهذا لأنه لما منعه مع القدرة علمنا أنه كان يمسكه لنفسه.
ولو طالبه بالرد فوعده به ثم أخره مع الإمكان ثم ادعى أنه كان قد تلف قبل مطالبته أو قال: كنت رددته قبل مطالبته ونسيت لم يقبل قوله، ولو أقام البينة على ذلك هل تسمع بينته؟ وجهان واختيار القافي الطبري أنه لا يسمع لأن قوله يكذب بينته فإنه كان وعده بدفعه إليه.
مسألة 1: قال: ولو قال صاحبه: قد طلبته منك فمنعتني فأنت ضامن فهو مدٍع أن الأمانة تحولت مضمونة فعليه البينة وعلى المنكر اليمين.
وهذا كما قال: إذا ادعى على وكيله أنه طالبه برد المال الذي في يده وامتنع من الرد مع الإمكان وأنكر الوكيل ذلك فإن كان للموكل بينة وجب على الوكيل الضمان.
وإن لم تكن له بينة فالقول قول الوكيل مع يمينه فإذا حلف كان على أمانته.
وإن نكل حلف الموكل بالله تعالى: لقد طالبته به فمنعه من غير عذر وصار الوكيل ضامنًا فإن كان المال قد تلف في يده غرم ضمانه.
ولو قال: طلبت مني ولكني ما تمكنت من الرد وقال الموكل: تمكنت من الرد فالقول قول الوكيل أيضًا.
ولو منعه منه ثم جاء به ليوصله إليه فتلف في الطريق ضمنه لأنه لا يخرج من الضمان حتى يوصله إلى مالكه، فإن ائتمنه المالك ذلك مرة أخرى هل يصير أمانة؟ ذكرنا وجهين.
مسألة 2: قال: ولو قال: وكلتك ببيع متاعي فقبضته مني فأنكر.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ادعى على وكيله أنه دفع إليه ثوبًا ليبيعه أو مالًا ليشتري له به ثوبًا أو قال: سلمته إليك وديعة فأنكر لا يخلو إنكاره من أحد أمرين إما أن يقول: ما قبضت منك شيئا أو يقول: ليس لك عندي شيء فإن قال: ما قبضت منك شيء فالقول قوله لأن الأمل معه.
فإن قامت البينة بأنه قبضه علمنا بقيام البينة [73 /ب] بكذبه وخيانته.
فإذا قال بعد ذلك: تلف في يدي أو رددته عليك لم يقبل قوله لأنه قد ظهر تعديه وبطلت أمانته.
فإن أقام البينة بأنه قد تلف في يده هل تقبل بينته؟ وجهان: أحدهما: لا تقبل لأنه لما أنكر القبض فقد كذب بينته فهو مقر بأن بينته كاذبة.
(والثاني): تقبل وهو اختيار القفال لأنه أنكر القبض والبينة تشهد بالتلف.
فعلى هذا ينظر فإن شهدت البينة بتلفها بعد الجحود لا يسقط الضمان لأنه بالحجر صار ضامنًا له، وإن شهدت بتلفه قبل الجحود فلا ضمان عليه، وإن شهدت البينة برده على صاحبه برئ.
وإن لم تقم عليه بينة ولكنه أقر بعد الإنكار بأنه قبضه وادعى التلف لم يقبل منه لأنه كذب نفسه فقد بطلت أمانته هذا كله إذا قال: ما قبضت منك شيئًا.
فإن قال: ما لك عندي شيء ثم قامت البينة أنه قبضه منه ووكله ببيعه أو أقر بذلك ثم قال: كنت قبضته ولكن رددته عليه، أو تلف في يدي فلا ضمان عليه، لأن أحد قوليه ليس بتكذيب للأخر.
فإن قيل: إذا ادعى عليه القبض والتوكيل فلم يسمع منه هذا الجواب قلنا: من ادعى على رجل بيعًا أو غصبًا أو قرضًا أو غير ذلك لا يلزم أن يجيبه على لفظه فإذا قال: ما لك عندي حق يسمع جوابه؟ لأنه يجوز أن يخب ثم يشتريه، أو يكون له عليه دين لا يصل إليه من جهته فغصبه منه أو يقبضه منه بالوكالة ثم يتلف فلا يكون له قبله حق فكان هذا الجواب مسموعًا ولم يكلف غيره، فإن أجابه على لفظه فقال: ما غصبت ولا استقرضت هل يحلفه على حسب جوابه أو يحتاط فيحلفه على أنه لا حق له عليه؟ ذكرنا وجهين.
مسألة 1: قال: ولو أمر الموكل الوكيل أن يدفع مالًا إلى رجل.
الفصل
وهكذا: إذا دفع إلى رجل مالًا وأمره أن يقضي دينه فقال: قبضته وقال صاحب الدين: ما قبضت منه شيئًا فالقول قول صاحب الدين مع يمينه، فإذا حلف استحق الدين على الموكل ولا مطالبة له على الوكيل.
وهل للموكل مطالبة الوكيل إذا لم يكن أشهد عليه؟ بيناه في كتاب الرهن والضمان.
وقال أبو حنيفة: إذا صدقه [74/ أ] الموكل لم يضمن الوكيل، وإن كذبه فالقول قوله مع يمينه.
وقال ابن سريج: وهذا وجه لبعض أصحابنا كما يقبل قوله على موكله بالبيع والقبض في أحد القولين.
وقال أبو حامد: هذا لا يشبه ذلك لأنه ها هنا مفرط بترك الإشهاد فلهذا ضمن بخلاف ذلك.
ولو قال الوكيل: دفعت بحضرتك فلم يلزمني الإشهاد، وقال الموكل: لم تدفع بحضرتي فالقول قول الوكيل مع يمينه، كما لو ادعى الرد إليه وأنكر ذكره بعض أصحابنا قال: ولا يشبه هذا إذا أقر أنه باع وأنكر الموكل لا يقبل قوله في أحد القولين لأنه يثبت حقا على موكله لغيره وها هنا يسقط عن نفسه الضمان بما ذكره فكان القول قوله مع يمينه.
مسألة 2: قال: ولو جعل للوكيل فيما وكلًا جعلا.
الفصل
وهذا كما قال: إذا وكل رجل رجلًا ببيع متاعه بأجرة ذكرها في عقد الوكالة فباع ودفع الثمن ثم طالبه بالأجرة فقال الموكل: قد خنتني بمقدار الأجرة وأنكر الوكيل فالقول قول الوكيل مع يمينه، وإنما تسمع دعواه إذا جعل مقدار الخيانة معلومًا فقال: أخذت ثمن السلعة كذا وكذا درهمًا، ودفعت إلي كذا فإذا حلف استحق الأجرة، فإن لم يحلف رددنا اليمين على الموكل، فإذا حلف استحق مقدار الخيانة وصار قصاصًا من الأجرة ولو قال: ما علمت ما فوضت إليك فلا تستحق الجعل فعلى الوكيل إقامة البينة لأنه يدعي به عوضًا والأمل عدمه.
وظاهر لفظ المزني أن ها هنا أيضا القول قول الوكيل وليس كذلك وصورة مسألة المزني ما ذكرناه.
فرع
لو قال: ضاع الثمن قبل قوله مع يمينه فإذا حلف برئ منه ويلزم له الأجرة على موكله لأن الأجرة مبذولة على عقد البيع وقد فعل ما يتحقق به الأجرة فلم يسقط بتلف الثمن وهذا كما لو استأجر رجلًا ليعلم ابنه القرآن بأجرة معلومة فعلمه ثم مات الابن استحق الأجرة، وكذلك إذا استأجره ليرعى له غنمه شهرًا فرعاها ثم تلفت كانت له الأجرة لأن الذي شرط له الأجرة عليه قد حصل [74 /ب] منه فكذلك ها هنا ويخالف الخياط أو الصباغ إذا تلف الثوب في يده لم تكن له الأجرة لأنه يحتاج أن يسلم العمل إلى المستأجر، فإذا لم يسلم العمل إليه لم يستحق الأجرة عليه بخلاف مسألتنا.
فرع آخر
إذا باع الوكيل بجعل له مطالبة الموكل بالجعل قبل أن يتسلم الموكل الثمن لأن الأجرة مستحقة بالبيع ولا يشترط التسليم فيه.
فرع آخر
لو قال: وكلتك في بيع مالي فإذا سلمت الثمن إليّ فلك كذا فإنه يقف استحقاق الجعل ها هنا على تسليم الثمن إليه لأنه شرطه في الاستحقاق بخلاف المسألة الأولى.
فرع آخر
لو دفع ثوبًا إلى قصار فجحده القصار ثم جاء به مقصورًا هل له الأجرة أم لا؟ حكي أن أبا حنيفة أمر من سأل أبا يوسف عن هذا فقال: له الأجرة فقال ذلك السائل له: أخطأت فقال: لا أجرة له، فقال: أخطأت فجاء أبو يوسف أبا حنيفة وسأله عنها فقال: إن قصرت قبل الجحود فله الأجرة وإن كان بعده فلا أجرة له.
وأما عندنا إن قصره قبل الجحود فله الأجرة، وإن قصره بعد الجحود تخرج المسألة على جوابين بناء محلى قولي الشافعي فيمن أحرم عن غيره بإذنه ثم صرف الإحرام إلى نفسه لا ينصرف إليه ويصح عن الآمر وهل يستحق عليه الأجرة أم لا؟ فيه قولان.
أحدهما: يستحق لأنه وقع عن الأمر.
والثاني: لا يستحق لأنه نواه عن نفسه وكان
عنده أنه يعمل لنفسه ووقع للمالك فيه الجوابان.
فرع آخر
قال أبو حنيفة: لو قال: أخذت من فلان كذا وديعة وقال المالك: بل غصبًا فالقول قول المقر له أنه غصب.
ولو قال: دفعه فلان إلي وديعة، وقال المالك: بل غضبًا فالقول قول المقر فمن أصحابنا من قال: لا نقول بهذا التفصيل بل القول قول المقر في الموضعين.
وقال القفال: عندي المذهب كما قال أبو حنيفة لأنه إذا قال: أخذت فقد أقر بأخذه وهو فعل من جهته وادعى على المقر له الإذن في الأخذ فالقول [75 / أ] قوله.
مسألة 1: قال: ولو دفع إليه مالًا يشتري له به طعامًا فتسلفه.
الفصل
وهذا كما قال: إذا دفع رجل إلى رجل دراهم وأمره أن يشتري به طعامًا فصرفها في بعض حوائجه، ثم اشترى لموكله طعامًا بدراهم من عنده فإن الشراء لا يلزم الموكل لأن وكالته قد بطلت بصرف دراهمه في حوائجه، فإن الوكالة متعلقة بها بعينها وأمره بالشراء بعين الدراهم، فإذا تلف الدراهم بطلت الوكالة.
وكذلك لو أمره بالشراء في الذمة وأن ينقد الدراهم في ثمنه فصرفها في حوائجه بطلت الوكالة، لأن الوكالة تعلقت بعين الدراهم، ألا ترى أنها لو سرقت تلك الدراهم من يده بطلت الوكالة ولم يجز له أن يشتري الطعام إلا بإذن مجدد؟ كذلك هاهنا، وإذا ثبت بطلان الوكالة لم يجز أن يشتري له في ذمته من الدراهم طعامًا إلا بإذن مجدد.
ولو اشترى من غير تجديد الإذن لم يلزم الأمر ونظر فيه فإن ذكر في عقد الشراء أنه يشتريه لموكله قد ذكرنا فيه وجهين، قال أبو إسحاق: يلزم الوكيل.
والثاني يكون الشراء باطلًا.
وإن قصد بقلبه ولم يتلفظ بلسانه كان الثراء لازمًا للوكيل وعليه مثل دراهمه التي أتلفها.
وقوله: فتسلفه أي أخذه قرضا على نفسه.
وأخل المزني بالنقل حيث قال في علة هذه المسألة لأنه خرج من وكالته بالتعدي فاشترى بغير ما أمر به، فجعل شراؤه بغير ما أمر به عدوانه وسبب عزله وليس الأمر على ما أوهم لفظه فإن عدوانه في السلف والاستئناف وبذلك انعزل عن وكالته، فأما ثراءه الطعام بغير ما أمره فهو علة المسألة الثانية وهي أن ملك ذلك الطعام وقع للوكيل، فإن أراد المزني بهذه اللفظة تعليل ملك الطعام كان من حقه أن يقطع العلة عن العلة بلفظ يصلح لنسق العلة على العلة.
وقال أبو حنيفة: هذا الطعام للموكل وليس على الوكيل ضمان الدراهم وهذا على أصله حيث قال: لا تتعين الدراهم في العقود [75 /ب] ثم ناقض فقال: لو تلفت
الدراهم في يده من غير جناية انعزل عن وكالته.
فرع
إذا تعدي في المال الذي وكله فيه بأن يكون قد فرط في حفظه في حرز مثله، أو كان عبئاً فاستخدمه أو كانت جارية فوطئها هل تنفسخ الوكالة؟ وجهان: أحدهما: تنفسخ لأن الضمان والوكالة لا يجتمعان، والحكم فيه كما ذكرنا فيما قبله.
والثاني: لا تنفسخ وهو الأصح، كالرهن إذا تعدى فيه المرتهن ضمن وبطلت أمانته ولا يبطل الرهن وتحريره أنه تضمن الأمانة والتصرف فبطلت بالتعدي الأمانة دون التصرف وبه قال أبو حنيفة.
فرع آخر
إذا قلنا: لا ينفسخ فباع بعد ذلك صح وإذا سلمها المشتري زال عنه الضمان لأنه سلمها بإذن مالكها، كما لو كانت غضبًا فسلمها إلى الوكيل بإذن المالك يزول الضمان.
وقال القاضي الطبري: بنفس البيع يزول عنه الضمان، لأنه صار ملكًا للمشتري.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه متى تلف في يده بعد بيعه قبل تسليمه عاد ملك الموكل إليه لأن عقد البيع يفسخ بالتلف قبل التسليم، فإذا عاد ملك الموكل إليه كان مضمونًا على الوكيل بتعديه فلا يسقط عنه الضمان إلا بتسليمه.
فرع آخر
إذا قبض الثمن في هذه المسألة كان أمانًة في يده لأن قبضه له بإذن الموكل ولم يتعد فيه فكاك أمانة، وكذلك إذا كان وكيلًا في الشراء فتعدى في الثمن ضمنه فإذا اشترى به وسلمه زال عه الضمان وقبض المبيع قبض أمانة.
فرع آخر
لو سلم المبيع إلى المشتري في هذه المسألة فوجد به عيبًا فرده أو وجد الوكيل بالثمن عيبًا فرده واسترد المبيع هل يعود إلى يده مضمونًا عليه؟ لا نص فيه.
وقال بعض أصحابنا: يعود مضمونًا عليه.
فإن قيل: قد زال الضمان بقبض المشترى وقبضه الآن بإذن الموكل ولم يتعد فيه بعد فلا ضمان قلنا: هذا المشتري ما قبضه للموكل وإنما قبضه لنفسه فزال الضمان بذلك، فإذا فسغ البيع انفسخ القبض فعاد بحاله.
وعندي أنه لا يعود مضمونًا عليه لأن فسخ القبض من وقته لا من أصله على أصلنا فلا يضمن ثانيًا إلا بسبب حادث.
فرع آخر
لو كان تعديه من حيث القول لا يضمن مثل أن وكله ببيع سلعة بألٍف فباعها [6/ أ] بخمسمائة ولم يسلمها إلى المشتري فقد صار متعديًا بالقول ولكن لا يصير ضامنًا لأنه
يحدث في عين مال الموكل فعلًا.
ولو سلمها إلى المشتري كان تسليمه فعل عدوان فهل ينعزل به؟ على الوجهين.
فرع آخر
لو دفع إليه دراهم وأمره أن يشتري بعينها متاعًا فاشترى له متاعًا في الذمة ونقدها فيه فالشراء لا يلزم الموكل لأنه خالفه مخالفة تضره، ووجه الضرر فيه أنه إذا اشترى بعينها فتلفت الدراهم في يد الوكيل بطل الشراء ولم يطالب الموكل بغيرها، وإذا اشترى في الأمة فتلفت الدراهم في يد الوكيل قبل تسليمها إليه طولب الموكل بثمن المتاع فيكون في ذلك ضرر.
فرع آخر
لو أعطاه ألفًا وأمره أن يشتري في الذمة فتعدى في الألف لم تَزُل الوكالة قولًا واحدًا لأنه ما تعدى فيما هو وكيل فيه، فإذا اشترى في ذمته صح ولو نقد الثمن زال الضمان.
فإن قيل: هلا قلتم يخرج من الوكالة بالتعدي وزوال الأمانة فلا يصح بيعه في أحد الوجهين؟ قلنا: إنما يجيء هذا الوجه فيما تعدى فيه، والتعدي في عين لا يثبت حكمه في عين أخرى، ألا ترى أنه لو أودع عنده وديعتين متفرقتين فتعدى في إحداهما لم يضمن الأخرى ولم يخرج من حكم الأمانة جملة؟ كذلك ها هنا.
فرع آخر
لو أمره أن يشتري في الذمة وينقد فيه الألف الذي دفعه إليه فاشترى بعين الألف فيه وجهان: أحدهما: وهو الصحيح يلزم الشراء الموكل لأنه زاده خيرًا فإن الدراهم إن تلفت لم يلزمه غيرها، وإن لم تتلف سلم له المتاع فتنفعه هذه المخالفة فلا تمنع وقوع الشراء له.
والثاني: لا يلزمه لأن له غرضًا في شرائها في الذمة فإنه يجوز أن يريد أن لا ينفسخ البيع بتلف الدراهم واستحقاقها، وإذا اشتراها بعينها انفسخ البيع بالتلف والاستحقاق ولا يلزم الوكيل وهذا أقرب عندي.
فرع آخر
لو قال: بع هذه السلعة في السوق الفلانية فباع في السوق الأخرى بالثمن الذي يشترى به في السوق المسمى له كان البيع صحيحًا.
ولو قال: بعها من فلان فباعها من غيره بالثمن الذي يشتري به فلان فالبيع باطل، والفرق بينهما أن المقصود من البيع [76/ ب] في السوق المعينة حصول الثمن وقد حصل المقصود من السوق الأخرى فجاز البيع، وليس كذلك إذا عين المشتري لأن الغرض في تعيينه أن ينفعه بها ويوقفه بملكها وإذا عدل عنه إلى غيره لم يحصل مقصوده فلم يجز البيع.
وقال في "الحاوي" 1: هل يلزم الشرط؟ وجهان: أحدهما: يلزم لأنه أملك بأحوال
إذنه وهو الأشبه.
والثاني: ما ذكرناه.
مسألة 1: قال: ولا يجوز للوكيل أو الوصي أن يشتري من نفسه.
الفصل
وهذا كما قال المتصرف في مال الغير ستة.
الأب، والجد، والموصي، والحاكم، والأمين من قبله، والوكيل.
فالجد كالأب لأنه يتصرف بنفسه، والحاكم كالوصي لأنه ينظر بعد زوال الإذن، والوكيل كالأمين من قبل الحاكم، لأنه ينظر بإذن من له الإذن في الحال.
فإذا ابتاع واحد من هؤلاء من مال من ينظر له لنفسه أو باع منه ماله اختلف الناس فيه على أربعة مذاهب.
قال زفر: لا يجوز لأحد ذلك، وحكي هذا عن أبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز للكل إلا للوكيل إلا أن الوصي لا يبيع من نفسه إلا بأكثر من ثمن المثل، ويجوز للأب والجد أن يبيعا من أنفسهما بثمن المثل.
وقال مالك والأوزاعي: يجوز للوكيل أيضًا.
وقيل: لا يصح هذا عن مالك وإنما قوله مثل قول أبي حنيفة وعندنا يجوز للأب والجد ذلك، ولا يجوز لغيرهما أصلا.
وهذا لأن الأب والجد كاملا الشفقة، تاما الولاية فلا يتهمان بذلك بخلاف غيرهما.
والدليل على زفر أن هذا يلي بنفسه فجاز له أن يتولى طرفي العقد كالجد يزوج ابنة ابنه من ابن ابنه.
وحكي ابن أبي هريرة عن الإصطخري أنه أجاز للوكيل وهذا خلاف المذهب بلا إشكال.
فرع
لا يجوز للوكيل أن يشتري لابنه الصغير ولا لمن يلي عليه بالوصاية لأنه يكون بيعًا من نفسه، وهل يجوز له أن يبيع من والده أو ابنه الكبير؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز ذلك وبه قال أبو حنيفة وهو اختيار أبي إسحاق من أصحابنا والقاضي الطبري رحمهم الله لأن لحوق التهمة إذا باع من نفسه، ولهذا لا تجوز شهادة الابن لوالده، ولا شهادة الوالد لابنه، كما لا تجوز لنفسه.
والثاني: يجوز وهو [177/ أ] اختيار أصحابنا بخراسان قالوا: وهو ظاهر المذهب، وهذا لأنه يجوز له أن يبيع مال نفسه من أبيه وابنه فكذلك مال موكله والتهمة مرتفعة إذا باع بثمن مثله.
فرع آخر
لو باعه من عبده المأذون له في التجارة لم يجز، لأن ذلك بيعه من نفسه.
ولو باع من مكاتبه فيه وجهان أحدهما يجوز لأن المكاتب يملكه دونه.
والثاني.
لا يجوز للتهمة لأنه يتعلق حقه بكسبه ولهذا لا تجوز شهادته له.
فرع آخر
لو وكل الابن البالغ أباه في بيع سلعٍة هل يجوز له بيعها على نفسه؟ وجهان:
أحدهما: يجوز كما لو كان في حجره تغليبًا للأبوة.
والثاني: لا يجوز لأن ارتفاع الحجر يوجب تغليب الوكالة ذكره في "الحاوي" 1 وعندي المذهب هذا الوجه الثاني، والأول ليس بشيء.
فرع آخر
لو اشترى الوكيل من نفسه طعامًا وسلمه إلى الموكل فأتلفه الموكل فعليه الغرم لأنه لم يتبرع الوكيل عليه به بل أعطاه على حكم عقد فاسد فيغرمه ويرد عليه ماله، وبمثله لو اشترى الوصي من نفسه للصبي فأطعم الصبي فعليه رد الثمن، ولا يغرم الصبي قيمة الطعام لأن البالغ يغرم ما قبضه على حكم العقد الفاسد والصبي لا يغرم شيئًا بالمعاملة والشراء الفاسد وإنما يغرمه بمحض الجناية.
فرع آخر
لو باعه الوكيل من نفسه بإذن الموكل فالمذهب أنه لا يجوز نص عليه في الصرف لأنه لا يجوز أن يكون قابلًا وموجبًا فيما يتولاه بالإذن، كما لا يجوز لابن العم أن يزوج ابنة عمه من نفسه بإذنها، وخرج ابن سريج فيه وجهًا آخر أنه يجوز كما لو قال: طلقي نفسك على ألف فطلقت يصح وتكون موجبة للطلاق وقابلة للألف بالإذن كذلك ها هنا، وقال أبو حامد وغيره: في النكاح أيضا وجهان.
وهذا لا يصح لأن الزوج موجب والمرأة بالطلاق قابلة بدليل أنها لو أخرت الطلاق عن أول حال الإمكان واشتغلت عنه لم يقع الطلاق كما لو أخر المشتري القبول لم يصح بالإذن.
ولأن في البيع ثمنًا يختلف بالزيادة والنقصان فصار بالميل إلى نفسه متهمًا ولا تهمة في الطلاق.
فإن قيل: قد زالت التهمة عنه برضى [77 / ب] الموكل ببيع السلعة من نفسه فيجب أن يجوز.
قيل: الحكم إذا منع للتهمة سوي بين المواضع كلها حسمًا للباب كما نقول، إذا باع من نفسه بالوكالة المطلقة بأكثر من ثمن مثله لا يجوز، والتهمة زائلة عنه فيه ولكنا أبطلناه حسمًا للباب كذلك ها هنا.
وكذلك لما لم يرث القاتل للتهمة حرَّمنا كل قاتل حسمًا للباب، وإن كانت التهمة زائلة كالصغير والمجنون إذا قتلا مورثهما، وكذلك المسكر حرمناه وسوينا بين قليله وكثيره حسمًا للباب، كذلك ها هنا ولو أذن له أن يبيع من والده يجوز بلا خلاف لأن القابل غير الموجب وانتفت التهمة.
فرع آخر
لا يجوز للوصي أن يبيع من والده وولده كالوكيل سواء، هكذا ذكره القاضي الطبري وقال بعض أصحابنا بخراسان: المذهب أنه يجوز ووافقنا فيه أبو حنيفة وفيه نظر.
فرع آخر
لو باع الوصي شقصًا لليتيم له فيه الشفعة قال صاحب "الإفصاح": ولا شفعة له لأنا
لو أثبتنا له الشفعة لم نأمن من أن يحابي المشتري في الثمن فإثبات الشفعة له يوجب تهمته في البيع فأسقطنا حق الشفعة.
ومن أصحابنا من قال: له الشفعة لأنا ننظر فيه فإن كان قد حابى أبطلنا البيع ولا شفعة له، وإن لم يكن حابى صح البيع وثبتت الشفعة وهذا غلط لأنه قد حابي في الزيادة على ثمن مثله الذي يمكنه تحصيلها إذا استقصى في بيعه وليست المحاباة كلها في النقصان عن ثمن المثل فبطل قول هذا القائل.
فرع آخر
لو قال: خذ هذه الألف ففرقها على المساكين لا يجوز أن يضعها في نفسه وإن كان مسكينًا وكذلك لو قال له: امنع ما شئت فيه لأنه يقتضي الوضع في غيره، ولو قال: ضع في نفسك إن شئت فيه وجهان قال ابن سريج: نص الشافعي ها هنا أنه يجوز أن يضعه في نفسه.
فرع آخر
لو قال لعبده: كاتب نفسك على ألف في نجمين فيه وجهان على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو وجب عليه القصاص فوكله صاحب القصاص في أن يقبض من نفسه فيه وجهان فإذا قلنا: لا يصح وفعل سقط القصاص لأن إذنه قد وجد ولا يمكن تلافيه.
فرع آخر
لو كان له على رجل ألف درهم [78 / أ] وبه ضامن فوكل صاحب الدين الضامن بإبراء الأصيل فأبرأه برئ الأمل والفرع جميعًا، ولو وكل الأمل في إبراء الفرع فأبرأه برأ الفرع وحده دون الأصل لأن الأصل يبقى صح زوال الفرع.
فرع آخر
لو كان له دين في ذمة عبٍد فوكل صاحب الدين سيده في إبراء العبد فأبرأه، لأنه وإن كان على السيد في الحقيقة إذا كان العبد مأذونًا في التجارة فإنه متعلق بغيره.
فرع آخر
لو أذن لرجل في بيع عبده من زيد وأذن له زيد في شرائه هل تصح منه النيابة في البيع والشراء؟ قال أبو حامد وجماعة: لا يجوز قولًا واحدًا لأنه يؤدي إلى التناقض فيصير مستنقصًا مستزيدًا مطالبًا مطالبًا وهذا لا يجوز.
وقيل: فيه وجهان أيضًا لأن في بيعه من نفسه بإذنه وجهين ومعنى التناقض موجود.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يجوز له أن يقيم على إحدى الوكالتين فإن أراد أن يقيم على أسبقهما من بيع أو شراء جاز.
وإن أراد أن يقيم على الثانية يحتمل وجهين: أحدهما: لا يجوز لأن ثبوت الأولى يمنع جواز الثانية.
والثاني: يجوز لأن الوكالة لا تلزم فلم يكن
للمتقدمة منهما تأثير ويبطل بقبول الثانية.
فرع آخر
إذا وكل المتداعيان رجلًا واحدًا لينوب عنهما فإن كان في أمرين مختلفين جاز.
وإن كان في أمر واحد فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه يمكنه الدعوى عن أحدهما والجواب عن الأخر وإقامة حجة كل واحد منهما.
والثاني: لا يجوز لأن غرض كل واحد منهما بتوكيله استيفاء حججه والاستقصاء في خصومة صاحبه وفي الواحد يتناقض ويتضاد الغرضان فلا يجوز.
مسألة: قال 1: ومن باع بما لا يتغابن الناس بمثله فبيعهُ مردوٌد.
الفصل
وهذا كما قال إذا وكل وكيلًا في بيع شيء لا يخلو إما أن يكون التوكيل مطلقًا أو مقيدًا، فإن كان مقيدًا فقال: بع بثمن مثله نقدًا بنقد البلد لم يجز له أن يعدل عن ذلك بلا خلاف.
ولو قال: بعه بأقل وأكثر نقدًا نساء بنقد البلد وغيره له كل ذلك أيضًا بلا خلاف.
ولو كان مطلقًا اختلف [78/ ب] الناس فيه على ثلاثة مذاهب، فذهب الشافعي إلى أنه يقتضي ثلاثة أشياء وهي أن يبيع بثمن مثله نقدًا بنقد البلد، فإن خالف فباع بأقل من ثمن مثله ونقص قدرًا لا يتغابن بمثله، أو باع نَساء أو بغير نقد البلد لا يجوز البيع وبه قال مالك وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: له أن يبيع بأقل من ثمن المثل ونسيئة وبغير نقد البلد.
وقال أبو يوسف ومحمد: له أن يبيع نَساء ولا يجوز له أن يبيع بدون ثمن المثل ولا بغير نقد البلد وأجمعوا في الشراء أنه إذا وكله به لا يجوز أن يشتري بأكثر من ثمن المثل ولا إلى أجل ولا بغير نقد البلد فنقيس عليه وهذا لأن مطلق الإذن يحتمل على العرف والعادة المستقرة.
وذكر القاضي أبو حامد في "الجامع" عن الشافعي أنه قال في كتاب "الرهن القديم والرهن الصغير": إذا باع بدون ثمن المثل فالبيع مردود إن شاء الأمر فجعل البيع صحيحًا وهذا غير مشهور، ولا خلاف في الوصي إذا باع بدون ثمن المثل، فإن كان المبيع باطلًا فالوكيل مثله.
فرع
إذا خالف وباع بدون ثمن المثل فإن كان المبيع قائمًا في يد المشتري رد على الموكل.
وإن كان تالفًا فالموكل بالخيار إن شاء رجع على المشتري، وإن شاء رجع على الوكيل، فإن رجع على المشتري رجع بجميع قيمته عليه لأنه تلف في يده فلزمه جميع قيمته.
وإن رجع على الوكيل فيه قولان:
أحدهما: هذا لأنه لما سلم المتاع إلى المشتري بأقل من قيمته صار متعديًا في جميعه فضمن جميع قيمته.
والثاني: يرجع بمقدار المحاباة وهو ما بين ما باعه إلى ما
لا يتغابن الناس بمثله؛ لأن القدر الذي تعدى فيه هو مقدار المحاباة فلم يجب عليه إلا ضمانه ويرجع بالباقي على المشتري.
وفيه قول ثالث: يضمن كل قيمته ولكن يحط عنها ما يتغابن بمثله، فإن كان درهمًا أو نصف درهم يحط ذلك القدر.
فإذا قلنا: عليه تمام قيمته فغرم رجح الوكيل على المشتري لأن التلف في يده وإن رجع على المشتري لم يرجح به على الوكيل لأنه ضمن ما تلف في يده.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه لا يبيع إلا بنقد البلد فإن كان الغالب في البلد الدراهم والدنانير على سوا، يبيع بأحظهما [79/ أ] لموكله فإن استويا يتخير بينهما.
ولو باع ها هنا بكلا النقدين فإن كان في عقدين صحا إذا كان مما يجوز تفريق الصفقة في بيعه.
وإن كان في عقد واحد فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما جاز إفراد كل واحد من النقدين.
والثاني: لا يجوز لأن غالب البياعات تتناول جنسًا واحدًا من الأثمان فلم يجز أن يعدل عن غالبها في الإطلاق.
فرع آخر
لو باع بغبن يسير يجوز، والمرجع فيه إلى العرف والعادة في مثله وقال مالك: حد الغبن في البيوع الثلث فصاعدًا.
وقال أبو حنيفة: حد الغبن نصف العشر فصاعدًا وهذا غلط لأن عرف الناس يختلف، فمن الأجناس ما يكون ربع العشر فيه غبنًا كثيرًا وهو النقد والطعام، ومنها ما يكون نصف العشر فيه غبنًا يسيرًا كالجوهر والرقيق فيجب الرجوع فيه إلى العرف.
فرع آخر
لو أذن له بالبيع نَساءً ولم يقدر أجلًا فمن أصحابنا من حد أكثره بحول لأن أكثر الدين المؤجل في الشرع يتقدر به كالدية والجزية.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح التوكيل أصلًا لأن الآجال تختلف فيكثر فيه الغرر.
والصحيح أنه يعتبر بالعرف أن لا يصير الأجل خارجًا عن غالب العادة في ذلك الجنس، وعرف الناس في ذلك يختلف باختلاف الأجناس، فإن لم يكن عرف باع بأنفع ما يقدر عليه.
فرع آخر
لو باع بشرط الخيار فإن شرط للمشتري وله لم يصح قولًا واحدًا.
وإن شرط لنفسه أو لموكله وله فيه وجهان: أحدهما: يجوز وهو الأصح لا من حيث إطلاق الوكالة ولكن من حيث أن له التصرف فيما عاد إلى حظ الموكل وهذا من حظه وتمام النظر له.
والثاني: لا يجوز كما لو شرط الأجل وليس بشيء.
فرع آخر
لو باع وسلم إلى المشتري ولم يقبض الثمن فهرب المشتري أو أفلس هل على
الوكيل الضمان؟ يبنى على ما ذكرنا من الوجهين أن الوكيل بالبيع إذا باعه هل له قبض الثمن فإن قلنا: له قبضه قال أبو حامد رحمه الله: إنما يسلمه ليقبض الثمن فإذا سلمه ولم يقبض الثمن كان عليه ضمان [79/ ب] ما سلمه إلى المشتري، وإن قلنا: ليس له قبض الثمن فلا ضمان عليه لأن عليه الإقباض دون القبض على ما ذكرنا، وعلى هذا لو وكله في الشراء يسلم الثمن وهل يتسلم المبيع وجهان، والأصح أنه إذا اقتضت الوكالة التسليم اقتضت السّلم.
فرع آخر
لو وكله بالبيع على أن لا يسلم المبيع يجوز.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما: يجوز كما لو نهاه عن قبض الثمن.
والثاني: تبطل الوكالة لأن إقباض المبيع من لوازم البيع فإذا نهاه أبطل التوكيل في نفسه.
فرع آخر
لو أمره بالبيع نساءً فباع نقدًا بأقل من الثمن الذي يباح فيه به نساء لم يجز.
وان باع نقدًا بالثمن الذي يباع به نساء فيه وجهان والأصح جوازه.
وقيل: إن كان الثمن مما لا مؤونة في إمساكه جاز، وإن كان فيه مؤونة كالقطن والحطب أو هناك خوف لا يجوز وهذا صحيح.
فرع آخر
لو وكله في شراء سلعة مطلقًا فاشترى له نسيئة فإن كانت السلعة تساوي نقدًا بما اشترى به نسيئة كان الشراء للموكل وزاده بتأخير الثمن عنه خيرًا.
وفيه وجه آخر لا يجوز لأنه قد يكون له غرض في تعجيل إقباض الثمن لئلا يتلف ويتعذر عليه تسليمه وهذا إذا كان لا يجبر على قبض الثمن لو عجل، فإن كان يجبر بأن لا مؤونة في إمساك الثمن ولا خوف يجوز فيعجل الثمن في الحال ويجبر على قبضه وتبرأ ذمته فيحصل الغرض.
وإن كانت السلعة لا تساوي نقدًا بما اشترى به نسيئة فالشراء لا يلزم الموكل لأن مطلق التوكيل اقتضى شراءها بثمن مثلها نقدًا، فإذا زاد على ثمن مثلها فقد خالفه مخالفة تضره فلم يلزمه الشراء.
فرع آخر
لو وكله بأن يسلف له مائة درهم في طعام فاشترى نقدًا مثل ما يشتري سلفًا صح الشراء، وإن كان أقل منه كان الشراء باطلًا.
فرع آخر
لو اختلفا فقال الوكيل: أمرتني بالبيع نساءً، وقال الموكل: نقدًا فالقول قول الموكل مع يمينه فإذا حلف كان البيع باطلًا.
وحكى المزني بعد هذا أن الشافعي قال في كتاب "اختلاف العراقيين": إذا باع الوكيل المطلق نساءً كان للموكل نقض المبيع بعد أن يحلف ما وكله إلا بالنقد.
قال أصحابنا: ليس هذا [80 / أ] بقول آخر، وإنما أراد به أن
له فسخ البيع بيمينه لأنه إن نكل عن اليمين حلف الوكيل وصح البيع ويكفي على أصلنا أن يحلف ما وكله بالنسيئة ولكن يقيد بقوله: ما وكلت إلا بالنقد لأنه ربما يكون القاضي حنفي المذهب فيرى جواز البيع نساء بمطلق الوكالة وهذا لأن البيع المعروف المعتاد بين الناس بالنقد وإنما يدخل النساء في ذلك لمعان تعرض من كساد أو عيب في السلعة أو غلاء في ثمنها فيجب حمل مطلق الأمر بالبيع على النقد، ولو اختلف الوكيل والموكل في أصل التوكيل كان القول قول الموكل فكذلك إذا اختلفا في صفته كان القول قوله ولهذا قلنا: لو وكله ببيع سلعة مطلقًا فباعها بسلعة لا يجوز لأن البيع المعروف بالأثمان دون السلع، وإنما يباع بالسلع لعيب في المبيع أو لكساد أو غلاء ثمن ولأن الظاهر من اسم البيع إذا باع بالثمن، فأما إذا باع بالسلعة يسمى مبادلة ومعاوضة ومقايضة وقيل: إذا باعه بالسلعة كان بائعًا أو مشتريًا وإنما أمره بالبيع وحده فلم يجز.
فرع آخر
لو باع الوكيل عبد موكله ثم أقر الوكيل أنه باعه من غير أمر موكله قال ابن سريج: فيه قولان: أحدهما: لازم لا ينتقض حتى يعرف الموكل أنه لم يأمر بذلك.
والثاني: أنه غير لازم إلا أن تقوم بينّة أن الموكل أمر به.
ويتفرع على هذا إذا تصادق الموكل والوكيل على الإذن بالبيع وأنكر المشتري أن يكون الموكل أمره فعلى القول الأول القول قول الوكيل والموكل والبيع لازم للمشتري، وعلى القول الثاني القول قول المشتري والبيع غير لازم له.
فرع آخر
لو قال: بع هؤلاء العبيد الثلاثة بألف درهم فإن باع أول صفقة من العبيد بأقل من ألف درهم لم يجز لأنه قد لا يشتري العبدان الآخران بما بقي من تكملة الألف.
وإن باع الأول صفقة من العبد بألف درهم جاز، وهل يجوز بيع العبدين الآخرين بعد حصول الألف؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن مقصوده بالبيع حصول الألف من ثمنه وقد حصل.
والثاني: يجوز لانعقاد الوكالة ببيعهم ولا يكون حصول الثمن بكماله من بعضهم بمانع من بيع باقيه بالزيادة [80 / ب] على الألف.
فرع آخر
لو وكل في بيع عدد من الثياب فعلى الوكيل أن يعمل على أحظ الأمرين لموكله من بيع جميعها صفقًة أو إفرادًا فإن عَدَل عن الأَحَظِّ لم يجز.
فرع آخر
لو وكله ببيع فاسد فقال: بعه إلى العطاء أو إلى مَقْدَم الحَاج أو بشرط الخيار أكثر من ثلاث فالوكالة باطلة ولا يملك بها بيعًا بحالِ لا صحيحًا ولا فاسدًا لأنه وكله فيما لا يملكه الموكل الوكالة لا تنعقد بالصفة فإذا قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت وكيلي،
أو إذا قدم الحاج فقد وكلتك لا يجوز.
وقال أبو حنيفة يجوز وحكي عن بعض أصحابنا لأنه أذن في التصرف فأشبه التأمير يجوز تعليقه بالصفة وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في جيش مؤتة "الأمير زيد بن حارثة"، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة" 1 وقياسًا على الوصية.
وهذا غلط، لأنه عقد يملك به التصرف في حال الحياة لم يبن على التغليب والسراية فلا يجوز تعليقه بشرط كالمضاربة.
وأما التأمير فليس بعقد وتصرف ومعناه الرأي والمشورة فيجوز تعليقه.
فرع آخر
إذا ثبت بطلان هذه الوكالة قال أصحابنا: لا يجوز له أن يتصرفه عند وجود الشرط، فإن تصرفه نفذ لأنه مأذون له فيه، وإن كانت الوكالة فاسدة وإنما تأثير فساد الوكالة في استحقاق أجر المثل عندنا وعندهم يستحق الأجر المسمى.
ومن أصحابنا من قال: يجوز له التصرف، لأنه لو لم يستبح التصرف لم يجز منه وفائدة الفساد ما ذكرنا.
فرع آخر
لو عقد الوكالة مطلقًا وعلق الإذن فيه بالشرط بأن قال: وكلتك في بيع متاعي فإذا جاء رأس الشهر فبع يصح، لأن العقد مطلق والتصرف معلق بالصفة فجاز.
وكذلك لو قال: وكلتك ببيع هذا المتاع إذا دخل الحاج يجوز لأن البيع معلق بالشرط دون الوكالة، وعلى هذا لو قال: إذا مت فقد أوصيت إليك لا يجوز لأنه عقد الوصية بالصفة والشرط ولو قال: أوصيت إليك إذا مت جاز.
مسألة 2: قال: ولو قال: أمرتك أن تشتري هذه الجارية بعشرة.
الفصل
وهذا كما قال إذا أمر رجل رجلًا بشراء جارية بعشرة دنانير فاشترى بعشرين دينارًا ثم [81 / أ] اختلفا فقال الموكل: أمرتك أن تشتريها بعشرة دنانير فاشتريتها بعشرين فالجارية لك وقال الوكيل: بل أمرتني أن أشتريها لك بعشرين فالجارية لك فالقول قول الموكل مع يمينه، لأن قول الوكيل لا يقبل إلا فيما اتفقا أنه ائتمنه، فأما إذا اختلفا فالقول قول الموكل كما إذا قال: وكلتني بشرائها وقال: لم أوكلك أو قال: أودعتني كذا وقال: لم أودعك وإنما غصبتنيه فالقول قول صاحبه مع يمينه، وأما إذا اختلف رب الثوب والخياط في صفة القطع فإن قلنا: القول قول رب الثوب فقد سوينا بين المسألتين.
وإذا قلنا: القول قول الخياط فالفرق بينهما لأنا لو جعلنا القول قول رب الثوب لزم الخياط الأرش وذمته على البراء في الأصل وليس كذلك في الوكيل فافترقا.
فإن قيل: وها هنا أيضًا يجب بقول الموكل غرامة ثمن العين على الوكيل فلا فرق قلنا: لا يجب عليه له شيء بقوله وإنما يجب لبائع الجارية بحكم البيع المطلق وفي مسألة الخياط يتضمن قوله دعوى الأرش عليه فافترقا.
وإذا ثبت هذا فإن الموكل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد أمره أن يشتري له هذه الجارية بعشرة، فإذا حلف برئ وتكون الخصومة بين الوكيل والبائع فإن كان اشتراها بعين مال الموكل.
وقال: اشتريتها لفلان كان البيع باطلًا، وإن لم يقل ذلك فالظاهر أن المال الذي عينه له فلا يقبل اتفاقهما على ما يسقط حق البائع وعليه لموكله مثل دنانيره كما لو أتلفها.
وإن ادعى الوكيل أن البائع يعلم ذلك فحينئذ القول قول البائع أيضًا ويلزمه الثمن، وإن أقام الوكيل البينة على أن الثمن كان للموكل بطل البيع وإن اشتراها في الذمة فإن لم يذكر أنه يشتريها للموكل لزمه الشراء.
وإن ذكر أنه يشتريها لموكله فيه وجهان: أحدهما: يبطل كما لو ذكره وكان الشراء بعين المال.
والثاني: لا يبطل ويقع البيع للوكيل وهو اختيار أبي إسحاق لأن العقد إذا لم يلزم الموكل تعلق بالوكيل أحكامه إذا كان الشراء في الذمة.
فإذا قلنا: إن [81 / ب] الشراء يلزم الوكيل أو لم يكن ذكر الموكل بلسانه وإنما نواه بقلبه فإن الشراء يلزمه ظاهرًا وتكون الجارية له في الظاهر دون الباطن، ولا يحل له وطئها إلا أن يكون كاذبًا فالجارية له ظاهرًا وباطنًا.
فإذا تقرر هذا ذكر المزني بعد هذا حيلة في أن تحصل الجارية للوكيل ظاهرًا وباطنًا فقال: قال الشافعي: يجب في مثل هذا أن يرفق الحاكم بالأمر للمأمور فيقول: إن كنت أمرته أن يشتريها بعشرين فقد بعته إياها بعشرين، ويقول الأخر: قد قبلت ليحل له الفرج ولمن يبتاعها منه وإنما قال: يرفق به لأن ذلك لا يلزمه أن يقول.
وإذا قال له الحاكم فأجابه إلى ذلك وقبله الوكيل فقد ملك الجارية ظاهرًا وباطنًا وحل له وطئها.
فإن قيل: البيع بهذا الشرط غير جائز فكيف أجازه المزني؟ قيل: أصحابنا اختلفوا في هذا فمنهم من قال: هذا غلط من المزني وإنما قال الشافعي ذلك في النكاح قال: وإذا زوج رجل رجلًا بتوكيله ثم اختلفا فقال الموكل: ما وكلتك وقال الوكيل: وكلتني فالقول قول الموكل مع يمينه، فإذا حلف قال له الحاكم: قل: إن كنت وكلته به فقد طلقتها حتى يحل نكاحها، وأما البيع فلا يجوز ذلك فيه لأن عقده بالشرط غير جائز.
ومن أصحابنا من قال: هو صحيح واختار للحاكم أن يقول ذلك لهما تنبيها على معنى هذا العقد والسبب المقصود به من غير أن يذكراه في نفس العقد، فإن ذكراه فيه لم يصح بل يعقد له مطلقًا من غير هذا الشرط فيقول: بعتها بعشرين أو يقول: وليتك هذا البيع بعشرين بعدما قال الحاكم ذلك.
فإن قيل: إذا جزم الموكل لفظ البيع على التجديد فلا يتضمن ذلك إقرارًا منه بما ادعى عليه الوكيل ويكون تكذيبًا لنفسه فيما ادعاه لأن الإنسان في الظاهر لا يبيع إلا ما هو ملكه، قيل: هذا لا يكون إقرارا لأنه يقولها باستدعاء الحاكم وأمره على مصلحة يراها الحاكم واحتياط يتكلفه وهذا قول أكثر البصريين.
وقال ابن أبي هريرة وجمهور [82/ أ] البغداديين: يجوز لهما أن يعقداه كذلك بالشرط لأنه هكذا يكون في الحكم فجاز أن يكون ملفوظًا به في العقد، فإن بيعه إياها إنما يصح إذا كان أمره أن يشتريها بعشرين وهذا كما يقول: هذه السلعة ملكي اشتريتها فإن كانت ملكي ولم يرد استحقاق فقد بعتكها بكذا فهذا يصح لأن هذا الشرط من موجب البيع ومما يقتضيه فلم يضره كذلك ها هنا.
وهو أيضًا كقول الرجل لامرأته: إن كنت امرأتي فأنت طالق حيث يتيقن أنها امرأته فلا يشبه ذلك قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن كانا متقاربين.
وقال هذا القائل لو قال: بعتك دون هذا الشرط كان إقرارًا منه بملكه وصار مكذبًا نفسه فيما ادعاه.
وإن لم يجب الحاكم إلي هذا وامتنع من هذا القول وقال: الذي يلزمني اليمين وقد حلفت ولا أريد أن أبيع شيئًا لا أملكه لم يجبر عليه.
وقال أبو إسحاق: الوكيل لا يملكها في الباطن ولا يحل له استخدامها ولا الاستمتاع بها ويكون حكمه معها حكم الأجنبيين.
وهل يجوز له بيعها؟ قولان بناة على من له على أخر حق يجحده فوقع في يده من ماله شيء فهل يجوز له بيعه؟ قولان: أحدهما: لا يجوز.
والثاني: يجوز بمقدار حقه وهو الصحيح وهل يبيعه من نفسه أو يرفعه إلى الحاكم؟ وجهان: أحدهما: يبيعه بنفسه وهو الصحيح وقيل: هذا منصوص عن الشافعي وهو اختيار أبي إسحاق، والثاني: يرفعه إلى الحاكم حتى يبيعه الحاكم وعلى هذا قال ابن أبي هريرة: يواطئ رجلًا يدعيه رهنًا عليه فيقربه ليبيعه الحاكم عليه وهذا لا يصح لأن فيه مشقة وأمرًا بالكذب فلا يجوز.
ومن أصحابنا من قال: يملكها الوكيل ظاهرًا وباطنًا وهو اختيار الإصطخري، وبه قال أبو حنيفة كالمتبايعين إذا اختلفا وتحالفا كانت الجارية للبائع على أحد الأقاويل ظاهرًا وباطنًا.
قال أبو إسحاق: وهذا غلط لأنهما إذا تحالفا انفسخ البيع ورجعت الجارية إلى ملك البائع وليس كذلك ها هنا [82/ ب] فإن البيع لا ينفسخ بيمين الموكل والوكيل مقر بأنها ملك للموكل فلم يجز له تملكها والاستمتاع بها.
قال أصحابنا: وأصل هذه المسألة ما ذكره الشافعي في اليمين مع الشاهد قال: ولو ادعى على رجل أنه باع منه عبدًا بعشرين وأنكر المشتري ذلك فالقول قوله، فإذا حلف أحببت أن يقول المشتري للبائع: وإن كنت اشتريت منك فسخت الشراء بيننا فيكون إقالة يعود العبد بها إلى ملك البائع، ولو امتنع من ذلك ففيها أقاويل: أحدهما: العبد للبائع في الظاهر دون الباطن وللبائع بيعه في حقه.
والثاني: يملكه البائع بامتناع المشتري وكأنه عاد في عين ماله لتعذر ثمنه من جهة المشتري كما نقول في عين ماله عند الفلس.
والثالث: البائع لا يبيع ذلك ويرفعه إلى الحاكم حتى يبيعه.
كذلك ها هنا قد تعذر على الوكيل الرجوع بحقه على الموكل فيكون على الأقوال.
ومن قال بالأول فرق بينه وبين مسألة الدار بأن الشافعي جعل هناك المشتري كالمفلس والخصومة بين الموكل والوكيل وها هنا فلا يمكن أن يجعل كالمفلس، وهذا اختيار المزني رحمه الله.
ومن أصحابنا من قال: قال الشافعي في اليمين مع الشاهد: فإن كان هذا في دار فامتنع
المشتري من الفسخ أجرها البائع واستوفى ثمنها من أجرتها ثم ردها على المشتري.
كذلك ها هنا للوكيل أن يؤاجر الجارية ويستوفي ثمنها من أجرتها ثم يردها محلى الموكل.
وقال القاضي أبو علي الزجاجي: فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: إذا امتنع الموكل جعلها الحاكم للمشتري حكمًا.
والثاني: يبيعها على ما ذكرنا.
والثالث: حكم الموكل حكم المفلس فيختار أخذها ثم إن شاء أمسكها، وإن شاء باعها وأخذ ثمنها قاله ابن سريج تخريجًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه، اثنان ما ذكره القاضي أبو علي الزجاجي أولًا.
والثالث: لا يبيعها وهي ملك الموكل في يده أبدًا.
وقيل: فيه أربعة أوجه: أحدها: وهو قول أبي يوسف إن أراد الوكيل مخاصمة الموكل فيها لم يحل [83 / أ] له فرجها ولا بيعها، وإن ترك المخاصمة حل ذلك.
والثاني: تحل له في الحالين وهذا على أصل من قال: يحصل الملك للوكيل ثم ينتقل منه إلى الموكل وهو قول بعض أصحابنا وقد تعذر الأمر ها هنا من جهة الموكل فبقي للوكيل.
والثالث: هي ملك الموكل في يده أبدًا.
والرابع: ما اختاره أبو إسحاق فحصل ستة أوجه عند التأمل والمعول على ما سبق.
فإذا تقرر هذا قلنا: يجوز له بيعها فإن اشتريت الجارية بعشرين دينارًا يستوفيها، فإن اشتريت بأقل من ذلك كان النقصان له في ذمة الموكل.
وإن اشتريت بزيادة يسيرة قال في "الإفصاح": فيه وجهان: أحدهما: أن الزيادة تكون في يده لا يجوز له أن يتصرف فيها لأنه يقول: هي للموكل ويقول الموكل: إنها للوكيل فوجب إقرارها في يده إلى أن ينكشف الأمر.
والثاني: تكون لمصالح المسلمين تدفع إلى الإمام حتى يصرفها في المصالح لأن كل واحد من الوكيل والموكل تبرأ من ملكها فكانت بمنزلة مال لا مالك له فيجب صرفها في مصالح المسلمين.
وقال القاضي الطبري: رأيت بعض أصحابنا قال: الزيادة تحتاج أن يردها على الموكل لأنه يعلم أنها له.
ولأنه إذا كان النقصان في ذمته وجب أن تكون الزيادة له وليس هذا بمخالف لما قاله صاحب "الإفصاح" إن شاء الله لأن هذا الوكيل يعلم أن هذه الزيادة للموكل ولكنه ينكرها فلا يجوز إجباره عليها، وإذا كان كذلك كان على ما ذكره من الوجهين.
هذا كله إذا لم يكن للوكيل بينة، فإن أقام البينة فالمشتري يلزم الموكل وعليه ثمن الجارية وتكون الجارية له في الحكم.
وهل تحل له في الباطن وجهان: أحدهما: تحل لأنا حكمنا له بها.
والثاني: لا تحل له لأنه مكذب لبينته ويعلم أنه لم يأمره بأن يشتريها إلا بعشرة.
وأما إذا أقام الموكل البينة قال أصحابنا: لا
تسمع بينته لأنها تشهد على أن الإذن في الشراء بالعشرين وهذا لا سبيل إلى معرفته.
وأما إذا أنكر الإذن ثم أقر به وجب أن تحل له قولًا واحدًا لأنه يقول: كنت أنكرت ذلك بأسًا ثم ذكرت [83/ ب] بعده فأقررت به ويخالف قيام البينة لأنه بعد قيام البينة يقول: إنها محرمة عليه، وأن وكيله خالفه في شرائها.
وأما إذا أنكر ونَكَل عن اليمين فحلف الوكيل يكون حكمه حكم قيام البينة لأنه مقر بتحريمها عليه ذكره القاضي الطبري.
مسألة 1: قال: ولو أمرهُ أن يشتري لهُ جاريةً فاشترى غيرها.
الفصل
وهذا كما قال: إذا وكل رجل رجلًا بأن يشتري له جارية بعينها فاشترى غيرها فالحكم ما ذكرنا أنه إن كان اشتراها بعين المال كان الشراء باطلًا، فإن كان في الذمة وذكر الموكل فقال: بعني هذه الجارية لموكلي فلان ابن فلان بكذا فقال: بعتكها فيه وجهان على ما ذكرنا، وإن لم يذكر الموكل بلفظه كان الشراء لازمًا للوكيل وعليه ثمنها.
وأما إذا وكله بأن يزوجه امرأة فزوجه غيرها فالنكاح باطل في جميع الأحوال لأن النكاح لا بد فيه من ذكر الموكل فيقول: زوج ابنتك لموكلي فلان ابن فلان فيقول: زوجتها لفلان ابن فلان، فإذا زوجه غير المرأة التي عينها كان باطلًا بخلاف ههنا.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو قال: بعت هذا من فلان وقال الوكيل: قلت لفلان كما يقولون في النكاح لا يصح، والفرق أن للبيع أحكامًا يتعلق بالمجلس من الخيار وغيره فوجب أن يثبت تلك الأحكام للمتبايعين الذين هما على الأحكام وإذا عقدا على هذه الصورة لم يوجد مكان يجمع المتعاقدين البائع والمشتري فلا يصح بخلاف النكاح.
فرع آخر
لو قال: وكلتك في شراء عبد أو جارية ولم يذكر النوع بطلت الوكالة لأنه لا يدري أي نوع من العبيد أو الجواري يشتري.
ومن أصحابنا من قال: يجوز اعتمادًا على رأي وكيله وهذا غلط لأنه يتفاوت تفاوتًا فاحشًا.
وعلى هذا لا يجوز حتى يقترن بيان الموكل فيه على الفور.
وقال أبو حنيفة: إن ذكر الثمن فقال: بألف جاز لأن ذكر الثمن يقوم مقام الصفة وهو وجه لأصحابنا.
ذكره في "الحاوي" 2.
فرع آخر
لو ذكر النوع فقال: وكلتك في شراء عبٍد رومي أو تركي [84/ أ] أو زنجي أو ثوب هروي أو مروي فيه وجهان، أحدهما: تجوز الوكالة لأنه إذا ذكر الجنس والنوع قل فيه
الغرر ويتقارب الرومي والتركي وكأنه أمره بأعلاه ثمنًا وذكر الصفات يضيق على الناس وهذا اختيار ابن سريج رحمه الله.
والثاني: لا تجوز الوكالة حتى يضبط الصفات التي يختلف الثمن لأجلها اختلافًا متباينًا.
ومن أصحابنا من قال: هذا إذا لم يذكر قدر الثمن فإن ذكر يجوز قولًا واحدًا.
فرع آخر
لو قال: بع من رأيت من عبيدي أو خيلي لا يجوز سواء ذكر العدد أو لا حتى يتميز المبيع من غيره بصفة أو إشارة.
وكذلك لو قال: اشتر لي عبيدًا من الأتراك لم يجز للجهالة الكثيرة وروي عن أبي حنيفة أنه قال: تجوز الوكالة العامة مع الجهالة مثل أن يقول: اشتر ما شئت وما رأيت لأنه فوض الأمر إليه كالمضارب وهذا غلط لأن الغرض من المضاربة طلب الربح فجاز فيها هذا الإطلاق وها هنا امتثال أمره ولا دليل على غرضه عند الإطلاق فافترقا، أو المقصود من الوكالة تمليك العين المشتراة والإطلاق فيه يمنع العلم بالمقصود.
فرع آخر
لو قال: وكلتك في بياعاتي كانت الوكالة باطلة.
ولو قال: وكلتك في كل قليل ولا كثير لا يجوز نص عليه، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف، وقال ابن أبي ليلى ومحمد: يجوز وتحمل على العموم فيتصرف في كل ما تدخله النيابة وهذا غلط، لأن الغرر فيه يعظم فإنه ربما يعتق جميع عبيده ويطلق جميع زوجاته ويبيع جميع ماله أو يشتري له جميع ما يقدر عليه فيقتضي الجواز وفي هذا خطر عظيم وغرر كثير ولأنه يؤدي إلى التناقض فإنه لا يدري هل وكله بالحفظ أو بالبيع أو بالهبة أو بالصدقة أو غير ذلك؟ ولا يجوز أن يكون وكيلًا في جميع ذلك فلم يصح.
فرع آخر
لو قال: وكلتك في بيع كل قليل وكثير من مالي يجوز لأن تخصيص البيع جعل المراد بعموم ماله معلومًا.
وكذلك لو قال: وكلتك ببيع عبيدي أو إمائي كان جائزًا وله أن يبيع كلهم.
فرع آخر
لو قال: وكلتك ببيع من [184 /ب] رأيت من عبيدي هؤلاء الثلاثة جاز، وليس له أن يبيع كلهم.
فرع آخر
لو قال: وكلتك في شراء ما رأيت بكل قليل وكثير من مالي لا يجوز، لأن جنس ما يشتريه بماله لا يصير معلومًا.
وكذلك لو قال: اشتر بهذا الألف ما رأيت من العروض كانت باطلة إلا أن يكون مقصوده طلب الربح كما في المضاربة فيجوز.
وكذلك لو قال: اشتر لي بهذا الألف ما علمت فيه حظًا من الأموال، وكذلك لو قال: وكلتك