مُبْهَمَةُ وَحِلَتْ لَهُ اِبْنَتَهَا لِأَنَّهَا مِنْ الرَّبَائِبِ، وَإِنَّ دَخَلَ بِهَا لَمْ تَحِلْ لَهُ أَمَهَا، وَلَا اِبْنَتَهَا أَبَدًا."
قال في الحاوي: أما الربائب فقد ذكرنا أنهن بنات الزوجات إحداهن ربيبةً وفي تسميتها بذلك وجهان:
إحداهما: لأنه تكون في الأغلب في تربيتهُ وكفالتهُ.
والثاني: لأنها ترب الدار أي تديرها وتعنى بها فإذا تزوج الرجل امرأةً حرم عليه بالعقد عليها ثلاثةً أصناف من مناسبها: صنف أعلى وهى الأمهات، وصنف أدنى وهن البنات، وصنف مشاركان وهن الأخوات والعمات والحالات فكلهن محرمات عليه ما كان العقد عليها باقيًا فإذا ارتفع عنها بموت أو طلاق أو فسخ انقسمت أحوال هؤلاء محرمات ثلاثةَ أقسام:
قسم يحللن له بعد ارتفاع العقد عن زوجته سواء دخل بها أم لا وهن الأخوات والعمات والحالات؛ لأن تحريمهن تحريم جمع لا تحريم تأييد.
وقسم ثانٍ: لا يحللن له وإن ارتفع العقد عن زوجته سواء دخل بها أم لا وهن الأمهات لأنهن يحرمن بالعقد تحريم تأييد.
وقسم ثالث: يحللن بعد ارتفاع العقد عن زوجته إن لم يكن قد دخل بها ويحرمن عليه إن كان قد دخل بها وهن البنات لأنهن يحرمن بالعقد تحريم جمع وبالدخول تحريم تأيد بخلاف الأمهات المحرمات بالعقد تحريم تأبيد وهو قول جمهور الصحابةً والتابعين والفقهاء.
وحكي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير ومجاهد أن الأمهات كالبنات الربائب لا يحرمن إلا بالدخول وحكي عن زيد بن ثابت أنه أن طلق الزوجةَ لم تحرم الأم إلا بالدخول كالربيبةً، وإن ماتت حرمت الأم وإن لم يدخل بها بخلاف الربيبة؛ لأن الموت في كمال المهر كالمدخول واستدلالًا في إلحاق ابنتها بالربائب في تحريمهن بالدخول بقوله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: (23)] فذكر جنسين هما: الأمهات والربائب ثم عطف عليهما اشتراط الدخول في التحريم فاقتضى أن يكون راجعًا إلى المذكورين معًا ولا يختص بالرجوع إلى أحدهما وهو للشافعي ألزم لأنه يقول: إن الشرط والكتابة والاستثناء إذا تعقب جملةً رجع إلى جميعها ولم يختص بأقرب المذكورين منها كما لو قال رجل: امرأتي طالق وعبدي حر، والله لا دخلت الداران شاء الله كان الاستثناء بمشيئة الله راجعًا إلى الطلاق والعتق واليمين، ولم يختص عنده برجوعه إلى اليمين كذلك يلزمه أن لا يجعل اشتراط الدخول راجعًا إلى الربائب دون الأمهات حتى يكون راجعًا إليهما معا.
والدليل على صحةَ ما ذهبنا إليه والجماعةً من اشتراط الدخول في الربائب دون الأمهات قوله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: (23)] فكان الدليل من هذه الآيةً على أن شرط الدخول عائد إلى
الربائب دون الأمهات من خمسةً أوجه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: (23)] وليست أم الزوجةً منها وإنما الربيبةً منها فدل على أن الدخول مشروط في الربيبةً لأنها من الزوجةً دون الأم التي ليست من الزوجةً.
والثاني: هو ما ذكره سيبويه أن الشرط والاستثناء إنما يجوز أن يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره، إذا حسن أن يعود إلى كل واحد منهما على الانفراد وإن لم يحسن لم يعد إلى الأقرب وهو لو قال: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن لم يحسن فلم يعد إليه.
والثالث: وهو ما قاله المبرد: أنه إذا اختلف العامل في إعراب الجملتين لم يعد الشرط إليهما وعاد إلى أقربهما وإن لم يختلف العامل في إعرابهما عاد إليهما والعامل هاهنا في إعراب الجملتين مختلف فذكر النساء مع الأمهات مجرور بالإضافة لقوله: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وذكر النساء من الربائب مجرور بحرف الجر وهو قوله: ﴿ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ﴾ فلما اختلف عامل الجر في الموضعين لم يجز أن يعود الشرط إلهما وعاد إلى أقربهما.
والرابع: أن الأمر قد تقدمها مطلق وتعفيها مشروط فكان إلحاقها بالمطلق المتقدم أولى من إلحاقها بالمشروط المتأخر.
والخامس: أن المطلق أعم والمشروط أخص فكان إلحاق المبهم بالمطلق الأعم أولى من إلحاقه بالمشروط الأخص ويدل عليه من طريق السنة ما رواه المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا نكح الرجل امرأةً ثم طلقها قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها ولم تحرم عليه ابنتها".
وروى الأوزاعي عن عمرو بن شيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا تزوج الرجل امرأةً ثم ماتت قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها ولم تحرم عليه بنتها" وهذا نص ولأن في الأمهات من الرقةَ والمحبةً لبناتهن ما ليس في البنات لأمهاتهن.
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله ما لنا نرق على أولادنا ولا يرقون علينا؟ قال: "لأننا ولدناهم ولم يلدونا" فلما كانت الأم أكم رقة وحبًا لم تنفس على بنتها بعدول الزوج إليها فجاز أن يكون الدخول بالأم مشروطًا في تحريم البنت لأنها ربما رضيت بالزوج بعد دخوله بها ما لم تضمن به قبله وليس كذلك البنت لأنها لما كانت أقل رقةً وحبًا نفست على أمها بعدول الزوج إليها فأفضى إلى القطيعة
والعقوق قبل الدخول كإفضائه بعده فلم يجعل الدخول شرطًا.
فأما الآيةً فقد ذكرنا وجه دلائلنا معها وإنما الاستشهاد بعود الاستثناء إلى ما تقدم من الطلاق والعتق واليمين فلأن يصح أن يرجع الاستثناء إلى كل واحد من الجملةً المتقدمةً فجاز مع الإطلاق أن يرجع إلى جميعها وليس كذلك هاهنا لما بيناه.
فصل:
فإذا ثبت أن تحريم الأم على الإطلاق وتحريم الربيبةً مشروط بالدخول فقد اختلف الناس في الدخول الذي تحرم به الربيبةُ.
فقال أبو حنيفة: هو النظر إلى فرج الأم بشهوةً فتحرم به الربيبةً وقال عطاء وحماد: هو التعيش والعقود بين الرجلين.
وقال الشافعي: إن الدخول الذي تحرم به الربيبةً يكون بالمباشرةً وله فيه قولان:
أحدهما: أن الوطء في الفرج.
والثاني: أنها القبلةَ والملامسةً بشهوةً وإن لم يطأ.
واستدل أبو حنيفة: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "لا ينظر الله إلى رجل نظر في فرج امرأة وابنتها" قال: ولأنه تفرع استمتاع فجاز أن يتعلق به تحريم المصاهرة كالوطء.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: (23)] ولا ينطلق اسم الدخول إلا على المباشرةً دون النظر ولأنه استمتاع لا يوجب الغسل فلم يوجب تحريم المصاهرةَ كالنظر إلى وجهها ولأن النظر إلى الوجه والبدن أبلغ في اللذةً والاستمتاع من النظر إلى الفرج فإذا كان لا يحرم فما دونه أولى فأما الخبر فروايةَ حفص بن غياث عن ليث عن حماد عن إبراهيم عن علقمةَ عن عبد الله موقوفًا وعلى أنه محمول على الوطء فكنى عنه بالنظر إلى الفرج.
وأما قياسهم فمنتقض بالنظر إلى الوجه ثم المعنى في الأصل أنه يوجب الغسل.
فصل:
فإذا تقرر تحريم الربائب بالدخول على ما وصفنا فلا فرق بين أن يكون في تربيته وحجره أم لا وهو قول الجمهور من الصحابةً والتابعين والفقهاء.
وقال داود: إنما تحرم عليه إذا كان في تربيته وحجره وحكاه مالك عن أوس عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه استدلالًا بقوله تعالى: ﴿ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ﴾ فعلق تحريم الربائب بشرطين:
أحدهما: أن يكون في حجره.
والثاني: أن يكون قد دخل بأمها فوجب أن يعتبر في تحريمها.
ودليلنا هو أن علةُ التحريم هو ومع التنافس المؤدي إلى التقاطع والتباغض وليس للحجر في هذا المعنى تأثير فلم يكن له اعتبار؛ ولأن الحجر غير معتبر في الشرع في إباحةُ ولا حظر ألا تراه غير مؤثر في تحريم حلائل الأبناء ولا إباحةُ بنات العم فكذلك في الربائب وليس ذكر الحجر في الربائب شرطًا وإنما ذكر لأنه الأغلب من أحوال الربائب إنهن في حجر أزواج الأمهات نمار ذكره تغليبًا للصفةً لا شرطًا في الحكم كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرةَ: (187)] والصائم لا يجوز له وطء زوجته وإن كانت في غير مسجد وإنما ذكر المسجد على طريق الأغلب من أحواله.
فصل:
فأما قول الشافعي: "ولم تحل له أمها لأنها مبهمة" ففيه قولان:
أحدهما: يعني مرسلةَ بغير شرط وقد روي عن ابن عباس أنه قال فيها: أبهموا ما أبهم القران.
والثاني: أن المبهمةً المحرمةً في كل أحوالها فلا يكون لها إلا حكم واحد من قولهم فرس بهم إذا لم يكن فيه شيةَ تخالف شيةَ وكان بعض أهل اللغةَ يذهب إلى تأويل ثالث: هو أن المبهمةً المشكلة؛ وهذا ليس بصحيح لأن حكم الأم غير مشكل.
مسالة:
قال الشافعي: "وان وَطْءَ أَمْتَهُ لَمْ يَحِلْ لَهُ أَمَهَا وَلَا اِبْنَتَهَا أَبَدًا وَلَا يَطَأُ أُخَتْهَا وَلَا عَمَّتَهَا وَلَا خَالَتَهَا حَتَّى يَحْرِمَهَا "
قال في الحاوي: أعلم أن كل ما حرم عليه بالعقد على الزوجة حرم بوطء الأمةً لا بملكها لأن الأمةَ لا تصير فراشًا إلا بالوطء دون الملك فإذا ملك أمةً لم يتعلق بملكها تحريم أحد من ذوي أنسابها فلم يحرم على أحد من ذوي أنساب سيدها فإذا وطئها تعلق بوطئها تحريم المصاهرةً كما تعلق بالعقد على الزوجةً فيحرم عليه أمها وأمهات أمها من آبائها وإن علون ويحرم عليه بناتها وبنات أولادها وإن سفلن.
ويحرم على ابنه وحده وإن علا وعلى ابنه وابن ابنه وإن سفل وهذا التحريم في هذه الوجوه الأربعةً مؤبد ويحرم عليه أختها وخالتها وعمتها وبنت أخيها وبنت أختها وهذا التحريم في هؤلاء الخمس تحريم الجمع لا تحريم تأبيد ما كان على استمتاعه بأمته حرمها على نفسه بأحد ما قدمناه ذكره من الأشياء الخمسةً من بيع أو هبةً، أو تزويج، أو عتق، أو كتابة حل له حينئذٍ من شاء من هؤلاء الخمس اللاتي حرمن عليه تحريم جمع أن يستبيحها بعقد نكاح أو ملك يمين وإن استباحها قبل تحريم الأولى، فإن كان بعقد نكاح كان باطلًا وحدّ إن وطئها عالمًا وإن
كان بملك يمين لم يحد وإن علم.
والفرق بينهما أن الزوجةً يستباح وطئها بالعقد وقد بطل توجب فيه الحد والأمةً يستباح وطئها بالملك والملك لم يبطل فلم يجب بالوطء فيه حد وخالف وطئ أخته بالملك في وجوب الحد على أحد القولين مع ثبوت الملك، لأن تحريم وطء أخته مؤبد وتحريم وطء أمتهِ لعارض يزول ولا تأبد فافترق حكم تحريمها فلذلك افترق وجوب الحد فيهما هذا كله إذا كان وطء أمته في الفرج فأما إن كان وطئها دون الفرج أو قبلها أو لمسها فهل يتعلق به ما ذكرنا من تحريم المصاهرةً أم لا؟ على قولين كما ذكرنا في تحريم الربيبةً:
أحدهما: لا يتعلق به تحريم المصاهرةً فعلى هذا يحل له أمهاتها وبناتها وتحل لآبائه وأبنائه.
والثاني: قد تعلق به تحريم المصاهرةً كما لو وطء في الفرج فعلى هذا يحرم عليه أمهاتها وبناتها ويحرم على آبائه وأبنائه.
فأما إن نظر إليها بشهوةً أو لمسها من وراء ثوب بشهوةً أو غير شهوةً أو ضاجعها غير مباشر بشيء من جسده إلى شيء من جدها مريدًا لوطئها أو غير مريد لم يتعلق بذلك تحريم ما لم يكن أفضى بمباشرةُ الجسدين، وحكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن من جرد أمته ولم يطأها حرمت عليه أمها وبنتها وهذا ليس بصحيح: لأنه عزم والعزم ليس يفعل فلا يتعلق به حكم الفعل.
فصل:
وإن وطئ الرجل امرأةً بشبهةَ نكاح أو ملك ثبت به تحريم المصاهرةً فحرمت عليه أمهاتها وبناتها وحرمت عليه آبائه ولا يحرم عليه أخواتها وعماتها وخالاتها؛ لأن تحريم أولئك تحريم تأبيد وتحريم أولئك تحريم الجمع والموطوءة بشبهةً محرمةً فلم يحصل الجمع ثم هل يصير هذا الوطء محرمًا لأمهات هذه الموطوءة لبناتها وهل يصير آباؤه وأبناؤها محرمًا لها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: قاله في القديم أن يثبت بالمحرم كما يثبت به التحريم.
والثاني: نص عليه في "الإملاء" أنه لا يثبت به المحرم وإن ثبت به التحريم لأنه تعلق به التحريم تغليظًا فاقتضى أن ينفي عنه المحرم تغليظًا.
مسالة:
قال الشافعي: "فَإِنَّ وَطْءَ أُخَتْهَا قَبْلَ ذَلِكَ اِجْتَنَبَ الَّتِي وَطْءَ أَخَّرَاً وَأَحْبَبْتُ أَنْ يَجْتَنِبَ الْوَلِيُّ حَتَّى يَسْتَبْرِئ الآخِرةَ"
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا وطئ أمته ثم وطئ أختها بالملك قبل تحريم
تلك فلا حد عليه وإن جاءت بولد لحق به وتكون الأولى على إباحتها.
والثانيةً على تحريمها لأنه وطئها حراما فلم تحل به الثانية ولم تحرم به الأولى وعليه أن يجتنب الثانية لتحريمها وتستحب أن يجتنب الأولى حتى تستبراء الثانية نفسها كلا يجتمع ماؤه في أختين، وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي:" فإذا اجتمع النكاح وملك اليمين في أختين، أو أمة وعمتها أو خالتها، فالنكاح ثابت لا يفسخه ملك اليمين، كان قبل أو بعد، وحرم بملك اليمين: لأن النكاح يثبت حقوقا له وعليه، ولو نكحهما معا انفسخ نكاحهما، ولو اشتراهما معا ثبت ملكهما، ولا ينكح أخت امرأته ويشتريها على امرأته، ولا يملك امرأته غيره، ويملك أمته غيره، فهذا من الفرق بينهما".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في الجمع بين أختين بعد نكاح في الجمع بينهما بملك اليمين فأما إن جمع بينهما في أن عقد على أحدهما نكاحا واستمع بالأخرى بملك اليمين فهو حرام؛ لأنه جمع بين أختين وإن اختلف سبب الجمع بينهما؛ وإذا كان كذلك لم نجد من أن يتقدم عقد النكاح على الاستمتاع بملك اليمين أو يتأخر عنه فإن عقد النكاح ثم استمع بها بعده فالحكم في الحالتين سواء إذا كان الاستمتاع بعد عقد النكاح سواء تقدم الملك قبل العقد أو تجدد بعده فالنكاح ثابت ووطوءه للأخت محرم.
ولا تأثير له في العقد المتقدم لاستقراره قبل الوطء المحرم وإن تقدم الاستمتاع على النكاح كأن ملك أمةً استمتع بها ثم تزوج عليها أختها قبل تحريمها.
فمذهب الشافعي: أن النكاح ثابت وإن تأخر كثبوته لو تقدم ويحرم به الموطوءة بملك اليمين وقال مالك؛ النكاح باطل والموطوءة بملك اليمين حلالًا استدلالًا بأن الأمة قد صارت بالوطء فراشًا كما تصير بعد النكاح فراشًا وحرم دخول أختها عليها في الحالين فلما كان ولو صارت فراشاً بالعقد بطل نكاح أختها عليها ووجب إذا جاءت فراشًا بالملك أن يبطل نكاح أختها عليها لكونها في الحالين فراشًا.
ودليلنا هو أن الفراش بعقد النكاح أقوى منه بملك اليمين لأربعةً معانٍ:
أحدهما: أن فراش المنكوحةً ثبت بثبوت العقد ولا يثبت فراش الأمةً بثبوت الملك
والملك قد يرتفع فراش الأمةً باستبرائها مع بقاء المالك ولا يرتفع فراش المنكوحةً مع بقاء العدةً.
الثاني:......
والثالث: أن فراش المنكوحة ثبت حقًا لها وعليها من طلاق وظهار وإيلاء ولعان
ولا يثبتها فراش الملك.
والرابع: أنه قد يصح أن يملك أمته غيره ولا يصح أن يملك زوجته غيره وإذا كان فراش النكاح أقوى من فراش الملك بما ذكرنا من هذه المعاني الأربعةً وجب إذا اجتمع الأقوى الأضعف أن يكون حكم الأقوى أثبت سواء تقدم أو تأخر كما لو اجتمع عقد نكاح وعقد ملك بأن تزوج ثم اشتراها بطل عقد النكاح بعد الملك؛ لأن عقد الملك أقوى من عقد النكاح وإن فراش النكاح أقوى من فراش الملك، ولأن عقد الملك على المنفعةً والرقبةً وعقد النكاح على المنفعةً دون الرقبةً فلما غلب في العقدين أقواهما وهو الملك وجب أن يغلب في الفرشين أقواهما وهو النكاح وإنما يراعى الأسبق فيما استوت قوته وضعفه كعقدي نكاح أو فراش ملك فبطل ما استدل به مالك.
فصل:
فإذا ثبت جواز النكاح حرمت الموطوءةً بملك اليمين وجاز له وطء هذه المنكوحةً وقال أبو حنيفة: لا يحل له المنكوحةً حتى تحرم الموطوءةً بملك اليمين بحدوث العقد على من لا يجوز أن يجمع معها كما لو تزوجها وتزوج أختها وهذا خطأ لأن الجمع إذا لم يمنع من صحةَ العقد لم يمنع من جواز الاستمتاع قياسًا في الطرد على من نكح حرةً بعد نكاح أمةً وفي العكس على من نكح أمةً بعد نكاح حرةً وفي هذا الدليل انفصال.
مسألة:
قال الشافعي: "وَلَا بأس أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ المرأة وَزَوْجَةَ أَبِيهَا وَبَيْنَ امْرَأَة الرَّجُلِ وَاِبْنَةَ امرأته إذاً كَانَتْ مِنْ غَيْرَهَا لِأَنَّه نَسَبَ بَيْنَهُنَّ"
قال في الحاوي: وهذا صحيح يجوز أن يجمع الرجل بين المرأةً وزوجةَ أبيها وزوجةَ ابنها وهذا قول جمهور أهل العلم إلا ابن أبي ليلى فإنه منع منه استدلالًا بأنهما امرأتان لو كان إحداهما رجلًا حرم عليه نكاح الأخرى لأنها تكون امرأةً أبيه أو حليلةً ابنه فحرم الجمع بينهما كما حرم الجمع بين المرأةً وعمتها أو خالتها للمعنى المذكور؛ وهذا خطأ لما روي أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن صفوان بن أمية جمع كل واحد منهما بين امرأةً رجل وبنته من غيره فلم ينكر ذاك أحد من علماء عصره فكان إجماعًا ولأن تحريم الجمع إنما يثبت نسب ولا رضاع يجري عليه حكم النسب فلم يحرم الجمع بينهما كسائر الأجانب وخالف ذوي الأنساب.
فصل:
قال الشافعي: "وبين امرأة الرجل ويثبت امرأته إذا كانت من غيرها" فاختلف
أصحابنا في ذلك.
فقال بعضهم: هذا سهو المزني في نقله لأنه كرر المسألة وأعادها بعبارةً أخرى؛ لأن زوجةُ الرجل وبنت امرأته من غيرها هي المرأةً وزوجةً ابنها وقال آخرون: بل قال المزني صحيح وهذه المسألةُ غير الأولى لأن الأولى أن يجمع بين بنت زيد وامرأة زيد، وهذه المسألةً أن يجمع بين امرأةً زيد وبنت امرأةً له أخرى من غيره وهذا لدينا يجوز لعدم التناسب بينهما.
فصل:
لا بأس أن يتزوج الرجل المرأةً ويتزوج ابنه بابنتها، أو يتزوج الأب امرأةَ ويتزوج الابن بأمها وهو قول الجماعةَ ومنه طاوس إذا تزوج الأب بامرأةَ أن يتزوج الابن بابنتها إذا ولدت بعد وطء الأب لأمها فإن كانت قد ولدت قبل وطئه لم يمنع وحكي نحوه عن مجاهد وهذا خطأ؛ لأن تحريم الربيبةً على الأب يساوي حكمه في ولادتها قبل وطئه وبعده فاقتضى أن يتساوى حكم إباحتها للابن في ولادتها قبل وطء الأب وبعده وقد حرص عمر رضي الله عنه في الغلام الذي زنا ببنت امرأةَ أبيه فجلده، وأن يجمع بينهما، فأبى الغلام فدل على جوازه من غير أن يعتبر فيه حال الولادةً، والله أعلم.
باب ما جاء في الزنا لا يحرم الحلال
مسالة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: "لِأَنَّ الْحَرَامَ ضِدُّ الْحَلَالِ فَلَا يُقَاسُ شَيْءٌ عَلَى ضِدِّهِ، قَالَ لِي قَائِلٌ يَقُولُ: لَوْ قَبَّلَتِ امْرَأَتُهُ ابْنَهُ بِشَهْوَةٍ حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَبَدًا، لِمَ قُلْتَ: لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ؟ قُلْتُ: مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا حَرَّمَ أُمَّهَاتِ نِسَائِكُمْ وَنَحْوَهَا بِالنِّكَاحِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ، فَقَالَ: أَجِدُ جِمَاعًا وَجِمَاعًا، قُلْتُ: جِمَاعًا حُمِدْتَ بِهِ، وَجِمَاعًا رُجِمْتَ بِهِ، وَأحدهما نِعْمَةٌ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ نَسَبًا وَصِهْرًا، وَأَوْجَبَ حُقُوقًا وَجَعَلَكَ مَحْرَمًا بِهِ لِأُمِّ امْرَأَتِكَ وَلِابْنَتِهَا تُسَافِرُ بِهِمَا، وَجُعِلَ الزِّنَا نِقْمَةً فِي الدُّنْيَا بِالْحَدِّ وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ، أَفَتَقِيسُ الْحَرَامَ الَّذِي هُوَ نِقْمَةٌ عَلَى الْحَلَالِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ؟ وَقُلْتُ لَهُ: فَلَوْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ: وَجَدْتُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا تَحِلُّ بِجِمَاعِ زَوْجٍ فَأَحَلَّهَا بِالزِّنَا؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ كَجِمَاعٍ، كَمَا حَرَّمْتَ بِهِ الْحَلَالَ؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ وَجِمَاعٌ، قَالَ: إِذًا نُخْطِئُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّهَا بِإِصَابَةِ زَوْجٍ، قِيلَ: وَكَذَلِكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِنِكَاحِ زَوْجٍ وَإِصَابَةِ زَوْجٍ، قَالَ: أَفَيَكُونُ شَيْءٌ يُحَرِّمُهُ الْحَلَالُ، وَلَا يُحَرِّمُهُ الْحَرَامُ فَأَقُولُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، يَنْكِحُ أَرْبَعًا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ النِّسَاءِ خَامِسَةً، أَفَيَحْرُمُ عَلَيْهِ إِذَا زَنَى بِأَرْبَعٍ شَيْءٌ مِنَ النِّسَاءِ؟ قَالَ: لَا يَمْنَعُهُ الْحَرَامُ مِمَّا يَمْنَعُهُ الْحَلَالُ.
قَالَ: وَقَدْ تَرْتَدُّ فَتَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ
وَأَقْتُلُهَا وَأَجْعَلُ مَالَهَا فَيْئًا.
قَالَ: فَقَدْ أَوْجَدْتُكَ الحَرَامُ يُحَرِّمُ الحَلَالَ.
قُلْتُ: أَمَّا فِي مِثْلِ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ أِمْرِ النِّسَاءِ فَلَا.
قَالَ المُزَنيُّ رَحِمَهُ اللهُ: تَرَكْتُ ذَلِكَ لِكَثْرَتِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِشَيْءٍ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في تحريم المصاهرة بعقد النكاح وفي تحريمها بوطء الإناء، كذلك الوطء بالشبهة يوجب من تحريم المصاهرة مثل ما يوجبه الوطء الحلال في عقد نكاح أو ملك يمين؛ لأنه لما ساواه في سقوط الحد ولحوق النسب ساواه في تحريم المصاهرة.
فأما وطء الزنا فلا يتعلق به تحريم المصاهرة بحال فإذا زنا الرجل بامرأة لم تحرم عليه مها ولا بنتها ولم يحرم على أبيه ولا على ابنه.
وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري.
ومن الفقهاء: مالك وربيعة وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: الزنا كالحلال في تحريم المصاهرة، فإذا زنا بامرأة حرمت عليها أمها وبنتها حرمت على أبيه وابنه.
ولو زنا بامرأة أبيه أو ابنه بطل نكاحها.
وكذلك لو قبلها أو لمسها أو تعمد النظر إلى فرجها بشهوة بطل نكاحها على أبيه وابنه وحرم عليه أمها وبنتها وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وحكى نحوه عن عمران بن الحصين وزاد الأوزاعي.
فقال: إذ تلوط الرجل بغلام حرمت عليه أمه وبنته وحرم على الغلام مه وبنته.
واستدلوا جميعًا بعموم قوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] والنكاح حقيقة في الوطء فاقتضى عموم الوطء وتحريم التي وطئها الأب.
قالوا: وقد روى عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وبنتها" فاقتضى إذا نظر إلى فرج امرأة في الزنا أن لا ينظر إلى فرج ابنتها في النكاح.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كشف خمار امرأة حرم عليه أمها وبنتها" فكان على عمومه في كشف الخمار لنكاح أو زنا قالوا: ولأنه وطء مقصود فوجب أن يتعلق به تحريم المصاهرة كالنكاح ولأنه تحريم يتعلق بالوطء المباح فوجب أن يتعلق بالوطء المحظور قياسًا على وطء الشبهة.
ولأنه فعل يتعلق به التحريم فوجب أن يستوي حكم محظور ومباحة كالرضاع.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ [الفرقان: 54].
فجمع بين المائين الصهر، والنسب فلما انتفي عن الزنا حكم النسب انتفي عنه حكم
المصاهرة وروى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحرام لا يحرم الحلال".
وروى عن الزهري عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل ينكح المرأة حرامًا، أينكح ابنتها أو ينكح البنت حرامًا أينكح أمها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحرم الحرام الحلال إما يحرم ما كان بنكاح حلال" وهذا نص لا يجوز خلافه.
ومن طريق القياس أنه وطء تمحض تحريمه فلم يتعلق به تحرم المصاهرة كوطء الصغيرة التي لا تشتهي ولأنه وطء لا يوجب العدة فلم يوجب تحريم المصاهرة كوطء الصغيرة والميتة؛ ولأنه تحريم نكاح يتعلق به التحريم المؤقت فوجب أن ينتفي عن الزنا الصريح قياسًا على تحريم العدة ولأنه وطء لا يتعلق به التحريم المؤقت فوجب أن يتعلق به التحريم المؤبد كاللواط ولأن ما أوجب تحريم المصاهرة افترق حكم حلاله وحرامه كالعقد؛ ولأن المواصلة التي ثبت في الوطء بالنكاح تنتفي عن الوطء بالزنا قياسًا على مواصلة النسب؛ ولأنه لما انتفي عن وطء الزنا ما يتعلق بوطء النكاح من الإحصان والإحلال والعدة والنسب انتفي عنه ما يتعلق به من تحريم المصاهرة؛ ولأنه لو ثبت تحريم المصاهرة بما حرم من الوطء والقبلة والملامسة بشهوة لما شاء المرأة أن تفارق زوجها إذا كرهته إذا قدرت على فراقه بتقبيل ابنه فيصير الفراق بيدها وقد جعله الله بيد الزوج دونها ولا يبطل هذا بالردة لأن ما يلزمها من القتل بالردة أعظم مما تستفيده من الفرقة فلم تخلص لها الفرقة بالردة وخلصت لها بالقبلة.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم﴾ [النساء: 22] فهو أن النكاح حقيقة في العقد فجاز الوطء ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] وقوله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُم﴾ [النور: 32] يريد به العقد دون الوطء، ثم لو تناول الوطء مجازًا عندنا وحقيقة عندهم فجاز أن يكون محمولًا على حلاله مخصوصًا في حرامه بدليل ما ذكرناه.
وأما احتجاجهم بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وبنتها" فعنه جوابان:
أحدهما: أنه مروي عن وهب بن منبه أنه مكتوب في التوراة فلم يلزمنا لنسخها بالقرآن.
والثاني: أن ما تضمنه من الوعيد متوجه إليه في الحرام دون الحلال لأن أحدهما لا محالة حرام.
وأما احتجاجهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "من كشف خمار امرأة حرمت عليه أمها وبنتها" فلا دليل في ظاهره فعمل بموجبه؛ لأن كشف الخمار لا يحرم عليه أمها ولا بنتها؛ فإن عدلوا
به عن ظاهره إلى الوطء عدلنا به إلى حلال الوطء أو شبهته.
وأما قياسهم بأن وطء مقصود كالنكاح فليس لقولهم وطء مقصود تأثير في الحكم؛ لأن وطء العجوز الشوهاء غير مقصود وهو في تحريم المصاهرة كوطء الشابة الحسناء وإذا سقط اعتباره لعدم تأثيره انتقض بوطء الميتة ثم المعنى في النكاح أنه أوجب لحوق النسب فلذلك أوجب تحريم المصاهرة وليس كذلك الزنا، وكذلك الجواب عن قياسهم على وطء الشبهة.
وأما قياسهم على الرضاع بعلة أنه فعل يتعلق به التحريم فمنتقض بالعقد يفترق حكم محظوره الفاسد ومباحه الصحيح.
وإن قيل: فالعقد قول وليس بفعل قبل القول فعل.
ثم المعنى في الرضاع أنه لما تعلق لمحظورة شابه أحكام المباح لما يتعلق به تحريم المصاهرة.
فصل:
فأما الشافعي: فإنه حكي مناظرة بينه وبين العراقيين في هذه المسألة اختلف أصحابنا فيه.
فقال بعضهم: هو محمد بن الحسن وقال آخرون: هو بشر المريس فقال الشافعي: قال لي قائل يقول: لو قبلت امرأة ابنه لشهوة حرمت على زوجها أبدًا لم قلت هذا.
فهذا سؤال أورده عليه المخالف فمن أصحابنا من قال: قد أخطأ المزني في نقله وإنما هو لم لا قلت هذا فحذف لا وقال: لمن قلت هذا سهوًا منه وقال آخرون: بل نقل المزني صحيح؛ لأن الشافعي ذكر مذهبه في أن الحرام لا يحرم الحلال وطأً كان أو لمسًا فقال له المخالف: أنا أقول: لو قبلت امرأة ابنه بشهوة، حرمت عليه أبدًا، لم قلت هذا الذي تقدم منك في الحرام لا يحرم الحلال؟
فأجاب الشافعي عن ذلك فقال: من قبل أن الله تعالى حرم أمهات نسائكم وهذا بالنكاح فلم يجز أن يقاس الحرام بالحلال يعني أنه لما كان النص واردًا في النكاح كان الحكم مقصورًا عليه ولم يكن ملحقًا به لأن حكم الحرام مخالف لحكم الحلال ثم قال الشافعي: وقوله تعالى حاكيًا عن هذا القائل فقال لي أحدهما جماعًا وجماعًا يعني أن وطء الزنا جماع ووطء النكاح جماع فاقتضى لتساويها أن يستوي حكمهما فأجابه الشافعي عن هذا أبان فرق بين الجماعين في الحكم فقال: جماعًا حمدت به وجماعًا رحمت به وأحدهما نعمة وجعلته نسبًا وصهرًا وأوجب به حقوقًا وجعلك محرمًا لأم امرأتك وابنتها تسافر بهما وجعل الزنا نقمة في الدنيا بالحدود وفي الآخرة بالنار إلا أن يعفو الله أفتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة.
فبين الشافعي بأن الجماعين لما افترقا في هذه الأحكام التي أجمعنا عليها وجب أن يفترقا في تحريم المصاهرة التي اختلفنا فيها ثم إن الشافعي استأنف سؤالًا على هذه المناظرة له فقال: إن قال لك قائل: وجدت المطلقة ثلاثًا تحل بجماع الزوج فأحلها بالزنا؛ لأنه جماع كجماعكما حرمت به الحلال؛ ولأنه جماع وجماع فأجابه هذا المناظر
بأن قال: إذا نخطئ لأن الله تعالى أحلها بإصابة زوج فقال الشافعي: وكذلك ما حرم في كتابه بنكاح زوج وإصابة زوج فأورد أول السؤال نقصًا ثم يبين أنهم قد جعلوا بين الجماعين فرقًا؛ لأن الحق الجماع الحرام بالجماع الحلال من حيث جمعهما بالاسم فعارضه بتحليلها للزوج بالجماع الحرامك قياسًا على الجماع الحلال لاجتماعهما في الاسم فأقر بتخطئة قائله فصار نقضًا واعترافًا بأن اجتماعهما في الاسم ليس بعلة في الحكم ثم حكي الشافعي سؤالًا استأنف مناظره.
فقال: قال لي: أفيكون شيء يحرمه الحلال لا يحرمه الحلال أقول به فأجابه الشافعي عن هذا بأن قال: نعم ينكح أربعًا فيحرم عليه أن ينكح من النساء خامسة فيحرم عليه إذا زنا بأربع شيء من النساء.
قال المناظر: لا يمنعه الحرام ما منعه الحلال فكان هذا منه زيادة اعتراف تفرق ما بين الحلال والحرام ثم إن الشافعي حكي عنه استئناف سؤال يدل على أن الحرام قد يحرم الحلال وهو أن ترتد المرأة فتحرم بالردة على زوجها فلو يمتنع أن يكون الحرام محرمًا للحلال.
فأجابه الشافعي رضي الله عنه بأن قال: نعم تحرم عليه وعلى جميع الناس واقتلها واجعل مالها فيئًا يريد بذلك أن تحرم الردة عام ولا تختص بتحريم النكاح وإنما دخل فيه تحريم النكاح تبعًا فجاز أن يكون مخالفًا لحكم ما يختص بتحريم النكاح، والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفناهن الزنا لا يحرم النكاح فجاءت الزانية بولد من زنا كان ولد الزانية دون الزاني لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش والعاهر الحجر" وإنما لحق بها دونه لأنه مخلوق متهمًا عيانًا ومن الأب ظنًا فلحق بها ولد الزنا والنكاح لمعاينة وضعها لهما ولحق بالأب ولد النكاح دون الزنا لغلبة الظن بالفراش في النكاح دون الزنا وإذا لم يلحق ولد الزنا بالزاني وكانت ثيبًا جاز للزاني أن يتزوجها عن الشافعي وإن كره له أن يتزوجها واختلف أصحابنا في معنى الكراهية.
فقال بعضهم: لاختلاف الفقهاء في إباحتها وكره استباحته مختلف فيها.
وقال آخرون: بل كره نكاحها لجواز أن يكون مخلوقة من مائه.
وقال أبو حنيفة: قد حرم على الزاني نكاحها واختلف أصحابه في معنى تحريمها فقالوا متقدموهم: لأنها بنت امرأة قد زنى بها فتعدى تحريم المصاهرة إليها فعلى هذا يكون فرعًا على الخلاف الماضي.
وقال متأخروهم: بل حرمت لأنها بنته مخلوقة من مائه فعلى هذا يكون خلافًا مستأنفًا واستدلوا فيه بقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] وهذه بنته؛ لأن العرب تسميها بنتًا ولا يعتبر عقد نكاح.
قالوا: ولأنها مخلوقة من مائه في الظاهر فوجب أن تحرم عليه كالمولودة من زوجة أو أمة ولأن ولد الزنا مخلوق من ماء الرجل الزاني والزانية فلما حرم ولد الزنا على
الزانية وجب أن يحرم على الزاني قياسًا على ولد الشبهة.
ولأنها مخلوقة من مائه فلم يكن نفيها عنه يمانع من تحريمها عليه قياسًا على ولد الملاعنة.
ودليلنا: هو أن تحريم الولد حكم من أحكام النسب فوجب أن ينتفي عن ماء الزاني كالميراث ولأنه لما كان لحوق النسب بالزانية يوجب أن يتبعه التحريم كما تبعه الميراث وقد يتحرر هذا الاعتلال قياسان:
أحدهما: أن تحريم نسب فوجب أن يكون تابعًا للسب كاتباعه في حق الأم.
والثاني: أنه تابع للنسب والثبوت فوجب أن يكون تابعًا له في النفي كالميراث ولا مدخل على هذا ولد الملاعنة لما سنذكره ولأن ولد الزنا لو حرمت على الزاني بالنبوة لحرمت على أبيه وابنه بحكم النبوة والإخوة وفي إباحتها لهما دليل على إباحتها للزاني.
فأما استدلالهم بالآية فليست هذه من بناته فتدخل في آية التحريم كما لم تكن من بناته في آية المواريث بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ [النساء: 11] الآية.
وأما قياسهم أنها مخلوقة من مائه فهذا غير معلوم فلم يسلم ثم لما لم يمنع خلقها من مائه أن لا يتعلق به نسب ولا ميراث لم يمنع أن يتعلق به تحريم.
فأما قياسهم على ولد الشبهة فالمعنى فيه: أنه لما ثبت نسبه وميراثه ثبت تحريمه وولد الزنا بخلافه.
فأما قياسهم على ولد الملاعنة فالحكم في ولد الملاعنة أنه إن كان قد دخل بأمها حرمت عليه أبدًا لأنها بنت امرأة قد دخل بها وإن كان قد دخل بها ففي تحريمها عليه وجهان حكاهما أبو حامد الإسفراييني:
أحدهما: لا يحرم عليه كولد الزنا فعلى هذا بطل القياس.
والثاني: أنها تحرم عليه لأنه لو اعترف بها بعد الزنا لحقت وولد الزنا لو اعترف به لم يلحق فصار ولد الزنا مؤبدًا ونفي ولد الملاعنة غير مؤبد فافترقا في النفي فكذلك ما افترقا في الحكم.
باب نكاح حرائر أهل الكتاب وإمائهم وإماء المسلمين
مسألة: قَالَ الشَّافِعَيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَأَهْلُ الكِتَابِ الَّذِينَ يَحِلُّ نِكَاحُ حَرَائِرِهِمُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى دُونَ المَجُوسِ وَالصَّابِئُونَ وَالسَّاحِرَة ُمِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمْ يُخلِفُونَهُمْ فِي أَصْلِ مَا يُحِلٌّونَ مِنَ الكِتَابِ وَيُحَرِّمُونَ فَيُحَرَّمُونَ كَالمَجُوسِ وَإِنْ كَانُوا يُخَالِفُونَهُمْ عَلَيْهِ ويَتَأَوَّلُونَ فَيَخْتَلِفُونَ فَلَا يُحَرِّمُونَ".
قال في الحاوي: اعلم أن المشركين على ثلاثة أقسام: قسم هم أهل الكتاب، وقسم ليس لهم كتاب، وقسم لهم شبهة كتاب.
فأما القسم الأول: وهم أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، فكتاب اليهود التوراة ونبيهم موسى، وكتاب النصارى الإنجيل، ونبيهم عيسى، وكلا الكتابين كلام الله ومنزل من عنده، قال الله تعالى: ﴿وأَنزَلَ التَّوْرَاةَ والإنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 3 - 4] قد نسخ الكتابان والشريعتان، أما الإنجيل فمنسوخ بالقرآن والنصرانية منسوخة بشريعة الإسلام، وأما التوراة ودين اليهودية فقد اختلف أصحابنا بماذا نسخ على وجهين:
أحدهما: أن التوراة منسوخة بالإنجيل، واليهودية منسوخة بالنصرانية، ثم نسخ القرآن الإنجيل ونسخ الإسلام النصرانية، وهذا أظهر الوجهين؛ لأن عيسى عليه السلام قد دعا اليهود إلى دينه واحتج عليهم بإنجيله، فلو لم ينسخ دينهم بدينه وكاتبهم بكتابة لأقرهم وادعى غيرهم.
والثاني: أن التوراة منسوخة بالقرآن واليهودية منسوخة بالإسلام، وأن ما لم يغير من التوراة قبل القرآن حق، وما تغير من اليهودية قبل الإسلام حق، وأن عيسى دعا اليهود لأنهم غيروا كتابهم وبدلوا دينهم فنسخ بالإنجيل، وما غيروه من توراتهم وبالنصرانية ما بدعوه من يهوديتهم، ثم نسخ القرآن حينئذٍ جميع توراتهم ونسخ الإسلام جميع يهوديتهم؛ لأن الأنبياء قد كانوا يحفظون من الشرائع التبديل وينسخون منها ما تقتضيه المصلحة.
كما نسخ الإسلام في آخر الوحي خاصًا من أوله، فأما نسخ الشرائع المتقدمة على العموم فلم يكن إلا بالإسلام الذي خاتمة الشرائع بالقرآن الذي هو خاتمة الكتب فعلى الوجه الأول يكون الداخل في اليهودية بعد عيسى على باطل وعلى الوجه الثاني على حق ما لم يكن ممن غير وبدل فأما بعد الإسلام فالداخل في اليهودية والنصرانية على باطل.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من أن اليهود والنصارى من أهل الكتاب قد كانوا على دين حق ثم نسخ فيجوز لحرمة كتابهم أن يقروا على دينهم بالجزية أي يزكوا وتؤكل ذبائحهم وتنكح نساؤهم فأما إقرارهم بالجزية وأكل ذبائحهم فمجمع عليه بالنص الوارد في كتاب الله تعالى وأما الجزية فلقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: 29] فأما أكل الذبائح فقوله تعالى: ﴿وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5] أما نكاح حرائرهم فالذي عليه جمهور الصحابة والتابعين غير الإمامية من الشيعة أنهم منعوا من نكاح حرائرهم مع القدرة على نكاح المسلمات استدلالًا بقوله تعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 51] الآية، قالوا: ولأن بعضهم يمنع من نكاح نسائهم كعبدة الأوثان.
قالوا: ولأنهم وإن كانوا أهل كتاب منزل فكتابهم مغير منسوخ، وما نسخه الله
تعالى ارتفع حكمه فلم يفرق بينه وبين ما لم يكن فكذلك صاروا بعد نسخه في حكم من لا كتاب له، هذا خطأ لقوله تعالى: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: 5] فجمع بين نكاحهن ونكاح المؤمنات فدل على إباحته.
فإذا قيل: فهذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] متقدمة لأنها من سورة البقرة، وقوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] متأخرة لأنها من سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل من القرآن، والمتأخر هو الناسخ للتقدم وليس يكون أن يكون المتقدم ناسخًا للمتأخر فعلى هذا الجواب يكون قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ منسوخًا بقوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] وهذا قول ابن عباس.
والجواب الثاني: أن قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] عام وقوله ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ خاص والخاص من حكمه أن يكون قاضيًا على العام ومخصصًا له سواء تقدم عليه أو تأخر عنه فعلى هذا يكون قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] مخصوصًا بقوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي وأن اسم الشرك ينطلق على أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان وذهب غيره من الفقهاء: إلى أن أهل الكتاب ينطلق على اسم الكفر ولا ينطلق على اسم الشرك وأن اسم الشرك ينطلق على من لم يوحد الله تعالى وأشرك به غيره من عبدة الأوثان فعلى هذا القول يكون قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ مخصوصًا ولا منسوخًا ثم حكمه ثابت على عمومه.
ثم يدل على جواز نكاحهم ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "ملك ريحانة وكانت يهودية واستمتع بها بملك اليمين" ثم أسلمت فبشر بإسلامها فسر به ولو منع الدين منها لما استمتع بها كما لم يستمتع بوثنيه ولأنه إجماع الصحابة، روى عن عمر جوازه.
وعن عثمان أنه نكح نصرانية وعن طلحة أنه تزوج نصرانية.
وعن حذيفة أنه تزوج يهودية.
وعن جابر أنه سئل عن ذلك فقال: "نكحناهن بالكوفة عام الفتح مع يعد بن أبي وقاص، ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرًا فلما انصرفنا من العراق طلقناهن تحل لنا نساؤهم ولا تحل لهم نساؤنا.
فكان هذا القول من جابر إخبارًا عن أحوال جماعة المسلمين الذين معه من الصحابة وغيرهم فصار اجتماعًا منتشرًا فإن قيل: فقد خالف ابن
عمر.
قيل: ابن عمر كره ولم يحرم فلم يصير مخالفًا ولأن الله تعالى قد أنزل كتابًا من كلامه وبعث إليهم رسولًا من أنبيائه كانوا في التمسك به على حق فلم يجز أن يساووا في الشرك لم يكن من عبدة الأوثان على حق معه وأنه لما جاز لحرمة كتابهم وما تقدم من صحة دينهم أن يفرق بينهم وبين عبدة الأوثان في حق دمائهم بالجزية وأكل ذبائحهم جاز أن تفرق بينهم في نكاح نسائهم فأما الأية فقد مضى الجواب عنها.
وأما قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] فمخصوص بعبدة الأوثان.
وأما قياسهم على عبدة الأوثان، فممنوع بما ذكرنا من الفرق بينهما في قبول الجزية وأكل الذبائحُ.
وأما قولهم: إن كتابهم منسوخ فهو كما لو لم يكن الجواب عنه أن ما نسخ حكمه لا يوجب أن لا ينسخ حرمته، ألا ترى أن ما نسخ من القرآن ثابت الحرمة، وإن كان منسوخ الحكم كذلك نسخ التوراة والإنجيل.
فصل:
فإذا تقرر أن اليهود والنصارى أهل كتاب يحل نكاح حرائرهم فهم ضربان:
بنو إسرائيل وغير بني إسرائيل.
فأما بنو إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام فجميع بنيه الذين دخلوا فيه قبل تبديله فيجوز إقرارهم بالجزية وأكل ذبائحهم ونكاح حرائرهم.
وأما غير بني إسرائيل ممن دخل في اليهودية من النصرانية من العرب والعجم والترك منهم ثلاثة أصناف:
صنف دخلوا فيه قبل التبديل كالروم حين دخلوا النصرانية فهؤلاء كبني إسرائيل في إقرارهم وأكل ذبائحهم ونكاح حرائرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر الروم كتابًا قال فيه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ﴾ [آل عمران: 64] الآية، فجعلهم أهل الكتاب ولأن الحرمة للدين والكتاب ولا للنسب فلذلك ما استوى حكم بني إسرائيل وغيرهم فيه.
والثاني: أن يكون قد دخلوا فيه بعد التبديل فهؤلاء لم يكونوا على حق ولا تمسكوا بكتاب صحيح.
فصاروا إن لم يكن لهم حرمة كعبدة الأوثان في أن لا تقبل لهم الجزية ولا يوكل لهم ذبيحة ولا تنكح منهم امرأة.
والثالث: أن يشك فيهم هل دخلوا فيه قبل التبديل أو بعده كالنصارى العرب كوج وفهر وتغلب فهؤلاء شك فيهم عمر فتشاور فيهم الصحابة فاتفقوا على إقرارهم بالجزية حقنًا لدمائهم وأن لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم لأن الدماء محقونة فلا تباح بالشك والفوج محظورة لا تستباح بالشك فهذا حكم أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
فصل:
وأما القسم الثاني: هم غير أهل الكتاب كعبدة الأوثان وعبدة الشمس والنيران وعبدة ما استحسن من حمار أو حيوان أو قال: بتدبير الطبائع وبقاء العالم أو قال: بتدبير الكواكب في الأكوان والأدوار فلم يصدق نبيًا ولا آمن بكتاب فهؤلاء كلهم مشركون لا يقبل لهم جزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح منهم امرأة ولا يحكم فيهم إذا امتنعوا من الإسلام إلا بالسيف إذا قدر عليهم إلا أن يؤمنوا مدة أكثرها أربعة أشهر يراعى انقضاؤها فيهم ثم هم بعد انقضاء مدة أمانهم حرب وسواء أقروا بأن لا إله إلا الله أو أشركوا به غيره أو جحدوه ولم يقروا به إله ولا خالق في أن حكم جميعهم سواء لا يقبل لهم جزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهم من له شبهة كتاب فهم ثلاثة أصناف: الصابئون، والسامرية، والمجوس.
فأما السامرة: فهم صنف اليهود والذين عبدوا العجل حين غاب عنهم موسى مدة عشرة أيام بعد الثلاثين واتبعوا السامري فرجع موسى إلى قومه فأنكر عليهم عبادة العجل وأمرهم بالتوبة وقتل أنفسهم فمنهم من قتل.
وأما الصابئون: فهم صنف من النصارى وافقوهم على بعض دينهم وخالفوهم في بعضه وقد يسمى باسمهم ويضاف إليهم قوم يعبدون الكواكب ويعتقدون أنها صانعة مدبرة فنظر الشافعي في دين الصابئين والسامرة، فوجده مشتبهًا فعلق القول فيهم لاشتباه أمرهم فقال هاهنا: أنهم من اليهود والنصارى إلا أن يعلم أنهم يخالفوهم في أصل ما يحللون ويحرمون فيحرمون وقطع في موضع آخر أنهم منهم، وتوقف في موقف آخر فيهم وليس ذلك لاختلاف قوله ولكن لا يخلو حالهم من ثلاثة أقسام: فقال: إن وافقوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم ويخالفوهم في فروعه فيقر السامرة بموسى والتوراة ويقر الصابئون بعيسى والإنجيل فهؤلاء كاليهود والنصارى في قول جزيتهم وأكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لأنهم إذا جمعهم أصل المعتقد لم يكن خلافهم في فروعه مؤثر كما يختلف المسلمون مع اتفاقهم على أصل الدين في فروع لا توجب تباينهم ولا خروجهم عن الملة.
والقسم الثاني: أن يخالفوا اليهود والنصارى في أصول معتقدهم وأن يوافقوهم في فروعه ويكذب السامرة بموسى والتوراة ويكذب الصابئون بعيسى والإنجيل فهؤلاء كعبدة الأوثان لا يقبل لهم جزية ولا يؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح منهم امرأة لأنهم لم يكونوا على حق فيراعى فيهم ولا تمسكوا بكتاب فيحفظ عليهم حرمته فيؤخذوا بالإسلام أو بالسيف، وحكى أن القاهر استفتى أبا سعيد الإصطرخي فيهم فأفتاه أن يقتلهم لأنهم يقولون: إن الفلك هو حي ناطق وأن الكواكب السبعة آلهة مدبرة فهمّ بقتلهم فبذلوا له مالًا فكفّ عنهم.
والقسم الثالث: أن يشك فيهم فلا يعلم هل وافقوا اليهود والنصارى في الأصول دون الفروع أو في الفروع دون الأصول فهؤلاء كمن شدّ في دخوله في اليهودية والنصرانية هل كان قبل التبديل أو بعده فيقرون الجزية حقنًا لدمائهم ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
فصل:
وأما المجوس فقد اختلف الناس فيهم هل هم أهل كتاب أم لا؟ وعلق الشافعي القول فيهم وقال في موضع: هل أهل كتاب وقال في موضع: ليسوا أهل كتاب فاختلف أصحابنا لاختلاف قول الشافعي فكان بعضهم يخرجه على اختلاف قولين:
أحدهما: أنه لا كتاب لهم لقوله تعالى: ﴿إنَّمَا أُنزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ﴾ [الأنعام: 156] يعني اليهود والنصارى فدل على أنه لا كتاب لغيرهما ولأن عمر لما أشكل عليه أمرهم سأل الصحابة عنهم فروى عبد الرحمن بن عون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فلما أمر بإجرائهم مجرى أهل الكتاب دل على أنهم ليس لهم كتاب فعلى هذا القول يجوز قبول جزيتهم له 1 ذا الحديث وأن عمر أخذ الجزية منهم بالعراق وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أخذ الجزية من مجوس هجر" فأما أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم فلا يجوز لعدم الكتاب فيهم.
والقول الثاني فيهم: أنهم أهل كتاب لأن الله تعالى يقول: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: 29] وقد ثبت أخذ الجزية منهم فدل على أنهم من أهل الكتاب.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: وكانوا أهل كتاب، وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم، فدعا آل مملكته فقال: "تعلمون دينًا خيرًا من دين آدم فقد كان آدم ينكح بنيه من بناته، فأما على دين آدم من يرغب بكم عن دينه فبايعوه وخالفوا الدين وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع من بين أظهرهم وذهب العلم الذي في صدورهم، وهم أهل كتاب وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما منهم الجزية".
فنكح الملك أخته وأمسكوا عليه الإنكار عليه إما متابعة لرأيه وإما خوفًا من سطوته، فأصبحوا وقد أسرى بكتابهم.
فعلى هذا القول يجوز إقرارهم بالجزية وهل يجوز أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يجوز لإجراء حكم الكتاب عليهم.
والثاني: لا يجوز لأن طريق كتابهم الاجتهاد دون النص فقصر حكمه عن حكم
النص.
وقال آخرون من أصحابنا: ليس ما اختلف نص الشافعي عليه اختلاف قولين فيه إنما هو على اختلاف حالين فالموضع الذي قال إنهم أهل كتاب يعني في قبول الجزية وحدها حقنًا لدمائهم أن لا يستباح بالشك والموضع الذي قال: إنهم غير أهل كتاب يعني في أن لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم وهذا قول سائر الصحابة والتابعين والفقهاء وخالف أبو ثور فجوز أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وروى إبراهيم الحربي: تحريم ذلك عن سبعة عشر صحابيًا وقال: ما كنا نعرف خلافًا فيه حتى جاءنا خلافاً من الكرخ يعني خلاف أبي ثور لأنه كان يسكن كرخ بغداد واستدل أبو ثور على أكل ذبائحهم وجواز مناكحتهم بحديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" قال: وقد تزوج حذيفة بن اليمان مجوسية بالعراق فاستنزله عنها عمر فطلقها فلو لم يجز لأنكر عليه ولفرق بينهما من غير طلاق ولأن كل صنف جاز قبول جزيتهم.
جاز أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم كاليهود والنصارى قالوا: ولأن كتاب اليهود والنصارى نسخ وكتاب المجوس رفع ولا فرق بين حكم المنسوخ والمرفوع فلما لم يمنع نسخ كتابي اليهود والنصارى من أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لم يمنع رفع المجوس من ذلك وهذا خطأ لأن إبراهيم الحربي ورواه عن سبعة عشر صحابيًا ولا يعرف لهم مخالفًا فصار إجماعًا؛ لأن من لم يتمسك بكتاب لم تحل ذبائحهم ونسائهم كعبدة الأوثان وليس للمجوس كتاب يتمسكون به كما يتمسك اليهود والنصارى بالتوراة والإنجيل فوجب أن يكون حكمهم مخالفُا لحكمهم ولأن نكاح المشركات محظور بعموم النص فلم يجز أن يستباح باحتمال ولأن عمر مع الصحابة توافقوا في قبول جزيتهم للشك فيهم فكيف يجوز مع هذا الشك أن يستبيح أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري يسأله كيف أخذ الناس الجزية من المجوس وأقروهم على عبادة النار وهم معبدة الأوثان، فكتب إليه الحس: إنما أخذوا منهم الجزية؛ لأن العلاء بن الحضرمي - وكان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين- أخذها منهم وأقرهم.
فدل على أنهم أفردوا من أهل الكتاب بأخذ الجزية وحدها فلذلك خصهما عمر بن عبد العزيز بالسؤال والإنكار فأما استدلاله بقوله: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فيعني به في أخذ الجزية لأمرين:
أحدهما: أنه روى ذلك عند الشك في قبول جزيتهم.
والثاني: أن الصحابة أثبتوا هذا الحديث في قبول جزيتهم ولم يجوزوا به أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
وأما تزويج حذيفة بمجوسية فالمروي أنها كانت يهودية، ولو كانت مجوسية فقد استنزله عنها عمر فنزل، ولو كانت نحل له لم استنزله عنها عمر، ولما نزل عنها حذيفة، وأما قياسه على اليهود والنصارى فالمعنى فيهم تمسكهم بكتابهم فثبت حرمته فيهم وليس كذلك المجوس.
فأما قوله: إن حكم المرفوع والمنسوخ سواء فليس بصحيح؛ لأن المنسوخ باقي التلاوة فنفيت حرمته فيهم وليس كذلك المجوس وأما المرفوع مرفوع التلاوة فارتفعت حرمته هذا الكلام فيمن له شبهة بكتاب من الصابئين، والسامرة والمجوس.
فأما من تمسك بصحف شيث أو زبور داود أو شيء من الصحف الأولى أو من زبر الأولين فلا يجري عليه حكم أهل الكتاب ويكونوا كمن لا كتاب له فلا تقبل لهم جزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح فيهم امرأة لأمرين:
أحدهما: أن هذه الكتب مواعظ ووصايا وليس فيها أحكام وفروض فخالفت التوراة والإنجيل.
والثاني: ليس كلام الله وإنما هي وحي منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أو من تبعني أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية.
فكان ذلك وحيًا من الله ولم يكن من كلامه فخرج عن حكم القرآن الذي تكلم به كذلك هذه الكتب والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِذَا نَكَحَهَا فَهِيَ كَالمُسْلِمَةَ فِيمَا لَهَا وَعَلَيْهَا إِلاَّ أَنَهُمَا لاَ يَتَوَارَثَانِ وَالحَدَّ فِي قَذْفِهًا التَّعْزِيزُ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أنكح المسلم كتابية مما لها وعليها من حقوق العقد كالمسلمة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] ولأنه عقد معاوضة فاستوى فيه المسلم وأهل الذمة كالإجارات والبيوع وإذا كان كذلك فالذي لها عليه من الحقوق المهر والنفقة والكسوة والسكنى والقسم والذي له عليها من الحقوق تمكينه من الاستمتاع وأن لا تخرج من منزله إلا بإذنه وهذه هي حقوق الزوجين بين المسلمين وكذلك المسلم والذمية.
فأما أحكام العقد فهي الطلاق والظهار والإيلاء واللعان والتوارث وكل هذه الأحكام في العقد على الذمية كما في العقد على المسلمة إلا في شيئين:
أحدهما: أنهما لا يتوارثان لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم".
والثاني: أن الحد في قذفها التعزير؛ لأن الإسلام شرط في حصانة القذف برواية
نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: "من أشرك بالله فليس بمحصن".
فإن أراد أن يلاعن ليسقط به هذا التعزير جاز لأن التعزير ضربان:
الأول: تعزير أذى لا يجب.
والثاني: وتعزير قذف يجب.
فتعزير الأذى يكون في قذف من لا يصح منها الزنا كالصغيرة والمجنونة فلا يجب ولا يجوز فيه اللعان وتعزير القذف يكون في قذف من يصح منها الزنا ولم تكمل حصانتها كالأمة والكافرة فيجب ويجوز فيه اللعان فأما ما سوى هذين الحكمين من الطلاق والظهار والإيلاء والرجة فهي جمعيه كالمسلمة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيَّ: "وَيَجْبِرُهَا عَلَى الغُسْلِ مِنَ الحَيُضِ وَالجَنَابَةِ".
قال في الحاوي: وأما إجبار الذمية على الغسل من الحيض فهو من حقوق الزوج؛ لأن الله تعالى حرم وطء الحائض حتى تغتسل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:222] وكان للزوج إذا منعه الحيض من وطئها أن يجبرها عليه ليصل إلى حقه منه.
فإن قيل: الغسل عندكم لا يصح إلا منه ولا فرق عندكم بين من لم ينو ومن لم يغتسل مع الكفر والإجبار لا تصح منها نية.
قيل: في غسلها من الحيض حقان:
أحدهما: لله تعالى لا يصح إلا بنية.
والآخر: للزوج يصح بغير نية فكان له إجبارها في حق نفسه لا في حق الله تعالى فلذلك أجزى بغير نية ألا ترى أنه يجبر زوجته المجنونة على الغسل في حق نفسه وإن لم يكن عليها في حق لله تعالى غسل وغير ذات الزوج تغتسل في حق الله تعالى، وإن لم يكن للزوج عليها حق كذلك تجبر الذمية على الغسل من النفاس لأنه يمنع الوطء كالحائض فأما إجبار الذمية على الغسل من الجنابة ففيه قولان:
أحدهما: لا يجبرها عليه بخلاف الحيض، لأنه قد يستبيح وطء الجنب ولا يستبيح وطء الحائض فافترقا في الإجبار.
والقول الثاني: أنه يجبرها عليه وإن جاز وطئها مع بقائه لأن نفس المسلم قد تعاف وطئ من لا تغتسل من جنابة.
فكان له إجبارها عليه ليستكمل به الاستمتاع وإن كان الاستمتاع ممكناً فأما الوضوء من الحدث فليس له إجبارها عليه قولاً واحداً لكثرته وأن النفوس لا تعافه وإنه ليس يصل إلى وطئها إلا بعد الحدث فلم يكن لإجبارها عليه تأثير.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَالتَّنظِيفِ بِالاسْتِحْدَادِ وَأَخْذِ الأَظْفَارِ".
قال في الحاوي: وأصل ما يؤثر في الاستمتاع بالزوجة ضربان:
أحدهما: ما منع من أصل الاستمتاع.
والثاني: ما منع من كمال الاستمتاع فأما المانع من أصل الاستمتاع فهو ما لا يمكن بعد الاستمتاع كالغسل من الحيض والنفاس فللزوج إجبار زوجته الذمية عليه وأما المانع من كمال الاستمتاع فهو ما تعافه النفوس مع القدرة على الاستمتاع كالغسل من الجنابة ففي إجبارها عليه قولان وإذا استقر هذا الأصل فقد قال الشافعي: "والتنظيف بالاستحداد" وهو أخذ شعر العانة مأخوذ من الحدية التي يحلق بها فإن كان شعر العانة قد طال وفحش وخرج عن العادة حتى لم يمكن معه الاستمتاع أجبر زوجته على أخذه سواء كانت مسلم أو ذمية، وإن لم يفحش وأمكن معه الاستمتاع ولكن تعافه النفس ففي إجبارها على أخذه قولان.
وإن لم تعافه النفس لم يجبرها على أخذه قوًلا واحدًا.
قال أحمد بن حنبل: والسنة أنه يستحد الأعزب كل أربعين يومًا والمتأهل كل عشرين يومًا إن قاله نقًلا مأثورًا عمل به وإن قال اجتهادًا فليس لهذا التقدير في الاجتهاد أصل مع اختلاف الحلق في سرعة نبات الشعر في قوم وإبطائه في آخرين واعتباره بالعرف أولى وأما الأظفار إذا لم تصل إلى حد تعافها النفوس لم يجبرها على أخذها وإن عافت النفوس طولها ففي إجبارها على أخذها قولان.
وهكذا غسل رأسها إذا سهك- أو قمل وغسل جسدها إذا راح وأنتن ففي إجبارها عليه قولان: لأن النفوس تعافه.
مسألة:
قَالَ الشّاَفِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَيَمْنَعُهَا مِنَ الكَنِسَةِ وَالخُرُوجِ إِلَى الأَعْيَادَ كَمَا يَمْنَعَ المُسْلِمَةَ مِنْ إِتْيَانِ المَسَاجِدِ".
قال في الحاوي: للزوج أن يمنع اليهودية من البيعة والنصرانية من الكنيسة والمسلمة من المسجد وإن كانت بيوتًا تقصر للعبادة التي لا يجوز أن يمنع من واجباتها لأنها قد توافي في منازل أهلها.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تحل المرأة بيتاً ولا تخرج من بيت زوجها كاره ولا منها قد تفوت عليه الاستمتاع في زمان الخروج فكان له منعها لاستيفاء حقه من الاستمتاع بها.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يمنعن إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات".
فعنه جوابان:
أحدهما: أنه لا يمنعها منع تحريم خوفًا من أن يظن أن منعهن من إتيان المساجد واجب.
والثاني: أن الرواية: "لا تمنعوا إماء الله مسجد الله" يريد به المسجد الحرام في حجة الإسلام ثم هكذا يمنعها من الخروج إلى الأعياد ثم إذا كان له منعها من الخروج إلى هذه العبادات كان بأن يمنعها من الخروج بغير العبادات أولى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَيَمْنَعُهَا مِنْ شُرْبِ الخَمْرِ وَأَكِلِ الخَنْزِيرِ إِذَا كَانَ يَتَقَدَّرُ بِهِ مِنْ أَكْلِ مَا يَحِلُّ إِذَا تَأَذَّى بِرِيحِهِ".
قال في الحاوي: أما الذمية فللزوج أن يمنعها أن تشرب الخمر والنبيذ وما يسكرها لأمرين:
أحدهما: ربما أنه خاف على نفسه من سكرها.
والثاني: أنه قدر ربما منعته من الاستمتاع بها فصار بكل واحد من الأمرين غير ممكن من الاستمتاع فلذلك جاز أن يمنعها منه قوًلا واحدًا فإما إن أردت أن تشرب من الخمر والنبيذ ما لا يسكرها فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إن له منعها من يسيره الذي لا يسكر كما يمنعها من كثيره الذي يسكر؛ لأن حدّ المسكر منه غير معلوم، وربما أسكرها اليسير ولم يسكرها الكثير؛ لأن السكر يختلف باختلاف الأمزجة والأهوية، فالمحرور يسكره القليل والمرطوب لا يسكره إلا الكثير، وإذا برد الهواء واشتد أسكر القليل، وإذا حمي الهواء لم يسكر إلا الكثير، فلم يجز مع اختلافه أن يغترف حال قليله وكثيره.
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني لما لم يذكر أمارة تدل على أن الزيادة بعدها مسكرة وهذا القدر لا يمنع من الاستمتاع ولكن ربنا عافته نفوس المسلمين لاسيما من قوي دينه وكثر تحرجه فيصير مانعًا له من كمال الاستمتاع فيحرم جواز منعها على قولين.
والثالث: ليس له منعها من شرب القليل الذي يردن شربه في أعيادهم عبادة وله أن يمنعها من الزيادة عليه سواء أسكر أو لم يسكر مراعاة فيه العابدة ولم يراعى فيه السكر وهذا الوجه أشبه.
فأما المسلمة فللزوج منعها من شرب الخمر قليله وكثيره وكذلك من سائر المحرمات فأما النبيذ فإن كان الزوجان شافعيين يعتقدان تحريم النبيذ كالخمر فله منعها من قليله وكثيره وإن كانا حنيفيين يعتقدان إباحة النبيذ كان كالخمر في حق الذمية فله منعها أن تشرب منه قدر ما يسكرها، وهل يمنعها من قليله الذي لا يسكرها فعلى قول أبي
علي بن أبي هريرة يمنعها منه قوًلا واحدًا وعلى قول أبي حامد يكون على قولين.
فصل:
فأما الخنزير فله منع المسلمة من أكله بلا خوف فأما الذمية فإن كانت يهودية ترى تحريم أكله ثم أكلته منعها منه كما يمنع منه المسلمة، وإن كانت نصرانية ترى إباحة أكله فقد اختلف أصحابنا فالذي عليه أكثرهم أن له منعها قوًلا واحدًا لأن نفور نفس المسلم منه أكثر من نفورها من الخمر فصار مانعهًا من الاستمتاع ولأن حكم نجاسته أغلظ فهي لا تكاد تطهر منه ويتعدى النجاسة منها إليه.
وكان أبو حامد الإسفراييني يقول: هذا يمنع من كمال الاستمتاع مع إمكانية وتحريم منعها منه على قولين فإن أكلت منه كان له إجبارها على غسل فمها ويدها منه لئلا يتعدى نجاسته إليه قبل أو باشر وفي قدر ما يجبرها عليه من غسله وجهان:
أحدهما: سبع مرات إحداهن بالتراب مثل ولوغه.
والثاني: يجبرها على غسله مرة واحدة بغير تراب لأنه يجبرها على غسله في حق نفسه لا في حق الله تعالى فأجزأ فيه المرة الواحدة كما يجزاء في غسل الحيض بغير نية.
فصل:
فأما أكل ما يتأذى بريحه من الثوم والبصل وأنتن من البقول والمأكل فالمسلمة والذميمة فيه سواء وينظر فإن كانت لدواء اضطرت إليه لم يمنعها منه.
وإن كان لشهوة وغذاء فهذا يمنع من كمال الاستمتاع مع إمكانه فهل يمنعها منه أم لا؟ على قولين.
فصل:
فأما البخور بما تؤذي رائحته فأن كان لدواء لم تمنع وإن كان لغير دواء فعلى قولين ولا فرق فيما منعه من هذا كله بين أن يكون في زمان الطهر أو في زمان الحيض لأن زمان الحيض وإن حرم فيه وطئها فإن يحل فيه الاستمتاع بما سواه من القبلة والمباشرة فصار المانع منه حكم المانع من الوطء.
فصل:
فأما الثياب فله أن يمنعها من ليس ما كان نجساً لأنه قد ينجسها وينجس بها وهو أدوم من نجاسة الخنزير والتحرز منه أشق فلذلك منعت منه قوًلا واحدًا، وهل يمنع من لبس ما كان منتن الرائحة بصبغ أو بخور أو سهوكة طعام أم لا؟ على قولين فأما ليس الحرير والديباج واستعمال الطيب والبخور فلا يمنع منه لأنه أدعى إلى الشهوة وأكمل للاستمتاع وهكذا ليس له أن يمنعها من الخضاب والزينة ولا على أن يجبرها على دواء في مرض أو سمنة في صحة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَإِنْ ارْقَدَّتْ إِلَى مَجُوسِيَّةٍ أَوْ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الكِتَابِ فَلإِنْ رَجَعَتْ إِلى الإِسْلامِ أَوْ إِلَى دِينِ أَهْلِ الكِتَابِ قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ وَإِنْ انْقَضَتْ قَبْلَ أَنْ تَرْجِعَ فَقَدِ انْقَطَعَتِ العِصْمَةُ لأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَبْتَدِئَ".
قال في الحاوي: وصورتها في مسلم تزوج ذمية فانتقلت من دينها إلى غيره فهذا على أربعة أقسام:
أحدهما: أن تنتقل عنه إلى الإسلام فقد زادته خيراً والنكاح بحاله وما زاده الإسلام إلا صحة وسواء قبل الدخول بها أو بعده.
والثاني: أن تنتقل على دينها إلى دين يقرها أهله عليه كأنها كانت نصرانية فتزندقت أو توثنت فلا يجوز أن تقر عليه؛ لأنه لما لم تقر عليه من كان متقدم الدخول فيه فأولى أن لا يقر عليه من تأخر دخوله فيه وإذا كانت كذلك نظر في ردتها فإن كانت قبل دخوله بها بطل نكاحها كما يبطل نكاح المسلمة إذا ارتدت قبل الدخول وإن كانت ردتها عن دينها بعد الدخول بها كان النكاح موقوفًا على انقضاء العدة فإن رجعت قبل انقضائها إلى الدين الذي تؤمن به ويجوز نكاح أهله كانا على النكاح وإن لم ترجع حتى انقضت العدة بطل النكاح وفي الدين الذي تؤمن بالدخول إليه ثلاثة أقوال:
أحدهما: الإسلام لا غي لأنها كانت مقرة على دينها لإقرارها بصحته وقد صارت بانتقالها عنه مقرة ببطلانه فلم يقبل منها إلا دين الحق وهو الإسلام.
والثاني: أنها تؤخذ بالرجوع إلى الإسلام أو دينها الذي كانت عليه ولا يقبل منها الرجوع إلى غيره من الأديان فإن أقر أهلها عليه لأنه الذي تناوله عقد ذمتها فكان أحصن أديان الكفر بها وليس لإقرارها بصحته تأثير في صحته فلذلك جاز أن تقر عليه بعد رجوعها إليه.
والثالث: أنها تؤخذ برجوعها إلى الإسلام، فإن أبت فإلى دينها الذي كانت عليه، أو إلى دين يقر أهله عليه فيستوي حكم دينها وغيره من الأديان التي تقر أهلها عليه في رجوعها إلى ما شاءت منها؛ لأن الكفر كله عندنا ملة واحدة وإن تنوع فإذا تقرر توجيه هذه الأقاويل فلها حالتان:
إحداهما: أن ترجع إلى الدين الذي أمرت بالرجوع إليه.
والثاني: أن لا ترجع إليه فإن لم ترجع إليه وأقامت على دينها فنكاحها قد بطل ولا مهر لها إن كان قبل الدخول ولها المهر وإن كان بعد الدخول وما الذي يوجب حكم هذه الردة [فيه قولان] قولان:
أحدهما: القتل كالمسلمة إذا ارتدت.
والثاني: أن تبلغ مأمنها من دار الحرب ثم تصير حرباً إلى الدين الذي أمرت به فهي على حقن دمها وفي أمان ذمتها، ثم ينظر في الدين الذي رجعت إليه، فإن كان دينًا يجوز نكاح أهله كالإسلام أو اليهودية أو النصرانية فالنكاح معتبرًا بما قدمناه، وإن لم يكن قد دخل بها فقد بطل، وإن كان قد دخل بها فإن كان الرجوع إلى الدين المأمور به بعد انقضاء العدة فقد بطل أيضًا، وإن كان قبل انقضاء العدة فهما على النكاح، وإن كانت قد رجعت إلى دين يقر أهله عليه ولا يجوز نكاح أهله كالمجوسية والصابئة والسامرة فالنكاح باطل، وإن كانت مقرة على هذا الدين ما لم تنتقل عنه قبل انقضاء العدة إلى دين يجوز نكاح أهله فتكون ممن قد ارتفع عنها حكم الردة ولم يرتفع عنها وقوف النكاح.
فصل:
والقسم الثالث: أن ترتد عن دينها الذي كانت عليه إلى دين يقر أهله عليه ولا يجوز نكاحهم كأنها ارتدت من يهودية إلى مجوسية ففي إقرارها عليه قولان:
أحدهما: تقر عليه لأن الكفر كله ملة واحدة.
والثاني: لا تقر عليه وفيما تؤمر بالرجوع إليه قولان:
أحدهما: الإسلام لا غير.
والثاني: الإسلام فإن أبت فإلى دينها الذي كانت عليه فأما النكاح فإن كانت ردتها قبل الدخول بطل وإن كانت بعدة فسواء أقرت عليه أو لم تقر هو موقوف على انقضاء العدة لأنه لما يجز أن يستأنف نكاح من لم تزل مجوسية لم يجز استدامة نكاح من أقرت على الانتقال إلى المجوسية، وإذا كان كذلك روعي حالها فإن انتقلت قبل انقضاء عدتها إلى دين يحل نكاح أهله صح إلا بطل.
فصل:
والقسم الرابع: أن ترتد عن دينها الذي كانت عليه إلى دين يجوز نكاح أهله كأنها كانت يهودية فتنصرت أو نصرانية فتهودت ففي إقرارها على الدين الذي انتقلت إليه قولان:
أحدهما: تقر، فعلى هذا يكون النكاح بحالة سواء كان قبل الدخول أو بعده.
والثاني: لا تقر عليه وفيما تؤمر بالرجوع إليه قولان:
أحدهما: الإسلام لا غير.
والثاني: الإسلام فإن أبت فإلى دينها الذي كانت عليه فعلى هذا إن لم يكن قد دخل بها فالنكاح قد بطل وإن كان قد دخل بها فهو موقوف على انقضاء العدة فإن رجعت
عنه إلى ما أمرت به قبل انقضائها صح النكاح وإلا بطل والله أعلم.
باب الاستطاعة للحرائر وغير الاستطاعة
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:25] وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُ أَرَادَ الأَحْرَارَ لأَنَّ المِلْكَ لَهُمْ وَلاَ يَحِلُّ مِنَ الإِمَاءِ إِلاَّ مُسْلِمَةٌ وَلاَ تَحِلُّ حَتَّى يَجْتَمِعَ شَرْطَانِ أَنْ لاَ يَجِدَ طَوْلَ حُرَّةٍ وَيَخَافُ العَنَتَ إِنُ لَمْ يَنْكِحَهَا وَالعَنَتُ الزَّنَا، احْتَجَّ جَابِر بن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ وَجَدَ صَدَاقَ امْرَأٍَة فَلاَ يَتَزَوَّجْ أَمَةٍ.
قَالَ طَاوُسُ: لاَ يَحِلُّ نِكَاحَ الحُرِّ الأَمَةَ وَهُوَ، يَجِدُ صَدَاقَ الحُرَّةِ.
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارِ: لاَ يَحِلُّ نِكَاحُ الإِمَاءِ اليَوْمً لأَنَّهُ يَجِدُ طَوْلًا إلى الحُرَّةِ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في نكاح الحرائر من المسلمات والكتابيات إذا نكحن الأحرار والعبيد فأما نكاح الإماء فله حالان:
أحدهما: مع العبد.
والثاني: مع الحر.
فأما العبد في نكاح الإماء فله أن ينكحهن كما ينكح الحرائر من غير شرط زائد، والكلام فيه يأتي مع ذكر ما فيه من خلاف.
وأما الحر فحكمه في نكاح الأمة مخالف لحكمه في نكاح الحرة، فلا يجوز أن ينكحها إلا بثلاث شرائط تعتبر فيه، وشرط رابع يعتبر في الأمة فأما الشرط المعتبر في الأمة الإسلام ويأتي الكلام فيه.
وأما الثلاث شرائط المعتبرة في الحر:
أحدها: أن لا يكون تحته حر.
والثاني: أن لا يجد طوًلا لحرة.
والثالث: أن يخاف العنت إن لم ينكح أمة والعنت الزنا فإذا استكمل هذه الشروط الثلاثة حل له نكاح أمة وإن أخل بشرط منها لم يحل له نكاحها.
وقال أبو حنيفة: يعتبر في نكاح الأمة شرط واحد وهو أن لا يكون تحته حرة ولا يعتبر عدم الطول وخوف العنت.
وقال مالك: يعتبر فيه عدم الطول وخوف العنت ولا يعتبر فيه ألا تكون تحته حرة.
وقال سفيان الثوري: يعتبر فيه خوف العنت وحده.
وقال آخرون: لا يعتبر فيه شيء من هذه الشرائط، ويكون نكاحها كنكاح الحرة، فأما أبو حنيفة فاستدل على عدم الطول وخوف العنت غير معتبرين بعموم قوله تعالى:
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:2] فكان على عمومه في نكاح ما طاب من الحرائر والإماء ثم قال في آخر الآية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:3] يعني نكاح واحدة من الحرائر أو نكاح واحدة مما ملكت أيمانكم فكان هذا نصًا فصار أول الآية دليًلا من طريق العموم وآخرها دليًلا من طريق النص.
واستدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:221] وقد ثبت أن له أن يتزوج الكتابية الحرة من غير شرط فالأمة المؤمنة التي خير منها أولى أن يجوز نكاحها
ومن القياس: أنه ليس تحته حرة فجاز له نكاح الأمة كالعادم للطول والخائف للعنت ولأن كل من حل له نكاح الأمة إذا خشي العنت حل له نكاحها.
وإن أمن العنت كالعبد ولأن كل من حل له نكاحها إذا لم يجد طوًلا حلّ نكحها، وإن وجد طوًلا كالحرة، ولأن كل نقص لم يمنع من النكاح إذا لم يقدر على سليم منه لم يمنع من النكاح وإن قدر على سليم منه قياسًا على نكاح الكافرة مع القدرة على مسلمة ولا وجود نكاح الأخت يمنع من نكاح أختها ووجود مهرها لا يمنع كذلك وجود الحرة يمنع من نكاح الأمة ووجود مهرها لا يمنع.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء:25] فأباح نكاح الأمة بشرطين:
أحدهما: عدم الطول.
والثاني: خوف العنت.
فأما الطول: فهو المال والقدرة مأخوذة من الطول ولأنه ينال به معالي الأمور، كما ينال الطول معالي الأشياء.
وأما العنت ففيه تأويلان:
أحدهما: أنه الزنا.
والثاني: أنه الحد الذي يصيبه من الزنا.
فلما جعل الإباحة مقيدة بهذين الشرطين لم يصح نكاحها إلا بهما فإن قالوا هذا الاحتجاج بدليل الخطاب وهو عندنا غير حجة فعنه جوابان:
أحدهما: أنه دليل خطاب عندنا حجة فجاز أن هي دلائلنا على أصولها.
والثاني: أنه شرط علق به الحكم لأن لفظة "من" موضعه للشرط ويكون تقديره من لم يجد طوًلا وخاف العنت نكح الأمة والحكم إذا علق بشرطين انتفي بعدم ذلك الشرطين وكعذر أحدهما فإن قالوا فقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ محموًلا على الوطء؛ لأن حقيقة النكاح هو الوطء، ويكون تقديره: ومن لم
(يستطع) منكم طولًا وطء حرة لعدمها تحته حل له نكاح أمة وكذا يقول، فعن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن النكاح عندنا حقيقة في العقد دون الوطء وهكذا كل موضع ذكر الله تعالى النكاح في كتابه فالمراد به العقد دون الوطء وكذلك هنا هنا.
والثاني: أن الطول بالمال معتبر في العقد دون الوطء فكان حمل النكاح على العقد الذي يعتبر فيه الطول أولى من حمله على الوطء الذي لا يعتبر فيه الطول أولى.
والثالث: أن حمله على الوطء يسقط اشتراط العنت وحمله على العقد لا يسقطه فكان حمله على العقد الذي يجمع فيه بين شرطيه أولى من حمله على الوطء الذي يسقط أحد شرطيه.
فإن قالوا: فيحمل قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:25] على وطئها بملك اليمين لا بعقد النكاح فالجواب عن هذا أن في سياق الآية ما يدل على بطلان هذا التأويل من ثلاثة أوجه:
أحدهما: قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء:25] وليس عد الطول شرطًا في وطء الأمة بملك اليمين.
والثاني: قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء:25 [وليس يراعى في وطئه بملك يمينه إذن أحد.
والثالث: وليس خوف العنت شرطًا في وطئها بملك اليمين فبطل هذا التأويل وصح الاستدلال بالآية.
ومن طريق الإجماع أنه مروى عن ابن عباس وجابر أما ابن عباس فروى عنه البراء وطاوس أنه قال: من ملك ثلاثمائة درهم وجب عليه الحج وحرم عليه الإماء.
وأما جابر فروي عنه أبو الزبير أنه قال: "من وجد صداق حرة فلا ينكح أمة" وليس يعرف لقول هذين الصحابيين مع انتشاره في الصحابة مخالف فكان إجماعًا لا يجوز خلافه.
ومن طريق القياس: أنه مستغن عن نكاح أمة فلم يجز له نكاحها قياسًا على من تحته حرة وإن ثبت أن تقول منعن عن استرقاق ولده قياسًا على هذا الأصل.
وتقول حرة من العنت قادر على وطء حرة قياسًا على هذا الأصل.
أو تقول حرًا من العنت قياسًا على هذا الأصل فتعلله بما شئت من أحد هذه الأوصاف الأربعة والوصف الأخير أشدها ولأن من قدر على قيمة المبدل الكامل كان كمن قدر عليه في تحريم الانتقال إلى المبدل الناقص كالانتقال في الطهارة ومن الماء إلى التراب وفي الكفارة من الرقية إلى الصيام ولأنه لو جمع في العقد الواحد بين حرة وأمة.
بطل نكاح الأمة فكذلك إذا أفردها بالعقد مع قدرته على الحرة.
وتحريره: أن كل امرأتين لو جمع بينهما في العقد بطل نكاح إحداهما ووجب إذا أفردت بالعقد أن تبطل نكاحها كالأخت مع الأجنبية وكالمعتدة مع الخلية ولأن من تحته حرة هو ممنوع عن نكاح أمة.
وليس يخلو حال منعه من أربعة.
أقسام: إما أن يكون لأن تحته امرأة وإما أن يكون لأنه جامع بين حرة وأمة وإما أن يكون لأنه قادر على نكاح حرة وإما أن يكون لأنه جامع بين حرة وأمة وإما أن يكون لأنه قادر على نكاح حرة وإما أن يكون لأنه قد أمن العنت فبطل أن يكون المنع لأنه تحته حرة لأنه لو عقد على حرة وأمة بطل نكاح الأمة وإن لم يكن تحته حرة وبطل أن يكون المنع لأنه جامع بين حرة وأمة لأنه لم ينكح بعدها حرة فيصير جامعًا بين أمة وحرة وإذا بطل هذان القسمان صار عليه المنع هو القسمان الآخران وهو القدرة على نكاح حرة وأنه أمن من العنت فصار وجود هذين علة في التحريم وعدمها علة في التحليل.
فأما الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:3] فهو أن استدلالهم فيها بالعموم متروك بما ذكرناه من النص في التخصيص واستدلالهم منه بالنص باطل.
لأنه قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:3 [فكان هذا تخييرًا بين العقد على حرة وبين وطء الإماء بملك اليمين ولم يكن تخييرًا بين العقد على حرة والعقد على أمة لأن الله تعالى لم يشرط في ملك اليمين عددًا فوجب أن يكون محمولًا على ما شرط فيه العدد من التسري بهن دون ما يشترط فيه العدد من عقد النكاح عليهن.
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: 221] فالمراد بالمشركة ها هنا الوثنية دون الكتابية لأن الله تعالى قد فصل بينهما وإن جاز أن يعمهما اسم الشرك فقال: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 1 [وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة: 6] وإذا كان المراد بهما الوثنية فنكاح الأمة المؤمنة خير من نكاحها، لأنها قد تحل إذا وجد شرط الإباحة والوثنية لا تحل بحال.
وأما قياسهم على العادم للطول والخائف للعنت بعلة أنه ليس تحته حرة فمنتقص بمن تحته أربع: وإما لا يجوز له عنده أن ينكح أمة وإن لم يكن تحته حرة، ثم المعنى في الأصل أن العادم للطول عاجز عن الحرة والواجد قادر فلا يجوز أن يقاس القادر على البذل على العاجر عنه كالواجد لثمن الرقبة في الكفارة لا يجوز أن يقاس على العادم لثمنها.
وأما قياسهم على العبد فالمعنى فيه: أنه لا عار على العبد في استرقاق ولده فجاز أن لا يعتبر فيه خوف العنت وعلى الحر عار في استرقاق ولده فاعتبرت ضرورته لخوف العنت.
وأما قياسهم على نكاح الحرة فالمعنى في الحرة: أنه لما جاز نكاحها على حرة جاز نكاحها على وجود الطول ولما لم يجز نكاح الأمة على الحرة لم يجز نكاحها مع وجود الطول وكذلك الجواب عن قياسهم على نكاح الكتابية والكافرة أن يجوز نكاحها وإن كانت تحته سلمة ولا يجوز نكاح الأمة إذا كان تحته حرة.
وأما استدلالهم بان القدرة على مهر الأخت لا يمنع من نكاح أختها فكذلك القدرة على مهر الحرة لا يمنع من نكاح
الأمة فخطأ؛ لأن المحرم في الأختين هو الجمع بينهما في العقد وهذا الجمع غير موجود في القدرة على المهر كما لم يمنع القدرة على مهور أربع من العقد على خامسة ويمنع وجود الأربع تحته أن يعقد على خامسة وليس كذلك الأمة لأنها حرمت للقدرة على حرة ولأنه يحرم الجمع بينهما وبين الحرة ألا ترى أنه لو نكح حرة بعد أمة جاز وقد جمع بين حرة وأمة وإذا كان تحرمها للقدرة على حرة كان بوجود مهر الحرة قادر على حرة فافترقا.
فصل:
وأما مالك فاستدل على أنه يجوز أن ينكح الأمة وإن كانت تحته حرة بأنه ربما لم تنفعه الحرة لشدة شهوته وقوة شبقه فخاف العنت مع وجودها لاسيما وقد يمضى للحرة زمان حيض يمنع فيه من إصابتها فدعته الضرورة مع وجوده بحرة تحته إذا عدم طول حرة أخرى أن ينكح أمة وليأمن بها العنت كما يأمن إذا لم يكن تحته حرة وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] فلما كان طول الحرة يمنعه من نكاح الأمة كان وجود الحرة أولى أن يمنعه من نكاح الأمة لأن القدرة على الشيء أقوى حكمًا من القدرة على بدله.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة" حكاه أبو سعيد المكي عن الرازي، ولأن من منعه عوض المبدل من الانتقال إلى البدل كان وجود المبدل أولى أن يمنعه، من الانتقال إلى البدل كالمكفر.
وأما استدلاله ففاسد بمن لم تقنعه أربع زوجات بقوة شبقه وإنه ربما اجتمع حيضهن معًا.
ولا يدل ذلك على جواز نكاح الخامسة على أن الحرة الواحدة قد تقنع ذا الشبق الشديد بأن يستمتع في أيام حيضتها بما دون الفرج منها.
فصل:
فإذا ثبت وتقرر أن نكاح الحر للأمة معتبر بثلاث شرائط فكذلك نكاحه للمدبرة والمكاتبة وأم الولد ومن رق بعضها وإن قل لا يجوز إلا بوجود هذه الشرائط لأن أحكام الرق على جميعهن جارية فجرت أحكام الرق على أولادهن وإذا بت اعتبار الشروط الثلاثة في نكاح كل من يجرى عليه حكم الرق من أمة ومدبرة ومكاتبة وأم ولد وجب أن يوضع حكم كل شرط منها.
أما الشرط الأول: هو أن لا يكون تحته حرة فوجود الحرة تحته لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون استمتاعه بها لأنها كبيرة وهي حلال له؛ لأنه لم يطرأ عليها سبب
من أسباب التحريم فلا يجوز مع وجودها أن ينكح أمة.
والثاني: أنه يمكنه استمتاع بها لكبرها، لكن قد طرأ عليها ما صار ممنوعًا من إصابتها كالإحرام والطلاق الرجعى، الظهار، والعدة من إصابة غيره لها لشبهة، فلا يجوز له مع كونها تحته على هذه الصفة أن ينكح أمة؛ لأن التحريم مقرون بسبب يزول بزوال سببه فصار كتحريمها في أيام الحيض.
والثالث: أن لا يمكنه الاستمتاع بها وإن كانت حلالًا له وذلك لأحد أمرين:
إما لصغر وإما لرق.
وإما لضر من مرض ففي جواز نكاحه للأمة قولان مع وجود هذه الحرة فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن تحته حرة.
والثاني: يجوز لأنه يخاف من العنت وعلى هذين الوجهين لو كان يملك أمة وليس تحته حرة ففي جواز نكاحه للأمة وجهان:
أحدهما: ينكحها تعليلًا بأن ليس تحته حرة.
والثاني: لا ينكحها تعليلًا لأنه لا يخاف العنت.
وأما الشرط الثاني: وهو أن يكون عادمًا لصداق حرة ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يعتبر أقل صداق يكون لأقل حرة يؤخذ في مسلمة أو كتابية فعلى هذا يتعذر أن يستبيح الحر نكاح الأمة لأن أقل الصداق عندنا قد يجوز أن يكون واثقًا من فضة أو رغيفًا من خبز وقل ما يعوز هذا أحد فإذا وجده ووجد منكوحة به حرم عليه نكاح الأمة وإن لم يجد أو وجده ولم يجد منكوحة به حل له من نكاح الأمة.
والثاني: أننا نعتبر أقل صداق المثل لأي حرة كانت من مسلمة أو كتابية ولا يعتبر أقل ما يجوز أن يكون صداقًا فعلى هذا لو وجد حرة بأقل من مهر مثلها مما يجوز أن يكون صداقًا وهو واجد لذلك القدر حل له نكاح الأمة ولو وجد صداق المثل لحرة أو كتابية لم يحل له نكاح الأمة.
والثالث: أننا نعتبر أقل صداق المثل لحرة مسلمة فعلى هذا إن وجد صداق المثل لكتابية ولم يجد صداق المثل لمسلمة حل له نكاح الأمة لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] فشرط إيمان الحرائر وعلى هذا الوجه لو كان تحته حرة كتابية حل له نكاح الأمة وعلى هذا الوجه لو وجد حرة يتزوجها بأقل من صداق المثل وهو واجده حل له نكاح الأمة ولو وجد ثمن أمة وهو أقل من صداق حرة ففي جواز تزويجه للأمة وجهان:
أحدهما: يجوز لقوله تعال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25].
والثاني: لا يجوز لأنه مستغن عن استرقاق ولده.
وأما الشرط الثالث: وهو أن يخاف العنت وهو الزنا فسواء خافه وهو ممن يقدم
عليه لقلة عفافه أو كان ممن لا يقدم عليه لتحرجه وعفافه في أن خوف العنت فيهما شرط في إباحة نكاح الأمة لهما.
فأما إذا خاف العنت من أمة بعينها أن يزنى بها إن لم يتزوجها لقوة ميله إليه وحبه لها فليس له أن يتزوجها إذا كان واجدًا للطول لأننا نراعى عموم العنت لا خصوصه، والله أعلم.
فصل:
فإذا ثبت أن نكاح الحر للأمة معتبر بما أوضحناه من الشروط الثلاثة فليس إذا استكملت فيه أن ينكح أكثر من أمة واحدة.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز أن ينكح منهن أربعًا كالحرائر استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] فأطلق ملك اليمين إطلاق جمع فحمل على عمومه في استكمال أربع كالحرائر ولأن كل جنس حل نكاح الواحدة منه حل نكاح الأربع من كالحرائر طردًا والثنيات عكسًا ولأن كل من جاز أن يتزوج بأكثر من حرة واحدة جاز له أن يتزوج بأكثر من أمة واحدة كالعبد.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25] وهذا إذا تزوج أمة واحدة منذ أمن العنت فلم يجز أن يتزوج بأمة قياسًا على ما تحته من الحرائر أخرى ولك تحر هذا قياسًا فنقول: إنه حر أمن العنت فلم يجز أن يتزوج بأمة قياسًا على من تحته حرة وإن شئت قلت حر قادر على وطء بنكاح قياسًا على هذا الأصل، ولأنه محظور إلا عند الضرورة فلم يستبح منه إلا ما دعت إليه الضرورة كأكل الميتة.
فأما الاستدلال بالآية فلا يقتضى إلا أمة واحدة لأنه قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] فلما كان المراد بالحرائر المحصنات واحدة وجب أن يكون المارد بما في مقابلتهم من الإماء واحدة وعلى أن الأمة يدل من الحرة، ولا يجوز أن يكون البدل أوسع حكمًا من المبدل.
وأما قياسهم على الحرائر فالمعنى فيهن: جواز العقد عليهن بغير ضرورة، ولأنه لا يسترق ولده فيدخل عليه باسترقاق ضرر فخالف نكاح الإماء على هذين الوجهين.
وأما الجواب عن قياسهم على العبد فهو أنه يجوز أن ينكح الأمة لغير ضرورة وليس عليه استرقاق ولده ضرر فخالف من هذين الوجهين فعلى هذا لو تزوج أمتين ثبت نكاح الأولى وبطل نكاح الثانية، فإن تزوجها في عقد واحد بطل نكاحهما؛ لأن إحداهما إن حلت فهي غير معنية، فصار كمن تزوج أختين بطل نكاح الثانية إن زوجها في عقدين وبطل نكاحهما إن تزوجهما في عقد واحد.
فصل:
وإذا قد مضى الكلام في نكاح الأحرار للإماء انتقل الكلام إلى نكاح العبيد لهن
فيجوز للعبد أن ينكح الإماء مطلقًا من غير شرط، فينكحا وغن أمن العنت أو كان تحته حرة.
وقال أبو حنيفة: هو كالحر لا يجوز أن ينكح الأمة إذا كان تحته حرة استدلالًا بأن من تحته حرة فهو ممنوع من نكاح الأمة كالحر.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ فخص الأحرار بتوجيه الخطاب إليهم ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ فخصهم به أيضًا فاقتضى أن يكونوا مخصوصين بهذا المنع ويكون العبد على إطلاقه من غير منع، ولأن من جاز له أن ينكح امرأة من غير جنسه جاز له أن ينكح عليها امرأة من جنسه، كالحر إذا نكح أمة يجوز له أن ينكح عليه حرة.
فأما قياسه على الحر فمنع منه النص، ثم المعنى في الحر أنه يلحقه في نكاح الأمة عار لا يلحق العبد.
فإذا تقرر هذا كان للعبد أن ينكح أمة على حرة وأن يجمع في العقد الواحد بين أمة وحرة وأن يجمع بين أمتين كما يجمع بين حرتين والله أعلم.
مسألة:
قَال الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "فَإِن عَقَدَ نِكَاَح حُرّةٍ وَأَمَةٍ مَعًا، قيلَ: يَثبُتُ نِكَاحُ الحُرُّةِ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الأمَةِ.
وَقِيلَ: يَنْفَسِخَانِ معًا.
وَقَالَ في القَدِيم نِكَاحُ الحُرّة جَائِزٌ وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوّجَ مَعَهَا أُخْتَهُ مِنَ الرّضَاعِ كَأَنّهَا لَمْ تَكُنْ.
قَالَ الُمزَنَيُّ رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا أَقْيَسُ وَأَصَحّ في أَصْل قَوْلِهِ؛ لأَنّ النّكَاَحَ يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَلاَ يَفْسِد بِغَيْرِهِ فَهي في مَعْنَى مَنْ تَزَوّجَهَا قِسْطًا مَعَهَا مِنْ خَمْرٍ بِدِينَارٍ فَالنكَاح ُوَحدْهُ ثَابِت وَالقِسطُ الخَمْرِ والَمهْرِ فَاسِدَانِ"
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة فيمن يحل به نكاح الأمة يزوج بحرة وأمة فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتزوج الأمة ثم يتزوج بعدها حرة فنكاحهما صحيح؛ لأنه نكح الأمة على الشرط المبيح، ونكح الحرة بعد الأمة صحيح.
وقال أحمد بن حنبل: يصح نكاح الحرة ويبطل به ما تقدم من نكاح الأمة، كما لو تقدم نكاح الحرة، وهذا لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة" وهذا نص ولأنه عقد نكاح فلم يبطل ما تقدمه من النكاح كما لو نكح حرة على حرة.
والثاني: أن يتزوج بالحرة ثم يتزوج بعدها بالأمة فنكاح الحرة صحيح ونكاح الأمة بعدها باطل لأن الأمة لا يجوز أن يتزوجها وتحته حرة وعند مالك يجوز نكاح الأمة بعد
الحرة ثانيًا إذا كان عادمًا للطول خائفًا للعنت وقد مضى الكلام معه.
والثالث: أن يتزوجهما معًا في عقد واحد فنكاح الأمة باطل؛ لأنه قد صار بعقده عليها مع الحرة قادر على نكاح حرة، وهل يبطل نكاح الحرة أم لا؟ مبنى على تفريق الصفقة في البيع إذا جمع العقد الواحد حلالًا وحرامًا، كبيع خل وخمر في عقد واحد، أو بيع حر وعبد في عقد واحد فيبطل البيع في الحرام وفي بطلانه في الحلال قولان:
أحدهما: وهو قول في القديم، واحد قوليه في الجديد أنه لا يبطل في الحلال تعليلًا بأن لكل واحد منهما في الجمع بينهما حكم في انفرادها فعلى هذا يكون نكاح الحرة جائزًا وإن كان نكاح الأمة باطلًا.
والثاني: وهو أحد قوليه في الجديد أن البيع يبطل في الحلال لبطلانه في الحرام، فاختلف أصحابنا في تعليل هذا القول على وجهين:
أحدهما: أن العلة فيه أن اللفظة الواحدة جمعت حلالًا وحرامًا، فإذا بطل بعضها انتقضت فعلى هذا يبطل نكاح الحرة، كما بطل نكاح الأمة؛ لأن لفظ العقد عليهما واحد.
والثاني: أن العلة فيهما الجهالة بثمن الحلال؛ لان ما قبل الحرام من الثمن مجهول، فصار ثمن الحلال به مجهولًا، فعلى هذا يبطل به من العقد ما كان موقوف لصحة على الأعواض، كالبيع والإجارة الذي لا يصح إلا بذكر ما كان معلومًا من ثمن أو أجرة، فأما العقود التي لا تقف صحتها على العوض كالنكاح والهبة والرهن فيصح الحلال منها، وإن بطل الحرام المقترن بها فيكون نكاح الحرة صحيحًا وإن بطل نكاح الأمة، وفيما يستحقه من المهر قولان:
أحدهما: مهر المثل وإبطال المسمى.
والثاني: قسط مهر مثلها من المهر المسمى بناء على اختلاف قولين فيمن نكح أربعًا في عقد على صداق واحد فأما الزنى فإنه اختار أصح القولين وهو تصحيح نكاح الحرة مع فساد نكاح الأمة إلا أنه استدل لصحته بمثال صحيح وحجاج فاسد.
أما المثال الصحيح فهو قوله: "وكذلك لو تزوج معها أختها من الرضاعة"؛ لأنه إذا جمع في العقد الواحد بين أختها وأجنبية كان لجمعه بين حرة وأمة في عقد واحد فيبطل نكاح أخته وفي نكاح الأجنبية قولان.
وأما الحجاج الفاسد فهو قوله: "فهي في معنى من تزوجها وقسطًا معها من خمر بدينار فالنكاح وحده ثابت والقسط من الخمر فاسد" واختلف أصحابنا في وجه فساد هذا الاعتلال والاحتجاج على وجهين:
أحدهما: وهو قول البغداديين أن وجه فساده أنه إذا زوجه رزقًا من خمر بدينار فهما عقدان بيع ونكاح كأن يقول: بعتك هذا الخمر وزوجتك هذه المرأة بدينار فلم يجز أن يحتج بالعقدين في صحة أحدهما وفساد الآخر على العقد الواحد في أن فساد بعضه لا
يوجب فساد باقيه لأن العقد الواحد حكم واحد وللعقدين حكمان.
والثاني: وهو قول البصريين أنه وجه فساده أنه في النكاح والخمر بدينار قد جمع في العقد الواحد بين نكاح وبيع يختلف حكمهما والشافعي قد اختلف قوله في العقد الواحد إذا جمع شيئين مختلفي الحكم، كبيع وإجارة، أو رهن وهبة فله قولان:
أحدهما: أنهما باطلان: يجمع العقد الواحد بين مختلفي الحكم.
والثاني: أنهما جائزان لجواز كل واحد منهما على الانفراد، فلم يجز أن يحتج بما يصح العقد فيهما على صحة ما يبطل العقد في أحدهما، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ تَزَوّجَهَا ثُمّ أَيْسَرَ لَمْ يُفْسِدَهُ مَا بَعْدَهُ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا تزوج الحر أمة على الشرائط المبيحة ثم ارتفعت الشرائط بعد العقد بأن أمن العنت بعد خوفه أو وجده الطول بعد عدمه أو نكح حرة إن لم يكن فنكاح الأمة على صحة ثبوته.
وقال المزني: إن أمن العنت لم يبطل نكاح الأمة، وإن وجد الطول أو نكح حرة بطل نكاح الأمة استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] فجعل عدم الطول شرطًا في إباحة الأمة ابتداء فوجب أن يكون شرطًا في أباحتها بانتهاء.
قال: ولأن زوال علة الحكم موجب لزواله والعلة في نكاح الأمة عدم الطول فوجب أن يكون وجوده موجبًا لبطلان نكاحها وهذا خطأ لقول الله تعالى:
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: 32] فندب إلى النكاح لأنه قد يفضى إلى الغنى بعد الفقر فلم يجز أن يكون الغنى الموعود به في النكاح موجبًا لبطلان النكاح ولا عدم الطول شرطًا في نكاح الأمة كما أن خوف العنت شرطًا في نكاحها فلما لم يبطل نكاحها إذا زال العنت لم يبطل إذا وجد الطول.
ولأن الطول بالمال غير مراد للبقاء والاستدامة لأنه يراد للاتفاق لا للبقاء وما يراد للبقاء إذا كان شرطًا في ابتداء العقد لم يكن شرطًا في استدامته كالإحرام والعدة بالعقد لم يبطل ولما كانت الردة والرضاع يردان للاستدامة لأن الردة دين يعتق المرتد للدوام وكان ذلك شرطًا في الابتداء والاستدامة كذلك المال لما لم يرد للاستدامة وجب أن يكون شرطًا في الابتداء دون الاستدامة كالإحرام والعدة.
فأما استدلال المزني بالآية فيقتضى كون ما تضمنها من الشرط في ابتداء العقد دون استدامته وما ذكره من الاستدلال بأن زوال العلة موجب لزوال حكمها فاسد بخوف العنت.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَحَاجّنِي مَنْ لا يُفْسِخُ نِكَاحَ إِمَاء غَيْرِ المُسلِمَاتِ فَقَاَلَ: لَمّا أَحَلّ اللهُ بَيْنَهُمَا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا لأَنّها مَانِعَة لَهُ نَفْسَهَا بِالرّدّةِ وَإِن ارْتَدّت مِنْ نَصْرَانيّة إلَى يَهُودِيّةٍ أَوْ مِنْ يَهُودِيّةٍ إِلَى نَصْرَانِيّةٍ لَمْ تَحْرُمْ تَعَالَى نِكَاُح الحُرّةِ الُمْسِلَمِة دَلّ عَلَى نِكَاح الأمَةِ.
قُلْتُ: قَدْ حَرّمَ اللهُ تَعَالَى الَميّتَةَ، وَاسْتَثْنَى إِحْلالَهَا لِلْمُضَطرّ فَهَلْ تَحِل لِغَيْرِ مُضْطَرّ، واَسْتَثْنَى مِنْ تَحْريم المُشْرِكَاتِ إِحْلالَ حَرَائِرِ أَهْلِ الِكتَاب فَهَلْ يَجُوزَ حَرَائرُ غَيْر أَهْل الكِتَاب فَلَا يَحلّ إمَاؤُهُمْ غَيْرُ حَرَائِرِهِمْ وَاشْتَرَطَ في إِمَاءِ المُسْلِمِين فَلَا يَجُوزَ لَهُ إلّا بالشّرْطِ وَقُلْتُ لَهُ: لِم لَا أَحْلَلتَ الأُمّ كَالرّبيبَة وَحَرّمْتَهَا بِالدُّخُول كَالرّبِيبَةِ؟ قَالَ لأنًّ الأُمّ مُبْهَمَة وَالشّرطُ في الرّبِيبَةِ، قُلْتُ: فَهَكَذَا قُلْنَا في التّحْرِيِم في الُمشْركِاَتِ وَالشّرْطِ في التّحْلِيلِ في الحَرَائِرِ وَإِمَاءِ الُمؤِمنَاتِ".
قال في الحاوي: وإذ قد مضى الكلام في الشروط المعتبرة في نكاح الأمة من جهة الزوج بقى الكلام في الشروط المعتبرة من جهتها وهو إسلامها فلا يجوز للمسلم نكاح امة كافرة بمال.
وقال أبو حنيفة: يجوز له نكاح الأمة الكافرة كما يجوز له نكاح الحرة الكافرة استدلالًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] فكانت على عمومها ولان كل من جاز له وطئها بملك اليمين جاز له وطئها بملك نكاح كالمسلمة ولأنه في الأمة الكافرة نقصان: نقص الرق ونقص الكفر وليس لكل واحد من النقصين تأثير في المنع من النكاح إذا انفرد وجب أن لا يكون لهما تأثير فيه إذا اجتمعا.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] فجعل نكاح الأمة مشروطًا بالإيمان فلم يستبح مع عدمه قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] والمحصنات ها هنا الحرائر فاقتضى أن لا يحل نكاح إماء أهل الكتاب ولأن ذلك إجماع لأنه مروى عن عمر وابن مسعود وليس لهما مخالف ولأنها امرأة اجتمع فيها نقصان لكل واحد منهما تأثير في المنع من النكاح فوجب أن يكون اجتماعهما موجب لتحريمهما على المسلم كالحرة المجوسية أحد نقصيها الكفر والآخر عدم الكتاب.
والأمة الكتابية أحد نقصيها الرق والآخر الكفر ولان نكاح المسلم للأمة الكافرة يفضى إلى أمرين يمنع الشرع من كل واحد منهما.
أحد الأمرين: أن يصير ولدها المسلم مرقوقًا لكافر والشرع يمنع استرقاق كافر لمسلم.
والثاني: أن يسبى المسلم لأن ولدها المسلم ملك لكافر وأموال الكافر يجب أن
تسبى والشرع يمنع من سبى المسلم وإذا كان الشرع مانعًا بما يفضى إليه نكاح الأمة الكافر وجب أن يكون مانعًا من نكاح الأمة الكافرة.
فأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فالمراد به الاستمتاع بهن بملك اليمين لا بعقد النكاح فجاز أن يستولى فيه استباحة المسلمة والكتابية لأنه قد استقر عليها ملك مسلم فلم يفضي إلى سبى ولدها وكذلك الحكم في نكاح الأمة المسلمة فلم يجز الجمع بين نكاحها ونكاح الأمة الكافرة وأما قوله: أن كل واحد من النقصين لا يمنع فكذلك اجتماعهما.
قلنا: لكل واحدة منهما تأثير في المنع فصار اجتماعهما مؤثر في التحريم.
فصل:
فإذا استقر ما ذكرنا من الشروط المعتبرة في نكاح الحر للأمة فنكحها وأولدها لم يخل حال الزوج من أن يكون عربيًا أو أعجميًا فإن كان عجميًا كان ولده منها مرقوقًا لسيدها وإن كان عربيًا ففيه قولان:
أحدهما: يكون مرقوقًا لسيدها.
والثاني: يكون حرًا وعلى الأب قيمته لقول النبي صلى الله عليه وسلم "ولا يجرى على عربي صغار بعد هذا اليوم" والاسترقاق من أعظم الصغار فوجب أن ينتفي عن العرب ولأن ذلك مفض إلى استرقاق من ناسب النبي صلى الله عليه وسلم في أقرب آبائه مع وصية الله تعالى بذوي القربى فلو نكح الحر مكاتبة كان في ولدها إن لم يكن عربيًا قولان:
أحدهما: مملوك لسيدها.
والثاني: تبع لها وإن كان عربيًا ففيه ثلاثة أقاويل:
أحدهما: حر يعتق على أبيه بقيمته.
والثاني: تبع لأمه يعتق بعتقها ويرق برقها.
والثالث: أنه ملك لسيدها، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَالعَبْدُ كَالُحرّ في أَنّ لَا يَحِلّ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيّةٍ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا يجوز للعبد المسلم أن يتزوج بالأمة الكتابية كما لا يجوز أن يتزوج بها الحر المسلم وجوزه أبو حنيفة كما جوزه للحر وفرق بعض العراقيين بين الحر والعبد فجوز للعبد أن ينكح الأمة الكتابية ولم يجوزه للحر لأن العبد قد ساواها في نقص الرق واختصت معه بنقص الكفر فلم يمنعه أحد النقصين كما لم يمنع المسلم الحر أن ينكح الكتابية الحرة لاختصاصها معه بأحد النقصين وخالف نكاح الحر.
المسلم للأمة الكتابية لاختصاصها معه بنقصين وهذا خطأ لأنه اجتماع النقصين فيها يمنع من جواز نكاحها كالوثنية الحرة لا ينكحها حر ولا عبد لاجتماع النقصين فاستوي في تحريمها بهما من ساواهما في أحدها أو خالفها فيهما فإذا أراد كتابي أن ينكح هذه الأمة الكتابية ودعي حاكمها إلى نكاحها ففي جوازه وجهان:
أحدهما: يجوز أن يزوجه بها لأنها صارت باجتماع النقصين محرمة عندنا.
والثاني: يجوز لاستوائهما في النقص كما يجوز أن يزوج وثنيًا بوثنية.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَأَيُّ صِنْفٍ حَلَّ نِكَاحَ حَرَائِرِهُمْ حَرَّمَ وَطْءَ إِمَائِهُمْ بِالمِلْكِ وَمَا حَرَّمَ نِكَاحَ حَرَائِرِهُمْ حَرَّمَ وَطْءَ إِمَائِهُمْ بِالمِلْكِ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن الأمة قد تصير فراشًا بالوطء, كما تصير الحرة فراشًا بالعقد فأي صنف حل نكاح حرائرهم فهم المسلمون وأهل الكتاب من اليهود والنصارى حل وطء إمائهم بملك اليمين وهن الإماء المسلمات واليهوديات والنصرانيات وقد استمتع رسول الله صَلَى الله عليه وسلم بأمتين بملك يمينه:
إحداهما: مسلمة وهي مارية وأولدها ابنه إبراهيم, والأخرى يهودية وهي ريحانة, ثم بشر بإسلامها فسر به وأعتق أمتين وتزوجهما وجعل عتقهما صداقهما:
إحداهما: جويرية والأخرى: صفية.
فأما من لا يحل نكاح حرائرهم من المجوس وعبدة الأوثان فلا يحل وطء إمائهم بملك اليمين.
وقال أبو ثور: كل وطء جمع الإماء بملك اليمين على أي كفر كانت من مجوسية أو وثنية أو دهرية استدلالًا بأن النبي صَلَى الله عليه وسلم قال في ذات سبي هوازن وهن وثنيات: "ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض" فأباح وطئهن بالملك بعد استبرائهن ولأن الوطء بملك اليمين أوسع حكمًا منه بعقد النكاح لأنه لا يستمتع من الإماء بمن شاء من غير عدد محصور ولا يحل بعقد النكاح أكثر من أربع فجاز لاتساع حكم الإماء أن يستمتع منهن بمن لا يجوز أن ينكحها من الوثنيات وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] فكان على عمومه في الحرائر والإماء, ولأن المحرمات بعقد النكاح محرمات بملك اليمين كذوات الأنساب ولأن ما حرم به وطء ذوات الأنساب حرم به وطء الوثنيات كالنكاح.
فأما سبي هوازن فعنه جوابان:
أحدهما: يجوز أن يكون قبل تحريم المشركات في سورة البقرة.
والثاني: يجوز أن يكن قد أسلمن لأنه في النساء رقة لا يثبتن معها بعد السبي على دين وأما الاستدلال باتساع حكمهن في العدد فليس للعدد تأثير في أوصاف التحريم كا لم يكن له تأثير في ذوات الأنساب, والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلَا أَكْرَهُ نِكَاحَ نِسَاءِ أَهْلِ الحَرْبِ إِلَّا لِئَلَّا يُفْتَنَ عَنْ دِيِنِه أَوْ يُسْتَرَقَّ وَلَدُهُ".
قال في الحاوي: وهو كما قال: لا يجوز للمسلم أن يتزوج الكتابية الحربية في دار الإسلام ودار الحرب, وأبطل العراقيون نكاحها في دار الحرب بناء على أصولها في أن عقود دار الحرب باطلة وهي عندنا صحيحة, ولأن صحة العقد ونساؤه معتبر بالعاقد والمعقود عليه دون الولد.
ولأن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] ولم يغرم, ولأن الحرية في إباحتهن الكتاب دون الدار, ولأنه لما جاز وطئهن بالسبي فأولى أن يجوز وطئهن بالنكاح, ولأن من حل نكاحها في دار الإسلام حل نكاحها في دار الحرب كالمسلمة, فإن صلح نكاح الحربية فهو عندنا مكروه لثلاثة أمور:
أحدها: لئلا يفتن عن دينه بها أو بقومها فإن الرجل يصبو إلى زوجته بشدة ميله.
والثاني: لئلا يكثر سوادهم بنزوله بينهم وقد قال النبي صَلَى الله عليه وسلم: "من كثر سواد قوم فهو منهم".
والثالث: لئلا يسترق ولده وتسبي زوجته لأن دار الحرب ثغر وتنغم فإن سبي ولده لم يسترق لأنه حر مسلم وإن سبيت زوجته ففيه قولان:
أحدهما: يجوز استرقاقها لأن ما بينهما من عقد النكاح هو حق له عليها بالدين ولو كان له عليها دين لم يمنع من استرقاقها كذلك النكاح.
والثاني: أنه قد ملك بعضها بالنكاح فلم يجز أن يستهلك عليه بالاسترقاق كما لو ملك منافعها بالإجارة ورقبتها بالشراء.
باب التعريض بالخطبة
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى يَدُّلُّ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ فِي العِدَّةِ جَائِزٌ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التَّعْرِيضِ وَقَدْ ذَكَرَ القَسَم بَعْضَهُ وَالتَّعْرِيضُ كَثِيرٌ, وَهُوَ خِلَافُ