بحر المذهب للرويانيصفحات 101-103

وهذا لأن ما لم يصل من اللحم إلى المساكين يبطل حكم إراقة الدم فيه كما لو ذبحه وأتلف كله يجب عليه أن يذبح أخرى هكذا.
ذكر أصحابنا: وقد تقدم خلافه، وان كان الهدي تطوعاً قد ذكرنا أنه يستحبّ له الأكل منه، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أهدى مائة بدنة فتولى نحر نيف وستين منها.
وولي علياً الباقي ثم أمر فقطع من كل واحدةٍ قطعة من لحم فطبخ ذلك، فأكل من لحمها وتحسى من مرقها"، ولو أكل الكل كم يضمن؟ وجهان: أحدهما: القدر الذي لو تصدّق به أجزأه.
والثاني: يضمن القدر الذي يستحب له أن يفرقه.
وذلك النصف أو الثلث على اختلاف القولين.
وقال الشيخ أبو حامد: هذا التفريع من أصحابنا على هدي التطوع بعيد، فإن من المحال أن يضمن ما يتطوع به، ولكن هذا التفريع يعود إلى النذر المطلق، فإن المنصوص جواز الأكل منه، فكل ما قالوا في التطوع، فهو في هذا النذر المطلق وأصل هذا الاختلاف من أنه يجب تفريق الزكاة على ثلاثة من كل صنفٍ، فإن أعطى اثنين، ولم يعط الثالث يضمن وكم يضمن؟ وجهان: أحدهما: قدر ما يجزى، دفعه إليه.
والثاني: قدر ما يستحبّ دفعه إليه وهو الثلث.
مَسْألَةٌ: قال: وما عطب منها نحرها وخلّى بينها وبين المساكين.
إذا ساق الهدي، فعطب منه [249/ب] شيء، أي: زمن ولم يقدر على سوقه، فإن كان تطوعاً، فله ذبحه وأكله وإطعام الأغنياء والفقراء، وان كان واجباً لا يخلو إما أن يكون معيناً بالنذر، أو معيناً عن هدي في ذمته، فإن كان معيناً في الأصل، فقد زال ملكه إلى المساكين على ما ذكرنا، فينحره ويغمس نعليه في دمه ويضرب بهما صفحة سنامه، ويخلّي بينها وبين المساكين والنعلان هما اللذان علقا على رقبته.
والأصل في هذا ما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث فلاناً الأسلمي، وهو ناجية وبعث معه بثماني عشرة بدنة، فقال: "أرأيت أن أرجف علي منها شيء، قال: تنحرها ثم تصبغ نعلك في دمها ثم اضربها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أصحابك.
أو قال: "أهل رفقتك" ومعنى إرجف أعني أو كل، وإنما أمر بهذه العلامة ليعلم من رآه أنه هدي، ولأن هذا الهدي صار مصدوداً عن البيت فيجب ذبحه في موضعه كدم المحصر، فإذا تقرر هذا فلا خلاف أنه لا يجوز له أن يأكل منه، ولا أغنياء أهل الرفقة، فأما فقراء أهل الرفقة، هل يأكلون؟ المنصوص أنه لا يحلّ لهم أيضاً.
وهذا ظاهر نص السنة والمعنى في ذلك أنا لو أبحنا لهم ذلك، ربما يتسببون إلى إزمانه وإعطابه طمعاً، في أكل لحمه، فحرم عليهم حتى يصونوا هذا الهدي ويحفظوه عن التلف والعطب.

ومن أصحابنا من قال: يحلّ لهم كما لغيرهم، لأن بحصولهم في هذا الموضع صاروا من أهله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يريد بالرفقة الذين معه على السفرة أو النهد دون أهل القافلة كلهم، [250/أ] وهذا حسن، وقيل: يحرم على سائقه أن يأكل ولا يحرم على غيره أن يأكل منه إن احتاج إليه لما روي من خبر أخر أنه قال: "انحره ثم خلّ بينه وبين الناس".
ذكوه أبو سليمان الخطابي رحمه الله.
وإنما يحلّ أكل هذا إذا خلّى بينه وبين المساكين لفظاً، بأن يقول: أبحته لهم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نحر البدن، قال: "ليقطع من شاء منكم"، وهذا لأن له أن يخص به من شاء من الفقراء، فإذا تقرر هذا فمن سمع الإذن حلّ له أن يأخذ، ومن لم يسمع وجهل، هل تلفظ به صاحبها، هل يحل له الأكل منها؟ فيه قولان: أحدهما: يحل نص عليه في "الأم"، لأن الظاهر أنه أباح لفظاً.
وقال في "الإملاء": لا يحلّ حتى يتحقق ذلك، فإن نحره، ولم يبحه لفظاً للمساكين ضمنه، وكذلك إن ترك نحره حتى مات ضمنه، وإن أكل منه ضمنه.
وبه قال مالك، نص عليه في "الأم".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يحتاج إلى اللفظ ويباح للفقراء بهذه الإمارة كمن وضع ماء على الطريق وجعل عليه إمارة الإباحة، فللناس الشرب منه، ومن قال بالأول فرق بأن أصل الماء على الإباحة بخلاف الهدي.
وإذا قلنا: يضمن ما أكله، قال صاحب "الإفصاح": قال الشافعي عليه بدله لمساكين الحرم وعندي القياس أن يجعله لمساكين الموضع، وهذا غلط، لأنه يمكن إيصال ثمنه إلى مساكين الحرم، ولا يمكن حمل الذبيحة إليهم، وهو كما يجب حمل الولد إليهم دون اللبن.
فَرْعٌ آخرُ لو أتلف الأجنبيّ هذا الهدي يلزمه القيمة، فإن كانت القيمة مثل [250 /ب] ثمن مثلها اشترى بها مثلها، وإن كانت أكثر ولم يبلغ ثمن المثلين اشترى المثل.
وفي الفاضل الأوجه الثلاثة، وإن كانت أقل من ثمن المثل، ففيه الأوجه الثلاثة.
فَرْعٌ آخرُ لو كان الهدي الذي نذره اشتراه ووجد به عيباً، بعد النذر لا يمكنه الردّ بالعيب ويرجع بالأرش ويكون الأرش للمساكين، وماذا يفعل به؟ الحكم على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ لو نذر أن يهدي حيواناً غير النعم لا يذبحه بل يتصدّق به حيّاً على فقرا، مكّة، لأن الذبح فيه لا يكون قربة، وإذا لم يكن قربة كان نقصاً، وكذلك إذا أهدى تصدّق به على فقراء مكّة.

فَرْعٌ آخرُ لو نذر أن يهدي شيئاّ من العقار باع وأوصل ثمنه إليهم، ولو نذر أن يهدي شيئاً لحمله مؤنة، هل تلزمه مؤنته؟ نظر فإن قال: جعلت في هذا هدياً، لم يلزمه مؤنته بل مؤنة حمله منها، فيباع بعضها وينفق على الباقي ليصل، وإن قال: لله عليّ أن أهدي بهذا، فالمؤنة عليه.
ذكره أصحابنا بخراسان.
فَرْعٌ آخرُ يستحب إذا فرع من حجّه أن يزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي".
وروي عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من زار قبري وجبت له الجنة".
وروي: "وجبت له شفاعتي"، ويستحب أن يصلي في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا تعال ألف صلاة في غيره من المساجد" ذكره أصحابنا، وحكى العيني في هذا حكاية حسنة [251/أ]، قال: كنت عنه قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي وقال: السلام عليك يا رسول الله، ثم قال: سمعت الله تعالى يقول: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإذْنِ اللَّهِ ولَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64] وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: يا خَيرَ من دُفِنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال: ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيناي فنمت، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقال: يا عيني الحق الرجل، وأخبره أن الله عزّ وجلّ قد غفر له.
وهذا آخر ربع العبادات والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين.
يتلوه في الذي يليه كتاب الصيد والذبائح [251/ب].

جارٍ التحميل