أبيه.
برؤوا لأن حقه على قاتل أبيه دون أخيه
والثاني: أنه انتقل حق الأخ من نصف الدية عن قاتل أبيه إلي أخيه القاتل؛ لنه قد صار بالقتل مستوفيًا لحقهما من قتل أبيهما كما لو كانت لهما وديعة فأخذهما أحدهما من المودع كان قابضا لحقهما, وللأخ مطالبته بحقه منها دون المودع, فعلى هذا قد براء ورثة قاتل الأب من جميع الدية وصار ما على القاتل من نصف الدية لأخيه دونه, فلو أبرأه أخوه براء ولو أبرأه ورثة قاتل أبيه لم يبرأ, وإذا قيل بالقول الثاني أن القوود على ولي القاتل واجب فلورثة القاتل لأبيه الخيار, بين أن يقتصوا أو يعفوا عن القصاص إلي الدية, أو يعفوا عن القصاص والدية.
فإن اقتصوا فقد استوفوا حقهم قودًا, وعليهم في تركة أبيهم دية قتيله يكون نصفها لوليه الباقي, ونصفها لورثة وليه المقتول قودا, وإن عفوا عن القصاص إلي الدية وجبت لهم دية أبيهم على قاتله, ووجب عليهم في تركة أبيهم دية مقتولة فيبرؤوا من نصفها وهو حق القاتل, ويبقى لهم نصف الدية, وفي انتقال ما عليهم من نصفها للولي الذي ليس بقاتل إلي من لهم عليه نصفها وهو الولي القاتل قولان على ما ماضى, لو قيل بسقوط القود حكمًا وتفريعًا فإن عفوا عن القصاص والدية جميعًا سقط في قتل أبيهم ووجب في تركته دية قتيله لوليه ليستوي فيها القتل وغير القاتل, ويجري قتل أبيهم بعد عفوهم مجرى موته, ولو مات القاتل وجبت الدية في تركته, وإن سقط القود بموته.
وقال أبو حنيفة: إذا مات القاتل سقطت عنه الدية, وكذلك لو قتله أجنبي سقطت عنه دية قتيله, ووجب له القصاص على قاتله, بناء على أصله في وجوب الدية بالمراضاة عند النزول عن القصاص الممكن, والموت, قد منع إمكان القصاص فمنع من وجوب الدية, واستدلالًا بعده بأمرين:
أحدهما: أن سقوط القصاص بتلف المقتص منه يوجب سقوط الدية, كالعبد الجاني إذا مات قبل القصاص.
والثاني: أنه لو انتقل القصاص من نفسه إلي الدية عند تلفه, لصارت نفسه مضمونة عليه, وما أحد يضمن نفسه, وإنما يضمنها غيره.
ودليلنا مع بنائه على أصلنا في أن الدية تجب على القاتل من غير مراضاة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن قتل بعد قتيلًا فأهله بين خيرتين, إن أحبوا قتلوا, وإن أحبوا أخذوا العقل" ومن خير بين حقين, إذا فاته أحدهما تعين حقه في الآخر, ولأن سقوط القصاص بعد استحقاقه بغير اختيار مستحقة يوجب الانتقال إلي الدية' كما لو عفا بعض الورثة انتقل حق من لم يعف إلي الدية, ولأن الدية لما وجبت في أخفّ القتلين من الخطأ كان وجوبها في أغلظهما من العمد أولى, ولأن القصاص مماثلة لجنس متلف, فوجب إذا تعذر استيفاء المثل أن يستحق الانتقال إلي بدله من المال, كمن استهلك ذا مثل من الطعام فأعوز انتقل إلي قيمته.
فأما قياسه على موت العبد الجاني فلم تسقط الدية بموته, ولكن لتعذر وجودها
بعدم ملكه وقف استحقاقها بعد موته, وكذلك لو مات معسرًا.
وقوله: "إن نفسه غير مضمونة عليه" فعنه جوابان:
أحدهما: أنه لما جاز أن يضمنها حيًا ببذل الدية جاز أن يضمنها ميتًا بوجوب الدية.
والثاني: أن يضمن الدية بدلًا من نفس قتيله لا من نفسه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو قطع يده من مفصل الكوع فلم يبرأ حتى قطعها آخر من المرفق ثم مات فعليهما القود يقطع قاطع الكف من الكوع ويد الآخر من المرفق ثم يقتلان لأن ألم القطع الأول واصل إلي الجسد كله".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا توالت جنايتان فأزالت الثانية منهما محل الأولى, مثل أن يقطع أحدهما يده من مفصل الكوع, ويقطع الثاني بقيتهما من الكتف أو المرفق أو يقطع أحدهما إصبعه ويقطع الثاني بقية كفه, أو يكون مثل ذلك في قطع القدم والساق, ثم يموت المقطوع ودمه سائل, فمذهب الشافعي أنهما قاتلان, وعليهما القصاص في الطرف وفي النفس.
وقال أبو حنيفة: الأول قاطع يجب عليه القصاص في اليد دون النفس.
والثاني: يجب عليه القصاص في النفس دون اليد, احتجاجا بأن السراية تحدث عن محل الجناية, فإذا زال محلها زالت سرايتها لانقطاع مادتها, ألا ترى أن سراية الأكلة تزول بقطع محلها, فصار انقطاعها كالاندمال, وصار الثاني الكمنفرد, أو الموجيء فوجب أن يكون هو القاتل دون الأول.
ودليلنا هو أن يموت بالسراية حادث عن ألمها, وألم القطع الأول قد سرى في الحال إلي الجسد كله قبل القطع الثاني, فانتقل محله إلي القلب الذي هو مادة الحياة فإذا حدث القطع الثاني أحدث ألمًا ثانيًا زاد على الألم الأول, فصار الموت حادثًا عنهما لا عن الثاني منهما, كمن سجر تنورًا بنار حمى ثم أخرج سجاره وسجره بأخرى تكامل حماه بهما لم يكن تكامل الحمى منسوبًا إلي السجار الثاني, وإن زال السجار الأةل' بل كان منسوبًا إليهما, كذلك تكامل الألم في القلب لم يكن بالقطع الثاني دون الأول, بل كان بالثاني والأول.
فإن قيل: فزيادة الألم منقطعة وزيادة الألم الثاني مستديمة, فيجب أن يكون الموت منسوبًا إلي الألم الثاني لاتصال مادته دون الألم والأول لانقطاع مادته عنه جوابان:
أحدهما: أن هذا يقتضي زيادة الألم الثاني وقلة الأول, وليس اختلافهما في القلة
والكثرة مانعًا من تاسويهما في القتل, كما لو جرحاه فكانت جراحة أحدهما أكثر ألمًا كانا سواء في قتله.
والثاني: أن انقطاع أسباب الألم لم يمنع من مساواة ما بقيت أسبابه في إضافة القتل إليهما, كما لو ضربه أحدهما بخشبة وجرحه الآخر بسيف كانا شريكين في قتله, وإن كان أثر الخشبة مرتفعًا وأثر السيف باقيًا, وفي هذين الجوابين دليل في المسألة وانفصال عن الاعتراض وما ذكروه من قطع الأكلة لانقطاع سرايتها فالمقصود به قطع الزيادة دون الإزالة, وأن لا يسري إلي ما داوزه, وأما الاندمال فلا يكون إلا بعد زوال الألم والقطع لا يزيل الألم وإنما يقطع زيادته فافترقا.
وأما التوجئة فلا بقاء للنفس معها, فارتفع بها حكم السراية, وناظرتي في هذه المسألة القاضي أبو بكر الأشعري, وقد استدللت فيها بما تقدم, فاعترض عليّ بأن الألم عرض لا يبقى زمانين فاستحال أن يبقى مع انقطاع مادته فأجبته عنه بأن الألم لما وصل إلي القلب صار محلًا له, فتوالت منه مواده كما يتوالى من محل القطع.
فصل:
فإذا ثبت أنهما قاتلان فللولي أن يقتص من الأول, فيقطع يده بالجناية ويقتله بالسراية, فأما الثاني فإن كان أقطع الكف فللولي أن يقطع ذراعه من المرفق بالجناية ويقتله بالسراية, وإن كانت كفه باقية على ذراعه جاز له أن يقتله, وفي جواز قطع ذراعه قبل قتله قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه ها هنا يجوز, لأن المقصود به إفاته نفسه فلم تعتبر زيادته.
والثاني: لا يجوز أن يقطع؛ لأنه إيجاب قصاص فيما ليس فيه قصاص, وهكذا كل جرح إذا انفرد لم يقتص منه كالجائفة والمأمومة إذا صارتا نفساً, ففي جواز القاص منه عند إرادة قتله قولان:
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا تشاح الولاة قيل لهم لا يقتله إلا واحد منكم فإن سلمتم لواحد أو لأجنبي جاز قتله وإن تشاححتم أقرعنا بينكم أيكم خرجت قرعته خليناه وقتله ويضرب بأصرم سيف وأشد ضرب".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة وهي تشتمل على فصلين:
أحدهما: صفة القصاص وقد استوفيناه, وذكرنا أنه إن كان في طرف استوفاه الإمام, وإن كان في نفس استوفاه الأولياء.
والثاني: في مستحقه من الأولياء وهو معتبر بأحوالهم وهم ثلاثة أصناف:
أحدهما: أن لا يكونوا من أهل القصاص وقد بيناهم.
والثاني: أن يكونوا من أهل القصاص وقد بيناهم.
والثالث: أن يكون بعضهم من أهله, وبعضهم من غير أهله فإن كانوا جميعاً من غير أهله كانوا إذا جاز أمرهم بالخيار بين أن يوكلوا من يختارونه من أهل القصاص, وبين أن يفوضوه إلي الإمام لييستنيب لهم من يختاروه, وإن كان بعضهم من أهله وبعضهم من غير أهله خرج منهم من كان من غير أهله, وبقي أهله هم المباشرون له ويكون التنازع فيه مقصورًا عليهم, فإن قال من ليس من أهله انا أدخل في التنازع لأستنيب من يباشره احتمل وجهين:
أحدهما: له ذلك لمشاركته لهم في الاستحقاق.
والثاني: ليس له ذلك, لأنه موضوع للتشفي, فكان مباشرة المستحق له أولى من مباشرة النائب عن مستحقه, وإن كانوا جميعاً من أهله لم يجز أن يشتركوا في استيفائه, لأنه قتل واحد لم يقتص منه إلا واحد وتولاه أحدهم, فإن فوضوه إلي واحد منهم كان أحقهم باستيفائه, والأولى أن يختاروا أشدهم وأقواهم وأدينهم, فإن عدلوا عنه إلي أدونهم جاز, وإن تنازعوا فيه وتشاجروا عليه أقرع بينهم, فإذا جرخت القرعة لأحدهم صار أحقهم باستيفائه, لكن لا يجوزن أن يستوفي القصاص بعد خروج قرعته إلا عن إذن من جميعهم؛ لأن الإقراع بينهم لا يكون إذنًا منهم في الاستيفاء, وإنما يتعين به مباشرة الاستيفاء, ويكون الاستيفاء موقوفًا على اتفاقهم.
باب القصاص بغير السيف
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وإن طرحه في نار حتى يموت طرح في النار حتى يموت".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في وجوب القصاص في القتل بجميع ما يقتل مثله من حديد وغير حديد, وذكرنا خلاف أبي حنيفة في أن لا قصاص إلا في القتل بالحديد والنار, ولا قود في القتل بمثقلات وغيرها إلا بمثقل الحديد وحده, فأما استيفاء القصاص فمعتبر بحال بالقتل, فإن كان بالحديد لم يجز أن يستوفي القصاص إلا بمقله, وإن كان بغير الحديد كان الولي مخيرًا في استيفائه بمثله أو بالحديد.
وقال أبو حنيفة: إذا قتله بمثقل الحديد أو بالنار لم يجز أن يستوفي القصاص منه إلا بمحدد الحديد دون مثقله, ودون النار, استدلالًا بما رواخ سعيد بن المسيب عن أبي
هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا قود إلا بالسيف".
وروي عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا قود إلا بحديدة".
وروي أن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه حرق قومًا بالنار ادعوه إلها فقال له ابن العباس: لو كنت أن لم أقتلهم إلا بالسيف, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يعذب بالنار إلا رب النار", ولأن استحقاق القتل يمنع من استيفائه بغير السيف كالمرتد وكالقاتل بالسيف, ولأن تقويت النفوس المباحة لا يجوز إلا بالمحدد كالذبائح, مع أن نفوس الآدميين أغلظ حرمة من نفوس البهائم.
ودليلنا قوله تعالى" ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]
وقال تعالى: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]
وروى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه".
وروى أنس أن رجلًا من اليهود شدخ رأسه جارية من الأنصار فقتلها, وأخذ من حليها, فأمر به رسول الله فشدخ رأسه بين حجرين حتى قتل, ولأن كل آله قتل مثلها جاز استيفاء القصاص بمثلها الكسيف.
ولأن القصاص موضوع للماثلة وهي معتبرة في النفس فكان أولى أن تعتبر في ألة القتل.
ولأن القتل مستحق لله تعالى تارة للآدميين تارة, فلما تنوع في حق الله تعالى نوعين بالحديد تارة, وو بالمثقل في رجم الزاني المحصن, وجب أن يتنوع في قوق الآدميين نوعين بمثقل وغير مثقل.
وتحريره قياسًا: أحد القتيلين فوجب أن يتنوع استيفاء نوعين كالقتل في حقوق الله تعالى.
فأما الجواب عن قوله: "لا قود إلا بالسيف".
وقوله: "إلا بحديدة", فمحمول على القتل إذا كان بسيف أو حديدة, ورواية ابن عباس: "أن لا يعذب بالنار إلا رب النار" فوارد في غير القصاص, لأن القصاص مماثلة ليس بعذاب, وإنما هو استيفاء حق, وكذا الجواب عن قياسهم على قتل المرتد.
وأما قياسه على الذبائح مع فساده يرجم الزاني المحصن فالمعنى فيه: أن المماثلة غير معتبرة فيه, وأن المحل الذبح معين, فجاز أن تكون الآلة معينة, ولما اعتبرت المماثلة بمحل الجناية اعتبرت بمثل آلتها.
فصل:
فإذا ثبت اعتبار المماثلة في القصاص بكل ما يقتل بمثله, فهو على العموم بكل ما قتل, إلا بثلاثة أشياء:
أن يقتل بالسحر, أو باللواط, أو يسقي الخمر, فلا يقتل بالسحر وإن قتل ولا يقتل باللواط وإن لاط به, ولا يقتب بسقي الخمر وإن سقاه, ويعدل إلي قتله بالسيف.
وحكي عن أبي إسحاق المروزي: أنه يقتل في قتل اللواط بإيلاج خشبة, وفي سقي الخمر بسقي الخل, وهذا فاسد, لأنه لما تعذرت المماثلة لحظرها على الفاعل والمفعول به, ولم يكن في العدول عنها مماثلة, كان السيف أحق, فأما إذا قتل بالسم المهري احتمل القصاص بمثله وجهين:
أحدهما: جوازه اعتبارًا بإمكانه.
والثاني: لا يجوز لأمرين:
أحدهما: أنه لا يمكن غسله, كذلك وهو حق لله تعالى علينا.
والثاني: أنه ربما تعدى ذلك إلي من باشر غسله وتكفينه.
فصل:
نبدأ بما بدأ به المزني من حرقه بالنار, فيكون الولي بالخيار بين أن يعدل عن حرقه بالنار إلي قتله بالسيف, فله ذاك؛ لأنه أوجى وأسل, فيضرب عنقه, ولا يعدل عنه, فإن عدل عن العنق إلي غيره من جسده أساء وغرر, وقد استوفي قصاصه, وإن أراد أن يقتص منه بإحراقه بالنار كان له, وروعي ما فعله الجاني من إحراقه فإنه على ضربين:
أحدهما: أن يكون قد ألقى عليه نارًا, فيكون الولي بالخيار بين أن يلقى عليه النار حتى يموت وبين إلقائه في النار, لأنه أوجى.
والثاني: أن يكون قد ألقاه في النار, فلوليه أن يلقيه في النار, وليس له أن يلقى عليه النار, لأنه أغلظ عذابًا, وإذا ألقاه في النار كان له أ، يلقيه في مثلها, وما هو أكثر منها, وليس له أن يلقيه فيما هو أقل منها, لأنه أغلظ عذابًا, كما لو لو قتله بسيف, كان له أن يقتله بمثله وما هو أمضى, وليسه له أن يقتله بما هو أقل, ويخرج من النار إذا مات قبل أن يشوي جلده, ليمكن غسله وتكفينه, ولا تماثل بالمحرق إن أكلته النار لما علينا من استيفاء جسده في حقوق الله تعالى.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن ضربه بحجر فلم يقلع عنه حتى مات أعطي
وليه حجرًا مثله فقتله به, وقال بعض أصحابنا, إن يمت من عدد الضرب قتل بالسيف".
قال الماوردي: إذا قتله بحجر يقتل مثله في الغالب على ما قدمناه وجب عليه القود بمثله, وكان لوليه الخيار إن شاء عدل إلي الاقتصاص منه بالسيف, لأن أوجى, وإن شاء رماه بحجر مثله في مثل الموضع الذي رماه من بدن المقتول إن كان في الرأس رماه على رأسه, وإن كان في الظهر رماه على ظهره, وإن كان في البطن رماه على بطنه, ولا يعدل عن موضع الرمي إلي غيره, فإن رماه بمثل ما رمى فمات فقد استوفي حقه, وإن لم يمت ففيه قولان:
أحدهما: يوالي رميه بالحجر ويكرره حتى يموت أن ينتهي إلي حالة يعلم قطعًا أنه يموت منها, ولا تطول حياته بعدها, فيمسك عنه كما يمسك عن المضروب العنق إذا بقيته فيه حياة, ولو قتله برميه حتى يموت كان له وجه كالزاني.
والثاني: أن يعدل إلي قتله بالسيف إذا لم يمت من رميه بمثل ما رمى, لأن السيف أوجى, وهكذا لو كان قد ضربه بعصا حتى مات ضرب بمثلها وبمثل عددها, فإن ضربه ذلك العدد فلم يمت كان على قولين: أحدهما: يوالي عليه الضرب حتى يموت.
والثاني: يعدل إلي قتله بالسيف إذا لم يمت من رميه بمثل ما رمى, لأن السيف أوجى, وهكذا لو كان قد ضربه بعصا حتى مات ضرب بمثلها وبمثل عددها, فإن ضربه ذلك العدد فل يمت كان على قولين:
أحدهما: يوالي عليه الضرب حتى يموت.
والثاني: يعدل إلي قته بالسيف, ولو ألقاه من جبل حتى تردى فمات, من جدار أو سطح دار وأراد الولي قتله فعل, وإن أراد إلقاءه من مثل ذلك الموضع فعل, فلم يمت فعلى قولين:
أحدهما: يوالي عليه الضرب حتى يموت.
والثاني: يعدل به إلي قتله بالسيف, فلو ألقاه من جدار فتلقاه رجل من الأرض بسيفه فقده نصفين روعي مدى العلو, فإن كان مما يجوز أن يعيش من ألقى منه فالمستقبل له بسيفه هو القاتل, وإن كان ذلك المدى بعيد لا يجوز أن يعيش من ألقى منه ففيه وجهان:
أحدهما: أن الملقي هو القاتل, لأنه بإلقائه كالموجاء.
والثاني: أن المستقبل له بالسيف هو القاتل, لمباشرة التوجئة.
مسألة:
قال مزني: "هكذا قال الشافعي رحمه الله في المجوس بلا طعام ولا شراب
حتى مات إنه يحبس فإن لم يمت في تلك المدة قتل بالسيف".
قال في الحاوي: أما إذا أراد الولي أن يعدل عن حبسه إلي قتله بالسيف كان له, ليس في اختلاف المحابس زيادة, ثم لا يخلو حاله إذا حبس من ثلاثة أحوال:
أحدهما: أنه يموت كأنه قد حبس المقتول عشرة أيام مات فيها, فحبس هو فمات في خمسة أيام, فالواجب إخراجه ليواري ويدفن, ولا يترك بقية بالمدة فيتغير لحمه.
والثانية: أن يموت في مثلها فقد تساويا في المدة والتلف.
والثالثة: أن يحبس مثل تلك المدة فلا يموت فيها ففيه قولان:
أحدهما: يستدام حبسه حتى يموت.
والثاني: يقتل بالسيف بعد انقضاء المدة.
فصل:
فإن حبسته في بيت مفعى فنهشته أفعى فمات نظر, فإن كانت أفاعيه تغيب عنه وتعود إليه فلا ضمان عليه, وإن كانت مقيمة فيه نظر حال البيت, فإن كان واسعًا يزيد على طول الجبة ومنتهى نفخها فلا ضمان عليه, لتمكنه من البعد عنها إذا قربت, وإن كان ضيقًا يقصر عن طولها ومدى نفخها روعي البيت, فإن كان فيه كوى ونقاب تتسرب فيه الأفاعي فلا ضمان عليه, لأن من عادة الأفعى أن تغيب عن مشاهدة الإنسان, وإن كان مسلمًا لا كوة فيه ولا نقبل فعليه ضمان ديته, ولا قود عليه في نفسه, لأنه كعمد الخطأ إلا أن نهشته الأفعى بيده وهي من الأفاعي القاتلة بيجب عليه القود واختلف أصحابنا فيما يقاد به على وجهين:
أحدهما: يقاد بالسيف؛ لأن الأفاعي غير متماثلة ولا نهشاتها متساوية.
والثاني: أن يقاد بإنهاش الأفعى له, فإن كانت تلك الأفعى موجودة لم يعدل إلي غيرها, وإن فقدت التمس مثلها, فإن نهشته فمات فقد استوفي, وإن لم يمت فعلى قولين:
أحدهما: يعاد عليه نهشها حتى يموت.
والثاني: يقتل بالسيف.
فأما إذا حبسه في بيت مع سبع حتى افترسه فهذا قاتل, لأن ضراوة السبع طبع لا تزول في الأغلب, وفي القود منه بإضرار السبع عليه وجهان, على ما ذكرنا في نهشه الأفعى لعدم التماثل في الجناية والقود, ويمنع السبع من أكل لحمه بعد قتله لحرمته.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وكذا قال لو عرفه في الماء وكذلك يقليه في مهواة في
البعد أو مثل سدة الأرض وكذا عدد الضرب بالصخرة فإن مات وإلا ضربت عنقه فالقياس على ما مضى في أول الباب أن يمنعه الطعام والشراب حتى يموت كما قال في النار والحجر والخنق بالحبل حتى يموت إذا كان ما صنع بع من المتلف الوحي".
قال في الحاوي: وهو صحيح مولى الغريق بالخيار بين قتل المغرق بالسيف لأنه أوجى وبين تغريقه؛ لأن المماثلة في التغريق ممكن, ويجوز أن يغرقه في ذلك الماء وفي غيره, فإن غرقه في ماء ملح كان له أن يغرقه في ماء الملح وفي العذب؛ لأن العذب اسهل, وإن غرقه في العذب لم يجز أن يغرقه في الملح, لأنه أشق, وإن كان يححسن العوم ربط حتى لا ينجو منه ثم يخرج بعد موته حتى يصلي عليه ويواري, سواء فعل ذلك بالغريق الأول أو لم يفعل, فإن كان في مالء من حيتانه ما يأكل غرقًا, فإن لم يأكل الحيتان الغريق الاول لم يلق المقتص منه إلا في ماء يؤمن ان يأكله حيتانه, وإن أكلته الحيتان ففي جواز إلقائه فيه لتأكله حيتاه وجهان إذا اقتصرت الحيتان على إفاتة نفسه دون استهلاك جسده, فإن استكلته لم يجز لوجوب حق الله تعالى في مواراة جسده.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قطع يديه ورجليه فمات فعل به الولي ما فعل بصاحبه فإن مات وإلا قتل بالسيف".
قال في الحاوي: وهذا صحيح ولي المقطوع يداه ورجلاه إذا سرت إلي نفسه بالخيار بين ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يضرب عنقه, فيجوز له ذلك باتفاق, لأن النفس يقتص من تلفها بالسراية كما يقتص من تلفها بالتوجيه.
والثانية: أن يقتص من يديه ورجليه ويعفو عن القصاص في النفس فيجوز, لأن لما كان الاقتصاص منها مع عدم السراية كان مع السراية أولى, فإن اقتص وعفا عن النفس إلي الدية لم يستحقها, لأنه قد استوفي بقطع اليدين والرجلين أكثر منها, وهذا من المواضع النادرة التي يجوز أن يقتص فيها من النفس ولا يملك ديتها, وقال أو حنيفة: إذا عفا عن النفس بعد الاقتصاص من الطرف لزمته دية الأطراف, استدلالًا بأن الأطراف تبع للنفس, فإذا سقط بالعفو القصاص في النفس التي هي أصل سقط في الأطراف التابعة لها, لأن القصاص لا تبعض فصار آخذًا لها بغير قصاص, فلزمه ديتها, ولا دية عليه عند الشافعي للأطراف مع العفو عن النفس.
وبه قال أبو يوسف, ومحمد.
ودليلنا هو أن ما لم يضمن من الأطراف إذا اندملت فأولى أن لا يضمن إذا سرت,
لأن القصاص في النفس يسقط بالاندمال كما يسقط بالعفو, ولأنهما حقان يستوفي كل واحد منهما إذا انفرد, فجاز مع العفو عن أحدهما أن يستوفي الآخر منهما كالطرفين المختلفين, وكالدين, وإذا جاز ذلك سقط فيه الضمان.
والجواب عن استدلاله بدخول الأطراف في النفس: هو أن حكم كل واحد منهما قد ينفرد عن الآخر فلم يصر بعضًا منه ولا تابعًا له.
والثالثة: أن يقتص من اليدين والرجلين ثم يقتله قصاصًا من نفسه, فيجوز له ذلك عندنا.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يجمع بين القود في الأطراف والنفس, ويقتص من نفسه دون أطرافه, استدلالًا بأن للطرف بدلين القود والدية, فلما دخلت دية الأطراف في دية النفس, وجب أن يدخل قود الأطراف في قود النفس, لأنه أحد البدلين فأشبه الدية.
ودليلنا: هو أن كل طرف اقتص منه لو انفرد عن النفس جاز الاقتصاص منه وإن اقتص من النفس, كما لو قتل النفس بالتوجئة, كذلك إذا قتلها بالسراية, فإن أبا حنيفة يوافق إذا عاد إليه فذبحه بعد قطع أطرافه أنه يقتص من نفسه وأطرافه, وإنما يخالف في ذهاب النفس بالسراية إلي القصاص فيما يسقط القصاص في الأطراف, وإن كان أبو يوسف يسوي بينهما, ويسقط القصاص من الأطراف فيهما, ثم يقال لأبي حنيفة: إذا لم يسقط القصاص في الأطراف بالتوجئة التي لم تحدث عن الأطراف فلأن لم تسقط بالسراية الحادثة عن الأطراف أولى, ولأن المماثلة في القصاص مستحقة, والأطراف بالأطراف أشبه بالمماثلة من النفس بالأطراف.
والجواب من قياسهم على الدية فساده بالقتل توجئة هو أن القصاص أوسع حكمًا من الدية, لأن الجماعة لو قتلوا واحدًا قتلوا به جميعًا, وإن لم يجب عليه مع العفو إلا دية واحدة.
فصل:
فإذا ثبت أنه يقتص من أطرافه ثم من نفسه فإن للولي أن يستوفي القصاص من النفس وفي جواز مباشرته لقطع الأطراف إذا اتصلت بالنفس وجهان:
أحدهما: لا يجوز كما لو انفردت, ويستنيب من يستوفي له القصاص في الأطراف.
والثاني: يجوز لاتصالهما بالنفس أن يستوفيها, وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف قوليه في الجوائف إذا صارت نفسًا, هل يقتص منها أم لا؟ على قولين: فلو كان الجاني حين قطع يد المجني عليه ورجليه جني عليه أجنبي فقطع يديه ورجليه كان للجاني أن يقتص ليديه ورجليه, أو يأخذ ديتهما, ويسقط عنه القصاص فيهما, لعدمهما, وكان ما أخذه من ديتهما إذا اقتص من نفسه خالصاً لورثته, وإن كان قطع يديه ورجليه مستحقًا
لأولياء قتيله, لأنهم استحقوها قصاصًا لا مالًا, وهكذا لو قطع أولياء المقتول يدي الجاني ورجليه قصاصًا ثم جني عليه أجنبي فقتله افتص منه في النفس, فإن عفا عنه كان عليه ما يلزمه من دية النفس, وهو أن ينظر قطع يديه ورجليه في القصاص إن اندملتا كان على ما قابله جميع الدية, وإن لم يندملا كان عليه نصف الدية, تختص بها ورثته, ولا شيء فيها لأولياء قتيله, لاستيفائهم بقطع يديه ورجليه أكثر من دية نفسه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو كان أجافه أو قطع ذراعه فمات كان لوليه أن يفعل ذلك به على أن يقتله فأما على أن لا يقتله فلا يترك وإياه.
وقال في موضع آخر: فيها قولان أحدهما هذا والآخر لا نقصه من ذلك بحال لعله إذا فعل ذلك به أن يدع قتله فيكون قد عذبه بما ليس في مثله قصاص.
قال المزني رحمه الله: قد أبى أن يوالي عليه بالجوائف كما والى عليه بالنار والحجر والخنق بمثل ذلك الحبل حتى يموت ففرق بين ذلك والقياس عندي على معناه أن يوالي عليه بالجوائف إذا والى بها عليه حتى يموت كما يوالي عليه بالحجر والنار والخنق حتى يموت.
قال المزني أولاهما بالحق عندي فيما كان في ذلك من جراح أن كل ما كان فيه القصاص أو بري أقصصته منه فإن مات وإلا قتلته بالسيف وما لا قصاص في مثله لم أقصه منه وقتلته بالسيف قياسا على كا قال في أحد قولي في الجائفة وقطع الذراع أنه لا يقصه منهما بحال ويقتله بالسيف".
قال في الحاوي: لا يخلو حال الجرح إذا صار نفسًا من أحد أمرين:
إما أن يكون موجبًا للقصاص إذا انفرد أو لا يوجبه, فإن أوجب القصاص إذا انفرد كالموضحة وقطع الأطراف من مفصل فيجوز أن يقتص منهما ومن النفس بعدها على ما مضى, وإن لم يوجب القصاص إذا انفرد عن النفس فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون موجبًا في الغالب كشدخ الرأس بالحجارة, فيوجب القصاص إذا صار نفسًا, وإن لم يوجبه إذا انفرد؛ لأنه موج في القصاص كما كان موجبًا في الجناية, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتص من اليهودي الذي شدخ رأس الأنصارية بشدخ رأسه.
والثاني: ما كان غير موج كالجائفة والمأمومة وقطع الأطراف من غير مفصل, فإذا صارت نفسًا جاز أن يقتص من النفس.
فأما الاقتصاص من الجوائف وقطع الأطراف من غير مفصل, فإن أراده مع عفوه عن القصاص في النفس, لم يجز, لأنه قد صار بالعفو عن النفس كالمنفرد عن السراية إلي النفس فلم يجز أن يقتص منه كالمنفرد, فإن أراد أن يقتص منه مع الاقتصاص من
النفس ففي جوازه قولان:
أحدهما وهو اختيار المزني لا يجوز, لأنه قد يعفو بعد الاقتصاص منهما عن النفس فيصير مقتصًا فيما لا قصاص فيه.
والثاني: يجوز أن يقتص منها لدخولها في النفس, فخالفت ما انفرد عنها, وليس ما يتوهم من جواز العفو عن النفس مانعًا من دخولهما في حكم النفس؛ لأنه قد يجوز لو أراد القصاص عن نفسه أن يعفو بعد حزّ رقبته بالسيف حزًا لا قصاص فيه, ثم يعفو بعد فعل ما لا قصاص فيه, ولا يمنع هذا التوهم من جواز القصاص في النفس كذلك في الجوائف, وفي هذا انفصال عما احتج به المزني للقول الأول.
فصل:
قال مزني: "قد أبى أن يوالي عليه بالجوائف كما والى عليه بالنار, والحجر والخنق بمثل ذلك الحبل حتى يموت ففرق بين ذلك إذا والى بها عليه... "
والقياس عندي على معناه أن يوالي عليه الجوائف والكلام على الفرق بين الجمع من وجهين:
أحدهما: أنه يقتص منه بالحجارة إذا صارت نفسًا قولًا واحدًا, وفي الاقتصاص من الجوائف إذا صارت نفسًا قولان:
والفرق بينهما: أن الحجارة موجية فجاز الاقتصاص بها, والجوائف غير موجئة فعدل عنها.
والثاني: أن الحجارة يجوز أن يوالي إلي التلف في أحد القولين, ولا يجوز أن توالي الجوائف إلي التلف قولًا واحدًا.
والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: ما قدمناه, وأن موالاة الحجارة موج وموالاه الجوائف غير موج.
والثاني: أن للحجارة تأثيرًا إذا أعيدت في مواضعها, ولا يجوز العدول بها إلي غير مواضعها, وإن تأثرت, وبالله التوفيق.
باب القصاص في الشجاج والجراح والأسنان
ومن به نقص أو شلل أو غير ذلك
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "والقصاص دون النفس شيئان جرح يشق وطرف يقطع".
قال في الحاوي: قد مضى القصاص في النفس وهو فيما دون النفس واجب
كوجوبه في النفس, لقول اللع تعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة 179] ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة 194] ولقوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والأَنفَ بِالأَنفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة 45] فجمعت هذه الآية عموم القصاص فيما استحق من الوجوه الثلاث, وهي القصاص في النفس والقصاص في الأطراف, والقصاص في الجروح, ولا قصاص فيما عداهما, وهي ضربان:
أحدهما: ما أوجب الأرش دون القصاص إما بمقدر كالجائفة أو بغير مقدر كالحارضة.
والثاني: ما لا يوجب أرشًا ولا قصاصًا كالضرب الذي لا أثر له في الجسد, فصارت الجنايات على خمسة أقسام, يجب القصاص منها في ثلاثة, والأرش في أربع, والعفو عنه في الخامس, وفيه يستحق التعزيز أدبًا.
فإذا ثبتت هذه الجملة فالمكافأة في القصاص على ضربين:
أحدهما: في الأحكام.
والثاني: في الأوصاف.
فأما المكافأة في الأحكام فهو اعتبار التكافؤ في الحرية والإسلام, فهذا معتبر في جميع ما يجب فيه القود من الأقسام في النفوس والأطراف والجراح, فإذا منع الرق والكفر من القصاص في النفس منع منه في الأطراف والجراح, فلا يؤخذ حر ولا مسلم بطرف عبد ولا كافر وكذلك في الجراح.
وأما المكافأة في الأوصاف فتقسم ثلاثة أقسام:
أحدهما: في الصحة والمرض.
والثاني: في الزيادة والنقصان.
والثالث: في الصغر والكبر, فلا يعتبر واحد من هذه الأقسام الثلاثة في القصاص من النفس, فيقتص من الصحيح بالمريض, ومن المريض بالصحيح, ومن الكامل بالأقطع, ومن الأقطع بالكامل, ومن السليم بالأشل, ومن الأشل بالسليم, ومن الأعمى بالبصير ومن البصير بالأعمى, ومن الكبير بالصغير, والعاقل بالمجنون, ولا يقتص من الصغير والمجنون بالكبير, ولا بالعاقل, لارتفاع القلم عنهما بالصغر والجنون.
وأما الأطراف فيعتبر في القصاص منها السلامة من النقصان والزيادة, ولا يعتبر فيها الصحة والمرض, ولا الصغر والكبر, فلا يجوز أن تؤخذ اليد الكاملة الأصابع باليد الناقصة الأصابع, ولا اليد الزائدة الأصابع باليد الكاملة حتى يقع التساوي في الزيادة والنقصان وتؤخذ اليد الكبيرة باليد الصغيرة, واليد الصغيرة باليد الكبيرة, واليد الصحيحة باليد المريضة إذا سلمت من شلل, ويأخذ اليد المريضة إذا سلمت من شلل باليد الصحيحة, ولا تؤخذ سليمة بشلاء, وتؤخذ الشلاء بالسليمة إذا رضي مستحق القصاص بها.
وأما الجراح فيعتبر في القصاص فيها الصغر والكبر والزيادة والنقصان, فلا يؤخذ بالصغير إلا صغيرًا, وبالناقص إلا ناقصًا, وبالكبير إلا كبيرًا على ما سنذكره.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإذا شجه موضحة فبراء حلق موضعها من رأس الشاج ثم شق بحديدة قدر عضها وطولها فإن أخذت رأس الشاج كله ويبقى شيء منه أخذ منه أرضه".
قال في الحاوي: وإذا قد مضى القصاص في النفس فما دونها ضربان: طرف يقطع بطرف, وجرح يشق بجرح.
فأما القصاص في الأطراف فقد مضى وجوبه, وسيأتي استيفاؤه.
وأما الجراح فقدم الشافعي فيه شجاج الرأس وهي إحدى عشرة شجة في قول الأكثرين: الحارصة والدامية والدامغة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق والموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة والدامغة.
فأما الحارصة: فهي التي تحرص جلد الرأس أي تكشطه ولا تدميه, مأخوذ من قولهم حرص القصاص الثوب: إذا شقه.
وتليها الدامية: وهي التي تخدش الجلد حتى يدمى, ولا يجري.
ثم تليها الدامغة: وهي التي يجري دمها كجريان الدموع.
ثم تليها الباضعة: وهي التي تبضع اللحم أي: تشقه.
ثم تليها المتلاحمة, وهي التي تغوص في اللحم, وقد يسميها أهل المدينة الباذلة؛ لأنها تبذل أي يشق فيها اللحم, ويحتمل أن تكون الباذلة بين الباضعة والمتلاحمة, وهي التي تبذل الدم منها فتكون أقوى من الدامغة, لأن دم الباذلة ما اتصل ودم الدامغة ما انقطع, وهذا أشبه بالمعنى والاشتقاق, فيصير الشجاج على هذا انتثي عشرة شجة.
ثم تليها السمحاق وهي التي تستوعب جميع اللحم حتى يصل إلي سمحاق الرأس, وهي جلدة رقيقة تغشي عظم ال {اس, مأخوذة من سماحيق البطن وهو الشحم الرقيق, وغير سماحيق إذا كان رقيقًا وقد يسميها أهل المدينة البلطاء, ومنهم من جعلها بين المتلاحمة والسمحاق فيصير الشجاج ثلاث عشرة شجة.
ثم يليها الموضحة: وهي التي توضح عظم الرأس حتى يظهر ثم تليها الهاشمة: وهي التي تزيد على الموضحة حتى تهشم العظم, أي تكسره, ومنهم من يجعل بين الموضحة والهاشمة شجة تسمى المفرشة, وهي التي إذا أوضحت صدعت الرأس ولم
تهشمه, فيصير شجاج الرأس على هذا أربع عشرة شجة.
ثم يليها المنقلة: وهي التي تزيد على الهاشمة بنقل العظام من مكان إلي مكان.
ثم تليها المأمومة, ويقال لها الأمة: وهي التي تصل إلي أم الدماغ, وهي جلدة رقيقة محيطة بالدماغ, ثم تليها الدامغة, وهي التي خرقت غشاوة الدماغ حتى وصلت إلي مخه.
فهذه إحدى عشرة شجة في قول الأكثرين منها ستة قبل الموضحة وأربعة بعدها وهي أربع عشرة شجة في قول آخرين, منها ثمانية قبل الموضحة, وخمسة بعدها, وليس فيما قبل الموضحة قصاص, وفيها أرش مقدر إلا المفرشة على قول من زادها ففي الزيادة على الموضحة منها حكومة غير مقدرة.
فأما الموضحة فيجتمع فيها القصاص إن شاء والأرش المقدر إن عدل إليه على ما سنذكره, فصارت الشجاج منقسمة على هذه الأقسام الثلاثة:
قسم لا قصاص فيه ولا يتقدر أرشه, وهو ما قبل الموضحة, ويجب فيه حكومة على ما سنذكره من حكمها.
وقسم لا يجب فيه القصاص ويتقدر أرضه وهو بعد الموضحة فيجب في الهاشمة عشر من الإبل, وفي المنقلة خمسة عشرة بعيرًا, وفي المأمومة ثلث الدية, ثلاثة وثلاثون بعيرًا وثلث, وكذلك في الدامغة, وكتاب أبي العباس بن سريج يجعل الدامغة والمأمومة سواء, ويجعلها الدامغة غير معممة وهي الثالثة التي تلي الدامية, ولقوله وجه, لأنها لو زادت على المأمومة لزادت على أرشها.
وقسم يجب فيه القصاص ويتقدر أرشه وهو الموضحة يجب فيها خمس من الإبل.
فصل:
فإذا أراد القصاص من الموضحة فيقدر اعتبارها من رأس المشجوج فاعتبر فيها ثلاثة أشياء:
أحدهما: موضعها من رأسه هل هي في مقدمه, أو مؤخره, أو عن يمينه, أو عن يساره وفي يافوخه أو هامته, أو قرعته, لاستحقاق المماثلة في محلها, فلا يؤخذ مقدم بمؤخر ولا مؤخر بمقدم ولا يمنى بيسرى, كما لا يؤخذ يمنى اليدين بسراها.
والثاني: أن يقدر ما بين طرفيها طولًا لئلا يزاد عليها أو ينقص منها, لأن الزيادة عليها عدوان والنقص منها بخس.
والثالث: أن يقدر ما بين جانبيها عرضًا؛ لأنه قد يوضح بالشيء الغليظ فتعوض الموضحة ويوضح بالشيء الدقيق فيقل عرضها فيعتبر من موضحه المشجوج لهذه الأمور الثلاثة, ولا يعتبر عمقها, لأن المقصود في الموضحة الوصول إلي العظم فسقط اعتبار
العمق, لأنه قد تغلظ جلدة الرأس من بعض الناس وترق من آخر, فصار عتق الرأس في سقوط اعتباره جاريًا مجرى مساحة الأطراف التي لا تعتبر في القصاص, ثم لا يعدل بعد ذلك إلي الشجاج فيحلق شعر رأسه, سواء كان المشجوج أشعرًا أو محلوقًا؛ لأن المماثلة في استيفاء القصاص لا تتحقق إلا بمعرفة موضعها عن رأس المقتص منه, فيعلم في رأس الشاج ما قدمنا اعتباره من رأس المشجوج, وهو موضعها, وطولها, وعرضها, ويخط عليه بسواد أو حمرة, ويبضع القصاص بالموسى, ولم يضرب بالسيف وإن كان الجاني شج بالسيف؛ لأن ضرب السيف ربما هشم ولا يستوفيه المشجوج بنفسه ويستنيب فيه من يؤمن تعديه, فإن لم يستنيب ندب الإمام مأمومًا ينوب عنه في استيفائه.
فصل:
فإذا تقرر ما يعتبر في الاقتصاص فيها لم يخل حالها من أن تكون في بعض الرأس أو في جميعه.
فإن كانت في بعضه اقتص بقدرها في محلها من رأس الشاج, وإن كانت في جميعه قد أخذت طولًا ما بين الجبهة والقفا, وأخذت عرضًا ما بين الأذنين, لم يخل رأس الشاج والمشجوج من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتماثل رأساهما في الطول والعرض, فاستيعاب القصاص ممكن, فإذا كانت طولًا مابين الجبهة والقفا اقتص من الشاج طول رأسه من جبهته إلي قفاه, واختلف أصحابنا في هذه القصاص على وجهين:
أحدهما: أنه يبدأ به من الموضع الذي بدأ به الجاني, إما من ناحية الجبهة أو القفا ليماثل في الابتداء كما يماثل في الاستيفاء, فإن أشكل رجع إلي الجاني دون المجني عليه.
والثاني: وهو أصح وبه قال جمهور أصحابنا: إن المستوفي له القصاص مخير في الابتداء بأي الموضعين شاء, لأن له أن يقتص من بعضها في أي الموضعين شاء.
والقسم الثاني: أن يكون رأس المشجوج أصغر من رأي الشاج, فيستوفي بمقدارها من رأس الشاج, ويترك له باقي رأسه بعد استيفاء مقدار رأس المشجوج.
مثاله: أن يكون طول رأس الشاج عشرين إصبعًا, وطول رأس المشجوج خمسة عشر إصبعًا, فيقتص من رأس الشاج قدر خمسة عشر إصبعًا ويبقى من رأسه مقدار خمس أصابع لا قصاص عليه فيها, لفضلها بعد استيفاء القصاص, ويكون محل هذا المتروك بناء على ما قدمناه من الوجهين من الابتداء بموضع القصاص.
فإن قيل: بالوجه الأول إنه يبدأ في القصاص بالموضع بداية الجاني نظر, فإن بدأ بمقدم الرأس كان المتروك من مؤخره, وإن بدأ بمؤخره كان المتروك من مقدمه.
وإن قيل: بالوجه الثاني الذي هو أصح أن المقتص له مخير في الابتداء بأي
الموضعين شاء كان بالخيار بين ثلاثة أحوال:
إما أن يستوفي قصاصه من مقدم الرأس, ويترك فاضله من مؤخره, أو يستوفيه من مؤخره, ويترك فاضله من مؤخره, أو يتسوفيه من مؤخره, ويترك فاضله من مقدمه, أو يستوفيه من وسطه ويترك فاضله من مقدمه ومؤخره, فإن أراد أن يستوفيه من طرفيه ويترك فاضله من وسطه لم يجز, لأنه إذا فصل بينهما صارتا موضحتين, ولا يجوز أن يقتص من موضحة بموضحتين, ويجيء على تخريج أبي علي بن أبي هريرة في دية هذا القاتل أن يجوز له ذلك ليجري على كل موضع من الجناية حكم الموضحة, وليس بصحيح, لما ذكرناه من التعليل.
والقسم الثالث: أن يكون رأس المشجوج أكبر من رأس الشاج.
مثاله: أن يكون طول رأس المشجوج عشرين إصبعًا, وطول رأس الشاج خمسة عشرة إصبعًا, فيستوعب في الاقتصاص طول رأس الشاج, وقدره ثلاثة أرباع الموضحة, فلا يستوفي الربع الباقي من الجبهة ولا من القفا, ولا يخرج من الرأس لأن كل ذلك في غير محل القصاص, كما لا يجوز أن يقتص في موضحة الوجه من الرأس, ولا في موضحة الرأس من الوجه, ويرجع على الجاني بقسط ذلك من أرش الموضحة وهو ربع أرشها؛ لأن الباقي منها ربعها, ولو كان الباقي منها ثلثها رجع بثلث أرشها, وخرج أبو علي بن أبي هريرة احتمال وجه ثانٍ, أنه يرجع عن الباقي منها بجميع أرش الموضحة, لأن أرض الموضحة يكمل فيها قل منها وكثر, وهذا فاسد, والفصل فيها أن اسم الموضحة ينطلق على صغيرها وكبيرها, فاستوي الأرش في جميعها, ولا ينطلق على الباقي من هذه الموضحة اسم الموضحة, وإنما ينطلق عليه اسم بعضها فلم يستحق فيه إلا بعض أرشها وهكذا لو كانت موضحة المشجوج بين قرني رأسه, وكان ما بين قرني رأس الشاج أضيق لم يجز أن يعدل بعد استيفاء ما بين القرنين إلي ما يجاوزهما.
وإن كان من جملة الرأس, لخروجه عن محل القصاص ورجع بقسطه من أرش الموضحة.
فصل:
فإذا استوفي القصاص على ما ذكرنا لم يعتبر بعد الاقتصاص اختلاف الشجتين قبل الاندمال, فلو اندمل جرح المشجوج شائنًا ظاهر العظم غير ملتحم الجلد واندمل جرج الشاج حسنًا قد تغطى لحمه والتحمه جلده فلا شيء للمشجوج في زيادة الشين لأن حقه كان في القصاص وقد استوفاه.
وكذلك لو انعكس فكان الشين في جراحة الشاج دون المشجوج, وكانت زيادة الشين هدرًا كما تكون سرايتها هدرًا, فلو تجاوز مستوفي القصاص مقدار الموضحة, وأحذ أكثر منها من رأس الشاج كان عليه القصاص في الزيادة إن عمد, وأرش الموضحة كاملة إن أخطأ, وهذا بخلاف الباقي من موضحة المشجوج حيث رجع من أرشها بقسط الباقي منها.
والفرق بينهما: أن مجاوزة القصاص إلي الزيادة لما أوجب اختلاف الحكم في المستحق والعدوان تميزًا, فصارت كل واحدة منهما موضحة غير الأخرى, فلذلك كمل أرشها وما نقص عن استيفاء لم يختلف حكمه في الاستحقاق والعدوان فلم يتميز, وصار موضحة واحدة فرجع بقسط باقيها من أرشها, فإن كانت الزيادة من اضطراب المستوفي منه عند القصاص كانت هدرًا, فلو اختلفا والحال مشتبه كان القول قول المستوفي؛ لأن الأصل براءة ذمته, ويحتمل وجهًا ثانيًا من المقلوف إذا قطع واختف في وجود جناية عند القطع أن يكون القول قول المستفاد منه إذا قيل في الملقوف أن القول قول وليه, وإن كان الفرق بينهما لائحًا, فلو كانت موضحة المشجوج قد وضح وسطها حتى تبرز العظم وتلاحم طرفاها حتى بقي عليه اللحم وجب القصاص فيما وضح عن العظم, والأرش دون القصاص فيما تلاحم من الطرفين, لأن المتلاحمة لما سقط فيها القصاص إذا انفردت سقط فيها إذا اتصلت بالموضحة وكانت حكومتها أقل من قسطها وأرش الموضحة لنقصانها عن حكم الموضحة.
فصل:
وإذا أوضحه موضحتين وأكثر, كان المشجوج مخير فيها بين ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يعفو عن الاقتصاص عن جميعها إلي الدية, فيستحق في كل موضحة أرشًا, كما يستوي فيه أرش ما صغر منها وما كبر, وسواء تقاربت أو تباعدت.
والثانية: أن يقتص من جميعها فيقاد في يوم واحد إن شاء أو في أيام شتى إلا أن يخاف على نفس الشاج إن اقتص من جميعها في يوم واحد, إما المرض أو شدة حر أو برد فلا يجمع عليه بين الاقتصاص من جميعها ويقتص من واحدة, فإذا اندملت اقتص من غيرها, وهكذا لو كانت الموضحة واحدة قد استوعبت طول الرأس وعرضه وخيف على نفسه إن اقتص من جميعها في يوم واحد جاز أن يفرق الاقتصاص منها, ويستوفي في وقت بعد وقت, ولو قيل: يستوفي الموضحة الواحدة في وقت واحد وإن خيف منها كما يقطع اليد قصاصًا وإن خيف منها كان لو وجه.
والثالثة: إن يقتص من بعضها ويعفو إلي الدية عن باقيها, فيكون مخيرًا في الاقتصاص من أيهما شاء من صغير وكبير شائن, ويرجع بأروش باقيها متساوية على أعدادها, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وكذا كل جرح يقتص منه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, والجراح ما كان في الجسد, والشجاج ما كان في
الرأس, وقد مضى حكم الشجاج في الرأس وأنه ينقسم إلي ثلاثة أقسام:
قسم يجب فيه القصاص, وأرش مقدر وهو الموضحة.
وقسم لا قصاص فيه ويجب فيه مقدر وهو ما فوق الموضحة, وهذا حكم شجاج الرأس وكذلك إذا كان في الوجه واللجين يكون في حكم شجاج الرأس وإن كان جرحًا, ويصير الوجه والرأس في حكم الشجاج والجراح, سواء يجب القصاص في موضحة الوجه والمقدر من الأرش فيجب في موضحة الوجه خمس من الإبل, وفي هاشمته عشر من الإبل, وفي منقلته خمس عشرة من الإبل.
فأما جراح البدن فتنقسم ثلاثة أقسام:
قسم يجب فيه مقدر ولا يجب فيه القصاص, وهو الجائفة الواصلة إلي الجوف, لا قصاص فيها, وفيها ثلث الدية.
وقسم لا قصاص فيه ولا مقدر وهو ماعدا الموضحة والجائفة من الباضعة والمتلاحمة؛ لأن ما لا يجب فيه من الرأس والوجه قصاص ولا مقدر فأولى أن لا يجب فيه من البدن قصاص, ولا مقدر, لشرف الرأس والوجه على جميع البدن, وأن الشين فيهما أقبح من الشين في سائر البدن.
والقسم الثالث: ما يجب فيه من القصاص ولا يجب فيه المقدر وهو الموضحة إذا كانت في ذراع أو عضد أو ساق أو فخذ يجب فيها القصاص لإمكانه كالرأس, وتجب حكومة ولا تحب فيها مقدر بخلاف الرأس لما ذكنراه من شرف الرأس وضبح شينه, هذا مذهب الشافعي ومنصوصه.
وقال كثير من أصحابه: لا قصاص في موضحة البدن, لأنها لما خالفت موضحة الرأس في الأرش المقدر خالفتها في القود, وهذا فاسد مذهبًا وحجاجًا.
أم المذهب فقول الشافعي في كتاب "الأم": إن الموضحة إذا كانت على الساق لم تصعد إلي الفخذ ولم تنزل إلي القدم, وإن كانت على الذراع لم تصعد إلي العضد ولم تنزل إلي الكتف.
وأما الحجاج: فهو: أنه لما كان في البدن جرح مقدر وهو الجائفة وجب أن يكون فيها مايوجب القصاص وهو الموضحة كالرأس.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو جرحه فلم يوضحه منه أقص منه بقدر ما شق من الموضحة فإن أشكل لم أقد إلا مما أستيقن".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن ما تقدم موضحة الرأس من الشجاج الستة وهي
الحارصة والدامية, والدامغة, والباضعة, والمتلاحمة والسمحاق, لا قصاص فيها, لأمرين:
أحدهما: أن مورها في اللحم وقصورها عن حد العظم يمنع من التماثل لعدم الغاية فيه كالجائفة.
والثاني: إن إثبات القصاص فيما دون الموضحة ينقص إلي أن يصير الاقتصاص منها موضحة لاختلاف الحلقة في جلدة الرأس لأنها تغلظ من قوم وترق من آخرين ولابد في الاقتصاص من تقدير عمقها حتى لا يتجاوز, وقد يكون عمقها من رأس المشجوج يبلغ إلي الموضحة من رأس الشاج, فنكون قد اقتصصنا من المتلاحمة بالموضحة وهذا غير جائز, فلهذين المعنيين سقط القصاص فيما دون الموضحة, هذا مذهب الشافعي, ومقتضى أصوله, وما نص عليه في كتاب "الأم" وغيره, وقال في كتاب "حرملة": لأن ذلك في لحم, غير أن المزني نقل عنه في هذا الموضع: "ولو جرحه فلم يوضحه اقتص منه بقدر ما شق من الموضحة", وظاهر هذا يقتضي وجوب القصاص فيما دون الموضحة, فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه وهم من المزني في نقله؛ لأن الشافعي لم يذكره في شيء من كتبه, وهذا لا وجه لأن المزني أضبط من نقل عن الشافعي وأثبتهم رواية.
والثاني: أن هذا محمول على قول ثان, فيكون القصاص فيما دون الموضحة على قولين.
والثالث: أنه ليس بقول ثان بخلاف نصه في جميع كتبه, وإنما هو محمول على استيفائه إذا أمكن, وهذا قول أبي إسحاق المروزي, وأبي علي بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا, فإن لم يكن فلا قصاص, وليس يمكن استيفاء القصاص منه إلا على وجه واحد, وهو أن يكون الشاج قد جرح المشجوج موضحة ومتلاحمة فينظر عمق المتلاحمة نصف أنملة علم أن المتلاحمة من رأسه هي نصف موضحة, فيقتص من رأس الشاج موضحة وينظر عمقها فإن كان أنملة فقد استوفي في عمق جلدة الرأس, فإذا أردنا الاقتصاص من المتلاحمة بعد الموضحة اقتص إل نصف أنملة من جلد رأسه, وإن كان رأس الشاج أرق جلدًا أو لحمًا وكان عمق موضحته نصف أنملة اقتص من متلاحمته ربع أنملة ليكون نصف موضحة كما كانت من المشجوج نصف موضحة, لا يمكن الاقتصاص منها إذا لم ينضم إليها موضحة في الجناية على المشجوج والقصاص من الشاج, وإذا تقدرت المتلاحمة في القصاص إما بالنصف على ما مثلناه, أو بالثلث إن نقص, أو بالثلثين إن زاد تقدر أرشها بقسطها من أرش الموضحة من نصف أو ثلث أو ثلثين, وإذا لم يتقدر المتلاحمة من الموضحة في القصاص لم يتقدر أرشها وكان فيها حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده كما يقدر حكومات سائر الجراح الذي
لا قصاص فيه ولادية على ما سنذكره.
وحكي أبو حامد الإسفراييني عن أبي إسحاق المروزي ولم أره في شرحه: أنه إذا أشكل مور المتلاحمة ولم يتحقق قدر عمقها اعتبر ما يتيقن قدر مورها, وما يشك فيه وجمع بينع وبين تقويم الحومة ليعتبر بيقين المور صحة التقويم في الحكومة ويعتبر بتقويم الحكومة حكم الشك في المور, فإذا تيقنا أن مور المتلاحمة نصف عمق الموضحة وشككنا في الزيادة عليه اعتبرنا تقويم الحكومة, فنجده لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون قدر نصف أرش الموضحة فيتفقان في وجوب النصف ويدل كل واحد منهما على صحة الآخر, ويكون الشك في زيادة المور مطرحًا بالتقويم.
والثاني: أن يكون تقويم الحكومة أكثر من نصف أرش الموضحة فيوجب ما زاد على نصف الأرش, ويكون التقويوم دليلًا على أن ما شككنا فيه من زيادة المور على النصف, قد صار بالتقويوم معلومًا.
والثالث: أن يكون تقويم الحكومة أقل من النصف ويستدل بيقين المورة على أن تقويم الحكومة خطأ, لأن اليقين لا يتغير بالاجتهاد ويستفاد بالتقويم إسقاط الشك فيما زاد على النصف والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وتقطع اليد باليد والرجل بالرجل من المفاصل".
قال في الحاوي: قد ذكرنا وجوب القصاص في الأطرف كوجوبه في النفوس؛ لأن الأطراف مفاصل يمكن المماثلة بها, فإذا قطه يده فله خمسة أحوال:
أحدها: أن يقطعها من مفصل الكوع فيقتص منها, وإن اختلفا في الصغر والكبر, والصحة والمرض إذا كانت سليمة من نقص أو شلل, فيقتص من الكبيرة بالصغيرة, ومن القوية بالضعيفة ومن ذات الصنعة والكتابة بغير ذات الصنعة والكتابة, كما يجري مثله في النفوس, ولا تؤخذ سليمة بشلاء, ولا كاملة بناقصة على ما سنذكره بعد.
والثانية: أن يقطعها من نصف الذراع فيقتص من كف القاطع ولا يقتص من نصف ذراعه لأمرين:
أحدهما: لأنه لا مفصل فيها فيستوفي وربما وقع التجاوز فيه.
والثاني: أنه قد ينشظا العظم إذا قطع ولا يتماثل في القاطع والمقطوع فإن قيل: قد وضعتم القطع في القصاص في غير موضع القطع من الجناية وليست هذه مماثلة قلنا: لما تعذرت المماثلة في موضع الجناية كان العدول إلي ما دونها إذا أمكنت لدخولها في الجناية, فإذا اقتص من كف الجاني أخذت منه حكومة في نصف الذراع لا يبلغ بها دية
الكف, ولو عفا المقطوع عن القصاص أعطى نصف الدية في الكف وحكومة هي أقل منها في نصف الذراع.
والثالثة: أن يقطعها من مفصل المرفق فيقتص من جميعها, ويقطع الجاني من مرفقه؛ لأنه مفصل لا يمكن فيه المماثلة, فإن عدل إلي الدية أعطى نصف الدية في كف وحكومة في الذراع, ولو طلب القصاص من الكف وأرش في الذراع في المرفق لم يجز بخلاف المقطوع من نصف الذراع, لأنه إذا أمكن في القصاص وضع السكين في محلها لم يجز أن يعدل بها عن محلها.
والرابعة: أن يقطع يده من المنكب فيقتص منها في المنكب, لأنه مفصل, فإن طلب القصاص من الكف أو المرفق وحكومة في الزيادة لم يجز لما ذكرنا, وإن عفا عن القود إلي الدية أعطي نصف الدية في الكف وحكومة في الذراع, والعضد يكون أقل من نصف الدية, فلو كان قد أجافه حين قطع يده من الكف لم يقتص من الجائفة, وأعطى أرشها ثلث الدية بعد الاقتصاص من المنكب.
والخامسة: أن يقطع يده من نصف العضد فيجب بالقصاص من المرفق لإمكانه فيه وتعذره في نصف العضد كما قلنا في قطعها من نصف الذراع, فإن طلب القصاص من الكف وأخذ حكومة في الزيادة أجيب, ويكون في القصاص مخيرًا بين أن يقتص من المرفق, لأنه أقرب إلي محل الجناية وبين أن يقتص من الكف للفرق بينهما بأن ما أمكن وضع السكين في القصاص في موضعها لأنه أقل وخالف الجناية من المرفق حيث لم يجز أن يقتص فيها من الكف في الجناية لم يجز العدول عنه, وإذا لم يمكن جاز وضعها فيما قرب منها, وإذا جاز وضعها في الأكثر جاز وضعها في الأقل.
فصل:
وهكذا القصاص في الرجل تنقسم على هذه الأحوال الخمس, فإن كانت من القدم اقتص منها, فتؤخذ القدم الكبيرة بالصغيرة, والماشية بغير الماشية, والصحيحة بالمريضة والمعتدلة بالعرجاء, والمستقيمة بالحتفاء فإن كانت في نصف الساق اقتص من القدم وأعطى حكومة في نصف الساق, وإن كانت من الركبة اقتص منها, لأنها مفصل, وإن كانت من نصف الفخذ اقتص من الركبة, فإن سأل من القدم أجيب وإن كانت من الورك اقتص منها, فإن سأل القصاص من الركبة والقدم لم يجب إليه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والأنف بالأنف".
قال في الحاوي: وهذا صحيح: القصاص في الأنف واجب بالنص, فإذا جدع أنفه من العظم حتى استوعب جميع مارنه اقتص منه بمثله, وقطع جميع مارنه ويقتص من أنف
الشام بأنف الأخشم, ومن الكبير بالصغير ومن الأقنى بالأفطس, ومن الصحيحة بالخرماء إذا لم يذهب بالخرم منها شيء, فإن قطع أنفه من نصف المارن اقتص من نصف مارنه, بخلاف القاطع من نصف الذراع, لأن في الذراع عظمًا يمنع من مماثلة القصاص ومارن الأنف ليس يمكن فيه القصاص, فلو قطعه من نصف العظم صار حينئٍذ كالقاطع من نصف الذراع فيقتص له من حد العظم ويستوعب به جميع المارن, ويعطي حكومة فيما قطع من العظم, فلو أوضح عن العظم ولم يقطعه أخذ منه دية موضحة, ولو هشمه أخذ منه دية هاشمة, ولو نقله أخذ منه دية منقلة, وفي حكومة قطع أكثر من دية منقلة, وإذا قطع أحد شقي أنفه اقتص منه؛ لأن حاجز المنخرين حد ينتهي القصاص إليه, ولو قطع حاجز المنخرين اقتص منه إلي الحد الذي قطعه لإمكان الاقتصاص من جميعه, ولو ضرب أنفه فاستحشفت لم يقتص منه وكان له الدية, كما لو ضرب يده فشلت, ويحتمل أن يتخرج قيه قول آخر من استحشاف الأذن أنه له حكومة, ولو كسر أنفه مجبرة أعطى حكومة ولا قود له, فلو انجبر معوجًا كانت الحكومة أكثر منها لو انجبر مستقيمًا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والأذن بالأذن".
قال في الحاوي: وهذا نص الكتاب, لأن للأذن حدًا يتميز به عما سواه, فيقتص من أذن السميع بأذن الأصم, لأن محل السمع في غير الأذن, ويقتص من الكبيرة بالصغيرة, ومن الصحيحة بالمثقوبة ثقب فرط أو شنف, فأما المخرومة فإن لم يذهب بالخرم منها شيء اقتص بها من الصحيحة, فإذا أذهب الخرم شيئًا منها قيل للأخرم: إن شئت القصاص قطعنا لك من أذن الجاني إلي موضع خرمتك وأعطيناك دية ما بقي منها بعد الخرم وإن شئت أعطيناك دية الأذن, ولو قطع بعض أذنيه اقتص من أذن الجاني بقدره لإمكان الاقتصاص منه, ولو قطع أذنه فذهب منها سمعه اقتص من أذنه ولم يقتص من سمعه لتعذره, ولو ضرب أذنه فاستحشفت ويئست لم يكن فيها قصاص كاليد إذا شلت, وفيما يجب فيها قولان:
أحدهما: ديتها كشلل اليد.
والثاني: حكومة, لأن شلل اليد يذهب منافعها في القبض والبسط, وليس كذلك في استحشاف الأذن, فإن قطعت بعد استحشافها كان فيها حكومة ولا تنقص الحكومتان عن دية الأذن ويجوز أن يكونا أكثر.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والسن بالسن كان القاطع أفضل طرفًا أو أدنى ما
لم يكن نقص أو شلل".
قال في الحاوي: وهذا نص الكتاب في السن لتمييزه عن غيره فيجوز القصاص فيه في الثنايا والرباعيات والأنياب والأضراس, فيقتص بها إذا أقلعت بمثلها من أسنان الجاني, فيقلع من أسنانه مثل ما قلع, فيقتص من البيضاء بالسوداء والخضراء, ومن الشاب بسن الشيخ, ومن القوية بالضعيفة, ومن الكبيرة بالصغيرة, ومن المشتدة بالمتحركة, إذا كانت منافعها باقية, ولا قود في السن الزائدة إلا أن يكون للجاني مثلها في مثل موضعها فيقتص منها, فإن كسر سنه وأمكن أن يسكر سن الجاني مثل كسره اقتص منه, وإن لم يكن فلا قصاص, وكان عليه دية السن, وهي خمس من الإبل بقسط ما كسر منها من نصف أو ثلث أو ربع ويكون بقسطه على ما جرح في اللثة وظهر منها, وإن كان لو قطعها من أصلها يجب فيها أكثر منها, كما لو قطع أصابع كفه وجب فيها ديته, ولو قطعها مع الكف لم يجب فيها أكثر منها, ولا تؤخذ ثنية برباعية ولا ناب بضرس ولا يمنى بيسرى, ولا عليا بسفلى.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كان قاطع اليد ناقصًا إصبعًا قطعت يده وأخذ منه أرش أصبع".
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو كف القاطع والمقطوع من أربعة أحوال:
أحدهما: أن تكونا كاملتي الأصابع.
والثاني: أن تكونا ناقصتي الأصابع.
والثالث: أن تكون كف المقطوع كاملة وكف القاطع ناقصة.
والرابع: أن يكون كف المقطوع ناقصة وكف القاطع كاملة, فإن استويا في الكمال والنقص جرى القصاص بينهما في الكاملة بالكاملة والناقصة بالناقصة إذا كان النقص فيهما متساويًا, وإن كانت يد المقطوع كاملة الأصابع ويد القاطع ناقصة إصبعًا فهي مسألة الكتاب, وله أن يقتص من كفه الناقصة ويأخذ منه دية الأصبع التي نقصت.
وقال أبو حنيفة: يقتص من كفه الناقصة بكفه الكاملة ولا شيء له في الإصبع الناقصة, احتجاجًا بأنه لما لم يعتبر في قود النفوس نقصان الأطراف لدخولها في النفس لم يعتبر في قصاص الأطراف ما تخللها من نقص, ولأنه لما كان أخذ الشلاء بالسليمة أذا رضي بها المقطوع لا يوجب الرجوع بنقص الشلل كذلك أخذ الناقصة بالكاملة لا يوجب الرجوع بأرش النقص, ولأن القصاص يوجب وضع السكين من القاطع في موضعهما من المقطوع وقد فعل ذلك في الكف الناقصة فصار مستوفيًا للحق.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل 126] والمثل مثلان: مثل في الخلقة, ومثل في القيمة, وليست الكف الناقصة مثلًا في الخلقة ولا مثلًا في القيمة فلم تكافيء ما فضلت عنها في الخلقة والقيمة, وإذا عدم مثل الخلقة في الناقصة أوجب العدول إلي مثلها في القيمة وهي الدية, ولأن كل عضو أخذ قودًا إذا كان موجودًا أخذت ديته إذا كان مفقودًا كما لو قطع أصابعه وكان للقاطع بعضها, ولأن المقطوع مخير بين القصاص والدية, فلما لم يؤثر نقصان كفه في نقصان الدية لم يؤثر نقصانها في نقصان القصاص.
فأما جمعه بين النفوس والأطراف فقد تقد الفرق بينهما, وأما اعتباره بالشلل فلا يصح, لأن الشلاء تامة الأصابع ناقصة المنافع, وهذه ناقصة الأصابع والمنافع فافترقا, وأما اعتباره بوضع السكين, في موضعهما من المقطوع, فإن استويا في الوضع فقد اختلفا في التمام فلم يجز أن يستوفي الناقص بالتام.
فصل:
وإن كان كف المقطوع ناقصة الأصابع وكف القاطع كاملة الأصابع لم يقتص من كفه الكاملة بكف ناقصة, ويلزم أبا حنيفة أن يقول بهذا كما قاله في نقصان كف القاطع وكمال كف المقطوع, فإن قاله فقد جرى فيهما على قياس, وإن لم يقله فقد ناقض ومذهبه في الموضعين مسمى على القياس.
فإذا كانت كف المقطوع ناقصة إصبعًا سقط القصاص في كف القاطع لزيادة أصبعه التي لا قصاص فيها ولا يمكن استيفاؤها مع قطع الكف, فوجب استيفاء الكف بها لحفظ الإصبع الزائدة, واقتص من أصابعه التي للمقطوع مثلها, واستبقى للقاطع الإصبع التي فقدت من المقطوع, وأخذ منه أرش الكف المستبقاة له, ولا يبلغ بأرشها دية إصبع, لأنها تبع للأصابع.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كانت شلاء فله الخيار إن شاء اقتص بأن يأخذ أقل من حقه وإن شاء أخذ دية اليد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا قطع الأشل اليد يدًا سليمة لم تكن الشلاء مكافئة لها لنقصها عن كمال السلامة فإن أراد المقطوع أعطي دية سليمة فإن أراد القصاص من الشلاء بيده السليمة كان له, لأن أخذ الأنقص بالأكمل يجوز, وأخذ الأكمل بالأنقص لا يجوز, فإن أراد أن يقتص من الشلاء ليأخذ من الشلاء ليأخذ مع القصاص من الكاملة ويأخذ فضل الدية لم يجز, فإن خيف على القاطع الأشل إن قطعت يده الشلاء أن لا تندمل عروق الدم بالشلل
الذي لا يلتحم ويتحقق تلفه لم يقتص منه, لأنه يصير اقتصاصًا من يد بنفس.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كان المقطوع أشل لم يكن له القود فيأخذ أكثر وله حكومة يد شلاء".
قال في الحاوي: لا يجوز أن يقتص من اليد السليمة باليد الشلاء.
وقال داود: يقتص من السليمة بالشلاء اعتبارًا بملطق الاسم, كما يقتص من القوية الضعيفة, ومن الصحيحة بالمريضة ولأنه لما اقتص من الأذن السليمة بالأذن المستحشفة, والاستحشاف شلل, كذلك شلل اليد, وهذا خطأ, لقول الله تعالى: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى 40] وليست الشلاء مثلًا لسليمة فلم يجز أن تؤخذ بها, ولأن البصير إذا قلع عينًا قائمة لا تبصر لم يقتص بها من عينه المبصرة مع وجود الحياة فيما قلع, فكل شلل اليد مع هذه الحياة فيها أولى ان لا يقتص منها من يد ذات حياة.
فإن قيل: لو كانت الشلاء ميتة لما حل أكلها من الحيوان المذكى؟
قيل: إنما حل أكلها لحمًا وإن كانت ميتة؛ لأنها صارت تبعًا لمذكى كالجنين إذا مات بذكاة أمه, ولأن قطع الشلاء من حي كقطعها من ميت, لأنها في الحالتين ميتة, وقطعها من الميت لا يوجب القصاص, فكذلك قطعها من الحي.
فإن قيل: قطعها من الميت لا يضمن بالأرش, وقطعها من الحي مضمون بالأرش فجاز أن تضمن بالقود وإن لم تضمن به يد الميت؟
قيل: لأن اليد تبع للجسد, وجسد الميت غير مضمون فلم تضمن يده, وجسد الأشل مضمون فضمنت يده وخلاف نفس الضعف والمرض لوجود الحياة معهما وحصول النفع بهما, فأما الأذن المستحشفة ففي الاقتصاص بها من السليمة قولان:
أحدهما: لا قصاص كاليد الشلاء.
والثاني: يقتص بها من السليمة بخلاف اليد الشلاء.
والفرق بينهما: أن منفعة الأذن حصول الجمال بها, وهذا موجود في المستحشفة كوجوده في السليمة, ومنفعة اليد قبضها وبسطها والعمل بها, وهذا مفقود في الشلاء موجود في السليمة فافترقنا.
فصل:
فأما إذا قطع الأشل يد أشلاء ففي القصاص وجهان:
أحدهما: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي: أنه لا قصاص بينهما, واعتل بأن
العلة في الأبدان تتفاوت ولا يعرف منتهاها, فصار الشللان مختلفين غير متماثلين فسقط القصاص فيه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا أن القصاص فيه واجب, لأن تفاوت الشلل يكون في نهايته ويكون في أحدهما أكثر سارية منه في الآخر, ولسنا نستوفي القصاص إلا من حد القطع فقد تساويا في نقصه فيجرب القصاص بينهما في الشلل كما يجري مع السلامة إلا أن تكون الشلاء من المقطوع يمناه ومن القاطع يسراه فلا قصاص بينهما, لأنه لا يجوز أن يقتص من يمنى بيسرى, وسواء كان الشلل حادثًا مع الولادة أو طارئًا بعدها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن قطع أصبعه فتأكلت فذهبت كفه أقيد من الأصبع وأخذ أرش يده إلا أصبعا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال اختلف الفقهاء فيمن قطع إصبع رجل فسرى القطع إلي أن تآكلت كفه ثم اندملت فذهب الشافعي إلي وجوب القصاص عليه في الإصبع دون الكف, فأوجبه في الجناية السراية.
وقال أبو حنيفة: لا قصاص عليه في الإصبع ولا في الكف, فأسقطه في الجناية والسراية.
وقال آخرون: يجب عليه القصاص في جميع الكف فأوجبوه في الجناية والسراية.
واستدل أبو حنيفة على سقوط القصاص في الجناية والسراية بناء على أصله في أن قطع اليد إذا سرى إلي النفس وجب القصاص في النفس دون اليد, فكان القصاص عنده معتبرًا بالسراية دون الجناية, وليس في السراية ها هنا قصاص فسقط في الجناية واحتج بعده بأمرين:
أحدهما: أن الجناية إذا لم تضمن سرايتها بالقود لم يضمن أصلها بالقود كالخطأ.
والثاني: أن هذه الجناية قد اجتمع فيها موجب القصاص بالمباشرة وسقط له بالسراية, وإذا اجتمع في الجناية موجب ومسقط غلب حكم الإسقاط على الإيجاب كالعامد إذا شارك خاطئًا.
والدليل على وجوب القصاص في الجناية دون السراية قول الله تعالى: ﴿والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة 45] والجرح مختص بالجناية دون السراية, ولأن كل جناية وجب القصاص فيها مع عدم السراية وجب القصاص فيها مع وجود السراية, قياسًا على قطع يد الحامل إذا سرى إلي سقاط حملها, ولأنه لا يمتنع وجوب القصاص في الجناية وإن
انتهت (إلى) ما لا قصاص فيه كمن رمى رجلًا بسهم فنفذ السهم إلي آخر وماتا وجب القصاص للأول دون الثاني, ولأننا نبينه على أصلنا في أنه لا يسقط القصاص في الجناية وإن اقتص في السراية, نقابل أصلهم, وقياسهم على الخطأ فاسد بسراية الجناية إلي الحمل, ثم المعنى في الخطأ سقوط القصاص مع الاندمال فسقط مع الراية ووجوب القصاص في العمد مع الاندمال فوجب مع السراية.
وأما قياسهم على شريك الخاطئ فالمعنى فيه مع فساده بالسراية إلي الحمل هو أن قتل الشريكين حادث بالسراية ولم يمتميز سراية بالعمد من سراية الخطأ' فسقط القود عنهما بسقوطه عن أحدهما, وحكم الجناية في مسألتنا متميز عن السراية فلم يكن سقوط القود في أحدهما موجبًا لسقوطه فيهما, كما لو قطع أحدهما يده عمدًا وقطع الآخر يده الأخرى خطأ لما تميز فعل أحدهما من فعل الآخر لم يكن سقوط القود عن أحدهما موجبًا لسقوط القود عن الآخر.
فصل:
واستدل من أوجب القصاص في الجناية والسراية بأمرين:
أحدهما: أنه لما وجب القصاص في السراية إذا انتهت إلي النفس كان أولى أن يجب فيها إذا كانت دون النفس.
والثاني: أنه لما وجب القصاص فيها إذا سرت إلي ذهاب البصر وجب فيها إذا سرت إلي طرف.
والدليل على سقوط القصاص في السراية وإن وجب في الجناية: أن ما أمكن مباشرة أخذه بغير سارية كان انتهاء السراية إليه غير مقصود, وما لم يقصد بالجناية جرى عليه حكم الخطأ في سقوط القود, وبهذا المعنى قد فرقنا بين السراية إلي النفس في وجوب القود لأن النفس لا تؤخذ إلا بالسراية, لأنها مغيبة تسري في جميع البدن وبين السراية إلي الطرف في سقوط القود, لأنه يمكن أن يؤخذ بالمباشرة دون السراية وكذلك السراية إلي ذهاب البصر, لأنه محسوس غير مشاخد لا يؤخذ في الأغلب إلا بالسراية.
فصل:
فإذا ثبت وجوب القصاص في الجناية دون السراية قيل للمجني عليه: أنت بالخيار في الجناية بين القصاص أو الدية, فإن عفا عن القصاص فيها إلي الدية كان له دية الكف كلها, وهي نصف الدية خمسون من الإبل, وكان دية الجناية منها, وهي دية الإصبع المقطوعة عشر من الإبل دية عمد محض تجب في مال الجاني حالة, وفي دية السراية إلي الكف, وهي أربعون من الإبل وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنها لسقوط القصاص فيها دية خطأ تجب مؤجلة على العاقلة.
والثاني: وهو ظاهر قول أبي علي بن أبي هريرة أنها دية عمد تجب حالة في مال الجاني، لأنها جنايةً واحدةً فلم يختلف حكم أرشها، وإن طلب المجني عليه القصاص في الجناية اقتص له من إصبع الجاني، وأخذ منه أربعة أخماس دية الكف لذهابها بالسراية عن جناية، وذلك أربعون من الإبل هي دية أربع أصابع وأصولها من الكف واختلف أصحابنا: هل يدخل فيها أرش أصل الإصبع المأخوذ قودًا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه قد دخل في حكم القصاص تبعًا لدخوله في حكم الدية تبعًا.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أن أصول الأصابع من الكف تكون تبعًا لها في الدية ولا تكون تبعًا لها في القصاص، ألا ترى أنه لو قطع أصابعه الخمس كان عليه خمسون من الإبل ولو قطعها مع الكف وجبت عليه الخمسون من غير زيادة، فصارت الكف تبعًا للأصابع في الدية، ولو قطع أصابعه الخمس ثم سرت إلى الكف اقتص من خمس أصابعه ووجب عليه أرش الكف، ولم يكن أرش الكف تبعًا للقصاص فاقتضى هذا التعليل أن يؤخذ منه أرش ما يجب للإصبع المقتص منها من الكف مضافًا إلى دية الأصابع الأربع، وهل يكون جميعه حالا في مال الجاني أو مؤجلًا على عاقلته؟ على الوجهين الماضين.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولم ينتظر به أن يراقي إلى مثل جنايته أولًا)).
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا اقتص من إصبع الجاني فسرت إلى كفه كسراية جنايته من إصبع المجني عليه إلى كفه لم تكن السراية قصاصًا من السراية.
فإن قيل: فهلا كانت السراية إلى الأطراف قصاصًا كما كانت الراية إلى النفس قصاصًا؟
قيل: النفس لا تؤخذ بالمباشرة وإنما تؤخذ بالسراية، والأطراف تؤخذ بالمباشرةً دون السراية، ولذلك وجب القصاص في سراية النفس ولم تجب في سراية الأطراف.
فإن قيل: أفليس لو شجه موضحةً فسرت إلى ذهاب بصره فاقتص من موضحة الجاني فسره إلى بصره كانت السراية قصاصا، وليس ذلك سراية إلى نفس، فهلا كان في السراية إلى الطرف كذلك؟
قيل: لأن أخذ البصر يكون بالسراية كالنص، لأن ضوء البصر غير مشاهد، ولذلك وجب القصاص في السراية إلى ذهاب البصر قصاصًا بالسراية إلى ذهاب البصر قصاصا بالسراية إلى ذهاب البصر قصاصًا.
فصل:
فإذا ثبت أن سراية القصاص إلى الكف لا تكون قصاصا من سراية الجناية إلى الكف، فإذا اقتصصنا من إصبع الجاني أخذنا الباقي من دية الكف على ما وصفنا، ولم ينتظر بإصبعه أن ينتهي في السراية إلى مثل سراية جنايته، لأنها لو انتهت إليه لم يكن قصاصا فلم يكن للانتظار وجه، وهو معنى قول الشافعي: ((ولم ينتظر به أن يراقي إلى مثل جنايته أولًا، فإن سرت أكلة الكف إلى نفس المجني عليه بعد الاقتصاص من إصبع الجاني نظر فإن كانت السراية إلى نفسه بعد أخذ دية باقي كفه فلا قصاص له في النفس، لأنه قد استوفي بعض ديتها فيستوفي ما بقى من دية النفس وذلك نصف الدية، لأنه قد أخذ بالقصاص والأرش نصفها الآخر، وإن كانت السراية قبل أخذ الباقي من دية كفه ففي وجوب القصاص في النفس وجهان بناء على اختلاف أصحابنا في دية السراية إلى الكف هل يكون دية عمد أو خطأ؟
أحد الوجهين: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنها دية خطأ، فعلى هذا لا قود في السراية إلى النفس، ويعدل إلى استكمال الدية ليأخذ تسعين من الإبل لاقتصاصه من إصبع ديتها عشر من الإبل، وعلى هذا لو سرى القصاص من الجاني إلى نفسه لم تسقط عنه الدية.
والوجه الثاني: وهو مقتضى قول أبي علي بن أبي هريرة، وقول أبو حامد الإسفراييني إنها دية عمد، فعلى هذا يستحق القصاص في النفس إلا أن يعفو إلى الدية فيعطاها إلا دية إصبع، وعلى هذا لو سرى القصاص من إصبع الجاني إلى نفسه كانت سرايته قصاصًا، لأن سراية جنايته موجبة للقصاص والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو سأل القود ساعة قطع إصبعه أقدته فإن ذهبت كف المجني عليه جعلت على الجاني أربعة أخماس ديتها))
قال في الحاوي: وهذا كما قال، يجوز القصاص في الأطراف قبل اندمالها.
وقال أبو حنيفة، ومالك والمزني: لا يجوز أن يقتص من طرف أو جرح حتى يندمل أو يسري إلى النفس، وبناه أبو حنيفة على أصله الذي تقدم فيه الكلام معه من أن سرايته إلى ما دون النفس موجية لسقوط القود فيه، احتجاجًا برواية ابن جريج عن ابن الزبير عن جابر أن رجلًا جرح فأراد أن يستفيد فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستفاد من الجارح حتى يبرأ المجروح.
وروى يزيد بن عياض عن أبي الزبير عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يتسانا
بالجراحات سنة))، ولان القود أحد البدلين فلم يجز استيفاؤه قبل استقرار الجناية كالدية؛ ولأن القود من الطرف قبل استقرار الجناية قد يجوز أن يسري إلى نفس الجاني قبل سرايته إلى نفي المجني عليه، فإن جعلتموه قصاصًا في النفس كان سالفًا قي قتل قبل استحقاقه وذلك غير جائز قصاصًا إن أخذتم الدية كنتم قد جمعتم بين القصاص والدية وذلك غير جائز.
ودليلنا رواية أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليستفيد فقيل له: حتى تبرأ، فأبى وعجل، فا ستفاد فعرجت رجله وبرئت رجل المستفاد منه، فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((ليس لك شيء أنت أبيت)) فدل هذا الحديث على ثلاثة أشياء:
أحدها: جواز تعجيل القود قبل الاندمال.
والثاني: أن تأخيره إلى وقت الاندمال استحباب.
والثالث: جواز القود من الجناية بغير الحديد، لأن الجناية كانت بقرن، وهذا الحديث ذكره الدارقطني في سننه، ولأن القود واجب بالجنايةً والاندمال عافيةً من الله تعالى لا توجب سقوط القود، وسرايتها لا تمنع من استيفائه، فوجب أن يكون استقرار الجناية على أحد الحالين غير مالح من تعجيل القود، ولأن ما استحق فيه القود لم يلزم تأخيره كالمندمل.
فأما استدلالهم بالخبر الأول فمحمول على الاستحباب بدليل خبرنا.
وأما الخبر الثاني فمتروك من وجهين:
أحدهما: ضعف راويه، قال لدارقطني: يزيد بن عياض ضعيف متروك.
والثاني: أن تقدير تأخيره بالسنة لا يلزم بالإجماع.
وأما الجواب عن قياسهم على الديةً فهو أن للشافعي في أخذ دية الطرف قبل اندماله قولان:
أحدهما: قاله في كتاب ((المكاتب)): لو جني السيد على عبده المكاتب فقطع يده كان له أن يعجل أرش يده قصاصًا من كتابته، فخرجه أصحابنا قولا في جواز تعجل الأرش قبل الاندمال، فعلى هذا إن كان أرش الجناية أقل من دية النفس أخذ جميعها، وإن كان أكثر من دية النفس كقطع يديه ورجليه، فقد اختلف أصحابنا في أخذ ما زاد على دية النفس على وجهين حكاهما أبو حامد الإسفراييني:
أحدهما: يؤخذ منه ديات الأطراف وإن كانت أربعًا فوق دية النفس اعتبارًا بحال الجناية كالقود.
والثاني: حكاه عن أبي إسحاق المروزي أنه لا يؤخذ منه أكثر من دية النفس لجواز السراية إليها فلا يجب أكثر منها فلا يؤخذ ما يجوز أن يسترجع، فعلى هذا القول قد بطل أصل القياس للتسوية بين الدية والقود في استيفائهما قبل الاندمال.
والقول الثاني: وهو الصحيح المنصوص عليه في جميع كتبه والمعمول عليه عند سائر أصحابنا أنه لا يجوز أخذ الدية قبل الاندمال وإن كان القود قبله.
والفرق بينهما: أن القول لا يسقط بما حدث بعد ألجناية من اندمال أو سراية، فجاز أن يستوفي قبل استقرارها، ودية الطرف لا تستقر إلا بعد الاندمال، لأنه إن قطع إصبعًا أرشها عشر الدية فقد يجوز أن يشاركه في قتل المجني عليه مائة نفس، فلا يلزم كل واحد من الجماعة من الدية إلا عشر عشرها فيحتاج إلى أن يرد على قاطع الإصبع الزيادة عليه فافترقا.
فإن قيل: فقد يجوز أن يحدث في القود مثله، لأنه قد يجوز أن يشركه قبل اندمال الإصبع خاطئ فتسري الجنايتان إلى نفسه فيسقط القول على العامد.
قيل: إنما يسقط القول عن العامد في النفس إذا شاركه خاطئ بخروج النفس بعمده وخطئه، فأما الطرف الذي تفرد العاهد بأخذه فلا يسقط القول فيه بمشاركة خاطئ له في النفس، وصار القود في الطرف محتوم الاستحقاق.
وأما الجواب عن قولهم: وإن هذا يفضي عند السرايتين إلى السلف في القصاص فهو أن تقول: لا تخلو السرايتان بعد الجناية والقصاص من أن تقدم سراية الجناية أو سراية القصاص، فإن تقدمت سراية الجناية على سراية القصاص فقد استوفي بسراية القصاص ما وجب في سراية الجناية من القصاص، وإن تقدت سراية القصاص على سرأية الجناية، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي أنها تكون قصاصًا وإن تقدمت على سراية الجناية، فلا يكون ذلك سلفًا لحدوثها عن قصاص قد استوفي بعد استحقاقه، والسلف أن يقول: اقطع يدي ليكون قصاصًا من سراية الجناية لتقدمها عليه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران أنها لا تكون قصاصًا، لتقدمها على سراية الجناية وتميز الطرفين عن السرايتين، فعلى هذا يصير المجني عليه مستحقًا لدية النفس لفوات القصاص فيها بالسراية اليها وهي غير مضمونةً لحدوثها عن مباح, وقد استوفي المجني عليه من دية النفس عشرها وهي دية الإصبع المقتص منها، فيرجع في مال الجاني بتسعة أعشار الدية، وقد استوفينا هذين الجوابين لما تعلق بهما من شرح المذهب.
مسألة:
قال الشافعي - رضي الله عنه -: ((ولو كان مات منها قتلته به لأن الجاني ضامن لما
حدث من جنايته والمستفاد منه غير مضمون له ما حدث من القود بسبب الحق)).
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن سراية الجناية مضمونةً على الجاني، وسراية القصاص غير مضمونة على المقتص له، لحدوث سراية الجناية عن محظور وحدوث سراية القصاص عن مباح، وإن سوى أبو حنيفة بين ضمان السرايتين، فعلى هذا صورة مسألتنا أن يقطع إصبعه فيقتص من إصبعه، ثم تسري الجناية إلى نفس المجني عليه، فيجب أن يقتص له من نفس الجاني، ولو كان المجني عليه قد أخذ دية إصبعه ثم مات من سرايتها لم يقتص له من نفس الجاني، لأن أخذه لدية إصبعه عفو عن القصاص فيها، وسراية ما لا قصاص فيه غير موجبةً للقصاص، وله أن يرجع بتسعة أعشار الدية، لأنه قد أخذ في دية الإصبع عشرها، فصار مستوفيًا لجميع الدية.
مسألة:
قال المزني رضي الله عنه: " وَسَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَهَبَتْ مِنْهَا عَيْنَاهُ وَشَعْرُهُ فَلَمْ يَنْبُتْ ثم برئ أقص مِنَ المُوضِحَةِ فَإِنْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ وَلَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ فَقَدِ اسْتَوْفي حَقَّهُ وَإِنْ لَمْ تَذْهَبْ عَيْنَاهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ زِدْنَا عَلَيْهِ الدِّيَةَ وَفِي الشعر حكومة ".
قال في الحاوي: اعلم أن سراية الجناية تنقم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تسري إلى النفس، فيجب القصاص له في السراية كوجوبه في الجناية، لأن النفس تؤخذ تارة بالتوجئة وتارة بالسراية، فوجب القصاص في الحالين وليست النفس عينًا ترى فتنفرد بالأخذ، فلو سرى قصاص الجناية إلى النفس كان وفاء لحق المجني عليه.
والثاني: أن تسري الجناية إلى عضو في الجسد كسراية قطع الإصبع إلى الكف وسراية قطع الكف إلى المرفق، فالقصاص في الجناية دون السراية، ويؤخذ أرش السراية مع القصاص في الجناية على ما مضى، فلو سرى قصاص الجناية مثل سراية الجناية لم يسقط به أرش سراية الجناية، لما ذكرناه من حدوث سراية الجناية غير مضمون فصار مضمونًا، وحدوث سراية القصاص عن غير مضمون فلم يصر مضمونًا.
والثالث: أن تسري الجناية إلى ذهاب ضوء العين كالموضحة في الرأس إذا ذهب بها ضوء العين، فالذي نقله المزني عن الشافعي نصًا في هذا الموضع أن القصاص في السراية إليه واجب؛ لأن ضوء العين ليس بشخص يرى فيؤخذ بقلع العين تارةً وبالسرايةً أخرى فأشبه النفس، فاقتضى أن يجب القصاص في السراية إليه كما يجب في السراية إلى النفس، فيصير هذا ملحقًا بالقسم الأول.
وقال أبو حنيفة: لا قصاص في الموضحة ولا في السرايةً كما لا يجب في الإصبع ولا في السراية إلى الكف.
وقال أبو يوسف: يجب القصاص في الموضحة وفي السرايةً إلى ضوء العين وإن لم يجب في الأصبع والسراية إلى الكف، وخرج أبو إسحاق المروزي قولًا ثانيًا لم يساعده عليه غيره أن السرايةً إلى ضوء العين لا توجب القصاص كما لا توجبه السرايةً إلى أعضاء الجسد لأنهما سرايتان إلى ما لا دون النفس وجعل ذلك ملحقًا بالقسم الثاني، فأما السرايةً إلى ذهاب الشعر فلا توجب القصاص، لأن الشعر عين ترى يمكن أن يقصد بالأخذ فصار كسائر الأعضاء.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرناه من هذه المقدمة فصورة مسألتنا في رجل شبح رجلًا موضحة فذهب منها ضوء عينيه وشعر رأسه، فعلى منصوص الشافعي في وجوب القصاص في السرايةً إلى ضوء العين، يقتص من موضحة الجاني، فإن ذهب منها ضوء عينيه وشعر رأسه فقد استوفي المجني عليه حقه، وإن لم يذهب منها ضوء عينيه ولا شعر رأسه أخذ منها حكومة في الشعر الزائد على موضع الموضحةً، لأن الشعر الذي في موضع الموضحة قد دخل في القصاص منها أو في أرش ديتها، ولا يعالج شعره حتى يذهب ولا يعود نباته؛ لأنه قصاص في السرايةً إلى الشعر، وقد كان القياس يقتضى أن يؤخذ من الجاني حكومةً وإن لم ينبت شعر، غير أن الشافعي جعله تبعًا لخفة حكمه من أحكام الأعضاء، فأما ضوء العين إذا لم يذهب بسراية القصاص فإن أمكن يعالج العين بما يذهب ضوءها من غير جنايةً على الحدقة مثل الكافور أو ميل يحمى بالنار ويقرب إلى العين من غير أن يذوب به شحمها اقتص منه بذلك، وإن لم يكن إلا بقلع الحدقة لم يجز قطعها لأحد أمرين:
أحدهما: أن الحدقة عضو لم يجن عليه فلم يقتص منه.
والثاني: أنه لا يجوز أن توضع حديدة القصاص في غير محلها من الجناية.
فإن قيل: أفليس لو سرت إلى نفسه ولم يسر القصاص إلى نفس الجاني.
قيل: ووضع حديد القصاص في غير موضعه من الجناية؟
قيل: لأن القصاص في النفس يستهلك به جميع الجسد وفيما دون النفس لا يستهلك به إلا عضو الجناية وحده فافترقا، وإذا تعذر القصاص في ضوء العين أخذ منه ديتها مع حكومة الشعر بعد الاقتصاص من الموضحة، ولو لم يقتص منها يضم إلى ذلك دية الموضحة.
فأما على القول الثاني خرجه المروزي، أنه لا قصاص في ذهاب ضوء العين بالسرايةً فيقتص من الموضحة، ويؤخذ من الجاني دية في ذهاب في ضوء العين، وحكومةً في ذهاب الشعر، سواء سرى قصاص الموضحةً إلى ذهاب ضوء عين الجاني وذهاب
شعره أم لا، كما قلنا في السرايةً إلى الكف بقطع الإصبع لما لم يجب فيه القصاص لم تكن سراية القصاص إلى الكف مسقطًا لما وجب من أرش الكف، فأما المزني فإنه جمع بين السرايةً في النفس في وجوب القصاص فيهما وهو الأصح.
فأما إن لطمه فأذهب ضوء عينه فإن كانت اللطمةً يذهب بمثلها ضوء العين في الغالب وجب القصاص فيها بلطمةً يقصد بها ذهاب ضوء العين، ولا يقصد بها القصاص في اللطمةً فإن ذهب بها ضوء العين فقد استوفي القصاص منها، وإن لم يذهب منها ضوء العين وأمكن أن يؤخذ ضوؤها مع بقاء الحدقةً بغير حديد فعل، وإن لم يمكن أخذت منه دية العين، ولا أرش عليه في اللطمةً لاستيفاء ما حدث عنها، وإن كانت اللطمةً لا يذهب في الأغلب منها ضوء العين ويجوز أن يذهب فلا قصاص فيها؛ لأنها عمد الخطأ وتؤخذ منه دية العين، ولا يعزر في اللطمةً؛ لأنه قد استوفي منه حقها، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولا أبلغ بشعر رأسه ولا بشعر لحيته دية قال المزني رحمه الله: هذا أشبه بقوله عندي قياسا على قوله إذا قطع يده فمات عنها أنه يقطع فإن مات منها فقد استوفي حقه فكذلك إذا شجه مقتصا فذهبت منها عيناه وشعره فقد أخذ حقه غير أني أقول إن لم ينبت شعره فعليه حكومة الشعر ما خلا موضع الموضحة فإنه داخل في الموضحة فلا نغرمه مرتين".
قال في الحاوي: لا خلاف أن الشعر إذا عاد نباته فلا دية فيه، فأما الحكومة فمعتبرة بحال الشعر، فإن كان مما لا شين في أخذه كشعر الرأس والجسد والشارب فلا يجب في أخذه حكومة، وإن كان مما يشين أخذه كاللحية والحاجبين وأهداب العينين فلا يخلو حال نباته من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعود مثل ما كان، فلا حكومة فيه ويعزر جانبه.
والثاني: أن يعود أخف مما كان وأقل فعليه حكومة ما نقص منه، سواء عاد أقبح مما كان أو أجمل، لأنه قد زال من جسده ما لم يعد.
والثالث: أن يعود أكثف مما كان وأكثر فإن لم يكن في الزيادة قبح فلا شيء عليه ويعزر، وإن كان في الزيادة قباحةً وشين فعليه حكومة ما نقص بالقباحةً والشين، وذهب بعض أصحابنا إلى أن نبات الشعر بعد ذهابه لا يسقط ما وجب فيه من حكومة أخذه، وقد روى محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من مثل بالشعر فليس له خلاق عند الله يوم القيامة)) وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن مثلة الشعر تغييره بالسواد.
والثاني: أنه نتفه.
والثالث: أنه حلقه في الخدود وغيرها.
فصل:
فأما إن قني شعره قلعا لم يعد نباته، فإن أمكن فيه القصاص حتى يذهب فلا يعود نباته اقتص منه مع التماثل والمكنة، وإن تعذر القصاص منه إلا أن يعود نباته فعليه في جميعه حكومة، ولا تبلغ حكومته دية، وأوجب أبو حنيفة الدية في الشعر في أربعة مواضع؛ في شعر الرأس، واللحية، والحاجبين وأهداب العينين، فجعل في كل واحد منها الدية إلا في العبد فإنه أوجب في شعره ما نقص من قيمته، احتجاجًا بما روي أن رجلًا أفرغ قدرًا يغلي على رأس رجل فتمعط منها شعره فأتى عليًا - عليه السلام - فقال له: اصبر سنة فصبر فلم ينبت فقضى علي له بالدية، ولم يظهر له في الصحابة مخالف فكان إجماعًا.
قال: ولأن الدية تجب بإتلاف ما فيه منفعة كاليدين والرجلين، وبإتلاف ما فيه جمال كالأنف والآذنين، وفي هذا الشعر جمال، وإن لم يكن فيه منفعة، فاقتضى أن يجب فيه الدية كالأنف والأذنين.
قال: ولأن كل ما فرق بين الرجل والمرأةً وجبت فيه الدية كالذكر والأنثى.
ودليلنا: هو أن الدية لا تجب إلا توفيقًا كديات الشجاج والأطراف، وليس في الشعر توقف فلم يجب فيه دية، ولأن الدية تجب فيما يؤلم وليس في أخذ الشعر ألم، وما اختص بالجمال دون الألم لم تكمل فيه الدية كاليد الخلاء، ولأنه شعر لا يجب في العبد منه مقدر فلم يجب في الحر منه مقدر كشفر الجسد، ولأن من لا يجب في شعر جسده مقدر لم يجب في شعر وجهه مقدر كالعبد، ولأن ما جرت العادة بإزالته عند تجاوزه حده لم تجب الدية في إزالة أصله كالأظفار، ثم في الأظفار مع الجمال نفع ليس في الشعر، لأن الأنامل لا يتصرف إلا بها فنقص حكم الشعر عنها.
فأما احتجاجهم بقضاء على رضوا ن الله عليه فقد خالفه فيه أبو بكر رضي الله عنه فقضى فيه بعشر من الإبل، فقد خالفه فيه أبو بكر رضي الله عنه فقضى فيه بعشر من الإبل، وخالفها فيه زيد فقضى فيه بثلث الدية، وليس مع الخلاف إجماع، وقيامه على الذكر لاختصاص الرجال به فيفسد بشعر الشارب يختص به الرجال ولا يجب فيه الدية.
ثم المعنى في الذكر أن فيه منفعة وإنما يخاف منه للسرايةً إلى النفس، فخالف الشعر، وما ذكره من القياس على الأنف والأذين فلا توية بيها وبين الثم لأمرين:
أحدهما: أن في الأنف والأذنين منفعة ليست في الشعر، لأن الأنف يحفظ النفس والشم، والأذن يحفظ السمع ويدفع الأذى.
والثاني: أن في قطعهما ألمًا ربما أفضى إلى النفس بخلاف الشعر الذي لا يؤلم ولا يخاف منه التلف.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: ((ولو أصابته من جرح يده أكلة فقطعت الكف لئلا تمشي الأكلة في جسده لم يضمن الجاني من قطع الكف شيئا فإن مات من ذلك فنصف الدية على الجاني ويسقط نصفها لأنه جني على نفسه)).
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل قطع إصبع رجل فتآكلت، وخاف المجني عليه سرايتها إلى نفسه فقطع كفه ليقطع سرايتها، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يندمل بقطع كفه فيجب على الجاني القصاص في الإصبع التي قطعها، وعليه الأرش فيما سرت إليه الجناية من كف المجني عليه كأنها سرت إلى إصبع ثانية، فيلزمه ديتها لذهابها بسراية جنايته، ولا قود عليه فيها، ويكون الباقي الكف التي قطعها صاحبها هدرًا لا يضمنها الجاني فإن قيل: إنما قطعها من الخوف الحادث عن جنايته فهلا كانت من ضمانه كالسراية.
قيل: تلف السراية حادث عن فعله فضمنه، وتلف الخوف حادث عن فعل غيره فلم يضمنه.
والثاني: أن يسري قطع الكف إلى نفسه فيموت، فيكون الموت حادثًا من سرايتين.
قطع الجناية، وقطع الاستصلاح، فيصير الجاني أحد القاتلين، وعند أبي حنيفة يكون الثاني قاتلًا دون الأول، لأنه قطع محل الجناية فأزال سرايتها، وهذا فاسد بما قدمناه من الدلالة عليه، فإن الموت كان بسراية الألمين، فلذلك صار الأول أحد القاتلين، وإذا كان كذلك ففي قطع الجاني نصف الدية، فأما القود في النفس فقد صار مشاركًا في النفس لمن لم يلزمه ضمانها فاختلف أصحابنا في وجوب القول عليه، فكان أبو علي بن أبي هريرة يخرجه على قولين من شريك السبع ومن جارح نفسه بعد الجناية عليه:
أحدهما: عليه القول في النفس.
والثاني: لا قود عليه، وقد مضى توجيه القولين من قبل.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا قود عليه قولًا واحدًا وإن كان شريك السح وشريك المجني عليه قولين وفرق بينهما بأن النفس في شركة السع والمجني عليه خرجت عن قصد التلف فصار جميعها عمدًا محضًا فجاز أن يجب فيها القول، وفي هذا الموضع خرجت عن قصد الاستصلاح دون التلف، فإذا أفضى إلى التلف صار عمد الخطأ ولا قود على شريك الخاطئ وكذلك ها هنا.
فصل:
فأما إذا قطع الجاني قطعة لحم من بدن المجني عليه فخاف المجني عليه سرايتها فقطع ما يليها فمات فينظر، فإن قطع المجني عليه ميتًا فلا تأثير للقطعة، لأن قطع الميت لا سرايةً له، والجاني هو القاتل وحده، والقول عليه في النفس واجب، فإن عفا عنه فجميع الدية، وإن قطع لحمًا حيًا فالموت من سرايتها والجاني أحد القاتلين بوفاق أبي حنيفةً؛ لأن محل الجناية عنده إذا كان باقيًا حدثت السراية عنهما، وإن أزاله الثاني كانت السراية عن الثاني، وعندنا أنه لا فرق بين بقاء محل الجناية وزواله في حدوث السراية عنهما، ويكون القول ها هنا على الجاني محمولًا على ما قدمناه من اختلاف أصحابنا، فيكون على قول ابن أبي هريرة على قولين، وعند أبي إسحاق المروري: لا قود عليه قولًا واحدًا، وعليه نصف الدية، وهكذا لو أن المجروح خاط جرحه فمات، فإن خاطه في لحم ميت فالجارح هو القاتل وعليه القول في النفس أو جميع الدية، وإن خاطه في لحم حي كان الجارح أحد القاتلين وكان وجوب القود على ما ذكرناه من اختلاف أصحابنا في القولين.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان في يد المقطوع إصبعان شلاوان القصاص في اليد لم تقطع يد الجاني ولو رضي فإن سأل المقطوع أن يقطع له إصبع القاطع الثالث ويؤخذ له أرش الإصبعين والحكومة في الكف كان ذلك له ولا أبلغ بحكومة كفه دية إصبع لأنها تبع للأصابع وكلها مستوية ولا يكون أرشها كواحدة منها ((.
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن السليمة لا تقاد بالشلاء، ويجوز أن تقاد الشلاء بالسليمة، فإذا قطع كفًا فيها إصبعان شلاوان فلا تخلو كف القاطع من أن تكون سليمة أو فيها شلل فإن كانت سليمةً فلا قصاص عليه في كفه وإن بذلها، لأن سلامة ما قابل الأشل يوجب سقوط القصاص عنه، ومن سقط القصاص عنه لم يقتص منه وإن رضي لأمرين:
أحدهما: أنه لما كان سقوط القود عن الأب بالابن وعن الحر بالعبد يمنع من القود مع رضا الأب والحر كذلك يمنع منه مع رضا السليم بالأشل.
والثاني: أن سقوط القود في السليم عن الجاني قد أوجب المال أرشًا في الأشل من المجني عليه فصار كالدين المستحق، ولو بذل من عليه الدين أن يؤخذ به شيء من أعضائه لم يجز، كذلك هنا وإذا سقط القصاص من الملجم المقال للأشل لم يسقط من السليم المقابل للسليم فيقال للمجني عليه: أنت بالخيار بين القصاص أو الدية، فإن طلب الدية وعفا عن القصاص أعطي ديةً ثلاثةً أصابع ثلاثين بعيرًا يدخل فيها حكومة ما تحتها
من الكف، وأعطي حكومة إصبعين شلاوين لا يبلغ بهادية إصبعين سليمتين، ويدخل في حكومتهما حكومة ما تحتهما من الكف لأن أراد القصاص اقتص من ثلاثة أصابع من كف الجاني المماثلة للسليمة من كف المجني عليه، وأخذ منه حكومة في الإصبعين الشلاوين يدخل فيهما حكومة ما تحتهما من الكف، وهل يدخل في القصاص في الأصابع الثالث حكومة ما تحتهما من الكف؟ على وجهين ذكرناهما من قبل:
أحدهما: تدخل حكومتهما في القصاص كما تدخل حكومتها في الدية.
والثاني: وهو منصوص الشافعي لا تدخل حكومتهما في القصاص، لبقائها، بعد استيفائه، ولا يبلغ بحكومة الكف دية إصبع؛ لأنها تع للأصابع فلم يبلغ بالتابع حكم المتبوع، وإذا كان هذا في جميع الكف فالمستحق ها هنا حكومة ثلاثة أخماس الكف، لأن حكومة خمسها قد دخل في حكومة الإصبعين الشلاوين إذا كان قد أدخله في اعتبار حكومتهما فلا تبلغ بحكومة ثلاثة أخماس دية إصبع وثلاثة أخماس ديتها ست من الإبل فينقص منها شيء وإن قل.
فصل:
وإن كان في كف الجاني شلل فعل ضربين:
أحدهما: أن يتساوى الشلللان من كف الجاني وكف المجني عليه، فيكون الشلل من أصابع الجاني والمجني عليه في الخنصر والبنصر والباقي منها سليم فيقتص من كف الجاني لتكافئهما في الأشل والسليم.
والثاني: أن يختلف الشللان فيكون الآشل من المجني عليه الخصر والبنصر ومن الجاني الإبهام والسبابة، فإن رضي المجني عليه أن يأخذ الأشل بالسليم اقتص له من أصابع الجاني الثلاثة وهي الوسطى سليمة بسليمة والسبابة والإبهام شلاوان بسليمتين، وأعطي حكومة في إصبعيه الشلاوين لأن لم يرض أخذ الأشل بالسليم اقتص له من إصبع واحدةً وهي الوسطى، لسلامتهما منهما معًا، وأعطي ديتي إصبعين عشرين بعيرًا في السبابة والإبهام، لسلامتهما من المجني عليه وشللهما في الجاني، وأعطي حكومة إصبعين شلاوين لقصهما من المجني عليه وسلامتهما من الجاني، ويدخل في دية السليمتين ما تحتهما من الكف، وفي حكومة الشلاوين ما تحتهما من الكف في سقوط حكومة ما تحت المقتص منها وجهان على ما مضى
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان القاطع مقطوع الأصبعين قطعت له كفه وأخذت للمقطوعة يده أرش (أصبعين) تامتين)).
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا قطع كفًا كاملة الأصابع وكف القاطع ناقصة إصبعين كان للمقطوع الخيار في الدية والقصاص، فإن اختار الدية أعطي دية يد كاملة لكمالها من المقطوع، وإن نقصت من القاطع ووفقنا أبو حنيفة على أن ديتها لا تقف على مراضاة القاطع وهو أصل معه فيما خالفنا عليه من دية النفس، فإن اختار القود من كف القاطع أقيد منها وهي أنقص من حقه؛ فيقاد من الناقص بالكامل، ويعطى بعد القصاص دية أصبعين لوجودهما في كف المقطوع ونقصانهما من كف القاطع.
وقال أبو حنيفة: لا شيء له بعد القصاص، وقد تقدم الكلام معه، واعتبر فقد الإصبعين بشللهما ولا يلزم بعد الاقتصاص نقص شللهما كذلك لا يلزم بعد، دية فقدهما، وهذا فساد بما قدمناه من الغرق بين شللهما وفقدهما بكمال العدد مع الشلل ونقصانه مع الفقد.
فصل:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان للقاطع ست أصابع لم يقطع لزيادة الإصبع)).
قال في الحاوي: لأن القصاص أن يؤخذ من الجاني مثل ما أخذ من غير زيادة فإذا كان للقاطع ست أصابع وللمقطوع خمس لم يجز أن تؤخذ ست بخمس فإن قيل: إذا جاز إذا اشترك رجلان في قطع يد أن يقطعوا بيدهن يد فهلا جاز أن يأخذوا ست أصابع بخمس؟
قلنا: لأن يد كل واحد منهما مماثلة ليد المقطوع فقطعناها وليست يده مماثلةً لليد الزائدة فلم يقطعها، وإذا كان كذلك نظر في السادسة الزائدة، فإن كانت تحت الكف في طرف الذراع وأصل الزند اقتص من كف القاطع، لبقاء الزائدة بعد أخد الكف، وإن كانت الزائدةً في الكف مع أصابعها لم يخل حالها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون ثابتة في الكف، فيقتص من أصابع القاطع الخمس وتستبقي الزائدة على كفه، وهل تؤخذ منه حكومة كفه المستبقاة؟ فعلى وجهين:
أحدها: وهو منصوص الشافعي: يؤخذ حكومة كفه لبقائها بعد استحقاق القود لها، ولا سلخ بها دية إصبع, لأنها تبع للأصابع.
والثاني: لا تؤخذ منه حكومة كفه يتكون تبعا للاقتصاص من أصابعه كما تكون تبعًا لها لو أخذت ديتها.
والقسم الثاني: أن تكون الإصبع الزائدة ملتصقةً بإحدى أصابعه الخمس فيسقط القصاص في الإصبع الزائدة مع الملتصقة بها، ولا يقتص منها لدخول الضرر على