بحر المذهب للرويانيصفحات 352-378

الحامل يضرب بطنها فيسقط فقام المغيرة بن شعبة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة.
فقال: ائتني بمن يشهد معك قال: فشهد معه محمد بن مسلمة، وقال أبو عبيد: إملاصها ما أزلفته بالقرب من الولادة.
وروى الشافعي عن سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أذكر الله امرءًا أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئًا إلا قاله، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جاريتين لي فضربت إحداهما الأخرى بسطح فألقت جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمة، فقال عمر: كدنا والله نقضي فيه بآرائنا، قال أبو عبيد: المسطح خشب الخباء.
وقال النضر بن شميل: هو الخشبة التي ترقق بها العجين إذا حلج ليخبز، ويسميها المولودون الصولج، فدل ما رويناه على أن في الجنين غرة عبد أو أمة، فإن قيل: فقد روى في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فيه غرة أو أمة أو فرس أو بغل، فكيف اقتصرتم على غرة عبد أو أمة دون الفرس والبغل؟ قيل: لأنها رواية تفرد بها عيسى بن يونس عن محمد بن عمر عن أبي سلمة وقد وهم فيها عيسى بن يونس والذي رواه الزهري عن أبي سلمة وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أثبت، وناقلوه أضبط، وليس في روايتهم فرس ولا بغل، ولو صحت الرواية لجاز حملها على أن الفرس والبغل جعلا بدلًا من العبد والأمة.
فصل: فإذا ثبت وجوب الغرة فيه فتكمل الغرة إذا كان كاملًا بالإسلام والحرية، لأن الغرة أكمل ديات الجنين فوجبت في أكملهم وصفًا، ويجب فيه الكفارة، لأنها دية نفس، وتكون الغرة على العاقلة لانتفاء العمد عنه بعدم مباشرته للجناية فلا يكون إلا خطأ محضًا، أو عمد خطأ، والكفارة في مال الجاني فلو ألقت من الضرب جنينين لزمته غرمان وكفارتان، ولو ألقت ثلاثة أجنة لزمه ثلاث غرر وثلاث كفارات، ولو ضربها ثلاثة فألقت جنينًا واحدًا لزمهم غرة واحدة وثلاث كفارات، وهذا كله إذا ألقته ميتًا يختص بالغرة فيه ذكرًا كان أو أنثى، فأما إن ألقته حيًا وجب فيه ديته، وديته إن كان ذكرًا فمائة من الإبل، وإن كان أنثى فخمسون من الإبل، فيستوي في سقوطه ميتًا حكم الذكر والأنثى، ويفترق في سقوطه حيًا حكم الذكر والأنثى، وسمي جنينًا؛ لأنه قد أجنه بطن أمه أي ستره، ولذلك يقال: أجنه الليل إذا ستره، قال الله تعالى: ﴿الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:32].

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وأقل ما يكون به جنينًا أن يُفارق المُضغة والعلقة حتى يتبين منه شيءٌ من حلق آدمي إصبعٌ أو ظفرٌ أو عينٌ أو ما أشبه ذلك".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في حد الجنين الذي تجب فيه الغرة على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو قول الشعبي ومالك والحسن بن صالح: إن في أقل الحبل غرة.
والثاني: وهو قول أبي حنيفة: إن فيه ما لم يبن خلقه حكومة، فإذا بان خلقه ففيه غرة.
والثالث: وهو قول الشافعي: أنه لا شيء فيه إذا لم يبن خلقه، فإذا بان خلقه على ما سنصفه ففيه غرة فصار الخلاف فيما لم يبن خلقه، فعند مالكن فيه غرة، وعند أبي حنيفة فيه حكومة، وعند الشافعي لا شيء فيه.
واستدل مالك على وجوب الغرة فيه: بأنه لما لم يقع الفرق في الولد الحي بين صغير وكبير في وجوب الدية وجب أن لا يقع الفرق في الحمل بين مبادئه وكماله في وجوب الغرة.
واستدل أبو حنيفة بأنه لما وجب في الجنين دون ما في الولد الحي ولم يكن هدرًا وجب أن يكون فيما دون الجنين أقل مما في الجنين ولا يكون هدرًا، واستدل الشافعي على أن لا شيء فيه بأمرين: أحدهما: أن وجوب الغرم لثبوت الحرمة وليس له قبل بيان خلقه حرمة فكان هذا كالنطفة.
والثاني: أن حياة الإنسان بين حالتين بين مبادئ خلقه وبين غايته بعد موته، فلما كان في آخر حالتيه بعد الموت هدرًا وجب أن يكون في الأولى من حالتيه قبل بيان الخلق هدرًا، وفي هذين دليل وانفصال.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا فالذي يتعلق بالجنين ثلاثة أحكام: أحدهما: وجوب الغرة.
والثاني: أن تصير به الأمة أم ولد.
والثالث: أن تنقضي به العدة، وإذا كان كذلك فقد وصف الله تعالى حال الإنسان في مبادئ خلقه إلى استكماله فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون:12].

وفيه قولان: أحدهما: أن آدم وحده استل من طين وهو المخصوص بخلقه منه قاله قتادة.
والثاني: أنه أراد كل إنسان؛ لأنه يرجع إلى آدم الذي من سلالة من طين قاله مجاهد.
وفي السلالة تأويلان: أحدهما: أنها الصفوة.
والثاني: أنها القليل الذي ينسل.
ثم ذكر حالة ثانية في الولد فقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [المؤمنون:13] يعني به ذرية آدم المخلوقين من تناسل الرجال والنساء، لأنه خلق من طين ولم يخلق من نطفة التناسل، والنطفة هي ماء الذكر الذي تعلق منه الولد وهو أول خلق الإنسان.
وقوله تعالى: ﴿قَرَارٍ﴾ يعني به الرحم ﴿مَّكِينٍ﴾ لاستقراره فيه، فصارت النطفة في أول مبادئ خلقه كالغرس، والرحم في إنشائه كالأرض.
ثم ذكر حالة ثالثة هي للولد ثانية فقال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون:14] والعلقة هي الدم الطري الذي انتقلت النطفة إليه حتى صارت علقة، وسميت علقة لأنها أول أحوال العلوق، والعلقة في حكم النطفة في أنه لم يستقر لها حرمة ولم يتعلق بها شيء من الأحكام الثلاثة بإجماع الفقهاء فلا تجب فيها غرة، ولا تصير بها أم ولد، ولا تنقضي بها العدة.
ثم ذكر حالة رابعة هي للولد ثالثة فقال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون:14] والمضغة اللحم، وهو أول أحوال الجسم، سميت مضغة؛ لأنها بقدر ما يمضغ من اللحم، وهو الذي تقدم فيه الخلاف فأوجب فيه مالك غرة، وأوجب فيه أبو حنيفة حكومة، ولم يوجب فيه الشافعي شيئًا، ولا تصير به على قوله أم ولد وفي انقضاء العدة به قولان: أحدهما: تنقضي به العدة لما فيه من استبراء الرحم.
والثاني: لا تنقضي به العدة كما لا تصير به أم ولد ولا تجب فيه الغرة.
ثم ذكر حالة خامسة وهي للولد رابعة قال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ [المؤمنون:14] فاحتمل خلق العظم واللحم على وجهين: أحدهما: أن يكونا في حالة واحدة قد خلق عظمًا كساه لحمًا.
والثاني: أن يكون في حالتين خلق في إحداهما عظمًا ثم كساه بعد استكمال العظم لحمًا فيكون اللحم حالة سادسة وهي للولد خامسة.
ثم ذكر حالة سابعة هي للولد سادسة فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَانَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ [المؤمنون:14] وفيه تأويلان: أحدهما: أنه نفخ الروح فيه، قاله ابن عباس.

والثاني: أنه تميز ذكر أو أنثى قاله الحسن، ومحصول هذه الأحوال يرجع إلى ثلاثة أقسام: مضغة وما قبلها وما بعدها.
فأما المضغة وما قبلها فقد ذكرناه، وقلنا: إن ما قبل المضغة لا يتعلق به شيء من الأحكام الثلاثة، وإن المضغة لا يتعلق بها ما سوى الغرة وفي العدة قولان: وأما ما بعد المضغة فتنقضي به العدة وما وجبت فيه الغرة من ذلك صارت به أم ولد، والغرة فيه تختلف بحسب اختلاف أحواله بعد المضغة وله بعدها ثلاثة أحوال: أحدها: أن لا يبين فيه صورة ولا تخطيط الصور فلا تجب فيه الغرة.
والثانية: أن يبين فيه إما صورة جميع الأعضاء وإما صورة بعضها كعين أو إصبع أو ظفر فتجب فيه الغرة لبيان خلقه، سواء كانت الصورة ظاهرة للأبصار أو كانت ففيه تظهر بوضعه في الماء الحار.
والثالثة: أن يبين فيه التخطيط ولا يبين فيه الصورة فيتخطط ولا يتصور، ففي وجوب الغرة فيه وجهان: أحدهما: لا تجب فيه الغرة لعدم التصوير.
والثاني: تجب فيه الغرة، لأن التخطيط مبادئ التصوير.
فصل: وإذا ألقت غشاوة أو جلدة شقت فوجد فيها جنينان ففيهما غرتان وكفارتان، ولو ألقت جسدًا عليه رأسان ففيه غرة واحدة فكذلك لو ألقت رأسًا ففيه غرة واحدة لجواز أن يكونا على جسد واحد، ولو ألقت جسدين ففيه غرة واحدة لجواز أن يكون عليهما رأس واحدة، ولو ألقت رأسين وجسدين ففيهما غرتان لانتفاء الاحتمال.
فصل: وإذا ألقت عضوًا من جسد خرج باقيه حيًا فله حالتان: أحداهما: أن يموت بعد حياته ففيه دية كاملة يدخل فيها أرش العضو المنفصل عنه قبل ظهوره.
والثاني: أن يبقى على حياته فالعضو المنفصل عنه قبل إلقائه إن كان يدًا فمعتبر باختيار أهل العلم بحاله من ثقاب الطب والقوابل، فإن دلت شواهد حاله على انفصاله بعد استقرار الحياة في ففيه نصف الدية اعتبارًا بحال الحي، وإن دلت على انفصاله قبل استقرار حياته ففيه نصف الغرة اعتبارًا بحال الجنين.
فصل: وإذا ضربها فتحرك جوفها ثم خمد فلا شيء فيه، وأوجب فيه الزهري غرة، لأن خموده بعد الحركة دليل على تلفه بعد الوجود، وهذا خطأ؛ لأن الحركة يحتمل أن تكون

منه، ويحتمل أن تكون لريح اتفشت، وهكذا لو تحرك جوفها بعد الموت مع ظهور حملها ثم خمد يحتمل الأمرين فصار ما لم يظهر منه شيء مشكوكًا فيه، والغرم لا يجب بالشك.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإذا ألقته ميتًا فسواءٌ كان ذكرًا أو أنثى.
قال المزني: هذا يدل على أن أمته إذا ألقت منه دمًا أن لا تكون به أم ولدٍ لأنه لم يجعله ههنا ولدًا وقد جعله في غير هذا المكان ولدًا وهذا عندي أولى من ذلك".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لا فرق في الجنين بين أن يكون ذكرًا أو أنثى في وجوب الغرة فيه، وقيمتها خمس من الإبل على ما سنذكره، ومن الورق إذا قدرت دية النفس ورقًا ستمائة درهم، ومن العين خمسون دينارًا، وذلك عشر دية أمه.
وفرق أبو حنيفة في الجنين بين الذكر والأنثى، فأوجب فيه إن كان ذكرًا نصف عشر ديته لو كان حيًا، وإن كان أنثى عشر ديتها لو كانت حية، وهذا وإن كان موافقًا في الحكم فهو مخالف في العلة، وخلافه وإن لم يؤثر في الجنين الحر كان مؤثرًا في الجنين المملوك.
والدليل على التسوية بين الذكر والأنثى رواية أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة".
ولم يسأل أذكر أو أنثى، ولو افترقا لسأل ولنقل فدل على استوائهما، لأن حال الجنين في الأغلب مشتبهة وفي الحي ظاهرة فسوى ينهما بصاع من تمر قطعًا للتنازع وحسمًا للاختلاف.
فصل: فعلى هذا لو ألقت من الضرب ذكرًا أو أنثى أحدهما ميت والآخر حي ثم مات نظر فإن كان الميت هو الذكر والحي هو الأنثى فعلى الضارب غرة في الجنين ونصف الدية الكاملة في الحي، فإن كان الميت هو الأنثى والحي هو الذكر فعليه غرة في الميت ودية كاملة في الحي، فإن اختلف الضارب والمضروبة في الحي منها، فقالت المضروبة هو الذكر، وقال الضارب: هو الأنثى فالقول قول الضارب مع يمينه لبراءة ذمته حتى يشهد للمضروبة أربع نسوة عدول أن الحي منها هو الذكر فيحكم به والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وكذلكن إن ألقته من الضرب بعد موتها ففيه غرة عبدٍ أو أمةٍ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا ضربها فماتت وألقت جنينًا ميتًا فعليه ديتها

وغرة في جنينها، سواء ألقته قبل موتها أو بعده.
وقال مالك وأبو حنيفة: تجب فيه الغرة إن ألقته قبل موتها ولا يجب فيه شيء إن ألقته بعد موتها، إلا أن تلقيه حيًا فيموت فتجب فيه ديته احتجاجًا بأمرين: أحدهما: أن انفصاله ميت بعد موتها موجب لسقوط غرمه كما لو ديس بطنها بعد الموت فألقت جنينًا ميتًا لم يضمن إجماعًا وهو بدياسها بعد الموت مخصوص بالجناية وقتله غير مخصوص بها فكان بسقوط الغرم أحق.
والثاني: أن الجنين بمنزلة أعضائها لأمرين: أحدهما: اتباعه لها في العتق والبيع كالأعضاء.
والثاني: أنه لا يفرد بغسل ولا صلاة كما لا ينفرد به الأعضاء، فلما كانت أروش أعضائها داخلة في ديتها وجب أن تكون غرة جنينها داخلة في ديتها.
ودليلنا حديث أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصابت بطنها فقتلتها فأسقطت جنينًا، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقلها على عاقلة القاتلة، وفي جنينها غرة عبد أو أمة.
والظاهر من هذا النقل أن إلقاء الجنين كان بعد موت، ولو احتمل الأمرين كان في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال عنه دليل على استواء الحكم في الحالين، ولو سأل لنقل.
ومن القياس: أن كل جناية ضمن بها الجنين إذا سقط في الحياة وجب أن يضمن بها الجنين إذا سقط بعد الوفاة كالذي سقط حيًا ثم مات؛ ولأن الجنين ضمان النفوس دون الأعضاء لأمرين: أحدهما: أنه لا يمتنع أن يجب فيه الغرة، لأن الأصل فيه بقاء الحياة إلى أن يتحقق الموت فيسقط به الإجماع.
والثاني: وإن سقطت فيه الغرة فلأن الظاهر من موته بموت أمه والمديسة غير مضمونة فلم يضمن جنينها والمضروبة مضمونة فضمن جنينها.
وأما الجواب عن احتجاجهم بأنه كأعضائها فقد منعنا منه بما قدمناه.
فأما أتباعه لها في العتق والمبيع فلا يمتنع أن يتميز عنها، وإن تبعها كما يتبعها في الإسلام بعد الولادة ولا يتبعها في الردة بعد الولادة.
وأما الغسل والصلاة فهو يغسل وليس في إسقاط الصلاة ما يمنع من انفراده بنفسه كما لا يغسل الشهيد والذمي.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "تورت كما لو خرج حيًا فمات لأنه المجني عليه دون أمة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، غرة الجنين موروثة عنه ولا تختص الأم باستحقاقها وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الليث بن سعد: تكون لأمه ولا تورث عنه كأعضائها، وفيما قدمناه من تمييزه عنها وضمانه كالنفوس دليل عليه.
وقال ربيعة: تكون غرة الجنين لأبويه خاصة دون غيرها من ورثته، وجعله كالبعض منهما لخلقه من مائهما، وهذا فاسد، فالمقتول بعد حياته، وإن كان موروثًا لم يخل حال إلقائه من أن يكون قبل موت الأم أو بعده، فإن كان قبل موت الأم فلها ميراثها منه، وإن كان بعد موت الأم فلا ميراث لها منه لاستحقاق الغرة بعد إلقائه، ولا يحجب بالجنين أحد من الورثة، لأنه لم يثبت له حكم الحياة فيكون لأمه إن ورثته ثلث الغرة ولأبيه إن كان حيًا باقيها أو لغيره من ورثته إن كان ميتًا، ولو ألقته حيًا بعد موتها ثم مات ورثها ولم ترثه، فإن أشكل إلقاؤه في حياتها وبعد موتها قطع التوازن بينهما كالغرقى.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وعليه عتق رقبةٍ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، يجب الكفارة في الجنين.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة فيه احتجاجًا بأمرين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم فيه بالغرة ولم يقض فيه بالكفارة، ولو وجبت لأبانها وقضى بها، ولو قضى به لنقل.
والثاني: لأنه من الأم بمنزلة أعضائها التي لا يجب فيها كفارة، فكذلك جنينها، ودليلنا أنها نفس آدمي ضمنت بالجناية فوجب أن تضمن بالكفارة كالحي، ولأن الكفارة أخص وجوبًا بالقتل من الدية، لأن السيد يجب عليه بقتل عبده الكفارة ولا تجب عليه القيمة ومن رمى دار الحرب بسهم فقتل به مسلمًا وجبت عليه الكفارة ولم تجب عليه الدية فلما وجب في الجنين الدية فأولى أن تجب فيه الكفارة.
فأما الاستدلال بالخبر فإنما كف عن بيان الكفارة فيه لأن الله تعالى قد بينها في قوله: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأًً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:92] كما بين الدية في قوله صلى الله عليه وسلم: فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل، ولم يبين الكفارة تعويلًا على إثباتها في هذه الآية، وأما استدلالهم بأنه كأعضائها فقد أجبنا عنه.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا شيء لها في الأم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
لا شيء لأم الجنين في ألم الضرب إذا لم يبن له أثر في بدنها كاللطمة والرفسة لا توجب غرمًا في رجل ولا امرأة، فأما إجهاضها عند ألقائه ففيه قولان حكاهما أبو حامد المروروزي في جامعه: أحدهما: لا شيء لها فيه أيضًا لألم الضرب، لأنه نوع من الألم.
والثاني: لها فيه حكومة؛ لأنه كالجرح في الفرج عند خروج الجنين منه فضمن بالحكومة، فلو أقرت بذلك أثر الضرب في بدنها ضمن حكومة الضرب وحكومة الإجهاض.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولمن وجبت له الغرة أن لا يقبلها دون سبع سنين أو ثمانٍ سنين لأنها لا تستغني بنفسها دون هذين السنين ولا يُفرق بينها وبين أمها في البيع إلا في هذين السنين فأعلى".
قال في الحاوي: أما الغرة في اللغة فتستعمل على وجهين: أحدهما: في أول الشيء ومنه قيل لأول الشهر غرته.
والثاني: في جيد الشيء وخياره ومنه قيل: فلا غرة قومه إذا كان أسرهم، وقد أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرة في دية الجنين فوجب أن يكون إطلاقها محمولًا على أول الشيء وخيار الجنس؛ لأنه ليس إحداهما بأولى أن يكون مرادًا من الآخر فحمل عليهما معًا، وإذا وجب الجمع بينهما كان أول الجنس إذا خرج عن الجيد مردودًا والجيد إذا خرج عن أول السن مردودًا، فإذا اجتمعا معًا في السن والجودة كان اجتماعهما مرادًا؛ وإذا كان كذلك فإن للغرة أو غاية، فأما أوله فسبع سنين أو ثمان؛ لأمرين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها حدًا لتعليمه الطهارة والصلاة فقال: علموهم الطهارة والصلاة وهم أبناء سبع".
والثاني: أنه يستقل فيها بنفسه؛ ولذلك خير فيها بين أبويه وفرق بينه وبين أمه فلا يقبل من الغرة في الجنين مالها دون سبع سنين؛ لأنه لعدم النفع فيه ليس بغرة وإن كان بأول الشيء من الغرة.
وأما غاية سن الغرة فمعتبر بشرطين: أحدهما: أكمل ما يكون نفعًا.

والثاني: أزيد ما يكون ثمنًا وهي قبل العشرين أزيد ثمنًا وأقل نفعًا، وبعد العشرين أكمل نفعًا وأقل ثمنًا، فاقتضى أن تكون العشرون سنة حدًا للغاية؛ لأنها أقرب سن إلى الجمع بين زيادة الثمن وكمال المنفعة فلا يقبل فيما جاوزها ويقبل فيما دونها ويستوي فيها الغلام والجارية، وفرق بعض أصحابنا في غاية السن بين الغلام والجارية فجعل الغاية في سن الغلام خمس عشرة سنة وهي حال البلوغ، والغاية في سن الجارية عشرين سنة، لأن ثمن الغلام بعد البلوغ ينقص وثمن الجارية إلى العشرين، يزيد وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: لما لم يختلفا في أول السن وجب أن لا يختلفا في آخره.
والثاني: أن نقصان ثمنه مقابل لزيادة نفعه فتعارضا وتساوا فيهما الجارية والغلام، لأن تأثير السن في الجارية أكثر من تأثيره في الغلام.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وليس عليه أن يقبلها معيبةً ولا خصيًا؛ لأنه ناقصٌ عن الغرة وإن زاد ثمنها بالخصاء".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، يعتبر في الغرة السلامة من العيوب كلها وإن لم يعتبر في الكفارة من العيوب إلا ما أضر بالعمل فيها للفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الرقبة في الكفارة مطلقة فجاز أن يلحقها بعض العيوب وفي الغرة مقيدة بما يقتضي السلامة من جميع العيوب، ولذلك جاز في الكفارة من نقص السن ما لم يجز في الغرة.
والثاني: أن الكفارة حق الله تعالى تقع فيه المباشرة والغرم عوض لآدمي يعتبر فيه السلامة كما يعتبر السلامة من العيوب في إبل الدية.
فأما الخصي والمجبوب فلا يؤخذ في الغرة، لأنه وإن كان أزيد ثمنًا فإنه أقل نفعًا ويجزئ في الغرة ذات الصنعة وغيرها، لأن الصنعة زيادة على كمال الخلقة فلم يعتبر فيها كما لم يعتبر فيها الاكتساب.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وقيمتها إذا كان الجنين حرًا مُسلمًا نصف عُشر دية مسلمٍ".
قال في الحاوي: اعلم إن إطلاق الغرة لا ينفي عنها جهالة الأوصاف فاحتيج إلى تقديرها بما ينفي للجهالة عنها لتساوي جميع الديات في الصفة فعدل إلى وصفها بالقيمة؛ لأنها أنفي للجهالة فقومت بنصف عشر الدية خمس من الإبل، أو ستمائة درهم أو

خمسين ديناراً مع وصفها بما قدمنا من السن والسلامة من العيوب فلا يقبل منه بغرة في الجنين الحر المسلم إلا بهذه القيمة، وإنما كان كذلك لأمرين: أثر، ومعنى.
فأما الأثر فهو ما روي عن عمر وعلي وزيد رضي الله عنهم أنهم قدروها بهذا القدر الذي لم يخالفوا فيه فكان إجماعاً.
وأما المعنى: فهو أنه لما كان الجنين على أقل أحوال الإنسان اعتبر فيه أقل ما قدره الشرع من الديات وهو دية الموضحة، ودية السن المقدرة بخمس من الإبل هي نصف عشر دية النفس فجعل أقل الديات قدراً حداً لأقل النفوس حالاً.
فصل: فإذا ثبت تقديرها بنصف عشر الدية فقد اختلف أصحابنا فيما يقوم به على وجهين: أحدهما: وهو قول البصريين إنها تقوم بالإبل؛ لأن الإبل أصل الدية، فإن كانت الجناية على الجنين خطأ محضاً فهي مقدرة بخمس من الإبل أخماس: جذعة وحقة وبنت لبون، وبنت مخاض، وابن لبون، وإن كانت عمد الخطأ فهي مقدرة بخمس من الإبل أثلاث جذعة، وخلفتان ونصف، وحقة ونصف وليس يمكن أن تقوم الغرة بالإبل، لأنها ليست من جنس القيم فوجب أن يقوم الخمس من الإبل الأخماس في الخطأ والأثلاث في عمد الخطأ بالورق، لأنها أصل القيم، فإن بلغت قيمتها في التغليظ ألف درهم وفي التخفيف سبعمائة درهم أخذنا منه غرة عبد أو أمة قيمتها في جناية الخطأ المحض سبعمائة درهم وقيمتها في جناية عمد الخطأ ألف درهم.
والوجه الثاني: وهو قول جمهور البغداديين أننا نقدرها بالورق المقدرة بالشرع دون الإبل، لأن الإبل ليست من أجناس القيم ولا هي مأخوذة فتكون عين المستحق، وإذا قومت بالإبل احتيج إلى تقويم الإبل فوجب أن يعدل في تقويم الغرة إلى ما هو أصل في القيم وهي الورق، فعلى هذا تقوم الغرة في الخطأ المحض بستمائة درهم ويزاد عليها في عند الخطأ ثلثها، فتقوم فيه بثمان مائة درهم، وعلى هذا يكون التفريع.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كان نصرانياً أو مجوسياً فنصف عشر دية نصراني أو مجوسي، وإن كانت أمه مجوسية وأبوه نصرانياً أو أمه نصرانية وأبوه مجوسياً فدية الجنين في أكثر أبوابه نصف عشر دية نصراني ". قال في الحاوي: وجملة ذلك أنه إذا كان في الجنين الناقص نصف عشر الدية الناقصة والكامل ما كمل بالحرية والإسلام وقد مضى، والناقص ما نقص بكفر أو رق، فإذا جرى على الجنين حكم الكفر لكفر أبويه لم يخل حال أبويه من أن تتفق ديتها أو

تختلف، فإن اتفقت دياتهما فكانا نصرانيين أو يهوديين أو مجوسيين فدية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم فتكون قيمة الغرة في الجنين اليهودي والنصراني على مذهب البصريين بعيراً وثلثين أخماساً في الخطأ المحض، وأثلاثاً في عمد الخطأ، وعلى مذهب البغداديين قيمتها مائتا درهم عشر دية المسلم، فتكون قيمة الغرة في الجنين المجوسي على مذهب البصريين ثلث بعير، وعلى مذهب البغداديين أربعين درهماً، والغرة بهذه القيمة معوزة فوجب أن يكون هذا القدر هو المستحق فيها.
فصل: وإن اختلفت دية أبويه فكان أحدهما نصرانياً والآخر مجوسياً، فمذهب الشافعي أنه يعتبر بأغلظ أبويه دية وهو النصراني أباً كان أو أماً، فتجب فيه الغرة الواجبة في الجنين النصراني لأمرين: أحدهما: أن موضوع الدية على التغليظ فوجب أن يكون معتبراً بأغلظهما دية كما لو كان أحد أبويه مسلماً، والأخر كافراً اعتبر فيه دية المسلم دون الكافر تغليظاً، وكما يعتبر في الصيد المتولد من بين مأكول وغير مأكول أغلظ حاليه في إيجاب الجزاء وتحريم الأكل.
والثاني: أن كمال الدية أصل في ضمان النفوس فلم ينقص منها إلا المتحقق دون المشتبه والمتحقق من النقصان هو حال أغلظهما دية، لأن ما دونه محتمل مشتبه، فلذلك وجب أن يعتبر بالأغلظ الأعلى دون الأقل الأدنى، واعتباره عندي بأقلها دية أولى وأشبه بالأصول لأربعة أمور: أحدها: أن الأصل فيمن لم تتحقق حياته سقوط الغرم إلا ما خصه الشرع من حال الجنين فلم يوجب فيه إلا ما تحققناه وهو الأقل دون ما شككنا فيه من الأكثر، ولذلك اعتبرت قيمة الغرة بأقل الديات دون أكثرها.
والثاني: أن الأصل براءة الذمة فلم توجب فيها إلا ما تحققناه.
والثالث: أن الأصل في الكفر الإباحة إلا ما حظرته الذمة فلم يعلق بالحظر إلا ما تحققناه.
والرابع: أنه قد تقابل فيه إيجاب وإسقاط، فوجب أن يغلب حكم الإسقاط على الإيجاب حكماً كما تسقط الزكاة فيما تولد من بين غنم وظباء تغليباً للإسقاط على الإيجاب والانفصال عما توجه به قول الشافعي ظاهراً إذا حقق والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو جني على أمةٍ حاملٍ فلم تلق جنينها حتى

عمقت أو على ذمية فلم تلق جنينها حتى أسلمت ففيه غرة لأنه جني عليها وهي ممنوعة ". قال في الحاوي: أما جنين الأمة فقد يكون تارة حراً إن كان من سيدها ومملوكاً إن كان من زوج أو زنا، فإن كان حراً ففيه غرة كاملة، سواء ألقته وهي على رقها أو بعد عتقها، وإن كان مملوكاً ففيه عشر قيمة أمة، وخالفت فيه أبو حنيفة وقد ذكره الشافعي في الباب الذي يليه ونحن نستوفي الكلام فيه، فإن أعتقت الأمة بعد إلقاء جنينها لم يؤثر عتقها فيه ووجب فيه عشر قيمتها، وإن أعتقت بعد ضربها وقبل إلقائه عتق بعتقها تبعاً، لأن حمل الحرة حر، ووجب فيه غرة كاملة، سواء كان أكثر من عشر قيمة الأم أو أقل كالحر إذا أعتق بعد الجناية عليه ثم مات وجب فيه دية حر، سواء كانت أكثر من قيمته أو أقل، وللسيد من الغرة أقل الأمرين من قيمة الغرة أو عشر قيمة الأم كما كان له من دية العبد إذا أعتقه بعد الجناية، وقبل موته أقل الأمرين من قيمته أو ديته، فإن كانت الغرة أقلهما أخذها السيد كلها بحق ملكه، وإن كان عشر قيمة الأم أقل أخذ من قيمة الغرة عشر قيمة الأم وكان باقيها لورثة الجنين.
فصل: وأما جنين الذمية فإن كان أبوه مسلماً فالجنين مسلماً في الحكم وفيه غرة كاملة وإن كان ذمياً فالجنين ذمي في الحكم، وفيه ما قدمناه من جنين أهل الذمة، فإن أسلمت الذمية أو زوجها بعد إلقاء جنينها لم يؤثر إسلام واحد منهما في الجنين لتقدمه على الإسلام، ووجب فيه ما يجب في الجنين الذمي، وكان ذلك موروثاً بينهما يشترك فيه المسلم والكافر، لأنه موروث في الكفر قبل حدوث الإسلام، وإن أسلمت بعد ضربها وقبل إلقائه أو أسلم زوجها دونها صار الجنين مسلماً بإسلام كل واحد من أبويه، فيجب فيه إذا ألقته بعد الإسلام غرة كاملة دية جنين مسلم؛ لأن الجناية ما استقرت فيه غلا بعد ثبوت إسلامه كما لو أسلم المجني علي بعد الجناية ثم مات وجبت فيه دية مسلم لاستقرارها فيه بعد إسلامه وتكون هذه الغرة الواجبة فيه موروثة للمسلم من أبويه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "في كتاب الديات والجنايات ولا أعرف أن يدفع للغرة قيمة إلا ان يكون بموضع لا توجد فيه.
قال المزني: هذا معنى أصله في الدية أنها الإبل لأن النبي صل الله عليه وسلم قضى بها فإن لم توجد فقيمتها فكذلك الغرة إن لم توجد فقيمتها ". قال في الحاوي: أما إذا كانت الغرة موجودة فلا يجوز العدول عنها إلى الإبل ولا

ورق ولا ذهب، سواء قيل في دية النفس إنه مخير بين الإبل والورق والذهب على قوله في القديم، أو قيل: لا يؤخذ فيها إلا الإبل مع وجودها على قوله في الجديد، وإنما كان كذلك للفرق بينهما شرعاً في أن النص لم يرد في الجنين إلا بالغرة، وإنما عدل إلى قيمتها بالاختلاف نفياً للجهالة عنها، والنص وارد في دية النفس بالإبل والورق والذهب فافترقا، فإن عدمت الغرة دعت الضرورة غلى العدول غلى قيمتها كالطعام المغصوب الذي يستحق مثله، فإن عدم المثل عدل إلى قيمته، وفي المعدول غليه من القيمة وجهان بناء على اختلاف الوجهين فيما يقوم به الغرة مع وجودها: أحدهما: وهو قول البغداديين: يعدل عند عدمها غلى الورق إذا قيل غنها تقوم بالورق، فعلى هذا تؤخذ عنها في الخطأ المحض ستمائة درهم وفي عمد الخطأ ثمانمائة درهم.
والثاني: وهو قول البصريين: يعدل على الغرة عند عدمها إلى الإبل إذا قيل تقوم بقيمة خمس من الإبل، فعلى هذا يؤخذ في الخطأ المحض خمس من الإبل أخماساً، وفي عمد الخطأ خمس من الإبل أثلاثاً، فإن أعوزت الإبل صار كإعوازها في دية النفس، فهل يعدل إلى قيمتها ما بلغت، أو إلى المقدر فيها من الورق والذهب على ما مضى من القولين؟ القديم منها يعدل غلى المقدر فيجب عنها ستمائة درهم أو خمسون ديناراً يزاد عليها في التغليظ ثلثها، وعلى قوله في الجديد يعدل عنها إلى قيمة خمس من الإبل ما بلغت قيمتها من ورق أو ذهب والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ويغرمها من يغرم ديه الخطأ ". قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن العمد المحض في الجناية على الجنين يمتنع لامتناع مباشرته لها، وكانت من بين خطأ محض تتخفف فيه الغرة كما تتخفف ديات الخطأ وبين عمد الخطأ تتغلظ فيه الغرة كما تتغلظ ديات عمد الخطأ، وإذا كان كذلك وجبت الغرة على العاقلة في حالي تخفيفها وتغليظها وأوجبها مالك في مال الجاني بناء على أصله في أن العاقلة لا تتحمل عنده إلا ما زاد على ثلث الدية، والدليل عليه مع ما تقدم من دليل الأصل أن النبي صل الله عليه وسلم قضى بالغرة في الجنين على العاقلة، فقالوا: كيف ندى من لا ضرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك بطل، وفي مدة ما تؤديها العاقلة وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: تؤديها في ثلاث سنين، لأنها دية نفس فشابهت كمال الدية.
والثاني: تؤديها في سنة واحدة، لأن قسط العاقلة في كل سنة من دية النفس ثلثها،

والغرة أقل من الثلث فكان أولى أن تؤدى في سنة واحدة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن قامت البينة أنها لم تزل ضمنة من الضربة حتى طرحته لزمه وإن لم تقم بينة حلف الجاني وبرئ ". قال في الحاوي: وجملة مال المرأة في ضمان جنينها ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن تدعي على رجل أنه ضرب بطنها حتى ألقت جنيناً ميتاً فينكر الجاني الضرب، فالقول قوله مع يمينه لبراءة ذمته إلا أن تأتي بينة تشهد عليه بضربها فيحكم بها، ويلزمه دية جنينها، وبينتها عليه شاهدان أو شاهد وامرأتان، ولا يقبل منها شهادة النساء المنفردات.
والثاني: أن يعترف بضربها وينكر أنه جنينها ويدعي أنها التقطته فالقول قوله مع يمينه لبراءة ذمته إلا أن تقيم بينة على إسقاطه وبينتها شاهدان أو شاهد وامرأتان، أو أربع نسوة عدول، لأنها بينة على ولادة، فإن شهدت البينة أنها أسقطت هذا الجنين الميت يعينه حكم لها بإسقاطه وديته، وإن شهدوا أنها ألقت جنيناً ولم يعينوه في الجنين الذي أحضرته فهذا على ضربين: أحدهما: أن يشهدوا لها بموت الذي ألقته وإن لم يعينوه فيحكم لها بالدية، لأنهم قد شهدوا لها بجنين مضمون وتعيينه لا يفيد.
والثاني: أن لا يشهدوا بموته فهذا على ضربيين: أحدهما: أن يكون لمدة لا يعيش لمثلها فيحكم لها بديته.
والثاني: أن يكون لمدة لا يجوز أن يعيش لمثلها لم يقبل قولها في موته، لأن الذي أحضرته ميتاً لم يشهدوا لها بإسقاطه والذي شهدوا بإسقاطه لم يشهدوا لها بموته.
والثاني: أن يعترف بضربها وإسقاط جنينها فهذا على ضربين: أحدهما: أن تلقيه عقيب ضربها، فالظاهر أنها ألقته ميتاً من ضربة وإن جاز أن تلقيه من غير فعليه دية الجنين، فإن ادعى أنها ألقته من غير الضرب من طلق أو شرب دواء كان القول قولها مع يمينها؛ لأن الظاهر معها.
والثاني: أن تلقيه بعد زمان طويل من ضربها، فإن لم تزل مضنية مرضية من وقت الضرب إلى وقت الإسقاط فالظاهر من إلقائه ميتاً أنه من الضرب، فتجب دينه على الضارب فإن ادعى عليها إسقاطه من غيرها أحلفها وضمن ديته، فإن سكن ألمها بعد الضرب وألقته بعد زوال الألم فالظاهر أنها ألقته من غير الضرب فلا تلزمه، فإن ادعت أنها ألقته من ضربه أحلفته، وليس يحتاج في هذه الأحوال كلها عند التنازع غلى بينة؛ لأن

البينة تشهد بالظاهر وحكم الظاهر معروف، ولكن لو ادعت بعد تطاول المدة أنها ألقته من ضربه وأنكرها، فإن قامت البينة على أنها لم تزل مضنية مريضة حتى ألقته كان القول قولها، فإن أنكر أن يكون من ضربه أحلفها، وإن لم تقم البينة بمرضها فالقول قوله ولها إحلافه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن صرخ الجنين أو تحرك ولم يصرخ ثم مات مكانه فديته تامة وإن لم يمت مكانه فالقول قول الجاني وعاقلته إنه مات من غير جناية ". قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا ألقت من الضرب جنيناً حياً ثم مات ففيه الدية كاملة، إن كان ذكراً فمائة من الإبل، وإن كان أنثى فخمسون من الإبل وحياته تعلم بالاستهلاك تارة وبالحركة القوية أخرى، والاستهلال هو الصياح والبكاء، وفي معناه العطاس والأنين.
وأما الحركة القوية فمثل ارتضاعه، ورفع يده، وحطها، ومد رجله، وقبضها، وانقلابه من جنب إلى جنب إلى ما جرى هذا المجرى من الحركات التي لا تكون إلا في حي.
فأما الاختلاج والحركة الضعيفة فلا تدل على الحياة، لأن لحم الذبيحة قد يختلج ولا يدل على بقاء الحياة، وإنما تثبت حياته بأحد أمرين: استهلال، أو حركة قوية.
وبه قال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء.
وقال مالك: تثبت حياته بالاستهلال ولا تثبت بالحركة.
وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين، واختلفوا في العطاس هل يكون استهلال؟ فأثبته بعضهم ونفاه آخرون، واستدلوا على أن ماعدا الاستهلال لا تثبت به الحاية بما روي عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "إذا استهل المولود صلي عليه وورث "فخص الاستهلال بحكم الحياة فدل على أنه لا يثبت بغيره ولأنه لما استوي حكم قليل الاستهلال وكثيره في ثبوت الحياة وجب أن يستوي حكم قليل الحركة وكثيرها في عدم الحياة.
ودليلنا: هو أن ما دل على حياة الكبير دل على حياة الصغير كالاستهلال، ولأن من دل الاستهلال على حياته دلت الحركة على حياته كالكبير.

فأما الخبر ففيه نص على الاستهلال وتنبيه على الحركة، وأما قليل الحركة فما خرج عن حد الاختلاج دل على الحياة من قليل كثير، وما كان اختلاجاً فليس بحركة فقد استوي حكم الحركة في قليلها وكثيرها.
فصل: فإذا ثبت أن حكم الاستهلال والحركة في ثبوت الحياة سواء فمتى كان الاستهلال بعد انفصاله من أنه تثبت حياته، وإن استهل قبل انفصاله عند خروج بعضه منها وبقاء بعضه معها ثم انفصل منها لم يثبت له حكم الحياة ولم تكمل ديته.
وبه قال أبو حنيفة: وقال أبو يوسف، ومحمد، وزفر والحسن بن صالح: إن علمت حياته عند خروج أكثره ثبت له حكم الحياة في الميراث وكمال الدية، وإن كان عند خروج أقله لم يثبت اعتباراً بالأغلب، وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنه إن يرى على ما قبل الانفصال حكم الحياة وجب أن يستوي حكم أقله وأكثره في ثبوتها للعلم بها، وإن لم يجر حكمها على القليل لم يجر على أكثره للاتصال وعدم الانفصال؛ ولأنه لما استوي وخرج أقله وأكثره في بقاء العدة وجب أن يستويا في الميراث وكمال الدية.
فصل: فإذا صح ما ذكرنا وثبتت حياته بعد انفصاله باستهلال أو حركة ثم مات فلا يخلو حال موته من أحد أمرين: إما أن يكون عقيب سقوطه، أو متأخراً عنه، فإن مات عقيب سقوطه فالظاهر من موته أنه كان من ضرب أمه، لأنه لما تعلق بالضرب حكم إسقاطه تعلق به حكم موته إلا أن تحدث عليه بعد سقوطه جناية فيصير موته منسوباً إلى الجناية الحادثة دون الضرب المتقدم، مثل أن تنقلب عليه أمه بعد إلقائه فيصير موته بانقلاب أمه عليه فتجب ديته عليها تتحملها عاقلتها إن لم تعمد ذلك، ولا ترثه، لأنها صارت قاتلة، وعليها الكفارة، ولو عصرته برحمها عند خروجه ثم مات بعد انفصاله لم تضمنه وكانت ديته على الضارب، لأن عصرة الرحم قل ما يخلو منها مولود ووالدة.
ولو جرحه جارح بعد سقوطه كانت ديته على جارحه دون ضارب أمه.
فإن قيل فهلا كان كالجارحين بضمانه معاً؟ قيل: لأن جناية الضارب سبب وجناية الجارح مباشرة واجتماعهما يوجب تعليق الحكم بالمباشرة دون السبب، فلو اختلف ضارب الأم ووارث الجنين في موته بعد سقوطه فادعى الوارث موته بالضرب المتقدم وادعى الضارب موته بجناية حدثت فالقول قول الوارث مع يمينه، والضارب ضامن لديته، لأننا على يقين من ضربه وفي شك من جناية غيره، فلو أقام الضارب البينة أنه مات بجناية غيره برئ من ديته بالبينة ولم يحكم

بها على الجاني، لأن الوارث مبرئ للجاني ومكذب للبينة بمطالبة الضارب، فهذا حكمه إذا مات عقيب سقوطه.
فصل: فأما إذا تأخرت فمات بعد يوم فما زاد نظر في حاله مدة حياته، فإن لم يزل فيها ضمناً مريضاً حتى مات فالظاهر من موته أنه بضربه فعليه الغرة.
والثاني: أن يكون مدة حياته ساكناً سليماً، فالظاهر من موته أنه من غير الضرب المتقدم، لأنه قد يموت من غير ضرب فلا شيء على الضارب، فإن ادعى الوارث عليه موته من ضربه أحلفه وبرئ بعد يمينه، ولو اشتبهت حاله مدة حياته هل كان فيها ضمناً مريضاً وساكناً سليماً سئل عنه أهل الخبرة من قوابل النساء، لأنهن بعلل المولود أخبر من الرجال، فإن شهدن بمرضه ضمن الضارب ديته، وإن شهدت بصحته لم يضمنها.
قال الربيع: وفيه قول آخر إنه لا تقبل فيه إلا شهادة الرجال، لأنه قد تعرفه منهم من يعرفه، فمن أصحابنا من أثبته قولاً للشافعي ومنهم من أنكره ونسبه إلى الربيع فلو أدعى الوارث مرضه في مدة حياته ليكون الضارب ضامناً لديته وادعى الضارب أنه كان صحيحاً فيها ليبرأ من ديته فالقول قول الضارب مع يمينه، لأن الأصل براءة ذمته ولا ضمان عليه إلا أن يقيم الوارث البينة بمرضه فيحكم بعد إقامتها بمرضه، ويصير القول قول الوارث مع يمينه أنه مات من الضرب ويضمن الضارب ديته، ويجوز أن يشهد بمرضه النساء المنفردات على الظاهر من مذهب الشافعي؛ لأنها حالة يشهدها النساء وهو بمرض المولود أعرف من الرجال، وفيه تخريج قول آخر للربيع إنه لا يسمع فيه إلا شهادة الرجال، إما حكاية عن الشافعي أو تخريجاً عن نفسه على ما قدمناه.
فصل: ولو اختلفنا في استهلال المولود فادعاه الوارث وأنكره الضارب جاز أن يقبل فيه شهادة النساء المنفردات كما يقبل في الولادة، لأنها حال لا يكاد يحضرها الرجال.
فإن شهدن باستهلاله وحياته قضى على الضارب بديته تتحملها عنه العاقلة، مائة من الإبل إن كان ذكراً أو خمسون من اقبل إن كان أنثى، فلو أقام الضارب البينة أنه سقط ميتاً ولم يستهل حكم ببينة الاستهلال، لأنها تثبت ما نفاه غيرها، وقد يجوز أن يقف على الاستهلال بعض الحاضرين دون بعض فغلب حكم الإثبات على النفي، وإن عدمت البينة لم يخل حال الضارب وعاقلته عند التناكر من ثلاثة أقسام: أحدها: أن ينكر الضارب والعاقلة معاً حياة الجنين ويدعو أنه سقط ميتاً وقد ادعى الوارث حياته، فالقول قول الضارب وعاقلته مع إيمانهم أنه سقط ميتاً؛ لأن الأصل براءة الذمة وأنه لم يستقر للجنين حكم الحياة، فإذا اختلفوا وجبت الغرة دون الدية.
والثاني: أن يعترف العاقلة بحياة الجنين وينكرها الضارب، فتتحمل العاقلة دية

كاملة، ولا يمين على الضارب، لأن وجوب الدية على العاقلة المعترفة بها.
والثالث: أن يعترف الضارب بحياة الجنين وتنكرها العاقلة فلا تلزم العاقلة ما اعترف به الجاني لما قدمناه من قول النبي صل الله عليه وسلم: "لا تحمل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً "وإذا كان كذلك توجهت اليمين على العاقلة يستحقها الضارب دون وارث الجنين؛ لأنه يصل إلى الدية من الضارب، وإنما سقط بإنكارهم تحملها من الضارب فلذلك كان هو المستحق لإحلاف العاقلة دون الوارث، فإذا حلفوا وجبت عليهم الغرة، وقيمتها خمس من الإبل هي نصف عشر دية الذكر وعشر دية الأنثى، وتحمل الضارب باقي الدية، فإن كان الجنين ذكراً لزمه تسعة أعشار ديته ونصف عشرها، وهو خمسة وتسعون بعيراً، وإن كان أنثى لزمه تسعة أعشار ديتها وهو خمسة وأربعون بعيراً وعلى قياس هذا ما عداه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو خرج حياً لأقل من ستة أشهر فكان في حال لم يتم لمثله حياة قط ففيه الدية تامة وإن كان في حال تتم فيه لأحد من الأجنة حياة ففيه الدية.
قال المزني: هذا سقط من الكاتب عندي إذا أوجب الدية لأنه بحال تتم لمثله الحياة أن تسقط إذا كان بحال لا تتم لمثله حياة ". قال في الحاوي: وصورتها في امرأة ألقت من الضرب جنيناً متحركاً فحركته ضربان: حركة اختلاج، وحركة حياة، فحركة الاختلاج لا تجري عليها أحكام الحياة، وتجب فيه الغرة دون الدية، وحركة الحياة تجري عليها أحكام الحياة ويجب فيها الدية والفرق بين حركة الاختلاج، وحركة الحياة، أن حركة الاختلاج سريعة تتكرر كالرعشة في اليد، وتكون في أعضاء الحركة وغيرها.
وحركة الحياة بطيئة لا يسرع تكرارها وتختص بأعضاء الحركة دون غيرها فإذا كان في الجنين حركة حياة كملت فيه دية الحي، وجرى عليه في الميراث حكم الحياة، سواء ألقته لستة أشهر فصاعداً في زمان لا يتم حياة مثله.
فأما المزني فإنه اعترض في هذه المسألة ونسب الكاتب إلى الغلط، وقال إذا أوجب الشافعي فيه الدية إذا كان في حال تتم لمثله حياة اقتضى أن لا تجب فيه الدية إن كان في حال لا تتم لمثله حياة، وليس يخلو اعتراضه هذا من أحد أمرين: إما أن يكون مقصوراً على تغليط الكاتب وسهوه في النقل وأن الشافعي قد أفصح بذلك في كثير من كتبه، وليس بمنكر أن يذكر قسمين ويجيب عنهما بجواب واحد لاشتراكهما في معناه.
وإما أن يكون معترضاً بذلك في الجواب ويرى أنه إذا لم تتم لمثله حياة لم تجب

فيه الدية فهو خطأ منه فيما خالف فيه مذهب صاحبه من وجهين: أحدهما: أنه استوي في الكبير حال ما تطول حياته بالصحة وحال من أشفي على الموت بالمرض في وجوب الدية والقود لاختصاصه بإفاته حياة محفوظة الحرمة في قليل الزمان وكثيره وجب أن يستوي حال الجنين فيمن تتم حياته أو لا تتم في وجوب الدية، لأنه قد أفات حياة وجب حفظ حرمتها في قليل الزمان وكثيره.
والثاني: أن وجوب الغرة في الجنين إنما كانت لأنه لم يعلم حياته عند الجناية وجاز أن يكون ميتاً قبلها، وإذا سقط حياً تحققنا وجوب عند الجناية فاستوي حكم قليلها وكثيرها.
مسألة: قال المزني رضي الله عنه: "وقد قال: لو كان لأقل من ستة أشهر فقتله رجل عمداً فأراد ورثته القود فإن كان مثله يعيش اليوم أو اليومين ففيه القود ثم سكت.
قال المزني كأنه يقول: إن لم يكن كذلك فهو في معنى المذبوح يقطع باثنين أو المجروح تخرج منه حشوته فتضرب عنقه فلا قود على الثاني ولا دية وفي هذا عندي دليل وبالله التوفيق ". قال في الحاوي: وهذه مسألة أوردها المزني احتجاجاً لنفسه وهي حجاج عليه؛ لأن الشافعي قد أوجب القود والدية في المقتول لأقل من ستة أشهر إذا كانت فيه حياة قوية وإن لم تتم ولم يدم؛ لأنه لا يجوز أن يعيش في جاري العادة لأقل من ستة أشهر فبطل به ما وطنه المزني من غلط الناقل وما ذهب إليه من مخالفة الشافعي، ثم نشرح المذهب فيها فنقول: لا تخلو حياة الملقي لأقل من ستة أشهر من أن تكون قوية أو ضعيفة، فإن كانت قوية تعيش منها اليوم واليومين فحكمه حكم غيره من الأحياء: إن قتله القاتل عمداً فعليه القود، وإن قتله خطأ فعليه الدية، وإن ضمنه الثاني بقود أو دية سقط ضمانه عن الضارب فلم يلزمه فيه غرة ولا دية، وكان مختصاً بضرب الأم وإجهاضها فلا يلزمه أرش ضربها إلا أن تؤثر في جسدها، وفي وجوب الحكومة عليه في إجهاضها قولان تقدما.
فإن كانت حياة الجنين ضعيفة لا يعيش بها أكثر من ساعة أو بعضها فهو في حكم التالف بالضرب المتقدم دون القتل الحادث، فتكون ديته على الضارب ولا يلزمه فيه قود بحال، ولا شيء على قاتله، ويكون في حكم من قطع مذبوحاً باثنين أو ضرب عنق مبقور البطن فخرج الحشوة، فيكون الأول قاتله دون الثاني، فيعزر ولا يلزمه غرم ولا كفارة، فلو وقع التنازع في حياته عنه قتل الثاني هل كانت قوية يضمنها الثاني أو ضعيفة يضمنها

الأول؟ فالقول فيه قول الثاني مع يمينه، والضمان على الأول دونه، لأننا على يقين من ضمان الأول بالضرب وفي شك من ضربان الثاني بالقتل، ولأن الأصل ضعف الحياة حتى يعلم قوتها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ضربها فألقت يدًا وماتت ضمن الأم والجنين لأني قد علمت أنه قد جني على الجنين".
قال في الحاوي: إذا ألقت من الضربة يدًا وماتت ضمن الأم والجنين، ضمن دية نفسها، وغرة جنينها، وإن لم تلقه، لأن إلقاء يده دليل على أن في بطنها جنينًا، لأن اليد لا تخلق على انفراد حتى تكون من جسد، فلو ألقت بعد اليد جنينًا نظر فيه، فإن لم تكون له يد فتلك اليد منه فتجب فيه غرة واحدة، لأنه جنين واحد، إن كان الجنين كامل اليدين فتلك اليد من جنين آخر فيلزمه غرمان وكفارتان، لأنهما جنينان.
فإن قيل: فيجوز أن تكون تلك اليد يدًا زائدة قيل محل الأعضاء الزائدة مخالف لمحل الأعضاء التي من أصل الخلقة، فإن كان لها في الجنين أثر الزيادة فليس فيه إلا غرة واحدة وإن لم تكن فيه أثر الزيادة ففيه غرمان، وإن احتمل الأمرين ففيه غرة واحدة، لأنها يقين ثم ينظر في إلقاء اليد، فإن ألقتها قبل موتها ورثت من الغرة، وإن ألقتها بعد موته لم ترث منها، ولو ألقت اليد قبل موتها والجنين بعد موتها، فإن كانت اليدين من الجنين ففيه غرة واحدة ترث منها، وإن كانت من غيره ففيها غرتان ترث من الأولى ولا ترث من الثانية.
فصل: ولو عاشت المضروبة بعدم إلقاء اليد ولم تلق بعد اليد جنينًا لم يضمن الضارب إلا يد جنين بنصف الغرة؛ لأن يد الحي مضمونة بنصف ديته فضمنت يد الجنين بنصف غرته، ولا يضمن باقي الجنين؛ لأننا لم نتحقق تلفه.
فصل: وإذا اصطدمت امرأتان حاملتان فماتتا وألقت كل واحدة منهما جنينًا ميتًا فموت كل واحدة منهما وإلقاء جنينها بصدمتها وصدمة صاحبتها فعلى كل واحدة منهما نصف دية صاحبتها ونصفها الباقي هدر، لأنه في مقابلة جنايتها على نفسها، فأما جنيناهما فجنين كل واحدة منهما مضمون على أمه وعلى صاحبتها، فيلزم كل واحدة منهما نصف غرة في جنينها ونصف غرة في جنين صاحبتها، فتصير كل واحدة منهما ملتزمة لغرة كاملة، ولا

ينهدر شيء من غرة الجنين وإن أنهدر النصف من دية الأمين، يجب عليها ثماني كفارات، لأنهما قد اشتركا في قتل أربعة فلزم عن كل واحدة منهم كفارتان لاشتراك اثنين فيه.
فصل: وإذا طفرت الحامل فألقت جنينًا ميتًا فإن لم تخرج الطفرة عن عادة مثلها من الحوامل ولا كان مثلها مسقطًا للأجنة لم تضمنه، وإن خرجت عن عادة مثلها وكانت الأجنة تسقط بمثل طفرتها ضمنته بالغرة والكفارة، ولم ترث من الغرة؛ لأنها قاتلة، وهكذا لو شربت الحامل دواءً فأسقطت جنينًا ميتًا روعي حال الدواء فإن زعم علماء الطب ان مثله قد يسقط الأجنة ضمنت جنينها، وإن قالوا: مثله لا يسقط الأجنة لم تضمنه، وإن أشكل وجوزوه ضمنته؛ لأن الظاهر من سقوطه أنه من حدوث شربه، ولو امتنعت الحامل من الطعام والشراب حتى ألقت جنينها وكانت الأجنة تسقط من جوع الأم وعطشها نظر، فإن دعتها الضرورة إلى الجوع والعطش للإعواز والعدم فلا ضمان عليها، وإن لم تدعها ضرورة إليه ضمنته، ولو جاعت وعطشت من صوم فرض أو تطوع ضمنت، لأنها مع الخوف على جملها مأمورة بالإفطار منهية عن الصيام والله أعلم بالصواب.

باب جنين الأمة

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي جنين الأمة عُشر قيمة أمه يوم جني عليها ذكرًا كان أو أنثى، وهو قول المدنيين.
قالي المُزَني: القياس على أصله عُشر قيمة أمه يوم تلقيه لأنه قال: لو ضربها أمة فألقت جنينًا ميتًا ثم أعتقت فألقت جنينًا آخر فعليه عشر قيمة أمه لسيدها وفي الآخر ما في جنين حرة لأنه ولورثته.
قال الشافعي: قال محمد بن الحسن للمدنيين: أرأيتم لو كان حيًا أليس فيه قيمته وإن كان أقل من عُشر ثمن أمه ولو كان ميتًا فعُشر أمه فقد أغرمتم فيه ميتًا أكثر مما أغرمتم فيه حيًا.
قال الشافعي رحمه الله: أليس أصلك جنين الحرة التي قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر عنه أنه سأل أذكر هو أم أنثى؟ قال: بلى قلت: فجعلت وجعلنا فيه خمسًا من الإبل أو خمسين دينارًا إذا لم يكن غرة؟ قال: بلى قلت: لو خرجا حيين ذكرًا وأنثى فماتا؟ قال: في الذكر مائة وفي الأنثى خمسون.
قلت: فإذا زعمت أن حكمهما في أنفسهما مختلفان فلم سويت بين حكمهما ميتين أما يدلك هذا أن حكمهما ميتين حكم غيرها ثم قست على ذلك جنين الأمة فقلت: إن كان ذكرًا فنصف عُشر قيمته لو كان حيًا وإن كان أنثى فعُشر قيمتها لو كانت حية أليس قد جعلت عقل الأنثى من أصل عقلها في الحياة وضعف عقل الرجل من أصل عقله في الحياة لا أعلمك إلا نكست القياس.
قال:

فأنت قد سويت بينهما من أجل أني زعمت أن أصل حكمهما حكم غيرهما لا حكم أنفسهما كما سويت بين الذكر والأنثى من جنين الحرة فكان مخرج قولي معتدلًا فكيف يكون الحكم لمن يخرج حيًا".
قال في الحاوي: في جنين الأمة إذا كان مملوكًا عشر قيمة أمه ذكرًا كان أو أنثى ويكون معتبرًا بأمه لا بنفسه.
وقال أبو حنيفة: جنين الأمة معتبر بنفسه يفرق بين الذكر والأنثى، فإن كان ذكرًا وجب فيه نصف عشر قيمته، وإن كان أنثى وجب فيها عشر قيمتها.
واستدل على اعتباره بنفسه أمرين: أحدهما: أنه لما وقع الفرق في جنين الأمة بين أن يكون مملوكًا أو حرًا وفي جنين الكافرة أن يكون مسلمًا أو كافرًا دل على اعتباره بنفسه لا بغيره.
والثاني: أنه من أبويه فلما لم يعتبر بأبيه لم يعتبر بأمه، وإذا سقط اعتباره بهما وجب اعتباره بنفسه.
واستدل على الفرق بين الذكر والأنثى بأمرين: أحدهما: أنه لما وقع الفرق في إلقائه حيًا بين الذكر والأنثى وجب أن يقع الفرق بينهما في إلقائه ميتًا.
والثاني: أنه موروث واستحقاق التوارث يوجب الفرق بين الذكر والأنثى كالوارث.
والدليل على اعتباره بغيره شيئان: أحدهما: أنه لما اعتبرت قيمة القيمة وليس له قيمة؛ لأنه إن قوم ميتًا لم تكن الميت قيمة، وإن قوم حيًا لم تكن له حياة فوجب أن يعدل عن تقويمه عند استحالتها إلى تقويم أصله كما يجعل العبد أصلًا للحر في الحكومات، ويجعل الحر أصلًا للعبد في المقدرات.
والثاني: أنه لو قوم بنفسه لوجب استيفاء قيمته كسائر المتلفات، ولما لم يستوفِ قيمته لاعتباره بغيره كان أصل التقويم أولى أن يكون معتبرًا بغيره.
والدليل على التسوية بين الذكر والأنثى شيئان: أحدهما: أن حرمته حرًا أغلظ من جرمته مملوكًا، فلما استوي الذكر والأنثى في أغلظ حاليه حرًا كان أولى أن يستوي في أخف حاليه مملوكًا.

والثاني: أن الفرق بين الذكر والأنثى يوجب تفضيل الذكر على الأنثى كالديات والمواريث وهم لا يفضلونه، وتفضيل الأنثى على الذكر وإن كان مذهبهم مفضيًا إليه مدفوع بالشرع فوجبت التسوية بينهما لامتناع ما عداه.
فأما الجواب عن استدلالهم بوقوع الفرق بين حريته ورقه وبين إسلامه وكفره فهو الدليل عليهم، لأنه لما اعتبر إسلامه وكفره وحريته ورقه بغيره لا بنفسه جاز مثله في بدل نفسه.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لما لم يعتبر بأبيه لم يعتبر بأمه فهو أنه لما كان في الملك تابعًا لأمه دون أبيه وجب في التقويم أن يكون تابعًا لها دونه.
وأما الجواب عن افتراق الأنثى والذكر في الحي فهو زوال الاشتباه في الحياة أوقع الفرق بينهما، بوقوع الاشتباه في الموت أوجب التسوية بينهما كالحر، وهو الجواب عن وقوع الفرق بينهما في الوارث دون الموروث.
فصل: فأما محمد بن الحسن فإنه استدل لنصرة مذهبه وإبطال مذهب مخالفه بأن اعتباره بغيره يفضي إلى تفضيل الميت على الحي، لأنه قد يكون قيمة أمه ألف دينار عشرها مائة دينار، وقيمته في حياته دينار واحد، فيجب فيه ميتًا مائة دينار، ويجب فيه حيًا دينار واحد، وما أفض إلى هذا كان باطلًا؛ لأن الحي مفضل على الميت كالحر فيقال له وقولكم مفضٍ إلى مخالفة الأصول من وجهين: أحدهما: أنكم فضلتم الأنثى على الذكر لأنكم أوجبتم في الأنثى عُشر قيمتها وفي الذكر نصف عشر قيمته، والأصول توجب تفضيل الذكر على الأنثى.
والثاني: أنكم أوجبتم فيمن كثرت قيمته أقل مما أوجبتموه فيمن قلت قيمته فقلتم في الذكر إذا كان قيمته خمسين دينارًا فيه نصف عشرها ديناران ونصف، وفي الأنثى إذا كانت قيمتها أربعين دينارًا فيها عشر أربعة دنانير، والأصول توجب زيادة الغرم عند زيادة القيمة فلم تنكر على نفسها وعلى أصحابك مخالفة أصول الشرع عن اختلاف الجهات عندنا وعندكم فقلنا وقلتم مع اتفاقنا وإياكم على تفضيل الحر على العبد: إن الغاصب لو مات في يد العبد المغصوب وجبت فيه قيمته وإن زاد على دية الحر وإن كان أنقص حالًا من الحر، ثم قلتم وحكم القتل أغلظ أنه لو قتله نقص من قيمته عن دية الحر فأوجبتم فيه غير مقتول أكثر مما أوجبتم فيه مقتولًا ولم تنكروا مثل هذا عند اختلاف الجهتين كذلك لم يمنع مثله في الجنين عند اختلاف الجهتين.
فصل: فإذا ثبت أن في جنين الأمة عشر قيمه أمه فمذهب الشافعي أن الاعتبار بقيمتها يوم

ضربها لا يوم إسقاطه وهو قول جمهور أصحابه.
وقال المزني: تعتبر قيمتها يوم إسقاطه وبه قال أبو سعيد الإصطخري احتجاجًا بأمرين: أحدهما: وهو احتجاج المزني أنه لو ضربها ثم أعتقت وألقت من ضربه جنين أحدهما قبل العتق والآخر بعده وجب في الجنين الذي ألقته قبل العتق عشر قيمتها وفي الجنين الذي ألقته بعد العتق غرة فدل على الاعتبار بوقت إلقائه لا وقت الضرب.
والثاني: وهو احتجاج الإصطخري أن الجناية إذا صارت نفسًا كان الاعتبار ببدلها وقت استقرارها كالجناية على العبد إذا أعتق وعلى الكافر إذا أسلم.
وهذا خطأ، لأن سراية الجناية إذا لم تتغير بحال حادثة كانت معتبرة بوقت الجناية دون استقرار السراية كالعبد إذا جني عليه ثم سرت إلى نفسه مع بقاء رقه، اعتبرت قيمته وقت الجناية دون استقرارها، ولو تغيرت حاله فأعتق قبل موته اعتبر بها وقت استقرارها، كذلك الجنين إذا لم يتغير حاله اعتبر وقت الجناية، وإن تغيرت اعتبر به وقت الاستقرار وفي هذا دليل وانفصال.
فصل: فإذا تقرر هذا تفرع عليه أن يضرب بطن حامل حربية فتسلم ثم تلقي جنينها ميتًا وتموت بعده، فعلى مذهب الشافعي لا يضمنها ولا يضمن جنينها، اعتبارًا بوقت الجناية أنها كانت غير مضمونة، وعلى مذهب المزني يضمن جنينها ولا يضمن نفسها، لأنه يعتبر جنينها بوقت الولادة وقد صارت مضمونة وتعتبر نفسها بوقت الجناية وقد كانت غير مضمونة، فإن قيل: فكيف يضمن الجناية عند سرايتها في الجنين إذا كانت هدرًا في الابتداء.
قيل: لأن الجناية على الجنين لا تكون إلا بالسراية إليه دون المباشرة فصارت السراية كالمباشرة في غيره وهو مقتضى تعليل المزني وإن كان بعيدًا.
ولو ارتدت حامل فضرب بطنها ثم أسلمت فألقت جنينًا ميتًا ثم ماتت ضمن جنينها ولم يضمن نفسها على المذهبين معًا بخلاف الحربية؛ لأن جنين المرتدة مضمون لا يجري عليه حكم الردة بخلاف أمه وجنين الحربية كأمه.
فصل: وإذا ضرب بطن أمة حامل لمملوك فأعتقها السيد ثم ألقت جنينًا ميتًا ففيه على الضارب غرة عبد أو أمة لاستقرار الجناية فيه بعد حريته، وللسيد منها أقل الأمرين من عشر قيمة أمه أو من الغرة كما لو أعتق عبده وقد جني عليه كان للسيد أقل الأمرين من قيمته أو ديته، فإن كانت الغرة أقل أخذها ولا شيء لوارث الجنين، وإن كانت عشر قيمتها أقل أخذها من قيمة الغرة، وكان باقي الغرة لوارث الجنين، فإن لم يكن له وارث

مناسب عاد إلى السيد وارثًا بالولاء.
فصل: وإذا وطئ الحر أمة غيره بشبهة وأتت بولد كان ولده منها حرًا، وعليه قيمته يوم ولد للسيد، ولأنه استهلك رقه عليه بشبهة، فإن ألقته ميتًا فلا شيء على الواطئ تغليبًا لاستهلاكه بالموت، فلو ضرب ضارب بطنها فألقت جنينًا ميتًا كان مضمونًا على الضارب بغرة عبد أو أمة للواطئ صار مضمونًا على الواطئ بعشر قيمة أمة للسيد، أما الغرة فإنما وجبت فيه لأنه حر فكانت لأبيه الواطئ دون السيد، وصار الواطئ مستهلكًا لرقه على السيد ولولائه لأخذ من الجاني عشر قيمة أمه فضمن الواطئ، ذلك للسيد، وإن كان كذلك لم تخل الغرة وعشر قيمة أمه من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يستويا لا يفضل أحدهما على الآخر فللسيد أن ينفرد بأخذها من الجاني ولا شيء فيها للواطئ ولا عليه، فإن أراد الواطئ أن يستوفيها من الجاني ويعطيها للسيد أو غيره كان ذلك له، لأن الغرة له وعشر القيمة عليه.
والثاني: أن تكون الغرة أكثر من عشر القيمة فللسيد أن يأخذ منها عشر القيمة ويأخذ الواطئ فاضلها.
والثالث: أن يكون عشر القيمة أكثر فللسيد أن يأخذها ويرجع على الواطئ بالباقي من عشر القيمة.
فصل: وإذا زنا المسلم بحربية كان ولدها منه كافرًا، لأنه لم يلحق به في نسبه فلم يلحق به في دينه، ولو ضرب بطنها فألقت جنينًا ميتا كان هدرًا لا يضمن كأمه، ولو وطئ المسلم حربية بشبهة كان ولدها مسلمًا؛ لأنه لما لحق به في نسبه لحق به في ديته، فلو ضرب بطنها فألقت جنينًا ميتًا كان مضمونًا على الضارب بغرة الجنين المسلم، فلو وقع التنازع في جنينها من وطء المسلم هل هو من زنا أو من وطء شبهة فادعت الأم الحربية أنه من وطء شبهة، فإن أكذبها الضارب وعاقلته، وقالوا: هو من زنا فالقول قولهم مع أيمانهم، ولا شيء عليهما؛ لأن الأصل براءة ذمتهم، فإن صدقها الضارب وكذبتها عاقلته ضمن الضارب جنينها دون العاقلة، وحلفت العاقلة للضارب دون الأم فبرئوا من الغرم، وإن صدقها العاقلة وكذبها الضارب ضمنت العاقلة جنينها ولا يمين على الضارب في إنكاره لتحمل العاقلة عنه.
فصل: وإذا كانت الأمة الحامل مملوكة بين شريكين فأعتق أحدهما حصته منها وضرب ضارب بطنها فألقت جنينًا ميتًا لم يخل حال الشريك المعتق من أحد أمرين: إما أن يكون

موسرًا أو معسرًا فإن كان معسرًا أعتقت حصته منها ومن جنينها لأنه عتق الأم يسري إلى حملها، وكان الباقي منها ومن جنينها موقوفًا للشريك فيها، فيعتبر حينئذٍ حال الضارب فإنه لا يخلو من أحد ثلاثة أقسام: إما أن يكون هو المعتق أو يكون الشريك الذي لم يعتق، أو يكون أجنبيًا.
فإن كان الضارب هو الشريك المعتق ضمن جنينها بنصف عشر قيمة أمه للشريك؛ لأنه نصفه مملوك له وبنصف الغرة لأن نصفه حر، وفي مستحقه قولان، ووجه ثالث بناء على اختلاف المذهب فيمن عتق بعضه هل يكون موروثًا على قولين للشافعي: أحدهما: لا يورث منه كما لا يرث له؛ فعلى هذا يكون لمالك رقه ملكًا لا ميراثًا، فيصير له نصف الغرة مع نصف عشر قيمة الأم وذلك جميع دية الجنين نصف حر ونصفه مملوك.
والثاني: أن يكون موروثًا؛ لأنه لما ملك به كسب نفسه في حياته ملكه وارثه بعد موته فعلى هذا إن كان له وارث مناسب ورث نصف الغرة ولا يرث منها الآخر شيئًا لرق بعضها والمرقوق بعضه لا يرث قولًا واحدًا، وإن ورث في أحد القولين وكان نصف عشر القيمة لمالك الرق وإن لم يكن له وارث مناسب، وصار موروثًا بالولاء لم يرثه المعتق؛ لأنه قاتل وانتقل ميراثه إلى عصبة معتقه.
والثالث: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن ميراثه يكون لبيت المال ولا يكون لمالك رقه ولا لوارثه.
وإما إن كان الضارب هو مالك الرق الذي لم يعتق فلا يضمن ما ملكه من رقه، لأنه لا يضمن ملك نفسه في حقه، وفي ضمان ما عتق منه قولان: أحدهما: لا يضمنه إذا قيل لو ضمنه غيره كان له.
والثاني: يضمنه إذا قيل لو ضمنه غيره كان موروثًا عنه فيكون لعصبته، فإن عدموا فلمعتقه، ويكون لبيت المال على قول الإصطخري، وإن كان الضارب أجنبيًا ضمن جميعه بنصف عشر قيمة الأم لأجل نصف المرقوق يكون للشريك المسترق وبنصف الغرة لأجل نصف المعتق، وفي مستحقه ما قدمناه من المذاهب الثلاثة: أحدهما: أن يكون للشريك المسترق إذا قيل إنه غير موروث.
والثاني: يكون للمعتق إذا قيل إنه موروث.
والثالث: يكون لبيت المال، فهذا حكمه إذا كان الشريك المعتق معسرًا.
فأما إذا كان الشريك المعتق موسرًا قومت عليه حصة شريكه من الأم وهو النصف وعتق جميعها نصفها بالمباشرة ونصفها بالسراية، وسرى عتق المباشرة وعتق السراية إلى عتق جنينها فصارت وجنينها حرين، ومتى يعتق النصف المقوم عليه؟ في ثلاثة أقاويل: أحدها: بلفظه الذي أعتق به حصته، ويؤدي القيمة بعد عتقه عليه.
والثاني: أنه يعتق عليه باللفظ وأداء القيمة، فإن لم يؤدها لم يعتق.
والثالث: أنه موقوف مراعى فإن أدى القيمة بان أنه عتق بنفس اللفظ، وإن لم يؤدها

بان أنه لم يعتق باللفظ، فعلى هذا لا يخلو حالها في إلقاء جنينها من أن تكون بعد دفع القيمة أو قبلها، فإن كان بعد دفع القيمة فقد ألقته بعد استقرار عتقها وعتق جنينها، فيكون على الضارب غرة كاملة، فإن كان الضارب هو المعتق غرمها ولم يرث منها، لأنه قاتل وورثت الأم لكمال حريتها، وكان ما بقى بعد فرضها لعصبته، فإن لم يكونوا فلعصبة المعتق القاتل، وإن كان الضارب هو الشريك فحكمه وحكم الأجنبي واحد، وعليه الغرة يستحقها ورثة الجنين، يكون لأمه منها ميراث أم والباقي للعصبة، فإن لم يكونوا المعتق له، وإن ألقت جنينها بعد العتق وقبل دفع القيمة.
فإن قيل: إنها قد عتقت بنفس اللفظ، أو قيل: إنه موقوف مراعى ودفع القيمة كان الحكم فيه كما لو ألقته بعد دفع القيمة، فيكون على ما مضى.
وإن قيل: إنها لا تعتق إلا بعد أداء القيمة، أو قيل: إنه موقوف مراعى ولم يدفع القيمة كان كما لو كان معسرًا ولم يعتق بينها إلا ما عتق فيكون على ما مضى والله أعلم.

جارٍ التحميل