والثاني: أن هذه السورة نزلت بعد فتوحه كلها، فكانت خبرًا عن ماضيها، قال مقاتل: نزلت فعد فتح الطائف، والطائف آخر فتوحه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن آخر وطأة وطئها الله بوج" يعني آخر ما أظفر الله بالمشركين بوج ووج هي الطائف، فلما نزلت هذه السورة فرح بها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وبكى العباس لها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يبكيك يا عم قال: نعيت إليك نفسك، قال: إنه لكما تقول، وسميت هذه السورة سورة التوديع.
وأما الجواب عن قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ فمن وجهين:
أحدهما: ما حكاه الشعبي أنها نزلت في صلح الحديبية قبل فتح مكة، لأنه أصاب فيها ما لم يصب في غيرها بويع بيعه الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وظهرت الروم على فارس، تصديقًا لخبره، وبلغ الهدي محله.
والثاني: أنها نزلت في فتح مكة، والفتح يكون على كلا الوجهين
وأما الجواب عن قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾ فهو أن الكف يمنع من القتال، وقوله: ﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ فهو أنه قد أضفره بهم حين لم يقاتلوه واستسلموا عفوًا فكان أبلغ الظفر بعد المحاربة، وقد ذكر بعض أصحابنا أنها نزلت عام الحديبية، وأن قوله: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ يعني الحرم، وحكي عن ابن عباس أن مضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية قد كان في الحل، ومصلاه في الحرم، وقد يعبر بمكة عن الحرم، وهذا تكلف في الجواب يخالف الظاهر.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فهو أنه أمر بقتالهم إن امتنعوا، وبالكف عنهم إن استسلموا لقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ﴾ وهو يوم الفتح استسلموا ولو يمتنعوا.
وأما الجواب عن قوله: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ فهو أن النهي توجه إلى أن يدعو المسلمون إلى الصلح، وهم ما دعوا إليه وإما دعا إليه المشركون، فخرج عن النهي.
وأما الجواب عن الاستدلال بصفة مسيرة وقسمه بالله أن يغزوهم ودخوله إليه بسيوف مشهورة ورايات منشورة فمن وجهين:
أحدهما: أن الصلح والأمان تحدد بمر الظهران، فلا اعتبار بما كان قبله، وقسمه أن يغزوهم فقال قال:" إن شاء فاستثنى على أنه قد غزاهم، لأنه قهرهم ودخل عليهم غالبًا".
والثاني: أن نشر الرايات وسل سيوف من عادات الجيوش في الصلح والعنوة، وإنما يقع بين الفرق الحالتين بالقتال والمحاربة.
وأما الجواب عن حديث أبي بن كعب أنه دخلها عنوة من وجهين:
أحدهما: أنه لما دخلها على كره منهم وظهور عليهم صار موصوفًا بالعنوة.
والثاني: أن العنوة الخضوع، كما قال الله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ أي: خضعت، وهم قد خضعوا حين استسلموا لأمانه.
وأما الجواب عن حديث أبي هريرة " احصدوهم حصدًا حتى تلقوني على الصفا" فمن وجهين:
أحدهما: أنه قال قبل نزوله بمر الظهران وعقد الأمان مع أبي سفيان، لأن أبا بكر ابن المنذر روى أنه قال: " احصدوهم غدًا حصدًاً حتى تلقوني على الصفا" ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الأموال" عن حماد عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة.
والثاني: أنه أشار بذلك إلى من قاتل خالد بن الوليد أسفل مكة من قريش وبني نفاثة.
وأما الجواب عن قولهم: لو كان صلحا لأمن جميع الناس ولم يخصه بمن ألقى سلاحه وأغلق بابه فهو أنه جعل عقد الأمان معلقًا بهذا الشرط، فصار خاصاً في اللفظ عاماً في الحكم، وأما الجواب عن قوله، لقريش:" أنتم الطلقاء" فهو لأنه أمنهم بعد الخوف، وأحسن إليهم بعد إساءتهم، وصفح عنهم مع قدرته عليهم، فصاروا بترك المؤاخذة طلقاء وبالإحسان عتقاء، وأما الجواب عن قوله: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" فهو أن الرجلين لم يظهر منهما شرط الأمان، لأنهما كانا شاكين في سلاحهما، وقد علق شرط الأمان بإلقاء السلاح وغلق الأبواب فبقيا على حكم الأصل، فلذلك استجاز علي بن أبي طالب عليه السلام أن يقتلهما حتى استجارا بأم هانئ، فأمنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الجواب عن حديث عائشة رضي الله عنها:" كل البلاد فتحت بالسيف إلا المدينة" فهو أن معناه أن كل البلاد فتحت بالخوف من السيف إلا المدينة ولم ترد به العنوة والصلح، لأنه قد فتح بعض البلاد صلحًا.
وأما الجواب عن قوله:" إن الله حبس الفيل عن مكة وسلط عليها رسوله" فهو محمول على أن الفيل لم يظفر بها، ولا دخلها، وأظفر الله رسوله بها حتى دخلها.
وأما الجواب عن حديث حماس بن قيس، وما أنشده من شعره: فهو أنه كان حليف بني بكر الذين قاتلوا خالدًا، ولم يكن من قريش القابلين لأمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قد آمن من ألقى سلاحه وأغلق بابه، فلئن دل أول أمره على العنوة، فلقد دل آخره على الصلح، وابتدأ بالقتال بجهله بعقد الأمان، ثم رجع إلى شرط الأمان حين علم به.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن عقد الصلح ما ترددت فيه الرسل وكتب فيه الصحف كالحديبية، فهو أن ذلك صلح على الموادعة والكف، فاحتاج إلى الرسل وكتب الصحف وهذا أمان استسلام وتمكين علق بشرط، فاستغنى فيه عن تردد الرسل وكتب الصحف واقتصر فيه على أخبار أبي سفيان وحكيم بن حزام بحاله، وذكره لقريش ما تعلق بشرطه، واقتصر من قبولهم على العمل به دون الرضا والاختبار.
فصل:
وإذا قد مضت دلائل الفتح في العنوة والصلح، فالذي أراه على ما يتقضيه نقل هذه السيرة وشروط الأمان فيها لمن لم يقاتل، وأنه يخرج منه من قائل: أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد عنوة، وأعلى مكة دخله الزبير بين العوام صلحًا، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عقد الأمان بعد خالد بن الوليد أسفل مكة، وبعث الزبير من أعلاها، وأمرهما أن لا يقاتلا إلا من قاتلهما، فأما خالد بن الوليد فإنه دخل من أسفل مكة فقوتل فقاتل، فلم يوجد فيهم قبول الشرط قال الشافعي: إنما قاتله بنو بكر ولم يكن لهم بمكة دار، وقد ثبت أنه كان في مقاتله عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، وهم من أكابر قريش وأعيان أهل مكة وهي دارهم، وأما الزبير بن العوام، فإنه دخل من أعلى مكة فلم يقاتله أحد، ولا قاتل أحدًا، فوجد شرط الأمان منهم فانعقد الصلح لهم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع جيشه من جهة الزبير بن العوام، فصار حكم جبهته هو الأغلب، فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة التزم أمان من لم يقاتل، واستأنف أمان من قاتل، ولذلك استجد لعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية أماناً، وأمن من إجارته أم هانئ، ولم يغنم أسفل مكة، لأن القتال كان على جبالها، ولم يكن فيها، فهذا ما اقتضاه نقل السيرة وشواهد حالها.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما قاتل خالد وقتل:" اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" فدل على أن خالد قاتل وقتل بغير حق، ففيه وجهان:
أحدهما: أن هذا، قال لخالد في غير يوم الفتح، لأنه بعثه بعد استقرار الفتح سرية من مكة إلى بني جذيمة من كنانة، وكانوا أسفل من مكة على ليلة منها ناحية يلملم ليدعوهم إلى الإسلام، فأتاهم وقد أسلموا وصلوا فقتل من ظفر به منهم، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" وأنفذ علي بن أبي طالب بديات من قتل منهم.
والثاني: أنه لو قاله يوم الفتح جاز أن يكون ذلك منه قبل علمه بأنهم قاتلوه، والله أعلم بالصواب.
باب وقوع الرجل على الجارية قبل القسم
أو يكون له فيهم أب أو ابن وحكم السبي قال الشافعي رحمه الله تعالى:" إن وقع على جارية من المغنم قبل القسم فعليه مهر مثلها يؤديه في المغنم وينهي إن جهل ويعزر إن علم ولا حد للشبهة لأن فيها شيئا قال: وإن أحصوا المغنم فعلم كم حقه فيها مع جماعة أهل المغنم سقط عنه بقدر
حصته منها".
قال في الحاوي: أما الغنائم قبل إجازتها واستقرار الظفر بهزيمة أهلها فهي باقية على ملك أربابها، فإن وطئ منهم جارية كان الواطئ زانيًا يجب عليه الحد، فأما إذا استقر الظفر بالهزيمة وأحيزت الأموال والسبي فقد ملكها جميع الغانمين على وجه الاستحقاق، لا على وجه التعيين كما يملك أهل السهمان الزكاة قبل دفعها، فأما كل واحد من الغانمين فإنما يملك بالحضور أن يتملك بالقسم كالشفعة ملك الخليط بالبيع أن يتملك بالأخذ، وإنما ملك الغانم، إن يتملك، ولم يتعين له الملك لمعنيين:
أحدهما: أن حقه فيها يزول بتركه ويعود إلى غيره كالشفعة، ولو ملكه لم يزل بتركه كالورثة.
والثاني: ولو تأخر قسمها حين حال حولها لم تجب زكاتها، ولو ملكت وجبت زكاتها، فإذا تقرر هذا فصورة مسألة الكتاب في رجل من الغانمين وطئ جارية من السبي المغنوم فهو وطء محرم؛ لأنه لم يملكها ولا حد عليه للشبهة.
وقال مالك والأوزاعي وأبو ثور: عليه الحد؛ لأنه وطء محرم في غير ملك، فوجب به الحد كالزنا، ودليلنا في سقوط الحد عنه قول النبي صلي الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" وشبهة الوطء فيها أنه ملك منها أن يتملكها فكانت أقوى من شبهة الأب في جارية ابنه التي ما ملك أن يتملكها فلما سقط الحد عن الأب في جارية ابنه كان سقوطه عن هذا أولى، وبه خالف محض الزنا، وصار كوطء الأجنبية بشبهة.
فإذا ثبت سقوط الحد نظر، فإن علم بالتحريم عزر؛ لأن الشبهة لا منع من التعزير، وإن منعت الحد لحظر الإقدام على الشبهات، وإن لم يعلم بالتحريم فلا حد عليه ولا تعزير، فأما المهر فواجب عليه في الحالين مع علمه بالتحريم وجهله به كغيره من وطء الشبهة، فإذا وجب عليه نظر في عدد الغانمين فإن كان غير محصور لكثرتهم دفع جميع المهر، وضم إلى الغنيمة حتى يقسم معها في جميع الغانمين، فلو صارت الجارية التي وطئها في سهمه وملكها بالقسمة بعد وطئه لم يسترجع المهر بعد دفعه ولم يسقط عنه قبل دفعه؛ لأنه استحدث ملكها، بعد وجوب مهرها، فصارت كأمة وطئها بشبهة، ثم ابتاعها بعد الوطء من سيدها لم يسقط عنه مهرها، وإن كان عدد الغانمين محصورا، فقد قال الشافعي: يسقط عنه المهر بقدر حصته فيها، فاختلف أصحابنا في محل سقوطه على وجهين، حكاهما أبو إسحاق المروزي.
أحدهما: أنه يسقط عنه قدر حقه منها إذا كان قد تملكها بالقسمة مع جماعة من الغانمين محصورين، وأما إن كان وطئها قبل أن يتملكها، فلا يسقط عنه شيء من مهرها، وإن كان عددهم محصورا؛ لأنه وطء في حال ليس بملك فيها، وإنما ملك أن يتملك.
والثاني: انه يسقط عنه في الحالين بقدر حصته منها، سواء كان وطؤه قبل التملك أو بعده؛ لأن ملكها موقوف عليهم، ولا حق فيها لغيرهم، والأول أشبه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن حملت فهكذا ونقوم عليه إن كان بها حملق وكانت له أم ولد".
قال في الحاوي: وصورتها أن تحمل منه الجارية التي وطئها من المغنم، فيتعلق بحملها أربعة أحكام بعد ثلاثة قدمنا ذكرها في اختصاصها بالوطء:
أحدها: سقوط الحد.
والثاني: وجوب التعزير مع العلم بالتحريم.
والثالث: استحقاق المهر، فأما الأحكام الأربعة المتعلقة بإحبالها:
فأحدها: لحوق الولد به.
والثاني: حريته.
والثالث: وجوب قيمته.
والرابع: أن تصير الجارية به أم ولد.
فأما لحوق الولد فهو لاحق به، سواء اعترف به أو لم يعترف، إذا وضعته لزمان يمكن أن يكون منه.
وقال أبو حنيفة: لا يلحق به، وبناه على أصله في أن ولد الأمة لا يلحق بسيدها إلا بالاعتراف، وعندنا
يلحق بالفراش، وقد صارت فراشا بهذا الوطء؛ لأن وطء شبهة يسقط فيه الحد فأشبه وطء الحرة.
وأما حرية الولد فهو حر؛ لأنه لحق به عن شبهة ملك، وعند أبي حنيفة يكون مملوكا؛ لأنه لم يلحق به.
وأما قيمة الولد فتعتبر بحال الأم فيما يستقر لها من حكم، والأم قد أحبلها في شبهة ملك، وولد المملوكة
ينقسم ثلاثة أقسام قد تكررت في كثير من هذا الكتاب:
أحدها: ما تصير به المملوكة أم ولد، وهو أن تلد حرا من غير مالك كالسيد.
والثاني: ما لا تصير به أم ولد، وهو أن تلد مملوكًا من غير مالك كالزوج.
والثالث: ما اختلف قول الشافعي فيه، وهو أن تلد حرًا من غير مالك كالحر إذا وطئ أمة غيره بشبهة فلا تكون قبل أن يملكها الواطئ أم ولد، وهل تصير له بعد ملكها أم ولد أم لا؟ على قولين:
أحدهما: تصير له أم ولد، قاله في كتاب حرملة.
والثاني: لا تصير له أم ولد، قاله في كتاب الأم، وهذه الجارية المسبية قد ولدت حرًا في شبهة
ملك، ولها حالتان:
إحداهما: أن يكون ذلك قبل قسمتها بين الغانمين.
والثانية: أن تكون بعد قسمتها بين القبائل.
فأما الحل الأولى فهي أن يكون ذلك قبل قسمتها في الغانمين، وهي مسألة الكتاب أن يطأها
بعد السبي، وقيل أن يتعين فيها حق أحد من الغانمين، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكثر عدد الغانمين حتى لا ينحصر حق الواطئ من هذه الجارية، فيكون واطئًا لجارية لم يملكها، ولا ملك شيئًا منها، وغنما له فيها شبهة ملك، وهو أنه يملك منها في الحال أن يتملكها في ثاني حال، فهل تصير أم ولد بحبلها إذا ملكها أم لا؟ على قولين، فعلى هذا قد اختلف أصحابنا هل تقوم عليه قبل الولادة لأجل علوقها منه بحر على ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تقوم عليه موسرًا كان أو معسرًا، سواء قيل إنها تصير له أم ولد إذا ملكها أم لا؟ كما لا تقوم عليه أمة غيره إذا أحبلها بشبهة، فعلى هذا يكون عليه قيمة ولدها إذا وضعته، فإن قسمت فصارت في سهمه، فهل تصير له أم ولد أم لا؟ على ما ذكر من القولين.
والثاني: تقوم عليه سواء قيل إنها تصير أم ولد إذا ملكها أم لا؟ لأنها حامل منه بحر، وفي قسمها قبل ولادته ضرر على ولده، وفي تأخيرها إلى الولادة ضرر على الغانمين فوجب أن تؤخذ بقيمتها؛ لأجل الضرر الحادث عن فعله، فغن كانت قيمتها بقدر سهمه من المغنم حصلت قصاصا، وإن كانت أكثر رد الفضل، وإن كانت أقل دفع الباقي، فإذا وضعت لم يلزمه قيمة ولدها، وهل له بيعها أم لا؟ على قولين: يجوز له بيعها في أحدهما إذا قيل أنها لا تصير له أم ولد.
والثالث: أنها تقوم عليه إذا قيل: إنها تصير له أم ولد إذا ملكها، ولا تقوم عليه إذا قيل: إنها لا تصير أم ولد إذا ملكها، اعتبارا بما يتعدى إليها من حكم إيلاده، فعلى هذا إن قومت عليه لم يلزمه قيمة ولدها، وإن لم تقوم عليه لزمه قيمة ولدها.
فصل:
والضرب الثاني: أن يقل عدد الغانمين حتى ينحصر سهمه منها، مثل أن يكونوا عشرة فهذا على
ضربين:
أحدهما: أن لا يكون في الغنيمة غيرها، وهي جميع المغنوم، فيصير حقه فيها ممتنعا، لا يجوز أن يعدل به إلى غيره، فيصير قدر حقه منها أم ولد له، والباقي يكون على ما سنذكره في قسمة القبائل.
والثاني: أن يكون في الغنيمة غيرها من خيل ومواشي، فللأمير الجيش أن يقسم هذه الغنيمة قسمة تحكم لا قسمة مراضاة، فيجعل كل نوع من الغنيمة في سهم من شاء من
الغانمين، وربما جعل هذه الجارية في سهمه، وربما جعلها في سهم من شاء من الغانمين، وربما جعل هذه الجارية في سهمه، وربما جعلها في سهم غيره، فعلى هذا هل يصير قدر سهمه المحصور أو ولد قبل القسمة أم لا؟ على وجهين: بناء على الوجهين في سقوط قدر سهمه من مهرها إذا حصر عددهم قبل القسمة، كذلك ها هنا هل يصير قدر سهمه منها إذا انحصر قبل القسمة أم ولد له؟ على وجهين:
أحدهما: لا تصير أم ولد، فيكون على ما مضى إذا لم ينحصر عددهم.
والثاني: تصير أم ولد له، ويكون محسوبا عليه من حقه، ويكون حكم باقيها على ما سيأتي في وطئها بعد قسمة القبائل، فعلى هذا هل يسقط خيار الإمام في قسمها لمن شاء ويلزمه دفعها إليه؟ أو يكون على خياره؟ فيه وجهان محتملان، لاحتمال التعليل.
فصل:
وأما الحال الثانية: وهو أن يكون إحباله لها بعد قسمها بين القبائل بأن حصلت ملكا لعشرة من الغانمين؛ لأن الحكم لأمير الجيش إذا قلت الغنيمة وكثر العدد أن يشرك بين الجماعة في الرأس الواحد، فيعطي لعشرة فرسًا ولعشرة جارية ولعشرة بعيرًا، فإذا اختاروا ذلك وقبلوه صار مشتركا بينهم، كسائر أمالهم المشتركة بابتياع أو ميراث، فيكون في حكم هذه الجارية بعد إحبالها كحكم الجارية المشتركة إذا أحبلها أحد الشركاء فلا حد عليه؛ لأنه قدر ملكه فيها شبهة في باقيها، وعليه من مهر مثلها بقدر حصص شركائه فيها، ويصير ملكه منها أم ولد له؛ لأنه قد أحبلها بحر في ملك ولا يخلو في باقيها من أن يكون موسرا بقيمته أو معسرا به، فإن كان موسرا بباقيها قوم عليه، كما تقوم عليه حصص شركائه لو أعتق قدر سهمه، فعلى هذا يكون جميع ولده حرا، لأنها علقت به في ملك وفي شبهة ملك، ولا قيمة عليه للولد؛ لأنها ولدت له في ملكه، وقد صار جميعها أم ولد له؛ لأنها علقت منه بحر في ملك، وإن كان معسرا بحصص شركائه منها لم يقم عليه باقيها، وكان ملكا لشركائه فيها، وكان قدر سهمه من الولد وهو العشر، لأن احد الشركاء العشرة حر، لأنه قدر ما يملكه منه، كما قد صار عشر الأم أم ولد في تقويم باقي الولد عليه مع إعساره وجهان:
أحدهما: لا يقوم عليه مع الإعسار، كما لا يقوم عليه باقي الأم إذا كان معسرا، فعلى هذا يكون عشر الولد حرا، وباقية مملوكا، وعشر الجارية أم ولد وباقيها مملوكا، وإن ملك باقيها من بعد بابتياع أو ميراث كان باقيها على رقه، ولم تصر أم ولد له؛ لأنه مقابل لرق ولده؛ لأنها علقت بمملوك في غير ملك.
والثاني: يقوم عليه بقيمة الولد مع إعساره، وإن لم تقم عليه بقية الأم بإعساره.
والفرق بينهما أن الحرية في الولد أصل متقدم، وهي في الأم فرع طارئ فلم تتبعض حرية الولد؛ لأن الرق لا يطرأ على حرية ثابتة، فجاز أن يتبعض في الأم، لأن العتق يجوز أن يطرأ على رق ثابت، فعلى هذا يصير جميع الولد حرًا، ويكون عشر الأم أم ولد، فإن ملك باقيها من بعد، فهل تصير أم ولد له على قولين؛ لأنه قد أولدها حرًا
في غير ملك، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وإن كان في السبي ابن وأب لرجل لم يعتق عليه حتى يقسمه وإنما يعتق عليه من اجتلبه بشراء أو هبة وهو لو ترك حقه من مغنمه لم يعتق عليه حتى يقسم قال المزني رحمه الله: وإذا كان فيهم ابنه فلم يعتق منه عليه نصيبه قبل القسم كانت الأمة تحمل منه من أن تكون له أم ولد أبعد".
قال في الحاوي: وصورتها، أن يكون في السبي المسترق أحد من يعتق بالملك على الغانمين من والديه أو مولوديه، كالآباء والأمهات والبنين والبنات، فله في عتقه عليه ثلاثة أحوال: حال لا يعتق عليه، وحال يعتق عليه، وحال مختلف فيها.
فأما الحال التي لا تعتق عليه فيها فهو قبل القسمة، والغانمون عدد كثير لا ينحصرون ولا يتحقق فيه قدر سهمه منه، فلا يعتق عليه شيء منه؛ لأنه لم يملكه، وإن ملك أن يتملكه؛ لأنه قد يجوز أن يجعل في سهم غيره.
وأما الحال التي يعتق عليه فيها قدر سهمه منه، فهو أن يقسم الغنائم فيجعل في سهم عشرة هو أحدهم، فيعتق عليه منه قدر حقه وهو عشرة؛ لاستقرار ملكه على عشرة ويقوم عليه باقية إن كان موسرًا؛ لأنه ملكه باختياره.
وأما الحال المختلف فيها فهو قبل القسمة إذا كان عدد الغانمين محصورًا، فيكون على ما ذكرنا من حكم أو الولد، وهو أن ينظر، فإن لم يكن في تلك الغنيمة غيره، فقد تعين ملكه فيه، فلا يجوز أن يعدل به إلى غيره، فعلى هذا يعتق عليه قدر حقه منه، ولا يقوم عليه باقية؛ لأنه ملك بغير اختياره، وإن كان في القسمة غيره، وهي الحال التي يجوز لأمير الجيش أن يقسم فيها الغنيمة بحكمه على اختياره، لا يعتبر فيها المراضاة، ففي نفوذ عتق حقه منه وجهان:
أحدهما: لا يعتق عليه؛ لأنه ما ملك، وإنما جاز أن يملكه؛ لجواز أن يجعل في سهم غيره.
والثاني: يعتق عليه قدر حقه منه؛ لأنه على ملك جميع الغانمين، فغلب فيه حكم الإشاعة، فإذا أعتق قدر حقه كان مسحوبًا عليه من سهمه، ولم يقم عليه باقية، لأنه عتق عليه بلا اختياره.
فأما إذا بدأ أحد الغانمين في هذه الحال فأعتق أحد السبي لم يعتق عليه بحال بخلاف أم الولد، وعتق
بعض المناسبين؛ لأن ما يعتق بغير اختيار أقوى، وما يعتق بالاختيار أضعف ولذلك نفذ في حق المحجور
عليه عتق ما ملكه من ما سبيه، وأن تصير
أمته إذا أحبلها أم ولد، ولم يعتق عليه من تلفظ بعتقه.
فأما اعتراض المزني بأنه لما لم يعتق عليه قدر حقه من أبيه، فكذلك في أم الولد فهو فاسد؛ لأنهما في الحكم سواء وإنما يخالفان عتق المباشرة، للفرق الذي ذكرنا.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ومن سبي منهم من الحرائر فقد رقت وبانت من الزوج كان معها أو لم يكن سبي النبي صلي الله عليه وسلم نساء أوطاس وبني المصطلق ورجالهم جميعًا فقسم السبي وأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها وليس قطع العصمة بينهن وبين أزواجهن بأكثر من استبائهن".
قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة أن سبي الذرية موجب لرقهم، والذرية هم النساء والأطفال، فإذا أحيزوا بعد تقضي الحرب رقوا، فأما سبي المقاتلة فلا يرقون بالسبي، حتى يسترقوا.
والفرق بينهما: أن لأمير الجيش خيارا في الرجال بين القتل والفداء والمن والاسترقاق، فلم يتعين الاسترقاق إلا بالاختيار، ولا خيار له في الذراري فرقوا بالسبي؛ لاختصاصهم بحكم الرق.
فإذا تقرر هذا لم يخل حدوث السبي في الزوجين من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تسبي الزوجة دون الزوج، فقد بطل نكاحها بالسبي بوفاق من الشافعي وأبي حنيفة في الحكم مع اختلافهما في العلة، فهي عند الشافعي حدوث الرق، وعند أبي حنيفة اختلاف الدار.
والثاني: أن يسبي الزوج دون الزوجة، فإن لم يسترق ومن عليه أو فودي به يبطل نكاح زوجته عند الشافعي، وأبي حنفية، لكن عليه عند الشافعي حدوث الرق، وعند أبي حنيفة اختلاف الدار.
والثالث: أن يسبي الزوجان معًا، فعند الشافعي يبطل النكاح بينهما بحدوث الرق، وعند أبي حنيفة لا يبطل النكاح؛ لأنه لم يختلف الدار بهما؛ استدلالًا بما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه لما استرق سبي هوازن بأوطاس جاءته هوازن بعد إسلامهم ليستعطفونه ويستنزلونه من على سبيهم وردهم عليهم، وأكثرهم ذوات أزواج وأقرهم على مناكحهم ولو بطل النكاح بحدوث الرق لعلمهم، ولأمرهم باستئناف النكاح بينهم، وفي ترك ذلك دليل على بقاء النكاح وصحته؛ ولأن الرق لا يمنع من ابتداء النكاح، فوجب أن لا يمتنع من استدامته كالصغر؛ ولأنه قد يطرأ الرق على الحرية، كما تطرأ الحرية على الرق، فلما لم يبطل النكاح بحدوث الحرية على الرق، وجب أن لا يبطل بحدوث الرق على الحرية.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] إلى قوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] والمراد بالمحصنات ها هنا ذوات الأزواج، فحرمن إلا ما ملكت أيماننا بحدوث السبي، فكان على عمومه في الإباحة فيمن كان معها زوجها، أو لم يكن.
وروي أبو سعيد ألخدري أن هذه الآية نزلت في سبي هوازن، ولو كان النكاح باقيًا لما جازت الإباحة، ولكان التحريم باقيًا.
والقياس: هو أنه رق طرأ على نكاح، فوجب أن يبطل به، كما لو استرق أحدهما.
فإن قيل: إنما بطل النكاح باسترقاق أحدهما؛ لاختلاف الدارين، فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: انه إذا اتفق موجب العلتين لم يتنافيا، فلم يصح التعارض.
والثاني: أن اختلاف الدارين لا يمنع من صحة النكاح؛ لأن أبا سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام أسلما بمر الظهران، وزوجاتهما بمكة، فأقرهما على نكاحهما مع اختلاف الدارين بينهما أو لا ترى أن المسلم لو دخل دار الحرب فنكح زوجة، وله دار الإسلام أخرى لم يبطل نكاح زوجته في دار الإسلام، ولو عاد إلى دار الإسلام لم يبطل نكاح زوجته في دار الحرب مع اختلاف الدارين، فبطل أن تكون علة في فسخ النكاح وقياس آخر: أن النكاح ملك، فوجب أن يزول بحدوث الرق، كالأموال على أن ملك الأموال يشتمل على العين والمنفعة، والنكاح مختص بالاستمتاع الذي هو منفعة، ولك من هذا التعليل قياس ثالث: أنه عقد على منفعة فوجب أن يبطل بحدوث الرق، كما لو آجره الحربي نفسه ثم استرق.
فأما الجواب عن استدلالهم بسبي هوازن: هو أنهم كانوا عند ذلك على شركهم وإنما ظهر إسلام وافدهم فلم يلزمه بيان مناكحهم قبل إسلامهم وأما الجواب عن تعليلهم بأنه لما يمنع الرق من ابتداء النكاح لم يمنع من استدامته فمن وجهين:
أحدهما: انتفاضه بالخلع يمنع من استدامة النكاح، ولا يمنع من ابتدائه.
والثاني: أن حدوث الرق لا يتصور في ابتداء العقد، ويتصور في أثنائه فلم يصح الجمع بين ممكن وممتنع.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لما لم يؤثر في النكاح حدوث الحرية على الرق، كذلك لا يؤثر فيه حدوث الرق على الحرية، فهو أن حدوث الحرية كمال، فلم يؤثر في النكاح وحدوث الرق نقص، فجاز أن يؤثر في النكاح.
فصل:
وإن كان الزوجان الحربيان مملوكين فسبيا، أو أحدهما ففي بطلان النكاح بينهما وجهان:
أحدهما: لا يبطل، ويكونان على النكاح؛ لأن رقهما متقدم، وليس بحادث، فصار انتقال ملكهما بالسبي، كانتقال بالبيع.
والثاني: أن النكاح يبطل؛ لأن الاسترقاق أثبت من الرق الأول لثبوت الحادث بالإسلام وثبوت الأول بالشرك فتعلق حكم الرق بأثبتهما، وكان الأول داخلًا فيه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يفرق بينهما وبين ولدها حتى يبلغ سبع أو ثمان سنين وهو عندنا استغناء الولد عنها وكذلك ولد الولد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها في القسمة إذا سبوا ولا في البيع إذا ملكوا الرواية أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
وروى عمران بن حصين أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "ملعون من فرق بين امرأة وبين ولدها".
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلي الله عليه وسلم سمع امرأة تبكي فقال: ما لهذه تبكي فقيل له: فرق بينها وبين ولدها فقال: "لا توله والدة على ولدها".
أي: لا يفرق بينهما بالبيع فتوله عليه بالحزن والأسف، مأخوذ من الوله، ولأن في التفرقة بينهما في الصغر إدخال ضرر عليهما بحزن الأم وضياع الولد.
فإذا ثبت هذا ففي الزمان الذي تحرم فيه التفرقة بينهما قولان للشافعي:
أحدهما: نص عليه في سير الواقدي، ونقله المزني غلى هذا الموضع إلى استكمال سبع سنين، ثم يفرق بينهما من بعد، وبه قال مالك، لأنه حد التفرقة في تخيير الكفالة، ولأنه يستقل فيها بنفسه في لباسه ومطعمه.
والثاني: إلى وقت البلوغ، وبه قال أبو حنيفة لرواية عبادة بن الصامت أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا يفرق بين والدة وولدها" قيل: إلى متى؟ قال: "حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية" ولولا أن في هذا الحديث ضعفًا، لأن رواية عبد الله بن عمرو بن سعيد بن الربيع بن عبادة بن الصامت، وقد طعن علي بن المديني في عبد الله بن عمرو بن سعيد ونسبه إلى الكذب، لما اختلف القول فيه، ولما شاع خلافه، ولأنه لما استحقت الكفالة
على الوالدين إلى البلوغ ثم يفارقهما الولد بعد البلوغ كان البلوغ حدًا في التفرقة.
وقال أحمد بن حنبل: لا تجوز التفرقة بينهما على الأبد تمسكًا بعموم الظاهر، وحديث عبد الله بن الصامت دليل عليه إن صح، ثم المعنى المعتبر في الجمع بينهما في الصغر مفقود في الكبر من وجهين:
أحدهما: أنه مضر في الصغر وغير مضر في الكبر.
والثاني: أنه معهود في الكبر، وغير معهود في الصغر.
فصل:
فأما التفرقة بين الولد ووالده، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يفرق بينهما كالأم، لما فيه من البعضية المفضية للشفقة والحنو.
والثاني: يفرق بينهما، بخلاف الأم لعدم التربية في الأب، ووجودها في الأم.
فأما الأجداد والجدات فمن كان منهم غير مستحق للحضانة، كالجد أبي الأم وأمهاته لم تحرم التفرقة بينهما، لضعف سببه، ومن كان منهم مستحقًا للحضانة فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون الولد مجتمعا مع الأم، فحكم الجمع مختصًا بها، ولا تحرم التفرقة بينه وبين من عداها.
والثاني: أن لا يكون مجتمعًا مع الأم، إما لموت الأم أو بعدها، فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون مجتمعا مع جداته المدليات بأمه، فلا يجوز التفرقة بينه وبين القربى من جدات أمه، لقيامها في الحضانة مقام أمه.
والثاني: أن يكون مجتمعًا مع جداته وأجداده من قبل أبيه، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تجوز التفرقة بينه وبين جميعهم ذكورا كانوا أو إناثًا، إذا قيل: تجوز التفرقة بينه وبين الأدب الذي أدلوا به.
والثاني: لا يجوز التفرقة بينه وبين أقربهم من ذكر وأنثى، إذا قيل بتحريم التفرقة بينه وبين الأب.
والثالث: إن كان ذكرًا كالجد أبي الأب جاز التفرقة بينهما، وإن كانت أنثى كالجدة أم الأب لم تجز التفرقة بينهما، لأن في الجدة تربية ليست في الجد.
فصل:
وإذا كان مع الأم أو من قام مقامها في تحريم التفرقة بينهما، فرضيت بالتفرقة بينهما لم يجز، لأن حق الجمع مشترك بينهما وبين الولد، فإن رضيت بسقوط حقها لم يسقط به حق الولد، وتؤخذ بحضانته في زمانها، فإن عتق أحدهما جاز بعد عتقه التفرقة بينهما، سواء أعتقت الأم أو الولد، لأنه لا يد على الحر، واليد مختصة بالمملوك، فانفرد كل
واحد منهما بحكمه.
فصل:
وإذا حرم التفرقة بينهما، ففرق بينهما ببيع ففي بطلان البيع وجهان:
أحدهما: وهو مذهب البغداديين أن البيع باطل، وبه قال أبو يوسف، لرواية الحكم عن ميمون بن أبي شبيب عن علي عليه السلام أنه فرق بين جارية وبين ولدها، فنهاه النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك ورد البيع.
وروى ابن أبي ذئب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، قال: قدم أبو أسيد بسبي من البحرين، فصفوا لينظر إليهم النبي صلي الله عليه وسلم فرأى امرأة تبكي، فقال: مالك تبكين؟ قالت: بيع ولدي في بني عبس فقال لأبي أسيد: لتركبن ولتجيئن به كما بعته.
والثاني: وهو مذهب البصريين أن البيع صحيح، وبه قال أبو حنيفة، لأن النهي لمعنى في غير المعقود عليه، كالنهي عن البيع في وقت الجمعة، وأن يبيع الرجل على بيع أخيه، لكن لا يقر المتبايعان على التفرقة بينهما، ويقال للمشتري والبائع: إن تراضيتما ببيع الآخر لتجتمعا في الملك كان البيع الأول ماضيا، وإن تمانعتما فسخ البيع الأول بينكما، ليجمع بينهما، وعلى هذا يحمل فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه فسخ البيع، لتعذر الجمع دون فساد العقد والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "فأما الأخوان فيفرق بينهما".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، يجوز التفرقة في الملك بين ما عدا الوالدين والمولودين من الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وإن كان مكروهًا.
وقال أبو حنيفة: تحرم التفرقة بين كل ذي رحم محرم، استدلالًا برواية أبي موسى الأشعري أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا يفرق بين والدة وولدها، ولا بين والد وولده، ولا بين اخ وأخيه" وبرواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قدم سبي على النبي صلي الله عليه وسلم فأمرني ببيع غلامين أخوين، فبعتهما وفرقت بينهما، فبلغ ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فقال: أدركهما فارتجعهما وبعهما معًا ولا تفرق بينهما".
ومن القياس: أنه ذو رحم محرم بنسب، فلم تجز التفرقة بينهما في الملك كالوالدين والمولودين.
ودليلنا هو أن كل نسب لا يمنع من قبول الشهادة، ولا يمنع من جواز الزوجية كغير ذوي المحارم طردًا، وكالوالدين والمولودين عكسًا، ولأن الأحكام المختصة بالأنساب
إذا وفقت على بعض المناسبين كانت مقصورة على الوالدين مع المولودين، كالولاية والشهادة والقصاص وحد القذف، وهذه أربعة أحكام وافقوا عليها، فكذلك في أربعة أحكام خالفوا فيها، وهي وجوب النفقة، والعتق بالملك، والقطع في السرقة، والتفرقة في البيع، فأما الخبران فضعيفان، ولو صحا حملًا على الاستحباب بدليلنا، وقياسهم على الوالدين فالمعنى فيه وجود البعضية المانعة من قبول الشهادة.
مسألة:
قال الشافعي: "وإنما نبيع أولاد المشركين من المشركين بعد موت أمهاتهم إلا أن يبلغوا فيصفوا الإسلام.
قال المزني رحمه الله: ومن قوله: إذا سبي الطفل وليس معه أبواه ولا أحدهما أنه مسلم وإذا سبي ومعه أحدهما فعلى دينهما فمعنى هذه المسألة في قوله أن يكون سبي الأطفال مع أمهاتهم فيثبت في الإسلام حكم أمهاتهم ولا يوجب إسلامهم موت أمهاتهم".
قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة أن المسبي من أولاد المشركين لا يخلو خال سبيه، أن يكون مع أحد أبويه أو مفردًا، فإن سبي مع أحد أبويه كان حكمه بعد السبي كحكم المسبي مع أبويه، فإن أسلم أبواه أو أحدهما كان إسلامًا له ولصغار أولادهما، سواء اجتمع الأبوان على الإسلام أو أسلم أحدهما، وسواء كان المسلم منهما أباه أو أمه، ولا اعتبار بحكم السابي، وإن لم يسلم واحد من أبويه كان مشركا بشركهما، ولا يصير مسلمًا بإسلام سابيه، ولأن اعتباره بأحد أبويه أولى من اعتبار سابيه لأجل البعضية، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الأوزاعي: يصير مسلمًا بإسلام السابي، وإن كان مع أحد أبويه، وهذا خطأ لقول النبي صلي الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
وقال مالك: يصير الولد مسلما بإسلام أبيه، ولا يصير مسلمًا بإسلام أمه، ويكون في الدين تابعًا لسابيه دون أمه، وهذا غير صحيح، لأمرين:
أحدهما: قول النبي صلي الله عليه وسلم: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فاعتبر حكمه بأبويه دون سابيه.
والثاني: أنه من أمه يقينًا، ومن أبيه ظنًا، فلما صار معتبرًا بأبيه فأولى أن يصير معتبرًا بأمه.
فصل:
فأما إذا سبي الصغير وحده، ولم يكن مع أحد أبويه، فحكمه حكم سابيه، ويصير
مسلمًا بإسلامه، لأن الطفل لا بد أن يعتبر في الدين بغيره، إذ ليس يصح مع عدم التكليف أن يعتبر بنفسه، فإذا ثبت اعتباره بالسابي في جريان حكم الإسلام عليه، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجري عليه حكم الإسلام قطعًا، في الظاهر والباطن، كما يصير بأحد أبويه مسلمًا، فإن بلغ ووصف الشرك لم يقر عليه، وبه قال المزني، وهو الظاهر من مذهب الشافعي وقول جمهور البغداديين.
والثاني: أنه يجري عليه حكم الإسلام في الظاهر دون الباطن، تغليبًا لحكم السابي، فإن بلغ وصف الشرك أقر عليه بعد إرهابه، وهو قول جمهور البصريين، كما يعتبر إسلام اللقيط في دار الإسلام بحكم الدار، فيكون مسلمًا في الظاهر، تغليبًا لحكم الدار، فإن بلغ ووصف الشرك أقر عليه بعد إرهابه.
فصل:
فإذا ثبتت هذه المقدمة في أولاد المشركين إذا سبوا صغارًا، فمتى أجرينا عليهم حكم الإسلام إما بأحد الأبوين أو بالسابي جاز بيعهم على المسلمين، ولم يجز بيعهم على المشركين، وإن أجرينا عليه حكم الشرك جاز بيعهم على المسلمين وعلى المشركين، ولم يكره.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيعهم على المشركين، ولكن يكره.
وقال أبو يوسف، وأحمد بن حنبل: لا يجوز بيعهم على المشركين حال احتجاجًا بأمرين:
أحدهما: ما في بيعهم من تقوية المشركين بهم.
والثاني: أنهم يصيرون في الأغلب على دين سادتهم إذا بلغوا.
ودليلنا على ما روي أن النبي صلي الله عليه وسلم سبى بني قريظة سنة خمس ففرق سبيهم أثلاثًا فبعث ثلثًا بيعوا بتهامة، وثلثًا بيعوا نجد وثلثًا بيعوا بالشام، وكانت مكة والشام دار شرك، وكذلك أكثر بلاد تهامة ونجد، ولأن رسول الله صلي الله عليه وسلم من على سبي هوازن، وردهم على أهلهم، وإن كان فيهم من بقي على شركه، ولأن المملوك إذا جرى عليه حكم دين جاز عليه بيعه من أهل دينه، كالعبد البالغ، ويبطل به ما احتجوا به من تقويتهم به، ويبطل أيضًا بيع الطعام عليهم مع ما فيه من تقويتهم به، وبه يبطل احتجاجهم أنهم يصيرون في الأغلب على دين سادتهم.
مسألة:
قال الشافعي: "ومن أعتق منهم فلا يورث كمثل أن لا تقوم بنسبه بينة".
قال في الحاوي: أما الحميل في النسب فضربان:
أحدهما: أن يملك مسلم بالسبي مشركًا فيعتقه ويستلحق به، ويجعله لنفسه ولدًا، فيصير محمول النسب عن أبيه إلى سابيه، ويكون الحميل بمعنى: المحمول، كما يقال: قتيل بمعنى مقتول، فهذا لا يلحق النسب، ولا يتغير به حكم المستلحق وهو إجماع، لقول النبي صلي الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" فنقلهم عما كانوا عليه في الجاهلية، من استلحاق الأنساب غلى ما استقر عليه الإسلام من إلحاقها بالفراش.
والثاني: أن يقر المسبي بعد عتقه بنسب وارد من بلاد المشركين، ويكون الحميل بمعنى الحامل فيقسم النسب ثلاثة أقسام: مردود، ومقبول، ومختلف فيه.
فأما القسم المردود: فهو أن يقر بنسب يستحق به الميراث، ولا يملك المقر استحداث مثله، كالمقر بأب، أو بأخ، أو عم، فيرد إقراره به، ولا يقبل إلا ببينة تشهد بنسبه وسواء كان يرث جميع المال كالأب أو بعضه كالأم، لرواية الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى شريح أن لا يورث حميلًا حتى تقوم به بينة من المسلمين".
وروى الزهري قال: جمع عثمان بن عفان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فاستشارهم في الحميل، فأجمعوا أنه لا يورث إلا ببينة، ولأن معتقه قد ملك ولاءه عن الرق الذي لا يملك العبد إزالة ما استحقه من الملك، فكذلك إذا أعتق لا يملك إزالة ما استحقه معتقه بولائه من الإرث.
فإن قيل: أليس لو أقر الحر بأخ، وله عم قبل إقراره، وإن حجب الأخ العم، فهلا كان إقراره بالنسب مع الولاء مقبولًا كذلك، قيل: الفرق بينهما أن النسب يرث به ويورث، فزالت التهمة والولاء لا يرث به ولا يورث، فلحقت التهمة.
وأما القسم المقبول: فهو أن يقر بنسب لا يستحق به الميراث، كالخال والجد من الأم فمقبول منه بغير بينة؛ لأنه لا يسقط به حق معتقه من الميراث.
وأما القسم المختلف فيه: فهو أن يقر بنسب يستحق به الميراث، ويملك استحداث مثله كإقراره بابن أو بنت، فقد اختلف أصحابنا في ثبوت نسبه بإقراره من غير بينة على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا يقبل إقراره بنسبه إلا ببينة، تشهد به، كالنسب الذي لا يملك استحداث مثله لعموم ما اجتمعت عليه الصحابة من المنع من توريث الحميل، ولما جمعهما التعليل من إسقاط الميراث بالولاء.
والثاني: يقبل إقراره ببينة بخلاف ما لا يملك استحداث مثله، لأمرين:
أحدهما: أن من ملك استحداثه جاز أن يملك الإقرار به أولى.
والثاني: أن ولده يدخل في ولاء معتقه، ولا يدخل فيه أبوه فافترقا.
والثالث: أن يقبل إقراره بمن ولد بعد عتقه، ولا يقبل إقراره بمن ولد قبل عتقه؛ لأنه بعد العتق يملك استحداث مثله بغير إذن، ولا يملك قبل القطع استحداث مثله إلا عن إذن فافترقا، والله أعلم.
باب المبارزة
قال الشافعي رحمه الله: "ولا بأس بالمبارزة وقد بارز يوم بدر عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بإذن النبي صلي الله عليه وسلم وبارز محمد بن مسلمة مرحبًا يوم خيبر بأمر النبي صلي الله عليه وسلم وبارز يومئذ الزبير بن العوام ياسرًا وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم الخندق عمرو بن عبد ود".
قال في الحاوي: المبارزة في قتال المشركين ضربان: إجابة ودعاء.
فأما الإجابة: فهو أن يبتدئ المشرك ويدعو المسلمين إلى المبارزة، فيجيبه من المسلمين من يبرز إليه، وهذه الإجابة مستحبة لمن أقدم عليها من المسلمين، فإن أول حرب شهدها رسول الله صلي الله عليه وسلم يوم بدر، دعي إلى المبارزة فيها ثلاثة من مشركي قريش، وهم عنبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة، فبرز إليهم من الأنصار عوف ومعوذ ابنا عفراء، وعبد الله بن رواحة، فقالوا: ليبرز إلينا أكفاؤنا فما نعرفكم، فبرز إليهم ثلاثة من بني هاشم: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث فمال حمزة على عتبة فقتله، ومال علي على الوليد فقتله، واختلف عبيدة وشيبة ضربتين، أثبت كل واحد منهما صاحبه به، فمات شيبة لوقته، وقدت رجل عبيدة واحتمل حيًا فمات بالصفراء، فقال فيه كعب بن مالك:
أيا عين جودي ولا تبخلي بدمعك حقًا ولا تنزري
على سيد هدنا هلكه كريم المشاهد والعنصر
عبيدة أمس ولا نرتجيه لعرف عرانا ولا منكر
وقد كان يحمي غداة القتال لحامية الجيش بالمبتر
ثم شهد رسول الله صلي الله عليه وسلم بعدها أحدًا، فدعاه أبي بن خلف الجمحي إلى المبارزة وهو على فرس له حلف أن يقتله عليها، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: بل أنا أقتله عليها إن شاء الله، وبرز فرماه بحربة كسر بها أحد أضلاعه بجرح كالخدش، فاحتمل وهو يخور كالثور، فقيل له: ما بك، فقال: والله لو تفل علي لقتلني ثم دعا إلى المبارزة في حرب الخندق عمرو بن عبد ود فلم يجبه من المسلمين أحد، ثم دعا إليها في اليوم الثاني فلم يجبه أحد، ثم دعا إليها في اليوم الثالث فلم يجبه أحد، فلما رأى الإحجام عنه قال: يا محمد
ألستم تزعمون أن قتلاكم في الجنة أحياء عند ربهم يرزقون وقتلانا في النار يعذبون، فما يبالي أحدكم أيقدم على كرامة من ربه أو يقدم عدوًا إلى النار، وأنشأ يقول:
ولقد دنوت من النداء يجمعكم هل من مبارز
ووقفت إذ جبن الشجا ع بموقف القرن المناجز
إني كذلك لم أزل متشوقًا نحو الهزاهز
إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز
فقام علي بن أبي طالب فاستأذن رسول الله صلي الله عليه وسلم في مبارزته فأذن له وقال: "اخرج يا علي في حفظ الله وعياذه" فخرج وهو يقول:
يا عمرو ويحك قد أتا ك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نية وبصيرة والصدق منجي كل فائز
إني لأرجو أن أقيـ ـم عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبـ ـقي صيتها عند الهزاهز
فتجاولا، وثارت عجاجة أخفتهما عن الأبصار، ثم أجلت عنهما، وعلي يمسح سيفه بثوب عمرو وهو قتيل، حكاه محمد بن إسحاق.
ثم دعا إلى المبارزة بخيبر سنة سبع مرحب اليهودي، فخرج مرتجزًا يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانًا وحينًا أضرب إذا الحروب أقبلت تلهب
إذا الليوث أقبلت تحرب كان حماي للحمى لا يقرب
فبرز إليه من قتله، فحكي جابر بن عبد الله أنه برز إليه فقتله محمد بن مسلمة الأنصاري، وهو الذي حكاه الشافعي، وحكي بريدة الأسلمي أن الذي برز غليه فقتله علي بن أبي طالب، خرج إليه مرتجزًا يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ليث غابات شديد القسورة
أكيلكم بالسيف كيل السندره
ودعا ياسر إلى المبارزة بخيبر، فبرز إليه الزبير بن العوام، فقالت أمه صفية: يقتل ابني فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "بل ابنك يقتله" فقتله الزبير، فهذه مواقف قد أجاب إلى المبارزة فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم، ومن ذكرنا من أهله وأصحابه، فدل على استحبابه.
فصل:
فأما الدعاء إلى المبارزة فهو أن يبتدئ المسلم بدعاء المشركين إليها، فهو مباح وليس بمستحب ولا مكروه.
وقال أبو حنيفة: هو مكروه، وبه قال أبو علي بن أبي هريرة احتجاجًا بقول الله
تعالى: ﴿وقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] وبما روي أن علي بن أبي طالب نهى بصفين عبد الله بن عباس عن المبارزة، وقال لابنه محمد ابن الحنفية: لا تدعون إلى البراز، فإن دعيت فأجب، فإن الداعي باٍغ والباغي مصروع.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وثِقَالاً﴾ [التوبة: 41] وقيل: خفافًا في الإسراع إلى المبارزة وثقالًا في الثبات للمصابرة.
وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم سئل عن المبارزة بين الصفين فقال: "لا بأس به" وجهز رسول الله صلي الله عليه وسلم جيش مؤتة، وقال: الأمير زيد بن حارثة، فإن أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب فإن أصيب فالأمير عبد الله بن رواحة فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلًا، فتقدم زيد بن حارثة وبرز فقاتل حتى قتل، ثم تقدم جعفر فقاتل حتى قتل، وتقدم عبد الله بن رواحة وبرز فقاتل حتى قتل، فاختار المسلمون خالد بن الوليد فقاتل وحمي المسلمين حتى خاضوا وعادوا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم أثنى عليهم، وأخبر بعظم ثوابهم.
وروى محمد بن إسحاق أن النبي صلي الله عليه وسلم ظاهر يوم أحد بين درعين وأخذ سيفًا فهزه وقال: "من يأخذ هذا السيف بحقه" فقال عمر: أنا آخذه بحقه، فأعرض عنه، ثم هزه ثانية، وقال: "من يأخذ هذا السيف بحقه"، فقال الزبير: أنا آخذه، فأعرض عنه ثم هزه ثالثة وقال: "من يأخذه بحقه" فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: وما حقه يا رسول الله فقال: أن تضرب به في العدو حتى يثخن، فأخذه منه وتعمم بعصابة حمراء ومشى إلى الحرب متبخترًا، وهو يقول:
أنا أخذته في رقه إذ قيل من يأخذه بحقه
قبلته بعدله وصدقه للقادر الرحمن بين خلقه
المدرك القابض فضل رزقه من كان في مغربه وشرقه
فعاد وقد نكأ وجعل يتبختر في مشيه بين الصفين، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن" فإذا لم يكره رسول الله صلي الله عليه وسلم في مبارزة جميع المشركين فأولى أن لا يكره لهم مبارزة أحدهم.
فأما الجواب عما احتج به الآية، فهو أنه إذا أمر بقتالهم كافة إذا قاتلوا كافة جاز أن يقاتلوا آحادًا وكافة، لأن الواحد بعض الكافة، وأما نهي علي عليه السلام عنه فلمصلحة رآها، خاف منها على ولده وابن عمه، خصوصًا في قتال المسلمين، كيف وقد لبس درع ابن عباس، وبرز عنه حتى قبل اللخمي الذي بارزه، وفعله أوكد من نهيه.
فصل:
فإذا صح جواز المبارزة، إما استحبابًا إن أجاب أو إباحة إن دعا فلجوازها ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون قويًا على مقاومة من برز إليه بقوة جسمه، وفضل شجاعته وظهور عدته، فإن ضعف عنه لم يجزه.
فإن قيل: فلو تعرض بعض المسلمين للشهادة جاز، وإن كان ضعيفًا فهلا كان المبارز كذلك، قلنا: لأن المقصود بالمبارزة ظهور الغلبة، فلم يتعرض لها إلا من وثق بنفسه فيها، والمقصود بالشهادة فضل الثواب فجاز أن يتعرض لها من شاء.
والثاني: أن لا يدخل بقتل المبارزة ضرر على المسلمين؛ لهزيمة تنكؤهم أو لأنه أميرهم الذي تختل بفقده أمورهم، فإن كان كذلك لم يجز أن يبارز.
والثالث: أن يستأذن أمير الجيش في برازه، ليكون ردءًا له وعونًا، ولفضل علمه بالمبارزة، ومن برز إليه فإن لم يأذن له كف، وإن أذن له أقدم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "فإذا بارز مسلم مشركًا أو مشرك مسلمًا على أن لا يقاتله غيره وفى بذلك له فإن ولي عنه المسلم أو جرحه فأثخنه فلهم أن يحملوا عليه ويقتلوه لأن قتالهما قد انقضى ولا أمان له عليهم إلا أن يكون شرط أنه آمن حتى يرجع إلى مخرجه من الصف فلا يكون لهم قتله ولهم دفعه واستنقاذ المسلم منه فإن امتنع وعرض دونه ليقاتلهم قاتلوه لأنه نقض أمان نفسه أعان حمزة عليا على عتبة بعد أن لم يكن في عبيدة قتال ولم يكن لعتبة أمان يكفون به عنه ولو أعان المشركون صاحبهم كان حقًا على المسلمين أن يعينوا صاحبهم ويقتلوا من أعان عليه ولا يقتلون المبارز ما لم يكن استنجدهم"
قال في الحاوي: وهذا صحيح وإذا بارز مسلم مشركًا إما داعيًا أو مجيبًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يكون للمشرك المبارز شرط فيجوز للمسلمين أن يقاتلوه مع المبارز منهم ويقتلوه؛ لأنه على أصل الإباحة، وإن اختص بالمبارزة الواحد، قال الشافعي: اللهم غلا أن العادة جارة أن من بارز لا يعرض له حتى يعود إلى صفه، فيحمل على ما جرت به العادة، وتصير العادة كالشرط.
والثاني: أن يكون له شرط فضربان:
أحدهما: أن يشترط أن لا يقاتله غير من برز إليه، فيجب الوفاء بشرطه، لقول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] وقول النبي صلي الله عليه وسلم: "المسلمون عند شروطهم" فلا يجوز أن يقاتل المشرك ما كان المسلم على قتاله، فإذا انقضى القتال بينهما إما بأن ولي المسلم أو جرح فكف عن القتال، أو ولي المشرك أو جرح فكف عن القتال كان لنا أن نقاتل
المشرك ونقتله، لأن أمانه كان مشروطًا بمدة المقاتلة فانقضى بزوال المقاتلة؛ ولأن شيبة بن ربيعة لما أثخن عبيدة بن الحارث يوم بدر، ولم يبق فيه قتال، مال علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب على شيبة حتى أجهز عليه.
الضرب الثاني: أن يستظهر في أشراط الأمان لنفسه أن يكون آمنًا حتى يرجع إلى صفه، فيحمل على شرطه ولا يجوز أن يقاتل بعد انقضاء المبارزة، حتى يرجع إلى صفه، وفاء بالشرط إلا أن يكون من المشرك إحدى ثلاث خصال، يبطل بها أمانه:
إحداهن: أن يولي عنه المسلم، فيتبعه، فيبطل أمانه، ويجوز لنا أن نقاتله ونقتله، لأن المبارزة قد انقضت، وأمانه منا مستحق عند أماننا منه، فإذا لم نأمنه لم نؤمنه.
والثانية: أن يظهر المشرك على المسلم، ويعزم على قتله، فيجب علينا أن نستنقذ منه المسلم لما يلزم من حراسة نفسه، فإن قدر على استنقاذه منه بغير قتله لم يجز أن يقتل، وإن لم يقدر على استنقاذه منه إلا بقتله جاز لنا أن نقتله؛ لأنه لا أمان على قتل مسلم.
والثالثة: أن يستنجد المشرك أصحابه من المشركين في معونته على المسلم، فيبطل أمانه؛ لأنه كان مشروطًا بالمبارزة، وقد زال حكمها بالاستنجاد، فإن أعانوه من غير أن يستنجدهم نظر، فإن نهاهم عن معونته فلم ينتهوا كان على أمانه، وكان لنا قتال من أعانه دونه، وإن لم ينههم كان إمساكه عنهم رضًا منه بمعونته له، فصار كاستنجاد لهم في نقص أمانه وجواز قتاله وقتله.
فصل:
وإذا أخذت رؤوس المشركين بعد قتلهم، لتحمل إلى بلاد الإسلام، فقد كره الأوزاعي والزهري ذلك؛ لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يفعل ذلك بقتلى بدر.
وروى عقبة بن عامر أنه حمل إلى أبي بكر رضي الله عنه رؤوس من قتل من المشركين في فتح دمشق، فكره ذلك، وقال: تحمل جيف المشركين إلى مدينة الرسول صلي الله عليه وسلم.
وأجاز آخرون ذلك على الإطلاق، وليس للشافعي فيه نص، وذهب أبو حامد الإسفراييني إلى كراهيته، وعندي أن إطلاق الكراهية فيه أو الاستحباب غير صواب، ويجب أن ينظر في نقلها، فإن كان فيه وهن على المشركين أو قوة للمسلمين، فنقلها مستحب؛ لأنه لما لم يكره نقلهم إلى بلاد الإسلام أحياء ليقتلوا بها كان نقل رؤوسهم أقرب، وإن لم يكن في نقلها وهن لمشرك ولا قوة لمسلم كان نقلها مكروهًا، على هذا يحمل نهي أبي بكر رضي الله عنه والله أعلم بالصواب.
باب فتح السواد
وحكم ما يوقفه الإمام من الأرض للمسلمين.
قال الشافعي رحمه الله: " ولا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا بظن مقرون إلى علم وذلك أني وجدت أصح حديث يرويه الكوفيون عندهم في السواد ليس فيه بيان ووجدت أحاديث من أحاديثهم تخالفه منها أنهم يقولون إن السواد صلح ويقولون إن السواد عنوة ويقولون إن بعض السواد صلح وبعضه عنوة، ويقولون إن جرير بن عبد الله البجلي وهذا أثبت حديث عندهم فيه.
قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير قال: كانت بجيلة ربع الناس فقسم لهم ربع السواد فاستغلوه ثلاث أو أربع سنين.
شك الشافعي ثم قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعي بنت فلان امرأة منهم قد سماها ولم يحضرني ذكر اسمها.
قال عمر: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما قسم لكم ولكني أرى أن تردوا على الناس.
قال الشافعي: وكان في حديثه وعاضني من حقي فيه نيفًا وثمانين دينارا وكان في حديثه فقالت فلانة قد شهد أبي القادسية وثبت سهمه ولا أسلم حتى تعطيني كذا وكذا فأعطاها إياه.
قال الشافعي رحمه الله: ففي هذا لحديث دلالة إذا أعطى جريرًا عوضًا من سهمه والمرأة عوضًا من سهم أبيها على أنه استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه فتركوا حقوقهم منه فجعله وقفًا للمسلمين وقد سبى النبي صلي الله عليه وسلم هوازن وقسم الأربعة الأخماس بين الموجفين ثم جاءته وفود هوازن مسلمين فسألوه أن يمن عليهم وأن يرد عليهم ما أخذ منهم فخيرهم النبي صلي الله عليه وسلم بين الأموال والسبي فقالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا فنختار أحسابنا فترك النبي صلي الله عليه وسلم حقه وحق أهل بيته فسمع بذلك المهاجرون فتركوا لهم حقوقهم وسمع بذلك الأنصار فتركوا لهم حقوقهم ثم بقي قوم من المهاجرين والأنصار فأمر فعرف على كل عشرة واحدًا ثم قال ائتوني بطيب أنفس من بقي فمن كره فله علي كذا وكذا من الغبل إلى وقت ذكره.
قال: فجاؤوه بطيب أنفسهم إلا الأقرع بن حابس وعيينة بن بدر فإنهما أتيا ليعيرا هوازن فلم يكرههما صلي الله عليه وسلم على ذلك حتى كانا هما تركا بعد بأن خدع عيينة عن حقه وسلم لهم عليه السلام حق من طاب نفسًا عن حقه.
قال: وهذا أولى الأمرين بعمر عندنا في السواد وفتوحه إن كان عنوة لا ينبغي أن يكون قسم إلا عن أمر عمر لكبر قدره ولو يفوت عليه ما انبغى أن يغيب عنه قسمه ثلاث سنين ولو كان القسم ليس لمن قسم له ما كان له منه عوض ولكان عليهم أن يردوا الغلة والله أعلم كيف كان وهكذا صنع صلي الله عليه وسلم في خيبر وبني قريظة لمن أوجف عليها أربعة أخماس والخمس لأهله فمن طاب نفسًا عن حقه فجائز للإمام نظرًا للمسلمين أن يجعلها وقفًا عليهم تقسم غلته على أهل الفيء والصدقة وحيث يرى الإمام ومن يطب نفسًا فهو أحق بماله".
قال في الحاوي: أما أرض السواد فهو سواد كسرى ملك الفرس الذي فتحه
المسلمون، وملكوه عنوة في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن فتحت أطرافه في أيام أبي بكر رضي الله عنه.
وحده طولًا من حريثة الموصل إلى عبادان، وعرضًا من عذيب القادسية إلى حلوان، يكون طوله مائة وستين فرسخًا، وعرضه ثمانين فرسخًا، وليست البصرة، وإن دخلت في هذا الحد من أرض السواد؛ لأنها مما أحياه المسلمون من الموات إلا مواضع من شرقي دجلتها يسميه أهل البصرة الفرات.
ومن غربي دجلتها لنهر المعروف بنهر المرأة، ويسمى بالفهرج.
وحضرت الشيخ أبا حامد الإسفراييني، وهو يدرس تحديد السواد في كتاب "الرهن" وأدخل فيه البصرة، ثم أقبل علي، وقال: هكذا تقول قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: لأنها كانت مواتًا أحياه المسلمون، فأقبل على أصحابه، وقال علقوا ما يقول: فإن أهل البصرة أعرف بالبصرة وفي تسميته سوادا ثلاثة أقاويل:
أحدها: لكثرته مأخوذ من سواد القوم: إذا كثروا، وهذا قول الأصمعي.
والثاني: لسواده بالزروع والأشجار، لأن الخضرة ترى من البعد سوادًا، ثم تظهر الخضرة بالدنو منها فقال المسلمون حين أقبلوا من بياض الفلاة: ما هذا السواد، فسموه: سوادًا.
والثالث: لأن العرب تجمع بين الخضرة والسواد في الاسم، قال أبو عبيدة: ومنه قول الشاعر:
وراحت رواحًا من زرود فصادفت زبالة جلبابًا من الليل أخضرا
يعني: أسود، وسواد كسرى أزيد من العراق بخمسة وثلاثين فرسخًا، فيكون العراق أقصر من السواد بخمسه والسواد أطول من العراق بربعه؛ لأن أول العراق من شرقي دجلة العلث، ومن غربيها جربى، وطوله مائة وخمسة وعشرون فرسخًا، وعرضه مستوعب لعرض السواد.
وسمي عراقًا لاستواء أرضه حين خلت من جبال تعلو، وأودية تنخفض، والعراق في كلام العرب: الاستواء، كما قال الشاعر:
سقتم إلى الحق معًا وساقوا سياق من ليس له عراق
أي ليس له استواء.
وقال قدامة بن جعفر: تكون مساحة العراق مكسرًا من ضرب طوله في عرضه عشرة آلاف فرسخ، يصير تكسير مساحة السواد مكسرًا بزيادة الربع مساحة العراق اثنا عشر ألف فرسخ وخمسمائة فرسخ، ومساحة تكسير فرسخ في فرسخ اثنان وعشرون ألف جريب وخمسمائة جريب؛ لأن طول الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالمرسلة، ويكون بذراع المساحة، وهي الذراع الهاشمية تسعة آلاف ذراع، فتكون مساحة أرض العراق، وهي عشرة آلا فرسخ مكسرة مائتا ألف ألف جريب، وخمسة وعشرين ألف ألف جريب، يزيد عليها في مساحة السواد ربعها، فتصير مساحة السواد مائتا ألف ألف جريب وثمانين
ألف ألف جريب، يسقط منها مجاري الأنهار، والآجام والسباخ والآكام ومواضع المدن والقرى ومدارس الطرق نحو ثلثها، ويبقي مائتا ألف ألف جريب يراح نصفها، ويزرع نصفها، إذا تكاملت مصالحنا، وعمارتها، وذلك نحو مائة ألف ألف جريب، ينقص عنها في مساحة العراق خمسها، وقد كانت مساحة المرزوع في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه اثنين وثلاثين ألف ألف جريب إلي ستة وثلاثين ألف ألف جريب، لأن البطائح تعطلت بالماء ونواحي تعطلت بالتبوق وفي المتقدرات تتكامل جميع العبارات حتى تستوعب من زرعها؛ لأن العوارض والحوادث لا يخلو الزمان منها خصوصا وعموما.
فصل:
فإذا استقر ما ذكرنا من حدود السواد، ومساحة أراضيه وقدر مزدرعه وفضل ما بينه وبين العراق، فقد اختلف العلماء في فتحه هل كان عنوه أو صلحا؛ فقدم الشافعي من الحجاز إلي العراق، وأهل العراق أعلم بفتوح سوادهم من أهل الحجاز، فسألهم عنه فاختلفوا عليه، فروي بعضهم أن السواد فتح صلحا.
وروي له بعضهم أن السواد فتح عنوه.
وروي له آخرون أن بعض السواد فتح صلحا، وبعضه فتح عنوه.
فلما اختلفوا عليه في النقل والرواية نظرا ثبت ما رووه من الأحاديث، وأصحها، فكان حديث جرير بن عبد الله البجلي.
قال الشافعي: أخبرنا الثقة يعني: أبا أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كانت بجيلة ربع الناس، فقسم لهم ربع السواد، فاستغلوه ثلاثا، أربع سنين شك الشافعي فقدمت علي عمر، ومعي فلانة بنت فلان امرأة منهم قد سماها، ولم يحضرني ذكر اسمها، فقال عمر: "لولا أني قاسم مسئول لتركتكم علي ما قسم لكم، ولكن أري أن تردوا علي الناس".
قال الشافعي: "وكان في حديثه وعافني من حقه نيفا وثمانين دينارا وفي الحديث: فقالت فلانة: قد شهد أبي القادسية، وثبت سهمه، ولا أسلم حتى تعطيني كذا وكذا، فأعطاها إياه.
وروي غير الشافعي فقالت أم كرز: لا أنزل عن حقي حتى تحملني علي ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبا، ففعل ذلك بها، فكان ما أعطاها من العين ثمانين دينارا فمن ذهب إلي أن السواد فتح صلحا، فقد أشار الشافعي إليه في كتاب قسم الفئ واستدل بهذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أن عمر انتزعه من أيدي الغانمين حين علم بحصوله معهم، ولو كان عنوه لكان غنيمة لهم، ولم يجز انتزاعه منهم.
والثاني: قول عمر: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم علي ما قسم لكم، فدل علي أنه انتزعه منهم بحق لم يستجز تركه معهم، وهذا حكم الصلح دون العنوة.
وذهب الشافعي إلي أن فتح السواد عنوة، وهو الذي نص عليه في هذا الموضع المنقول عنه في أكثر كتبه.
والدليل عليه من هذا الحديث خمسه أوجه:
أحدهما: أنه أقر السواد في أيدي الغانمين ثلاث سنين، أو ربع يستغلونه، ولم ينتزعه منهم، ولو لم يكن لهم فيه حق الغنيمة لم يستجز تركه عليهم هذه المدة.
والثاني: أنهم اقتسموه قسمة الغنائم حتى صار لبجيلة، وهم ربع الناس ربع السواد، وما اقتسموه إلا بأمر عمر، وعن علمه؛ لأنه من الأمور العامة، والفتوح العظيمة التي لا يستبد الجيش فيها بآرائهم إلا بمطالعته وأمره.
والثاني: أنهم لو تصرفوا فيه بغير حق لاسترد منهم ما استغلوه؛ لأنه يكون لكافة المسلمين دونهم.
والثالث: أنه عاوض من لم يطب نفسا بالنزول عن سهمه بعوض دفعه إليهم، جري عليه حكم الثمن حتى أعطي جريرا، وأم كرز ما أعطي، وهو لا يبذل من مال المسلمين إلا في حق.
والرابع: أنه استطاب نفوسهم عنه، ولو كانت أيديهم فيه بغير حق لأخذه منهم جبرا.
فدلت هذه الوجوه علي أنه كان عنوه مغنوما اقتداء في استطابه نفوسهم عنه برسول الله صلي الله عليه وسلم في سبي هوازن حين سألوه بعد إسلامهم المن عليهم، فخيرهم بين أموالهم وأهليهم، فاختاروا الأهل والأولاد، فمن عليهم، وعرف العرفاء عن استنزال الناس عنوا، وجعل لمن لم يطب نفسا بالنزول عن كل رأس من السبي ست قلائص حتى نزل جميعهم، إلا عيينة والأقرع إلي أن جدع عيينة، ونزل الأقرع، فلما استنزلهم رسول الله صلي الله عليه وسلم للمن والتكريم كان استنزال عمر للغانمين في عموم المصالح للمسلمين أولي وأوكد، واختلف في السبب الذي استنزلهم عمر لأجله علي قولين:
أحدهما: أنه رأي إن أقاموا فيه علي عمارته، واتغلاله، وألفوا ريف العراق، وخصبه تعطل الجهاد، وإن انهضم عنه مع بقائه على ملكهم خرب مع جلالة قدره، وكثرة استغلاله، فعلي أن الأصلح إقرار في أيدي الدهاقين والأكرة الذين هم بعمارته أعرف، وزراعته أقوم بخراج يضربه عليهم يعود نفعه علي المسلمين، ويتوفروا به علي جهاد المشركين.
والثاني: أنه فعل ذلك لنظره في المتعقب؛ لأنه جعل مصري العراق البصرة والكوفة وطنا للمجاهدين؛ ليحضوا بجهاد من بإزائهم من المشركين، ويستمدوا بسواد عراقهم في أرزاقهم، ونفقاتهم في جهادهم، وعلم أنه إن أقره علي ملكهم مع سعته، وكثرة ارتفاعه بقي من بعدهم لا يجدون ما يستمدونه، وقد قاموا مقامهم، وسدوا مسدهم فرأي أن الأعم في صلاح أهل كل عصر أن يكون وقفا عاما علي جميع المسلمين؛ ليكون لأهل
كل عصر فيه حظ يقوم بكفايتهم فاستنزلهم عن أصل ملكه، وأمدهم بارتفاعه، ليكون يأتي بعدهم فيه بمثابتهم.
وقد روي زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب أنه قال: لولا أخشي أن يبقي آخر الناس لا شئ لهم لتركتكم، وما قسم لكم، لكن أحب أن يلحق آخرهم أولهم، وتلا قوله تعالي: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ [الحشر: 10].
فصل:
فإذا ثبت أن فتح أرض السواد عنوة انتقل الكلام إلي فصلين:
أحدهما: حكم أرض العنوة.
والثاني: ما استقر عليه حكم أرض السواد بعد الاستنزال.
فأما الفصل الأول في حكم كل أرض إذا فتحت عنوة، فقد اختلف فيه الفقهاء علي مذاهب شتي.
فذهب الشافعي إلي أنها تكون غنيمة كسائر الأموال، يخرج خمسها لأهل الخمس، وتقسم باقيها بين الغانمين كقسمة الأموال المنقولة إلا أن يري إمام العصر أن يستنزلهم عنه بطيب أنفسهم، أو بعوض يبذله لهم ليفضها علي كافة المسلمين، فيمضي وإلا فهي غنيمة مقسومة لعموم قول الله تعالي: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41]، فدل علي أن ما سوي الخمس للغانمين، كما قال: ﴿ووَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] فدل علي أن ما سوي الثلث للأب.
وقال مالك والأوزاعي: الأرض غير مغنومة، وتصير بالفتح وقفا علي كافة المسلمين، لا يجوز لهم بيعها.
وقال أبو حنيفة: يكون الإمام فيها مخيرا بين ثلاثة أشياء بين أن يقسمها علي الغانمين كالذي قاله الشافعي وبين أن يقرها علي مالك أربابها، ويضرب عليهم جزيتين:
إحداهما: علي رؤوسهم، والأخرى علي أرضهم.
فإذا أسلموا سقطت جزية رؤوسهم، وبقيت جزية أرضهم تؤخذ باسم الخراج، ويجوز لهم بيعها.
بين أن يقفها علي كافة المسلمين، فلا يجوز لهم بيعها.
وأما الفصل الثاني: فيما استقر عليه حكم أرض السواد بعد الاستنزال عنها: فالذي نص عليه الشافعي في سير الواقدي أن عمر وقفها علي كافة المسلمين، فلا تباع، ولا توهب، ولا تورث كسائر الوقوف، وقال فيه مثله من كتاب الرهن: إنه لو رهن أرضا من أرض الخراج كان الرهن باطلا ثم إن عمر بعد وقفها أجرها للدهاقين والأكره بالخراج الذي ضربه عليها يؤدية كل سنه أجره عن رقابها، فيكونوا أحق بالتصرف فيها لأصل
الإجازة، وإن لم تكن ملكا لهم وإذا مات أحدهم انتقل إلي وارثه يدا لا ملكا كالموروث، وبه قال أبو سعيد الإصظخري وأكثر البصريين، واختلف من قال بهذا فيما توجه الوقف إليه علي وجهين:
أحدهما: إلي جميع الأرض من مزارع ومنازل.
والثاني: إلي المزارع دون المنازل، لأن وقف المنازل مفض إلي خرابها، فهذا قول من جعلها وقفا.
وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي: لم يقفها، وإنما باعها علي أربابها بثمن يؤدي في كل سنة علي الأبد بالخراج المضروب عليها لينتفع بها الآخرون كما انتفع بها الأولون، ويكون الخراج ثمنا ويجوز أن تباع، وتوهب، وتورث، قالوا: إنما كانت مبيعه، ولم يكن وقفا لأمرين:
أحدهما: أن عمر قصد بما فعله فيها حفظ عمارتها، ولو كانت وقفا لا يملكها المتصرف، ويري أنها ليست ملكا مبيعا موروثا لم يشرع أهلها في تأبيد عمارتها، وراعوا ما يتعجلون به استغلالها، فأفضي ذلك إلي خرابها، وزوال الغرض المقصود بها.
والثاني: انه لما يزل أهلها علي قديم الوقت وحديثه، يتبايعونها ويتوارثونها، ولا ينكره عليهم احد من أثمة الامصار، ولا يبطله أحد من القضاة والحكام، ولا يمتنع احد من العلماء من اعل الديات أن يتبايعوها، ويتوارثوها، دل علي انعقاد الإجماع علي خروجها ما أحكام الوقف إلي أحكام الأملاك.
قالوا: وإنما استجاز عمر بيعها بهذا الثمن المجهول المؤبد لأمرين:
أحدهما: لوصولها من جهة المشركين المعفو عن الجهالة فيما صار منهم، كما بذل رسول الله صلي الله عليه وسلم في البدأة والرجعة، الثلث والربع في الغنيمة، وإن كان قدرها مجهولا، وكما يجوز أن يبذل لمن دل علي القلعة في بلاد الشرك جارية من أهلها، وإن جهلت.
والثاني: أن ما تعلق بالمالح العامة يخفف حكم الجهالة فيه، للجهالة بأحكام العموم.
وإطلاق هذين المذهبين في وقفها وبيعها عندي معلول، لأن ما فعله عمر فيها لا يثبت بالاجتهاد حتى يكون نقلا مرويا، وقولا محكيا عن عقد صريح يستوثق فيه بالكتاب والشهادات في الأغلب، وهذا معدوم فيه، فلم يصح القطع بوفقها لما عليه الناس من تبايعها، ولا القطع ببيعها بالخراج المضروب عليها لأمرين:
أحدهما: أن الخراج مخالف للأثمان بالجهالة، وأنه مقدر بالزراعة.
والثاني: أن مشتريها يدفع خراجها دون بائعها، فيصير دافعا لثمنين، وليس للمبيع إلا ثمن واحد، ويكون ما قيل من وقفها محمولا علي أنه وقفها علي قسمة الغانمين، ووقف خراجا علي كافة المسلمين فيكون ملكها مطلقا لمن أقرت عليه استصحابا لقديم ملكهم، لما علم من عموم المصلحة فيه، ودوام الانتفاع به، فتصير مخالفاً للأرض
الصلح من وجهين، موافقة لها من وجهين.
فأما الوجهان من المخالفة، فأحدهما: أن أرض الصلح لا حق للغانمين في رقابها، فيمنعون منها جبرا، وأرض السواد كانت للغانمين، فاستنزلوا عنها عفوا، وعوض منهن من أبي.
والثاني: أن خراج أرض الصلح لأهل الفئ خاصة، وفيه الخمس لأهل الخمس وخراج أرض السواد لكافة المسلمين، ولا خمس فيه لأهل الخمس لأن الخمس أخرج عنه عند قسمته.
وأما الوجهان في الموافقة، فأحدهما: وضع الخراج علي رقابها.
والثاني: جواز بيعها.
فإن قيل: فقد روى عن فرقد السبخي أنه قال: اشتريت شيئا من أرض السواد، فأتيت عمر، فأخبرته بذلك، فقال: ممن اشتريتها؟ فقلت من أربابها، فقال هؤلاء أربابها يعني الصحابة، فدل علي أن بيعها لا يجوز.
فعنه جوابان:
أحدهما: أنه أنكر البائع، ولم ينكر البيع.
والثاني: أنه محمول علي ما قبل استنزالهم عنها أن ابتياعها لا يجوز إلا من الغانمين.
فصل:
فأما بيع العمارة واليد المتصرفة، فقد اختلف الفقهاء في جوازه.
فقال مالك: يجوز بيعها سواء كان فيها إثارة أو لم يكن.
وقال أبو حنيفة: إن كان فيها إثارة جاز بيعها، وإن لم يكن فيها إثارة لم يحز بيعها.
وقال الشافعي: إن كان أعيان كالزرع والشجر جاز بيعها، وإن كانت آثارا كالأثارة، لم يجز بيعها، لأنها منافع، والبيع إنما يصح في الأعيان دون منافع كما أن الإجارة تصح في المنافع دون الأعيان لأن لكل واحد من العقدين حكمًا.
فصل:
فأما قدر الخراج المطلوب علي الأرض السواد، فقد روى قتادة عن أبي مجلز أن عثمان بن جنيف جعل كل جريب من الكرم عشرة دراهم، وقيل علي كل جريب من النخل ثمانية دراهم، وعلي كل جريب من قصب السكر سته دراهم، وعلي كل جريب من الرطبة خمسة دراهم، وعلي كل جريب من البر أربعة دراهم، وعلي كل جريب من الشعير درهمين.
وحكي الشعبي أن عثمان بن جنيف مسح السواد، فوجده ستة وثلاثين ألف ألف
جريب، فوضع علي كل جريب درهما وقفيزا.
قال يحيي بن آدم وهو المختوم الحجابي: قيل إن ثمانية أرطال، فكان خراجها سوي البر والشعير متفقا علي قدره في الروايات كلها.
واختلف في خراج البر والشعير، فذهب أهل العراق إلي تقديره بقفيز ودرهم وهو المأخوذ منهم في الأيام العادلة من ممالك الفرس، وقد ذكره زهير في شعره فقال:
فتغلل لكم ما تغل لأهلها... قري بالعراق من قفيز ودرهم
وذهب أبو حامد الإسفراييني، وطائفة من أصحاب الشافعي إلي خراج البر أربعة دراهم، وخراج الشعير درهمان، تعويلا علي رواية أبي مجلز.
وكلا القولين علي إطلاقه معلول عندي، لأن كل واحد منهما إسقاط للآخر، والصحيح أن كلا الروايتين صحيحتين، وإنما اختلفا لاختلاف النواحي، فوضع علي بعضها قفيز ودرهم، وعلي بعضها أربعة دراهم علي البر ودرهمان علي الشعير، فأخذ الدرهم والقفيز فما كان غالب زراعة برا او شعيرا، لأن ما قل من ناحيته غلا، وما كثر فيها رخص، فزيد من خراج المال ن ونقص من خراج الرخيص، والله أعلم.
فكانت ذراع عثمان بن حنيف في مساحته ذراع اليد وقبضة ممدودة، وكان مبلغ ارتفاع السواد في أيام عمر بن الخطاب مائة ألف ألف درهم، وعشرين ألف ألف درهم وحياة زيادة مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف، وحياة عبيد الله بن زياد مائة ألف ألف، وخمسة وثلاثين ألف ألف، وحياة الحجاج ثمانيه عشر ألف ألف، لغشمه وإخرابه، وحياة عمر بن عبد العزيز ثمانين ألف ألف، ثم بلغ في آخر أيامه مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف، لعدله وعمارته.
فصل:
ولا يسقط عشر الزروع بخراج الأرض، ويجمع بينهما الشافعي لأن الخراج إما أن يكون أجرة علي قوله، أو ثمنا علي قول من خالفه من أصحابه، والعشر يسقط بواحد منهما.
ومنع أبو حنيفة من الجمع بينهما، وأسقط العشر بالخراج، وقد تقدم الكلام معه في كتاب الزكاة.
فأما عشر زروعه فمصروف في أهل الصدقات كسائر الزكوات.
وخالف فيه أبو حنيفة، فجعل مصرف الغنيمة والفئ مشتركا، وقد مضي الكلام معه في كتاب قسم الصدقات.
وأما خراج السواد، فمصرفه في كل مصلحه عاد علي المسلمين نفعها من أرزاق الجيش وتحصين الثغور، وابتياع الكراع والسلاح، وبناء المساجد، والقناطر وأرزاق القضاة والأئمة، ومن انتفع به المسلمون الفقهاء، والقراء، والمؤذنين.
فصل:
ولا يجوز للإمام، ولا لوال من قبله يضمن العشر والخراج لأحد من العمال، فإن عقد علي واحد منهما ضمانا كان عقده باطلا لا يتعلق به في الشرع حكم، لأن العامل مؤتمن يستوفي ما وجب، ويؤدي ما حصل لا يضمن نقصانا، ولا يملك زيادة، وضمان الأموال بمقدر معلوم يقتضي الاقتصار عليه، ويملك ما زاد، ويغرم ما نقص، وهذا مناف لوضع العمالة وحكم الأمانة فبطل.
حكي أن رجلا أتي ابن عباس يتقبل منه الأبلة بمائة درهم، فضربه مائة سوط، وصلبه حيا تعزيرا وأدبا.
ولا يجوز تضمين الأرض لأربابها في عشر ولا خراج، لأن العشر مستحق أن زرع، وساقط إلي قطع، والخراج مقدر علي المساحة لا يجوز أن يزاد فيه، ولا ينقص منه، وما هذه سبيله لا يصح تضمينه.
فأما إجارتها، فيصح أن يؤجرها أربابها، ولا يصح أن يؤجرها غيرها، لأن حق السلطان فيها قد سقط بخراجها.
فصل:
فأما تفسير كلام الشافعي في أول باب، وهو قوله "لا أعرف ما أقوله في أرض السواد، إلا بظن مقرون إلى علم، فقد أنكر هذا الكلام على الشافعي من وجهين:
أحدهما: قوله: لا أعرف ما أقول في ارض السواد، ما أحد بدأ في كتاب في علم بمثل هذا اللفظ، لأن من لم يعرف شيئا لم يجز أن يتعرض لإثبات حكمه.
والثاني: قوله: إلا بظن مقرون إلي علم، والظن شك والعلم يقين، وهما ضدان فكيف يصح الجمع بينهما، وهو ممتنع؟
قيل: أما قوله: لا أعرف ما أقول في أرض السواد، فلأن الطريق إلي العلم يفتحها النقل المروى، وقد اختلفت الرواية عنه، فروى بعضهم أنها فتحت صلحا، وروى بعضهم أنها فتحت عنوة، وروى آخرون أن بعضها فتح صلحا، وبعضها فتح عنوة.
وهذا الاختلاف في النقل يمنع من الأخذ بأحدها إلا بدليل، فحسن أن يقول: لا أعرف إثبات أحدهما، وإن كنت أعرف نقل جميعها.
وأما قوله "إلا بظن القرون إلي علم"، فقد اختلف أصحابنا في مراده به علي ما هو محمول علي فتحها أو علي حكمها علي وجهين:
أحدهما: أنه محمول علي فتحتها أنه عنوة لا صلحا، وهو المشهور من قوله.
والثاني: أنه محمول علي حكمها أنها وقف لا يجوز بيعها، وهو الظاهر من مذهبه.
فإن قيل: إن المراد فتحها، ففي تأويل قوله: "إلا بظن مقرون إلي علم" وجهان:
أحدهما: أنه أراد بالظن هنا الاجتهاد الذي هو غلبة الظن وأراد بالعلم الخبر، لأن
جنس الأخبار قد يفضي إلي العلم، فكأنه توصل باجتهاده وغلبة ظنه إلي إثبات خبر جرير، وعلم من خبر جرير أنها فتحت عنوة.
والثاني: أن الاجتهاد ذو غلبة الظن هو فيما خفي واشتبه من سبب فتحها والعلم هو فيما ظهر وانتشر من قسمها، فاستدل بظاهر القسمة علي باطن العنوة.
وإن قيل: إن المراد به حكمها، لأنها وقف، ففي تأويل قوله: إلا بظن المقرون إلي علم وجهان:
أحدهما: أن العلم ما فعله عمر من استنزالهم عنها، وغلبة الظن فيما حكم به من وقفها.
والثاني أن العلم وضع للخراج عليها، وغلبة الظن في المنع من بيعها، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وأي أرض فتحت صلحا علي أن أرضها لأهلها يؤدون فيها خراجا فليس لأحد أخذها من أيديهم وما أخذ من خراجها فهو لأهل الفئ دون أهل الصدقات لأنه فئ من مال مشرك وإنما فرق بين هذه المسألة والمسألة قبلها أن ذلك وإن كان من مشرك فقد ملك المسلمون رقبة الأرض أفليس بحرام أن يأخذ منه صاحب صدقة ولا صاحب فئ ولا غني ولا فقير لأنه كالصدقة المؤقوفة يأخذها من وقفت عليه".
قال في الحاوي: اعلم أن ما استولي عليه من أرض بلاد الترك ينقسم علي خمسة أقسام:
أحدهما: ما فتحوه عنوة، واستولوا عليه قهرا ن فهي ملك للغانمين تقسم بينهم قسمة الأموال بعد أخذ خمسها لأهل الخمس، وللغانمين أن يتصرفوا فيما قسم لهم تصرف المالكين بالبيع والرهن والهبة، إن خالف فيها مالك وأبو حنيفة خلافا قدمناه، وتكون أرض عشر لا خراج عليها إلا أن يستنزلهم الإمام عنها كالذي فعله عمر فيكون حكرا علي ما قدمناه في أرض السواد.
والثاني: ما أسلم عليه أهله، فقد صارت تلك الأرض بإسلام أهلها دار الإسلام وأرضها معشورة ولا يجوز أن يوضع عليها خراج.
وقال أبو حنيفة: الإمام مخير فيها بين أن يجعلها عشرا أو خراجا فإن جعلها لم يجز أن ينقلها إلي العشر،،وإن جعلها عشرا جاز أن ينقلها إلي الخراج، وهذا فاسد من وجهين: نص وتعليل:
أحدهما: أن أهل الطائف أسلموا، فأقرهم رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أملاكهم في أرضهم، فكانت أرض عشر لم يضرب عليها خراجا.
والثاني أن الخراج أحد الجزيتين، فلم يجز أن يؤخذ من مسلم كالجزيه علي الرؤوس.
والثالث: ما جلا عنه أهله من البلاد خوفا حتى استولي عليه المسلمون، فأرضهم في مخموس توقف رقابها، ويصرف ارتفاعها مصرف الفئ، فإن ضرب الإمام عليها خراجا جاز، وكان الخراج أجرة يصرف مصرف الفئ، في أحد القولين بعد الخمس مصروفا إلي الجيش خاصة، وفي القول الثاني في جميع المصالح التي منع أرزاق الجيش، وفيما يصير به وفقا وجهان:
أحدهما: يصير وفقا بالاستيلاء عليها، ولا يراعي فيها لفظ الإمام بوقفها.
والثاني: لا تصير وقفا إلا أن يتلفظ الإمام بوقفها.
والرابع: ما صولح عليه المشركون من أرضهم علي أن يكون ملكا للمسلمين بخراج يؤديه أهلها إلي الإمام، فهذه الأرض في ذلك الاستيلاء عليها بغير إيجاف خيل ولا ركاب وتصير وقفا علي ما ذكرنا من الوجهين:
أحدهما: بأن يتلفظ الإمام أو من استنابة فيها بوقفها، وتصير الأرض من بلاد الإسلام ولا يجوز بيعها كسائر الوقوف، ولا يقر فيها أهلها من المشركين إلا بالجزية المؤداة عن رؤوسهم جزيتهم بخراج أرضهم، لأن خراجها أجرة لا جزية.
فإن انتقلت إلي يد مسلم لم يسقط عنه خراجها، وكذلك لو أسلم أهلها.
والخامس: وهو مسألة الكتاب أن يصالحوا علي الأرضين لهم بخراج يؤدونه عنها، فيجوز ويكون هذا الخراج جزية، والأملاك طلق يجوز بيعها، وينظر في بلادها، فإن لم يستوطنها المسلمون، فهي دار عهد، وليست دار الإسلام، ولا دار حرب، ويجوز أن يقر أهلها بالخارج من غير جزية رؤوسهم ولا يجري عليها من أحكامنا إلا ما يجري علي المعاهدين دون أهل الذمة والمسلمين، وإن استوطنها المسلمون بالاستيلاء عليها صارت دار إسلام، وصار المشركون فيها أهل ذمة يجب عليهم جزية أرضهم وحدها جاز إذا بلغ ما يؤخذ من كل واحد من أهلها دينارا فصاعدا.
وقال أبو حنيفة: يجب أن يجمع عليهم بين جزية رؤوسهم وجزية أرضهم، ولا يجوز الاقتصار علي جزية الأرض وحدها، وهذا فساد، لأن الجزية واحدة لا يجوز مضاعفتها علي ذي مال ولا غيره كسائر أهل الذمة، فإن أسلموا سقطت عنهم جزية رؤوسهم وجزية أرضهم.
وقال أبو حنيفة: لا تسقط عنهم جزية أرضهم بالإسلام احتجاجا لا خراج عن أرض، فلم يسقط بالإسلام كالخراج علي سواد العراق.
ودليلنا: ما روى النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا
لمشرك أن يدخل المسجد الحرام" ولأنه مال حقنت به دماؤهم فوجب أن يسقط بإسلامهم كالجزية علي الرؤوس.
فأما خراج أرض السواد فليس بجزية وهو أجرة أحد الوجهين، وثمن في الوجه الثاني علي ما قدمناه من اختلاف أصحابنا فيه، فافترقا، وهكذا لو باعوا أرضهم علي مسلم سقط خراجها عنه كما يسقط عنه بإسلامهم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا بأس أن يكتري المسلم من أرض الصلح كما يكتري دوابهم والحديث الذي جاز عن النبي صلي الله عليه وسلم "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج ولا لمشرك يدخل المسجد الحرام إنما هو خراج الجزية وهذا كراء".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: "إذا كانت أرض الصلح ملكا للمشركين، وعليها خراج للمسلمين جاز للمسلم أن يستأجرها، ولا يكره له ذلك، وكرهه الإسلام لقول النبي صلي الله عليه وسلم "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام".
ودليلنا علي إباحته وعدم كراهته: ما روى أن الحسن بن علي عليهما السلام استأجر قطعة كبيرة من أرض الخراج، وكذلك روى ابن مسعود ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وليس يعرف لهم مخالف، ولأنه لما يكره أن يستأجر منهم غير الأرضين من الدواب والآلات لم يكره أن يستأجر منهم الأرضين.
فأما الخبر فلا دليل فيه، لأن الخراج يؤخذ من مؤجرها، والأجرة تؤخذ من مستأجرها، فإن شروط الخراج علي مستأجرها صح إن كان معلوما، وكان أجرة في حق المستأجر وخراجا في حق المؤجر.
فصل:
فإن باع المشرك أرضه هذه علي مشرك صح، كان خراجها باقيا، وإن باعها علي مسلم صح البيع، وسقط الخراج بانتقالها إلي ملك المسلم كما لو كان مالكها من المشركين قد أسلم.
وقال: بيعها علي مسلم باطل، لأنه مفض إلي سقوطه ما استحقه المسلمون عليها من الخراج، وهذا باطل لقول الله تعالي ﴿وَأَحَلَّ الله اُلْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275].
ولأن كل ما صح بيعه من مشرك كسائر الأموال، ولأن المسلم لو باع أرضه علي مسلم صح، إن أفضي إلي إسقاط العشر، فلأن يجوز بيع أرض المشرك علي المسلم وإن أفضي إلي إسقاط الخراج أولي، وفيه انفصال، فإذا ثبت خراجها علي أهل الصلح، فإن بذلوه وإلا نبذ إليهم عهده، وهذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن المستحق عليهم خارج أملاكهم، فلم يجز أن يؤخذ منهم خراج ما خرج عن أملاكهم.
والثاني: أنه لما كان سقوط خراجها بإسلام مالكها لا يقتضي الرجوع عليها بخراجها كان بإسلام غيره أولى، والله أعلم.
باب الأسير يؤخذ عليه العهد أن لا يهرب، أو على الفداء
قال الشافعي - رحمه الله -: " وإذا أسر المسلم فأحلفه المشركون على أن لا يخرج من بلادهم إلا أن يخلوه فله أن يخرج لا يسعه أن يقيم ويمينه يمين مكره ".
قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة هجرة من أسلم من أهل الحرب، فلا يخلو أن يكون فيها ممتنعًا أو مستضعفًا، فإن كان فيها مستضعفًا لا يأمن أهلها على نفسه وأهله وماله، وجب عليه إذا قدر على الهجرة أن يهاجر منها إلى دار الإسلام لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَائِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97].
فدل على وجوب الهجرةً، ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك قيل: ولم يا رسول الله، قال: لا تراءا ناراهما".
يعني تنظر ناره إلى ناره فيكثر سواد المشركين.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من كثر سواد قوم فهو منهم"، ولأنه لا يأمن أن يفتن عن دينه أو تسبى الدار فيسترق ولده، فإن عجز عن الهجرةً لضعفه كان معذورًا في التأخر عن الهجرة حتى يقدر عليها، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء: 98، 99].
فأما إذا كان المسلم في دار الحرب ممتنعًا في أهل وعشيرة، فإن لم يأمن الافتتان عن دينه كان فرض الهجرة باقيًا عليه.
وإن أمن الافتتان في دينه سقط فرض الهجرة عنه لاختصاص وجوبها نصًا بالمستضعفين وكان مقامه بينهم مكروهًا؛ لأن المقام على مشاهدة المنكرات منكر، والإقرار على الباطل معصية؛ لأنها تبعث على الرضا، وتفضي إلى الولاء.
قال الله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: 51].
فصل:
فإذا ثبت حكم الهجرة فيمن أسلم من أهل الحرب، فصورة هذه المسألة في المسلم إذا أسره أهل الحرب، فالأسير مستضعف تكون الهجرة عليه إذا قدر عليها فرضًا، ويجوز له أن يغتالهم في نفوسهم وأموالهم، ويقاتلهم إن أدركوه هاربًا، فإن أطلقوه وأحلفوه أن يقيم بينهم، ولا يخرج عنهم وجب عليه الخروج عنهم مهاجرًا، ولم تمنعه اليمين من الخروج المفروض، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه".
فأما حنثه في يمينه إذا خرج يمين الأسير، فمعتبر بحال إحلافه، وله فيها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يبدءوا به، فيحلفوه في حبسه قبل إطلاقه أنهم إذا أطلقوه لم يخرج عنهم، فهذه يمين مكره لا يلزمه الحنث فيها.
والثانية: أن يطلقوه على غير يمين، فيحلف لهم بعد إطلاقه أنه لا يخرج عنهم فهذه يمين مختار يحنث فيها إذا خرج، وكان التزامه للحنث مستحقًا.
والثالثة: أن يبتدئ قبل إطلاقه، فيتبرع باليمين، أنهم إن أطلقوه لم يخرج عنهم.
ففي يمينه وجهان:
أحدهما: أنها يمين إكراه لا يحنث فيها لأنه لم يقدر على الخروج من الحبس إلا بها كما لو أحلفوه محبوسًا.
مسألة:
قال الشافعي: "وليس له أن يغتالهم في أموالهم وأنفسهم لأنهم إذا أمنوه فهم في أمان منه ولو حلف وهو مطلق كفر".
قال في الحاوي: اعلم أن للأسير إذا أطلق في دار الحرب أربعة أحوال:
أحدها: أن يؤمنوه ويستأمنوه، فيحرم عليه بعد استئمانهم له أن يغتالهم في أنفسهم وأموالهم، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
إلا أن ينقضوا أمانهم له، فينتقض به أمانه لهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58].
ولو استرقوه بعد أمانهم كان الاسترقاق نقضًا لأمانهم واستئمانهم.
والثانية: أن لا يؤمنوه ولا يستأمنوه، فلا يكون الإطلاق استئمانًا كما لم يكن أمانًا، ويجوز أن يغتالهم في أنفسهم وأموالهم، ولو أطلقوه بعد أن استرقوه لم يكن الاسترقاق أمانا فيهم ولا أمانا لهم.
الثالثة: أن يستأمنوه، ولا يؤمنوه، فينظر، فإن كان لا يخافهم إما لقدرته على الخروج، وإما لثقته بكفهم عنه، فهم على أمانهم منه لا يجوز أن يغتالهم في نفس ولا
مال، وإن لم يأمنهم فلا أمان لهم، ويجوز له اغتيالهم، لقوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58].
والرابعة: أن يؤمنوه ولا يستأمنوه، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إنهم لا أمان لهم منه، وإن عقدوا له أمانا منهم: لأن تركهم لاستئمانه قلة رغبة في أمانه.
والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وقول جمهور أصحابه، إنه قد صار لهم بأمانهم له أمان منه، وإن لم يستأمنوه، لما يوجبه عقد الأمان من التكافؤ فيه.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو خلوه على فداء إلى وقت فإن لم يفعل عاد إلى أسرهم فلا يعود ولا يدعه الإمام أن يعود ولو امتنعوا من تخليته إلا على مال يعطهموه فلا يعطيهم منه شيئًا لأنه مال أكرهوه على دفعه بغير حق".
قال في الحاوي: إذا أطلق أهل الحرب أسيرًا على اشتراط فداء يحمله إليهم، فإن حمله، وإلا عاد إليهم، لم يجب عليه حمل الفداء، ولا العود إليهم، ويكون الشرطان باطلين.
وقال الزهري، والأوزاعي: الشرطان واجبان، فيؤخذ بحمل المال إليهم، فإن حمله، وإلا أخذ بالعود إليهم.
وقال أبو هريرة والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري: اشتراط الفداء لازم، واشتراط العود باطل.
واحتجوا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عقد صلح الحديبية مع قريش على أنه يرد إليهم من جاء مسلمًا منهم، فجاءه أبو جندل بن سهل بن عمرو مسلمًا، فرده إلى أبيه، وجاءه أبو بصير مسلمًا، فرده إليهم مع رسول لهم، فقتل الرسول، وعاد فقال: يا رسول الله قد وفيت لهم، ونجاني الله منهم، فلم ينكره عليه.
ودليلنا: ما روي أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بعد صلح الحديبية مسلمةً، وجاء أخواها في طلبها، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن ردها إليهم، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 15].
ولأن المعاوضة عن رقبة الحر لا تصح، فبطل الفداء، وسقط المال.
والهجرة من دار الحرب واجبةً، والعود إليها معصيةً، فلم يجز العود.
فأما حديث أبي جندل، وأبي بصير، فهو منسوخ بحديث أم كلثوم، وعلى أنهما كانا ذوي عشرة طلبا رغبة فيهما، وإشفاقا عليهما، فخالفا من عداهما.
فصل:
فإذا ثبت سقوط الفداء، وتحريم العود، فالوفاء لهم بالفداء مستحب، وإن لم يجب، ليكون ذريعةً إلى إطلاق الأسرى.
والوفاء بالعود محظور، لا يجب، ولا يستحب لما فيه من الخوف على نفسه ودينه.
فإن افتدى نفسه بماله ساقه إليهم، ثم غنمه المسلمون منهم نظر، فإن كان بذله لهم مبتدئًا كان ذلك المال مغنومًا، وإن شرطوه على إطلاقه، كان ذلك الحال باقيًا على ملكه، ويكون أحق من الغانمين به.
وهكذا إذا افتدى الإمام أسرى في دار الحرب بماله ساقه إليهم من بيت المال، ثم غنم ذلك المال منهم، لم يملكه الغانمون عنهم؛ لأنه مال المسلمين صار إليهم بغير حق، فوجب أن يعود إلى حقه في بيت المال.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أعطاهموه على شيء أخذه منهم لم يحل له إلا أداؤه إليهم إنما أطرح عنه ما استكره عليه".
قال في الحاوي: إذا ابتاع الأسير من أهل الحرب مالًا بثمن أطلقوه عليه، ليحمله إليهم من بلاد الإسلام، لم يخل ابتياعه من أن يكون عن مراضاةً أو إكراه.
فإن كان عن مراضاةً لزمه الوفاء به، وحمل الثمن إليهم: لأن العقود في دار الحرب لازمةً، كلزومها في دار الإسلام، ولذلك كان تحريم الربا في الدارين سواء، وإن كان عن إكراه فعقد المكره باطل، ويجب عليه رد المال: لأنه قبضه عند استئمان، وفيما يلزمه من رده وجهان:
أحدهما: يلزمه رد ما ابتاعه لفساد العقد، وضمانه الرد، وهو الظاهر من مذهب الشافعي.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة - أنه يكون مخيرًا بين رد ما ابتاعه منهم: لأنه عين مالهم، وبين دفع ثمنه: لأنهم قد امتنعوا به، فلو تلف منه ما ابتاعه نظر في تلفه.
فإن كان بفعله، فعليه ضمانه، وإن تلف بغير فعله اعتبر حال قبضه منهم، فإن كان باختياره وجب عليه ضمانه، وإن كان مكرها عليه لم يضمنه.
وفي ضمانه إذا لزم ما قدمناه من الوجهين:
أحدهما: قيمته إذا قيل: إن الواجب رد عينه.
والثاني: يكون مخيرًا بين القيمة والثمن إذا قيل مع بقائه: إنه مخير فيهما.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا قدم ليقتل لم يجز له من ماله إلا الثلث".
قال في الحاوي: أما الأسير في دار الحرب، ومن وجب عليه من المسلمين القصاص في النفس، إذا وهبا مالًا وأعطيا عطايا لم يخل حالها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون هباتهما وعطاياهما قبل تقديمهما للقتل والقصاص، فيكون ذلك من رءوس أموالهم دون الثلث: لأن السلامة عليها في هذه الحال أغلب من الخوف.
والثاني: أن تكون عطاياهما بعد تقديمهما للقتل والقصاص، ووقوع الجرح بهما، وإنها ردمهما، فيكون من الثلث لا من رأس المال؛ لأن الخوف عليهما بعد الجرح أغلب، والسلامة فيها نادرةً، فأجرى عليهما في الحياة حكم الوصايا بعد الموت، لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143]. فأجرى عليهما عند حضور أسباب الموت حكم الموت.
والثالث: أن يكون عطاياهما بعد تقديمهما للقتل والقصاص، وقبل وقوع الجرح بهما، فقد قال الشافعي في الأسير: تكون عطاياه من الثلث، فجعل الخوف عليه أغلب، وقال في المقتص منه: تكون عطاياه من رأس المال دون الثلث، فجعل السلامة عليه أغلب، فخالف بينهما في الجواز مع اتفاقهما في الصورة.
فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: - وهو قول أبي إسحاق المروزي - إن جمع بين المسألتين وجمع اختلاف الجوابين وخرجهما على قولين:
أحدهما: تكون عطاياهما من الثلث على ما نص عليه في الأسير: لأن الخوف عليهما أرجى من الخوف على المريض.
والقول الثاني: تكون عطاياهما من رأس المال على ما نص عليه في المقتص منه بخلاف المريض ما لم يقع به جرح؛ لأن سبب الموت حال في بدن المريض، وليس بحال في بدن الأسير والمقتص منه، فهذا وجه.
والثاني: أن الجواب على ظاهره فيهما، فتكون عطايا الأسير من الثلث، وعطايا المقتص منه من رأس المال، ويكون الأسير أخوف حالًا منه: لأنه مع أعدائه في الدين يرون قتله تدينا وقربة، والمقتص منه مع موافقين فيه وصفهم الله بالرأفة والرحمة، وندبهم إلى العفو مع المقدرة.
والثالث: أن تغلب شواهد الحال فيهما، فإن شوهد من المشركين في الأسير رقةً ولين كانت عطاياه من رأس المال، وإن لم يشاهد ذلك كانت من الثلث.
وإن شوهد من أولياء القصاص غلظة وحنق، كانت عطاياه من الثلث، وإن لم يشاهد ذلك كانت من رأس المال، وهذا محكي عن أبي العباس بن سريج، وقد ذكرنا في كتاب الوصايا من التفريع على هذه المسألة، فيمن وجب عليه القتل في الحرابة، والرجم في الزنا، والحامل إذا ضربها الطلق، وراكب البحر إذا اشتد به الريح، والملتحم في القتال بين الصفين ما أغنى عن الإعادة، وبالله التوفيق.
باب إظهار دين النبي على الأديان كلها من
كتاب الجزية
قال الشافعي: - رحمه الله تعالى -: قال الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: 9] وروي مسندًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله، وقال: ولما أتى كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى كسرى مزقه فقال - صلى الله عليه وسلم-: يمزق ملكه قال: وحفظنا أن قيصر أكرم كتابه ووضعه في مسك فقال - صلى الله عليه وسلم- يثبت ملكه (قال الشافعي) - رحمه الله -: ووعد رسول الله الناس فتح فارس والشام، فأغزى أبو بكر الشام على ثقة من فتحها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم- ففتح بعضها وتم فتحها في زمن عمر، وفتح عمر - رضي الله عنه - العراق وفارس، قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: فقد أظهر الله دين نبيه - صلى الله عليه وسلم- على سائر الأديان بأن أبان لكل من تبعه أنه الحق وما خالفه من الأديان فباطل، وأظهره بأن جماع الشرك دينان: دين أهل الكتاب، ودين الأميين فقهر النبي - صلى الله عليه وسلم- الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها، وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعض الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه - صلى الله عليه وسلم- قال: فهذا ظهوره على الدين كله، قال: ويقال ويظهر دينه على سائر الأديان حتى لا يدان لله إلا به، وذلك متى شاء الله قال: وكانت قريش تنتاب الشام انتيابًا كثيرًا، وكان كثير من معاشهم منه، وتأتي العراق، فلما دخلت في الإسلام ذكرت للنبي - صلى الله عليه وسلم- خوفها من انقطاع معاشها بالتجارة من الشام والعراق إذا فارقت الكفر ودخلت في الإسلام، مع خلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام، فقال - صلى الله عليه وسلم-: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، فلم يكن بأرض العراق كسرى ثبت له أمر بعده، وقال إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، فلم يكن بأرض الشام قيصر بعده وأجابهم - عليه الصلاة والسلام - على نحو ما قالوا وكان كما قال - عليه السلام - وقطع الله الأكاسرة عن العراق وفارس وقيصر ومن قام بعده بالشام، وقال في قيصر: يثبت ملكه، فثبت له ملكه ببلاد الروم، وتنحى ملكه عن الشام وكل هذا متفق يصدق بعضه بعضًا ".
قال في الحاوي: وهذا الباب أورده الشافعي، وليس من الفقه، ليوضح به صدق الله تعالى في وعده، وصدق رسوله في خبره، ليرد به على من ارتاب بهما، فصار تاليا للسير.
فأما كتاب الله تعالى، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].
أما قوله: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ تفسيرها ففيه ثلاث تأويلات:
أحدها: أن الهدى هو دين الحق، وإنما جمع بينهما لتغاير لفظيهما، ليكون كل
واحد منهما تفسيرًا للآخر.
والثاني: معناه أنه أرسله بالهدى إلى دين الحق؛ لأن الرسول هادٍ والقرآن هدايةً، والمأمور به هو دين الحق.
والثالث: أن الهدى هو الدليل، ودين الحق هو المدلول عليه.
وأما قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].
فقد دفعه المتشككون في أديانهم، وقالوا: قد بقيت أطراف الأرض من الروم، والترك، والهند، والزنج، وغيرهم من الأمم القاصيةً، ما أظهر دينه على أديانهم، فلم يصح هذا الموعد.
والجواب عن هذا القدح: أن أهل التأويل قد اختلفوا في هاء الكناية التي في قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33] إلى ماذا تعود؟ على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تعود إلى الهدى.
والثاني: أنها تعود إلى دين الحق وحده.
والثالث: أنها تعود إليهما، وهو الأظهر.
فأما الهدى ففي معنى إظهاره ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه إظهار دلائله، وحججه، وقد حقق الله فعل ذلك، فإن حجج الإسلام أظهر ودلائله أقهر.
والثاني: أنه إظهار رسوله الله وقد حقق الله تعالى ذلك، فإنه ما حارب قومًا إلا انتصف منهم، وظهر عليهم.
والثالث: أنه بقاء إعجازه ما بقي الدهر، فإن معجزة القرآن باقيةً على مرور الأعصار، ومعجزة موسى فلق البحر، وعيسى في إحياء الموتى، منقطع لم يبق.
وأما الدين، ففي إظهاره على الدين كله ثلاثة أوجه:
أحدها: أن إظهاره هو انتشار ذكره في العالمين، ومعرفة الخلق به أجمعين، وهذا موجود؛ لأنه لم يبق في أقطار الأرض أمة إلا وقد علمت بدين الإسلام، ودعوة محمد - صلى الله عليه وسلم- إليه، وهو بالحجاز، وهو أحد التأويلات في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4].
والثاني: أن إظهاره هو علوه على الأديان كلها، فهو طالب وغيره مطلوب، وقاهر وغيره مقهور، وغانم وغيره مغنوم، وزائد وغيره منقوص، وهذا ظاهر موجود، قال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "الإسلام يعلو ولا يعلى، ويزيد ولا ينقص".
والثالث: أن إظهاره على الأديان كلها سيكون عند ظهور عيسى ابن مريم ونزوله من السماء حتى لا يعبد الله تعالى بغيره من الأديان كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، [النساء: 159].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي