بحر المذهب للرويانيصفحات 514-553

الخلق الكثير والعدد القليل لا يعذرون بذلك للتفريط ويؤمن مثله في القضاء.
فَرْعٌ آخرُ لو كان في الموقف عدد فيهم قلة خلاف المعهود وتغلطوا ووقفوا يوم العاشر فيه وجهان: أحدهما: تلزم الإعادة لأنه نادر وليس في إيجاب القضاء عليهم مشقة عامة.
والثاني: لا يلزم الإعادة لأنهم [132/ب] لا يأمنون الغلط في الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ قد ذكرنا أنهم لو وقفوا اليوم الثامن بالغلط لا يجوز.
وفيه وجه آخر مخرج من الأسير إذا تحرّى فصام قبل رمضان يجوزانه يجوز ههنا أيضًا، وهذا لأنا جعلنا ذلك الصوم أداء إذا كان بعض رمضان والوقوف اليوم العاشر أداء لأنه لا يدخل القضاء فيه، وإذا جعل الزمان بعد الفوات زمان الأداء للعذر جاز أن يجعل الزمان قبل الفوات زمان الأداء للعذر، وهذا المذهب أقرب إلى القياس وصورة الغلط أن يشهد الشهود ليلة الثلاثين من ذي القعدة برؤية الهلال، فاعتقدوا دخول الشهر ثم بين أن الشهود كانوا كفارًا بعد فوات اليوم التاسع.
وإذا قلنا بظاهر المذهب، فالفرق بين الغلط في العاشر أو في الثامن من وجهين: أحدهما: إن غلط التأخير لا يمكن الاحتراز منه، لأن وقوعه بوجود الغيم في أول الشهر، وانكشافه بأن يخرج الشهر ناقصًا فيرى الهلال الثمانية وعشرين من حين حسبوا الشهر، فيعلم قطعًا أنهم تركوا يومًا من أول الشهر في الحساب، ووقفوا في اليوم العاشر.
وأما خطأ الوقوف اليوم الثامن، وهو يوم التروية، وإما لغلط في الحساب أو الخلل في الشهود والاحتراز منهما ممكن.
والثاني: أن العبادة يجوز قضاؤها بعد فوات.
وفيها في الجملة يجوز في الحجّ أيضًا قضاء الوقوف على قرب الزمان بنوع عدد، ولا تصحّ العبادة البدنية قبل وقتها، والوقوف يوم التروية قبل الوقت، فلم تحتسب به.
فَرْعٌ آخرُ لو شهد شاهدان عشية عرفة برؤية الهلال ولم يبق من النهار والليل ما يمكن الجمع الغفير إتيان عرفة، وقفوا من الغد كما قال الشافعي: إذا شهد [133/أ] شاهدان برؤية الهلال ليلة العيد أو بعد الزوال في زمان لا يمكن اجتماع الناس لصلاة العيد يصلون صلاة العيد من الغد، ويكون أداء لا قضاء.
فَرْعٌ آخرُ إذا شهد واحد برؤية هلال ذي الحجّة أو اثنان ورد الحاكم شهادتهما، فإنهما يقفان بعرفة اليوم التاسع على يقين رؤيتهم، وإن وقف الناس اليوم العاشر، وهو كما قلنا: إذا رأى هلال شوال وحده، وردّت شهادته له أن يفطر.
وقال محمد: لا يجزئه حتى يقف مع الناس اليوم العاشر، لأن الوقوع لا يكون في يومين.
قلنا: لا يمتنع ذلك في حق

شخصين لاختلاف سبب الوجوب في حقّهما كما قلنا في صوم شهر رمضان، وفطر شوال إذا رأى الهلال وحده.
فَرْعٌ آخرُ قال والدي الإمام رحمه الله: إذا أحرم الناس بالحجّ في أشهر الحجّ ثمّ بان الخطأ بالاجتهاد في الهلال، وكان خطأ عامًا، هل ينعقد الإحرام بالحجّ؟ فيه وجهان: أحدهما: ينعقد كما لو وقف بعرفة اليوم العاشر جاز، وإن بان الخطأ بالاجتهاد، لأن كل واحد منهما ركن يفوت الحجّ بقواته.
والثاني: ينعقد بالعمرة، والفرق أنا إذا فات الوقوف لم يبق حكمه، وقد وجب إسقاطه رأسًا، وههنا لا يؤدي إلى إسقاطه رأسًا، فإنه يصّح عن العمرة فصّح القول ببطلان الإحرام عما قصده لظهور الخطأ في الاجتهاد ثم قال الشافعي: وأحّب للحاجّ ترك صوم يوم عرفة، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
مَسْألَةٌ: قالَ 1: وإذا غربت الشَّمس دفع الإمام وعليه السكينة والوقار.
الفَضلُ قال في "القديم": إذا غابت الشمس وتبين مغيبها وسقط شعاعها دفع.
والسنة أن يسير وعليه السكينة والوقار ما دام الزحام موجود لئلا يضرّ بالناس [133/ب] فإن زال الزحام وخفّ الناس أو وجد فرجه أسرع حتى يأتي المزدلفة، وحدها ما بين مأزمي عرفة وقرن محسر، وليس المأزمان وراء محسر من المزدلفة وقرن محسر، وعن يمينك، وشمالك من تلك البواطن والقوابل، والظواهر والشعاب كلها من مزدلفة نصّ عليه في "الأوسط" 2. وقال بعض أصحابنا: قرن محسر ليس منها، وهذا غلط بخلاف النصّ والمستحبّ أن يسلك طريق المأزمين، فإن ترك السكينة، أو سلك غير هذا الطريق فلا شيء عليه، وأول من يدفع من عرفة هو الإمام، والناس له تبع، ولا يستحبّ لأحدٍ أن يسبق الإمام ويعاجله في الإفاضة وفي تسمية مزدلفة تأويلان 3: أحدهما: أنهم يقربون فيها من منى والازدلاف: التقريب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: 90]، أي: قربت.
والثاني: أن الناس يجتمعون بها، والازدلاف: الاجتماع.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾ [الشعراء: 64]، أي: جمعناهم، ولذلك قيل: لمزدلفة جمع، والدليل على ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة، وعليه السكينة، ثم أردف الفضل بن العباس، وقال: يا أيها الناس ليس البر بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة" 4. وقوله: أفاض، أي: صدر راجعًا إلى

منى، وأصل الفيض: السيلان، والإيجاف: الإسراع في السير.
وقال عروة رضي الله عنه: سئل أسامة بن زيد وأنا جالس كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجّة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العّنّق، فإذا وجد فجوة نص 1. العنق السير الوسيع، والنصّ: أرفع السير، وفي هذا بيان أن السكينة الأمور بها إنما هي من أجل الرفق بالناس لئلا يتصادموا، فإذا لم يكن زحام، وكانت في الموضع سعة سار كيف شاء والإسراع أفضل [134/أ] ليكون أسرع وصولًا إلى المزدلفة.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، فقال: "هذا عرفة وهو الموقف وعرفة كلها موقف"، ثم أفاض حين غربت الشمس وأردف أسامة بن زيد خلفه، وجعل يشير بيده على هينته، ويقول: أيها الناس عليكم بالسكينة ثم أتى جمعًا، فصلى بهم الصلاتين جميعًا، فلما أصبح أتى قزج، ووقف عليه، وقال هذا قزج، وهو الموقف وجمع كلها موقف، ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر، فقرع ناقته فحنت حتى جاز الوادي فوقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر، فقال: هذا المنحر ومنى كلها منحر واستفتته جارية شابة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبير، قد أدركته فريضة الله تعالى في الحجّ، أفيجزئ أن أحجّ عنه؟ قال: حجّي عن أبي.
قال: ولوى عنق الفضل.
فقال العباس: يا رسول الله لو لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابًا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما، وأتاه رجل فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق، قال: "احلق أو قصر ولا حرج"، قال جاء آخر فقال: يا رسول الله إني ذبحت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، قال: ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم، فقال: يا بني عبد المطلب لولا أن تغلبكم الناس لنزعت وروي أنه عليه السلام دفع منها، ولم يكن بين يديه ضربه ولا طرد ولا إليك إليك.
مَسْألَةٌ: قالَ 2: فإذا أتى المزدلفة جمع مع الإمام المغرب والعشاء بإقامتين.
الفَصْلُ السنة أن لا يصلّي المغرب والعشاء حتى يأتي المزدلفة ثم يصلّيهما، فيجمع بينهما بإقامتين ليس معهما أذان، وهذا لأن سن لصلاة الوقت وصلاة المغرب لم تصل في وقتها، فلا يؤذن لها كما لا يؤذن للعصر بعرفة.
وبه قال أبو إسحاق، [134/ب] وفيه قول ثانٍ.
قاله في "القديم": يجمع بينهما بأذان وإقامتين وهو اختيار أبي حامد.
وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهذا لما روى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المزدلفة فأمر بلالًا، فأذن وأقام وصلّى الصلاة الأولى، ثم أمره، فأقام وصلّى الصلاة الثانية".
وهذا الخبر أولى لأنه زائد.
وقال سفيان الثوري: يجمعان بإقامة واحدة، لما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال:

صليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامة واحدة 1، وهذا غلط لما ذكرنا.
وروي عن أسامة بن زيد أنه قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالمشعب نزل فبال وتوضأ، ولم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، فركب، فلما جاء المزدلفة نزل وتوضأ، وأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاهما، ولم يصلّ بينهما شيئًا" 2، وظاهره أنه أعيدت الإقامة للعشاء.
وأما خبرهم، قلنا: روينا عن ابن عمر أنه جمع بينهما بإقامةٍ لكل صلاة، ولم ينادِ في الأولى، ولم يسبح على أثر واحدةٍ منهما 3. فَرْعٌ المستحبّ أن يصلّيهما بالمزدلفة على ما ذكرنا، وقال في "الإملاء" لو خاف فوت النصف الأول من الأولى قبل أن يوافي المزدلفة نزل وصلى أي موضع كان فإنهما قال ذلك لأنه يفوت وقتها المختار.
قال: فإذا وافي المزدلفة صلّى قبل حط رجلهِ فينيخ الجمال ويعقلها لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا فعلوا.
فَرْعٌ آخرُ لو صلّوا المغرب في الطريق والعشاء الآخرة بالمزدلفة أو جمعوا بينهما في الطريق في وقت المغرب فقد تركوا السنة وأجزأتهم الصلاة، لأن الجمع بينهما إنما جاز لأجل السفر.
وبه قال مالك وأحمد [135/أ] وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز أن يصلّي المغرب في وقتها، فإن صلّاها في وقتها أعاد في وقت العشاء، والجمع بينهما واجب لا يجوز تركه لخبر أسامة بن زيد، وهذا غلط لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز فعل كل واحدة منهما في وقتها كالظهر والعصر، وأمّا الخبر فمحمول على الاستحباب لئلا ينقطع سيره.
فَرْعٌ آخرُ الأفضل أن يجمع مع الإمام، وله أن يجمع بينهما في رحله، وقال أبو حنيفة: لا يجمع إلا مع الإمام، فإن قال قائل: قال الشافعي: جمع مع الإمام، وهذا يدلّ على أن الشرط أن يجمع مع الإمام، قلنا: قصد الشافعي به بيان الأفضل.
فَرْعٌ آخرُ إذا جمع بينهما، قال الشافعي: ولا يسبّح بينهما، أي: لا يتنفل بالصلاة بين المغرب والعشاء، ولا على إثر واحدة منهما ومعناه إذا فرغ منهما فليس على أثرهما نافلة، وقوله: ولا على إثر واحدة منهما نوع تأكيد في المغرب وابتداء بيان في العشاء الآخرة لأن حكم المغرب في النافلة دخل تحت قوله: ولا يسبح بينهما، وهكذا ورد

الخبر على ما ذكرنا.
مَسْألَةٌ: قالَ 1: ويبيت بها، فإن لم يبت بها فعليه دم شاة.
الفَضلُ إذا فرغ من الصلاة، فالسنة أن يبيت بالمزدلفة حتى يطلع الفجر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الصلاتين بات حتى أصبح، فإن خرج منها قبل نصف الليل افتدى بشاة.
وقال في "الإملاء" أحب أن يريق شاة، فحصل قولان، وهذه أربع مسائل فيها قولان من ترك طواف الوداع، هل يلزمه الدم أم لا؟ ومن دفع من عرفة قبل غروب الشمس، هل يلزمه الدم أم لا؟ ومن ترك المبيت بمزدلفة هل يلزمه الدم أم لا؟ ومن ترك المبيت بمنى هل يلزمه الدمّ أو لا؟ [135/ب] ولذلك لو ترك المزدلفة أصلًا، فلم ينزلها ولم يدخلها، هل يلزمه الدم؟ قولان: أحدهما: يلزمه دم.
وبه قال مالك وأحمد في رواية لقوله صلى الله عليه وسلم: "من ترك نسكًا فعليه دم.
والثاني: لا يلزمه شيء لأنه ترك مبيت بمكان، فلا يلزمه به دم كما لو ترك المبيت بمنى ليلة عرفة، وقال علقمة والشعبي والنخعي والأسود الوقوف بمزدلفة ركن لا يتمّ الحجّ إلا به، فمن فاته ذلك، فقد فاته الحجّ وصار إحرامه عمرة 2. وبه قال أبو عبد الرحمن الشافعي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ويحكى عن ابن جرير واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، والأمر على الوجوب ولخبر عروة بن مضرس الطائي وبقوله صلى الله عليه وسلم: "من ترك المبيت بمزدلفة فلا حجّ له" 3. وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك عرفة فقد أدرك الحجّ".
وأما ما ذكروا فمحمول على الاستحباب بدليل ما ذكرنا.
ولو خرج من مزدلفة في النصف الثاني من الليل، فلا دم عليه لأن المقصود الكون بالمزدلفة في النصف الثاني من الليل، ولهذا نقول إنه إذا جاء من عرفات بعد نصف الليل، وحصل بالمزدلفة ساعة في النصف الأخير لم يلزمه الدم، وآخر وقتها ما دون طلوع الشمس نصّ عليه في "القديم" و "الإملاء" هكذا ذكر في البندنيجي، وقال في "الحاوي" 4: لو دفع من عرفة ليلًا وحصل بمزدلفة بعد نصف الليل يلزمه دم لأنه لم يبت بها إلا أقلّ الليل.
وهذا غريب، وقال أبو حنيفة: إن دفع منها بعد النصف الأول من غير عذر عامدًا يلزمه دم، وإن غلط في الوقت أو كان له عذر فدفع، فلا شيء عليه.
قال: والمأخوذ عليه أن يكون فيها بعد طلوع الفجر، قبل طلوع الشمس، [136/أ] وهذا غلط لما روى هشام بن عروة عن أبيه، قال: دار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمّ

سلمة يوم النحر فأمرها أن تعجل الإفاضة من جمع حتى تأتي مكّة فصلّى بهذا الصبح، وكان يومها فأحب أن توافيه 1 ومعقول أنها لو صبرت بمزدلفة حتى يطلع الفجر، ثم قصدت منى ورمت جمرة العقبة، ثم قصدت مكّة لم تدرك صلاة الصبح في المسجد الحرام كما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفنا أن إفاضتها من مزدلفة كانت ليلًا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفيض من المزدلفة في النصف الأخير من الليل، وكانت امرأة ثبطة، فأذن لها وليتني كنت استأذنته 2، وكان عائشة لا تفيض إلّا مع الإمام.
فَرْعٌ السنّة تقديم الضعفة من النساء والولدان من مزدلفة إلى منى 3، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنت فيمن قدم النبي صلى الله عليه وسلم من ضعفة أهله من المزدلفة إلى منى، وروي عنه، أنه قال: قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات وجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: يا بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس 4، وهذا لئلا يصيبهم الحطمة واللطخ: الضرب الخفيف باليد.
فَرْعٌ آخرُ لو دفع منها قبل نصف الليل، ثم عاد إليها بعد نصف الليل ووقف لحظة أجزأه ولا دم عليه قولًا واحدًا.
مَسْألَةٌ: قالَ 5: ويأخذ منها الحصى للرمي.
المستحبّ أن يأخذ من مزدلفة بالحصى الذي يرمى به جمرة العقبة يوم النحر وهو سبع حصيات.
والمزني أطلق ذلك، وظاهره أنه يأخذ منه جميع الحصى وهو سبعون حصاة [136/ب]، وقد ذكر ابن أبي أحمد في "المفتاح"، وليس على ما أطلق بل بلفظ سبعًا، والشافعي نصّ عليه وإن ل يأخذ من المزدلفة، وأخذ من غيرها أجزاه وكره ذلك، وهذا لأن المنقول أن يبادر إلى الرمي إذا وصل إلى منى، ولا يعرج على أمر آخر إذا جاء وقت الرمي، وقال قوم: يأخذها من المأزمين.
وهذا لا يصحّ لأنه صلى الله عليه وسلم أخذها من المزدلفة، قال: ويلقط الحصى، ولا يكسر لئلا يؤذي الكسر غيره، وقال قوم الاختيار أن يكسرها، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "التقطوا ولا تنهبوا النوام"، وقد ذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه يأخذها من موضع بين عرفة والمزدلفة قريب من مزدلفة، فإن هناك جبالًا في أحجارها رخاوة، فيسهل كسرها، فإن أخذ الكل كيلا يحتاج في

الأيام الأخر إلى تحصيل الحصى جاز، وهذا خلاف النصّ، والدليل على ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس أنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم غداة العقبة: "التقط لي سبع حصيات من حصى الخذف"، قال: فلقطتها فلما وضعتها في يده، قال: بمثل هذا فارموا وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" 1 وروس نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما.
قال: كانوا يتزودون بالحصى كراهية النزول.
فَرْعٌ قال الشافعي 2: ويكون قدر حصى الحذف، وأراد تكون الحصيان بقدر ما يمكن رميها برؤوس الأصابع، والخذف: ما حخذف به الرجل، وقدر ذلك أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا قدر الباقلاء، وبضعها على ظفر سبابته، ويضع بطن إبهامه عليها، ثم يخذف خذفًا، والخذف يكون بالسيف أو بالعصا إذا ضرب به، وقيل: قدر النوى، وهو قريب من الأول.
فَرْعٌ آخرُ [137/أ] قال 3: ولو رمى بحجر أصغر من ذلك، أو أكبر كرهت ذلك له، ولا إعادة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو في الدين"، يعني الزيادة، ولأنه إذا كان كبيرًا ربما يخرج من نصيبه، وإنما قلنا: الإعادة لما روي أن عمر رضي الله عنه رمى الجمار بمثل البعر.
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي 4: وفي أيام منى كلها من حيث أخذه أجزأه إلا أني أكرهه من مواضع، أكرهه من المسجد لئلا يخرج حصى المسجد، وأكرهه من الحش لنجاسته ومن كل موضع نجس، وأكرهه من الجمرة لأنه حصى غير متقبل، وأنه قد رمى به مرة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عن الحصى ليسبح في المسجد".
مَسْألّةٌ: قالً 5: ومن حيث أخذه أجزأه إذا وقع عليه اسم حجر مرمرٍ أو برام أو كذان أو فهر.
هذا بيان أن محسر أو فجاج مكة أو من منى فلا حرج بعد أن يتوقى ما ذكرنا.
وأما قوله: إذا وقع عليه اسم حجر قصد به الردّ على أهل العراق حيث قالوا: لو رمي بغير الحجر من مدرٍ أو خرق أو كحل يجوز، ولا يجوز بما ليس من جنس الأرض كالذهب والفضة والخشب، ونحو ذلك.
وقال داود: يجوز الرمي بكل شيء حتى لو رمى بعصفور ميت أجزأه وعندنا لا يجوز إلا بالأحجار من أي نوع كان على ما ذكر، وبه قال مالك وأحمد، والمرمر: الرخام، وكل حجر أملس لين يقال له: مرمر والبرام: جمع برمة.
وهي القدر يعني يتخذ منه ذلك.

والكذان: الحجارة الرخوة التي تتفتت ومنه حجارة الرخا.
قال في "الأم" 1: وصوان.
والصوان: حجر صلب إذا وقع على بعضه تقعقع, والصفوان: الأملس, وكذلك الجواهر التي بين حجر كالياقوت والعقيق والفيروزج والزبرجد والبلور يجوز لأنها أحجار, ولا يجوز باللؤلؤ, ولا بقطعة صدف, وهذا [137/ ب] غلط, لما روي في خبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بمثل هذا فارموا ومثل الحجر الحجر", ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الأحجار, وقال: "خذوا عني مناسككم وهذا إرث من إرث إبراهيم عليه السلام", والمعنى في الجمار غير معقول حتى يسوغ فيه القياس إذ لو كان المعنى الكراهة لقامت الجواهر والدنانير مقام الأحجار, ولو كان للمهانة لكان رمي النجاسات ينوب عن رمي الحجر, ولو كان للنكاية لكان رمي السهام أولى.
فلما لم يكن معقول المعنى لم يجز سوى ما ورد به الشرع؟ فإن قيل: روي أن سكينة بنت الحسن رمت بست حصيات فأعوزتها السابعة, فرمت بخاتمها, قلنا: لا حجة في فعلها, ثم محتمل أنه كان فصه عقيقًا أو فيروزجًا, فيجوز ذلك عندنا, والمقصود: الفص والفضة تبع.
وقيل: ألقت خاتمها إلى سائل كان هناك.
مسألةٌ: قال 2: وإن رمى بما قد رمى به, مرة كرهته وأجزأ عنه.
يكره للإنسان أن يرمي بحجر قد رمى به مرة على ما نصّ عليه.
وهذا لما روي أن ما يقبل من الحصيات المرمية ترفعها الملائكة من ذلك الموضع, فلا يبقى هناك إلا ما هو غير متقبل, وأثر ذلك بيّن هناك لأنه لا يرى في ذلك الموضع من الحصيات المرمية إلا القليل, فلولا حقيقة ما ذكرنا لصار في ذلك الموضع أمثال الجبال من كثرة الرمي على مر الدهور.
وقال أبو سعيد الخدري: قلنا: أما إنه ما يتقبل منها يرفع وما لا يتقبل يترك, ولولا ذلك لرأيتها مثل الجبال 3. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: [138/ أ] الرمي قربان فما يقبل يرفع وما لا يقبل يترك 4، فإن خالف ورمى به فإن كان قد رمى به غيره أجزأه, وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجزئه.
وبه قال طاوس: وإن كان قد رمى هو به, فالمذهب أنه يجوز أيضًا, وقال المزني: لا يجزئه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان, وهو غلط, وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أخذ الحصى من المرمى, ورمى ولم يفصل, ولأن كل حجر لو رمى به, جاز.
فإذا رمى هو به جاز كسائر الأحجار, فإن قيل: أليس لو توضأ بماء لا يجزئه

أن يتوضأ به ثانيًا؟ كذلك هاهنا قلنا: الفرق أن الوضوء إنما يجوز بماء طاهر مطهر والمستعمل غير مطهر لأن الاستعمال يسلب التطهير, فلم يجرِ التطهير به.
والرمي ينبغي أن يكون بحجر, وقد حصل به ذلك ثانيًا, فجاز ذلك.
وقال القفال: ظاهر لفظ "المختصر" يوهم أن لا فصل بين ما رماه هو بنفسه وبين ما رماه غيره.
وليس كذلك, وتفصيل المذهب فيه أن يقال: لا بدّ من أن يبتدل فيه الشخص, أو اليوم أو المكان, فإن لم يبتدل من هذه الثلاثة شيء لم يحتسب للرامي, رمي ذلك الحجر, وتفسير ذلك كأن رجلاً رمى النفر بحصاةً إلى الجمرة, ثم أحدها بعينها هذا الرامي بعينه فرماها إلى تلك الجمرة بعينها لم تحتسب له الرمية الثانية, لأن المكان والشخص والحجر واحد, فلو أن هذا الرجل أخذ تلك الحصاة ورماها إلى الجمرة الثانية أجزأه مع الكراهية لأنه أدى واجب رميه به.
هذا تبدل المكان ولو أ، رجلاً آخر أخذها, فرماها إلى الجمرة الأولى التي رماها الأول إليها حسب الثاني أيضًا.
هذا تبدل الشخص ولو أن الرامي الأول أخذها ورماها في يوم النفر الأول في تلك الجمرة بعينها أجزأه.
هذا تبدل اليوم غير تبدل الشخص ولا تبدل المكان.
مَسأَلةٌ: قال 1 ولو رمى فوقعت حصاة على محمل ثم استنت [138/ ب].
الفَصلُ إذا رمى بحصاة فأصابت إنسانًا أو محملاً أو عنق ثم استنت, أي: رجعت إلى سنن القصد, والسنن: الطريق, فوقعت في موقع الجصى أجزأه بها لما صكت المحمل صكت بعل الرامي, ثم لما ظفرت من المحمل واستنت ووقعت في الجمرة, كان ذلك بفعل الرامي إذ لا ينسب إلى المحمل فعل فجاز, ويفارق هذا إذا أصاب السهم في السبق حجرًا, ثم ازدلف, فأصاب العرض لا يحتسب على أحد القولين, لأن القصد من ذلك, صدق الرامي ولم يصب ذلك بحذفه إذا أصاب الحجر, ثم أصاب العرض, بل يحتمل أنه بإصابة الحجر ذلك, فلا يعتدّ به, وههنا لا يعتبر الحذف, بل يعتبر الحصى في المرمى بفعله, وقد وجد ذلك.
فَرْعٌ لو وقعت في ثوب رجل فنفضها, فوقعت في المرمى لم يجز لأنها حصلت في المرمى بفعل الثاني دون الأول, كما لو رمى بسهم إلى صيد, فأخذها مجوسي في الطريق, ورمى به إلى صيد لا يؤكل لأن قتله لم يفعله.
وقال أحمد: يجزئه لأن ابتداء الرمي كان من فعله, كما لو أصابت موضعًا صلبًا, ثم وقعت في المرمى.
وهذا غلط لما ذكرنا وبفارق ما قاسوا عليه الفعل كله له, فأجزأه بخلاف ههنا.
فَرْعٌ آخرْ لو وقعت على عنق بعير فنفضها البعير لم يجز, نضّ عليه في "الأوسط" 2.

وقال أحمد: يجوز.
فَرْعٌ آخرْ لو رمى بها, فأصابت عنق بعير, فتحرك ثم وقعت الجمرة, ولم يعلم, هل وقعت في المرمى بالرمي, أو بتحرك البعير فيه وجهان: أحدهما: لا يجزئه لأن الرمي إلى المرمى واجب عليه, فإذا شكّ هل حصل فيه بفعله, أو فعل غيره فالأصل بقاء وجوبه.
والثاني: لا يجوز لأن الفعل الأول متحقق وحدوث الفعل الثاني, بتحريك البعير مشكوك فيه, فلا يسقط المتحقق بالمشكوك.
والأول أشبه بما قال في "الأوسط", لأنه أطلق, ولم يفرق [139/ أ].
فَرْعٌ آخرْ لو رمى بحصاة فغابت عنه, ولم يدرِ أين وقعت أعادها حتى يعلم أنها وقعت موقع الحصى.
وقال في "القديم": يعتدّ بها, لأن حصولها في الموضع.
وقال أبو حامد: فيه قولان, والصحيح أن المسألة على قول واحد لا يجوز, لأن الأصل أن لا رمي, ولعل ما ذكر في "القديم": حكاه عن غيره, وقيل القولان إذا غلب على ظنّه وقوعها في المرمى, ولكنه لم ينتقص.
فَرْعٌ آخرْ لو رمى, فوقعت فوق المرمى على موضع عالِ, ثم تدحرجت إليه, فيه وجهان: أحدهما: يجزئه وهو المذهب لأنه لم يحدث فعل عن فعله.
الثاني: لا يجزئه, لأنه تدحرجَ لانحدار الموضع وتصويبه دون فعله, وهذا غلط, لأن التدحرج منسوب إلى فعله السابق, وهذا الخلاف لو وقعت دون الجمرة, ثم تدحرجت بنفسها, وانحدرت حتى وقعت في الجمرة.
فَرْعٌ آخرْ لو رمى حصاة ثم حصاة, فوقعنا في حالة واحدة فيه وجهان: أحدهما: تحسب حصايان, لأنه لا فرق في الرمي.
والثاني: تحسب واحدة, لأن الاحتساب الحصول في المرمى وحصولها في المرمى دفعة واحدة.
فَرْعٌ آخر لو رمى, فوقعت حصاته على حصاة أخرى فظفرت الأخرى إلى المرمى من دون التي رماها لم يجز عنه لأنه لم يقصد إلى رميها كما لو رمى بحصاة في الجو, فوقعت في المرمى لم تجز عنه, ويخالف هذا رمي الصيد, فإنه لو رمى إلى الصيد بسهم, فوقع على سهم وظفر السهم الثاني, فأصاب صيدًا حلّ أكله, وكذلك لو رمى في الجو, فأصاب صيدًا حلّ لأن القصد لا يعتبر فيه, ذكره أصحابنا.

فَرْعٌ آخر لو رمى, فوقعت في المرمى ثم استنت منه, فوقعت موضعًا آخر أجزأه, وكذلك لو [139/ ب] ازدلفت بجمرتها وسقطت وراء الجمرة أجزأه, لأن المقصود وقوعها فيه دون استقرارها كما لو أطرأته الريح, وفيه وجه آخر لا يجوز لأنها استقرت بانتهاء الرمي خارج الجمرة.
فَرْعٌ آخر لو دفع الحصى برجله وحصل في موضعه لم يجز لأن عليه رمي الحصى فيه, وكذلك لو رماه عن قوس لم يجزئه, وكذلك لو أخذ الحصى ووضعه لم يجز لأنه ما رمى فيه من يده يجوز لأنه رمى.
فَرْعٌ آخر الاختيار أن يغسل الحصيات, وكره قوم غسلها, وهذا غلط لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغسل جمار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فَرْعٌ آخر يلزمه أن يقصد الرمي إلى المرمى, فإن رمى حصاة في الهواء, فوقعت في المرمى لم يجزئه لأنه لم يقصد الرمي إلى المرمى.
فَرْعٌ آخر لو رمى سبع حصيات دفعة واحدة أجزأته واحدة منها, وقال الأصم: يجزئه ذلك عن الشفع, ويحكى عن أبي حنيفة: هذا إذا نفرت في المرمى, وهذا غلط لأن عدد المرمى معتبر, ولم يحصل ذلك.
وقال عطاء: المقصود أعداد التكبير والحصى, فإن رمى دفعة واحدة يجوز إذا كبّر سبعًا, وإلا فلا يجوز.
فَرْعٌ آخر لو أخذ من المسجد الحصى, ورمى به جاز مع الكراهة, ولو أخذ حجرًا نجسًا وغسله ورمى به.
جاز ولا يكره, ولو شكّ في نجاسته يستحبّ أن يغسله ليكون على يقين من طهارته, وإن رمى به مع علمه بنجاسته جاز مع الكراهة ويفارق الاستحباب حيث لم يجز بحجر نجس مخصوص, وقد حصل ذلك فجاز.
مسألة: قال 1: فإذا أصبح صلّى الصبح في أول وقتها.
اعلم أن الشافعي رضي الله عنه كان في بيان أحكام المزدلفة والمبيت بها, [140/ أ] وأخذ الحصى منها, فلما انتهى إلى حكم الحصى, خاض في مسائل الرمي, فذكر منها

جملة, ثم عاد إلى نظم كلامه في أحكام المزدلفة, فقال هذا, واعلم أن المستحبّ تعجيل صلاة الصبح في أول وقتها كل يوم والسنة أن يبالغ في التغليس بصلاة الصبح لما روي عن ابن مسعود.
قال: ما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة قبل وقتها إلا الصبح بجمع 1، وأراد صلّاها قبل وقتها المعتاد.
وذلك أن في سائر الأيام يصليها إذا استبان الفجر بجميع الناس.
وفي هذا اليوم صلّاها حين استبان الفجر له دون العامة, وروي أنه صلّاها, وقائل يقول: طلع الفجر, وقائل يقول: لم يطلع الفجر.
مسألة: قال: 2 ثم يقف على قزح.
الفَصلُ المستحبّ إذا صلى الصبح أن يقف على قزح وهو جبل المزدلفة, وهو المشعر الحرام, ويسمى هذا الموضع جمعًا, وقزح ومشعرًا, وهذا لقوله تعالى: ﴿فَإذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: 198], ولخبر علي رضي الله عنه, وقد ذكرناه.
وهذا الجبل أقصى المزدلفة مما بلب منى فيرقى فوقه إن أمكنه, أو وقف عنده, أو بالقرب منه إن لم يمكنه, ويحمد الله تعالى ويهلله ويكبره ويوحده, ولا يزال كذلك, حتى يسفر جدًا, ثم يدفع قيل طلوع الشمس, وهذا الوقوف مسنون.
وقال مال: هذا واجب, ويكفي المرور كما في عرفة, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان أهل الشرك والأوثان يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس ولا يدفعون من المزدلفة حتى تطلع الشمس وتقيم بها رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم, وإنَّا ندفع قبل أن نطلع, وهدينا يخالف هدي الشرك والأوثان".
ويقول قائلهم: أشرق ثبير كيما نغير 3، أي: فلتطلع الشمس عليك يا ثبير كيما يدفع, [140/ ب] وأخَّر الله تعالى الخروج من عرفة إلى غروب الشمس, وقدم الخروج من المزدلفة.
فَرْعٌ قال: لو وقفت في مزدلفة في موضع آخر أجزأه وإن استأخر في مزدلفة إلى أن تطلع الشمس كرهت له ولا فدية عليه.
مسألة: قال 4: فإذا صار في بطن محسر حرّك دابنه قدر رمية حجر.
المستحبّ أن يدفع من المزدلفة, وعليه السكينة والوقار, فإذا وجد فرجة أسرع, كما قلنا في الدفع من عرفات, ثم إذا بلغ وادي محسر أسرع ماشيًا, وإن كان راكبًا حرّك دابته قدر رميهِ بحجر هكذا.
ذكر الشافعي رضي الله عنه.
وقال بعض أصحابنا: قدر رميه بسهم, وإن لم يفعل, فلا شيء عليه.
وهذا لما

روى أسامة بن زيد, قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي محسر حرك دابته.
وقال العباس رضي الله عنه لما بلغ وادي محسر أوضع, والإيضاع: الإسراع.
وهذا بخلاف أهل الجاهلية, فإنهم كانوا يقفون هناك.
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أتى محسرًا أسرع, وقال: تشكو إليك قلقًا وضينها مخالفًا دين النصارى دينها معترضًا في بطنها جنينها 1 مسألة: قال 2: فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات.
الفَصلُ القصد به بيان ما يلزمه أن يفعل إذا بلغ منى, ومنى ما بين العقبة وبطن محسر سهل ذلك وجبله مما أقبل على منى فأما ما أجبر من الجبال فليس من منى وليس بطن محسر, ولا العقبة من منى, فإذا وافى منى يستحبّ أن لا يعرج على شيء دون الرمي لأنه تحية منى كتحية المسجد, وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فعل, [141/ أ] وهذا الرمي من واجبات الحج, والمستحبّ أن يرمي راكبًا, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل يومئذٍ حتى رمى راكبًا ولأنه راكبًا أمكن, وروى قدامة بن عبد الله الكلابي, قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار على ناقة طرود ليس ضرب, ولا طرد, ولا إليك إليك 3. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النحر راكبًا, فإن قيل: أليس روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمار مشى إليه ذهابًا وراجعًا 4،قيل: هذا خبر صحيح, ووجه الجمع أنه مشى في الأيام التي بعد يوم النحر أو ركب مرة ومشى مرة ليتبين جوازهما, ولا يرمي في يوم النحر سوى جمرة العقبة, وهي الجمرة القصوى, وإنما سميت بهذين الاسمين، لأن من فارق حضيض منها انتهى إلى الجمرة الأولى أولاً, فإذا تخطاها سيرًا, انتهى إلى الجمرة الثانية, فإذا صعد يسيرًا, انتهى إلى الجمرة الثالثة, وهي لأقصاها وأعلاها بقرب العقبة في أقصى منى مما يلي مكة على سنن الطريق, وهي أول الجمرات مما يلي مكة وآخرها مما يلي منى, ولا يرمي في هذا اليوم غيرها, وسميت جمرة لاجتماع الناس بها, ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التجمير يعني اجتماع النساء في الغزوات.
وقيل: سميت بها لأن إبراهيم عليه السلام لما عرض له إبليس هناك فحصبه أجمر من بين يديه, أي أسرع, والإجمار: الإسراع.
وقيل: سميت بها لأنها نجمر بالحصى, والعرب تسمي الحصى الصغار جمارًا, وإذا أراد الرمي إلى جمرة العقبة,

فينبغي أن يرمي من بطن الوادي, ويستحبّ أن يستدبر الكعبة [141/ ب] عند الرمي, ويستقبل الجمرة ومنى, فإن لم يرم من الوادي وجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه, جاز لما روى أن ابن مسعود رضي الله عنه رمى والكعبة عن يساره ومنى عن يمينه, فقالوا له: إن الناس يرمون من فوق, فقال: والله الذي لا إله إلا هو, إن هذا المقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة 1: وذكر القاضي أبو حامد أنه يستقبل القبلة عند الجمار, وهذا غريب, والنصّ المشهور ما ذكرنا, وعدد الحصيات في هذا الرمي سبعة, والمستحبّ أن يرفع يديه كلما رمى, ويدعو الله تعالى, لأنه يكون أقوى لرميه.
وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع اليدين في سبعة أماكن, منها في رمي الجمار, ويبالغ في رفعها حتى يرى بياض ما تحت منكبيه, فإن ذلك أبلغ في المسألة والاستنجاح ويكبر مع كل حصاة, وهذا وقت ترك التلبية, وتبديلها بالتكبير, والنبي صلى الله عليه وسلم كان يلبي إلى هذا الوقت في عرفة ومزدلفة, وهذا لأنه أخذ في التحلّل, فيترك التلبية.
وقالت أم سلمة: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي, وهو راكب يكبّر مع كل حصاة 2. وقال الفضل بن عباس لبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رمى جمرة العقبة.
وقال أحمد وإسحاق يلبي حتى يرمي تمام الجمرة ثم يقطعها, وقال مالك: يلبي حتى تزول الشمس يوم عرفة, فإذا راح إلى المسجد قطعها, وروي عنه يقطعها عند دخوله منى قبل التوجه إلى عرفة.
وقال الحسن: يلبي حتى يصلي الغداة أمسك عنها, وقيل: السبب في [142/ أ] هذا الرمي ما روي في قصة إبراهيم عليه السلام حيث أري في المنام ذبح الابن, وقصد تصديق الرؤيا اعترض إبليس لعنة الله في الطريق, فرماه, والقصة معروفة, فجعل ذلك سنة.
فَرْعٌ قال في "الإملاء": أحب لمن كان محرمًا أو محللا أن يكون كلامه ذكر الله تعالى, فإن تكلم بما لا إثم عليه جاز, والشعر كلام حسنه وقبيحه كقبيحه.
وروي عن القاسم الزرقي, قال: رأيت عمر رضي الله عنه على ناقته, وهو محرم يقدم يدًا ويؤخر أخرى, ويقول: كأن راكبها غصن مروحة تدلت به أو شارب ثمل الله أكبر, الله أكبر, فدل على جواز غير المستقبح من الشعر.
مسألة: قال 3: وإن رمى قبل الفجر بعد نصف الليل أجزأ عنه.
الكلام الآن في وقت رمي جمرة العقبة يزم النحر, والكلام فيه فصلين في وقت الاستحباب, ووقت الجواز, فأما وقت الاستحباب, فبعد طلوع الشمس من يوم

النحر لأن جابرًا رضي الله عنه قال: رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى يوم النحر, ورمى في سائر الأيام بعد زوال الشمس.
وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" 1، وأراد جمرة العقبة, لأنها التي ترمى وحدها يوم العيد.
وأما وقت الجواز, قال الشافعي من بعد نصف الليل من ليلة النحر إلى غروب الشمس من يوم النحر.
وبه قال عطاء وعكرمة وأحمد.
وقال أبو حنيفة زمالك وإسحاق: لا يجوز الرمي إلا بعد طلوع الفجر الثاني.
وقال مجاهد وطاوس والنخعي والثوري: [142/ ب] لا يجوز إلا بعد طلوع الشمس, واحتجوا لخبر ابن عباس, وهذا غلط لما روينا من خبر أم سلمة, ولا يمكنها موافاة طلوع الشمس الصبح بمكة إلا أن تكون رمت قبل الفجر.
وقوله في الخبر, وكان يومها فيه معنيان: أحدهما: أراد, وكان يوم نوبتها من النبي صلى الله عليه وسلم, فأحب عليه السلام أن يوافي التحلّل, وهي قد فرغت.
والثاني: أراد, وكان يوم حيضها, فأحب صلى الله عليه وسلم أن توافي أم سلمة التحلّل قبل أن تحيض, فمن قرأ بالأول, قرأ يوافي بالياء, ومن قال: قرأ بالثاني بالتاء وأما الخبر فمحمول على الاستحباب.
مسألة: قال 2: ثم ينحر الهدي إن كان معه ثم يحلق أو يقصر.
إذا فرغ من الرمي يوم النحر, نحر الهدي, ثم حلق لما روى أنس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر, ثم رجع إلى منزله بمنى, فدعا بذبح فذبح, ثم دعا بالحلاق فأخذ شق رأسه الأيمن فحلقه, فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين, ثم أخذ نسق رأسه الأيسر, فحلقه, ثم قال: ههنا أبو طلحة, فدفعه إليه" 3، والذبح: مكسور الذال ما يذبح من الغنم, والذبح: الفعل, والنسك بالتسكين العبادة وبالتنقيل الذبيحة.
وروي في خبر جابر قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة التي عند الشجرة, فرمى سبع حصيات ثم انصرف إلى المنحر, فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده, ثم أعطى عليًا رضي الله عنه فنحر ما غبر وأشركه في هديه.
فَرْعٌ قال الشافعي: ويتولى ذبح نسكه لهذا الخبر, فإن كان لا يحسن يستحبّ له أن يحضر ويسمي الله تعالى, ويقول: اللهم تقبل مني, فإن سمى الذي يتولى ذبحها, فلا بأس, وجميع ما [143/ أ] يفعل يوم النحر أربعة أشياء: الرمي والنحر والحلق

والطواف.
ويفعل ثلاثة منها بمنى, ويستحبّ الترتيب فيها هكذا, فإن تقدم النحر على الرمي أجزأه, ولا دم عليه, وكذلك إن قدم الحلق على النحر, لا شيء, وإن قدم الحلق على الرمي, فإن قلنا: الحلق نسك, فلا شيء عليه, وإن قلنا: إطلاق محظور, فعليه دم لأنه أتى بمحظور الإحرام قبل التحلّل.
وقال أبو حنيفة: إذا قدم الحلاق على الذبح يلزمه دم إن كان قارنًا, أو ممتعًا, وإن كان مفردًا, فلا شيء عليه, وإذا قدمه على الرمي وجب دم.
وقال مالك" إذا قدم الحلاق على الذبح, فلا شيء عليه, وإذا قدمه على الرمي وجب دم.
وقال أحمد: هذا الترتيب على ما ذكرنا واجب, فإن قدم الحلاق على الرمي, أو الذبح, فإن كان ساهيًا أو جاهلاً, فلا شيء عليه, وإن كان عامدًا, ففي وجوب الدم روايتان, واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بهذه الأشياء على الترتيب.
وقال: "خذوا عني مناسككم", وهذا غلط لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف عام حجة الوداع بمنى ليسأله الناس, فقال رجل: يا رسول الله لم أشعر نحرت قبل أن رميت, فقال: "افعل ولا حرج" 1. قال عبد الله بن عمرو ابن العاص, فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ عن شيء قدم ولا أر إلا قال: "افعل ولا حرج", وأما فعله فمحمول على الاستحباب بدليل هذا الخبر.
مسألة: قال 2: ويأكل من لحم هديه.
لا يجوز أن يأكل من الهدي الواجب عليه في الإحرام, وهو هدي القران والتمتع وجزاء الصيد وغير ذلك من محظورات الإحرام.
وقال أبو حنيفة: يجوز [143/ ب] أن يأكل من دم القران والتمتع دون غيرهما, وقال مالك: يجوز أن يأكل من كلها إلا من جزاء الصيد, وفدية الأذى لأنهما وجبا بالإتلاف, ويجوز أن يأكل عندنا من التطوع من الهدي, والأضحية, ولكن لا يجوز أن يأكل جميعها, ولا بد أن يتصدق بشيء منهما, وإن قل والهدي المطلق المتطوع به.
ويسمى هديًا, وهديه اشتقاقًا من الإهداء.
وقال ابن سريج: يجوز أن يأكل كلها, وليس هـ 1 ابمذهب الشافعي, ولا يجب الأكل منها.
وقال أبو حفص بن الوكيل: يجب أكله, فلو أطعم كله الفقراء لم يجز لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 28], وهذا غلط لأن المقصود به: القربة, ولذلك سمي قربانًا, والقربة في إطعام الفقير لا في أكله, وأما الآية فهي أمر إباحة, لأنه بعد حظر فلا يكون واجبًا.
وأما في القدر المستحبّ قولان: أحدهما: المستحبّ أن يأكل النصف, ويتصدق بالنصف, لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ﴾ [الحج: 28], وظاهر هذا أن يكون نصفين.

والثاني: المستحبّ أن يأكل الثلث, ويتصدق بالثلث, ويهدي الثلث إلى المتحملين من جيرانه.
وهو الصحيح وعليه نص في "الأوسط" 1 لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] والقانع الذي يقنع بالقليل ولا يسأل, وقيل: القانع: السائل, يقال: قنع الرجل إذا سأل, والمعتر: هو الذي يعترض بالسؤال ولا يسأل.
فَرْعٌ هل يجوز الأكل من الهدي المنذور؟ قال أصحابنا: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز الأكل منه, لأنه واجبٌ.
والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق وكثير من أصحابنا: يجوز أن يأكل منه, لأنه متطوع [144/ أ] بإيجابه على نفسه, فكأن إلحاقه بالتطوع أولى.
وقال القاضي الطبري: نصّ في "الأوسط": أنه لا يجوز له الأكل منه, فقال 2: ما كان واجبًا من الهدي ليس له حبسه ولا أكل شيء منه كهدي الفساد وجزاء الصيد والنذور والمتعة.
ومن أصحابنا من قال: يجوز, وهو خلاف النص, وهذا أصوب.
مسألة: قال 3: وقد حل من كل شيء إلا النساء فقط.
في الحج تحللان, فإن قلنا: الحلاق ليس من المنسك, وإنما هو إطلاق محظور يحصل التحلّل الأول برمي جمرة العقبة يوم النحر, والتحلّل الثاني بالطواف والسعي إن لم يكن سعى, وإن قلنا: إن الحلاق من النسك, وأنه من أعمال التحلّل, كأن أعمال التحلّل ثلاثة: الرمي والحلق والطواف.
وأكثر أصحابنا على أن التحلّل الأول يحصل على هذا القول باثنين من الثلاثة, إما بالرمي والحلق, أو الرمي والطواف, أو الحلق والطواف.
وقال القاضي أبو حامد: قال القاضي في "المختصرين الكبير" و "الصغير": التحلّل الأول يحصل بالرمي وحده, وهو يذهب في هذين الكتابين إلى أن الحلق من النسك, فمن أصحابنا من جعل هذا قولاً آخر على هذا القول, وأما العمرة فلها تحلل واحد, وهو الفراغ, فغن قلنا: الحلاق من النسك تحلل بأربعة أفعال, وإن قلنا: الآخر تحلل بثلاثة أفعال, فإذا تقرر هذا, فالكلام الآن فيما يحل بالتحلّل الأول والثاني.
فاعلم أن محظورات الإحرام عشر, خمسة من الزينة, وهي اللباس والطيب, وترجيل شعر الرأس واللحية بالدهن, وحلق الشعر وتقليم الأظافر, وثلاثة في الزوجية: الوطء والاستمتاع بدون الوطء من اللمس بالشهوة والقبلة, والوطء دون [144/ ب] الفرج, وعقد النكاح واثنان في الصيد, فيدخل فيه الاصطياد.
وقيل: تسعة, فجعل الاستمتاع بشهوة الوطء وما دونه.
والصواب عندي إحدى عشر فنضم ستر الرأس إلى ما ذكرنا أولاً, فإذا تقرر هذا, فمنها ما يحل بالتحلّل الأول, ومنها ما يحل بالتحلّل

الثاني.
ومنها ما اختلف فيه، فإما ما يحلّ بالتحلّل الأول، فاللباس والترجيل والحلق والتقليم.
وأما مايحل بالتحلّل الثاني، فالوطء في الفرج قولًا واحدًا.
وأما المختلف فيه فعقد النكاح والاستمتاع دون الوطء.
وقتل الصيد.
قال في ((الجديد)): تحلّ كلها بالتحلّل الأول لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إذا رميتم جمرة العقبة وحلقتم فقد حلّ لكم كل شيء إلا النساء)) 1، ولأن كل ما فعله في ملكه لم يلزمه به غرم يحلّ بالتحلّل الأول كاللباس.
وهذا أصحّ.
وبه قال أبو حنيفة، ووجه الثاني فوله صلي الله عليه وسلم ((لا يَنكح، ولا يُنكح)).
وهذا محرم، ولأن الاستمتاع دون الفرج من دواعي الوطء، فهو في حكم الوطء.
وأما الطيب، من أصحابنا من قال: فيه قولان أيضًا، لأنه قال في ((القديم)): لا يحلّ بالتحلّل الأول، وهذا لأنه من دواعي الوطء كالقبلة.
وقال صاحب ((الإفصاح)): ذاك حكاية عن الغير، وهو مالك، وهو قول واحد إنه كاللباس يحلّ بالتحلّل الأول.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها ((طّيبت رسول الله صلي الله عليه وسلم لإحرامه [145/ أ] ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت)) 2. فَرْعٌ إذا دخل وقت الرمي لا يحصل التحلّل الأول به، ما لم يرم.
وقال الاصطخري: يحصل له التحلّل الأول لأنه يتحلّل بفوات وقته، وإن لم يرمِ، وهذا لا يعرف للشافعي، وهو غلط لقوله صلي الله عليه وسلم: ((إذا رميتم وحلقتم فقد حلّ لكم كل شيء إلا النساء))، فعلق ذلك بالرمي دون وقته، ولأن ما يقع به التحلّل لا يحصل التحلّل بدخول وقته كالطواف.
وأمّا خروج وقته، فيسقط به فعل الرمي.
وههنا فرض الرمي باقٍ فلم يحصل التحلّل بوقته، ولأنه يتحلّل من صوم رمضان بفوات وقته، ولا يتحلّل منه بدخول وقته.
فَرْعٌ آخرُ لو ترك الرمي يوم النحر حتى فات وقته وجبه الهدي في ذمته بدلًا عنه.
قال أصحابنا: ولو ترك حصاة من جمرة العقبة يلزمه دم، لأن رمي جمرة العقبة من أسباب التحلّل.
ولا يحصل التحلّل إلا بتمام السبع، فإذا فات يحتاج أن يوجب بدلها ليحصل التحلّل، ولا يحصل التحلّل إلا بهدي كامل.
وحكي عن أبي حنيفة رضي الله عنه: أنه إذا ترك الأقلّ من السبع بأن رمي الأربعة وترك الثلاث لا يلزمه شيء، وهل ثبوت الهدي في ذمته بمنزلة فعل الرمي؟.
قال ابن سريج: فيه وجهان، بناء علي ((المختصر)) إذا عدم الهدي وجب الصوم في ذمته، هل يحلّ قبل أداء الصوم؟ قولان.
وقال أبو حامد: عندي أنه لا يكون بمنزلة فعل الرمي قولًا واحدًا، فعلي هذا الحكم كما لو لم

يرمِ جمرة العقبة، ثم تبين أن قطع التلبية يتعلق بإول أسباب التحلّل، فقال: ولا يقطع التلبية حتى يرمي الجمرة بأول خصّاة.
وقد ذكرنا ذلك، وروي عن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد أنهم [145/ ب] لم يزالوا يلبّون حتى رمي الجمرة، أي: حتى ابتدؤوا رمي الجمرة ثم بينّ أن له التطيب بعد التحلّل الأول، فقال: ويتطيب إن شاء لحله، أي بعد حلّه الأول.
وهذا هو المشهور من المذهب، وقد ذكرنا هذا فيما مضي.
مَسألَةٌ: قالَ 1: ويخطب الإمام بعد الظهر يوم النحر.
هذه هي الخطبة الثالثة في الحجّ، فيخطب بمني بعد الزوال إذا صلي الظهر، خطبة واحدة يعلمهم النحر والرمي والطواف والمبيت بمني، والرخصة لأهل السقاية، والتعجيل لمن أراد في يومين بعد النحر.
قال الله تعالي: (واذكروا الله في إيام معدودات) [البقرة: 203]،يريد أيام التشريق بعد يوم النحر، وهي ثلاثة أيام، ثم قال: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) [البقرة: 203]،أي: نفر من مني في اليوم الثاني من إيام التشريق فلا إثم عليه، فالمستحبّ للإمام أن يعلمهم كل ذلك لأن الناس يحتاجون إلي معرفة ذلك، فلابّد من الخطبة.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا تستحبّ الخطبة يوم النحر.
وهذا غلط لما روي الهرماس بن زياد الباهلي.
قال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يخطب علي ناقته العضباء بمني يوم الأضحي 2 وراه أبو أمامه 3 وعبد الله بن عمرو 4 رضي الله عنهما أيضًا، ثم بيّن أن فيما كان من أسباب التحلّل يوم النحر لا يجب الترتيب، فقال: ومن حلق يوم النحر قبل أن يذبح أو نحر قبل أن يرمي، فلا فدية، وقد ذكرنا ذلك.
مَسألَةٌ: قالَ 5: ويطوف بالبيت طواف الفرض.
الفَصلُ القصد بهبيان ما يقع به التحلّل الثاني، فإذا فرغ من رمي جمرة العقبة ينصرف إلي مكّة، فيطوف طواف الزيارة.
وهذا الطواف يسمي طواف الفرض، لأنه لا فرض غيره فيه، ويسمّي طواف الصدر، [146/ أ] لأنهم يصدرون عن مني ويسمّي طواف الإفاضة، لأنهم يفيضون من مني إلي مكّة، ولا يسمّي طواف الزيارة، لأنهم يأتون من مني فيزورون البيت، ثم يرجعون إلي مني، وقيل: لإنه يزور البيت بعد غيبته عنه، وقيل: تسميته طواف الصدر غير مشهورة، وإنما طواف الصدر طواف الوداع، لأنه يصدر عنه بعد الطواف، ويسمّي طواف الوداع، لأنه يودعه، فإذا تقرر هذا، فاعلم أن هذا

الطواف ركن من أركان الحجّ، لا يتم الحجّ إلا به، ولا ينوب عنه الدم بلا خلاف، لقوله تعالي: (وليطوفوا بالبيت العتيق) [الحج: 29]،وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما طاف رسول الله صلي الله عليه وسلم ذكر صفية بنت حييّ، فقالوا: إنها حاضت، فقال: ((عقري حلقي، أحابستنا هي))،فقلنا: إنها قد أفاضت، فقال: ((فلا إذن)) 1،فدلّ علي إنه لابدّ من هذا الطواف، وأنه حابس لمن لم يأت به.
فإذا ثبت هذا.
قال الشافعي رضي الله عنه: وقد حلّ من كل شيء إلا النساء وغيرهن وأراد خرج من إحرامه تمام الخروج، ولم يبق عليه من الحجّ إلا ما هو التوابع وهي البيتوتة بمني في ليالي أيام التشريق والرمي في أيامها، وهذا إذا كان قد سعى عقيب طواف القدوم، ورمي جمرة العقبة، وحلق أو لم يحلق.
وقلنا: الحلاق ليس بنسك، وهذا الطواف من الأعمال الأربعة التي تفعل يوم النحر، فأن طاف أولًا ثم أتي بالأفعال الثلاثة فلا حرج ولا دم علي ما ذكرنا أن الترتيب غير واجب، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في بيان وقت استحباب الطواف.
وفي بيان وقت الجواز فإما وقت الاستحباب، فيستحبّ فعله يوم النحر، قبل: الزوال لما روي أن النبي صلي الله عليه وسلم لما رمي جمرة العقبة ذبح وحلق ثم أفاض وطاف، ثم رجع لصلة الظهر [146/ ب] إلي مني، وأما وقت الجواز، فإذا ذهب النصف الأول من ليلة النحر، وليس آخر وقته بموقت، فأي وقت طاف أجزأه ولا دم عليه، لأجل التأخير، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: أول وقته من حين طلوع الفجر الثاني من يوم النحر وآخره اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن أخّره إلي اليوم الثالث يلزمه دم، وهذا غلط، لأنه إذا طاف اليوم الثالث، وقد طاف طوافًا صحيحًا، فلا يجب به دم كما لو طاف في اليوم الثاني، ولو رجع إلي موضعه، ولم يطف نظر، فإن كان طاف طواف الوداع أجزأه عن الفرض لأن طواف الوداع، نفل في أحد القولين، ولا يجوز النفل منه وعليه وفي القول الثاني هو فرض، لكن طواف الزيارة آكد لكونه ركنا ويقدّم الأقوى كما يقدّم حجّة الإسلام علي الحجّة المنذورة، وإن لم يكن طاف طواف الوداع لم يحلّ الإحلال الثاني إلا بأن يرجع ويطوف، وإن طال الزمان وخرج الوقت.
فَرْعٌ لو نوي النفل به يقع عن الفرض.
وقال أحمد: لا يقع عن الفرض ويفتقر إلي تعيين النية، وهذا غلط لأنه ركن من أركان الحجّ، فلا يفتقر إلي تعيين النية كالإحرام والوقوف.
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي رضي الله عنه في ((الإملاء)):, وأحب دخول البيت لما روي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((من دخل البيت فقد دخله في حسنة ومن خرج منه خرج عن سيئة

وخرج مغفورا له)) 1، وقالت عائشة رضي الله عنها: خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس، فرجع إليّ وهو حزين، فقلت له، فقال: ((أني دخلت الكعبة وودت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي)) 2، قال وأحّب أن يصلي فيه ركعتين لما روي بلال أن [147/ أ] النبي صلي الله عليه وسلم دخل البيت، فصلي ركعتين في جوف الكعبة.
مَسألَةٌ: قالَ 3: ثم يرمي أيام مني الثلاثة.
الفَصلُ إذا فرغ من الطواف عاد إلي مني قبل الظهر للمبيت، ويصلّي الظهر بمني نصّ عليه في ((الإملاء))، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم هكذا فعل علي ما ذكرنا يبيت بها ثلاث ليال أيام التشريق، ويرمي كل يوم بعد الزوال.
واعلم أن الأيام أصناف، العشر الأول من ذي الحجّة معلومات وثلاث بعدها معدودات وهي أيام التشريق، وأيام مني وأيام الذبح وأيام الذكر وأيام الرمي وسمّيت أيام التشريق لإشراقها نهارًا بنور الشمس وليلًا بنور القمر.
وقيل: لأن الناس يشرقون اللحم فيها في الشمس واليوم الثامن من العشر يوم التروية، واليوم التاسع منها يوم عرفة، واليوم العاشر يوم النحر، وهو يوم الحجّ الأكبر وأول أيام التشريق يوم العاشر والثاني منها يوم النفر الأول والثالث منها يوم النفر الثاني، وليلة الرابع عشر ليلة المحصب، وإنما يرمي الجمرات الثلاث في أيام مني في كل يوم إذا زالت الشمس بإحدى وعشرين حصاة في كل جمرة سبع حصيات.
وقال في ((الإملاء)) يرمي عقيب الزوال قبل الزوال، لأن عائشة رضي الله عنها قالت: رمي رسول الله صلي الله عليه وسلم حين زالت الشمس، وجملة ما يرمي من عدد الحصى هي سبعون حصاة سبع يوم النحر في جمرة العقبة وثلاثة وستون في أيام مني يبتدئ بالتي هي إلي مني أقرب ويختم بالتي هي إلي مكّة أقرب، وهي العقبة، قال: فيبدأ بالجمرة الأولي فيعلوها علوًا وكذلك في الثانية ثم يأتي في الثالثة فيرميها في بطن الوادي، وهي جمرة العقبة، ولا يعلوها كما علا الجمرتين قبلها، لأنها علي أكمة لا يمكنه غير ذلك.
وقال مالك: يرمي الجمرات كلها من أسفلها [147/ ب]، وما قلناه أولي، لأن الرسول صلي الله عليه وسلم فعله، ثم السلف بعده، وإذا رمي الجمرة الأولي يجعلها علي يساره، ويستقبل القبلة، ويكبّر مع كلّ حصاة، ثم يتجاوزها إلي التي تليها بحيث لا تناله حصى الأولي، فيدعو ويتضرّع إلي الله تعالي بسورة البقرة، ثم يتقدّم إلي الثانية، فيرميها بسبع حصيات، ثم يتجاوزها، فيقف بحيث لا تناله الحصى الثانية يدعو ويتضرّع

ويذكر بقدر سورة البقرة ويوليّ ظهره إلي التي رماها في الوقوف الأول والثاني، ثم يتقدّم إلي الثالثة، فيرميها سبع حصيات ولا يقف عندها.
والأصل في ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أفاض رسول الله صلي الله عليه وسلم من مني ثم رجع إلي مني، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع ويكبّر مع كل حصاة، ويقف عند الأولي والثانية، فيطيل القيام ويتضرّع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندهما، ولأن الجمرة الأولي والثانية واسعتان، لا يضيق الوقوف بقربهما للدعاء والذكر، والثالثة ضيقة يستضر الناس بوقوفهم، فيستحبّ له أن لا يقف، وينصرف، وإذا ترك الوقوف للدعاء، فلا إعادة، ولا فدية، فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الواجب الذي لا بدّ منه في جواز الرمي الوقت والعدد وترتيب الجمرات، فأما الوقت فبعد زوال الشمس علي ما ذكرنا، فإن رمي قبل الزوال لم يعتدّ به.
وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجوز في اليوم الثالث أن يرمي قبل الزوال استحباباّ.
وروي الحاكم في المنتقي: أنه يجوز ذلك في اليوم الأول والثاني أيضاّ، والأول أشهر، [148/ أ] وعلته أنه إذا طلع الفجر في اليوم الثالث لم يجز له أن ينفر، فدلّ علي أن وقت الرمي هذا، وهذا غلط، لأنه رمي في يوم من أيام التشريق، فكان بعد الزوال كاليوم الأول.
وأما وجوب الإقامة بمني لا يكون بطلوع الفجر، بل بغروب الشمس اليوم الثاني، لأن وقت التعجيل فات به.
وقال طاووس وعكرمة: يجوز أن يرمي قبل الزوال في كلها كما في يوم النحر، وهذا غلط لما روي جابر، قال: رمي رسول الله صلي الله عليه وسلم علي ما ذكرنا.
وأما الترتيب، فمستحقّ أيضًا هذا بالجمرة الأولي ثم بالثانية، ثم بالثالثة، فإن ترك الترتيب فبدأ بجمرة العقبة ثم بالوسطي، ثم بالأولي اعتدّ بالأولي، ثم يعتد بالوسطي، ثم يعيد جمرة العقبة حتى يأتي بها علي الترتيب، وكذلك إن رمي حصاة من الأولي، ورمي الثانية والثالثة لم يعتد بذلك حتى يكمل الأولي ثم يرمي الثانية والثالثة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم رمي علي هذا الترتيب، وقال: ((خدوا عني مناسككم))، وقال عطاء والحسن: ترتيب الجمرات ليس بواجب وبأيتها بدأ أجزأ.
وبه قال أبو حنيفة، ولكنه قال: إذا نسك يلزمه أن يعيد، فإن لم يعد فلا شيء عليه، وأما العدد، فشرط أيضًا، فإن رمي أقل من سبع حصيات في كل جمرة لم يصحّ ما بعدها من الرمي حتى يعود فيكمل.
فَرْعٌ لو رمي جمرة بستّ حصيات، ولم يدرِ أي جمرة رماها بست رمي الجمرة الأولي بواحدة حتى يصير علي يقين من إكمال رميها، ثم يعيد الرمي فيما بعد من الجمرتين، لأنه يجوز أن تكون المتروكة من الجمرة الأولي، فلا تحتسب بما بعدها قبل إكمالها، فكان الاحتياط بما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ لو ترك ثلاث حصيات من [148/ ب] جملة الأيام، ولا يدري كيف تركها يأخذ

بأسوأ الأحوال، فيجعل كأنه ترك حصاة من جمرة العقبة يوم النحر، وحصاة من الجمرة الأولي يوم النفر وحصار من الجمرة الثانية يوم النفر الأول، وإيش الذي يحسب له؟ إن قلنا: الترتيب شرط، وما يرميه بنية، وظيفة الوقت لا يحتسب بها، وعليه من الدماء، ما يلزم من ترك الرمي في الأيام كلها، وقد ذكرنا، وإن قلنا: الترتيب شرط، ولكن ما يرميه بنية وظيفة الوقت يحسب من الفائت يحتسب حصاة مما رماه يوم القرّ من جمرة العقبة، فيتم له ذلك.
وباقي الريات تلغو، فلما رمي في النفر الثاني احتسب له الجمرة الأولي وست حصسات من الثانية من فرض يوم القرّ، ولم يحتسب له مايرمي إلي الجمرة الأخيرة، فلما رمي في اليوم الثالث، تم له رمي يوم القرّ وبقي عليه رمي يومين.
وقد بيّنا حكم من ترك رمي يومين، وإن قلنا: الترتيب لا يجب إلا أن ما يرميه بنيه وظيفة الوقت لا يحتسب من الفائت، فالحكم علي ما سبق ذكره في التقدير الأول، فلا يحصل له إلا ست حصيات من وظيفة يوم النحر، فلما رمي في يوم القرّ احتسب في الجمرة الأولي ست حصيات، ولم يصحّ له ما يرميه إلي الجمرة الثانية والثالثة، لوجوب الترتيب بين الجمات، إلّا حصاة واحدة يقع عما بقي عليه من رمي جمرة العقبة يوم النحر، وبقيت عليه حصاة من وظيفة يوم القرّ في الجمرة الأولي، وفرض جمرتين، فلما رمي في اليوم الثالث من أيام التشريق [149/ أ] احتسب له ما بقي علي من فرض يوم القرّ في الجمرة الأولي، واحتسب له ست حصيات إلي الجمرة الثانية، فلما رمي في اليوم الثالث ما ترك شيئًا، فيسقط ما بقي عليه من فرض يوم القرّ، وبقي عليه من رمي يومين.
فَرْعٌ آخرُ لو ترك حصاة من الجمرة الوسطي في اليوم الأخير يلزه دم كامل، لأنه صار تاركًا ثماني حصيات، فإن الترتيب بين الجمرات واجب، فلا تصحّ الجمرة الأخيرة، وقد بقي من التي قبلها شيء.
فَرْعٌ آخرُ قال في ((الإملاء)): أيام الرمي أربعة: يرمي في الأول راكبًا وفي الأخير راكبًا، وفيما بينهما ماشيًا لاتصال ركوبه به من المزدلفة، ويوم النفر الثاني لاتصال ركوبه بالصدر، لأنه لا يخرج من منزله، فيرجع إليه كفعله في اليومين، بل ويخرج إلي مكّة.
وهذا مستحبّ في جيعها فلا شيء عليه.
قال: ويستحبّ أن يكون توجهًا إلي القبلة.
وكذلك في الوقوف بعرفة والمزدلفة وغير ذلك.
وهذا يوافق ما قال القاضي أبو حامد، وفيه نظر.
مَسألَةٌ: قالَ 1: وإن رمي بحصاتين أو ثلاث في مرة واحدة، فهن كواحدة.
قد ذكرنا هذا، فإن قيل: أليس لو جع الأشواط في الحدّ وضربه بها ضربة واحدة، جاز، فقولوا مثله.
ههنا قلنا: الفرق أن المقصود منه إيصال الألم بالضرب، ويحصل

به ذلك عند الجمع، وههنا لا يعقل معني هذا الرمي، فلا يعدل به عما ورد به الشرع.
مَسألَةٌ: قالَ 1: وإن نسي من اليوم الأول شيء من الرمي رماه في اليوم الثاني.
الفَصلُ لا خلاف أن لو رمي الجمار وقتًا يفوت، وهو إذا مضت أيام التشريق، وهذا لأنه تابع للوقوف وقت يفوت، فكذلك للرمي وقت يفوت، وإن نسي الرمي في اليوم الأول.
نصّ في ((الأم)) 2: [149/ ب] ونقله المزني: أنه يرميه في اليوم الثاني، وما بقي في اليوم الثاني يرميه في اليوم الثالث.
وقال في ((الإملاء)): رمي كل يوم محدود الأول والآخر، وأن أوله إذا زالت الشمس وآخره إلي يوم فيه رمي فجاز أن يأتي به كالرعاء إذا تركوا الرمي في اليوم الأول من أيام التشريق يرمون في اليوم الثاني.
والثاني: يقضي الرمي ويريق دمًا للتأخير.
وبه قال أبو حنيفة، لأن الرمي عبادة، فجاز أن يجب بتأخيرها كفّارة كقضاء رمضان، والثالث: يريق دما ولا يقضي، وهذا أصحّ لأنه رمي مرتين في وقته، فإذا أخّره عن ذلك اليوم يسقط إلي دم، كالرمي في اليوم الثالث، وهذا القول وما خرج عليه من أداء الأقاويل منصف.
والصحيح أنه لا يدخلفيه القضاء فيرميه في اليوم الثاني والثالث أداء ولا يفوت ذلك، لأن الثلاثة كلها كاليوم الواحد كما في الرعاء، ولا فرق بين المعذور وغير المعذور في مثل هذا.
وأما رمي يوم النحر، فالمذهب المنصوص أنه بمنزلة الرمي في سائر الأيام، وأنه علي قولين كما ذكرنا في رمي كل يوم من أيام التشريق.
ولفظ الشافعي أنه إذا أخّر جمرة العقبة حتى غربت الشمس كان له أن يرميه في أيام التشريق.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إن مانسي في اليوم الأول يرمي في اليوم الثاني والثالث ففي رمي يوم النحر وجهان: أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: أنه لا يرميه أصلًا، لأن هذا الرمي مخالف لرمي سائر الأيام في المقدار والوقت، فهما كجنسين، ففيه قول واحد [150/ أ] إنه يفوت بفوات وقته، وهذا تخريج بخلاف النصّ.
فَرْعٌ إذا قلنا: يسقط حكم الرمي بدخول الرمي بعده، فإذا تذكره بالليل، فيه وجهان: أحدهما: لا يأتي به، لأن وقته إلي الغروب بدليل اليوم الأخير، فيسقط حكمه بالغروب.

والثاني: يأتي به, لأن الرمي تابع للوقوف الليلة المستقبلية, وهي ليلة العيد يجعل في حكم النهار الماضي حتى يجوز فيها الوقوف, وبعد طلوع الفجر لا يجوز.
فَرْعٌ آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو عجّل رمي يوم النفر إلى يوم القرّ, هل يجوز أم لا؟ فإن قلنا: من فاته رمي يوم لا يجوز تعجيله, وإن قلنا: يقضي, هل له التعجيل؟ وجهان بناء على أنه إذا رمى الفائت من الغد, هل يكون قضاء أم أداء؟ فإن قلنا: أداء يجوز, وكان رمي الأيام كلها عبادة فيكون كالرمي في أول الوقت, وإن قلنا: قضاء, فلا يجوز, لأن الرمي بعد لم يجب حتى يجوز قضائه, وعلى هذا رمي كل يوم عبادة منفردة.
والصحيح أنه لا يجوز تعجيله قولًا واحدًا.
مسألة: قال 1: ولا بأس إذا رمى الرعاء الجمرة يوم النحر إن يصدروا ويدعو المبيت بمنى.
الفَصلُ قد ذكرنا أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق من جملة النسك للخبر, ولكن يجوز للرعاء وأهل السقاية التي هي سقاية العباس دون غيرهما من السقايات إذا رموا يوم النحر أن يصدروا من شاء إلى مكة, ويدعوا المبيت بمنى, ويتركوا الرمي في أول يوم من أيام التشريق, وهو النفر الأول, فرموا عن اليوم الأول والثاني على الترتيب ثم ينفرون مع الناس إن شاؤو في النفر الأول.
وبه قال مالك, وقال بعض العلماء إن شاؤو قدّموا الرمي, وإن شاؤو أخروه.
وهذا غلط, لأنه لا يقضي حتى يجب, وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم [150/ ب] أرخص لرعاة الإبل, وأهل سقاية العباس ذلك)).
وروى أنه أرخص للرعاة أن يرموا يومًا, ويدعوا يومًا 2. وقال عاصم بن عدي رخّص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر, ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر, فيرمونه في أحدهما 3. وقال مالك: ظننت أنه قال في الأولى منهما, ثم يرمون يوم النفر, وقال ابن عمر رضي الله عنهما استأذن العباس رضي الله عنه: رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك المبيت بمنى في لياليها لأجل سقايته, فأذن له 4.

فَرْعٌ كل معذور بمنزلة أهل السقاية والرعاء في هذه الرخصة بأن يكون عنده مريض منزول به يحتاج إلى القيام عليه, ويعهده أو كان به مرض يشق عليه البيتوتة بمنى أو له بمكة مال يخاف ضياعه إن بات بمنى ونحو ذلك.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا, وهو القياس لأن كلهم في العذر سواء, وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما.
والثاني: ليس له ذلك, والرخصة خاصة للرعاة وأهل السقاية, فلا يتعداهم.
وروي أن عبد الرحمن بن فروخ قال لابن عمر: إنا نتبايع بأموال الناس, فيأتي أحدنا مكة فيبيت على المال, فقال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بات بمنى وظل 1. فَرْعٌ لو عمل أهل العباس أو غيرهم في غير سقايته, هل يجوز لهم ترك المبيت والرمي؟ فيه وجهان: أحدهما: لا.
والثاني: بلى, قياسًا عليهم, هكذا ذكر أبو حامد, وقد نص في ((الأوسط)) على أنه يشاركه سائر السقايات على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخر في سقاية العباس لا فرق بين أن يكون الذي يتولى أمرها من ولد العباس أو غيرهم من الناس, وكانوا [151/ أ] يعدون السويق والنبيذ النقيع للحاج.
ومن أصحابنا من قال: هذه الرخصة للرعاء وأهل السقاية إذا كانوا من أهل النبي صلى الله عليه وسلم, وهذا غير صحيح, وقال مالك وأبو حنيفة: الرخصة لآل العباس دون غيرهم, وهذا غلط, لأنه لا رخصة لآل العباس إذا لم يكونوا من أهل السقاية, فدل أن الاعتبار بالعمل الشاغل لا بالنسب, وهو معنى قول الشافعي بعد هذا, ولا رخصة فيها إلا لمن ولّي القيام عليها منهم, وسواء كان من استعملوا عليها ن=منهم, أو من غيرهم في ثبوت الرخصة له.
فَرْعٌ آخر لا تلزمهم الفدية بترك المبيت هناك, لنه أبيح لهم تركه بظاهر عذرهم وعموم منفعتهم العائدة إلى الوقفة, وذلك أن الإبل لو أضحت ضاقت بها منازلهم وثقلت عليها مؤنتها, واختلطت البهائم بالناس عند المشاعر والمناسك.
فَرْعٌ آخر لا رخصة للرعاة في ترك الرمي يوم النحر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص في ذلك لأحد,

ولأن أرباب الإبل إنما يمشي إلى الرعي بعدما نزلوا, واطمأنت بهم الدار بمنى, وذلك لا يكون في بكرة النهار, ولذلك لا يرخّصون في تأخير الطواف الواجب, لأنه مؤقت بذلك اليوم يكره تأخيره عنه.
فَرْعٌ آخر لو لم يصدروا حتى غربت الشمس يوم النحر, قال أصحابنا: كان لأهل السقاية أن يصدروا, وليس للرعاء أن يصدروا.
والفرق أن عذر السقاية بالليل والنهار واحد, والرعي إنما يكون بالنهار دون الليل.
فَرْعٌ آخر من لا عذر له إذا لم يبت ليلة اليوم الأول من أيام التشريق, وليلة اليوم الثاني, وجاء في اليوم الثاني, وهو النفر الأول, فأراد أن يرمي وينفر مع الناس.
قال أصحابنا: ليس له [151/ ب] ذلك, لأنه لا عذر له, وإنما جوّز للرعاء وأهل السقاية للعذر وجوّز لسائر الناس أن ينفروا لأنهم قد أتوا بمعظم الرمي والمبيت, وهذا فلا عذر له, ولم يأت بالمعظم, فلا يجوز له أن ينفر.
مسألة: قال 1: ويخطب الإمام بعد الظهر اليوم الثالث من يوم النحر, وهو النفر الأول, فيودع الحاج ويعلمهم أن من أراد التعجيل, فذلك له.
هذه هي الخطبة الرابعة, وهي خطبة واحدة يستحب للإمام ذلك يوم النفر الأول بعد الظهر, فيودع الحاج لأنها آخر خطب الحج ويعلمهم أن من أراد التعجيل, ف لك له يأمرهم أن يختموا حجتهم بتقوى اللع وطاعته واتباع أمره, لأن الأمور بخواتيمها.
وقال أبو حنيفة: لا تستحب هذه الخطبة وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في أوسط يوم من أيام التشريق أورده أبو داود, ولأن بالناس حاجة بمعرفة ما ذكرنا, فلا بدّ من الخطبة.
مسألة: قال 2: ومن لم يتعجل حتى يمسي رمى من الغد.
الفَصلُ قد بينا أنه يجوز أن يرمي يومين من أيام التشريق وينفر في اليوم الثاني بعد الرمي قبل غروب الشمس, ولا يرمي في اليوم الثالث, فإن لم يتعجل حتى غربت الشمس يلزمه أن يبيت بها, ويرمي من الغد.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203], فقيد التعجيل باليوم, فدل أنه إذا انقضى اليوم, انقضى وقت التعجيل, فإن قبل: في التعجيل يجوز أن يقال: لا إثم عليه, فما معنى قوله تعالى: ﴿ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾, وإذا تأخر ورمى في اليوم الثالث, فلم يترك شيئًا من الرمي بل أتى بكماله, وهذا التأخير فضيلة, فلماذا قال: ((فلا إثم عليه)) [152/ أ].

قلنا: قال ابن مسعود رضي الله عنه: من تعجل فلا إثم عليه، أي: كفرت سيئاته، وذلك من تأخر ورمى كفرت سيئاته، وقيل: فلا إثم عليه بالتعجيل، وقوله: ﴿ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ من المواجهة في الكلام، وقيل: ورد علي سبب، وهو أن قومًا قالوا: لا يجوز التعجيل، وقومًا قالوا: لا يجوز التأخير، فوردت الآية علي ذلك.
وقيل: أراد، لا إثم عليه لترك الرخصة بالخروج يوم النفر الأول.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: إذا دخل عليه وقت العصر في اليوم الثاني لا يجوز له أن ينفر.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر، لأنه لم يدخل وقت الرمي بعد، وهذا غلط لقوله تعالي: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]، واليوم اسم للنهار، وإذا غربت الشمس فقد خرج اليومان.
وقال عمر رضي الله عنه: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلي الغد حتي ينفر مع الناس 1، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يلزمه الرمي من الغد إلا أن يمكث حتى تزول الشمس من الغد، فيلزمه الرمي حينئذ، وفيه نظر.
فَرْعُ لو خرج منها، قيل أن تغرب الشمس نافرًا، ثم عاد إليها مارًا أو زائرًا لم يكن عليه أن بيت، ولا يلزمه لو بات أن يرمي من الغد، نص عليه في "الأوسط" 2، لأنه ترخص بالتعجيل، فلا يتغير حكمه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه المبيت هذه الليلة والرمي من الغد؟ وجهان.
فَرْعُ آخرُ قال أصحابنا: لو رحل من منى فغربت الشمس، وهو راحل قبل انفصاله من منى لم يلزمه المقام، لأن عليه مشقة في الحط بعد الترحال، وإن كان مشغولًا بالتأهب، وحمل رحله، فغربت الشمس قبل أن يرحل فيه وجهان: أحدهما: ليس له [152/ب] أن يتعجل، لأنه أدركه الليل قبل الرحيل، وهو المذهب.
والثاني: له أن يتعجل، لأنه أخذ في التعجيل، ولعله شد متاعه، وعليه في حله مشقة.
فَرْعُ آخرُ إذا نفر وتعجل بطرح الحصى الذي معه لليوم الثالث، أو يدفعه إلي من لم يتعجل، فأما ما يفعله الناس اليوم من دفنه، لا يعرف فيه أثر.
فَرْعُ آخرُ السنة في اليوم الذي يريد النفر.
إما النفر الأول، أو الثاني أن يرمي عقيب زوال

الشمس، ويخرج فيصلي الظهر خارجًا من منى كما قال الشافعي، والصبح آخر صلاة بمنى.
مسألة: قال 1: وإن تدارك عليه رميان في أيام منى أبتدأ الأول حتى يكمل.
الفصْلُ إذا ترك الرعاة وأهل السقاية الرمي في اليوم الأول، وأرادوا الرمي عن الأول في اليوم الثاني، أو نسي رجل شيئًا من رمي الأول، وأراد أن يرميه في اليوم الثاني، أو تركه عامدًا.
وقلنا: يرمي في اليوم الثاني، فالحكم في الكل واحد، فقد اجتمع ههنا رميان عن يومين، فالمستحب أن يأتي به علي الترتيب فيبدأ برمي اليوم الأول، ثم بالثاني، وهل يستحق هذا الترتيب؟ قولان بناءً على أن الرمي محدود الأول والآخر، أو محدود الأول دون الآخر، فإن قلنا بهذا القول، وهو المذهب علي ما ذكرنا، فما يأتي به في أيام التشريق يكون أداء يلزمه الترتيب فيه، ولا يجوز إلا مرتبًا، وإذا قلنا بالقول الآخر، لا يلزمه الترتيب، لأن ترتيب الجمار من ناحية الوقت، وهو تابع الأيام، فإذا فات الوقت سقط الترتيب كالترتيب في الصلوات.
وقيل: إذا قلنا: لا ترتيب علي غير المعذور، فعلى المعذور وجهان بناء علة أن من أخر الظهر إلي [153/أ] العصر في السفر، هل عليه الترتيب وجهان، فإذا قلنا: لا ترتيب، فهو بالخيار إن شاء بدأ بالثاني، ثم بالأول، وإن شاء رمى أربع عشرة حصاة في جمرة وأربع عشرة في جمرة أخرى.
وإذا قلنا: يلزمه الترتيب فعليه أن يبدأ بالأول، ثم بالثاني، ولا يجوز أن يرمي بأربع عشرة حصاة في مقام واحد يعني عن اليومين كما نص عليه ههنا.
فَرْعُ لو بدأ بالرمي عن اليوم الثاني، ونوى ذلك، هل يقع عن اليوم الأول؟ وجهان: أحدهما: يقع عن اليوم الأول، وهو الصحيح كما لو طاف عن غيره، وعليه طواف الفرض، أو طواف الوداع، وعليه طواف الزيارة، أو رمى عن المريض قبل أن يرمي عن نفسه كان عن نفسه.
والثاني: لا يجوز أصلًا، لأنه رمى عن الثاني قبل الأول، والترتيب واجب فلا يقع عن الثاني، ولا يقع عن الأول، لأنه يم ينوه، وهو كما لو بدأ بالعصر قبل الظهر في يوم عرفة لم يجز عن العصر، ولا عن الظهر.
فَرْعُ آخرُ لو رمى عن اليوم الأول في ليلة اليوم الثاني يجوز، لأن وقته سابق، ولا يجوز أن رمي عن اليوم الثاني إلا بالنهار بعد زوال الشمس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان

أحدهما: هذا ويجعل الليلة تبعًا لليوم الذي مضى كما يجعل ليلة النحر تبعًا ليوم عرفة في حكم الوقوف.
والثاني: لا يجوز حتى يأتي الغد، فإن وقت الرمي بعد الزوال نهارًا وكل ليلة لليوم المستقبل، قالوا: وهذا أصح، وليس كذلك، بل الصحيح ما ذكرنا.
فَرْعُ آخرُ قال بعض أصحابنا بخراسان: ولو رمى عند الجمرات سبعًا سبعًا مرتين، ولكنه نوى في الدفعة الأولى أن يكون رمى يومه.
وفي الثانية أن تكون عن اليوم الأول.
وقلنا: يلزم [153/ب] الترتيب، هل تجزئه السبع الأول الذي نواه عن اليوم الثاني؟ لا يقع عن اليوم الثاني لأن عليه رمي اليوم الأول، وهل يقع عن اليوم الأول علي ما ذكرنا من الوجهين؟، فإن قلنا: يقع عن اليوم الأول، فالسبع الثاني يسقط لأن الفرض في هذه سقط.
وإن قلنا: يقع عن اليوم الأول، فالسبع الثاني يسقط لأن الفرض في هذه الجمرة سقط.
وإن قلنا: لا يقع كان السبع الذي نواه عن اليوم الأول تحريه عنه، لأن الأول صار كالمعدوم.
فَرْعُ آخرُ يوالي الحصيات، فإن فرق، فإن لم يطل الفَصْلُ أجزأه، وإن طال الفصل فيه قولان، كما قلنا: في تفريق الوضوء، وكذلك يوالي بين الجمرات، ولا يفصل بينها إلا بقدر وقفة الدعاء، فإن طول فيه قولان.
مسألة: قال 1: إن أخر ذلك حتى تنقضي أيام الرمي.
الفَصْلُ إذا انقضت أيام التشريق، وعليه شيء من الرمي، فإن عليه في حصاة واحدة مدًا من طعام في أشهر أقاويله.
وقد ذكرنا قولين آخرين، وإذا بقيت عليه حصاتان، فمدان، وإن بقيت عليه ثلاث حصيات، فدم والغافل والناسي في ذلك سواء، ولا يجوز أن يكون المد من غير القوت هذا معنى قوله حيث قال: فعليه مد من طعام، وأراد به الحب، والأفضل أن يكون حنطة، ولا يجوز سوى ذلك إذا كانت أقواتهم في ذلك الموضع حنطة، والاعتبار في ذلك بمد الرسول صلى الله عليه وسلم كما قلنا في زكاة الفطر، وهذا المد مصروف في مسكين واحد، ولا يجوز دفعه إلي مسكينين، والمدان في ترك حصاتين يلزنه دفعهما إلي مسكينين، ولا يجوز دفعهما إلي مسكين واحدٍ.
هكذا [154/أ] ذكره بعض أصحابنا، وفيه نظر عندي لأنهما في حكم كفارتين كالمدين لصومين في حق الشيخ الهرم.
فإذا تقرر هذا، ففي لفظ "المختصر" إشكال، وذلك أن ظاهره يقتضي بأنه لا فرق بين أن يترك حصاة واحدة من اليوم الأخير، أو يتركها من اليوم قبله، وليس مذهبه علة هذا الإطلاق، لأنه أوجب الترتيب في هذا الباب مرتين، وعلى هذا لو ترك حصاة واحدة من الجمرة الأولى يوم القر لم تحتسب له في ذلك اليوم الجمرة الثانية، ولا

الثالثة، فإذا رمى في يوم النفر الأول إلي الجمرة الأولي بسبع حسب له ههنا واحدة ويكمل بها رمي أمسه إلي الجمرة الأولى وألغينا الحصيات الست، فلما رمى إلي الجمرة الثانية والثالثة، وعنده أنه يرمي رمي يوم النفر الأول، رجع ذلك كله إلي يوم القر، وبقي عليه رمي يوم النفر الأول بكماله، فإذا رمى يوم النفر الثاني إلي الجمرات الثلاث ظانًا أنه يعمل نسك يومه انصرف ذلك كله إلي أمسه، فتغرب الشمس عليه آخر أيام التشريق، وعليه إحدي وعشرون حساة بسبب حصاة واحدة تركها من يوم القر، فلا يتصور ترك حصاة واحدة على هذا إلا أن يتركها في اليوم الأخير من الجمرة الأخيرة، فيلزمه لها مد، وإذا لم يوجب الترتيب في الأيام خرج الجواب سهلًا، فيتصور ذلك سواء تركها من الأولى أو الثانية.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر لا دم إلا في جمرة كاملة، ويلزم في حصاة واحدة من جمرة واحدة سبع دم أو درهم، أو مد [154/ب] علي اختلاف الأقوال، وهذا ليس بشيء.
وقال أبو إسحاق: قال الشافعي في موضع من "الإملاء": إذا ترك رمي يوم فعليه مد، وإن ترك رمي يومين فعليه مدان، وإن ترك رمي الثلاثة فعليه دم.
قال أبو إسحاق: فعلى هذا يجب في الحصاة، والحصاتين وأكثر، أي: تمام كل يوم مد، فإذا ترك رمي الثلاثة وجب الدم، ويكون رمى كل يوم من أيام منى بمنزلة مبيت ليلة من لياليه، ويجب على هذا أن يقول في كل يوم درهم وفي يومين درهمان، وفي الثلاثة دم أو في يوم ثلث دم، وفي يومين ثلثا دم، وفي الثلاثة دم علي اختلاف الأقوال.
وقال أبو حنيفة: إذا ترك أكثر الجمرات، وهو أربع حصيات يلزمه دم، وفي واحدة نصف صاع، وفي اثنين صاع، وفي ثلاث صاع ونصف.
فَرْعُ لو ترك الرمي في الأيام الثلاة، فإن قلنا بالقول المشهور إن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد، يلزمه دم واحد، وإن قلنا بقوله في "الإملاء" إن رمى كل يوم مؤقت بيومه، يلزمه ثلاثة دماء.
فَرْعُ آخرُ لو ترك الرمي في يوم النحر وأيام التشريق، فإن قلنا بالقول المشهور يكفيه دم واحد، وإن قلنا: إنه ينفرد رمى يوم النحر عن أيام التشريق، وهما جنسان يلزمه دمان: دم لرمي يوم النحر، ودم آخر لرمي أيام التشريق، وإن قلنا: رمي كل يوم مؤقت بيومه لزمه أربعة دماء.
فَرْعُ آخرُ المريض الذي لا يستطيع الرمي، فإن المستحب له أن يناول الحصاة غيره حتى يرمي عنه.
وقال في "الأوسط" 1: ويرمي المريض في يد [155/أ] الذي يرمي عنه، ويكبر،

وإن لم يناوله، ورمى عنه بأمره جاز، وهذا لأنه لو عجز عن أصل الحج جازت النيابة، فكذلك لو عجز عن بعض أفعاله، فإن قيل: أليس لا تجوز الاستنابة في الحج إلا بعد اليأس؟ وههنا تجوزن قبل اليأس، قلنا: الفرق أنه لا يتعين عليه الدخول في الحج، فلا تجوز الاستنابة فيه مع الرجاء، وههنا تعين عليه الرمين ويفوت وقته بالتأخير، فجازت الاستنابه فيه للعجز في الحال، وإن لم يوجد اليأس، ولا يجوز أن يرمي عنه إلا بإذن لأنه رمى يمكن استئذانه.
فَرعَ آخرُ لو رمى عن المريض من لم يرم عنه نفس؟ ثم عن نفسه أجزأه رميه عن نفسه، ثم أي الرميتين تجوز عن نفسه، هل هو الرمي الأول الذي رماه عن المريض، أو الثاني الذي رماه عن نفسه؟ فيه وجهان: أحدهما: الثاني لوجود القص فيه.
والثاني: الأول، لأن من كان عليه نسك، ففعله عن غير وقع عن نفسه كالطواف، وأما رميه عن المريض، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنا إن جعلنا الرمي الأول عنه، فالثاني لم يقصد به المريض، وإن جعلنا الثاني عنه فقد وجد الأول قبل رميه عن نفسه، فلم يجزه عن المريض.
والثاني: يجوز لأن الرمي يفارق سائر أركان الحج، فجاز أن يفعله عن المريض قبل فعله عن نفسه.
فَرْعُ آخرُ لو رمى عنه غيره ثم برأ من مرضه في أيام التشريق.
قال في "القديم": أحببت له أن يعيد الرمي عن نفسه، وإنما قلنا ذلك لبقاء وقت الرمي، فإن لم يعد أجزأه لأن الفرض سقط عنه [155/ب] بفعل غيره.
قال والدي رحمه الله: فيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: تلزمه الإعادة كالمغضوب إذا حج عن نفسه رجلًا، ثم برأ تلزمه الإعادة.
فَرْعُ آخرُ قال أصحابنا: والمحبوس عن الرمي بحق أو بغير حق إذا كان لا يقدر علة التخلص منه، ومباشرة الرمي بمنزله العاجر المريض، ولا يجوز للمحبوس أن يجهز من يحج عنه، لأنه لا يخاف فوت الحج ويخاف فوت الرمي، ولهذا جاز عن المريض بخلاف الحج.
فَرْعُ آخرُ لو أغمي عليه قبل الرمي، فإن لم يكن أذن في الرمي لغيره في الرمي عنه، لم يجز أن يرمي عنه غيره، وإن كان أذن لغيره في أن يرمي عنه، ثم أغمي عليه جاز أن يرمي عنه.

قال أصحابنا: هذا إذا عجز عن الرمي بهجوم المرض، فأذن به قبل تمكن الإغماء فيجوز أن يرمي عنه، لأنه فعل عن إذن من يصح إذنه، وإن كان مطيقا للرمي فأذن قبل إغمائه لا يجوز، لأنه لا يصح الإذن في هذه الحالة، فإن قيل: هلا قلتم إن هذا الإذن يبطل بالإغماء؟ قلنا: إنما يبطل بالإغماء الإذن الذي لا يتعلق بالنسك فلا لأنه يلزمه كالمعصوب إذا أذن لغيره بالحج عنه، ثم أغمي عليه بعده لم يبطل الإذن.
فَرْعُ آخرُ إذا رمي الرجل ريما عن نفسه ورميا عن غيره أكمل الرمي عن نفسه، ثم عاد فرمى عن غيره كما يفعل ذلك إذا تدارك عليه رميان.
فَرْعُ آخرُ قال أصحابنا: وإذا نفر النفر الأول، ثم ذكر أنه نسي شيء من الحصى، قال في "مختصر الحج" 1: أحب أن يأتي به، وعليه دم، لأنه إنما يجوز الرمي في اليوم الثالث ما دام هو في الحج، فإذا تقرر النفر الأول، فقد خرج من الحج بدليل [156/أ] أنه يصح إحرامه بالعمرة الآن فلم يعتد بالرمي بعده، فعلى هذا يفوت الرمي أمرين: خروج وقته والخروج من الحج قبل خروج وقته.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: إن عاد بعد غروب الشمس لم ينفعه وتقرر الدم، وإن عاد قبل الغروب ذلك اليوم ورمى سقط الدم، كما لو ترك في يوم النحر، أو يوم القر، وعاد قبل الغروب ذلك اليوم ورمى لا يلزمه شيء، وهذا خلاف النص الذي ذكرناه والفرق ظاهر.
مسألة: قال 2: وإن ترك المبيت ليلة من ليالي منى، فعليه مد.
قد ذكرنا ما قيل فيه، وعند أبي حنيفة، لا يلزمه شيء والمنصوص ههنا المد، وفي الثلاثة الدم، ثم فسر الشافعي الدم، فقال: والدم شاة يذبحها لمساكين الحرم، وهو صحيح، وهكذا كل دم يلزمه في النسك، فإنما هو لمساكين الحرم.
ولفظه يدل علي أنه لا يجوز شوي اللحم والتصدق به بل يجب إراقة الدم، ولا يجوز أن ينقل اللحم عن مساكين الحرم إلي غيرهم خلافًا لأبي حنيفة، ثم بين من رخص له ترك المبيت بمنى، فقال: ولا رخصة في ترك المبيت بمنى إلا لرعاء الإبل وأهل سقاية العباس.
وقد ذكرنا ذلك والكمال أن يبيت ليالي أيام التشريق كلها، فإن بات ليلتين وتعجل وترك الثالثة كان له ما لم تغرب الشمس على ما ذكرنا في الرمي، فإن قال قائل: أليس له تعجيل يوم النفر الأول، فإذا ترك ثلاث ليالٍ وجب أن لا يلزم الأخير أن ليلتين، لأنه يجوز له ترك الليلة الثالثة ولبى له هذه الرخصة بشرط أن يبيت الليلتين، فأما إذا ترك ذلك صار تاركًا للكل، فعليه الدم [156/ب].

فَرْعُ كل من رمى اليوم الثالث راكبًا بعد الزوال سار علي وجهه إلى منى، فإذا انصرف الليلة الرابعة عشر وأتى المحصب، وهو الأبطح، وهو خيف بني كنانة وحده من الحجون وما عن الجبل الذي إليه المقبرة إلي الجبل الذي يقابله وسمي المحصب لأن حصى جمرة العقبة يسيل إليه، وقيل: سمي به لأنه موضع كثير الحصى نزل هناك استحبابًا.
هكذا ذكره أبو حامد، وظاهر كلام الشافعي، أنه لا استحباب فيه، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، إن اختار ذلك، ثم أفاض في جوف الليل إلي مكة.
هكذا فعل عمر رضي الله عنه، قال الشافعي: وليس المحصب بنسك، وإنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله.
وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع بها هجعة، ثم دخل مكة 1، قالت عائشة رضي الله عنها: إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصب ليون أسمح لخروجه وليس بسنة من شاء نزله ومن شاء لم ينزله 2. وقال أبو رافع وكان علي ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ضربت له قبة بالمحصب، ولم يأمرني بذلك، ثم نزل فيها 3. وروي عن عم أنه قال: هو نسك.
ويروى أيضًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
مسألة: قال 4: ويفعل بالصبي في كل أمره ما يفعل الكبير.
عندنا للصبي حج شرعي صحيح، وكذلك العمرة، فإن بلغ حد التمييز فأحرم بحج، أو عمرة صح إحرامه، وانعقد [157/أ] وإن كان غير مميز فأحرم عنه وليه، انعقد الإحرام وصار الصبي محرمًا به، ويتجنب ما يتجنبه المحرم، فإن فعل شيئًا من محظورات الإحرام تلزمه الفدية، وإن بلغ الوقوف أجزأه عن حجة الإسلام، ولا يحتاج إلي استئناف الإحرام.
وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: ليس له حج شرعي، ولا ينعقد إحرامه به.
ولا يصير محرمًا بإحرام الولي عنه، ولكنه لو أحرم الولي عنه يتجنب ما يتجنبه المحرم امترانًا واعتيادًا، ولا تلزمه الفدية بارتكاب محظوراته، وهذا غلط لما روى ابن عباس، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بركبه في الروحباء، فقالوا: من القوم؟ فقالوا: المسلمون، فمن القوم؟ فمن القوم؟ فقالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعت إليه امرأة صبيًا لها من محفتها، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ فقال: "نعم، ولك أجر" 5، وقال السائب بن يزيد: حج بي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأنا ابن تسع سنين 6. وقال عقبة بن

عامر: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أحج بابني وهو مرضع أو صغير، قال: "نعم"، فإذا تقرر هذا، فالكلام في حج الصبي في ثلاثة فصول: في الإحرام منه أو عنه، وما يفعله بنفسه أو بغيره، والحكم في محظورات إحرامه، وقيل: في أربعة فصول، والرابع في النفقة عليه في حجه، فأما الإحرام عنه.
قال الشافعي: أحرم عنه وليه، والولي: الأبوان.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: ينعقد بالأبوين فقط والعلة في الولاية البعضية.
وبه قال أكثر أصحابنا البصريين وأشار إليه أبو إسحاق، [157/ب] وعلي هذت يصح من الجد والجدة من قبل الأب أو الأم، ولا يصح من الإخوة والأعمام.
وقال بعضهم: يعقد الأب والجد من قبل الأب، فإن لم يكونا، وله أم فعلى مذهب الاصطخري تنتقل ولايته المال إلي الأم إذا لم يكن له أب ولا جد فيجوز لها عقد الإحرام عنه أيضًا، وعلي قول سائر أصحابنا لا تلي الأم المال، فعلى هذا لا تحرم عنه كالأخ، وهو المذهب والعلة الولاية في المال، وعلى هذا لا يصح من الجدة أصلًا، ومن قال بهذا أحاب عن الخبر، فإن يحتمل انه أحرم عنه وليه، والأم وحملته لإتمام حجه.
ومن أصحابنا من قال: العلة، التعصيب، فلا يصح إحرام من ليس بعصبة عنه، وهو قول كثير من أصحابنا البغداديين، فعلى هذا لا يصح من الأم والجدة والجد أب الأم، ويجوز من الأخ والعم، ومن أصحابنا من قال: كل من له ولاية في ماله يحرم عنه سواء كانت الولاية بالتولية أو شرعًا، وهو مثل الأب والجد والوصي وأمين الحاكم، وأما الأخ والعم إن نصبه الحاكم وليًا عليه في المال، أو كان وصيًا من قبل الأب يحرم عنه، وإن لم يكن، كذلك فيه وجهان: أحدهما: له الإحرام عنه لأن له تأديبه والتصرف فيه بما يردي إلى مصلحته من حمله إلي الكتاب والحرفة وسماع الأحبار، وهذا أضرب من الولاية، فكذلك عقد الإحرام عليه.
والثاني: ليس له ذلك، لأنه يتعلق بالحج إنفاق المال والمسافرة به، فلا يجوز ذلك إلا لمن له ولاية تامة.
وقال القفال: لا خلاف في الأم أنه يجوز لها ذلك للخبر، ولا يجوز ذلك للأجنبي، وإن كان يلي المال بالوصاية [158/أ] والتولية من الحاكم قولًا واحدًا.
وقال في "الحاوي" 1: لا يجوز من أمين الحاكم بحال قولًا واحدًا، وفي وصي الأب وجهان: أحدهما: يجوز، لأنه ينوب عن الأب.
والثاني: لا يجوز، وهو الأصح لأنه لا يلي بنفسه ويختص ولايته بالمال كأمين الحاكم.
فَرْعُ إذا أحرم عنه وليه يجوز سواء كان الولي محلًا أو محرمًا، وسواء كان حج حجة الإسلام أو لم يحج ويفارق الأجير لا يحرم عن الغير، وعليه فرضه لأنه يصير الأجير حاجًا دون المستأجر وههنا الولي لا يصير حاجًا، بل يعقد النكاح والبيع له.
ومن

أصحابنا من قال: إذا أحرم وهو محرم، فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: لا يجوز منه ذلك لأن من كان في نسك لم يجز أن يفعله عن غيره ذكره في "الحاوي" 1. فَرْعُ آخرُ في كيفية إحرامه عنه وجهان.
قال البصريون: يقول عند الإحرام: اللهم إني قد أحرمت عن ابني، وعلى هذا يجوز أن يكون غير مواجه للصبي بالإحرام ولا مشاهد له إذا كان الصبي حاضرًا بالميقات.
والثاني، قاله البغداديون يقول عند الإحرام: اللهم إني قد أحرمت بابني، وعلى هذا لا يجوز أن يكون غير مواجه للصبي بالإحرام.
وأما حكم الأفعال فجملته أن كل ما يمكنه فعله بنفسه لا يجوز أن يفعل عنه، ولا يمكنه فعله بنفسه يفعل عنه.
أما الإحرام، فإن كان مميزًا أحرم بنفسه، ثم إن كان بإذن وليه، فلا إشكال في جوازه، وإن كان بغير إذنه اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: ينعقد إحرامه كما ينعقد صومه وصلاته.
وقال أكثر أصحابنا، [158/ب] وهو اختيار القفال، وأبي حامد لا ينعقد لأن هذا العقد يؤدي إلي لزوم ماله فيه، أو عند التحلل عن الإحصار، ولفظ الصبي لا يصلح للزوم.
وهذا الأذن إنما يصح من الولي الذي يصح إحرامه عنه إذا لم يكن مميزًا، وقد ذكرنا ذلك، وإن لم يكن مميزًا فقد ذكرنا أنه يحرم عنه وليه، وقد قيل: فيه وجه يحرم عنه وليه وإن كان مميزًا ولا يحرم هو وأما الوقوف والمبيت بمزدلفة ومنى، فلا يفعل عنه، لأنه ليس في أكثر من الحضور والوقوف، فكان المميز ومن لا تمييز له فيه سواء.
وأما الرمي، فإن كان يطبقه رمى بنفسه، وإن لم يطقه رمى عنه وليه علي ما بيناه في المميز المريض.
وقد روى جابر رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهللنا عن الولدان ولبينا عنهم ووقفنا ثم رمينا عنهم الجمار" 2. فَرْعُ آخرُ لو كان الولي محرمًا فرمى عنه، فإن كان هو رمى عن نفسه صح رميه عن الطفل، وإن لم يكن رمى عن نفسه صح ما رماه عن نفسه ثم يلزمه الرمي عن الصبي.
وفيه وجه آخر.
قد ذكرنا من قبل في نظير هذه المسألة.
وأما الطواف فإن كان مطيقا طاف بنفسه وإن لم يطقه طاف به الولى، فإن كان قد طاف عن نفسه، أو كان حلالًا أجزأه عنه، وإن كان محرمًا، ولم يطف عن نفسه فقد ذكرنا قولين.
وقال القفال: أصل [159/أ] القولين إن الطواف هل يفتقر إلى النية وجهان: أحدهما: لا يفتقر إلى النية حتى لو حصل طائفًا، وهو يطلب غيره بماله جاز، فعلى هذا يقع عنه.

فَرْعُ لو أركبه الولي دابته فطافت به لم يجز حتى يكون الولي معه سائقًا أو قائدًا، لأن الصبي غير مميز، ولا تصح العبادة من الدابة.
فَرْعُ آخرُ إذا طاف به فإن كانا محدثين لم يجز، وإن كان الولي محدثًا، والصبي متطهرًا لم يجز أيضًا، لأن الطواف بمعونة الولي يصح ولا يصح إلا بطهارة، وإن كان الولي متطهرًا والصبي محدثًا، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن الطواف بالصبي أخص منه بالولي، فإذا لم يجز أن يكون الولي محدثًا، فالصبي أولى.
والثاني: يجوز، لأن الصبي لو لم يكن مميزًا لا يصح منه فعل الطهارة تنوب عنه طهارة الولي كما في الإحرام، فيجوز أن لا يكون هو متطهرًا.
فَرْعُ آخرُ لو كان مميزًا يصلي خلف المقام ركعتين، وإن لم يكن مميزًا يلزم علي وليه أن يصلي عنه ركعتي الطواف، لأن ذلك مخصوصًا بجواز النيابة فيها تبعًا لأركان الحج.
فَرْعُ آخرُ لو طاف الولي به، وهو محرم، ونوى عن طواف نفسه وطوافه يجزئه عن طوافه وهل يجوز عن الصبي؟ فيه وجهان تخريجًا من القولين فيما لو كان عليه طواف فطاف، ونواه عن الصبي ذكره في "الحاوي" 1. وأما المحظورات وأحكامها، فإن تطيب أو لبس ناسيًا، أو جاهلًا، فلا شيء عليه، وإن كان عامدًان فإن قلنا: عمد الصبي خطأ، فلا شيء عليه أيضًا، وإن قلنا: عمده عمد ففيه الفدية.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه في [159/ب] "التقديم": لو ذهب ذاهب إلي أن الطيب واللباس لا يلزمه الفدية على الصبي كما لا يلزم علي الكبير عند الجهالة والنسيان، كان مذهبًا.
وأما إذا قتل صيدًا أو حلق شعرًا، فهل يستوي الخطأ والعمد فيه؟ ذكرنا قولين، فإن قلنا: يستوي، تلزمه الفدية به، وإن قلنا: لا يستوي، فالحكم مثل ما ذكرنا في الطيب واللباس.
وأما الوطء واللمس بالشهوة، فإن كان ناسيًا أو جاهلًا، كان كالبالغ الناسي والجاهل، وفيه قولان، قال في "القديم" يفسد حجة ويلزمه بدنة، وقال في "الجديد": لا شيء عليه، وإن كان عامدًا، فإن قلنا: عمده عمدًا، وهو الأصح فسد حجة ووجبت البدنة قولًا واحدًا، وإن قلنا: عمده خطأ، فعلى القولين على ما ذكرنا.
فَرْعُ إذا أفسدنا حجه بالوطء، هل يلزمه قضاؤه؟ فيه قولان منصوصان: أحدهما: يلزمه القضاء لأنا إذا جعلناه مفسداً لزمه المضي في الفاسد، ومن أفسد

الحج ولزمه أن يمضي في فاسدةً يلزمه القضاء.
والثاني: لا يلزمه ذلك، لأنه لا يجوز أن يتوجه عليه ابتداء فرض الحج لعدم التكليف، هكذا ذكر في "الحاوي" 1. والمسألة معروفة بالوجهين.
فرع آخر إذا أوجبنا القضاء هل يجوز في حال صغره؟ اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: يجوز وهو المذهب.
وقيل إن الشافعي رضي الله عنه نص عليه لأنه لما جاز أن يتعلق فرض القضاء بذمته قبل بلوغه جاز أن يصحّ منه فعله قبل بلوغه، ومنهم من قال: لا يجوز.
وبه قال مالك وأسد، وقيل؛ نص عليه في "الإملاء"، لأنه لا يجوز أن يؤدي الفرض قبل البلوغ.
وقال القاضي الطبري: فيه قولان: وهذا أظهر، وهذا [160/ أ] ينتقض المضي في فاسدةً، فإنه يلزمه في صغره.
فرع أخر إذا قلنا: يجوز أن يقضي في صغره فلم يقض حتى بلغ، أو قلنا: لا يجوز أن يقضي في صغره، فقضى بعد بلوغه يجزئه عن حجةَ الإسلام، نظر في التي أفدها، فإن كانت لو سلمت عن الفساد أجزأته عن حجةُ الإسلام مثل إن بلغ قبل فوات وقت الوقوف، فوقف فالقضاء.
يجزئه عن حجةَ الإسلام وإن كانت لو سلمت لم تجزئه عن حجة الإسلام مثل إن بلغ بعد فوات وقت الوقوف لا يجزئه القضاء عن حجةَ الإسلام، ولكنه إذا أحرم به انعقد عن حجةَ الإسلام، فيقع عن حية الإسلام، ويكون القضاء في ذمته.
فرع أخر إذا قلنا: على الصبي، كانت الفديةَ على التخيير، فإن أراد أن يصوم في صغره؛ هل يجوز؟ وجهان بناء على قضاء الحج في الصغير.
وأما حكم النفقةَ، فالقدر الذي كان يلزمه في الحضر في مال الصبيّ، وأما ما زاد عليه بسبب السفر نص في "الإملاء" أنه في مال الولي، لأنه الذي أدخله فيه، والحج لم يكن واجبًا عليه، ويفارق الإنفاق للتأديب من ماله، لأن بالصبي حاجةً إلى تعليم ذلك في صغره للاعتياد والامتران، فجاز أن ينفق من ماله في ذلك، وليس به حاجةً إلى تعليمه الحج في الصغر، لأن العادةَ أن من كبر يدعوه طبعه إلى مصاحبة [160/ أ] الرفقة والخروج إلى الحج، وتعلم المناسك، فلا حاجةً به إلى تعلم، ذلك في الصغر، فلا يجوز إنفاق المال عليه في ذك، وأيضًا الصبي إذا بلغ تلزمه الصلاةً على الفور، ولا يمكنه أن يؤديها إلا أن يكون قد تعلم ذلك بلوغه في الصغر، فجاز الاتفاق عليه لتعلمه ولا يستحق عليه أداء الحج عقيب البلوغ، لأنه على التراخي فيمكنه تعلمه بعد البلوغ، ولا يفوت ذلك، فلا يجوز الإنفاق عليه من ماله لتعلمه.
وبه قال مالك وأحمد ومن أصحابنا من قال: إنه من مال الصبي كأجرةُ تعليم القرآن، لأنه من مصلحته، وهذا ضعيف.
والفرق ظاهر، وقال القاضي الطبري: فيه قولان، وهذا

غريب، ولو أحرم بغير إذن الولي.
وقلنا: يصح.
وقلنا: إذا أحرم بإذن الولي كانتا الزيادةَ على نفقةُ المقام في مال الولي، فهنا إذا لم يرد الولي أن يحلله ينفق عليه قدر نفقةَ الإقامةً، فإن أمكنه آن يحج به يحج وإلا يتحلل، وعلى هذا لو أراد الولي أن يفتدي عنه بالمال، فالمذهب أنه لا يجوز، لأن المال فيه غير متعين، فلا يصرف ماله فها.
رفع حكم المجنون في هذا الباب حكم الصبي غير المميز.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز الإحرام عن المجنون بحال، وهذا كما أنه يزوج ابنه الصغير ولا يزوج ابنه المجنون إلا لحاجة ذكره والدي رحمه الله.
فرغ أخر لو أحرم مفيقًا، ثم جُن وجامع، فيه قولان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الأصح ههنا أنه لا يفسد إحرامه به، ولا تجب البدايةَ عليه بجماعةً الأنه لا أثر لأفعال المجنون في العبادات.

فرع آخر العبد المحرم [161/ أ] إذا وطاء عامدًا فسد حجّه المنصوص أنه يلزمه القضاء.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه القضاء، لأنه لا يلزمه الحج شرعًا، وهذا غلط، لأنه يلزمه الحج نذرًا، ويلزمه المضي فيه للتكليف.
فرع أخر إذا قلنا: يلزمه القضاء، هل يصح منه في حال رقّه المنصوص أنه يصحّ، وهو بالخيار بين القديم والتأخير.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح منه في حال رقّه.
فرع أخر إذا قلنا يصح منه في حال رقه وهل للسيد منعه منه؟ لم يكن أذن السيد في الأصل كان له منعه منه، وإن كان أحرم في الأصل بإذنه، فيه وجهان، والأشبه أنه لا يقضي بغير إذنه، لأنه أذن بالإحرام الصحيح دون الفاسد الذي يوجب القضاء، وفيه وجه آخر القضاء على التراض، فعلى السيد منعه منه وجهًا واحدًا.
فرع آخر إذا قلنا: لا يقضي في حال رقه، أو قلنا: يقضي في حال رقه، فلم يفعل حتى أعتق قضاه بعد العتق، ولكنه لا يقضي قبل حجّة الإسلام، لأنه ممن يصح منه حجّة الإسلام، فلا ينعقد له غيرها، فإن أعتق قبل التحلل منها، فإنه يمضي في فاسدةً ويكمله، ثم لا فرق بين أن يكون أفسد قبل العتق أو بعده في إذ عليه القضاء فإذا قفاه نظر، فإن كان الذي أفسده يجزئه عن حجّة الإسلام لو سلم عن الفساد مثل أن أعتق قبل فوات وقت الوقوف وقف قبل طلوع الفجر من يوم النحر بعد العتق يجزئه القضاء عن حجّة الإسلام فرع أخر لو أغمي على واحد من الرفقاء لا يجوز لرفقائه أن يحرموا عنه قولًا واحدًا، لأن

للمغمى عليه حالًا أحسن منا هو عليه، وإنما دخل [161/ب] عليه ذلك لعارض فكان بمنزلة النائم.
وفارق الصبي لأنه لا حال له أحسن مما هو عليه فجاز لوليه أن يعقد عليه الإحرام.
وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز للرفيق أن يحرم عنه، ويصير مُحرمًا بإحرامه عنه استحسانًا، لأنه علم منه الرضي بذلك عند المرافقة، وهذا غلط، لأنه لو أذن في ذلك صريحًا لا يجوز فكيف يجوز بدلالة الحال؟!.
فرع أخر قال والدي رحمه الله: لو أذن الأب لرجل أن يحرم عن ولد، الصغير، هل يجوز للمأذون له الإحرام عنه؟ وجهان: أحدهما: يجوز، وهذا إذا قلنا: لا يختص الآباء والأجداد وبالإحرام عنه.
والثاني: لا يجوز، وهذا إذا قلنا: الآباء والأجداد يختصون بهذه الولايةَ، وهو كما لو وكّل رجلًا أن يبيع ماله من ابنه الصغير يفعله كما يفعله الأب لا يجوز ذلك، لأن هذا يختص بكامل الشفقةً بأم الولاية.
فرع أخر قال أيضا: لو اعتقد صبي الكفر، فلم يحكم بكفره لكونه تابعًا لأبويه في الإسلام فحج، أو اعتمر معتقدًا الكفر، هل يصح حجّه أم عمرته؟ الأصح عندي أنه يجوز لأن اعتقاده لم يجعله كافرًا، وحكمه حكم المسلم يرث عن المسلم ويورث عنه، وليس الحج فيما يبطل بنيةَ الإبطال، فيجعل اعتقاده الكفر لنيةُ إبطاله، ويخالف الصلاةَ في هذا المعنى، وعندي أنه لا يصح ذلك لأن اعتقاده هذا أيضًا بنيةَ القربةً، فصار كما لو زى الإحرام نافيًا له إن قال في نيته: أحج ولا أحج ونحو ذلك.
مسالة 1: قال: وليس على الحاج بعد فراغه من الرمي أيام منى إلا وداع البيت.
الفصل إذا فرغ من رمي أيام منى، فإن [162/أ] كان مليًا أو غير مليّ، ولكنه يريد المقام بمكةً، فليس عليه طواف الوداع، لأنه يحثه لوداع البيت، فإذا كان مقيمًا لا يحتاج إلى الوداع، بان كان من غير أهل مكة ونوى الانصراف إلى بلده، فليس له أن ينفر حتى بوداع البيت بسبعةَ أطواف، ويصلي ركعتين لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا ينصرفون من كل جهةً، فقال: - صلى الله عليه وسلم - "لا ينصرفن أحد حتى يكون آخر عهد، بالبيت" 2. وقال الحارث بن عبداه بن أوس، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من حج هذا البيت أو اعتمر، فليكن آخر عهده بالبيت" 3، ولأنه يجب أن يكون آخر أعمال الحج بمكة وداع البيت عند الانصراف كما كان أول أعماله عند دخوله مكة تحيةَ البيت، ولا

جارٍ التحميل