باب وجوب النفقة للزوجة من كتاب النفقة
قال: قال الله تعالى: ?ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا? [النساء: 3]، أي لا يكثر من تعولون.
الأصل في نفقة الزوجات الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله: ?فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا [النساء: 3] فلولا أن النفقة واجبة عليه لهن ما ندبه إلى واحدة حذراً من المؤنة.
وأيضا قوله تعالى: ?وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]، وقوله تعالى: ?لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق: 7]، قُدِرَ [طه: 40] أي ضيق.
وأما السنة فما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم [ق 177 ب] فقال: يا رسول الله معي دينار فقال: أنفقه على نفسك فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على ولدك، فقال: معي آخر فقال: أنفقه على أهلك فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على خادمك فقال: معي آخر، فقال: أنت أعلم به، وروي: أنفقه في سبيل الله.
وروي أنه قال: «أنت أبصر» وروي أنه قدم الأهل، ثم قال: «أنفقه على ولدك» والرواية الأولى أصح.
وقال سعيد بن أبي سعيد المقبري: كان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث يقول: ولدك، يقول: أنفق علي إلى أن تكلني، ويقول زوجك: أنفق علي أو طلقني، ويقول خادمك: أ، فق علي أو بعني، وكان يقول: هذا من كيسي فذكر فيه جميع الجهات التي يستحق بها النفقة وهي الزوجة والقرابة والملك ولكن النفقة تجب في النكاح من جانب واحد فإنه يجب نفقتها على الزوج ولا تجب نفقته عليها وكذلك في الملك تجب للمملوك على المالك ولا تجب للمالك على المملوك وفي القرابة يتصور من الجانبين على البدل فإنها تجب للابن على الأب، وللأب على الابن.
وأيضاً ما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: جاءت هند أم معاوية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما
أخذت منه سرًا وهو لا يعلم فهل علي في ذلك من شيء فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فدل هذا على وجوب نفقة الزوجة والأولاد، وفي هذا الخبر فوائد:
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: أنه يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها لحاجة وتستفتي العلماء فيما يعرض لها.
والثالث: أن صوتها ليس بعورة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع كلامها [ث 178 أ] وأجابها.
والرابع: أن للإنسان أن يذكر ما في غيره من عيب عند الحاجة فإنها قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح ولم ينكر عيبها.
والخامس: أن للحاكم أن يحكم بعلمه فإنه لم يطالبها بالبينة ومن قال: لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه قال: هذا ذكر على سبيل الفتوى لا على الحكم.
والسادس: أنه قضى على الغائب وعندما يجوز ذلك خلافًا لأبي حنيفة وقيل: وهو الأشبه هذا لم يكن قصًا بل كان فتوى لأنه لم ينقل أن أبا سفيان كان غائبًا عن البلد ولم يسبق الدعوى وإقامة الحجة.
والسابع: أنه يجوز لمن له حق على غيره فمنعه من أن يأخذ من ماله بغير علمه.
والثامن: انه يجوز أن يأخذ من جنس حقه ومن غيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل ذلك عليها.
والتاسع: أن النفقة لها ولولدها تنفق بالمعروف.
والعاشر: أن نفقة الولد على الأب دون الأم.
والحادي عشر: أن الأم الرشيدة قيمة ولدها.
وقد اختلف أصحابنا في هذا وظاهر المذهب أنها لا تلي ذلك من غير تولية ولكن الأصح ما ذكره الإمام الجويني صاحب المنهاج وأنا أفتي به لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هندًا بأن تأخذ من مال أبي سفيان وتنفق على صغار ولدها منه.
فإن قيل: من جعل الأم قيمًا يجعلها فيما بعد موت الأب فكيف يحتج بخبر هند وأبو سفيان، يومئذٍ حي، قيل: إذا أجاز لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأخذ عند امتناع أبي سفيان وشحة ماله وتنفق وتقوم بمصلحة الأولاد التي لا يقوم بها أبوهم [ق 178 ب] استنبطنا من ذلك جواز قيامها بعد وفاة الأب.
فإن قيل: إنما جاز لهند القيام بنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها لا بمعنى الأمومة.
قلنا: الظاهر من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قصد الفتوى على ما ذكرنا.
وأيضًا روي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه، قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في المبيت فدل على وجوب النفقة والكسوة لها، وفي قوله: ولا تضرب الوجه دليل على
جواز ضربها على غير الوجه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب الوجه نهيًا عامًا في الآدمي والبهيمة، وقوله: ولا تقبح معناه لا يسمعها المكروه ولا تشتمها بأن تقول: قبحك الله ونحو ذلك.
وقوله: ولا تهجر إلا في المبيت أي لا تهجرها إلا في المضجع ولا تتحول عنها أو تحول إلى دار أخرى.
وأيضًا روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كفي بالمرء إنما أن يضيع من يعول".
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه، وفيه ضرب من العبرة وهو أن المرأة محبوسة عن الزوج بمنعها من التصرف والأسباب فلا بد من أن ينفق عليها كالعبد مع سيده.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن خبر أي سريره دليل على أن نفقة الرجل على نفسه مقدمة على نفقة زوجته وولده وخادمه، وأن نفقة ولده مقدمة على نفقة زوجته، وأن نفقة الزوجة مقدمة على نفقة الخادم في ظاهر الخبر إشكال [ق 179 أ] وهو أن يوهم أنه إذا أنفق على نفسه دينارًا لزمه أن ينفق بما فضل عن الدينار على زوجته وليس كذلك بل إذا ملك دنانير ونفقته تستغرقها لم يلزمه نفقة ولده، والقص من سؤال القائل وجواب رسول الله صلى الله عليه وسلم مراتب النفقات لا مقاديرها.
ثم اعلم أن إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي اعترض على الشافعي فقال ما قاله من التفسير في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] غلط ومعناه أي لا تجوروا بترك القسم بينهن والميل إلى بعضهن.
والدليل عليه قول الشاعر:
وميزان قسط لا يحيف شعيرة ووزان عدل وزنه غير مائل
يعنى: غير جائز، قلنا: الغلط ما قلت يقال عال يعول إذا فات.
وقال صلى الله عليه وسلم: "خير الصدقة عن ظهر غنى وليبدأ أحدكم بمن يعول" يريد بمن يموت.
وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ ذلك: أدنى ألا تعولوا أي لا يكثر من تعولون.
وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: عال يعول.
معناه: كثر عياله وأعال إذا كثر عياله وأعال في كلامهم أكثر.
وروي عن زيد بن أسلم مولى عمر رضي الله عنه أنه فسره بذلك فاتبع الشافعي فيه الأثر، وروي عن ثعلب مثل ما ذكرنا عن الكسائي.
مسألة:
قَالَ: "أَنْ يَقْتَصِرَ الرَّجُلُ عَلَى وَاحِدَةٍ".
الفصل:
إنما استحب الشافعي الاقتصار على امرأة واحدة ليكون أسلم لدينه وأبعد من الغرور فربما يقع فيما لا يمكن القيام بواجبه من النفقة والكسوة والقسم.
وقال ابن داود، وطائفة من أهل الظاهر الأولى [ق 179 ب] أن يستكمل نكاح الأربع إذا قدر على القيام بها ولا يقتصر على واحدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع نسوة، وقال صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا تكاثروا" وهذا غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصومًا من الميل والجور، وتضييع الحقوق بخلاف الأمة.
وأما قوله: "تناكحوا تكاثروا" إنما ندب على الاستكثار من النسل وذلك لا يتعلق بكثرة النساء، فقد يولد للرجل من المرأة الواحدة عدة أولاد ولا يولد من النسوة مثل ذلك.
وقال صاحب "الحاوي" أولى المذهبين عندي اعتبار حال الزوج، فإن كان ممن لا تقنعه الواحدة لقوة شهوته وكثرة جماعه فالأولى أن ينتهي إلى العدد المقنع من اثنتين أو ثلاثة أو أربع ليكون أغض لطرفه وأعف لفرجه إن كان يقنعه الواحدة فالأولى أن لا يزيد عليها وهذا حسن.
مسألة:
قَالَ: "وَفِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بَيَانُ أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ مَا لَا غِنَى بامْرَأَتِهِ عَنْهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَكُسْوَةٍ وَخِدْمَةٍ".
الفصل:
جملته أن على الرجل نفقة امرأته وكسوتها على ما يجيء بيانه فيما بعد إن شاء الله.
وأما الخادم فإن كان مثلها مخدومه في العادة لفضلها وجلالتها فعليه إخدامها، وإن كان مثلها لا يخدم لخساسها وضعه نسبها فليس عليه إخدامها بل يخدم نفسها والمرجع في هذا إلى العرف والعادة ولا يعتبر ما ترتب المرأة نفسها به، فإن كانت دنية فكبرت لم يجب عليه إخدامها، وإن كانت جليلة فتواضعت وخدمت نفسها لم يسقط إخدامها متى طلبته، فإن مرضت أو زمنت واحتاجت إلى من يخدمها وجب عليه إخدامها دنية كانت أو جليلة كما إذا كان له ابن صغير يلزمه نفقته، وأن يخدمه خادمًا، وقيل: يعتبر من كون المرأة مخدومة عرف الشرع وعرف البلد [ق 180 أ] فإن عادة أهل مصر الاستخدام وعادة أهل السواد أن يخدموا ولا يستخدموا.
وقال داود: لا يجب إخدامها لما روي أن فاطمة رضي الله عنها طلب من علي رضي الله عنه جارية فقال لها: اطلبي من أبيك صلى الله عليه وسلم فطلبت فلم يعطيها، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] وهذا من المعروف، ولأن الخدمة من جملة
كفايتها فأشبه الإدام.
وأما خبر فاطمة رضي الله عنها، قلنا كان زوجها في ذلك الوقت معسرًا وإنما يجب ذلك على الموسر.
واعلم أن الشافعي قبل إيجاب الخدمة ونفقتها وكسوتها بحالة زمانة الزوجة ومرضها، فقال: وخدمة في الحال التي لا تقدر على ما لإصلاح بدنها من زمانة ومرض إلا به، فأوهم أن الزوجة إذا كانت صحيحة البدن ليست بها زمانة ولا مرض فليس على الزوج أن يعطيها نفقة الخادمة.
ثم قال المزني: قال الشافعي في كتاب عشرة النساء أن يكون عليه لخادمها نفقة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها، وقال في كتاب العشرة أيضًا: إذا لم يكن لها خادم فلا يتبين أن يعطيها خادمًا ولكن يجبر على من يصنع لها الطعام الذي لا تصنعه هي ويدخل عليها ما لا تخرج لإدخاله من الماء وما يصلحها وما يجاوز به ذلك.
ثم قال: قد أوجب لها في موضع من هذا الكتاب نفقة خادم، وقال في كتاب النكاح: إملاءً على مسائل مالك والمجموعة، وقاله في كتاب النفقة، وهو أولى بقوله لأنه لم يختلف قوله أن عليه أن يزكي عن خادمتها فكذلك ينفق عليها، ومما يؤكد ذلك ولو أراد أن تخرج عنها أكثر من واحدة أخرجهم فتوهم المزني أن للشافعي قولين في وجوب نفقة الخادمة واختار لنفسه الإيجاب على أصل الشافعي.
واحتج بزكاة الفطر كما ترى فقال للمزني بهذا الجواب [ق 180 ب] يزول الإشكال والوهم، وأن نفقة الخادم واجبة إذا كانت مخدومة في عشيرتها ولهذا أوجب زكاة الفطر عنها على الزوج، وقد علمت أنها المزني أن زكاة الفطر تابعة للنفقة فلو اختلف قوله في وجوب نفقتها لاختلف قوله في وجوب زكاة الفطر عنها، وقد ذكرت أن قوله لم يختلف في وجوب زكاة الفطر عنها فكيف توهمت اختلاف قوله في وجوب نفقتها.
وأما تقييد الشافعي في كلامه بالمرض والزمان يحتمل معنيين:
أحدهما: أنه نص على أظهر الحالين من وجوب نفقة الخادم في حال صحة الزوجة وكثيرًا بنص الشافعي على أظهر الصورتين ولا يقصد الفرق بين الصورتين.
والثاني: أنها إذا كانت مريضة أو زمنة يحتاج إلى زيادة الخدمة ويستغني عن ذلك في زمان الصحة فأراد أن يبين وجوب المونة على الزوج في الخدمة لأنا، إن كنا لا نوجب على الزوج أجر طبيب ولا حجام فإنا نوجب عليه النفقة المعتادة في حالتي المرض والصحة أو قيل بحالة المرض تسوية بين المعسر والموسر، فإن امرأة المعسر في حالة المرض يستحق الخادمة أيضًا.
وأما قوله في كتاب عشرة النساء: "يحتمل أن يكون عليه لخادمها نفقة فليس في ذلك تعليق القول.
وقد ذكر الشافعي لفظ الاحتمال في مواضع ولم يقصد تعليق القول وكذلك قال في
مسائل كثيرة: ولا يتبين لي كذا وكذا ولم يقصد به القولين في المسألة، وقيل: أراد ويحتمل الكتاب والسنة أن يكون فيها دليل على وجوبها وإنما قال الشافعي عليه نفقة خادمها، إذا كانت مثلها تخدم والذي قال: لا نفقة عليها لخادمها أراد إذا كانت لا يخدم مثلها وزكاة الفطر على هذا أيضًا ولا فرق بينهما.
فرع:
كل موضع أوجبنا لها الإخدام [ق 181 أ] لا يزاد على خادم واحد لأن فيه كفاية في خدمة نفسها ولا تجب على الزوج إقامة من يحفظ مالها ويقوم بحملها، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: إذا كانت ممن يخدم في بيت أبيها بخادمين أو أكثر وجب لها لأنها تحتاج إلى ذلك وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف والمعروف خادم واحد، ولأن الزيادة على الواحد ما يحتاج إليه لمالها فلا يلزمه القيام به ولهذا لا يلزمه زكاة مالها ويلزمه زكاة بدنها ولا يفتقر هذا الحكم بفقر الزوج وغنائه إلا إذا كان فقيرًا ينفق نفقة المعسرين عليها وعلى خادمها.
فرع آخر:
قال أبو إسحاق: الزوج بالخيار بين أربعة أشياء: إما أن يشتري لها خادمًا ينفق عليه ويزكي عنه، أو يستأجر لها خادمًا ينفق عليه ولا يزكي عنه، أو يكون لها خادم، وقد رضيت خدمته وهي تريده فيلزم الزوج أن ينفق عليه ويزكي عنه، أو يخدمها بنفسه.
ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار من ثلاثة أشياء وهي ما ذكرناها أولًا فأما إذا أراد أن يخدمها بنفسه فإن رضيت فله ذلك، وإن كرهت خدمته وجب عليه أن يخدمها بغيره؛ لأن العادة أن المرأة تحتشم استخدام زوجها فتكون ضرر عليها، والأول أصح ولا يلزمه أن يملكها خادمًا بلا خلاف.
وقال القفال إذا قال: أخدمك بنفسي وأقوم بما لا تصنعين من كنس البيت وغسل الثياب واستبقاء البيت وغير ذلك فله ذلك إلا في أمور تحتشم من استخدامه مثل حمل الماء إلى المستحم وصب الماء على اليد للغسيل ونحو ذلك مما يرجع إلى خدمة نفسها فلها الامتناع لأنها تستحي من استخدامه في مثل ذلك، وهذا حسن لم يقله غيره.
فرع آخر:
لو قالت: أنا أخدم نفسي فأعطني أجرة الخادم لم يلزمه ذلك لأنها إذا لم تختر أن تترفه بخدمة غيرها ورضيت بتحمل المشقة سقط حقها [ق 181 ب] ولم تستحق العوض كما تقول في العامل في مال المضاربة له أن يبدل الأجرة للحمال والثقال والمنادي ولا يلزمه أن يتولى ذلك بنفسه، فإن رضي يتحمل المشقة وعمل ذلك بنفسه لم يجز له أن يأخذ من المال أجرته كذلك ههنا.
فرع آخر:
ينبغي أن يخدمها في جوف دارها النساء أو محرمها أو صبي لم يحتلم، وأما الشيخ الهم ومملوكها وجهان بناء على الوجهين في عورتها معهما.
فرع آخر:
لو أراد أن يستخدم لها من خالف دينها من اليهود والنصارى فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: يجوز لحصول الخدمة بهم ولأنهم ربما كانوا أذل نفوسًا وأسرع في الخدمة، وقال غيره: لا يجوز، لأن النفوس ربما تعاف استخدامهم وربما لم يؤمنوا العداوة الذين، ولو قيل: يجوز أن يقوموا بالخدمة الخارجة دون الداخلة كان وجهًا.
فرع آخر:
لو اختارت امرأة لخدمتها واختار الزوج غيرها فيه وجهان:
أحدهما: الخيار لها، لأن الخدمة حق لها وربما كانت التي تطلبها أقوم بخدمتها.
والثاني: الخيار إلى الزوج لأن عليه الإخدام فلا يتعين عليه الجهة نفقتها ولأنه قد يتهم من تختاره المرأة فكان الاختيار إليه.
فرع آخر:
لو كانت عندهم خادمة حرة أو مملوكة لها فأراد الزوج إخراجها وإبدالها بغيرها فليس له ذلك إذا لم يكن بها عيب أو ظهرت بها خيانة توجب ذلك لأنا لو ملكناه من ذلك فكلما ألفت خادمًا واعتادت خدمتها أبدلها فيلحقها ضرر فيه، ولو كان لها غلام له أن يخرج عنها أكثر من واحدة فيقول: لا أدعهن في بيتي وكذلك لو كان لها مال في بيته له أن يكلفها إخراجه من بيته بغير أمره فله أن يكلفها إخراجه من بيته، ذكره القفال وهو حسن صحيح.
مسألة:
قَالَ: "وَيُنْفِقُ المُكَاتَبُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ".
[ق 182 أ] صورة المسألة أن يشتري لها كانت جارية للتجارة، وقلنا له: أيطأها لأنه ليس له أن يطأ الأمة تملك اليمين أذن السيد أو لم يأذن في أصح القولين فخالف ووطئها وأولدها لا يجب الحدّ عليه لشبهة الملك ويلحق به النسب ويكون الولد مملوكًا له فيلزمه أن ينفق عليه معنيين:
أحدهما: أنه مملوك له ويلزمه أن ينفق على مماليكه الذين اشتراهم كذلك على هذا.
والثاني: أنه ليس له الإنفاق عليه تعزيرها في يده من المال لأنه لا يخلو إما أن يعتق أو يرق، فإن عتق المال الذي في يده له، وقد أنفق منه على ولده، وإن عجز ورق فهو وولده مملوكًا للسيد وما في يده من المال ملك السيد فكأنه أنفق من مال السيد على عبيده فلم يكن فيه تعزي ربه.
فرع:
لو وهب للكاتب أبوه أو ابنه وهما كسوبان فله أن يقبل، فإن كان زمنًا أو غير كسوب أو الولد صغيرًا فليس له أن يقبل فإن اتهب ابنه الكسوب فمرض فعليه أن ينفق من مال الكتابة كما لو مرض المكاتب بنفسه أنفق على نفسه من ذلك.
ذكره القفال.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ مُكَاتَبَةٍ وَلَيْسَ كِتَابُهُمَا وَاحِدَةً وَلَا مَوْلَاهُمَا وَاحِدًا وَوَلَدَ لَهُ فِي الكِتَابَةِ أَوْلَادٌ فَنَفَقَتَهُمْ عَلَى الأُمِّ".
الفصل:
جملة هذا أن المكاتب يلزمه أنه ينفق على ولده من أمته على ما ذكرنا، فأما ولده من زوجته فلا يلزمه أن ينفق عليه سواء كان من الحرة أو الأمة أو من المكاتبة وإنما قلنا إنه لا ينفق على ولده من امرأته الحرة، لأن الولد حر فلو أوجبنا عليه الإنفاق كان ذلك نفقة الأقارب وذلك يجب على طريق المواساة وليس المكاتب من أهل المواساة وأيضًا فإنها تجب على المؤسر والمكاتب معسر لأن ما في يده من المال يتعلق به [ق 182 ب] حق السيد حتى يؤدي على ما عليه ويعتق، وأما ولده من امرأته فلا يلزمه أن ينفق عليه لهذين المعنيين، وأيضًا فإن ولده منهما مملوك لغيره إن عجز كان المال للسيد فيكون قد أنفق منه على غير مملوكه والمكاتب ممنوع من التعزير بالمال.
فإن قيل: أليس فيه أن ينفق على زوجته مما في يده فما الفرق قيل: الفرق أن نفقة الزوجة طريقها المعاوضة والمكاتب في المعاوضة كالحر وليس كذلك نفقة الولد لأنها مواساة وليس المكاتب من أهل المواساة مما في يده.
فإذا تقرر أن المكاتب لا ينفق عليه فإن كان ولد حرة وجب على الأم أن تنفق عليه لأن الأب إذا لم يتحملها وجب على الأم تحملها، وإن كانت أمة مملوكة لغير سيده فنفقته على سيد الأمة لأنه مملوك له، وإن كانت أمة مكاتبة لغير السيد فيه قولان:
أحدهما: أنه مملوك للسيد فيلزمه أن ينفق عليه.
والثاني: أنه موقوف على عتق الأم ورقها فعلى هذا هل تجب النفقة على السيد أو المكاتبة قولان:
أحدهما: تجب على السيد لأنه لما لزمه أن ينفق على ولد أم ولده فكذلك يلزمه على ولد مكاتبته.
والثاني: يجب على المكاتبة لأن نفقة نفسها لما وجبت عليها فكذلك نفقة ولدها وليس كذلك أم الولد، قال نفقتها على سيدها فكذلك تنفقه ولدها وهذا أصح، وإن كانت أمة مملوكة لسيده لا يلزمه أن ينفق عليه لما ذكرنا فإن أحب أن ينفق عليه كان له لأنه ليس فيه تعزير بما في يده من المال لأنه إن عجز رق وكان المال لسيده وهو وولده مملوكان له فيكون قد أنفق من ماله [ق 183 أ] على مملوكه، وإن عتق يكون المال له فكأنه أنفق على ولده الحر من مال نفسه ولهذا اشترط الشافعي أن لا يكون مولاهما واحد فإنه لا يجوز الإنفاق عليه هناك كما لا يجب وههنا يجوز، وإن لم يجب.
وأما قوله: وليس كتابتهما واحدة إنما ذكر لأن كتابة عبد ربه في عقدة واحدة فوجب بلأن العقدين، وإذا كانت الكتابة فاسدة فلا يكون الولد تابعًا فيها فأراد أن يعبر عن الكتابة الصحيحة، وقيل: قصد به الرد على مالك فإنه قال: إذا كانت كتابتهما واحدة ومولاهما واحد ملزم النفقة على الأب، ولم يذكر الشافعي هذا على وجه الشرط على مذهبه، وهذا لأن الولد تبع الأم في الحرية والرق سواء كانت الكتابة واحدة أو لم تكن الكتابة واحدة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَيْسَ عَلَى العَبْدَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ".
العبد القن أضعف حالًا من المكاتب وقد ثبت أن المكاتب لا يلزمه نفقة ولده من امرأته فالعبد أولى وحكم نفقة الولد على من تجب على ما ذكرنا إذا كانت المرأة حرة أو أمة للغير.
باب قدر النفقة
مسألة:
قَالَ: "النَّفَقَةُ نَفَقَتَانِ نَفَقَةُ المُوسِعِ وَنَفَقَةُ المُقْتِرِ".
الفصل:
نفقة الزوجة معتبرة بحال الزوج، فإن كان موسرًا لزمه نفقة الموسرين سواء كانت المرأة موسرة أو مقترة، وإن كانت مقترًا لزمته نفقة المعسرين سواء كانت المرأة موسرة أو
معسرة لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] فاعتبر حال الزوج وخالف بين نفقته موسرًا أو معسرًا.
فإذا تقرر هذا فإن كان الزوج معسرًا فنفقتها مد، وإن كان متوسطًا فنفقتها مد ونصف، وإن كان موسرًا فنفقتها مدان، وإنما قلنا هكذا لأن المد أقل ما يجب في الكفارات والمدان أكثر ما يجب وهو في فدية الأذى وجعلنا المتوسط بينهما فزدنا على ما يجب على المعسر ونقصنا مما يجب على الموسر، وقول الشافعي: والنفقة نفقتان أراد به ما ثبت بالنص وهو نفقة الموسر والمعسر.
فأما نفقة المتوسط ثبتت بالاجتهاد، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا تتقدر النفقة هكذا بل يلزم كفايتها وللحاكم أن يزيد على المدين وينقص على المد على حسب زيادتها وزعتها في الأهل وله التسوية بين الغني والفقير.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] والمعروف: الكفاية ولأنه سوّى بين النفقة والكسوة، ثم الكسوة تعتبر بحالها فكذلك النفقة، وهذا غلط لما ذكرنا من الآية.
وأما ما ذكر لا يصح لأن المعروف مجمل وفسره في......
وأما الكسوة فلا يقع فيها التنازع والتفاوت بخلاف النفقة فيعتذر لقطع التنازع، وقال أحمد: تعتبر بحال الزوجين فعلى الموسر للفقيرة نفقة متوسط.
وأما جنس النفقة فيعتبر بغالب قوت البلد، فإن كان بخراسان أو بالعراق فمن البر وإن كان بطبرستان فمن الأرز، وإن كان بالمدينة وحواليها فمن التمرد وهو كما قلنا في زكاة الفطر والكفارات يعتبر فيها غالب قوت البلد.
ومن أصحابنا من قال: بغير قوته كما يعتبر مقدارها بحاله، وهذا غلط، لن الكفارة وزكاة الفطر [ق 184 أ] تعتبر بحال المكفر والمزكي أصلهما ويعتبر جنسهما بغالب قوت البلد كذلك ههنا، فإذا ثبت هذا فالواجب أن يدفع إليها الحب نفسه، لأن ذلك سيئ على الكفارة في المقدار والجنس فكذلك يبني عليها في وجوب تمليك الحب، فإذا أرادت المرأة قيمة الحب، واجتمع الرجل أو أراد الرجل القيمة وامتنعت المرأة لم يجبر الممتنع منهما عليه، وإن تراضيا جميعًا على قيمة الحب فهل يجوز وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأن الذي وجب في ذمة الطعام، ومن كان له طعام في ذمة غيره لم يجز له أن يأخذ قيمته لأنه يكون مع الطعام قبل القبض ألا ترى أنه لو كان له في ذمته طعام من سلم فتراضيا على أخذ قيمته لم يجز لما ذكرنا، ولأن النفقة كالكفارة، وقد تقرر في الكفارة أنه لا يجوز إخراج قيمة الحب فكذلك ههنا.
والثاني: يجوز وهو اختيار أبي إسحاق وهو المذهب؛ لأن النفقة إنما وجبت في ذمته على طرق الرفق فجاز أخذ قيمته بالتراضي كما لو كان عليه الطعام من جهة القرض ولأن الطعام إذا وجب مستقرًا في الذمة جاز قيمته مثل القرض والميراث، وإذا لم
يكن مستقرًا لا يجوز مثل البيع والمسلم فيه، فإن البيع يجوز أن يتلف قبل القبض فينفسخ البيع ويجوز أن يتقطع المسلم فيه فينفسخ السلم ويسقط الطعام من الذمة وههنا الطعام مستقر في الذمة والمستحق آدمي معين فجاز أخذ العوض عنه ولا يشبه هذا الكفارة لأن الفقير الذي يستحقه غير معين وهو حق الله تعالى فلا يعمل فيه بالتراضي بينهما.
وأما إذا خلف الدقيق أو الخبز عوضًا عن الواجب لها، قال بعض أصحابنا: لا نص فيه والقياس أنه لا يجوز ذلك [ق 184 ب] لأنه يكون بيع الحنطة بجنسها متفاضلًا، وهذا صحيح عندي، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان فظاهر المذهب جوازه، وهو غلط.
وأما نفقة الخادم، فإن كان موسرًا فنفقته مد وثلث ثلثا نفقة الزوجة، وإن كان معسرًا أو متوسطًا فنفقته مد وإنما لم يزد على مد عند التوسط لأنه لم يوجد سعة كاملة يوجب للخادم زيادة.
وذكر بعض أصحابنا أنها على المتوسط مد وثلث.
وهو غلط لا تحكى.
فإن قيل: فقد سويتم بين امرأة المعسر وبين خادمتها فأوجبتم لكل واحد منهما مدًا واحدًا قلنا: القياس يقتضي أن يكون للخادمة عند إعساره ثلاثًا مد كما قلنا لامرأة المتوسط مد ونصف وللخادم مد واحد وهو ثلثا ما جعلناه للمرأة إلا أن المد الواحد لا يحتمل التبعيض لأنه أقل ما يقوم به البدن فكلمناه وهذا كما قلنا القياس أن تكون عدة الأمة بقرء ونصف إلا أن القرء الواحد لا يحتمل التنقيص فكملناه قرءين.
فإن قيل: فمن أين أخذتم تقدير نفقة الخادم بمدٍّ وثلث عند يساره ونفقة المرأة بمدين قيل: إنما أخذه الشافعي من الميراث وهو أن للأب على الأم فضل في الميراث كما للزوجة ههنا على الخادم فضل في النفقة، ثم هناك حالتان حالة النقصان وهو إذا كان للميت ابن وحالة التفضيل وهو إذا لم يرثه إلا أبوه ففي حالة النقصان استوى الأبوان فلكل واحد منهما السدس، وفي حالة السعة والزيادة يزيد على هذا السدس مثلًا ما زيد للأم فإنه بلغ نصيب الأب الثلثين ونصب الأم الثلث فكذلك ههنا زيد للمرأة في حال الكمال مد على ما كان في حال النقصان وزيد للخادم وثلث مد وعند [ق 185 أ] الإعسار استويا كما استوى الأبوان هناك في السدس.
ومن أصحابنا من قال: أخذ نفقة الموسر من نفقة المتوسط لأن هناك للمرأة مدًا ونصفًا وللخادم مدًا ففي حالة اليسار يجب أن يكون للخادم أيضًا ثلثا ما للزوجة وذلك مد وثلث.
فرع:
إذا أعطاها الحب على ما ذكرنا، قال القفال: يلزمه أن يعطيها مونة إصلاحه للطحن والحر أو يكفيها إصلاحه.
وقال في "الحاوي": إن كانت عادة أمثالها أن يتولوا طحن أقواتهم وخبزها بأنفسهم
كأهل السواد كان مباشرة طحنه وخبزه عليها دون الزوج وإن لم يكن كذلك كان الزوج بالخيار بين أن يدفع إليها أجرة الطحن والخبز وبيم أن يقيم لها من يتولي صحنه وخبزه.
مسألة:
قال: " ومَكيلَةٌ منْ آدَمَ بلِاَدِهِا زَيْتاً كَانَ أَوْ سَمْناً".
قد ذكرنا الكلام في القوت والكلام الآن في الإدام، وهو واجب أيضاً لأن الله تعالي أمر برزقهن وكسوتهن بالمعروف، ومن المعروف أن يعطيها مع القوت إدماً، لأنه في الخبز البحث مضرة ومشقة.
وقد قال ابن عباس في تفسير قوله تعالي: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [الماَئدة: 89] الخبز والزيت.
وقال ابن عمر: الخبز والسمن والخبز والزيت، والخبز والتمر ثم الاعتبار في الإدام بغالب أدم البلد كما قلنا في القوت، فإن كانت بالشام فمن الزيت، وإن كانت بالعراق فمن الزيت والشيرج لأنهما جميعاً ما يقدم ثم الإدام فير مقدر وإنما هو علي حسب كفايتها في العادة والفرق بينه وبين القوت حيث جعلناه مقدراً وإنما هو عاي حسب كفايتها في العادة والفرق بينه وبين القوت حيث جعلناه مقدراً لأن للقوت أصلاً في التقدير وهو في الكفارات فحملنا وليس كذلك الإدام [ق 185 ب] لأنه لا أصل له، وقول الشافعي لها مكيلة من الإدام لم يرد به التقدير بل أراد لها مقدراً من الإدام باجتهاد القاضي، يلزم القاضي أن يجتهد حتى يضعف ذلك القدر لامرأة الغني، فإن فرض لامرأة الفقير أو فيه من دهن وهي أربعون درهماً فرض لامرأة الموسر وقيتين وفرض لامرأة المتوسط أوقية ونصفاً وقيل: المكيلة تقارب الأوقية.
فرع:
أدم خادمتها من أدم المخدومة وقدرة علي قدر قوتها وهل تساوي المخدومة في الجودة.
اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يساويهما في ذلك كما يجب طعامها من جنس طعام المخدومة، ومنهم من قال: إنها دونه في الجودة، ن فإذا كان للمخدومة زيت جيد فرض للخادم زيت دون لأن هذا هو العرف في الإدام والعرف في الطعام أن يكون من جنس طعامها وهذا هو المنصوص.
قال هذا القائل: وعلي هذا إذا أعطي المخدومة حنطة جيدة كان له أن يعطي الخادم حنطة دونها في الجودة.
مسألة:
قال: " وَيُفرْضُ لهَا فِي دُهْنٍ وَمُشْطٍ أَقَلُّ مَا يَكْفِيهَا".
جملته أن الزوجين بمنزلة المتواجدين لأن الزوج يملك الزوج منفعة المرأة بعوض كما أن المستأجر يملك منفعة الدار بعوض، وقد ثبت أن كل مونة تلزم في حفظ أصل الدار ورقبتها فإنها علي الأجر من بناء ما استهدم وإدخال جذع انكسر وبناء حائط وقع وكل ما يحتاج إليه التنظيف الدار وتزينها فهي علي المستأجر مثل كنس الدار وغسلها، فعلي هذا كل ما يحتاج إليه للتنظيف والزينة فهو علي الزوج مثل المشط والطييب والدهن [ق 186 أ] لرأسها ونحو ذلك.
فرع:
يعتبر الخرف في الدهن للرجل الشعر فمن البلاد ما يدهن أهله بالزيت كالشام فهو المستحق ومنها بالشيرج كالعراق فهو المستحق ومنها المطيب بالورد والبنفسج فهو المستحق ووقته كل أسبوع مرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ادهنوا بذهب البؤس عنكم والدهن في الأسبوع بذهب البؤس.
فرع آخر:
الكحل للزينة كالإثمد علي الزوج إن طلبته وما كان للدواء علي الزوجة، وأما الحناء إن لم يطلبه الزوج لا يلزمه ولا يلزمها، وإن طلبه الزوج وعليها ووجب علي الزوج مؤنته.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لعن السلتا والمرها.
فالسلتا: التي لا تخضب.
والمرها: التي تكتحل فيعل ذلك إذا كرهت زوجها فيفارقها.
فرع آخر:
الطيب إن كان مرسلاً سوله الجسد يستحق علي الزوج لها لأنه مراد للتنظيف وما كان للالتذاذ لا يلزم، وقيل الشافعي من دهن ومشط بفتح الميم وأراد بالمشط آلة المشط آلة المشط من الأفايه والغلسة إذا كان ذلك من عرف بلادهم.
فرع آخر:
لو كانت عادتها دخول الحمام مجب أجره الحمام عليه لأنه يرد للتنظيف وإن لم تجر عادتها بذلك لا يجب عليه وهو في أهل القرى وذلك في أهل المصر.
وقال في "الحاوي": يجب في المصر في كل شهر مرة ليخرجن به من دنس الحيض الذي يكون في كل شهر مرة في الغالب.
فرع آخر:
لو أردت أن تصرف ما قبضه من النفقة إلي ما يضرها وينقص بدنها هل له الاعتراض عليها فيه وجهان [ق 186 ب] والصحيح، عندي أن له ذلك.
مسألة:
قال: "وَلَيْسَ ذَلَكَ لخَادِمَهَا لأنَّهُ لَيْسَ بِالمعْروفِ لهَا".
أراد ليس لخادمها الدهن والمشط لأن ذلك إنما يراد للزينة والخادمة لا تزين في العادة بل يكون شعثة ولأن لها أن لا تتزين لأنها لا تحل للرجل.
وقال القفال: إنما لا يلزم لها ما يراد به التزيين واستمالة قلب الرجل فأما ما لابد منه بحيث إذا لم يكن تأذن بالوسخ والهوام يلزم الخادم أيضاً، وهذا صحيح والخادم يستحق الدواء لأنه من حقوق الملك، فإن كانت ملكاً له فعله ذلك وغن كانت ملكاً لها فعليها.
مسألة:
قال: وَقِيلَ فِي كُلَّ جُمْعةٍ رَطْلُ لحْمٍ".
جملته علي الزوج أن يطعم زوجته اللحم؛ لأن العادة جارية به ويعطيها في كل أسبوع يوماً إن شاء في كل يوم جمعة، وإن شاء في غيره ولكن الأفضل ما ذكره لأنه عرف عامة الناس.
وقال أصحابنا: وإنما قال رطل لحم علي عادة مصر؛ لأن اللحم يغريها فأمّا في الموضوع الذي يرخص فيه اللحم يفرض لها أكثر من ذلك والمراد بهذا القدر أيضاً امرأة المقتر، فأما امرأة الموسر فلها رطلان في كل جمعة ولا مرأة المتوسط رطل ونصف، لأن الشافعي قال بعد هذا ومن اللحم والأدم ضعف وما وصفت لامرأة المقتر وقيل: الموسر هو الذي يقدر علي نفقة الموسرين في حق نفسه، وفي حق كل من يلزمه نفقته من كسبه لا من أصل ماله المقتر هو الذي لا يقدر أن ينفق من كسبه علي نفسه وعلي من يلزمه نفقته [ق 187 أ] إلا نفقة المعسرين، وإن زادت عليها كانت من أصل ماله لا من مكسبه والمتوسط هو الذي يقرر أ، ينفق من كسبه علي نفسه وعلي من يلزمه نفقته نفقة المتوسطين، فإن زادت عنه كانت من أصل ماله، وإن نقص عنها من كسبه فيكون اليسار والإعسار معتبراً بالكسب في وجوب النفقة ولا يعتبر بأصل المال كما في الكفارات.
[ذكره] في الحاوي.
فرع:
الخادم هل يستحق اللحم، قال أبو حامد: ينبني علي الوجهين في أدامها، فإن قلنا لها منىدم الزوجة فلها اللحم أيضاً، وإن قلنا إنه دونه في الجودة فلا يعطيها اللحم.
وقال بعض أصحابنا خراسان: لأن يستحق الخادمة اللحم وجهاً واحداً ولكن العادة جارية أن المخدومة تغترف خادمتها من مرسها إذا طبخت لحمها وتعطي لإصلاح اللحم ما يحتاج إليه من الحطب وغيره.
مسألة:
قال: "وَفُرِضَ لهَا مِنَ الكُسْوةِ مَا يُكْتَسِي مثْلهَا ببِلَدهَا".
الكسوة واجبة علي الزوج لقوله تعالي: ﴿وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الَبقَرةَ: 233] لأن قوام بدنها بالكسوة كما أن قوامها بالنفقة وكانت واجبة لها، فإذا ثبت هذا فإنها معتبر بكفايتها وليست بمقدرة لأنه ليس إما أجل مقدر في الشرع فاعتبر بالكفاية.
ثم الكلام فيها ثلاثة فصول في عددها وقدرها وجنسها:
أما العدد فعليه في الصيف أربعة قمص وسراويل ومصعة وما تلبسه في الرجل من نعل أو شمشك أو غيره.
وأما الخادمة فتعطي قميصاً ومقنعة وخفاً فجعل الشافعي للخادمة خفاً [187 ب] ولم يجعله للمخدومة وجعل للمخدومة السراويل ولم يجعله للخادمة، وإنما كان كذلك لأن السراويل يراد للزينة أو لستر العودة والخادمة لا تتزين.
وأما ستر العورة فإن ساقها ليس بعورة وما هو عورة منها فإن القميص يستره والخف أيضاً يستر ساقها، وأما الخف فإنها تخرج في الحوائج إلي التسوق فلا بد لها من الخف والمخدومة لا تحتاج إلي الخروج فلا حاجة بها إلي الخف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المعروف أن يعطي الخامة السراويل أيضاً ولعله أعرض عن ذكره اعتماداً علي العرف والعادة في مثله، وهذا أصح عندي، وقال في " المنهاج".
إنما ألزم الشافعي السراويل للمرأة في البرد ولم يلزمه ذلك في الصيف لأنه قال في المختصر ويفرض لها في الصيف قميص وملحفة ومقنعة ولم يذكر السراويل، وفي كسوة الشتاء للبرد ولذلك ألزمه لها في الشتاء خماراً ومقنعة ولم يلزمه في الصيف سوي المقنعة للمعني الذي ذكرناه من دفع البرد.
وقال في "الحاوي": إن كانت عادة البلد في السراويل فالسراويل، وإن كانت العادة المئزر دون السراويل فالمئزر، وإن كانت السراويل أستر، وإن كانت من سكان القرى لا تلبس السراويل ولا المئزر، ففي تركه هتك عورة يؤخذ بها في حق الله تعالي جميع النساء فيؤمر بذلك، وقال في مدارس الرجل إن كانت في موضع يئزرون ولا يتقمصون كأهل البحر سقط القميص في حقه وكساه مئزراً، وفي الأمة يقتصر علي المئزر [ق 188 أ] وإن ألفوه لأنه يبدي من جسدها ما يغض عنه الأبصار، وإن لم يكن عورة فيعطيها قميصاً وقناعاً، ويحتاج مع ذلك إلي ملحفة إذا خرجت في الشتاء.
قال الشافعي: تعطي في الشتاء القميص والسراويل وجبة مخمرة ومقنعة وما تلبسها في رجلها، فزادها في الشتاء الجبة وهذا فر يختلف فيه أصحابنا وأما القميص والسراويل والمقنعة فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إ، ما ذكر الشافعي ذلك إذا كان الذي أعطاها في الصيف قد أخلق فأما إذا كان القميص والسراويل والمقنعة باقياً فلا يعطيها في الشتاء غير الجبة وهو الصحيح.
ومن أصحابنا من قال: يحدد لها في الشتاء ذلك، وأما الخادمة فإنه يعطيها في الشتاء جبة صوف وكساء تلتحفه يد فيها مثله ويختلف ذلك باختلاف البلدان في حرها وبردها.
وأما قدر الكسوة فإنه علي قدر كفايتها ويختلف بطولها في حرها وبردها ويخالف النفقة فإن لها أصلاً في التعزيز وهو في الكفارة بخلاف الكسوة.
وأما جنسها قال الشافعي: يعطيها إذا كان موسراً لبس البصري أو الكوفي أو وسط بغدادي، وإذا كان معسراً يعطيها غليظ البصري أو الكوفي، ويعطي خادمه الموسر غليظ البصري أو الكوفي وخادمه الكرباس وهو المال يلف الغليظ.
قال أصحابنا: إنما اعتبر الشافعي هذا في ذلك الوقت قلنا، وفي وقتنا هذا يعتبر ما جرت به عادة مثلها، فإن كان مثلها يكتسي [ق 188 ب] بالخز والديباج والتوري والستري وأعطاها قيل لأبي إسحاق لم لم يفرض الشافعي لها بقصر القصب والشرب وهو عادة البلد وعرهم في الكسوة فقال: لأنه لم بفرض لها إلا قميصاً واحداً، وذلك إذا كام سرياً يصف ما تحته، ويمنع جواز الصلاة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: " لعن الله الكاسيات العاريات" فإن كان منه غليظ من مرتفع الكتان الديبقي أعطاها منه وعلي هذا يفرض لها في جبة إبريسم من الديباج والحرير وما يختص ببلدها وفرض امرأة المتوسط الوسط من ذلك ودون ذاك الزوجة المقتر.
وأما ما تتغطي به في الصيف والشتاء، قال الشافعي: تعطي الزوجة في الشتاء قطيفة أو لحافاً وتعطي الخادمة عباءة أو كساء عليها وفي الصيف ملحفة وهي الإزار أو وسادة.
فرع:
يلزمه أن يدفع الكسوة ثياباً دون الثمن وعليه أن يخبط ما تحتاج إلي خياطته.
فرع آخر:
لو باعت الكسوة بعد قبضها من الزوج صح البيع وملكت الثمن، وقال ابن الحداد: لا يجوز لها بيعها ولا يجوز لها الاستبدال، وهذا لا يصح لأنه لا يجوز أن يكون في ملك الزوج، لأنه لا يسترجعها فثبت أنها ملكها فجاز لها بيعها.
فإن قيل: لا يملك الكسوة كما لا يملك المسكن، وهذا لا يصح لأنه يلزمه تسليم الكسوة إليها ولا يلزمه تسليم المسكن لأنه يسكنها معه فافترقا ولأنه لو أراد أن يكتري لها ثياباً لم يلزمها الإجابة بخلاف المسكن ويحتمل أن لا يعلم أبراه.
فرع آخر:
لو أرادت بيع الكسوة وشري ما هو أدون منها لم يكن لها بخلاف القوت الإدم.
والفرق أن للزوج حق الاستمتاع في زينة ثيابها فمنعت من يعتبرها [ق 189 أ] بخلاف قوتها.
وقال أبو إسحاق لها بيعها وشري ما هو أدون منها كما في القوت، وهذا لا يصح والفرق ظاهر.
فرع آخر:
لو لم يعتادوا في الصيف لنومهم غطاءً غير لباسهم لا يلزمه شيء آخر، وقد ألف الناس في زماننا أن يكون جهاز المنازل علي النساء ولا يصير ذلك عزفاً معتبراً كرشوة النساء والأزواج في بعض البلاد.
فرع آخر:
قال في " الحاوي": من الناس قوم تتساوي كسوتهم وكسوة عبيدهم كفقراء البوادي فيكونوا سواء ولا يزاد.
فرع آخر:
البدوية كالخصين به في النفقة ولكنها ربما يقتات البلوط والأقط وتلبس الشعر فيعتبر ذلك.
فرع آخر:
قال: وإن كانت رغبية لا يجز بها هذا دفع ذلك إليها من ثمن أدم ولحم ما شاءت
في الحب، وإن كانت زهيدة زيدت فيما لا يفوتها من فضل الملكية.
أراد بالرغبية: كثيرة الأكل والزهيدة: قليلة الأكلة أو يعبر بأن الرغبية الأكولة والزهيدة المتنوعة، وجملته أنها إذا كانت كثيرة الأكل لم نوجب علي الزوج المعسر أكثر من المد الواجب ولكن عليها أن تصرف بعض إدامها إلي الخبز إذا لم يشبعها الحب المفروض لها، وإن كانت قليلة الرغبة في الخبز كثيرة الرغبة في الفواكه وأنواع الإدام لم نوجب عليه زيادة في الإدام علي ما ذكرنا ولكن عليها أن تصرف بعض الحب إلي زيادة إدام وقيل: قصد بهذا الفصل أن يبين أمرين:
أحدهما: أن نفقة الزوجة مقدرة ولا يعتبر كفايتها خلاف قول أبي حنيفة.
والثاني: أن النفقة إذا وصلت إليها فلها أن تتصرف فيها [ق 189 ب] بالبيع وغيره ولا تكون محجورة فيها.
فرع:
قال في "الحاوي": إذا نقص المدعي كفايتها كان الزوج بالخيار بين أن يتمم لها قدر شبعها وبين أن يمكنها من اكتسابه، فإن مكنها فلم تقدر عل اكتساب كفايتها صارت من أهل الصدقات تأخذ منها.
مسألة:
قال: " وَيخَشَي إنْ كَانَتْ ببَلَدٍ يحَتْاج أَهْلُهَا إليْه قَطيِفٍة".
أراد به في البلاد الباردة يلزمه أن يخشي الكسوة بالقطن لدفع البرد والواو محذوفة من القطيفة في بعض النسخ، والصحيح إثبات الواو.
ثم قال: ولا أعطيها في القوت دراهم وهذا لأنها تستحق ما تستحق علي جهة النفقة فيلزمه أن يعطيها الحب واللحم والأدم بعينه كما ذكرنا، ثم إن شاءت باعت وتصرفت فيه كما شاءت.
ثم قال: واجعل خادمها حداً وثلثاً، وقد ذكرنا ذلك، ثم قال: ولامرأته فراش ووسادة من غليظ متاع البصرة وما أشبهه ولخادمها فروة ووسادة وما أشبهه من عباءة أو كساء غليظ.
واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: أراد به أن يعطيها ما تفرشه للجلوس عليه والوسادة لتتوسدها في النوم ولم ترد بالفراش المضربة، وإنما أراد ما تفرش علي الأرض مثل الحصير أو اللبد.
ومن أصحابنا من قال: أراد به المضربة المحشوة بقطن أو صوف أو غير ذلك فيعطيها الحصير والمضربة، لأن المعروف أن يعطيها للنوم مضربة لتنام عليه، وهو أظهر لأن الشافعي قال: من غليظ متاع البصرة ولم تجر العادة يوشون الخرق بالنهار ويجلسون
عليها، وإنما لفراش الليل ولا يلزم الفراش للخادمة ويكفيها الوسادة والكساء علي ما ذكرنا.
مسألة:
قال: "فَإِذَا بَليَ أخَلفَهُ".
قال أكثر أصحابنا: معناه إذا مضي الزمان الذي يبلي فيه [ق 190 أ] بالاستعمال أخلفه سواء استعمله أولم تستعمله ولو أنها أتلفته بتحريق أو سرقت قبل مجيء الزمان الذي يبلي فيه مثله أو باعث فليس عليه بدلته حتى يمضي الزمان الذي يبلي فيه مثله.
ومن أصحابنا من قال: إذا كانت ترفق به في الاستعمال فمضي الزمان الذي يبلي فيه مثله، وهو باق لا يلزمه إبداله وحمل كلام الشافع علي ظاهره لأنه قال: فإذا بلي أخلفه وهذا لم يبل، وهذا اختيار القفال، وهذا لا يصح وتأويل كلامه ما ذكرنا ألا تري أنه لو استبقت النفقة ومضي الزمان الذي تنفق فيه مثله لزمه بدله، وغن كان ما أعطاها باقياً فدل أنه لا اعتبار بما ذكره ولو بليت قبل انقضاء مدتها لرداءة الثياب يلزمه إبدالها بلا خلاف واو بقيت بعد مدتها لجودتها لم تستحق بدلها بلا خلاف لأن الجودة زيادة ومن الجبة ما يعتاد لبسها سنتين وأكثر كالديباج فلا يلزمه إبدالها في كل سنة وكذلك الفراش يبقي سنين فيعتبر العرف في إبدالها وجرت العادة بتطريتها في كل سنة والاستبدال بها في سنين فيعتبر ذلك.
فرع:
لو كساها كسوة تبقي خمسة أشهر فماتت بعد شهر أو مات أو طلقها هل يسترجع منها الكسوة اختلف أصحابنا فيه علي وجهين:
أحدهما: لا يسترجع وهو الأصح لأنها تجري مجري قوت يوم فلا تسترجع ولا يتبغض لأنه لا يمكن أن يدفع إليها بعض الكسوة ولا يجوز الرجوع بجميعها فهو كما لو دفع إليها نفقة اليوم في أول اليوم، ثم مات في نصف النهار لا يسترجع منها شيئاً.
والثاني: يسترجع كالنفقة المعجلة بشهر، وهذا اختيار القفال، قال: والكسوة تجب علي طريق الكفاية لا علي طريق التمليك حتى لو سرقت في الحال يلزمه الإبدال بخلاف الطعام وليس لها التصرف فيها إلا باستعمالها ولو لم تطالبه بها حتى [ق 190 ب] مضت مدة لا كسوة لها فيما مضي بخلاف النفقة، قال: ولو استعار كسوة وأعطاها ليس لها أن تطلب غيرها والضمان علي الزوج لو تلفت لأنه المستعير، ثم قال: وفيه وجه آخر يجب تمليك الكسوة في الحال يلزمه قيمتها له ثم عليه بدلها وأصحابنا بالعراق أنكروا هذا، وقالوا المنصوص وجوب تملكيها وهو الأصح علي ما تقدم بيانه.
فرع:
لو زف الرجل إلي دار امرأته وأنفق عليها الطعام والشراب وأقامت عنده سنين هكذا ولم يدفع إليها شيئاً من الحب نظر، فإن كان مطلقاً من غير شرط استقرت نفقتها عليه، وهذا تطوع، وإن كان علي شرط أنه نفقتها فهو عوض فاسد وله عليها بدل ما أنفق عليها ولها عليه جميع ما اجتمع لها من الحب.
فرع آخر:
لو كانت الزوجة أمةً قال الشافعي: لا خادم لها لأنها تكون خادمة نفسها في العادة فليس من عبادة الإماء أن يخدمن.
وقال أصحابنا هذا قال الشافعي في عرف زمانه فأما في هذا الزمان إن كانت ممن يخدم مثلها يلزم وهذا ليس بشي.
مسألة:
قال: "وَإنمَّا جَعَلْتُ أَقَلَّ الفْرضِ فِي هَذَا بالدَّلاَلةِ عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم".
الفصل:
بين الشافعي ههنا من أين أخذ أقل النفقة وأكثرها وهو مدان قد ذكرنا هذا فيما تقدم، فإن قيل: قد ثبت في الشرع أكثر من مدين وهو صاع في زكاة الفطر قيل: ذلك ليس كفاية واحد بل نفرق ذلك علي أهل الزكاة، ولو أعطي كل واحد منهم كفاً جاز، ثم قال: وإن كانت بدوية مما تأكل أهل البادية، وقد ذكرنا هذا أيضاً وجملته أنه يعتبر في كل موضوع بغالب القوت فيه الكسوة، ثم قال: وليس علي رجل أن يضحي لامرأته ولا يؤدي عنها أجرة طبيب ولا حجام، وجملته أن [ق 191 أ] الأضحية إذا لم تجب عليه عن نفسه ففي زوجته أولي، وإنما قصد الشافعي بهذا أنها غير مسنونة عليه في حقها، وإن كانت مسنونة عليه في حقه ولذلك لو نذرت ذلك لم تجب عليه أن تتحمل عنها لأنه شيء ألتزمته بنفسها فهي لكفارة اليمين كزكاة الفطر التي وجبت عليها ابتداء من جهة الله تعالي ولا يؤدي عنها أجر طبيب لأنه ليس من جملة النفقات علي ما ذكرناه.
فرع:
للنفقة وقتان: وقت الوجوب ووقت وجوب التسليم، فأما وقت الوجوب فهل تجب بالعقد أو بالتمكين من الاستمتاع قولان، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وقد قال في "القديم": لو ضمها الأب عشر سنين يصح وهذا يدل علي أنها تجب بالعقد لأنه لا يجوز ضمان ما لم يجب عند الشافعي ووجهه أنها تجب لأجل النكاح وكان وجوبه بالعقد.
كالمهر والصحيح أنها تجب بالتمكين لأنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه، وأما وقت وجوب التسليم فعلي القولين جميعاً يلزم أن يعطيها بالغداة لأنها تحتاج إلي الطعن والإصلاح، فلو قلنا يعطيها بالعشى لم يلحق وقت الحاجة فلو دفع إليها الغداة، ثم طلقها أو ماتت لا يسترجع شيئاً لأنه دفع ما وجب لها.
وقال صاحب "الحاوي": أختلف أصحابنا في تحرير العبارة عن النفقة فقال البغداديون: تجب بالتمكين المستند إلي عقد فجعلوا الوجوب مطلقاً بالتمكين وتقدم العقد شرطاً.
وقال البصريون: يجب بالعقد والتمكين فجعلوا الوجوب معلقاً بالعقد وحدوث التمكين شرطاً فيه وتأثير هذا الاختلاف يكون في زمان التأهب للتمكين هل تستحق فيه النفقة، فمن جعل التمكين في الوجوب أصلاً وجعل العقد شرطاً لم يوجب لها النفقة في زمان التأهب للتمكين وأوجها بكمال التمكين ومن جعل العقد في الوجوب أصلاً [ق 191 ب] وجعل حدوث التمكين شرطاً أوجب لها النفقة من أول زمان التأهب للتمكين إلي أقصي كمال التمكين.
واعلم أن التمكين بأمرين لا يتم إلا بهما.
أحدهما: تمكنه من الاستمتاع يها.
والثاني: تمكنه من النقلة إلي حيث يشاء إذا كانت السبيل مأمونة، فلو مكنته من نفسها ولم تمكنه من النقلة معه لم تجب النفقة، لأن التمكين لم يكمل إلا أن يستمتع بها في زمان الامتناع من النقلة فيجب لها النفقة ويصير استمتاعه بها عفواً عن النقلة في ذلك، وعلي هذا لو كان الزوج غائباً فبذلت نفسها وعرف الزوج وكمال التمكين بمضي زمان الاجتماع فعلي قول البغداديين تجب نفقتها حينئٍذ ولا تجب بما تقدم من بذل التسليم، وعلي قول البصريين تجب نففقتها من وقت الشروع في التسليم بناءً علي اختلافهم في التمكين هل هو في وجوب النفقة صل أو شرط.
باب الحالة التي تجب فيها النفقة ولا تجب
مسألة:
قال: "وَإِذَا كَانَتْ المَرأةُ يجُامَعُ مثْلهَا فَخَلَّتْ أَوْ جَلاَ أَهْلُهَا بَيَنهُ وَبَيْنَ الدُّخُولُ بِهَا وَجَبَتَ عَلَيْه نَفَقَتُها".
الكلام الآن في بيان الحالة التي تجب فيها النفقة ولا يخلو حال الزوجين من أربع أحوال.
إما أن يكونا كبيرين أو يكون الزوج كبيراً والزوجة صغيرة أو الزوجة كبيرة والزوج صغيراً أو يكونا صغيرين، فإن كان كبيرين فالنفقة في مقابلة التمكين، وإن عدم التمكين فلا نفقة وينبغي أن يكون التمكين مستنداً إلي عقد صحيح، فإن وجد التمكين من
غير عقد أو وجد في عقد فاسد فلا نفقة، وتنبغي أن يكون التمكين كاملاً وهو أن تمكنه نفسها علي الإطلاق ولا يعترض في مكان مقامها وسكناها، فإن اعترضت فقالت: أنا أجلس في بيتي أو بيت أبي أو أنتقل معك إلي محلة طيبة [ق 192 أ] أو لا أسافر معك فلا نفقة، ولو عقد عليها عقد النكاح، ولم يظهر منها تسليم بالقول والامتناع ولا من الزوج مطالبة به فلا نفقة لها لأن الأصل أن لا نفقة لها حتى يحصل التسليم ولا يحصل ذلك إلا أن تقول: سلمت نفسي إليك فاحملني حيث شئت، وإذا أوجبت النفقة يلزمها إعطاءها، فإن أعطاها وإلا ثبتت في ذمة، وإذا مكنته نفسها هكذا، فإن كان حاضراً وجبت النفقة من حيث ما ذكرت، وإن كان غائباً فجاءت المرأة إلي الحاكم، وأظهرت تسليم نفسها، فإن الحاكم يكتب إلي الزوج بأنها قد سلمت نفسها إليك، فإن أخذ في المسير في الحال، وقدم عليها وتسلمها اتفق عليها من حين القدوم، وإن ترك المسير مع الإمكان فالنفقة يجب في ذمته من وقت انقضاء المدة التي يمكن فيها المسافة لأن الامتناع من جهته، وإن كان الزوج كبيراً، وهي لم تبلغ إلا أنها مراهقة يمكن الاستمتاع بها فإن حكمها حكم الكبيرة، فإن سلمت نفسها استحقت النفقة لأن التسليم المستحق قد حصل، وإن سلمها أهلها صح أيضاً واستحقت النفقة لأن التسليم مستحق علي أهلها فأنها ليست بمخاطبة ويخالف الكبيرة في ذلك، فإن الكبيرة لا يصح تسليم أهلها لها وإنما الاعتبار تسليمها نفسها.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يقال إنها سلمت نفسها لا تجب النفقة إلا بعد أن تسلم ولا تجب ببذلها أنه لا حكم ليبذلها، وإن كانت صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها وهو كبير.
قال في "الأم" وفي كتاب عشرة النساء: لا نفقة لها، وقال في موضوع آخر ولو قال قائل لها النفقة [ق 192 ب] كان مذهباً فالمسألة علي قولين:
أحدهما: لا نفقة لها، وهو الصحيح واختاره المزني لأنه لا يصح تسليمها منه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: وهذا إذا لم يكن فيها استمتاع لا يحصل التمكين ويفارق المريضة، لأن الاستمتاع يمكن فيها يمكن ولكنه نقص بالمرض.
والثاني: لها النفقة لا محبوسة عليه من غير تفريط في تسليم نفسها إليه فوجبت النفقة لها كالمريضة التي لا يمكن الاستمتاع بها، وإن كان الزوج صغيراً والمرأة كبيرة فسلمت نفسها.
قال في "الأم" وفي كتاب عشرة النساء: لها النفقة وهو الصحيح، واختيار المزني، وقال في موضوع آخر: ولو قال قائل لا نفقة لها كان مذهباً ففيها قولان:
أحدهما: لا نفقة لها، وبه قال أحمد في رواية لأنه لا يمكن الاستمتاع بها كما لو غابت ولا، التسليم إذا تعذر لا فرق بين أن يكون لمعني في المستحق عليه أن يسقط ما يقابله كتسليم المبيع.
والثاني: لها النفقة، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في الروية الأخرى وهذا لأنه يمكن الاستمتاع بها، وإنما تعذر بسبب من جهته فلم يسقط نفقتها كما لو غاب عن زوجته ويفارق إذا غاب لأنه التعذر هناك بسبب من جهتها.
ومن أصحابنا من قال: هذا إذا كانت عالمة عند العقد أنه صغى، فإن لم تكن عالمة فعليه النفقة قولاً واحداً، وإن كانا صغيرين نص في "الأم" علي قولين والنص الصحيح الظاهر أنه لا نفقة لها لأن التعذر بسبب من جهتها.
وقال القفال في سقوط النفقة بالصغر ثلاثة أقوال:
أحدهما: تسقط بصغر أيهما كان.
والثاني: لا تسقط بصغر واحد منهما.
والثالث: تسقط بصغرها دون صغره، وهذا حسن ومرجعه إلي ما فصلناه.
مسألة:
قال: "وَلَوْ كَانَتْ مَرِيضةً لَزِمَتْهُ نَفَقُتهَا".
الفصل:
إذا تزوجت المرأة فمرضت عنده أو كانت مريضة [ق 193 أ] فسلمت نفسها علي حالتها وأنها تستحق النفقة لأنها تحت يده، وفي قبضته والاستمتاع بغير الوطء حاصل من جهتها، وتعذر الوطء لا يوجب سقوط النفقة كما لو كانت رتقاء أو نقول: المرض عارض ينقص الاستمتاع فأشبه الحيض، فإن قيل: أليس الصحيحة إذا بذلت الاستمتاع فيما دون الفرع لا تجب لها النفقة فينبغي أن تسقط النفقة بالمرض إذا تعذر به الوطء في الفرج.
قلنا: المرض عارض يتكرر ويرجي زواله فلا يمكن إسقاط النفقة بخلاف صغرها.
مسألة:
قال: "وَلَوْ كَانَ فِي جمِاعِهَا شدَّةُ ضَرَرٍ مُنِعَ مِنْهاَ".
الفصل:
إذا كان الرجل عظيم الخلقة كبير البدن غليظ الذكر وهي نضو الخلق ضعيفة الجسم وعليها مشقة غير محتملة لجماعه ومتى جامعها لم تأمن من أن يجئ عليها بإفضاء أو غيره منع من جماعها كما لو كانت صغيرة وليس له الخيار في فسخ النكاح، بل يقال له أنت بالخيار بين أ، تمسك فعليك النفقة أو تطلق ولها نصف المهر، ثم لا يخلو إما أن يصدقها أو يكذبها، فإن صدقها يلزمه أن ينفق عليها وإن كذبها المهر، ثم لا يخلو إما أن يصدقها أو يكذبها، فإن صدقها يلزمه أن ينفق عليها وإن كذبها يري أربع نسوة فينظر إلي فرج زوجها عند الجماع ويجوز ذلك لأنه موضع ضرورة.
قال أبو إسحاق: يقبل ذلك من امرأة واحدة، لأن طريقة طريق الخبر دون الشهادة وهذا لا يصح لأن فيه إسقاط حق الزوج فافتقر إلي العدل كسائر الشهادات وهكذا إذا ادعت بفرجها قرحاً يضرّ بها وطئه.
مسألة:
قال: " وَلَوْ ارْتقَتْ فَلَم ْيَقْدرْ عَلَي جَمَاعِهَا فَهَذَا عَارِضٌ لاَ مَنْع يه ِمِنْهَا وَقَدْ جوُمِعَتْ فَتَستْحِق نَفَقَتهُا".
إذا كان الرتق قبل النكاح له الخيار قولاً واحداً، وإن حدث بعد النكاح فيه قولان وقد مضي هذا في كتاب النكاح، فإن اختار فسخ النكاح سقطت النفقة، وإن لم يفسخ النكاح فعليه أن ينفق عليها لأنه المختار للمقام عليها، وقول الشافعي، وقد جومعت [ق 193 أ] ليس بشرط ولعله قال هذا ليعلم أن الرتق قد يحصل بعدما جومعت واعلم أن ظاهر الكلام يقتضي أ، ها لو كانت في الأصل رتقاء لا تستحق النفقة والمذهب أنها تستحق كما يستحق القسم لأنها أتت بأقصى ما في وسعها من التمكين ولعل الشافعي أن ينص من المسألة علي أظهر الحالين.
مسألة:
قال: "وَلَوْ أذِنَ لهَا فَأَحْرمَتْ أَو اعْتَكفَتْ أَوْ لَزمهَا نَذْرُ كَفَّارةٍ".
الفصل:
إذا دخلت المرأة في العبادة لا يخلو إما أن تكون العبادة حجاً أو عمرة أو اعتكافاً أو صوم رمضان، فإن كان حجاً لا يخلو من ثلاثة أحوال:
إحداها: أن تكون أحرمت بغير إذنه فلا نفقة لها قولاً واحداً لأنها ناشزة.
والثانية: أن تكون أحرمت بإذنه وهو معها فلها النفقة قولاً واحداً لأنها ليست بخارجة من قبضته وتحريم الاستمتاع علي الزوج بالشرع وسبب التحريم هو الإحرام وقد حصل بإذنه.
والثالثة: أن تكون أجرمت بإذنه وخرجت بإذنه وليس هو معها، وظاهر ما قاله الشافعي ههنا أن لها النفقة، وقال في كتاب النكاح، لا نفقة لها، فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه قولان.
أحدهما: لا نفقة لها، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد لأنها غي ممكن من نفسها.
والثاني: لها النفقة لأنها سافرت بإذنه فأشيه إذا كانت في حاجته وقال أبو إسحاق: الموضع الذي قال لا نفقة لها إذا لم يكن الزوج معها والذي قال لها النفقة إذا
كان معها ولا فرق في هذا بين أن يكون الحج فرضاً أو تطوعاً لأنه وإن كان فرضاً فليس عل الفور وإنما هو علي التراخي، وإن أحرمت بإذنه فما لم تخرج من بيته لا شك أنه يلزمه نفقتها، وإن أحرمت بغير إذنه فهل له أن يحللها قولان، فإذا قلنا: له أن يحللها فلم تفعل فيه وجهان بناء علي ما لو سافرت في حاجتها بإذنه هل تستحق النفقة قولان، والأقيس أنها تستحق لأنه متي شاء حللها ويتوصل إلي حقه منها [ق 194 أ] فإذا لم يفعل فالتقصي منه.
وإن قلنا: لا يحللها قال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: لا نفقة لها لأنها ناشزة.
والثاني: لها النفقة لأنه لا سبيل لها إلي ترك الإحرام ولها سبيل إلي ترك النشوز فالإحرام كالمرض والعذر السماوي والأول أظهر عندي.
وأما العمرة فحكمها حكم الحج وكذلك الاعتكاف لأنه لا يصح إلا في المسجد، فإذا خرجت من المسجد كانت كما لو خرجت للحج، فإن كان زوجها معها في المسجد لها النفقة وإن لم يكن معها، فإن كان بغير إذنه فهي ناشزة فلا نفقة، وإن كان بإذنه ففيه طريقان.
وأما صوم التطوع فلزوجها منعها منه، فإن صامت فإن أمرها بالإفطار فأفطرت لها النفقة، وإن لم تفطر، فقال ابن أبي هريرة: لا نفقة لها لأنها منعت منه نفسها بالصوم.
وقال أبو إسحاق: لها النفقة لأن صوم التطوع لا يلزم بالدخول وله أن يطأها أي وقت شاء، فعلي هذا إن منعته الوطء سقطت نفقتها، وقيل عن الشافعي إنه قال في علته: مدة الصوم قصيرة ولا ضرر عليه في ترك الاستمتاع فيها وهذا غير صحيح عندي.
وقيل: لو لم يفطرها ولم يأمرها بالإفطار بل تركها هل تستحق الفقه وجهان.
ذكره القفال وهذا أيضاً ضعيف، وقال صاحب الحاوي [1]: إن لم يدعها إلي الخروج منه فهي علي النفقة، وإن دعاها إليه فامتنعت صارت ناشزة ولكنه إن كان في صدر إليها وسقطت نفقتها، وإن كان في آخره لا تسقط لقربه من زمان التمكين فصار ملحقاً بوقت الأكل ولطهارة، وهذا حسن.
فرع:
لو دخلت في صوم قضاء رمضان قبل شعبان فهل يجوز له إجبارها علي الفطر؟
قولان مخرجان من القولين في تحليلها من الحج إذا شرعت، فإذا قلنا: لا يجبرها علي الفطر ففي سقوط نفقتها [ق 194 ب] وجهان:
أحدهما: يسقط كما في الحج.
والثاني: لا يسقط لقرب زمانه وقدرته علي الاستمتاع بها في ليلة ولمقامها في منزله بخلاف الحج.
هكذا ذكره في الحاوي والمشهور عند أصحابنا بخراسان أنه يمنعها قبل شعبان ولا يمنعها في شعبان لأنه يتضيق في هذا الوقت دون ما قبله.
فرع آخر:
إذا كان صوم الكفارة فهو في الذمة علي التراخي فيكون له منعها منه وحق الزوج علي الفور.
وقال في "الحاوي" [1]:إذا لم يمنعها حتى شرعت هل يجبر علي الخروج؟ وجهان:
فإن قلنا: لا يجبرها، فإن كان التتابع فيه مستحباً بطلت به نفقتها، وإن لم يكن هل تسقط نفقتها وجهان مخرجان من نفقة الأمة إذا مكنها سيدها ليلاً ومنعها نهاراً وأما أداء رمضان فلا يمنعها منه بلا إشكال لأنه مستحق شرعاً علي الفور.
فرع آخر:
إذا كان صوم النذر، فإن كانت نذرت قبل النكاح، فإن كان في ذمة له منعها منه، وإن كان متعلقاً بزمان بعينه لم يكن له منعها لأن حق الزوج والصوم قد استويا في التضييق للنذر حق السبق فكأن أولي، وإن نذرت بعد عقد النكاح، فإن كان بإذنه مطر فإن نظر كان في الذمة فله منعها منه، وإن كان متعلقاً بزمان بعينه لم يكن له منعها منه، وإن نذرت بغر إذنه كان له منعها منه سواء كان في الذمة أو متعلقاً بزمان بعينه، لأن الزمان له بعد عقد النكاح، فإذا شغلت بعضه بالنذر بعينه فقد منعته حقاً وجب له فكان له منعها وكل له موضوع قلنا له: منعها فشرعت فيه، ولم يفطر فالحكم علي ما ذكرنا في صوم التطوع.
فرع آخر:
إذا أرادت أن تصلي صلاة الفريضة في أول وقتها، قال الشافعي: ليس لتمنعها منه لأن لها أن تؤدي هنا الفرض في وقت يجوز الفضيلة [ق 195 أ] قال الشافعي: ولأن زمان الصلاة قصير ولا يطول فلا يؤدي إلي الضرر به ولأن الزوج أيضاً مندوب إلي تقديمها في ذلك الوقت فيلزمه إمهالها لذلك أيضاً، فإن قيل: أليس له أن يمنعها من الحج في أول وقت وجوبه، وإن كانت تجوز الفضيلة، قلنا: لا فضيلة الحج متعلقة بالوقت حني إذا أخّره فإنه بفواته فالحج كالصلاة في الذمة وله منعها منها بخلاف الصلاة من (أول) الوقت.
فرع آخر:
لو أرادت الإحرام بقضاء الصلاة وأراد الزوج الاستمتاع بها فيه وجهان:
قال أبو حامد: يقدم حقه لثبوته في الذمة، وقال صحاب الحاوي: الأصح عندي تقد حق القضاء، لأن فرض القضاء مستحق في أول زمان المكنة فصار كالوقت شرعاً، وقيل: هما مبنيان علي الوجهين في قضاء الصلاة أنه علي الفور أو علي التراخي.
فرع آخر:
لو كانت الصلاة مما سّنها بالشرع من توابع الفروض المؤقتة، يلزمه تمكينها منه علي العادة المعروفة من غير تقصير ولا إطالة، وإن كانت من السنن المشرعة في الجماعة كالعيدين والمخسوفين له منعها من الخروج وليس له منعها من فعلها في منزلها لمساواتها في الأمر بها والندب إليها، وإنها مختصة بوقت يفوت بالتأخير فأشبهت الفروض، وإن كانت صلاة ندب فهي كالصوم المندوب وإن كانت تطوعاً مبتدأ فله منعها منه.
مسألة:
قال: " وَلَوْ هَرَبَتْ أَو امْتنَعتْ أَوْ كَانَتْ أمَةً فَمَنعَهَا سَيَّدُهَا فَلا َنَفَقَةً لهَا".
إحداهما: إذا هربت إلي موضع يعرفه أو لا يعرفه أو امتنعت من تمكينه في بيته أو خرجت إلي بيت أمها وقالت: لا اجتمع معك أو قالت: لأسلم نفسي إليك إلا هنا فلا نفقة لها، وهذا قول كافة العلماء إلا الحكم بن عيينة فإنه قال: [ق 195 ب] لا تسقط نفقتها بالنشوز كالمهر لأنه يجب بملك الاستمتاع، وهذا غلط لأنها كالأجرة لا تجب إلا بالتمكين، ولهذا لو لم ينفق عليها سقط عنها التمكين ويخالف المهر لأنه يجب بالعقد لمقابلة الملك.
والثانية: إذا زوج أمته لا تجب عليه أن يسلمها إلي الزوج في النهار ويلزمه أن يسلمها بالليل، وقد ذكرنا في كتاب النكاح أنه إن سلمها في الليل والنهار استحقت النفقة ولا فرق بين الحرة والأمة في قدر النفقة ويعتبر بحاله لا بحالها، وإن سلمها في الليل دون النهار، فقد ذكرنا وجهين ولا خيار للزوج في فسخ نكاحها لأنه علم برقها والأظهر أن عليه نفقتها بقسط زمان الاستمتاع وهو أن يكون علي الزوج عشاءها وعلي السيد ما تلبيه نهاراً كالحرة إذا أمكنت يوماً ونشرت يوماً.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يلزمه كالنفقة.
والثاني: لا تلزم.
والثالث: يوزع.
فرع آخر:
لو قال لها: آذن لك أن تدخل داري وتستمتع بها ولكن لا آذن لها حتى تخرج إلي دارك هل يستحق النفقة وجهان، ذكره القفال، ولفظ الشافعي بعد هذا يدل علي أنها تجب لأنه قال: وعلي العبد نفقة امرأته الحرة والكتابية والأمة إذا نويت معه بيتاً.
فرع آخر:
لو آجرت المرأة نفسها ولم يعلم الزوج حتى تزوجها فله الخيار بين مقامه علي وبين فسخه لأنه تفويت الاستمتاع في النهار عيب فاستحق به الفسخ، ولو مكنه المستأجر من الاستمتاع بها في النهار لم يسقط حقه من الخيار لأن المستأجر متطوع بالتمكين فلا يسقط خياراً مستحقاً ذكره في الحاوي.
مسألة:
قال: " وَلاَ يُبَرئُهُ ممَّا وَجَبَ لهَا مِنْ النَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَ حَاضِراً مَعَهاَ إلا إِقْرَارَهَا".
الفصل:
نفقة الزوجة تثبت في الذمة مستقراً سواء كان [ق 196 أ] حاضراً أو غائباً فرض القاضي أو لم يفرضه خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا تستقر إلا بالفرض وتسقط بمرور الزمان.
فإذا تقرر هذا فلو فقال الزوج: أنفقت عليك فيما مضي ما وجب لك عليّ وأنكرت فالقول قولها، لأن الأصل أنها لم تقبض ذلك، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وقال مالك: إن كان الزوج غائباً فالقول لأن المرأة عاجزة بالغيبة عن طلب النفقة، وإن كان حاضراً وهي تعاشره فالظاهر أنها تقبض النفقة منه فالقول قوله.
وهذا غلط لأن الأصل بقاءها فصار كالبائع إذا ادعي تسليم المبيع لا يكون القول قوله، لأن الحاضرة قد تتقاعد عن الطلب أو يمنعها منه مانع فلا يصح ما ذكره ولأنه لو كان عليه دين فمضي سنين وهو يصادفه، ثم ادعي القضاء، وأنكر صاحب الدين القبض فالقول قوله، وإن كان الظاهر قبضه.
فرع:
لو كانت أمة فاختلفت مع زوجها في الإنفاق، قال أصحابنا: القول قولها لأن النفقة حق لها يتعلق بالنكاح فكان المرجع فيها إليها فيها كالمطالبة بحق الإيلاء والعنة، ولو اختلفا في النفقة الماضية، وادعي الزوج أنه يعلمها وأنكرت وصدقه السيد، قال أصحابنا: لا تثبت دعواه بتصديق المولي ولكنه يكون شاهداً له بذلك فيشهد له ويحلف
الزوج معه وتسقط نفقتها.
ومن أصحابنا من قال: ينبغي أن ينفذ إقراره في النفقة الماضية لأنها حق المولي وإنما حقها في النفقة في المستقبل وإذا ثبتت فللسيد قبضها والتصرف فيها كيف شاء، وهذا أصح عندي ولو كلن الاختلاف في قبض صداقتها فالخصومة بين زوجها وسيدها لأن المهر خالص حقه، وقد ذكرنا فيما تقدم.
فرع آخر:
لو اختلفنا في قدر النفقة فقال الزوج: كنت فيما مضي معسراً فتستحق نفقة [ق 196 ب] المعسرين، وقالت المرأة: كان موسراً فإنها تستحق عليه نفقة الموسرين نظر، فإن عرف له يسار، ثم ادعي الإعسار فالقول قولها وعليه البينة علي الإعسار، وإن لم يعرف له يسار فالقول قولها وعليها البينة، لأن الأصل عدمه.
فرع آخر:
لو اختلفنا في التمكين فقالت: مكنت نفسي وانكسر فالقول قوله لأن الأصل عدمه وعليها البينة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان:
فإن قلنا: تحب النفقة بالعقد فالقول قولها، لأن الأصل بقاءها وهذا ليس بشيء ونص الشافعي في أول هذا الباب فقال: لو ادعت المرأة التخيلية فيه غير مخيلة حني يعلم ذلك منها.
مسألة:
قال: " وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَثَنيةٌ فَأَسْلَمَ زَوْجُهَا فِي العِدَّة أَوْ بَعْدَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ".
الفصل:
إذا تزوج وثني بوثنية، ثم أسلمت لا يخل إما أن تكون غير مدخول بها أو يكون مدخولاً بها، فإن كانت غير مدخول بها فلا مهر ولا عدة عليها ولا نفقة لها، وإن كانت مدخولاً بها فلها المهر المسمي وعليها العدة ولها النفقة لأن الزوج يقرر علي رفع هذه العدة، وإصلاح النكاح بالإسلام، وإن أسلم الزوج وتخلفت المرأة في الشرك، فإذا كان قبل الدخول فلها نصف المهر لأن الفسخ جاء من جهته قبل الدخول.
فإن قيل: أليس لو وجد بامرأته عيباً قبل الدخول ففسخ النكاح لا مهر لها، وهذا الفسخ من جهته قيل: هذا بمعني من جهتها فجعل بمنزلة الفسخ من جهتها بخلاف مسألتنا.
فإن قيل: فإذا كان العيب به ففسخت النكاح قبل الدخول أسقطتم المهر ولم تجعلوا
الفسخ من جهة، قيل: يغلّط حبسها في الحالين لأنها هي المستحقة للمهر وليس كذلك إذا أسلم الزوج قبل الدخول لأن هذه الفرقة جاءت من جهته لا صنع له فيها ففرقنا بينهما.
وأما إذا أسلم الزوج بعد الدخول بها فعليه مهرها المسمي ولا نفقة لها لأن الامتناع [ق 197 أ] من جهتها فكانت بمنزلة الناشزة وأسوأ حالاً لأنها نشزت بالكفر، فإن أسلمت نظر، فإن كان بعد انقضاء عدتها لم يكن لها نفقة، وإن أسلمت قبل انقضاء عدتها كلها علي الزوج واستحقت النفقة من أسلمت قولاً واحداً وهل لها النفقة لما مضي من زمان العدة قولان ذكرهما في كتاب النكاح.
فرع:
لو كانا مسلمين فارتد أحدهما فالحكم في المهر والنفقة علي ما ذكرنا في الوثنيين إذا أسلم أحدهما، وإن ارتد معاً كان الحكم كما لو ارتدت المرأة واختار القاضي الطبري، وقد ذكرنا في كتاب النكاح فيه وجهاً آخر.
فإن قيل: ينبغي أن توجبوا لها نصف المهر، لأن الفسخ بهما كما لو خالعها قبل الدخول لها نصف المهر، قيل: المغلب في الخلع جنبه الزوج لأنه الموقع للفرقة مأخذه منها، ولأن الزوج يخالع الأجنبية كما يخالعها وهي لا تقدر علي الخلع إلا معه، فكان تصرفه أقوي، وإذا رجعت المرتدة إلي الإسلام هل تلزم النفقة لزمان الردة قيل: فيه قولان، وقيل: قول واحد لا يستحق لأنها ابتدأت الكفر بعد الإسلام فكانت الجناية أغلظ، ولو أسلم الزوج وتخلفت في الشرك فغار الزوج، ثم أسلمت في عدتها كان لها النفقة من حين أسلمت، وإن لم يعلم بخلاف ما لو نشزت وعاب، ثم عادت إلي الطاعة لا نفقة لها ما لم تعلم، وقد ذكرنا الفرق فيما تقدم وهو أن نفقة الوثنية لم تسقط لخروجها عن قبضته بل سقطت بكفرها، فإذا زال الكفر عادت النفقة حاضراً كان الزوج أو غائباً وسقطت نفقة الناشزة بخروجها عن قبضته ولا تصير إلي قبضته إلا بعد علمه بالطاعة وهكذا الحكم لو ارتدت وغاب الزوج ثم رجعت إلي الإسلام في العدة عادت نفقتها وإن لم يعلم الزوج.
مسألة:
قال: "فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهَا فَلَمْ يُسْلِمْ حَتى انْقَضَتْ عدَّتُهَا فَلَا حَقَّ لَهُ لأَنَّهُ تَطَوَّعَ بِهَا"
صورة المسألة [ق 197 ب] أن يتزوج وثني بوثنية، ثم دفع إليها نفقة شهر، ثم أسلم وتخلقت هي في الشرك ولم تسلم حتى انقضت عدتها هل له أن يسترد منها تلك النفقة، قال أبو حامد: له أن يسترد سواء أطلق التسليم أو قيده لأنه دفعها بشرط أن يستحق في
وقته، فإذا لم تستحقه استرجع منها ويفارق الزكاة حيث قلنا إذا دفعها قبل الحول، ولم يشترط أنها معجلة، ثم خرج عن زكته من أصل الزكاة، لا يسترجع، لأن الظاهر لا يدل علي أنه يدفعها واجباً فاحتاج إلي الشرط ليعلم، وفي النفقة الظاهر أنه يعجل ما وجب لها فلا حاجة إلي الشرط.
وقال غيره من أصحابنا: وهو الصحيح أنه إن شرط عليها أنها نفقتها أسلفها إياها رجع بها عليها، وإن لم يشرط فلا يرجع لأنه لا يدري أعطاها للنفقة أو هبة من جهته ولذلك لو أنفق عليها في زمان يخلعها فإن كانت بشرط أن يغطيها للنفقة جاز أن يسلم فلم يسلم له الرجوع وإلا فلا رجوع ولا فرق في الحقيقة بين مسألة الزكاة، وهذه المسألة فيختلف الإطلاق والشرط، وفي دليل علي أن الهبة لا يفتقر فيها إلي لقط الهبة والإيجاب والقبول بخلاف ما قال بعض أصحابنا لأن الشافعي جعله تطوعاً عند الإطلاق، فإن قيل: يحتمل أنه أباحه قلنا: هذا لا يصح، لأنه لو كأم إباحة لشرط أن يكون قد أتلفها حتى يسقط حقه منها.
مسألة:
قال: "وعَلَي العَبْد نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ الحُرَّةِ وَالكِتَابِيَّةِ".
تقدير الكلام الحرة المسلم والكتابية لأن الحرة قد تكون كتابية، وقد تكون مسلمة وحكمها واحد وكان الأولي أن يقول وعلي العبد نفقة لامرأته المسلمة والكتابية ويحتمل أن يقال: أراد بالكتابية المكانية ويجوز أن يسمي المكاتبة كتابية نسبة إلي الكتابة والكتاب، قال الله تعالي: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:33] يعني الكتابة، وقد ذكرنا في كتاب النكاح [ق 198 أ] أنه يلزم علي العبد أن ينفق علي امرأته حرة كانت أو أمة أو مكاتبة أو ذمية أو مسلمة شرط ذلك عليه في عقد النكاح أولا نفقته نفقة المقتر ولأنه لا يملك شيئاً فهو أسوأ حالاً من الحر المعسر لأنه لا يجوز أن يستفيد ملكاً، وهذا لا يملك، وإن ملك وإن قلنا بالقول القديم انه يملك إذا ملك فلا يلزمه إلا نفقة المقتر لأنه لا يكون كامل الملك.
قال: وحكي أصحابنا عن مالك أنه قال: إذا لم يشترط في عقد النكاح نفقة لم يجب لأنه إذا لم يشترط يكون وجوبها علي طريق المواساة ولا يجب علي العبد المواساة بدليل أنه لا يلزمه نفقة أقاربه، وهذا غلط، لأن نفقتها تجب في مقابلة التمكين عوضاً كالمهر.
فإذا تقرر هذا قد ذكرنا فيما تقدم أنه يجب نفقتها في كسبه، فإن لم يكن له كسب، قال في القديم: تجب في رقبته لأن تضمن الإمكان ولا وجه له إلا الرقبة فعلي هذا يباع منه جزء فجزء إلي إن يباع جميعه.
وقال في الجديد: لا يتعلق برقبته بل يكون في ذمته وتخير المرأة كما لو أعسر الحر بنفقتها.
فرع:
لو طلق العبد زوجته، فإن طلقها واحدة رجعية وجبت عليه نفقتها في عدتها، وإن طلقها بائنًا فإن كانت حائلًا فلا نفقة لها، وإن كانت حاملًا.
فإن قلنا: النفقة للحامل وجبت النفقة عليه، وإن قلنا: إنها للحمل فيه وجهان:
أحدهما: لا تجب النفقة، لأن نفقة الأقارب لا تجب على العبد.
والثاني: تجب لأنها معلق بحق المعتدة ومصلحتها ذكره القاضي الطبري، ثم قال: وإذا احتاج إلى خدمتها فذلك له ولا نفقة لها وظاهره يوهم أن السيد إذا استخدم الجارية المزوجة لا نفقة لها على زوجها [ق 198 ب] وليس كذلك ومراد الشافعي ههنا إذا استخدمها على الدوام فلا نفقة، وإن استخدمها أحيانًا وبعث إليه عند فراغها من خدمته، فقد ذكرنا أن لها النفقة لأن هذا يكون تمكين الإماء.
مسألة:
قَالَ: "وَمَنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الحُرِّيَّةُ فَكَالمَمْلُوكِ".
من بصفة حر وبصفة عبد يلزمه نفقة زوجته فيما يخص الرق يكون في كسبه وما يخص الحرية يكون في ذمته ولا شك أنه ينفق بما فيه من الرق نفقة المعسر وهو نصف مد، وأما بما فيه من الحرية نظر، فإن كان معسرًا فعليه نصف مد آخر تمام المد الواحد، وإن كان موسرًا بما فيه من الحرية.
قال الشافعي: نفقته نفقة المعسر أبدًا، وإن كان يملك ألف دينار مثلًا لأنه لما كان حكمه حكم العبد الذي لم يعتق سبًا في النكاح والطلاق والعدة فكذلك في النفقة.
وقال المزني وبعض أصحابنا: عليه نفقة الموسر بما فيه من اليسار فيكون عليه مد ونصف نصف مد بما فيه من الرق ومد بما فيه من الحرية مع اليسار.
واحتج المزني فقال: إذا كان تسعة أعشاره حرًا، قال الشافعي: يجعل أعشار ما يملك ويرثه مولاه الذي أعتق تسعة أعشاره فكيف لا ينفق على قدر سعته.
وقال: قال الشافعي في كتاب الأيمان: إذا كان نصفه حرًا ونصفه عبدًا كفر بالإطعام كالحر تبعض الحرية هناك ولم يجعله ببعض الحرية ههنا كالحر بل جعله كالعبد والقياس على أصله ما قلنا من أن الحر ينفق بقدر سعته والعبد منه بقدره، وكذا قال في كتاب زكاة الفطر على الحر منه بقدره في زكاة الفطر وعلى سيد العبد قدر الرق منه فالقياس ما قلنا ففهموه كذلك نحوه [ق 199 أ] إن شاء الله تعالى والجواب أن الشخص إذا كان بعضه مملوكًا
وبعضه حرًا كان بالمقدار المملوك ملتحقًا بالمماليك، وهذا نقصان ظاهر بمنعه حكم الملك المطلق ولا يكتسب كسبًا قليلًا ولا كثيرًا إلا وفيه لسيده شركة بسبب ما يملك من رقبته ولهذا لا يستغني عن مهايأة أو مقاسمة سوى المهايأة، وما دام في رقته شيء من أدق فهو مرهون بهذا النقص وما دام موصوفًا بهذا النقص فالأولى أن يستدام فيه آثار نقصان الرق إلى أن يستكمل صفة الحرية.
وأما ما ذكر من الميراث فيه قولان:
أحدهما: لا يرثه أحد، وإن سلمنا أنه يورث بقدر ما فيه من الحرية نقول: إذا مات وبعضه حر، وفي يده مال من حصة حريته، فهذا السيد كامل الملك ومن أهل الميراث وقد انقضى اعتبار نقصان الرق في الرقيق بموته فغلبنا جانب سيده الذي أعتقه ألا ترى أنه موروث هذا الشخص الذي بعضه رقيق وبعضه حر لو مات فلا ميراث له لأنه حين يأخذ الميراث بما فيه من نقصان الرق فكذلك لا يجوز أن يلزمه شيء من نفقة الأحرار وهو حين يلتزمها ناقص ينقص الرق.
وقد قال الشافعي في الجديد: لو أذن السيد لعبده فتمتع بالعمرة إلى الحج فلا يجزيه سوى الصوم ولو ملكه سيده شاة ليذبحها لم تجزه لأنه مملوك.
ثم قال: ولو مات العبد فذبح السيد عنه شاة وقعت موقعها ففاصل بين حياته وموته، وأيضًا الميراث مبني على التبعيض والنفقة لا تتبعض ألا ترى أن الحرة إذا سلمت نفسها بالليل دون النهار أو بالنهار دون الليل لم يستحق من النفقة شيئًا.
وأما ما ألزم المزني من الكفارة كيف يستقيم إلزامه وهو لا يجعله في النفقة كالحر المطلق ولكن يجعل حكمه [ق 199 ب] مبعضًا والشافعي لم يبعض حكمه في الكفارة في إلزامه الإطعام وإنما غلب جانب الحرية في الكفارة؛ لأن الكفارة حيث تجب إنما تجب بعقد اليمين والعبد والحر في عقد اليمين سواء، وهذه النفقة إنما يجب بعقد النكاح، ومن نصفه حرّ ونصفه عبد كالمملوك في عقد النكاح ألا ترى أنه لا يستغني عن الاستئذان فجاز أن يلحقه في مقدار النفقة بالمملوك كما لو ألحقناه في أصل عقد النكاح وعدد المنكوحات، ثم يعارضه بأنه لا يكفر بالعتق فدل أنه بمنزلة العبد، وقيل: إذا قلنا العبد لا يملك بالتمليك ولا يكفر إلا بالصيام، وإنما يكفّر بالإطعام على قوله القديم أنه يملك بالتمليك.
وأما زكاة الفطر فإنها تتبع النفقة وإذا كان بعضه حرًا وبعضه رقيقًا يلزمه من نفقة نفسه مقدار حريته فتتبعها الزكاة بقدرها والتبعيض في زكاة الفطر غير مستنكر فإن العبد قد يكون مشتركًا بين السادات فيلزم كل واحد منهم بمقدار حصته بين نفقته.
فأما التبعيض في النفقات فما وجدنا له أصلًا ولا قائلًا يقول به فأما تغليب الحرية، وأما تغليب الرق ويبعد تغليب الحرية لما ذكرنا من عقد النكاح فوجب تغليب الرق.
فإن قيل: النفقة تتبعض فإنها تلزم على المتوسط مد ونصف قيل: هذا ليس بتبعيض بل هو نفقة
كاملة على المتوسط كالمد على الفقير، وعلى ما ذكرنا لا يلزم نفقة أولاده وقراباته لأنه في حكم المعسرين.
وقال المزني في الجامع الكبير: يلزمه نفقة أقاربه تغليبًا للحرية لأنه يمكن تبعيضها، وهذا غلط لما ذكرنا.
باب الرجل لا يجد النفقة من كتابين
مسألة:
قَالَ: "وَلَما دَلَّ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ حَقَّ المَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ [ق 200 أ] أَنْ يَعُولَهَا احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعُ بِهَا وَيَمْنَعَ حَقَّهَا".
الفصل:
قد ذكرنا أن نفقة الزوجة واجبة على الزوج فإذا أعسر بنفقتها لا يخلو إما أن يعسر بجميع نفقتها أو يعسر بما زاد على المد الواحد، فإن أعسر بجمع نفقتها كان لها الخيار بين أن ترضي بالمقام معه ونفقتها تصير دينًا في ذمته وتكتسب لنفسها ما يكفيها وبين أن تفسخ النكاح، فإن اختارت الفسخ رفعت أمرها إلى الحاكم حتى يفسخ الحاكم نكاحها ولا يجوز لها أن تفسخ بنفسها.
وبه قال عمر وعلي وأبو هريرة وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح، والحسن وحماد وربيعة ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: أنها تفسخ بنفسها بعدما ثبتت العجز عند القاضي.
والثاني: يؤمر الزوج أن يطلقها، فإن امتنع طلق عليه السلطان كما نقول في المولى قال الإمام أبو يعقوب الأبيوردي وعلى هذا يدل حديث عمر أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن يأخذوهم إما أن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا، وهذا غريب بعيد لم يذكره أهل العراق.
وقال أبو حنيفة: لا خيار لها بحال ولكن يلزمه رفع يده عنها لتكسب، وبه قال الزهري، وابن أبي ليلى، وعطاء بن يسار، وابن شبرمة، وقال القفال: هو قول آخر للشافعي، ذكره في كتاب تحريم الجمع، وهذا أيضًا غريب، وقال جدي الإمام، وبهذا أفتى رحمه الله واحتجوا بأنها نفقة واجبة فلا تستحق فسخ العقد بها كالنفقة للأيام الماضية ونفقة الخادم، وهذا غلط لما روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما [ق 200 ب].
وروي: من أعسر بنفقة امرأته فرق بينهما، وروى زيد بن أسلم عن أبي صالح، عن
أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول" قال: ومن أعول يا رسول الله قال: "امرأتك تقول أطعمني وإلا فارقني، خادمك يقول: أطعمني واستعملني، ولدك يقول: إلى متى يتركني" أورده الإمام أحمد والبيهقي.
واحتج الشافعي بما روى أبو الزياد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: يفرق بينهما قلت: سنة يقال: سنة.
قال الشافعي: والذي يشبه قول سعيد سنة أن يكون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال سفيان لوكيع: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم الحسب المال والكرم التقوى فقال: أراد أن الرجل إذا كان له مال عظمة الناس فقال سفيان: ليس كذلك إنما هو قول أهل المدينة إذا لم يجد نفقة زوجته فرق بينهما.
واحتج أيضًا بما ذكره في آخر هذا الباب، وهو أن يثبت لها حق الفراق عند العجز عن النفقة والضرر أكثر، وفي فقدها فقد الحياة أولى.
وأما النفقة الماضية فقد صارت دينًا في ذمته ونفقة الخادم لا تقصد بكل نكاح بخلاف هذا.
فرع:
إذا أعسر بما زاد على المد لا خيار لها ولا نصير دينًا في ذمة الزوج وكان الموكل الواجب لها.
فرع آخر:
لو أعسر بكسوتها لها الخيار لأن الكسوة كالقوت ويحتاج إليها لنفي الحر والبرد وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا خيار لها لا بنية الخلقة لا تقتضي الكسوة والبدن يقوم بدونها وهذا ليس بشيء.
فرع آخر:
لو أعسر بسكناها لها الخيار لأنه يحتاج إليها ليكفها من الحر والبرد.
قال أبو حامد، وجماعة لا نص فيه [ق 201 أ] والقياس أنه لا خيار لها لأنه تابع ولا يعدم موضعًا يسكن فيه وتكن أجرته في ذمته يتبع به إذا وجد ويحتمل أن يثبت الخيار لها، والأصح عندي ثبوت الخيار لها.
فرع آخر:
لو أعسر بأدمها، قال الداركي: لها الخيار عندي لأن الإدم بمنزلة النفقة ووجوب أحدهما لمن له وجوب الآخر.
وقال أبو حامد: لا نص فيه والذي يجيء على المذهب أنه كالقوت والذي اختاره أنه لا خيار لها لأنه تبع وتقوم النفس بدونه ويكون عوضه في ذمته لأنه لا يسقط بالإعسار
وهو اختيار القفال: وعندي الأول أصح لأنها تستصغر بعدمه ضررًا بينًا.
وقال في "الحاوي": إن كان قوتًا ينساغ للفقراء كله على الدوام بغير أدم لم تفسخ وإلا فسخت، وهذا حسن.
فرع آخر:
لو أعسر بنصف مد وقدر على نصف مد كل يوم أو قدر على مد يومًا وأعسر يومًا فيها الخيار.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر لا خيار لها لأن البدن يقوم بما وجد وإن لخفتها مشقة، وهذا ليس بشيء.
فرع آخر:
لو أعسر بنفقة يوم فلم تفسخ ثم وجد نفقتها في اليوم الثاني لا خيار لها لإعساره بنفقة الأمس لأنها تثبت في ذمته دينًا.
فرع آخر:
لو كان لا يجد في أول اليوم إلا نفقة الغداء وفي آخره إلا نفقة العشاء ففي خيارها وجهان:
أحدهما: لا خيار لها لأنها تصل إلى الكفاية في وقتها.
والثاني: لها الخيار لا نفقة اليوم لا تبعيض ولو تبعضت لجاز أن يعطيها لقمة لقمة.
فرع آخر:
إذا كان الرجل موسرًا فامتنع من الإنفاق عليها أجبره السلطان عليه فإن امتنع ولا يعرف له مال ظاهر حبسه أبدًا حتى ينفق، وإن كان له مال ظاهرًا أنفق عليها منه، وإن غاب غيبة معروفة أو غيبة منقطعة فلا خيار لها وإن تعذر استيفاء [ق 201 ب] النفقة من ماله لأنه لا عيب بذمته، وهذا الخيار إنما يثبت الغيب بذمته، وهو معدوم عند الانتفاع، فإن طالت غيبته وخفي خبره صارت امرأة المفقود، وقد مضى حكمه.
قال أبو حامد: وهذا مما يغلط فيه الفقهاء يقولون لها الخيار إذا تعذر استيفاء النفقة بهربه أو غيبته.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان وقول الأكثرين أنها لا تفسخ، وقال القفال: مرة فيه قولان:
أحدهما: لا خيار كما لو امتنع من وطئها مع القدرة.
والثاني: لها الخيار؛ لأن المنع كالعجز كما لو منع المشتري الثمن فالبائع أحق بماله وقال مرة أخرى، إن قلنا في العاجز: لا خيار فههنا الأولى، وإن قلنا لها الخيار هناك فههنا وجهان والمشهور من المذهب ما ذكره أبو حامد والمصلحة في الفتوى على الوجه الآخر لأن عليها في الصبر ضررًا، وهو اختيار القاضي الطبري ذكره في الشامل وقبل كلام الشافعي يدل على هذا لأنه قال: احتمل أن لا يكون له أن يستمتع منها ويمنع حقها، وهذا لا يصح لأنه ذكر بعد هذا ما يدل على أن المراد به المنع بالاعتبار دون الظلم.
مسألة:
قَالَ: "إِذَا وَجَدَ نَفَقَتَهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا".
إذا كان الرجل يكتسب في كل يوم قدر ما ينفقه على زوجته في ذلك اليوم لا يثبت لها حق الفسخ لأنهما إنما استحق نفقتها يومًا فيومًا وهو قادر عليها ولا تجب نفقتها للزمان القابل، وقال في "الحاوي": حال من أحوز به النفقة على ثمانية أقسام:
أحدها: أن يكون لشروعه في عمل لم يستكمله بعد ويقدر بعد استكماله على النفقة كالنساج الذي ينسج في كل أسبوع ثوبًا، فإذا نسجه كانت أجرته نفقة أسبوعه فلا خيار لزوجته، لأنه في حكم الواحد، وإن تأخرت وينفق من الاستدانة [ق 202 أ] لإمكان القضاء، ويحكى هذا عن أبي إسحاق.
والثاني: أن يكون لتعذر الحمل كالبناء والنجار فلم يستعمله أحد، فإن كان تعذره نادرًا لا خيار، وإن كان غالبًا فلها الخيار.
والثالث: أن يكون لعجز عن التصرف كالصانع إذا مرض، فإن كان مرجو الزوال بعد يوم أو يومين لا خيار، وإن كان بعيد الزوال لها الخيار.
والرابع: أن يكون لدين له غريم لا يملك سواه ومطلة، فإن كان معسرًا فالدين عليه بأنه فلها الخيار، وإن كان على موسر حاضر فمالك الدين موسر به فلا خيار ويحبس الغريم حتى يؤدى والزوجة في حكم من زوجها موسر، وقد منعها النفقة يحبس على نفقتها، وإن كان الدين على موسر غائب ففي خيارها وجهان كالوجهين في زوجة الموسر الغائب.
والخامس: أن يكون المال غائبًا عنه ينتظر قدومه لينفق منه، فإن كان على مسافة قريبة لا تقصر في مثله الصلاة لا خيار لها لأن ماله في حكم الحاضر ويؤخذ بتعجيل نقله، وإن كان بعيدًا فهو في حكم النيابة ومالكه كالمعدوم فلها الخيار.
والسادس: أن يكون مالكًا لمال حاضرًا استحق عليه في ديونه لا خيار لها قبل
قضاء الدين لأن له أن ينفق منها قبل القضاء والمستحق في قضائه ما فضل عن قرب يومه وليلته، فإذا قضى دينه صار بعد يومه معسرًا فلها الخيار.
والسابع: أن يعجز عن حلال الكسب ويقدر على محظوره فهو على ضربين، فإن كانت أعيانًا محرمة كالسرقة وأثمان الخمور فالواحد لها كالعادم، والثاني: أن يكون الفعل الموصل إليه محظورًا كصناع الملاهي المحظورة لأنه مستعمل في محظور لا يستحق به ما سمي له من الأجرة ولا بد أن يستحق لتفويت عمله أجرًا فيصير به موسرًا [ق 202 ب] ولا يكون لزوجته خيار وكذلك كسب النجم والكاهن يوصل إليه بسبب محظور لكنه قد أعطى عنه عن طيب نفس المعطى فأجرى مجرى الهبة، وإن كان محظور السبب فساغ له إنفاقه وخرج به من حكم المعسرين وسقط به خيارها.
والثامن: أن يكون عجزه لعدم الملك والكسب فهو المقتر على الإطلاق فلها الخيار وهذا كله حسن صحيح.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَمْ يُؤَجَّلْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ".
الإعسار على ضربين: إعسار تأخير، وإعسار عجز، فأما إعسار التأخير فما ذكرنا في النساج والصانع فلا يثبت الخيار لأنه تأخير لا يستضر به كبير ضرر، وأما إعسار العجز والعدم فيثبت الخيار على ما ذكرنا ولكن هل يؤجل ثلاثًا.
قال في القديم: خيارها على الفور ولا يؤجل، وقال: ههنا يؤجل ثلاثًا ولا يؤجل أكثر، وقال في الإملاء: يؤجل يومًا وليس هذا قولًا آخر وأراد إذا أجل يومًا جاز ولم يرد أنه لا يؤجل أكثر من ذلك.
واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: فيه قولان كما قلنا في الثاني بالمرتد والمولى إذا قال: أجلوني للجماع هل يؤجل ثلاثًا؟ قولان:
أحدهما: لا يؤجل لأن سبب الفسخ الإعسار، وقد وجد.
والثاني: يؤجل ليتيقن الإعسار، لأن الكسب ربما يقف، ثم يظهر.
ومن أصحابنا من قال: يؤجل ثلاثًا قولًا واحدًا، وهذا اختيار القفال.
فرع:
إذا أمهلناه ثلاثة أيام فمضى يومان، ثم وجد نفقة اليوم الثالث ثم أعسر لا يستأنف له مدة الثلاث بل اليوم الرابع يتمم ثلاثة أيام فيخير لأنا لو قلنا: لا يثبت الخيار إلا بثلاثة أيام متوالية أدى إلى الإضرار بها وعلى هذا إذا لم ينفق عليها يومًا وأنفق يومًا، ثم لم ينفق يومًا كذلك [ق 203 أ] حتى كملت بالتلفيق ثلاثة أيام فلها أن تفسخ النكاح وكذلك لو
لم ينفق ثلاثة أيام، ثم أنفق في اليوم الرابع، ثم أعسر خير في الحال لأن التأجيل قد حصل، ذكره القفال وجماعة، ومن أصحابنا من قال: إنه يؤجل دفعة أخرى، فإن تكرر وصارت عادة تخير، وهذا حسن والصحيح ما سبق.
فرع آخر:
قال الشافعي: ولا تمنع المرأة في الثلاث أن تخرج فتعمل، وأراد به أنه إذا أمهل الزوج ثلاثة أيام ليس له أن يحجر عليها في طلب ما يقوتها ويسد رمقها من اكتساب ومسألة فإن وجد النفقة بعد الثلاث أنفق عليها وإلا كان لها الخيار.
فرع آخر:
لو كان لها مال ليس له منعها من الخروج من الدار أيضًا للكسب ولو قدرت على الاكتساب في منزلها بغزل أو خياطة وأرادت الخروج للكسب يعمل في غير منزلها كان لها ولا يستحق الحجر عليها في أنواع الكسب ويلزمها أن ترجع بالليل إلى منزل الزوج لأنه زمان الإيواء لا العمل.
فرع آخر:
إذا رجعت بالليل فأراد الاستمتاع بها لا يمنع لأن الليل زمان الدعة ولا يستحق ذلك في النهار، ولو امتنعت في الليل صارت ناشزة لا نفقة لها وهكذا إذا رضيت بالمقام معه على إعساره مكنها من الاكتساب نهارًا واستمتع بها ليلًا ونفقتها تصير دينًا عليه بالتمام يؤخذ بعد يساره وليس كالأمة تسقط نفقتها إذا بالليل دون النهار لأن منع الأمة من جهتها ومنع المعسر من جهته فلا تسقط به نفقتها، ذكره في "الحاوي".
ثم قال الشافعي: "فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خُيِّرَتْ كَمَا وَضَعَتْ فِي هَذَا القَوْلِ" وهذا منه إشارة إلى قول آخر، وقد ذكرنا ما قاله القفال والمشهور المسألة على قول واحد.
[ق 203 ب].
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ وَجَدَ نَفَقَتَهَا وَلَمْ يَجِدْ نَفَقَةَ جَارِيَتِهَا لَمْ تُخَبَّرْ".
إذا أعسر بنفقة خادمة زوجته لا خيار لها لأنه لا ضرر عليها في نفسها تفقد نفقة خادمتها وهي بتماسك نفقة نفسها، ولأن نفقة خادمتها ليست بعوض من تسليم نفسها بخلاف نفقتها فإنها عوض من تسليم نفسها فافترقا، وقيل له إسقاط نفقة خادمتها بأن يخدمها بنفسه، وما كان له إسقاطها لا يثبت الخيار لها بالعجز عنها، فإذا ثبت هذا، فإن
نفقة خادمتها تكون دينًا في ذمته تطالبه بها إذا أيسر وإنما كان كذلك لأنه اعتبر في وجوبه حالها بخلاف المد الزائد، فإنه لا يثبت في ذمته لأنه اعتبر في وجوبه حاله.
واعلم أن حق المطالبة بنفقة الخادمة للزوجة لا للخادمة لأنها من كمال نفقة الزوجة، وقال بعض أصحابنا بخراسان في نفقة الخادمة وجه آخر لها الخيار بالعجز عنها لأنها مستحقة بالنكاح كنفقة الزوجة، وهذا ليس بشيء.
فرع:
لو خدمها الزوج في مدة إعساره بنفقة خادمها ففي رجوعها عليه بنفقة الخادم وجهان مخرجان من الوجهين هل يجوز للزوج أن يسقط بخدمته لها نفقة خادمها أم لا.
مسألة:
قَالَ: "وَمَنْ قَالَ هَذَا لَزِمَهُ عِنْدِي إِذَا لَمْ يَجِدْ صَدَاقَهَا أَنْ يُخَيِّرَهَا".
الفصل:
إذا أعسر بالصداق اختلف أصحابنا فيه على طرق:
أحدها: إن كان قبل الدخول فيه قولان:
أحدهما: لا خيار لها لأن نفسها تقوم بدون الصداق بخلاف النفقة، وأيضًا النفقة بإزاء الاستمتاع بدليل أنها تسقط بالنشوز، فإذا لم ينفق كان لها أن تمنع الاستمتاع على وجه تنتفع هي به وهو بالفسخ والمهر إنما وجب بالعقد وهي قد صارت حكمًا فلا خيار لها بالعجز عنه، ومن قال هذا [ق 204 أ] قال: تأويل كلام الشافعي في الإملاء لها الخيار يعود إلى النفقة لا إلى المهر.
والثاني: لها الخيار لأنه بدل من البضع كثمن المبيع والأجرة، وهذا أقيس، وإن كان بعد الدخول فلا خيار لها قولًا واحدًا لأنه صار دينًا في ذمته ويلف ما في مقابلة فهو بمنزلة النفقة الماضية، وأيضًا فإنها لما سلمت نفسها كان ذلك رضا منها بكونه في ذمته فلم يكن لها الفسخ، وهذه الطريقة ذكرها ابن أبي هريرة واختارها صاحب الإفصاح.
والثانية: لا فرق بين أن يكون قبل الدخول أو بعده فيه قولان لأنها سلمت بعض المعقود عليه والمهر في مقابلة جميع الوطيات الماضية والمستقبلة فلها الفسخ للمستقبل كما لو وجد بعض المبيع في يد المفلس له الخيار.
والثالثة: إن كان قبل الدخول يثبت لها الخيار قولًا واحدًا ويحمل على اختلاف الحالين، وهذا اختيار أبي إسحاق، قال القفال: وعلى هذا إذا حصل الدخول على أي