فرع آخر
لو اشترى عبداً فكان غليظ الكلام أو ثقيل النفس أو بطيء الحركة أو قليل [151/ أ] الأدب لا خيار له ولو كان به بله أو خبل أو مؤتة أو سارق أو آبق أو ساحر أو نمام أو به نفخة طحال أو كان يشرب الخمر، قال القاضي: ويسكر أو يقذف المحصنات أو يدع الصلوات أو أرت لا يفهم أو في فمه سن زائدة أو مقلوعة، يثبت الرد بالعيب والأصل فيه أن كلما ينقص قيمته عينه أو قيمته أو منفعته يثبت الخيار.
فرع آخر
لو اشترى عبداً مطلقاً فبان فحلا لا خيار، وكذلك إن كان عنيناً وإن بان خصياً فله الخيار، وإن كان يزيد قيمة الخصي على قيمة الفحل لنقصان العين، وإن كان بالشرط فشرط الفحولة فبان خصياً فله الخيار وإن شرط خصياً فبان فحلا فله الخيار أيضاً.
فرع آخر
لو وجده خنثى فله الخيار سواء كان مشكلاً أو ظهر حاله لأنه خلاف المعهود، ذكره أصحابنا.
فرع آخر
لو اشترى عبداً فوجده زانياً يثبت له الخيار، وقال أبو حنيفة: لا خيار له ووافقنا في الجارية أنها ترد بعيب الزنا فيقول: هذا ينقص من قيمته لأنه يعرضه [151/ أ] لإقامة الحد ومنه النقصان فوجب أن يثبت الخيار.
فرع آخر
لو وجده يبول في الفراش يثبت به الخيار، وقال أبو حنيفة: لا خيار له ووافقنا في الجارية إذا كانت تبول في الفراش يثبت الخيار، واعتذر بأن في الجارية تفسد عليه فراشه وفي الغلام لا يوجد ذلك، فيقول في الغلام يفد الثياب التي ينام فيها فيكون نقصاً.
فرع آخر
لو كانت طفلة مثلها تبول في الفراش لا خيار، وكذلك في الغلام الطفل.
فرع آخر
لو وجده كثير الأكل أو قليل الأكل لا خيار، لأنه لا تغير به الرغبات غالباً ولا يظهر أثره في عمله، ولهذا لا ينخفض عنه عند الشراء.
فرع آخر
لو وجد الدابة قليلة الأكل له الخيار لأنه ينقص عمله إن كان عاملاً ولا يزيد لحمه إن كان مأكولاً ولا يسمن.
فرع آخر
لو اشترى جارية للوطء فوجدها بخراء كان ذلك عيباً هكذا ذكره القاضي أبو حامد،
ولم يذكر نحو الغلام ولكن قال سائر أصحابنا: يثبت فيه الخيار أيضاً لأن ذلك [151/ ب] ينقص من ثمنه، وكذلك لو وجد به صناناً، وقال أبو حنيفة: هذان يكونان عيباً في الجارية دون الغلام لأنهما يؤذيانه في الفراش بخلاف الغلام فنقول البخر في الغلام أيضاً يؤذيه عند المخاطبة والمسارة.
فرع آخر
لو وجده يتمكن من نفسه باللواط كان عيباً يثبت به الخيار، وقال أبو حنيفة: هو عيب في الكبير دون الصغير لأن الكبير يفعله طبعاً والصغير يفعله غباوة وجهلاً اختداعاً بالمال ونحو ذلك وهذا غلط، لأنه ينقص القيمة فيهما.
فرع آخر
لو وجدها رتقاء أو قرناء يثبت الخيار لأنه عيب، ولو وجدها يتأخر حيضها فله الخيار نص عليه الشافعي في "البويطي".
قال أصحابنا: أراد إذا كان لعلو السن فيكون غالب الظن الإياس منه.
فرع آخر
لو وجدها مغنية لا خيار وكذلك في العبد، وقال مالك في الجارية: يبثت الخيار لأن ذلك يخلقها ويدل على قلة صيانتها وهذا غلط، لأنه صنعة يزيد في ثمنها والمبتغي من الرقيق يوفر الأثمان، فإن كره ذلك أمكنه أن يمنعها [152/ أ] وإنما يحرم استعماله دون معرفته، وأصحاب مالك ينكرون هذا عن مالك.
فرع آخر
لو وجدها متزوجة يثبت الخيار لأنه ينقص قيمتها، وكذلك لو وجد العبد متزوجاً يثبت الخيار لأن عليه غرم النفقة والمهر.
فرع آخر
لو وجدها معتدة يثبت الخيار أيضاً لأنها لا تحل لأحد ولو وجدها محرمة يثبت الخيار أيضاً، ولو وجدها أخته من الرضاع لا يثبت الخيار لأنها تحل لغيره بخلاف المعتدة والمحرمة، وكذلك لو وجدها قد وطئها أبوه لا خيار وقيل: فيه وجه له الخيار وهو ضعيف، ولو وجدها صائمة لا خيار عن الخروج عن الصوم قريب.
فرع آخر
لو وجده والداً أو ولداً عتق عليه ولا رد ولا أرش لأنه لمعنى في العاقد فلا يكون عيباً.
فرع آخر
لو كان في ذمته دين المعاملة عن قرض أو خسران تجارة لا خيار له لأنه ضرر عليه فيه، وقال أبو حنيفة: له الخيار وهذا غلط، لأنه يلزم أداء ذلك بعد العتق ولا يستضر به سيدة ما دام مملوكاً له، ولو كان المال في رقبته يثبت الخيار.
[152/ ب].
فرع آخر
لو أرسل عليه زنبوراً حتى انتفخ فظن المشتري أنه سمين ثم بان يثبت الخيار.
فرع آخر
لو اشترى جارية فبانت غير مختونة لا خيار لأن ذلك سليم فيها، وإن بان الغلام غير مختون نظر فإن كان له سبع فما دون لا خيار وإن كان كبيراً في ختانه مشقة يثبت الخيار لأنه يخاف عليه منه، ومن أصحابنا من قال: إن كان الكبير من سني الوقت من وقت لا يختتنون لا خيار لأنه ما خالف المعهود.
وقيل في الجارية وجهان والصحيح: أنه يثبت الخيار لأنه لو كان فيها أصبع زائدة يثبت الخيار ولا يستحق قطعها فلأن يثبت هاهنا ويستحق إزالة هذه الجلدة أولى.
فرع آخر
لو شرط أنه أقلف فبان مختوناً قال بعض أصحابنا: إن كان فيه غرض له الخيار بأن كان الغلام مجوسياً وعلم أن المجوس يرغبون فيه، وإن كان بخلافه لا خيار.
فرع آخر
لو ختنه ثم وجد به عياً قديماً فالختان لا يمنع الرد لأنه زيادة.
فرع آخر
لو وجدها أبيض الشعر فإن كانت [153/ أ] كبيرة يبيض شعر مثلها لا خيار لأنه ما خالف المعهود وإلا يثبت الخيار.
فرع آخر
لو اشترى عبداً فكان يبول في نومه قد ذكرنا أن له الرد فلو لم يعلم حتى كبر العبد لم يكن له الرد ويرجع بالأرش لأن علاجه بعد الكبر عسير فصار كبره عنده كالعيب الحادث في يده.
فرع آخر
لو أبق في يد المشتري ليس له مخاصمة البائع ما دام آبقاً، قال مالك: له مخاصمته إذا عرف أنه كان آبقاً وهذا غلط لأنه يحتمل بقاءه فيستحق الرد واسترجاع الثمن ويحتمل تلفه فيستحق الأرش وما جهل استحقاقه لا تصح المطالبة به.
فرع آخر
لو أبق قبل القبض فقال البائع للمشتري: لا يفسخ البيع فإني أتيك به لا خيار له.
فرع آخر
لو اشترى عبداً صح أنه بيع في جناية جناها فإن كانت خطأ، فإن كانت تكررت منه كثيراً فهو عيب وجب الرد وإن كانت مرة واحدة لا يكون عيباً لأنه لا يخلو أحد منه في الغالب، وإن كان عمداً فإن لم يكن تاب العبد منها [153/ ب] كان عيباً، له الرد.
وإن تاب فهل يكون عيباً يوجب الرد؟ فيه وجهان، أحدهما: لا يكون عيباً لأن التوبة رفعت الإثم دون النقص.
فرع آخر
لو اشترى جارية أو عبداً فوجده ولد الزنا لا خيار لأن النسب الصحيح غير مقصود في العبيد والإماء.
لو علم أن البائع للدار أو العبد وكيل أو أمين حاكم أو وصي ميت أو أب لابنه الصغير، هل يرد بهذه الأسباب؟ وجهان، أحدهما: لا يرد لجواز تنوعهم وصحة عقولهم.
والثاني: يرد لما يخاف من فساد النيابة واستحقاق الدرك ذكره في "الحاوي" وقيل: إن لم يكن الولي ثقة طاهراً له الخيار.
فرع آخر
لو اشترى جارية فزوجها من رجل فقال الزوج لها: إن ردك المشتري بالعيب على البائع فأنت طالق وكان قبل الدخول ثم وجد بها عيباً فأراد ردها على البائع.
قال والدي: الأظهر عندي أنه له الرد لأنه لا ضرر في قبولها معيبة لأن الفرقة بينها وبين زوجها عقيب الرد بلا فصل ولا يحلف النكاح عدة ويحتمل أن يقال ليس له [154/ أ] الرد لأن العيب الحادث موجود عند الرد فمنع الرد ولأن الزوج قد يمون عقيب الرد فيلزمها عدة الوفاة ولا يقع الطلاق على المذهب الصحيح.
والعدة عيب ويستضر بها البائع فلا يتيقن زوال العيب من جميع الوجوه عند وقوع الرد، وهكذا لو اشترى جارية مزوجة من غير علم بالتزويج ثم قال الزوج لها: أنت طالق إذا بريء المشتري من الثمن وكان قبل الدخول ثم علم المشتري بالتزويج هل له الخيار؟ يحتمل أن يقال: له الخيار لأن العيب موجود في الحال وزواله مظنون لجواز أن يموت الزوج قبل أن يراه المشتري من الثمن قيلزمها عدة الوفاة، فلا يجوز إسقاط الرد بأمر معلوم في الحال لزوال في الثاني غير معلوم، ويحتمل أن لا يثبت الخيار لأنه لا ضرر على المشتري في ذلك لأن عدة الوفاة إن وجبت يثبت الخيار بها لأنها عيب حادث في يد البائع لم يقع الرضا به ولا يمكن أن يقال مثله فيما قدمناه لأن البائع لا يثبت له الرد بعد القبض لإيجاب مدة الوفاة فيؤدي إيجاب القبول هناك إلى إلحاق الضرر [154/ ب] به فلم يوجبه على ما ذكرنا في الوجه الثاني.
فرع آخر
لو اشترى دابة فوجدها جموحاً لاتنقاد للركوب فإن كان لا يمكن إلا بشد قوائمها أو باجتماع الناس عليها كان عيباً وإلا فلا.
فرع آخر
لو اشترى أرضاً على ظن أن لا خراج عليها فبان الخراج قدر العادة لا خيار لأنه وافق المعهود والظن إذا لم يعتمد أصلاً لا حكم له وإن وجدها مثقلة بالخراج فله الخيار.
فرع آخر
لو وجدها تألف الخنازير وتفسد زرعها فيه وجهان، أحدهما: لا خيار لأن الضرر ليس لنقص في المعقود عليه.
والثاني: يثبت الخيار لأنه ينقص القيمة.
فرع آخر
لو وجد الدار برسم النزول أو في جوار القصارين يدقون الثياب وينادون بصوت الدق وتحرك الحيطان فيه وجهان أيضاً على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو باع عشرين صاعاً من ماء في بئر فاستسقى منها تسعة عشر صاعاً فلما أخرج الصاع الأخير [155/ أ] وجد فيه فأرة ميتة ولم يتغير الماء بها فأريق هذا النجس وقال البائع أسلم الصاع الباقي من باقي الماء لأنه كبير لم يتغير بالنجاسة، ورام المشتري فسخ البيع كان له الفسخ لأن هذا الماء نجس عند بعض الفقهاء فتعافه النفس فيصير كعيب أصابه بما أشتراه نص عليه الشافعي.
فرع آخر
قال أصحابنا على قياس هذه المسألة المنصوصة لو اشترى ماء ثم تبين أنه مشمس هل له الرد؟ يحتمل وجهين: أحدهما: ليس له الرد وإن كانت النفس تعافه لأنه غير مسلوب المنفعة في قول العلماء أجمع فإن الطهارة به جائزة بكل حال والكراهة كراهة تنزيه لا تحريم، والثاني: وهو الأظهر عندي له الرد لأنه ينقص ثمنه بقلة الرغبات فيه.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بالعراق: لو اشترى داراً فأظهر رجل قباله بالوقفية، علم أنها على الأصل، وليست هي مزورة كان ذلك عيباً في المبيع له ردها لانه يؤدي إلى النقص في الثمن وهو اختيار مشايخ طبرستان وكذلك لو ادعى مدع يعول على دعواه فادعى وقفيتها [155/ ب] يحتمل أن يقال: ذلك عيب وهذا إذا سبقت الدعوى البيع أو كان بعد البيع قبل القبض.
فرع آخر
لو باع داراً على أن يكون له أو لآخر ممر رجل في دهليزها أو مسيل ما صح وهو يبرأ من عيب ليقطع خياره إذا عرفه.
فرع آخر
إذا باع الطاهر من الأواني، بالتحري لزمه تعريف المشتري فإن لم يعرفه هل له الخيار؟ وجهان.
فرع آخر
لو اشترى عبداً فقبل القض جاء ابن المشتري وقطع يده فيثبت الخيار للمشتري ثم
مات قبل الاختيار والتمكن منه وانتقل الإرث إلى الابن القاطع، هل له الخيار؟ فحق الإرث يحتمل أن يقال: له الخيار لأنه يستفيد هذا الخيار بنفسه بل عن الموروث فاعتبر حاله، ألا ترى أن الابن لو رضي بالعيب حال حياة الأب ثم مات الأب كان له الخيار ولا يعمل رضاه المتقدم في ذلك؟! كذلك هاهنا فإذا صح هذا فإن اختار إجازة البيع لم يغرم شيئاً للقطع، لأنه يستحيل أن يجب له الحق على نفسه، وإن اختار الفسخ كان عليه نصف القيمة في [156/ أ] إحدى اليدين وتمامها في اليدين ويسترجع الثمن إن كان قد قبضه من الموروث، وفيه قول آخر إنه يغرم نقصان القيمة إلحاقاً للمماليك بالأموال في هذا الباب والأول أظهر.
فرع آخر
إذا اشترى عبداً ثم وجد به عيباً فقبل رده مع كونه في الرد جاء البائع وقع يده كان له الرد على البائع في أحد الوجهين، وهو الأظهر عندي، والوجه الثاني: لا يرد لأنه حدث عيب آخر في يد المشتري.
فرع آخر
إذا باع عبداً قيمته مائة وسلمه إلى المشتري والقيمة بحالها ثم تقابلا فوجد البائع بالعبد عيباً حادثاً عند المشتري هل له فسخ الإقالة؟ يحتمل وجهين، فإن قلنا: الإقالة بيع له الفسخ.
وهذا اختيار القاضي الطبري وهذا لأن هذا العيب كان في ضمان المشتري ولم يذكر وجهاً آخر، وإن قلنا: الإقالة فسخ ليس له الفسخ وهذا أصح وعلى هذا الوجه له الرجوع بنقصان العيب والأقرب أنه يلزمه نقصان القيمة لأن البيع مرتفع بينهما.
مسألة: قال: وإن كان باعها أو بعضها [156/ ب] ثم علم بالعيب لم يكن له أن يرجع بشيء.
إذا اشترى سلعة ثم باعها ثم أصاب بها عيباً يعلم أنه كان بها قبل ابتياعها لا يخلو إما أن يبيعها بعد العلم بالعيب أو قبله فإن باعها بعد العلم بالعيب سقط حكم الرد لأنه آخر الرد مع الإمكان وهو يثبت على الفور ثم ينظر في المشتري.
الثاني: فإن ردها على بائعه بالأرش وليس للبائع أن يرجع على بائعه لأنه كان أسقط حقه من العيب بالكلية بالبيع مع العلم، وإن باعها قبل العلم بالعيب ثم علم فقد تعذر رده ولا يرجع على البائع بالأرش لأنه لم ييأس من الرد لجواز أن يرد المشتري الثاني عليه بذلك العيب فيرد على بائعه، وإذا أمكن رد العين لم يجز له الرجوع بالأرش.
وقال أبو إسحاق: العلة فيه أنه استدراك الظلامة يبيعه بثمن مثله فلا يجوز له الرجوع بالأرش العيب والأول أصح.
وهو اختيار أبي حامد والقاضي الطبري وهو في الحقيقة لم يستدرك الظلامة بل غبن المشتري في البيع، ولأنه لم يحصل له استدراك الظلامة من جهة [157/ أ] من ظلمة فلا يسقط حقه به.
وقال عبيد الله العتبري وابن أبي ليلى: إذا باعه ثم علم بالعيب يرجع بالأرش في الحال، وهذا غلط لما ذكرنا.
وقال أصحاب مالك:
الصحيح من مذهب مالك أن يرجع مثل قول ابن أبي ليلى وهو غريب.
وحكى عن ابن سريج أنه قال: يرجع بالأرش في الحال، ثم إذا عاد البيع إليه رده على بائعه واسترجع الثمن إلا قدر ذلك الأرش وهو غريب فإذا ثبت هذا فإنه ينظر فإن رد المشتري الثاني على البائع الثاني رد البائع الثاني على البائع الأول، وإن كان قد حدث عند المشتري الثاني عيب فرجع بالأرش على البائع الأول بالأرش على التعليلين جميعاً.
هكذا ذكره أهل العراق وهو المذهب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يرجع بالأرش لأن للبائع الأول أن يقول له كان يمكنك أن تسترده بالعيبين فحيث دفعت الأرش صرت متبرعاً بذلك [157/ ب] وهو اختيار ابن الحداد.
وهذا غلط لأنه لو استرده مع اليبين ربما لا يرضي به البائع الأول فيلزمه معيباً ويستضر به.
فرع
لو عاد إليه بوجه آخر من هبة أو ميراث ولم يرد عليه ولا حدث عنده عيب آخر فهل له أن يرده على البائع الأول؟ وجهان بناء على اختلاف التعليلين فعلى التعليل الأول: له الرد لأنه يمكنه الرد الآن ويئس من الرد وهو المذهب، وعلى التعليل الثاني: ليس له الرد لأنه استدرك ما لحقه من الظلامة، وحين عاد إليه عاد بلا عوض.
فرع آخر
لو اشترى عبدين فباع أحدهما ثم أعلم بالعيب فإن كان العيب في الذي باعه ليس له الرجوع بالأرش لأنه استدرك الظلامة ولم ييأس من الرد وإن كان العيب في الذي في يده، وقلنا: لا نفرق الصفقة ليس له الرد أيضاً ولا يرجع بالأرش أيضاً لأنه لم ييأس من رد الجملة، وإن قلنا تفرق الصفقة كان له رده.
فرع آخر
لو هلك عند المشتري الثاني أو أعتقه أو وقفه فهل يرجع المشتري الأول [158/ أ] بالأرش على بائعه؟ فإن قلنا بالتعليل الأول يرجع لأنه آيس من الرد، وإن قلنا بالتعليل الثاني لا يرجع لأنه استدرك الظلامة.
فإن رجع المشتري الثاني عليه بالأرش هاهنا له أن يرجع بالأرش على بائعه الأول بلا خلاف.
فرع آخر
إذا اشترى عبداً ثم أعتقه أو وقفه أو قتله أو مات في يده أو كان طعاماً فأكله ثم علم به عيباً له الرجوع بالأرش وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: إذا قتله أو أكله لا يرجع بالأرش لأنه أزاله ملكه عنه بفعل مضمون كما لو باعه.
وهذا غلط؛ لأنه عيب لم يرض به وحده بعد الإياس من الرد، فكان له الرجوع الأرش كما لو اعتقه وأما ما ذكره لا يصح لأن بالبيع لا يجب الضمان وإنما يجب الضمان بالتسليم ولأن في البيع لم ييأس من الرد.
فرع آخر
لو وهب ثم علم به عيباً فإن قلنا: الهبة تقتضي الثواب لا أرش له للعلتين كما قلنا
في البيع، وإن قلنا: لا تقتضي الثواب.
قال بعض أصحابنا: لا يرجع بالأرش لأن ملكه زال بالهبة ولم ييئس من الرد ووافقنا فيه [158/ ب] أبو إسحاق، وهذا يدل على بطلان علته لأنه لم يستدرك الظلامة هاهنا.
فإن عاد إلى الأول بأي جهة عادلة رده على بائعه وجهاً واحداً لأنه لم يستدرك الظلامة وقدر على الرد.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا لا يقتضي الثواب فيه وجهان، أحدهما: له الأرش لأنه لم يستدرك الظلامة بالعوض.
والثاني: ما ذكرنا ذكره في "الحاوي" وغيره.
وكذلك لو وهبه أو أجره ثم علم فيه وجهان بناء على هذين التعليلين.
فرع آخر
لو زوجها أو كان عبداً فزوجه أو كاتبه فيه وجهان، أحدهما: لا يرجع بالأرش لأنه لم ييأس من الرد، والثاني: يرجع بالأرش لأن النكاح يراد للتأبيد.
فرع آخر
لو أبق العبد من يده ثم علم به عيباً لا يمكنه الرد لخروجه من قبضه وليس له أخذ الأرش بلا خلاف بين أصحابنا للتعليل الأول وهذا يدل على فساد علة أبي إسحاق، وقيل: فيه وجه له الأرش لأنه تعذر الرد من غير استدراك الظلامة وهذا غريب بعيد.
وهذا إذا كان [159/ أ] العبد معروفاً بالإباق.
فأما إذا أبق عند المشتري ولم يكن منه إباق قط فهذا حدوث عيب به لم يكن عند البائع فيرجع بالأرش ولكن للبائع أن يقول: أنا أرضى برده مع العيب الحادث فلا يكون للمشتري المطالبة بالأرش الآن.
ولو عرف به عيب الإباق فقد بينا أنه لا يطالب في الحال بشيء فإن هلك الآبق في الإباق رجع المشتري على البائع بالأرش قولاً واحداً فيقوم آبقاً وغير آبق.
فرع آخر
لو علم المشتري الثاني بالعيب فرضي به سقط رده وأرشه، ولا يرجع المشتري الأول على بائعه لعدم العلتين.
فرع آخر
لو باعه المشتري من بائعه فقد صار المشتري الثاني البائع الأول وفيه المسائل الثلاث فإن علم الثاني بالعيب وما كان علم به قبل هذا رده على المشتري الأول، والأول يرده على بائعه وفائدته اختلاف الأثمان.
ومن أصحابنا من قال: ليس له الرد لأنه لو رده لرده عليه.
قال أصحابنا: وينبغي أن يقال إذا رضي المشتري بالعيب ثم علم به فأمسكه أن لهذا البائع الأول الرد عليه لأنه إذا [159/ ب] رده إليه لم يكن له أن يرده إليه.
والثانية: علم الثاني بالعيب وقد حدث عنده نقص يرجع بالأرش على المشترك الأول والأول يرجع على بائعه ولكن كل واحد منهما يرجع بأرش العيب بالحصة من الثمن الذي اشتراه به.
والثالثة: علم الثاني بالعيب ورضي به ليس للأول أن يرجع بأرش العيب لأنه قد استدرك الظلامة ولم ييأس من الرد وإن هلك عند المشتري الثاني أو أعتقه فهل يرجع المشتري الأول على بائعه بالأرش؟ على ما مضى من الوجهين.
فرع آخر
لو باعه من آخر ثم اشتراه مرة أخرى ثم وجد به عيباً، فعلى من يرد؟ قال القفال: فيه وجهان: أحدهما: يرد على من اشترى منه ثانياً ثم إن رده هو عليه مرة أخرى فحينئذ يرده على الأول وإنما يفعل هكذا لأن الثاني ربما يرضي فلا يرد وهو الصحيح، والثاني: يرده على من اشترى منه أولاً ولو اشتراه مرة أخرى بعد العلم بالعيب القديم فلا شيء له على الأول لأنه يقول: اشتريته عالماً بعيبه بعدما كنت تخلصت منه فقد [160/ أ] رضيت بعيبه وهذا أبلغ من أن يعرف العيب ويؤخر الرد مع الإمكان في معنى الرضا بالعيب وسائر أصحابنا لم يفصل هذا التفصيل، وأطلق أنه إذا عاد إليه بشراء هل يرد على البائع الأول: وجهان: أحدهما: لا يرد لأنه هو الذي أدخل الغبن على نفسه والتزمه بالشراء.
ثانياً: والصحيح ما ذكرنا.
فرع آخر
لو وجد البائع بالثمن عياً بعد ما زال ملك المشتري عند المبيع وعاد إليه هل له أن يسترد الثمن ويسترد العين، كما لم يزل ملك المشتري عن العين أو يطالبه بمثل المبيع إن كان له مثل أو بقيمته وإن لم يكن له مثل رد الثمن؟ وجهان معروفان: أحدهما: يطالبه بالعين لأن العين موجودة فلا معنى لقيمتها.
والثاني: هذا ملك جديد فيجعل كأنه لم يعد إليه فيرجع بقيمته، وهو كالوجهين فيما لو أفلس المشتري بالثمن بعد ما زال ملكه عن المبيع وعاد هل للبائع أن يرجع في عين ماله أم لا؟ وهكذا الصداق إذا أخرج عن ملك المرأة ثم عاد ثم طلقها قبل الدخول في عين ماله أم لا؟ وهكذا الصداق إذا أخرج عن ملك المرأة ثم عاد ثم طلقها قبل الدخول هل يرجع في صف عينه أو نصف قيمته؟ وجهان.
[160/ ب].
فرع آخر
لو لقي المشتري البائع فأقبل على محادثته ثم أراد الرد، ليس له لأن أخذه في الكلام مع إمساكه عن الرد إسقاط لحقه منه.
فرع آخر
لو سلم عليه ثم رده جاز والسلام لا يمنع الرد لجريان العرف أدباً وشرعاً به، ولأن السلام قريب لا يطول به الزمان.
وحكي عن محمد أنه قال: بطل به الرد لأنه اشتغل بغير الرد كما لو اشتغل بالكلام.
فرع آخر
إذا ابتاع شيئاً بألف فتطوع أجنبي عنه بوزن الألف ثم خرج المبيع مستحقاً رد الألف على الأجنبي، وإن كان المشتري رد المبيع بعيب رد الألف على المشتري دون الأجنبي في أصح الوجهين كما لو وزن أجنبي صداق زوجة ثم طلقها زوجها على من يرد الصداق فيه خلاف.
فرع آخر
لو قال للجارية المبيعة بعد العلم بعيبها: أغلقي الباب أو ناوليني الثوب لا يمنع الرد لأنه استعمال يسير والعرف جار بمثله في غير ملك.
فرع آخر
لو ركب الدابة ليردها فيه وجهان: [166/ أ] أحدهما: لا يرد لأنه تصرف لم تجر به العادة في غير ملك إلا بإذن المالك.
والثاني: وهو اختيار ابن سريج له الرد لأن الركوب أعجل له الرد وأصلح للدابة من القود.
وقد قال الشافعي: إذا ركبها بطل الرد وأطلق، والمراد إذا ركبها استعمالاً لا للرد.
وبه قال أبو حنيفة.
فرع آخر
لو كان لابساً للثوب فوقف على عيبه في الطريق فتوجه ليرده مستديماً للبسه، جاز ولا يمنعه ذلك من الرد لقربه وإن العادة لم تجر في الطريق بنزعه ولو ابتدأ لبسه بعد العلم بطل الرد.
فرع آخر
لو زال العيب سقط الرد، وقيل: فيه قولان منصوصان.
مسألة: قال: "وإن حَدثَ بهِ عيب كان له قيمة العيب الأول".
الفصل
إذا اشترى شيئاً فحدث عنه عي به ثم بان أنه كان به عي موجود عند البيع، يرجع بأرش العيب الأول ولا يرده قهراً لأنه انتقص عنده بالعيب الحادث.
فإن قال البائع: أنا أرضي به مع العيبين [161/ ب] فلا يكون له سوى رده عليه ولا يكون له مطالبته بالأرش.
فإن قال حينئذ: أنا رضيت به معيباً ولا أطالبه بالأرش، كان له ذلك وهو أحق به.
وقال حماد وأبو ثور: المشتري يرد على البائع مع أرش العيب الذي حدث في يده، وقيل إن أبا ثور حكاه عن الشافعي في القديم.
وقال مالك وأحمد: هو بالخيار بين ما قال أبو ثور، وبين ما قلنا.
وروي عن مالك أنه قال: إن كان البائع دلس على المشتري له الرد ويلزمه أرش العيب الحادث، وإن لم يكن دلس فكما قال أبو ثور، وهذا غلط لأنه لو كان العيب
الحادث من جناية المشتري، لا يرد كذلك ها هنا ولأنه عيب حدث في ضمان أحد المتايعين لا لاستعلام العيب.
فأثبت الخيار للآخر، كما لو حدث عند البائع يثبت الخيار للمشتري.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو قال البائع: ردها ورد معها أرش العيب الحادث لا رد الثمن هل له ذلك؟ حتى إن امتنع المشتري من هذا بطل خياره في الرد وجهان: أحدهما: خياره باق ولا يلزمه أن يرد الأرش [162/ أ] مع المبيع، والثاني: يبطل خياره.
وبنى الوجهين على أنه إذا اشترى جوزاً فكسره ثم عرف العيب.
وقلنا يرده ولا يمنعه الكبير من الرد هل عليه أن يرد معه أرش الكبير؟ فإن قلنا يلزمه ذلك فهاهنا للبائع أن يطلب الأرش.
وإن قلنا: ليس له ذلك فلا يطالبه بالأرش هاهنا، وهذا خلاف النص.
فرع آخر
لو أخذ المشتري الأرش ثم ارتفع العيب الحادث، هل لع أن يرد المبيع مع الأرش الذي أخذ ويسترد كل الثمن؟ وجهان: أحدهما: ليس له ذلك لأنهما تراضياً على الأرش فسقط حق الرد.
والثاني: لا يسقط حق الرد بل يرد لأنه أخذ الأرش ضرورة، إذا لم يكن له إلى الرد سبيل.
ويقرب الوجهان من الوجهين، إذا أنعل دابة ثم وجد بها عيباً فردها مع النعل فذلك منه تمليك للبائع النعل وهو لنوع مصلحة، فإن قلنا: تمليك فأخذ الأرش هاهنا رضي بالحكم القطعي، وإن قلنا ليس بتمليك حتى إذا سقط النعل كان له.
فإذا ارتفع العيب هاهنا يصير أحق بالرد هكذا ذكره أصحابنا بخراسان.
وقال أصحابنا بالعراق: نص الشافعي في "البويطي" أنه [162/ ب] إذا ارتفع العيب الحادث عنده له الرد.
قال أصحابنا معناه: إذا ارتفع قبل أن يحكم له الأرش فإن حكم له بالأرش وقبضه لم يكن له الرد، لأن الحكم قد استقر فلا ينتقض.
وإن لم يكن أخذ الأرش فيه وجهان: أحدهما: لا يرد لأنه حكم له بالأرش.
والثاني: يرد لأنه لم يستقر الحكم.
وقيل: إن كان يرضي زواله فالمذهب أنه يلزمه رد الأرش، وإن كان لا يرجي زواله فاتفق زواله هل له استرداد الأرش؟ وجهان، كما لو ثبت السن بعد أخذ الأرش؟ هل يلزمه الأرش؟ قولان وهذا أولى مما تقدم.
فرع آخر
لو اشترى ثوباً فقطعه ثم وجد به عيباً لا يرد لحدوث العيب وله الأرش، إلا أن يقول البائع: رضيت به مقطوعاً بلا خلاف.
ولو صبغه ثم وجد به عيباً له الإمساك وأخذ الأرش.
فإن قال البائع: رضيت أن آخذه وأرد قيمة الصبغ كان له ذلك، ويقال للمشتري: إما أن ترضي به من غير أرش أو ترده وتأخذ قيمة الصبغ.
وليس له إمساكه أو أخذ الأرش، وقال أبو حنيفة: ليس للبائع أن يقول ذلك وللمشتري مطالبته بالأرش وإمساكه.
[163/ أ] وهذا غلط لأنه يمكنه استدراك الظلامة بالرد بالعيب فلا يستحق الأرش كما لو لم يكن صبغه.
فرع آخر
لو قطعه ثم باعه فليس له مطالبته بالأرش لأنه لم ييأس من الرد لأن المشتري الثاني ربما يرده بالعيب ويرضي البائع الأول باستراده مقطوعاً فلا أرش له، وكذلك لو صبغه ثم باعه لأنه ربما يستردها البائع الأول مصبوغاً ويرد إليه قيمة الصبغ.
ووافقنا أبو حنيفة في الثوب المقطوع وخالفنا في المصبوغ، فقال: له المطالبة بالأرش وبناه على أصله في المسألة الأولى للمشتري الامتناع من رده إليه مع أخذ قيمة الصبغ.
مسألة: قال: ولو اختلفا في العيب ومثله يحدث فالقول قول البائع.
إذا اشترى عبداً فأصابه به عيباً واتفقا على أنه كان به حين العقد أو بعد العقد قبل القبض كان له رده، وإن اختلفا فقال البائع: حدث بعد القبض فلا رد لك، وقال المشتري: كان به حال القبض فلي الرد فالأصل في هذا أن العيب على ثلاثة أضرب: منها ما لا يحدث مثله، ومنها ما لا يمكن حدوثه [163/ ب] إلا بعد القبض، ومنها ما يحتمل الأمرين، فإن لم يمكن حدوثه بحال كالأصبع الزائدة فالقول قول المشتري بلا يمين، وإن كان مما لا يمكن حدوثه إلا بعد القبض كالشجة الطرية والدم يجري والقبض منذ سنة فالقول قول البائع بلا يمين، وإن كان مما احتمل الأمرين كالجنون والبرص ونحو ذلك فالقول قول البائع لأن معه سلامة العقد والظاهر صحة العقد وانبرامه.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي: "يحلف بالله لقد باعه بريئاً من هذا العيب".
قال المزني: هذا غلط ينبغي أن يحلف لقد أقبضه إياه وما به هذا العيب لأن العيب إذا حدث في يد البائع بعد عقد البيع كان مضموناً على البائع قلنا: قال صاحب "الإفصاح": إن ادعى عليه أنه باعه وبه هذا العيب، وإن ادعى أنه سلمه إليه، وبه هذا العيب حلفه على حسب الدعوى.
وقال القاضي أبو حامد: وإن ادعى العيب ولم يذكر أنه كان قبل البيع أو بعده وقبل القبض احتاط الحاكم فيحلفه أنه اقبضه وما به هذا العيب، وإن أجاب البائع وقال لا يستحق هذا العيب لأنه قد يشتريه وهو عالم [163 ب/ 6] أنه يبرئه فيه أو يفرط في رده ولا يمكنه أن يظهر ذلك لأنه لو أظهر صار القول قول المشتري أني ما علمت وما رضيت فيتصور به البائع ولا يمكنه أن يحلف أنه لم يكن به هذا العيب عنده لأنه يكون كاذباً فيه فحلفناه على ماذكرنا، وإن أجاب وقال: لقد بعته بريئاً من هذا العيب وكان دعواه بعته مني معيباً فإن حلفه على هذا جاز، وهل للحاكم أن يعدل عما أجاب فيحلفه أنه لا يستحق رده عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يحلفه إلا على ما أجاب وهذا ظاهر المذهب، واختاره القفال، والثاني: يحلفه على أنه لا يستحق رده عليه لأنه أحوط وللحاكم أنه يحتاط فيما يحلف عليه وهذا اختيار القاضي الطبري.
وإذا قلنا بالوجه الأول قال القفال: فهل للبائع أن يعدل عن هذا الجواب ويحلف أنه لا يستحق الرد علي؟ فيه وجهان:
أحدهما: له أن يعدل لأنا كنا نرضي منه في الابتداء بهذا القدر من الإنكار، والثاني: ليس له ذلك بعدما أجاب على وفق الدعوى وعليه أن يحلف على ذاك ونظير هذه المسألة إذا ادعى عليه أنه غصبه هذه الدار فقال: لا يستحق علي [164/ ب] شيئاً يكون جواباً صحيحاً ويحلف على ما أجاب، ولو قال ما غصبتها فهل يحلفه الحاكم على هذا أو على أنه لا يستحق عليه شيئاً؟ فيه وجهان على ما ذكرنا، وإن حلفه على ذلك أجزأه، وإن أراد أن يعدل هو فيحلف على نفي الاستحقاق وجهان.
وهكذا لو قال: بعت عبدك هذا مني بألف وقبضت الثمن وعليك تسليمه إلي، فإن قال: ما بعته ولا قبضت الثمن.
فهذا إنكار على وفق الدعوى فيحلف هكذا ولا يحتاج أن يقول: لا يلزمني تسليمه إليك إذ المدي يدعي وجوب التسليم من هذا الوجه وقد نفي هذا الوجه فإن كان التسليم واجباً من وجه آخر فليدع ذلك وإن أعرض عن دعواه، وقال: لا يلزمني تسليمه إليك فهذا إنكار لا على وفق الدعوى ولكن يرضي منه بهذا القدر لأنه قد يتبع ثم يتقابلان أو يشتريه ثانياً فيحلف على وفق إنكاره، وكان إنكاره القسم الأول وهو أن قال: ما بعت ثم أرد أن لا يحلف لنفي البيع بل يحلف لنفي وجوب التسليم فيه وجهان.
وفي الجملة لا يلقن المدعي الدعوى فإذا تقرر هذا كيف يحلف البائع على العلم أو على [165/ أ] البت؟ فهاهنا أصل وهو أن الرجل إذا حلف على فعل نفسه حلف على البت والقطع نفياً كان أو إثباتاً وإن حلف على فعل غيره فإن كان على الإثبات حلف على البت مثل إن ادعى ديناً لوالده على رجل أو أقام شاهجاً واحداً فحلف معه على البت، وإن كان على النفي حلف على العلم، مثل إذ ادعى أنه غصبني هذا العبد في حياته فيحلف وارثه على العلم لا أعلم ذلك وهاهنا البائع يحلف على فعل نفسه فيلزمه البت فيحلف بأني بعتك وما به هذا العيب، وقال ابن أبي ليلى: يحلف على نفي العلم لأنه ربما يكون به هذا العيب وهو لا يدري وهذا غلط، لأن فيه ظلماً على المشتري لأن له حق الرد وفي كل عيب قديم علم به البائع أو لم يعلم، وقد يمكنه قطع اليمين على ظاهر ما كان يعلم من سلامته ويسوغ له قطعها فيما بينه وبين الله تعالى.
فرع
لو أنكر البائع أصل العيب، وقال: هو سليم فعلى المشتري إقامة البينة على العيب فإن قامت البينة على هذا وادعى أنه كان قديماً عند البائع وأقام البينة على هذا أيضاً، ثم ادعى البائع أني بعته على البراءة من عيبه ورضاه به [165/ ب] وآخر الرد وأنكر المشتري فالقول قول المشتري مع يمينه، ذكره القاضي أبو حامد في "الجامع" فيحلف على البت أنه لم يعلم ولم يرض به أو لم يؤخر الرد مع الإمكان لأنه ادعى عذراً محتملاً.
فرع آخر
لو حلف البائع في المسألة المتقدمة أن العيب لم يحصل في يده ثم اختلفا في الثمن وتحالفا وترادا فقال البائع: حلفتموني أن العيب حدث في يد المشتري فأثبتوا لي أرش هذا العيب عليه يقول له: لا بل كان يدعي المشتري تمليك يمكنك الفسخ فجعلنا القول قولك وأنت اليوم تدعي عليه أرش هذا العيب فيحصل القول قوله إن لم يحدث في يده اعتباراً بأن الأصل راء الذمة في الموضعين، ويجوز أن يصير المدعي مدعى عليه في
حادثة واحدة في باقي الحال، كما لو باع الوكيل شيئاً وقبض الثمن وزعم أنه دفعه إلى الموكل فأنكر الموكل فجعلنا القول قول الوكيل إذ هو أمين فحلف إن استحق المبيع فرجع المشتري بالثمن على الوكيل إذ كان دفع إليه فقال الوكيل: حلفت أني دفعت إلى الموكل فأنا أرجع به [166/ أ] ويدعي عود هذا الحق فلا يقبل قوله في العود إلا بحجة واضحة وله الرجوع بنقصان العيب من الثمن؛ لأن حق الرجوع بالنقصان كان ثابتاً للمشتري والبائع يدعي ذهابه فلم يقبل قوله إلا بحجة واضحة، وقيل: قال الشافعي: يحلفان فيحلف البائع بالله أن البياض القديم زال والمشتري يحلف بأن صاحبه ثم إذا حلفا فالمشتري يأخذ الأرش ولا يرد فتظهر فائدة يمين البائع في منع الرد وفائدة يمين المشتري في أخذ الأرش لأنه لا طريق إلى إلغاء اليمنين.
فرع آخر
رجل باع من آخر عشر جرار من الرب بعينها ثم سلمها إليه في زق المشتري فوجدت في الزق فأرة ميتة ثم اختلفا فقال البائع: كانت الفأرة في الزق، وقال المشتري: كانت في الرب في إحدى الجرار يحتمل أن يقال القول قول البائع مع يمينه لأنه شاهدنا الفأرة في الرب الآن فمن ادعى كونها فيه قبل ذلك احتاج إلى دليل فإن قيل يقابل بأنا شاهدنا الفأرة في الزق، فمن ادعى كونها فيه قبل ذلك احتاج إلى دليل فإن قيل يقابل بأنا شاهدنا الفأرة في الزق، فمن ادعى كونها فيه قبل ذلك احتاج إلى دليل قلنا: تقابلا ولكن الظاهر صحة البيع وسلامته من النقص [166/ ب] والفساد، ولو اختلفا في العيب ومثله يحدث فالقول قول البائع مع يمينه ويحتمل وجهاً آخر بناء على القولين في اختلاف المتراهنين في مسألة العصير إذا وجده خمراً فإن اتفقا على أنها لم تكن في الزق فالرب كله نجس، وهل يكون من ضمان البائع أو المشتري؟ يحتمل أن يقال: ينفسخ البيع في قدر جرة من الرب بقسطه من الثمن خاصاً على قول من يفرق الصفقة ويلزم البائع ضمان الباقي أيضاً، ولكن لا يضمنه بالثمن، وذلك أنا نحمل الأمر على أن الجرة التي فيها الفأرة صبت في الزق آخر فينجس الجميع، ويلزمه ضمان قدر هذه الجرة بالثمن لفساد البيع فيه، ويلزمه ضمان الباقي لأن تنجيسه بأمر حصل منه ويحمل الأمر على أن صبها كان في الابتداء أو في الانتهاء، وأي هذه الأمور كان فالجواب يرجع إلى ما قلنا: إذا كان في الزق فأرة ميتة فتسليم البائع الرب فيه هل يقع صحيحاً؟ فإن قلت: نعم لا يستقيم لأن الرب في حال ما يحصل في الزق يصير تالفاً نجساً فلا يحصل التسليم على التمام.
وقيل: التسليم حاصل لأن الرب يحصل [176/ أ] عليه فالقول قول الموكل فأنا أرجع به عليه فالقول قول الموكل أنه لم يقبض منه شيئاً؛ إذ الوكيل أمين في أن لا يغرم وليس بأمين في أن يغرم الموكل شيئاً.
ذكره القفال.
فرع آخر
لو وكل وكيلاً في بيع عبده فأصاب المشتري به عيباً فرده عل الوكيل نظر فإن رده بعيب لا يحدث مثله كالإصبع الزائدة فالوكيل يرده على موكله، وإن كان لا يمكن حدوثه إلا بعد القبض فقبله الوكيل لم يكن له رده على موكله، وإن كان عيباً يحتمل الأمرين نظر فإن أقام المشتري البينة أنه كان به حال العقد رد عليه وكان له رده على موكله، وإن لم يكن له بينة فالقول قول الموكل، فإن حلف سقط الرد، وإن لم يحلف رددنا العين على المشتري، فإن حلف ورده على الوكيل فالوكيل لا يرده على الموكل
لأنه عاد إليه باختياره فهو كما لو صدقة فيما يدعيه.
وقال أبو حنيفة: إذا نكل الوكيل قضي عليه بالنكول ويرد عليه العبد ويرده الوكيل على الموكل، وقال القاضي الطبري: إذا قلنا: رد اليمين بمنزلة البينة في أحد الوجهين يجب أن يكون له [167/ ب] رده على الموكل وهذا وجه مشهور، وفي هذا نظر عندي وذلك أنه يجعل كالبينة في حق من رد عليه وهاهنا حق الموكل وهو لم يرد عليه.
فرع آخر
لو اختلف رجلان في شيء هو في يد أحدهما فقال من هو في يده: ابتعته منك وأديت ثمنه إليك وقبضته منك، وقال من ليس في يده:" ابتعته منك وأديت قيمته إليك ولم أقبضه منك وأنا مطالب لك بتسليمه إلي وأقام كل واحد منهما بينة، قال ابن سريج فيما فرع على "الجامع الصغير": البينة بينة صاحب اليد وبه قال أبو حنيفة.
وقال محمد: البينة بينة الخارج، وهذا غلط لأنهما تساوياً في البينة والاحتمال ولتفرد أحدهما بزيادة يد فقضينا له بها.
فرع آخر
لو اشترى عبداً في عينه نكتة بياض فلم يعلم به المشتري حتى حدث نكتة بياض في موضع آخر من عينه ثم زالت إحداهما فقال البائع: زال القديم فلا يستحق الرد، وقال المشتري: زال الحادث فلي الرد لم يكن له الرد لأن المشتري اعترف بزوال حق الرد بحدوث العيب [186/ أ].
في ابتداء الرق وهو طاهر ثم يصير نجساً بعده بملاقاة النجاسة، ففي حال طهارته حصل في يد المشتري فلا اعتبار بحدوث النجاسة بعده، ولأن نجاسته يسبب من جهة المشتري فإنه الذي أمر البائع بالصب فيه أو فتح رأسه ليصب البائع فيه ذلك والتلف إذا حصل بسبب من جهة المشتري لا يمنع حصول التسليم والتسلم حكماً، كما لو قتل المشتري العبد المشتري قبل قبضه أو حفر بئراًَ في غير ملكه فوقع فيه هذا العبد صار قابضاً مع حصول التلف من جهة أن تلفه بأمر من جهته كذلك هاهنا.
مسألة: قال: "وسمعته يقول: كل ما اشتريته مما يكون مأكوله في جوفه فكسره فوجده فاسداً".
لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون مما لا يوقف على عينه إلا بكسره كالبيض والبطيخ المدود والقثاء المدود والجوز واللوز ففيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يرده ويسترجع الثمن وهو الصحيح لأنه نقص يتوصل به إلى استعلام العيب فلا يمنع الرد كحلب [168/ ب] لبن المصراة ولا يجب الأرش لأنه قطع قطعاً مستحقاً فصار كما لو كان عبداً فختنه ثم علم بالعيب ويفارق لبن المصراء حيث يلزمه ضمان ذلك لأنه انتفع باللبن الموجود في الضرع حال البيع الذي له قسط من الثمن.
والثاني: يرده ويرد معه أرش ما نقص بالكسر كما في المصراة وهذا ضعيف وبيان الأرش هاهنا ما بين قيمته صحيحاً فاسداً وقيمته فاسداً مكسوراً وهو كالعين المأخوذة سوماً يلزمه أرش النقص الداخل فيه.
والثالث: وبه قال أبو حنيفة والمزني: لا يرده أصلاً ولكن يرجع عليه بأرش قيمته صحيحاً فاسداً وبين قيمته صحيحاً غير فاسد إلا أن لا يكون لفاسده قيمة أصلاً مثل بيض الدجاجة فيرجع بجميع الثمن لأنه باع ما لا يجوز بيعه، وبان بطلان البيع لأنه باع ما لا قيمة له كالخنافس والديدان، وقال بعض أصحابنا بخراسان: رجع بجميع الثمن لا يحكم فسخ البيع بل يحكم أن أرشه جميع الثمن، والفاسد يكون للمشتري فعليه نقله إلى المزبلة إن احتيج إلى تفريغ المكان وهذا غلط والصحيح [169/ أ] ما ذكرنا.
وقال مالك وأحمد في رواية: ليس له الرد ولا الأرش واحتج بأن البائع لا يعلم بعيبه فلا تدليس من جهته فلا يرد من جهته وهذا غلط، لأن عقد البيع يقتضي السلامة كما في الثوب.
واحتج المزني على ما اختاره بأن قال: هذا عندي أشبه بأصله لأنه لا يرد الرابح مكسوراً كما لا يرد الثوب مقطوعاً فيقال له: أما رد الرابح فعلى القولين غير أن الشافعي ربما يجيب على أحد القولين وربما ينص عليهما، ولو كان في الرابح بقية يمكن الوقوف على عيبه منها من غير كسر، فإذا كسر لا يرد لأنه لا ضرورة به إليه.
وقيل قال المزني: هذا أشبه بأصله أن لا يرد الرابح بغير الكاتب فكتب لأنه لا يرد.
أما الثوب مقطوعاً لا يشبه الجوز مكسوراً لأن كسر الجوز سبيل إلى التوصل إلى معرفة علامته بخلاف قطع الثوب.
ومن أصحابنا من رتب ترتيباً آخر فقال: هل له الرد؟ قولان فإذا قلنا: له الرد هل عليه أرش الكسر؟ قولان.
وإن كان مما يمكن الوقوف على عيبه بغير كسره كالرمان تعرف حموضته بأن تغرز فيه [169/ ب] إبرة والبطيخ تعرف حموضته بمثل ذلك أو قريب منه بكسره فهذا بمنع الرد قولاً واحداً لأنه يمكن معرفة العيب بأقل منه، ولهذا لما لم يمكن معرفة الدود في البطيخ إلا بالكسر فقطع القطعة منه لا يمنع الرد وعلى هذا يرجع بأرش العيب.
ومن أصحابنا من قال فيه الأقاويل أيضاً.
لأن ذلك القدر يتعذر ضبطه وهذا ضعيف.
فرع
لو اشترى ثوباً مطوياً على طاقين فرأى جميع الثوب من جانبيه يجوز فإن نشره ثم وجد به عيباً ينظر فإن كان مما ينقص بالنشر فلا يخلو إما إن كان يمكنه أن يحمل إلى أهل الخبرة به لينشره نشراً لا ينقصه فنشره بنفسه فنقصه فليس له رده، وإن كان لا يمكن أحداً نشره إلا بإلحاق نقص هـ فإن هذا القدر من النقص هل يمنع الرد؟ على ما ذكرنا من الأقاويل، وإن كان يمكنه الوقوف على العيب بدون النشر الذي ينقص قيمته نشراً ينقص فالصحيح أنه يمنع الرد وفيه قول آخر: وليس بشيء، وإن كان مما لا ينقص بالنشر أصلاً كالكتان ونحوه فلا [170/ أ] تمنع الرد أصلاً.
فرع آخر
لو كانت شاة فوجد بها عيباً فساقها ليردها فحلبها في الطريق وهي سائرة ولم يقفها للحلب قال أصحابنا: لا يبطل الرد، وإن أوقفها للحلب بطل الرد لأن المنفعة للمشتري فإذا استوفاها من غير ترك الرد وحبس الأصل لا يمتنع الرد.
فرع آخر
قال والدي رحمه الله: على قياس هذا لو كانت ثيباً فوطئها وهو حامل لها ينبغي أن لا يبطل حق الرد لهذا المعنى وعلى هذا إن ولدت في الطريق فالولد له.
فرع آخر
لو اشترى دابة فأنعلها وضرب عليها إكافاً وجعل عليها لقودها رسناً ثم وجد بها عيبباً كان له أن يحط الإكاف ولا يجوز له قلع النعل فإن لم يحط عنها الإكاف بطل خياره، وإن قلع نعلها بطل خياره، والفرق بينهمت: أن الأنعال من الاستصلاح والحفظ لقوائمها ووقايتها عما يصيبها بتركه وقلعه يضر بها فيبطل خياره، وأما وضع الإكاف والسرج عليها لاستعمالها في الغالب فتركها يكون استدامة جهة الاستعمال فيبطل خياره [170/ ب] بذلك، وأما الرسن فتركه عليها لحفظها ونزعه عنها لا يضرها فلا يبطل واحد منهما خياره.
ذكره صاحب "التلخيص" تخريجاً.
مسألة: قال: "ولو باعَ عبدَهُ وقد جَنَى".
الفصل
إذا جنى عبده ثم باعه فيه قولان أحدهما: البيع باطل وهو المختار لأن الشافعي قال: وبهذا أقول: لأن الرقبة كالمرهونة له بالجناية ولا يجوز بيه المرهون قبل الانفكاك، والثاني: البيع جائز وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وهو اختيار المزني لأن نفس الجناية لا ترسل الملك والسيد بالبيع كالمختار للفداء وهذا لا يصح لأن السيد لا يقدر على إسقاط حقه إلا أن يوفيه بالفداء، وكذلك الراهن يسقط حق المرتهن بأداء الحق فلا فرق بينهما وفيه قول ثالث: مخرج أنه موقوف فإن فدى السيد جاز البيع وإلا فلا.
واختلف أصحابنا في موضع القولين على ثلاثة طرق: منهم من قال: القولان فيه إذا كانت الجناية خطأ وقد تعلق برقبته الأرش، أو كان عمداً ولكن صولح على مال، فأما إذا كانت الجناية عمداً فالبيع صحيح قولاً واحداً وهو ظاهر المذهب [171/ أ] وقال القفال: هذا إذا قلنا: موجب العمد القود فحسب فأما إذا قلنا: موجب العمد أحد أمرين إما الدية وإما القصاص فحكمه حكم الخطأ ومنهم من قال: على العكس القولان في العمد وأما في الخطأ فقول واحد البيع باطل كبيع المرهون وهذا لأن جناية العمد توجب استحقاق نفسه فيصير كبيع المستحق فلا يصح في أحد القولين والخطأ يوجب الأرش في رقبته كالمرهون سواء وحق الجناية آكد لأنه تقدم على حق المرتهن، ومنهم من قال فيه قولان.
وجملته: أن عند الرجل إذا تعلق به حق مال فإن كان المالك علقه به كالرهن فالبيع باطل قولاً واحداً وإن تعلق به بغير اختياره كالزكاة وأرش الجناية فيه قولان.
فإذا قلنا: البيع باطل رد المشتري العبد وانقطعت العلقة بينه وبين البائع ونفي الكلام بين السيد وبين المجني عليه، وإن كانت الجناية عمداً توجب القود قبله فلا كلام وإن كانت خطأ أو عمداً يوجب المال.
فالسيد بالخيار بين الفداء وبين التسليم للبيع للسيد وليس له أن يسلم عين العبد إلى [171/ ب] المجني عليه خلافاً لأبي حنيفة وإن اختار أن يفديه فيه قولان: أحدهما:.... الأمرين من خمسة أو أرش جنايته، والثاني: أرش الجناية... البيع وتسليمه المبيع، وموضع هذا كتاب الجنايات، وإذا قلنا: البيع صحيح هل كانت الجناية خطأ أو عمداً يوجب الثاني، أو عمداً يوجب فهل يلزم السيد الأرش المنصوص؟ يلزمه الأرش نص على ذلك بالبيع، ولا سبيل له في فسخ البيع بعد ذلك، لأنه تعين به حق المشتري، ولما باعه مع العلم يتعلق الحق برقبته صار ذلك في ذمته بالتزام الأرش، وبه قال أبو حنيفة، إلا أن يكون السيد معسراً فيفسخ البيع حينئذ ويباع في الجناية، وحق المشتري من الثمن في ذمة السيد، وهذا لأن حق الجناية يتعلق لحق المشتري... ومن أصحابنا من قال: لا يتعين ذلك على السيد وهو بالخيار من التزام الأرش وبين فسخ البيع وتسليم العبد ليباع في الجناية، لأنه ليس في بيعه أكثر من التزام الأرش وبين فسخ البيع وتسليم العبد ليباع في الجناية، لأنه ليس في بيعه أكثر من التصريخ بالفداء، ولو قال: أنا آخذ به لا يتعين الفداء بل يحمل على الوعد فهاهنا أولى وهذا لا يصح لأن اختيار الفداء هاهنا حصل بإزالة الملك ونفد فصار التزاماً في ذمته كما لو قبله بخلاف ما لو قال: التزمت الفداء بالقول، فإذا قلنا بما قال أصحابنا: بكم يفدي لو اختار الفداء؟ فيه قولان على ما ذكرنا، وإذا قلنا بالمنصوص قال أبو حامد وجماعة: يفديه بأقل الأمرين قولاً واحداً لأنه لا يقدر على تسليمه للبيع للزوم البيع فصار كما لو قلته يفدية بأقل الأمرين قولاً واحداً ويفارق المسألة قبلها لأنه يقدر على تسليمه للبيع.
وقال القاضي الطبري: فيه قولان أيضاً لأنه باختياره منع من تسليم نفسه للبيع.
قلت: وإذا قبله يوجد هذا المعنى فيحتمل فيه قولاً آخر أيضاً، وإن كانت الجناية موجبة للقصاص فللولي الخيار بين القصاص والعفو على مال تعلق المال برقبته، والحكم فيه كما لو عفا قبل البيع لأنه مستحق بسبب سبق البيع، وإن اختار القصاص فاقتص نظر فإن كان قبل القبض بطل البيع، وإن كان بعد القبض اختلف أصحابنا فيه قال ابن أبي هريرة: كونه قاتلاً بمنزلة كونه معيباً فإن كان [172/ ب] المشتري عالماً بأنه قاتل ولا يرجع على البائع بشيء، وإن كان جاهلاً رجع عليه بالأرش فيقوم العبد قاتلاً وغير قاتل فيلزم البائع ما بين القيمتين بقسطه من الثمن لأنه قتل في يده فتعذر رده وهذا اختيار ابن سريج وابن أبي هريرة، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد، وهذا لأنه ليس في كونه قاتلاً أكثر من أن يخاف عليه التلف فصار كما لو اشترى مريضاً لا يعلم مرضه حتى مات في يده.
قال أبو إسحاق: يرجع بجميع الثمن وهو المذهب المنصوص، وبه قال أبو حيفة لأنه لما قتل في المشتري سبق العقد وهو كالجناية كان بمنزلة أن يخرج مستحقاً ولا يعتبر بأن قتله يجعل كالاستحقاق لأنه لو جعل كالاستحقاق لم يصح البيع أصلاً وعلى هذا يجب دفنه وتكفينه على البائع.
وعلى هذا إذا غضب عبداً فجني في يده ثم رده على صاحبه ثم قتل في يد صاحبه بالجناية رجع على الغاصب بكل القيمة ويفارق المريض لأن المريض يتلف بزيادة مرض يحتمل في يد المشتري وهاهنا يتلف بما سبق فإن قيل: على [172 ب/ 6] هذا يبطل بالمرتد إذا قتل في يد المشتري فإنه يقتل بإقامته على الردة، وقد تحددت الردة في يد المشتري ويرجع بكل الثمن على هذا القول قلنا: الردة السابقة في يد البائع أباحت القتل وإقامته عليها ليست بردة أخرى
ورجوعه عن الردة مبطل لها كالعفو عن القصاص فالمرتد والقاتل سواء، وعلى هذا القول المنصوص.
قال بعض أصحابنا: يلزم أن يقال له الرجوع بكل الثمن، وإن كان عالمًا بحاله لأن من اشترى مغصوبًا عالمًا بالحال فاستحق من يده له الرجوع ولا خلاف أنه يلزمه إذا اشتراه عالماً بالحال فاستحق من يده له الرجوع ولا خلاف أنه يلزمه إذا اشتراه عالماً بحاله ولا يرجع بشيء.
ونص عليه في الرهن، فقال: إذا علم به سقط حقه لأنه بمنزلة العيب ولهذا جوز البيع فعلى هذا هو كالمستحق مع الجهل بحاله والعيب مع العلم بحاله، وهذا اختيار القفال وجماعة.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان عالماً به يرجع بكل الثمن عند الشافعي لأنه كالمستحق وعلى قول ابن سريج لا يرجع بشيء وهذا لا يصح بما تقدم فإذا تقرر هذا قال المزني: يجوز بيعه [173/ ب] كما يجوز عتقه واستشهد بالمرهون عكسًا فإنه لم ينفذ فيه بيع الراهن لا ينفذ عتقه فيه، وقال: سوى الشافعي بين المرهون وعتقه قلنا: قال بعض أصحابنا: العتق مبني على البيع فإن قلنا: البيع يجوز ففي العتق ثلاثة أقوال كما نقول في المرهون:
أحدها: ينفذ موسرًا كان أو معسرًا، والثاني: لا ينفذ ومن أصحابنا من قال: إن كان موسرًا ولزمه أرش الجناية ويضمن أقل الأمرين لأنه استهلكه بالعتق، وإن كان معسرًا هل ينفذ؟ فيه قولان أحدهما: ينفذ بخلاف البيع ولأنه ينفذ في المبيع المحبوس وله عليه وشرائه بخلاف البيع وقول المزني: إن الشافعي سوى بينهما غلط، لأن الشافعي أبطل بيع المرهون قولًا واحدًا، وفي عتقه ثلاثة أقوال.
قال القفال: وكذلك في المرهون إن كان موسرًا أنفذ العتق قولًا واحدًا، وفي المعسر قولان.
قال ابن سريج: وكذلك أقول في المبيع قبل القبض وقبل أداء الثمن، وقال هذا القائل: إن كانت الجناية عمدًا ينفذ العتق قولًا واحدًا لأن المستحق به القود واستحقاق القود [174/ أ] لا ينافي العتق لأنه يقبل، وإن كان قد أعتق وهذا إذا قلنا: موجب العمد القود فحسب والفرق بين الرهن والجناية على قول بعض أصحابنا: إن حق الرهن تعلق على كره منه فافترقا في جواز العتق.
فرع
العبد القاتل في قطع الطريق إن قدر عليه بعد التوبة وبيع فالقتل الذي عليه قصاص محض، وقد ذكرنا حكمه، وإن قدر عليه قبل التوبة فقد تحتم قتله.
قال بعض أصحابنا: وهو اختيار أبي حامد قولًا واحدًا لا يجوز بيعه لأنه لا قيمة لمن تحتم قتله، وعلى البائع رد الثمن قبل القبض وبعده، ومن أصحابنا من قال فيه قولان أيضًا، كما لو كان قصاصًا مجردًا وفيه منفعة وهي أن يعتقه وهذا اختيار القاضي الطبري، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز بيعه قولًا واحدًا كالمرتد يتحتم قتله ويجوز بيعه قولًا واحدًا.
وقيل في المرتد ثلاثة طرق: أحدها: أنه كالمعيب عند الجهل والعلم، والثاني: أنه كالمستحق عند الجهل مع العلم، والثالث: هو كالمستحق عند الجهل وكالعيب عند العلم [174/ ب] قال أبو حامد: نص على هذا في "الأم" قلت: وهذه الطرق تجيء في العالم أيضًا.
فرع آخر
لو باع السارق الذي وجب قطع يده يصبح بيعه، فإذا قطع يده في يد المشتري فعلى قول الشافعي كان له الخيار بين الإمساك والرد لأنه لو قتل في يده باستحقاق كان له فسخ العقد، فمع قطع اليد أولى وعلى قول ابن سريج: لا يرد لحدوث العيب في يده فيرجع بأرش العيب، ويقوم صحيحًا غير سارق وصحيحًا سارقًا، ويرجع نقصان ذلك من الثمن، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا بالأول: لا يرد بل يرجع بما قيمته سارقًا مقطوعًا وقيمته غير معيب بالسرقة من الثمن، وهذا ضعيف.
وهكذا الحكم من اشترى عبدًا به جراحة فلم يعلم بها حتى سرى الجرح ومات، وإن كان عالمًا بالحال فلا خيار له بلا خلاف.
مسألة: قال: "ومن اشترى عبدًا وله ماٌل فماله للبائع".
الفصل
جملة هذا أن العبد لا يملك شيئًا إذا لم يملكه السيد قولًا واحدًا، وإن ملكه السيد هل يملك فيه [175/ أ] عليه ومانع لانتزاع السيد ذلك من يده وصار كأنه باع عبدًا ذا مال كما يبيع عبدًا ذا زوجٍة بدليل أنه قال: فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع فجعله للمبتاع بالشرط لا بالشراء، ولو كان يصير له بالشراء لقال فماله للبائع إلا أن يشتريه المبتاع فعلى هذه العلة لا يكون مال العبد مبيعًا فيصح البيع، وإن كان المال دينًا أو غائبًا أو مجهولًا أو مفضيًا إلى الربا، حتى لو كان مال العبد ألفي درهم فاشتراه بألف درهم صح وللمشتري أن ينتزع له ألفين من يده ويدفع أحد الألفين إليه في ثمنه ويبقى له العبد والألف بغير شيء دفعه من ماله.
وقال الاصطخري وابن خيران: التعليل كون المال يبقى له فيجوز مع الجهالة في حقوق الدار ولا يمنع جواز البيع قالا: وعلى هذا لا يجوز إذا أدى إلى الربا، وإن كان تبعًا لأن الربا لا يجوز تبعًا وينبغي أن ينزه العبد عن الربا تبعًا ومتبوعًا فعلى هذا لو كان ماله ألفي درهم لا يجوز أن يشتريه بألف ولا بألفين لأجل الربا، والصحيح العلة الأولى لأن الشافعي قال في القديم: وعاب علينا بعض الناس أنكم جوزتم [175/ ب] بيع العبد معه ألفان بألف فيبقى له العبد والألف فالتزم الشافعي جواز ذلك، وهذا سؤال أبي حنيفة أنه لا يجوز إذا كان معه نقدًا لا أن يكون الذي مع العبد أقل من الثمن، ولو باع هذا العبد مطلقًا، ولم يذكر المال لا يدخل المال في البيع بلا إشكال.
وقال الحسن: يكون ماله للمشتري وإن أطلق وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
فرع
لو أعتقه فالمال الذي معه للسيد، وقال مالك: ماله للعبد إذا كان ملكه وهذا غلط، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أعتق عبدًا وله مالٌ فماله للمعتق"، وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أراد أن يعتق عبدًا له فقال: يا أبا عمير ما مالك؟ فأنا أريد أن أعتقك وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من أعتق عبدًا فماله للذي أعتق"، وروي أنه أعتقه ثم
قال له: إن مالك لي ثم تركه.
فرع آخر
إذا قلنا: يملك بالتمليك هل يحتاج إلى قبول العبد؟ وجهان على أن السيد هل يجبر عبده على النكاح؟ قولان.
[176/ أ].
فرع آخر
قد ذكرنا أن له الرجوع، وإن قلنا: يملك بالتمليك فلو وطئ السيد وكانت جارية هل يكون رجوعًا؟ وجهان، ولو باع ذلك المال أو زوجها إن كانت جارية كان رجوعًا على الصحيح من المذهب.
فرع آخر
لو باعه من ماله وقلنا: يملك وجوّزنا البيع ثم وجد به عيبًا رده مع ماله لأنه قبض عبدًا ذا مال فيرده كما قبضه، وقال داود: يمسك المال ويرد العبد وحده لأن ماله لم يدخل في البيع وصار هو أحق به، وهذا غلط لما ذكرنا.
وعلى هذا لو أخذ ماله وأتلفه ثم وجد به عيبًا يرجع بالأرش ولا يرده فيقوم عبدًا ذا مال لا عيب فيه وعبدًا ذا مال به هذا العيب ويرجع بما بين القيمتين من الثمن.
فرع آخر
لو اشترى عبدًا فوجده مأذونًا في التجارة ركبته الديون لا خيار له لأنها متعلقة بذمته، وقال مالك فيما حكى أصحابنا عنه: له الخيار.
وحكى عن أبي حنيفة: البيع باطل لأنها متعلقة برقبته.
مسألة: قال: "وحرام التدليس ولا ينتقض به [176/ ب] البيع".
أراد بالتدليس أن يخفي عيب المبيع عن مشتريه أو يغير خلقته من تسويد شعره ونحو ذلك، وهو مشتق من الدلسة وهي الظلمة، فكأنه لما لم يبين وتركه على الخفاء كان مدلسًا وهذا حرام لما ذكرنا فيما قبل ولا يبطل به البيع لأن البيع في العاقد دون المعقود عليه وإذا بان العيب يثبت له الخيار، وقال داود: يبطل البيع وهذا غلط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز بيع المصرّاة مع التدليس ولو كذب في رأي المال فقد دلس، ولكن لا يثبت به الخيار في غير المرابحة، وكذلك إذا قال: طلب مني بكذا كاذبًا يكون مدلسًا ولا خيار به لأنه لا نقض في المعقود عليه.
وقد روى ابن سباغ قال: اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع فلما خرجت بها أدركنا فقال: هل بين لك ما فيها؟ قلت: وما فيها إنها لسمنة ظاهرة الصحة فقال: أردت بها سفرًا أم أردت لحمًا؟ قلت: أردت عليها الحج، قال: بخفها نقب فقال صاحبها: [177/ أ] أصلحت الله ما تريد إلى هذا تفسد عليّ فقال إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لأحد أن يبيع شيئًا إلا يبين ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا بينه".
مسألة: قال: وأكره بيع العصير ممن يعصر الخمر.
الفصل
إذا باع العنب ممن يعصر الخمر فإن باعه عالماً بأنه يعصر خمرًا، وأن المشتري يشتريه لذلك فقد فعل محرمًا، لأنه قصد المعاونة على المعصية والبيع صحيح لأن التحريم لمعنى في غير المقصود عليه، ومن أصحابنا من قال: هذا اختيار أبي حامد، وقول جمهور أصحابنا: أنه يكره ولا يحرم وإن باعه مطلقًا ولم يقصد به شيئًا، ولكن ظاهر ظنه أنه يتخذه خمرًا فقد فعل مكروهاً خشية الحرام، ولا يكون حراماً لأنه قد تخلله أو يبيعه بريبة ولا يبطل البيع بحال، وحكى ابن المنذر عن الحسن أنه قال: لا بأس يبيع التمر ممن يتخذه سمرًا.
وقال الثوري: بع الحلال ممن شئت، وقال مالك: البيع باطل وبه قال أحمد، وقال أحمد كذلك: لا يجوز بيع الجارية [177/ ب] ممن يتخذها للغناء، وهكذا الخلاف في بيع السيف ممن يعصي الله تعالى به ومذهبنا على التفصيل ذكرنا.
فرع
بيع السلاح من أهل الحرب في دار الإسلام هل يجوز؟ وجهان أحدهما: لا يجوز لتحريم إمضائه، والثاني: يجوز ويفسخ وهما مخرجان من القولين في شراء الكافر عبدًا مسلمًا، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز وجهاً واحدًا لأنه فيه تقوية الكفار على المسلمين وهو اختيار القاضي الطبري وقد قيل: لا يجوز من الحربي ومن الذمي في دار الإسلام وجهان، لأنه ربنا ينقض العهد أو ينفذه إلى دار الحرب.
فرع آخر
إذا وجد شاةً مذبوحة في بلد يجمع محبوسًا ومسلمين لم يحل أكلها إلا أن يغلب على الظن الإباحة بأن يكون عدد المسلمين أكثر.
مسألة: قال: وأكره مبايعة من أكثر ماله حرام.
إذا باع السلطان الجائر الذي يأخذ الجزية والخراج ويأخذ المال ظلمًا بالمصادرات أو الذمي الذي يبيع الخمر والخنزير [178/ أ] ويأخذ الثمن فإن تيقن أنه حرام لا يجوز أن يبايعه، فإن اشترى منه شيئًا أو باع فما أخذه يلزمه رده على صاحبه أو كان باقيًا أو ضمانه إن تلف ولا ينعقد البيع أصلًا، وإن علم أنه حلال تجوز المبايعة با خلاف، وإن لم يعلم الحال يلزم مبايعته ولكن لا يبطل لأن الظاهر فيما في يده أنه ملكه، وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يدري أكثر الناس من الحلال هي أو من الحرام فمن تركه استبراءً لعرضه ودينه فقد سلم ومن واقعه يوشك أن يواقع حرامًا كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه إلا وإن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، والدليل على جوازه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي على شعير أخذه لأهله.
باب بيع البراءة
مسألة: قال: وإذا باع شيئًا من الحيوان بالبراءة فالذي [178/ ب] أذهب إليه قضاء عثمان رضي الله عنه.
إذا باع حيوانًا بشرط البراءة من العيوب، قال في اختلاف العراقيين: فالذي أذهب إليه قضاء عثمان بن عفان رضي الله عنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ من عيب علمه حتى تسميه وتقفه عليه ثم قال: والأصح في القياس لولا ما وصفنا من افتراق الحيوان ولا يبرأ من سائر العيوب، أو يبرأ من جميعها، يعني: لولا ما وصفنا من قصة عثمان رضي الله عنه، واختلف أصحابنا في المسألة على طريقين.
قال الاصطخري وجماعة: في المسألة ثلاثة أقاويل:
أحدهما: هذا وبه قال مالك، وهو اختيار الشافعي وقضاء عثمان رضي الله عنه أن ابن عمر رضي الله عنهما باع عبدًا بثمان مائة درهم بشرط البراءة ثم ترافع هو والمشتري إلى عثمان في عيب به وأراد رده به فقال: عثمان لابن عمر رضي الله عنهم: تحلف أنك بعته وما علمت به داء كتمته فقال: لا، فرده عليه فباعه ابن عمر بألف درهم، وروي: باعه بألف درهم وخمس مائة ففرق بين ما علم البائع وبين ما لم يعلم، وهذا لأن ما يعلمه لا عذر له في [179/ أ] كتمانه من المشتري وما لم يعلمه فالبايع فيه معذور، وإذا أراد أن يقف المشتري على العيوب حتى يبرأ البائع لعلم المشتري بالعيب لا بالشرط فوجهه أن ما لا يرى مثل عيب السرقة والإباق ونحو ذلك نسميه له وما يمكن أن يرى كالبرص والقرح، فأراد أن يسميه له يذكر محله في البدن وقدره حتى يصير كالمرئي إذ يختلف البعض الحاصل باختلاف محاله ومقاديره فلا يجوز مع الجهالة لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن.
وقد قال الشافعي: ها هنا قلت ذلك تقليدًا لعثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذا مشكل لأن الشافعي تقلد أحدًا بين الصحابه في الجديد، وإنما قلد في القديم وهذا النص في كتاب الجديد، وإزالة هذا الإشكال أن يقال: ما قصد الشافعي بهذه العبارة محض التقليد بل أراد الاستئناس والاسترواح بما حكي من مذهب عثمان والدليل على هذا أنه عقبه بالقياس فقال: إن الحيوان يفارق ما سواه لأنه يُعتدى الصحة والسقم وتحول طبائعه وقلّ ما يبرأ من عيب يخفى ويظهر، وقد قال [179 أ/ 6] مثل هذا في الفرائض، وذلك أنه قلد زيد بن ثابت رضي الله عنه في توريث الإخوة مع الجد في الجديد ثم عقبه بالقياس فقال كلامًا طويلًا معناه: أن المدلى به وهو أب الميت لو مات وخلف أباه وهو هذا الجدّ وابنه وهو هذا الأخ كان للأخ خمسة أسداس المال وللجد السدس فكيف يجوز حجب الأخ بالجد في مسألة الجد والإخوة؟ وبين أصحابنا من قال: الشافعي وقلد عثمان رضي الله عنه في هذه المسألة على قوله في القديم قول الصحابي حجة يترك به القياس فإن قيل: على هذا فابن عمر رضي الله عنهما خالفه لأنه لم يخلف، قلنا: لم يخالفه بل تورع عن اليمين تنزيهاً وهذا ضعيف لما ذكرنا، أن هذه المسألة في الجديد.
والقول الثاني: لا يبرأ عن شيء من العيوب إلا بالتسمية.
وبه قال أحمد في رواية،
لأنه إسقاط حق قبل وجوبه، فلا يجوز كالشفيع إذا عفا قبل البيع.
والثالث: يبرأ من جميع العيوب وبه قال أبو حنيفة وأحمد في رواية وهو اختيار الاصطخري وأصل هذا أن البراءة عند أبي حنيفة [180/ أ] عن المجهول تجوز وعندنا لا تجوز واحتج بما وردت أم سلمة رضي الله عنها أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اسستهما وتوخيا وليحلل أحدكما صاحبه" وهذا غلط، لأنه مرفق في البيع لا يثبت إلا بالشرط فلا تثبت الجهالة كالخيار.
وأما الخبر أراد به تحلله من قدر تسمية فلا حجة فيه، ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد، وهو أنه يبرأ مما لم يعلم من العيوب الباطنة ولا يبرأ مما علم من العيوب الباطنة والظاهرة، ولا يبرأ مما لم يعلم من العيوب الظاهرة لأن الشافعي قال: تركت القياس لقضاء عثمان، وإن الحيوان يفارق ما سواه على ما ذكرنا فقدم قضاء عثمان مع ضرب من الاعتبار على القياس المخالف له، ثم قال بعد ما أشار إلى القولين الآخرين: والأول أصح.
قال القاضي الطبري: وهذا غلط عندي لأن الشافعي نص في كتاب اختلافه مع مالك على أن غير الحيوان إذا باعه بالبراءة من عيوبه يبرأ منه [180/ ب] وحكاه القاضي أبو حامد في "الجامع" عنه ذلك فقال: ولو ذهب ذاهب إلى أن من باع بالبراءة مما يعلم ومما لا يعلم كان مذهبًا يجد فيه حجة.
قال القاضي أبو حامد: هذا قول يأتي في المسألة وإذا كان هذا قولًا في غير الحيوان ففي الحيوان أولى، وأما القول الثالث: حكاه الاصطخري ولا نعرفه للشافعي رضي الله عنه إلا من هذا الكلام الذي نقله المزني ولا يمكن إثبات قول آخر بمثله فالذي يحصل من كلام الشافعي فيه قولان:
أحدهما: قذف بين ما لم يعلم من العيوب الباطنة وبين ما علم نص عليه في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى.
والثاني: أنه يبرأ من كل عيب على الإطلاق على ما نص عليه في غير الحيوان في كتاب اختلافه ومالك فحصل في المسألة ثلاثة طرق.
وأما غير الحيوان مثل النبات والعقار ونحو ذلك إذا باع بشرط البراءة من العيوب على طريقة الاصطخري والقاضي الطبري فيه قولان: أحدهما: لا يبرأ بحال وهو المشهور، والثاني: يبرأ من كل عيب.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد في [181/ أ] رواية ولا يجيء فيه الفرق وبين العيب الباطن والظاهر، وعلى طريقة سائر أصحابنا قول واحد لا يصح في شرط البراءة أصلًا.
وقال أبو علي في "الإفصاح" والقاضي أبو حامد في "الجامع" فيه قول ثالث: يبرأ من عيب لم يعلمه ولا يبرأ مما علمه قياسًا على الحيوان.
ومن خرّج من أصحابنا هذا القول حمل قول الشافعي في الحيوان يبرأ من عيب لا يعلمه على العيب الظاهر والباطن، وهذا غلط والصحيح الذي عليه المحصلون من أصحابنا أن قول الشافعي في الحيوان يبرأ من عيب لا يعلمه يريد به العيوب الباطنة.
فأما الظاهرة التي يمكنه الوقوف عليها فلا يبرأ منها وإن لم يعلمها، وإذا كان كذلك كان هذا التخريج باطلًا لأن غير الحيوان لا باطن له والفرق بين الحيوان وغيره أن علل الحيوانات كثيرة منها ما يظهر ويستدرك سريعًا، ومنها ما يخفى ولا يعلم إلا بعد طول الزمان فربما يكون به عيب يظهره الحرّ دون البرد أو البرد دون الحرّ أو
الليل دون النهار أو فصل من السنة دون فصل، وقد يكون به نوع سقم وداء كامن [181/ ب] وهو لا يقف عن الافتداء ولا يزال يتحول طبائعه وقل ما يوجد بريئًا من كل عيب، فلو حكمنا بأن البراءة لا تصح لما استقر البيع على حيوان بحال لأنه لا يعرى عن عيب يرد به في الغالب بخلاف سائر العروض، فإنها إن كانت معيبة ييسر إدراك عيبها على المشتري عند العقد فلا ضرورة للبائع إلى اشتراط البراءة.
وقال في "الحاوي": اختلف أصحابنا في مراد الشافعي بقوله في الحيوان يبرأ مما لم يعلمه على وجهين: أحدهما: أراد ما لم يكن معلومًا لخفائه سواء علمه البائع أو لم يعلمه، والثاني: أراد ما لم يعلمه البائع لجهله به سواء كان ظاهرًا أو خفيًا.
فرع
لو باع ما يكون مأكوله في جوفه بشرط البراءة من عيوبه كالرمان والجوز ونحوه لا يختلف أصحابنا أنه بمنزلة غير الحيوان، لأنه يمكن الوقوف على باطن عيبه بقطعه أو بقته.
فرع آخر
إذا قلنا: يصح البيع بشرط البراءة فحدث عند البائع به عيب قبل القبض لا يبرأ منه، وقال أبو يوسف: يبرأ منها لأن الشرط إسقاط له وقد وجد سببه وهذا [182/ أ] غلط؛ لأنه لم يثبت بعد ولم يوجد فكيف يجوز إسقاطه وهو كالإبراء عما لم يجب.
فرع آخر
لو اختلفا في هذا العيب فقال المشتري: حدث قبل القبض، وقال البائع: كان عند العقد وبرئت بالشرط، وأمكن ما قالا فيه وجهان بناء على علة أصحابنا في الاختلاف في العيب الموجود إذا قال البائع: حدث عند المشتري، وقال المشتري: كان عند البائع فالقول قول البائع لأنه يدعي الإمضاء.
فرع آخر
لو باع بشرط البراءة من كل عيب يحدث بعد العقد قبل القبض فلا يصح البيع ولا الشرط قولًا واحداً.
فرع آخر
إذا قلنا: يصح الشرط سقط الرد بالعيب وإن وجد ألف عيب وقال ابن أبي ليلى: إن ذكر عدد العيوب صح البراءة وإلا فلا يصح.
وهذا غلط، لأن المعنى موجود ذكر العدد أو لم يذكر.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يصح الشرط، هل يبطل البيع ببطلانه؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا يبطل وهو [182/ ب] ظاهر المذهب دون البيع، ومنهم من قال: يبطل البيع وهو القياس لأن البيع يبطل بالشروط الفاسدة وهذا الشرط يأخذ قسطًا من الثمن وذلك يوجب جهالة الثمن.
فرع آخر
لو كان عليه دين مجهول فقال: أبرأتك من درهم إلى ألف درهم صح الإبراء من الألف، ولو قال: لا حق لي قبل فلان ولا طلبه جاز وهذا إقرار وليس بإبراء.
فرع آخر
لو كان عليه دين مجهول لا يعرف مقداره فأخذ به ثوبًا لا يجوز ووافقنا فيه أبو حنيفة فتقيس عليه الإبراء من الدين المجهول بعلّة أنه إسقاط دين مجهول فلا يصح.
باب الاستبراء في البيع
مسألة: قال: وإذا باع جارية لم يكن لأحد منهما فيها مواضعة.
إذا باع جارية من رجل وسلم ثمنها وجب على البائع تسليمها لأنه تسلم ثمن سلعته فلا معنى لمنعها ولا يجبر [183/ أ] البائع على تعديلها ولا يجبر المشتري على ذلك أيضًا وقصد به الرد على مالك حيث قال: لا يجب على المشتري دفع الثمن ولا على البائع تسليم الجارية حتى تحيض وتطهر وهو تمام الاستبراء، إذا كان المشتري شابًا.
وحكي عن مالك: إن كانت جميلة لا يلزمه تسليمها بل يضعها على يد عدل حتى تستبرئ، وإن كانت قبيحة أجبر على تسليمها لأنه يلحقه التهمة في الجميلة.
واحتج الشافعي عليه بأن قال: لو كان لا يلزم دفع الثمن حتى تحيض وتطهر كان البيع فاسدًا للجهل بوقت وجوب دفع الثمن وفساد آخر، أن الجارية لا مشتراة شرى العين فيكون لصاحبها أخذها ولا بيع الصفقة فيكون الأجل معلومًا فعرفنا أن انتزاع الجارية من يد البائع وتعديلها للاستبراء ومنعها من المشتري لا يستقيم على النظر فيسلم إلى المشتري ويؤمن باجتنابها إلى أن يتم استبراءها، ولا يراعي التهمة لأن الظاهر العدالة والسلامة فإذا تقرر هذا ظاهر ما قال ها هنا يوهم أنهما لو تواضعا على تعديلها صح بيعها، وليس كذلك لأن البائع [183/ ب] لو قال: بعت منك هذه الجارية بشرط أن يعدلها للاستبراء ولا أسلّمها إليك وإن سلمت الثمن كان البيع باطلًا لأنه شرط أيضًا وموضوع العقد فيحتمل أن يريد الشافعي بلفظ المواضعة شرط التعجيل والتأجيل في الثمن فكأنه قال: إن اشتراط تأجيل الثمن وجب على البائع تسليم الجارية في الحال، وإن لم يكن لها في الثمن شرط تأجيل ومواضعة مدة ونسيه لم يلزم البائع تسليمها ما لم يدفع المشتري ثمنها، فإذا دفع الثمن لزم البائع التسليم ولا يجبر واحد منهما على إخراج ملكه من يده إلى غيره.
وأما قوله: ولا يجوز بيع العين إلى أجل حجة أخرى على مالك لأنه يقول: تسليمها مؤخرًا إلى استبرائها فيكون بيع عين إلى أجل وذلك لا يجوز بالإجماع.
وأما قوله ولا للمشتري أن يأخذ منه حميلًا بعهده معناه: أن البيع إذا كان مطلقًا فليس للمشتري أن يقول للبائع بعد البيع أطالبك بجميل يضمن عنك عهدة البيع والجميل في لسانهم الكفيل، وإنما لم يكن للمشتري ذلك لأن العقد مطلق فلا يطالبه به كما لا يطالبه [184/ أ] بكفيل يتكفل بثمنه سواء كان البائع غريبًا أو مقيمًا مليئًا أو مُعدمًا بارًا أو فاجرًا.
وأما قوله: وإنما التحفظ قبل الشراء دليل على أن الشراء بشرط أن يعطي البائع ضامن درك يجوز، وإن كان بشرط أن يعطيه كفيلًا ببدنه حتى إذا خرج مستخفًا أحضر البائع يجوز
أيضًا، (إذا) جوّزنا كفالة البدن كالبائع إذا باع بشرط رهن أو كفيل يجوز ذكره القفال، ولو قال رجل للمشتري: أنا أضمن لك معرفة البائع فلا شيء عليه إذا هرب البائع، وإن قال: كذبت ولم أعرفه.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا اشترى شيئًا من غريب أو رجل غير معروف فما بين الناس سواء كانت جارية أو سلعة أخرى له أن يطلب كفيلًا من البائع بإحضاره ليرجع عليه الثمن عند الدرك وهذا غلط لما ذكرنا فإذا تقرر هذا فشرح هذا الباب في كتاب العدة ولكنا نشير إلى طرف منها فعندنا إذا أراد بيع جارية قد وطئها قبل البيع لا يجب عليه إن استبرأها بل يستحب ذلك، وقال ابن أبي ليلى: يجب ذلك عليه كما لا يزوّجها قبل الاستبراء.
وبه قال الحسن وابن أبي ليلى والثوري والنخعي.
وهذا غلط، لأن الحرة المسببة لا [184/ ب] تستبرئ مرتبين فكذلك هذه، والفرق أن النكاح لا يجوز فيمن لا يحل وطؤها في الحال فلابد من الاستبراء والشراء يصح فيشتري ثم يستبرئ.
فرع
لو حاضت في يد البائع بعد البيع قبل التسليم فيه وجهان: أحدهما: يحتسب به وهو اختيار القاضي الطبري وهو الصحيح، والثاني: لا يحتسب به وهو اختيار أبي حامد والداركي، ولم يذكرا غير هذا الوجه، وغلطا فيه حين ذكرا الضعيف وتركا المذهب الصحيح وكيف يجوز أن يذكر ها هنا وجهًا واحدًا، أنه لا يحتسب.
وذكر أبو إسحاق في "الشرح" أنها لو وصفت قبل أن يتفرقا وقلنا: الملك للمشتري هل يحتسب به؟ وجهان.
فإذا كان في هذه المسألة فكيف يكون في غير مدة الخيار قبل القبض وجه واحد أنه لا يحتسب؟ وقد قال بعض أصحابنا: يحتسب به ها هنا وجهًا واحدًا، وهذا أولى مما قال أبو حامد والداركي، وإن أخل بذكر الوجه الآخر والمذهب ها هنا لأن المزني نقل عن الشافعي أنه قال: ولو لم يفترقا حتى وضعت حملًا لم يحل له من [185/ أ] قبل أن البيع إنما تم حين تفرقا عن مكانهما، وهذا يدل على أن الاستبراء بعد التفرق صحيح، وإن كان قبل القبض وفي الميراث قبل القبض يحتسب الاستبراء قولًا واحدًا.
فرع آخر
لو ابتاع أمة وكانت في عدة من زوج يلزمها أن تكمل بقية عدة الزوج ثم يستبرئها المشتري من بعد اختلافهما في السبب، والحكم، لأن العدة تجب لزوال الملك ولو عادت بعد الطلاق والدخول للسيد يلزمها العدة من فراق الزوج ثم الاستبراء لاستمتاع السيد ولا ينوب العدة عن الاستبراء كما لا ينوب الاستبراء عن العدة ذكره في "الحاوي".
وذكرنا في كتاب العدة ما قيل فيه.
باب المرابحة
قال: وإذا باع مرابحة على العشرة واحدًا وقال: قامت علي بمائة ثم قال: أخطأت.
الفصل
بيع المرابحة جائز ولا يكره، وصورته: أن يخبر برأي ماله في السلعة ثم يبيعه بزيادة شيء معلوم في كل درهم أو في كل عشرة فيكون رأي المال معلوماً لهما والزيادة [185/ ب] معلومة لهما على كل درهم أو كل عشرة، وقال ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم: يكره ذلك ولا يحرم، وقال إسحاق: لا يجوز، لأن الثمن مجهول في ابتدائه وهذا غلط، لأن الثمن معلوم من غير رجوع إليها فجاز، كما لو قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، وإن وجب كليهما لمعرفة مبلغ الثمن فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في العبارة التي تصح أن يخبر البائع عن رأس المال فإن لم يكن أنفق عليها ولا عمل فيها يخبر عن رأس ماله بإحدى أربع عبارات: إن شاء قال: اشتريته بكذا وإن شاء قال: هو علي بكذا فأيها قال فقد صدق، فإن كان الشراء بمائة درهم فقال: بعتكه برأس مالي وربح درهم في كل عشرة يعلم أن الثمن مائة وعشرة وعلى هذا الباب وإن كان أنفق عليها مثل أجرة القصار والخياط والصباغ فإنه يخبر بإحدى عبارتين لأنه إن قال: اشتريتها بالثمن وبما أنفق عليها كان كاذباً، وإن قال: رأس مالي كذا كان كاذباً أيضاً لأن رأس المال عند الفقهاء عبارة عن الثمن الذي ملك به السلعة، فإذا كان كذلك يقول قام علي بكذا، وهو علي بكذا فيكون [186/ أ] صادقاً.
مثاله اشترى بتسعين وأنفق عليه عشرة ثم قال: قام علي بمائة بعتك بمائة وربح درهم في كل عشرة يجوز وإن كان صادقاً، وإن كان قد عمل فيها عملاً بنفسه فلا يجوز أن نضيف أجرة عمله إلى الثمن ويقول: قام علي أو هو علي بكذا لأن عمله في ملكه لا يتقوم عليه ولكنه يخبر عن صورة الحال فيقول: اشتريت بكذا وعملت عليه كذا بعتكه بكذا وربح درهم في كل عشرة وعلى هذا رفو الثوب، وكذلك إن تطوع غيره بالعمل له لا يضم إليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان أنفق عليها يجوز أن يقول: رأس مالي فيه ويحسب أجرة القصار والخياط، ولكن لا يقول: ثمنه كذا ولا اشتريته بكذا وهو اختيار القاضي الطبري وهو القياس عندي، لأن رأس المال ما قامت به عليه ويطلب به الربح والثمن والنفقة في هذا سواء وعلى هذا مؤونه الكيال والدلال والرصدي ومؤونة الخباز وكري البيت الذي حفظه إن كان البيت يكرى، وإن كان البيت ملكاً أو تولى حمله أو كيله بنفسه لا يضم إليه إلا أن يصرح به على ما ذكرنا، وأما النفقة التي أنفقها على العبد [186/ ب] في المأكولات والملبوس لا يحتسب من رأس المال، لأنه لاستبقاء الملك لا أنه مؤونة التجارة، وقيل: إذا أنفق عليه أو كساه بما لابد منه هل يضيف بلفظ القيام وجهان.
فرع
لو تكرر شراء ثوب عنده مثل إن اشتراه وباعه مراراً ثم أراد المرابحة يخبر بما اشتراه به أخيراً فإن اشترى ثوباً بمائة ثم باعه بمائتين ثم اشتراه بخمسين فلا خيار عن الأخير وهو الخمسون.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يبيعه مرابحة أصلاً لأنه ربح مثل رأس ماله الأخير فليس له رأس مال وهو وجه آخر لأصحابنا.
ولو اشترى بعشرة ثم باعه بخمس عشة ثم اشتراه بعشرة فرأس ماله عشرة ولا يلزم حظ قدر الربح الذي ربحه قبل هذا الشراء الأخير من هذا الثمن الأخير، وقال أبو حنيفة: يخبر بخمسة فيضم أحد العقدين إلى الآخر.
وبه قال أحمد وخالفه صاحباه وهذا غلط، لأن الثمن الذي يلي بيع المرابحة عشة فجاز له أن يخبر به كما لو لم يربح فيها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال ابن سريج: هذا أحد الوجهين لأصحابنا [187/ أ] في المسألة، قال: وعلى هذا لو اشترى بخمسة وباع بثمانية ثم اشترى بثمانية فرأس المال ثمانية أو خمسة؟ وجهان، وقيل: يخبر بلفظ الشراء بعشرة، ولو أراد أن يبيع بلفظ القيام فيه وجهان أحدهما: يقول قام بعشرة.
وبه قال أبو يوسف ومحمد لأن ملكه في العين قائم عليه بعشرة.
والثاني يقول: قام بخمسة وبه قال أبو حنيفة كأجرة الخياطة وهو الصحيح لأن بالإجارة لا يزول الملك بخلاف هذا.
فرع آخر
لو خسر لا يحتسب الخراسان في رأس ماله مثل إن اشترى بعشرة فلا يجعل رأس ماله خمسة عشر ل يكون عشرة، وبه قال أبو حنيفة، ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهاً: أنه يخبر بخمسة عشر عند الخراسان بلفظ القيام لأن الخسران كمؤونة الخياطة وهذا بعيد.
فرع
لو ذكر رأس المال وحصته من الربح دهي ازده مثلاً ولم يعرف أنه إذا حسب الربح وضم إلى رأس المال كم يبلغ؟ يجوز على ما ذكرنا، لأنه صار بالخبرية معلوماً وإنما بقى الحساب [187/ ب] ولم لم يخبره برأس المال ولكنه قال: بعت بربح ده يازده على ما اشتريته فقال: اشتريت ثم أخبره بعد برأس المال لا يجوز وهو المذهب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: هذا، والثاني: يجوز في المجلس.
وبه قال أبو حنيفة، لأنه مبني على العقد الأول وقد اعتمد أمانته، وقد يشتري صبرة جزافاً بكف من دراهم لا يكون تفضيل ذلك معلوماً لهما ويجوز وهذا غلط، لأنه وقع العقد على المجهول، ولهذا لو لم يكن عقد مرابحة فقال: بعتكه بما اشتريته لا يجوز، وإن لم أعلم بعده ويفارق الصبرة لأنه يعلمها بالمشاهدة، وقيل فيه وجه ثالث: يجوز، وإن أعلم بعد المجلس، لأن الثمن فيه مرتب على الثمن في العقد الأول ويمكن معرفته بالرجوع إليه وعلى هذا الخلاف لو اشترى بكف من الدراهم جزافاً ثم باع مرابحة قبل أن يزن الدراهم وعلى هذا جرت العادة بين التجار أنهم يكتبون ثمن كل سلعة عليها برقم لهم فيرجعون إليه وقت البيع فلو قال: بعتك هذه برقمها فالحكم على ما ذكرنا لأنه [188/ أ] يمكن الرجوع إلى الرقم كما يمكن الرجوع إلى غيره في بيع المرابحة.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: لو كان اشتراه مريضاً فعالجه وداوه فمال المعالجة والمداوة تضاف بلفظ الكتابة، وإن مرض فداوه هل تضاف إليه؟ وجهان.
فرع آخر
لو اشترى ثوباً بمائة ثم باعه من غلام دكانه الحر بمائة ثم اشتراه بمائتين حل له أن يخبر عن الثمن الثاني، ولكنه يكره البيع الأول إذا قصد كهذا لأنهما تعاقدا على أن يبيعه منه، وإن لم يصرح به.
ولو شرط وذكر في العقد بطل وهذا أصل وهو أن كل ما لو صرح به المتعاقدان بطل العقد، وقال بعض أصحابنا المتأخرين: إذا قصد ذلك ليخبر به في بيع المرابحة كان تدليساً محرماً في الشرع، وإذا بان له ذلك يثبت به الخيار وهذا أحسن عندي.
فرع آخر
لو اشتراه من أبيه أو ابنه الكبير لا يلزمه الإخبار عنه.
وبه قال أبو يوسف [188/ ب] ومحمد، وقال أبو حنيفة وأحمد: يلزمه الإخبار عنه لأنه متهم في المسامحة معهم فيشتريه بأكثر كما لو اشترى من صديقه، وأما البهيمة تبطل بهذا الأصل.
وأما المكاتب فيحتمل أن لا نسلم ولئن سلمنا فلأنه غير مميز من ملكه بخلاف مال الأب والابن.
فرع
قال أصحابنا بخراسان: لو اشترى من ابنه الصغير يلزمه الإخبار لأنه الناظر في ذلك العقد فهو متهم في حق المرابحة، وإن كان أميناً على ولده في حقه.
فرع آخر
إذا اشترى ثوباً بمائة إلى سنة فباعه مرابحة يلزمه الإخبار عن الأجل، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان وليس بشيء ولو لم يخبر عن الأجل وباع مرابحة يصح البيع، فإذا أعلم المشتري الحال كان بالخيار بين أن يقبله ذلك حالاً أو يرد لأنه ظهر منه تدليس زاد لأجله في الثمن فهو كالمصراة سواء، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لزم البيع حالاً ولا خيار [189/ أ] وقال الأوزاعي: يلزم العقد ويلزم الثمن في ذمة المشتري مؤجلاً بقدر ذلك الأجل، وبه قال أحمد وإسحاق، لأنه ملكه ذمته دون ذمة البائع، وقال سفيان الثوري: إن كانت السلعة قائمة فللمشتري الخيار، وإن كانت تالفة لزمه الثمن حالاً.
فرع آخر
لو اشترى عبداً بمائة ثم علم به عيباً بعد أن حدث عنده عيب آخر كان له الرجوع بأرش العيب على البائع فإذا رجع فيه وكان في التقدير عشرة دراهم حصل له العبد بتسعين فإذا أراد بيع المرابحة لا يجوز أن يقول: اشتريته بتسعين لأنه اشتراه بمائة فنجبر عن التسعين بإحدى عبارات ثلاث فيقول: رأس مالي فيه تسعون أو يقوم علي بتسعين أو هو علي بتسعين.
فرع آخر
لو اشترى عبداً ثم جنى على جناية أرشها عشرة فأخذ ذلك هل يجوز أن يخبر بالمائة أم لا؟ فيه وجهان أحدهما: لا يخبر إلا بتسعين لأن الأرش بدل جزء منه فهو كالأرش المأخوذ في المسألة الأولى عند حدوث عيب آخر به [189/ ب] والثاني: له أن يخبر بمائة لأن الأرش لا يرجع إلى العقد، بل هو بسبب حادث كالكسب والأول أصح، فإذا قلنا: بخبر بتسعين فأخبر ثم علم المشتري بالجناية فلا خيار، وإذا قلنا: لا يلزمه الإخبار به، ويجوز أن يخبر بما به فعلم المشتري بالجناية وكان أخبر بمائة له الخيار.
فرع آخر
لو اشترى عبداً بمائة فجنى العبد جناية أرشها عشرة فقداه السيد يخبر بما اشتراه ولا يضم الفداء إلى رأس المال كما لو مرض فأنفق عليه لا يضم النفقة إلى رأس المال ويفارق أجرة القصار؛ لأنه يحصل بها زيادة في المبيع بخلاف الفداء، وكذلك إن أغصبه غاصب فبذل له شيئاً حتى رده إليه لم يجز له ضمه إليه.
فرع آخر
لو حدث بما اشترى عيب في ملكه إما قبل القبض أو بعده ثم أراد أن يبيعه مرابحة يلزمه الإخبار بأن العيب حدث في ملكه فإن لم يخبر لم يحل له ولكن البيع صحيح كما لو كذب في رأس المال ثم إذا علم المشتري له الخيار أعني إذا كان عالماً بالعيب ولكنه لم يعلم أنه حصل في [190/ أ] ملكه بل ظنه قديماً وفإذا علم أنه حصل في ملكه له الخيار، وقال أبو حنيفة: إن كان العيب بآفة سماوية لا يلزمه الإخبار عنه وهذا غلط قياساً على ما لو كان بجناية آدمي وعلى هذا لو زوجها فالتزويج عيب يلزمه الإخبار عنه، وقيل: فيه وجه لا يلزمه ذلك وهو غلط عندي.
فرع آخر
لو اشترى عبدين أو ثوبين له أن يبيع أحدهما بحصته من الثمن مرابحة ويقسط الثمن على قيمتها وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز لأن قسمة الثمن على القيمة بالحزر والظن، وربما يقع فيه الخطأ وهذا غلط لأنه لو باع شقصاً وسيفاً بقسط الثمن على قدر القيمة عند الأخذ بالشفعة ويقوم المسروق لقطع يد السارق فجاز مثله هاهنا.
فرع آخر
لو اشترى مائة قفيز من حنطة بمائة درهم ثم أراد أن يبيع قفيزاً منها مرابحة، جاز أن يخبر بأن ثمنه درهم لتقسيط الثمن على أجزائها ووافقنا فيه أبو حنيفة، وقال في "الحاوي"- في الحنطة- قال أصحابنا: لا يجوز كما لا [190/ ب] يجوز في أحد العبدين إذا كان اشتراهما معاً وهذا غري انفرد وهو عين قول أبي حنيفة، وعلى ما ذكرنا لو كان عبداً واحداً يجوز أن يبيع نصفه بقسطه من الثمن.
فرع آخر
لو أسلم في ثوبين بصفة واحدة وقبضهما له أن يبيع أحدهما مرابحة ويخبر بحصته من الثمن.
وقال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة: ليس له ذلك لأن الثوبين يختلفان حال التعيين وهذا غلط، لأن الثمن وقع عليهما متساوياً فهو كما لو اشترى قفيزين فإن حصل في أحدهما نقصان في الذمة فذلك كالحادث بعد الشراء فلا يمنع بيع المرابحة، فإن أخذ دون حقه في الصفة يلزمه الإخبار حينئذ.
فرع آخر
لو اشترى نخلة غير مطلعة فأطلعت في يده وأخذ الثمرة أو شاة ليس عليها صوف فنبت الصوف وجزه أو حلب لبنها الحادث في ملكه ثم أراد بيعها مرابحة يخبر بالثمن الذي اشتراها لأن ما أخذه حادث في ملكه لا مقابلة من الثمن بشيء.
وحكي [191/ أ] عن أبي حنيفة يلزمه الإخبار بذلك، ولو كانت النخلة مطلعة أو كانت الشاة ذات صوف ولبن يحط مقسطه من الثمن، لأنه يأخذ قسطاً من الثن فهو كما لو اشترى شاتين ثم باع أحدهما.
فرع آخر
لو اشترى ثوباً فصبغه فالصبغ عين قائمة له أن يخبر بما اشتراه هـ ويضيف إليه الصبغ.
فرع آخر
لو حط البائع عنه بعض الثمن فإن كان قبل لزوم العقد وهو في مدة الخيار أخبر بالثمن الذي بقي بعد الحط، وهكذا لو زاد وبه قال عامة أصحابنا، وقال أبو علي في الإفصاح: هذا إذا قلنا: الملك للبائع فأما إذا قلنا: الملك للمشتري لا يلزمه أن يحط من الثمن لأنه ملك بالثمن الأول، وإن كان الحط بعد لزوم العقد لا يلحق العقد فيخبر بالثمن الاول لأنه هبة مجددة، وقال أبو حنيفة: يلزمه حطه وهذا على أصله أن الحط بكل حال لمحق أصل العقد، وقال ابن أبي ليلى: لا يلزم الإخبار عنه بحال وإن كان في زمان الخيار.
فرع آخر
لو اشترى العامل في المضاربة ثوباً [191/ ب] بمائة وباع من رب المال بمائة وخمسين ثم أراد بيعه مرابحة لا يجوز أن يخبر إلا بمائة وخمسة وعشرين، لأن نصف الربح له ذكره في "الحاوي" وهو غلط، لأن العامل في القراض لا يبيع مال القراض من رب المال لأنه ملكه نص عليه الشافعي.
فرع آخر
لو اشترى ثوباً بمائة فأخبر في المرابحة بأنه اشتراه بتسعين هل يكون كاذباً في إخباره؟ وجهان أحدهما: لا يكون كاذباً لدخول التسعين في المائة فعلى هذا الإخبار
للمشتري إذا علم به، والثاني: يكون كاذباً لأن التسعين بعض الثمن في مقابلة بعض المبيع فلم يجز أن يخبر بأنها جميع الثمن، وفي مقابله جميع الثمن فعلى هذا الوجه للمشتري الخيار في الفسخ ذكره في"الحاوي"
فرع آخر
يجوز بيع المواضعة وهو ضد بيع المرابحة وصورته أن يقول: اشتريت هذا بمائة بعتك برأس مالي ووضيعة درهم في كل عشرة، فإذا قال هكذا كيف يكون حكمه؟ قال أصحابنا: لا نص فيه ولكن معنى هذا الكلام وضيعه واحد من عشرة كما لو قال في المرابحة: ربح درهم على كل عشرة كان الربح [192/أ] بعد العشرة فكذلك في المواضعة الوضيعة من غير العشرة فعلى هذا يرد كل أحد عشر درهماً من رأس المال عشرة فيصير آخذاً لهذا الثوب بأحد وتسعين درهماً إلا جزءاً من أحد عشر جزءاً من درهم لأن التسعة والتسعين ردت إلى تسعين والدرهم الباقي أسقط منه جزءاً من أحد عشر جزءاً، وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو ثور: يرد كل عشرة من رأس المال إليه تسعة فيكون الثمن تسعين وبه قال محمد، وهو اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح عندي.
وقال أبو حامد: الذي عندي أنه إن قال بوضيعة درهم من كل عشرة فكما قال أصحابنا، ولو قال: بعتك بوضيعة العشرة واحداً فهذه عبارة محتملة وبهذه العبارة فرض الكرخي المسألة في مختصره، والخلاف في هذه المسألة بين العلماء في هذه الصورة، وقال في "الحاوي": في المسألة وجهان والأصح أنه يعتبر لفظ العقد، وإن قال بالوضيعة لكل عشرة واحداً ردت الأحد عشر إلى عشرة، ولو قال بالوضيعة من كل عشرة واحداً ردت العشرة إلى تسعه لأن لفظة من تقتضي إخراج [192/ب] واحد من العشرة ويخالف معنى اللام.
وذكر بعض أصحابنا: أن من واللام في هذا سواء وهذا غلط، لأن من لا يحتمل إلا ما ذكرنا، وعلى هذا الذي ذكرنا لو قال: رأس مالي عشرة فبعت منك بوضيعة ده يازده يلزمه تسعة وجزء من أحد عشر جزءاً من درهم لأن تقدير الكلام بعتك من كل أحد عشر بعشرة فيجب أن ينقص هاهنا درهم إلا جزءاً من أحد عشر جزءاً من درهم، وبه قال أبو يوسف وابن أبي ليلى، وعلى ما قال محمد وأبو ثور يلزم تسعة، وعلى ما ذكرنا إذا قال: بوضيعة العشرة درهمين تضاف الدرهمان إلى العشرة فيصير اثنى عشر قدر الوضيعة منها السدس فتوضع السدس من رأس المال فيصير الثمن ثمانية، وقلت: على قول عامة أصحابنا وعلى هذا أبداً فإذا تقرر هذا رجعنا إلى مسألة الكتاب.
وهي إذا قال: اشتريت هذه السلعة بمائة وباعها مرابحة على كل عشرة درهم ثم قال: أخطأت وإنما كنت اشتريتها بتسعين فالبيع صحيح، قال الشافعي: وهي واجبة للمشتري برأس مالها وبحصته من الربح [193/ أ] وقال بعد هذه المسألة: "ولو علم
أنه خانه حططت الخيانة وحصتها من الربح" فإن كان المبيع قائماً كان للمشتري أن يرده فجعل للمشتري الخيار، هكذا نقل المزني وأراد به إذا علم ذلك بالبينة، ففرق بين الإقرار والبينة، وقال في "اختلاف العراقيين" في المسألة قولان: أحدهما: يمسكها المشتري بمائة وعشرة أو يرد، والثاني: وجبت للمشتري تسعة وتسعين، وظاهر المذهب أنه لا فصل بينهما، وفي الجملة في المسألة قولان كم يكون ثمنها؟
إحداهما: ثمنها مائة وعشرة.
وبه قال أبو حنيفة ومحمد لأن المشتري دخل في العقد على أن يمسكها بهذا القدر ولم يرض للبائع أن يبيع بدون ذلك، والثاني: ثمنها تسعة وتسعون.
وبه قال أبو يوسف: وهو الأصح لأن العقد عقد مرابحة، فلا بد من اعتبار الثمن الأول في العقد الثاني.
وبه قال ابن أبي ليلى وأحمد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا قال: أخطأت فإن قال: كذبت فظهر بالبينة أنه كذب فلا خلاف في وجوب الحط وهذا غريب، فإذا قلنا بالقول الأول فالمشتري بالخيار إن شاء [193/ ب] أمسكها بهذا القدر، وإن شاء فسخ لأن الخيانة قد ظهرت ولم يرض هو بها فإن فسخ فلا كلام، وإن أمسكها بمائة وعشرة فلا خيار للبائع لأنه لم ينقص عما باع به وعلى هذا لو قال البائع: أنا أحط عنك قدر الجناية وحصتها من الربح هل يسقط خيار المشتري؟ وجهان:
أحدهما: يسقط كما لو زال العيب، والثاني: لا يسقط لأنه لا يؤمن أنه خانه من وجه آخر، وإذا قلنا بالثاني فهل للمشتري الخيار؟ ذكره المزني وحرملة لأنه إذا اطلع من البائع على جناية لم يأمن من جنايته مرة ثانية والمعول من بيع المرابحة على الأمانة، وربما حلف أن يشتريها لمائة وعشرة فإذا بان أيضا مبيعة بأقل من ذلك لم يبر في يمينه.
والثاني: وهو الأصح لا خيار له لأنه قد زاده خيراً بنقصان الثمن، فلا يثبت الخيار كما لو باعه عبداً على أنه أمي فإذا هوكاتب لا خيار، ومن أصحابنا من ذكر طريقة ثانية وهي: أنه إذا ثبت بإقراره لا خيار والفرق أنه إذا ثبت بالبينة يقدح ذلك في أمانته وثقته وبالإقرار تزيد أمانته وهذه الطريقة أظهر وأشبه بالمذهب، [194/أ] ومن أصحابنا من ذكر طريقة ثالثة وهي: أنه إن كانت السلعة قائمة له الخيار سواء ثبت الخيانة بالبينة أو بالإقرار، وإن كانت تالفة لا خيار سواء يثبت بالبينة أو بالإقرار، والصحيح الطريقة الأولى.
وقال القاضي أبو حامد في "جامعه": قد قيل: لا يصح البيع بتسعة وتسعين إلا بتجديد العقا لأن هذا الثمن لم يكن معلوماً عنا العقد الأول، ولا يجوز بيع شيء يكون ثمنه مجهولاً عند العقد.
وهذا قول بعض أصحابنا ذكره في "الحاوي" وهو غلط، لأن أكثر ما فيه أنه دلس على المشتري تدليساً يراد الثمن لأجله، وهذا لا يبطل البيع كما لو دلس العيب فإذا قلنا: له الخيار فاختار الإمساك فهل للبائع الخيار؟ وجهان، وقيل قولان: أحدهما: له الخيار لأنه دخل في العقد على أن يحصل له مائة وعشرة، فإذا لم يحصل له ذلك كان له الخيار وعلى هذا لو اختار المشتري التزام
الزيادة سقط خيار البائع، والثاني: لا خيار له لأنه رضي بأن يكون ربحه ما شرطه، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا ثبت بالبينة لأنه يقول رأس مالي مائة والشهود [194/ب] كذبة فيما شهدوا به، فأما إذا اعترف بذلك فلا خيار له وهذا اختيار القاضي الطبري.
فرع
إذا كانت السلعة تالفة قال بعض أصحابنا: نص الشافعي في كتبه أنه لا خيار للمشتري وتكون لازمة له بتسعة وتسعين، لأنا لو أثبتنا الخيار هاهنا لدخل على البائع ضرر والضرر لا يزال بالضرر، ومن أصحابنا من قال: يبقى خياره فيرد قيمته ويسترجع الثمن ذكره القاضي الطبري، وأما على القول الذي يقول ثمنها مائة وعشرة ولا يسقط حقه بالتلف ويكون بمنزلة المعيب لستره عن المشتري فلا يسقط حقه ولا وجه للفسخ لما ذكرنا، كما لو تلف المعيب في يد المشتري لا يفسخ البيع فيه.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي في مسألة الخيانة التي ذكرناها، ولم أفسد البيع لأنه لم ينعقد على محرم عليهما معاً، وإنما وقع محرماً على الخائن منهما كما يدلس له العيب فيكون التدليس محرماً، وما أخذ من ثمنه محرماً وكان المشتري في ذلك الخيار، فصرح القول في موضع التدليس بأنه يحرم مع حكمه بأن البيع صحيح منعقد [195/أ] وهذا من المشكل، ولهذا الإشكال اعترض المزني فقال: ولو كان ثمنها حراماً، وبه وقعت العقدة كان البيع فاسداً أرأيت لو اشتراها بجارية فدلّس المشتري كما دلس البائع فيما باع، فهذا حرام بحرام، يبطل به البيع وليس كذلك إنما حرم عليه التدليس والبيع نفسه جائز، وإن كان من أحدهما سبب يحرم وليس السبب هو البيع، ولو كان هو البيع لحرم البيع وفسد الشراء وهذا مسطور في بعض نسخ المزني.
وأجاب أصحابنا عن هذا بأن مراد الشافعي تحريم فعل التدليس واكتساب الثمن به.
وقال الإمام أبو محمد الجويني: ليس هذا بإنصاف للمزني لأن الشافعي قال: فيكون التدليس محرما فأفادنا تحريم هذا الفعل ثم زاد فقال: وما أخذ من ثمنه محرماً فلا بد من زيادة.
فائدة: والأحسن في جواب المزني أن يقال: لفظ التحريم ربما يطلق والمراد به التبرئة، وهكذا يقول فيمن دلس في بيع وأخذ ثمنه المستحب من طرق التبرية أن يعد هذا الثمن من جملة المحرمات تحرجاً [95/ب] لا تحريماً.
وقد قال الشافعي: وحرم التل ليس على معنى أنه إثم وتغرير لا على معنى أن البيع معه غير منعقد فلذلك قوله: وما أخذ من ثمنه محرماً أي: محرم الأخذ لا محرم العين وهذا أولى من الجواب الأول، وقيل: أراد الشافعي أنه لم يكن محرماً لمعنى يعود إلى المعقود عليه.
بل لمعنى في العاقد فلا يضر صحة البيع.
مسألة: قال: فإن قال: ثمنها أكثر من مائة وأقامَ على ذلك بينة لم يقبلْ.
إذا باع شيئاً مرابحة على كل عشرة درهم وقال: اشتريت بمائة وتفرقا عن تراض منهما ثم رجع البائع إلى المشتري، وقال: غلطت كنت اشتريته بمائة وعشرة دراهم وأنا
أستحق عليك أحد عثر درهماً، لا يقبل قوله في ذلك، لأنه أقر في الأول بأقل من ذلك فلا يقبل رجوعه عن إقراره، وإن أقام على ذلك شاهدين لم تقبل شهادتهما بإقراره الأول، ومن كذب بينة نفسه لم يقبل منه، ولو قال: احلفوا لي المشتري أنه لا يعلم صحة ما أقول فهل يحلف أم لا؟ [196/أ] فالقول قول المشتري كذلك هاهنا.
باب الرجل يبيع الشيء إلى أجل ثم يشتريه بأقل من الثمن
مسألة: قال: ولا بأس أن يبيع السلعة إلى اجلٍ ثم يشتريها من المشتري.
الفصل
القصد به جواز بيع العينة وصورته أن يبيع السلعة إلى أجل ثم يشتريها من المشتري بأقل نقداً يصح البيع الأول والثاني جميعاً، وكذلك لو اشتراها بمثل ذلك الثمن أو بأكثر وبه قال ابن عمر وزيد بن أرقم رضي الله عنهما، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يشتريها بأقل من الثمن الأول، وبه قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما، وهو قول مالك وأحمل وإسحاق، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يشتريها بسلعة قيمتها أقل من قدر الثمن قال: ولو باعها بدراهم ثم اشتراها بدنانير قيمتها أقل من قدر الثمن لم يجز استحساناً، قال: وإن باعها بأجل ثم اشتراها بأكثر من ذلك الأجل لا يجوز.
قال: ولو اشتراها وكيله له بأقل من ذلك الثمن جاز [196/ب] قال: ولو اشتراها والد البائع لم يجز بأقل من الثمن الأول وهذه مناقضات.
واحتجوا بما روي أن امرأة أتت عائشة رضي الله عنها فسألتها عن بيع باعته من زيد بن أرقم قالت: بعت من زيد بن أرقم فرساً بثمان مائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمائة نقداً، فقالت: بئس ما شريت وبئس ما بعت أخبري زيد بن أرقم: "أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب"، وأجاب الشافعي عن هذا بأن هذا الخبر غير ثابت لأنه رواية امرأة أبي السقر عن عائشة بنت عجرد وهماً مجهولتان ثم إن ثبت نحمله على أن عائشة رضي الله عنها عابت البيع إلى العطاء لأنه أجل غير معلوم ثم قال: وزيد صحابي فإذا اختلغوا فمذهبنا القياس وهو مع زيد وهو ما ذكر أن السلعة ملكه فله أن يبيع كيف شاء هل يدل على أن القياس لا يقتضيه، وقول الصحابي إذا اجتمعا في مسائل اختلفت الصحابة فيها تقديم [197/أ] القياس، وإن كان القول الثاني: صادراً عن كبراء الصحابة إنما يقولون قصد هذا العاقد أن يعطي خمس مائة ليسترد بعد زمان ألفاً وهذا عين الربا قلنا: قصده الفرار من الربا.
وقدر هذا التقدير لما جاز أن يشتريها بسلعة قيمتها... أيضاً.
تم الجزء الرابع حسب تقسيم المؤلف ويليه إن شاء الله تعالى الجزء لخامس وأوله: باب تفريق الصفقة
بَحْرُ المَذْهَبِ في فُروعِ المذْهَب الشّافعي
تأليف القاضيُ العلاّمة فخر الإسلَام شيَخ الشّافعيّة الإمَام أبي المحاسن عَبد الواحد بن إسماعيل الرّوُيَاني المتوفي سنة 502 هـ
تحقيق طَارق فَتحي السَيِّد
الجُزء الخامِس يحتَوي علَى الكتب التّالية: تتمة البيُوع- التفليس- الحجر- الصّلح- الحوالة- الضّمان
بسم الله الرحمن الرحيم
[ق 2 أ] باب تفريق الصفقة
قَالَ المُزَنِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: "اخْتَلَفَتْ أَقَاوِيلُهُ فِي ذَلكَ وَبَيَّضْتُ لَهُ مَوْضِعًا أَكْتُب فِيهِ شَرْح أَوْلَى قَوْلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى".
ولم يذكر شيئًا من المسائل ولكنه ذكرها في المختصر الكبير وفي بعض نسخ المزني ترك ورقة أو ورقتين بياضًا جريًا على الرسم، ونحن نذكر ذلك وجملته: أن نقول إن تفريق الصفقة يقع تارة في ابتداء العقد عند رد أو تلف بعض المبيع قبل القبض أو غير ذلك، وأما في الابتداء فقسمان:
أحدهما: أن يجمع بين شيئين لو أفرد كل واحد منهما بالعقد جاز.
والثاني: أن يكون أحدهما لو أفرد جاز والآخر لا يجوز، فيجمع بينهما، فأما القسم الأول فقسمان:
أحدهما: أن يكون الجمع بينهما ممتنعًا، وهو مثل الجمع بين الأختين في النكاح أو خمس نسوة، وحكمه أن العقد في الكل باطل إذ ليس أحدهما أولى من الآخر.
والثاني: أن يكون حكم العقدين في الدين جمع بينهما في صفقة مختلفًا مثل أن يجمع بين بيع وإجارة، أو بيع وصرف، أو بيع وسلم وفي ذلك قولان:
أحدهما: بضمان وبه قال أبو حنيفة: لأن جملة العوض والمعوض معلومًا.
والثاني: لا يجوز؛ لأن بعض العوض ثمن وبعضه أجرة {ق 2 ب) وكل واحد منهما مجهول، وقد يرد فسخ على أحدهما دون الآخر لاختلاف حكمهما، مثل أن يغصبها غاصب فالعقد لا يبطل في البيع ويبطل في الإجارة في قدر ما يكون في يد الغاصب، أو في الصرف وغيره فيفترقان من غير قبض فيبطل في الصرف ولا يبطل في الباقي، فيحتاج أن يعرف نصيب كل واحد منهما بالتوزيع وكان ذلك مجهولًا حالة العقد.
ومن جملة هذا القسم السلم في أنواع بخلاف بيع العين إذا شمل أنواعًا يجوز قولًا واحدًا، لأن أحد الأجناس ربما ينقطع دون الباقي، قال أصحابنا: وكذلك السلم إلى آجال على القولين، والأصح من هذا أنه يجوز قولًا واحدًا، ولو جمع بين نكاح وبيع، أو نكاح وإجارة ففيه القولان في المهر، وفي العقد المضموم إليه.
وأما نفس النكاح فلا يبطل؛ لأن جهالة العوض لا تمنع صحة النكاح، فإن قلت جاز الجمع بين العقدين صح وقسط المسمى عل مهر مثلها وعلى قيمة المبيع، أو على مهر مثلها وأجرة مثل الدار المستأجرة.
وإذ قلنا: لا يجوز فسد الكل إلا النكاح ولها مهر مثلها، وصورة المسألة أن تأذن لوليها في التزويج وتوكله ببيع عبدها، فيقول الخاطب: تزوجت بفلانة واشتريت هذا العبد بألف درهم، ويقول الولي: زوجتكها وبعت، وعلى هذا {ق 3 أ) لو باع حنطة وثوبًا بشعير كان على القولين، لأن التقابض في الشعير وما يقابله من الحنطة واجب ولا يجب في الباقي.
وأما القسم الثاني: وهو أن يجمع ما لا يجوز وبين ما يجوز، فإن باع عبد نفسه وعبد غيره بغير إذنه صفقة واحدة فالبيع باطل في ملك غيره قولًا واحدًا، وهل يصح في ملك نفسه؟ قولان منصوصان:
أحدهما: لا يصح وهو اختيار القاضي الطبري وله تعليلان:
أحدهما: أن الصفقة جمعت محظورًا ومباحًا فغلب الحظر.
والثاني: أنه مؤدى إلى جهالة الثمن، وذلك أن الثمن المسمى قابلهما ولابد من توزيعه عليهما بمناسبة القيمة، وربما يتفاضلان في الحصة وربما يتماثلان، وهذه الجهالة مستندة إلى طلب العقد فيبطل العقد.
والثاني: وهو اختيار أبي حامد ومشايخ خراسان وهو قول أبي حنيفة، وبه أفتى لأنهما عينان معلومتان لو أفردت كل واحدة منهما بالعقد خالف حكمها حكم الأخرى، فإذا جمع بينهما وجب أن يحكم لكل واحد منهما بحكم المنفرد، كما لو باع شقصًا وسيفًا، وهكذا إذا باع عبده وأباه أو حرًا آخر وشاةً مذكاة وميتة أو حيًا وميتًا، أو شاةً وخنزيرًا، أو باع عبده وأم ولده، أو مكاتبة صفقة واحدة.
ومن أصحابنا من قال: إذا {ق 3 ب) باع عبده وأباه، أو حيًا أو ميتًا، أو شاةً وخنزيرًا يبطل البيع في هذه المسائل الثلاث قولًا واحدًا، وهذا اختيار الشيخ حسين في شرح "التلخيص" فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسائل الثلاث وبين أن يبيع شاة مذكاة وشاة ميتة صفقة واحدة يجوز البيع في الزكاة في أحد القولين.
قلنا: الفرق أن الشاة المذكاة إذا عرفنا قيمتها عرفنا قيمة الميتة لو لم يكن حرامًا بالشرع.
وليس كذلك الخمر والخل لاختلافهما في الصفة، وكذلك الخنزير لا يجوز تقويمه ولا تعرف قيمته بمعرفة قيمة الشاة.
وهذا ضعيف عندي؛ لأن معرفة الحر يمكن بمعرفة قيمة العبد وهذا القائل يقول: يبطل البيع فيهما قولًا واحدًا.
وقيل: قول الجواز أولى ههنا؛ لأنه لا يكون جملة الثمن فيما يقبل العقد فلا يؤدي إلى جهالة الثمن في الأول.
وقال أبو حنيفة: إن كان الفساد في إحداهما ثبت بنص أو إجماع كالحر والعبد، أو الميتة والذكاة، أو الشاة والخنزير يبطل فيهما، وإن كان الفساد في إحداهما بغير ذلك كأمة وأم ولد أو مدبر صح في الجائز.
وقال فيمن باع مذكى ومتروك التسمية عليه {ق 14 أ) عمدًا يبطل البيع فيهما، وخالفه أبو يوسف ومحمد في هذا، وعن أحمد روايتان كالقولين لنا، وقال مالك وداود: يبطل العقد في الكل إلا إذا باع عبده وعبد غيره يصح في عبده ويقف في عبد غيره على الإجازة.
فإذا تقرر هذا، فإن قلنا الصفقة تعرف صح العقد فيما يصح لو انفرد وبطل في الآخر، ولا فرق بين أن يكون بيعًا أغير بيع مثل أن يرهنه حرًا أو عبدًا أو زوجة أجنبية ومحرمًا الباب كله واحد.
وإن قلنا: لا تفرق لا يخلو إما أن يتقسط الثمن عليهما بالقيمة أو بالإجزاء، فإن كان من طريق القيمة لا يصح العبد فيهما بلا إشكال، وإن كان من طريق الإجزاء فحكمه مبني على اختلاف التعليلين، فإن قلنا: العلة أن الصفقة جمعت حرامًا وحلالًا لا يصح العقد فيهما أيضًا، وإن قلنا: العلة الثانية يصح فيما له؛ لأن حقه غير مجهول فيكون فيه قولًا واحدًا، يصح البيع في ماله، والصحيح أن فيه قولين أيضًا، ولا اعتبار بهذا التفصيل؛ لأن الشافعي- رحمه الله- نص على أنه لو باع ثمرة وجبت فيها الزكاة لا يصح في مقدار الزكاة وفيما عداه قولان وعلى هذا لو باع عبدًا نصفه منصوب أو نصفه حر، فإن قلنا بالعلة الأولى يبطل البيع في الكل، وإن قلنا: {ق 4 ب) بالعلة الثانية صح في النصف المملوك إذ لا جهالة لأن من باع شيئًا يعرف أن حصته نصفه نصف الثمن وعلى هذا لو رهن عبده وعبد غيره، فإن قلنا بالعلة الأولى يبطل الرهن فيهما، وإن قلنا بالعلة الثانية صح من عبده إذ لا توزيع في الرهن فإن بعض الرهن رهن لجميع الدين، وجميع الرهن رهن بجزء الدين.
وعلى هذا لو نكح أجنبية ومحرمًا بعقدٍ واحدٍ أو جمع بين حرة وأمة فعلى العلة الأولى يبطل العقد فيهما، وعلى العلة الثانية صح العقد في أحدهما؛ لأن جهالة المهر لا تبطل النكاح.
فإذا تقرر هذا، تفرق الصفقة ويصح العقد في الجائز فالمشتري بالخيار إن شاء رد البيع فيه، وإن شاء أجازه، فإن أجازه فبكم يجيزه من الثمن؟ قولان:
أحدهما: يجيزه بقسطه من الثمن وهو الأصح؛ لأنه بذل الثمن في مقابلتهما فإذا بطل في أحدهما سقط قدر ما يقابله.
والثاني: يجيزه بكل الثمن؛ لأن الذي لم يصح فيه البيع لا قسط له من الثمن، فعلى القول الأول يقدر في الحر لو كان عبدًا كم كانت قيمته ويوزع الثمن عليهما، وفي الخمر يقدر أنه لو كان خلًا كم كانت قيمته، وفي الميتة يقدر أنها لو كانت مذبوحة كم كانت قيمتها.
ومن أصحابنا بخراسان من {ق 5 أ) قال: في الحر والعبد والخمر والخل والخنزير والشاة أنه يأخذ بحصته من الثمن ففيها قول واحد بكل الثمن ذكره القفال والقاضي والطبري.
وأما المذكاة والميتة قال القاضي الطبري: فيه قولان أيضًا وفرق بما تقدم، وذكر