بحر المذهب للرويانيصفحات 395-434

كتاب الدعوى والبينات

صفحات 395-434

مسألة قال الشافعي رحمه الله: "أخبرنا مسلم بنا خالد عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي"قال الشافعي: أحسبه قال ولا أثبته قال: "واليمين على المدعى عليه".
ابن حجاج عن ابن جريج قال: "أخبرني ابن أبي مليكة أن امرأتين كانتا في بيت تخرزان ليس معهما فيه غيرهما فخرجت إحداهما وقد طعنت في كفها بإشفى حتى خرج من ظهر كفها، تقول: طعنتها صاحبتها، وتنكر الأخرى قال: فأرسلت إلي ابن عباس فيهما، فأخبرته الخبر، فقال: لا تعط شيئًا إلا ببينة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو يعطى الناس بدعاويهم لادعى رجال أموال رجال ودماءهم لكن اليمين على المدعى عليه" فكمل بالجمع بين الروايتين قول النبي صلى الله عليه وسلم"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" مع ما قدم من التعليل.
روى الشافعي عن مسلم بنا خالد عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة".
وروى الشافعي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أمها أم سلمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر وإنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى على ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار".
وقيل: إن أوى دعوى كانت في الأرض دعوى قابيل بن آدم على أخيه هابيل، إنه أحق بنكاح توأمته منه، فتنازعا إلي آدم فأمرهما بما قصه الله تعالى بقوله: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أحدهما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ﴾ [المائدة: 27].
فأفضى تنازعهما إلي القتل فقتل قابيل هابيل فكان أول قتيل في إلي نفسه، والدعوى تشتمل على أربعة أشياء: مدع، ومدعى عليه، ومدعى به، ومدعى عنده.

فأما المدعي: فهو الطالب من غيره شيئًا في يده، أو في ذمته، وأما المدعى عليه فهو المطلوب منه شيئًا في يده، أو في ذمته.
وفرق ما بين الطالب والمطلوب منه، إن الطالب إذا تارك ترك والمطلوب إذا تارك لم يترك.
وأما المدعى به فهو ما تنازع فيه الطالب والمطلوب.
وأما المدعى عنده فهو من نفذ حكمه من قاٍض أو أمير.
فصل: والعدوى على ستة أضرب: صحيحة، وفاسدة، ومجملة، وناقصة، وزائدة، وكاذبة.
فأما الدعوى الصحيحة فضربان: دعوى استحقاق، ودعوى اعتراض.
فأما دعوى الاستحقاق فضربان: أحدهما: أن تتوجه إلي عين في اليد.
والثاني: إلي مال في الذمة.
فأما توجه الدعوى إلي عين في اليد فضربان: منقول، وغير منقول فأما المنقول فضربان: حاضر، وغائب.
فإن كانت العين المنقولة حاضرة في مجلس الحكم، كعبد أو ثوب، أغنت الإشارة عن صفتها، وعن ذكر قيمتها، فإن كانت الدعوى في غصب صحت الدعوى، إذا قال: غصبني هذا البعد، أو هذا الثوب وإن كانت الدعوى في وديعة فقال: أودعته هذا، وإن كانت الدعوى في ابتياع منه، فإن كان المقصود بها دعوى العقد، كان في صحة الدعوى ذكر قدر الثمن، وإن كان المقصود بها انتزاعه من يده كان في صحة الدعوى أن يذكر أنه ابتاعه منه، ودفع إليه ثمنه.
وقد منعه ولا يلزمه أن يذكر قدر الثمن.
وإن كانت العين المنقولة غائبة، فإن كانت من ذوات الأمثال كالحنطة، اقتصر في تعيينها على ذكر الصفة، ثم صار الحكم فيها كالعين الحاضرة، وإن كانت من غير ذوات الأمثال كالحنطة، اقتصر في تعيينها على ذكر الصفة، ثم صار الحكم فيها كالعين الحاضرة، وإن كانت من غير ذوات الأمثال، كالجواهر لزمه في تعيينها ذكر الجنس، والنوع، وما يضبط به من صفاتها فإن كانت وديعة لم يلزمه ذكر قيمتها، لأن الوديعة أمانة غير مضمونة، وإن كانت عارية أو غصبًا لزمه في التعيين ذكر قيمتها، لضمان العارية والغصب بالقيمة، وإن كانت مبيعة لزمه في التعيين ذكر ثمنها لضمان ما لم يقبض من المبيع بالثمن دون القيمة.
وأما غير المنقول كدار، أو ضيعة فتعيينها في الدعوى يكون بذكر الناحية، والحدود الأربعة: لتمييز بذلك من غيرها، ولا يغني ذكر الناحية عن ذكر الحدود، ولا ذكر الحدود عن ذكر الناحية، ولا أن يقتصر على بعض الحدود حتى يستوفي جميعها فتصير بذكر الناحية والحدود الأربعة متميزة عن غيرها إلا أن تكون الدار مشهورة باسمها متميزة به عن غيرها، كدار الندوة بمكة و"دار الخيزران"فيغني ذكر اسمها عن ذكر حدودها، وإذا

ذكرت الناحية والحدود الأربعة، صح دعواها وإن جاز أن يشاركها غيرها في حدودها، كما إذا ذكر الرجل باسمه، واسم أبيه وجده، وقبيلته، وصناعته، صح، وتميز في الدعوى والشهادة، وإن جاز إن يشاركه غير في الاسم، والنسب؛ لأنه غاية الممكن ولأن المشاركة نادرة، ثم صحة دعواها بعد تحديدها معتبرة بشرطين: أن يذكر أنها ملكه.
والثاني: أن يذكر أنها في يد المدعى عليه بغير حق.
وهو إذا ذكر ذلك بالخيار بين أن يعين السبب الذي صارت به في يده بغير حق، وبين أن يطلقه.
فصل: وإن كانت الدعوى بمال في الذمة، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون من ذوي الأمثال كالدراهم، والدنانير، أو الحنطة والشعير مما يصح أن يثبت في الذمة ثمنًا، أو يضمن في العبد بمثله، فيلزمه في الدعوى أن يذكر الجنس والنوع، والصفة، والقدر، بما يصير به عند الخاصة والعامة معلومًا، وهو بالخيار في أن يذكر سبب الاستحقاق، أو لا يذكر فتكون صحة الدعوى معتبرة بثلاثة شروط: أحدهما: أن يقول لي عليه كذا ويصفه.
والشرط الثاني: أن يقول وهو حال، لأن المؤجل لا يستحق المطالبة به قبل حلوله، فلم تصج دعواه، فإن كان بعضه حالًا، وبعضه مؤجلًا صح دعوى جميعه لاستحقاق المطالبة ببعضه ويكون المؤجل تبعًا فلو كان المؤجل في عقد قصد بدعواه تصحيح العقد، كالسلك المؤجل، صحت دعواه، لأن المقصود به مستحق في الحال.
والشرط الثالث: أن يقول: وقد منعني، أو أخره عني قال: وقد أنكرت صح، لأن المنكر مانع.
ثم اختلف أصحابنا بعد ذكر هذه الشروط الثلاثة: هل يعتبر في صحة الدعوى أن يقول: وأنا أسأل القاضي، أن يلزمه الخروج إلي من حق على وجهين: أحدهما: يعتبر في صحة الدعوى، لأن المقصود بالتحاكم إليه، وإلا كان خبرًا.
والثاني: لا يعتبر، لأن شاهد الحال يدل عليه، فاعتبر.
والضرب الثاني: أن يكون ما في الذمة غير ذي مثل، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون الشرع مانعًا من ثبوته في الذمة، كاللؤلؤ، والجوهر، فلا تصح دعوى عينه، لأنها لا يصح ثبوتها في الذمة إلا أن يقصد بالدعوى ثبوت عوضها، لأنها مغصوبة، فتصح دعواها بذكر قيمتها، أو تكون عن سلم فاسد، فتكون الدعوى برد ثمنها، ويكون ذكرها إخبارًا عن السبب الموجب لعوضها.
والضرب الثاني: أن يصح في الشرع ثبوته في الذمة، وذلك من وجهين: أحدهما: من السلم أن يكون معقودًا على ثياب، فيلزمه في صحة دعواها شرطان: أحدهما: أن يصفها بأوصافها المستحقة في عقد السلم.

والثاني: أن يذكر أنها من عقد سلم، يذكر فيه الشروط المعتبرة في صحة السلم.
ثم يذكر بعدها ما يوجبه مقصود الدعوى فإن لم يذكر أنه عن سلم، لم تصح دعوى أعيانها، لأنها قد تكون مغصوبة توجب غرم قيمتها، فيلزمه مع ذكر الصفة أن يذكر القيمة.
والوجه الثاني: الإبل المستحقة في الدية والغرة المستحقة في الجنين، فلا يلزمه صفتها في دعواه، لأن أوصافها مستحقة بالشرع، وصحة الدعوى فيها معتبرة بثلاثة شروط: أحدها: أن يذكر أنها عن جناية يصفها بعمد، أو خطأ لاختلاف صفاتها بالعمد، والخطأ، وهي مستحقة على الجاني في العمد، وفي الخطأ مستحقة على العاقلة.
والثاني: أن يذكر أنها على حر، لأن الإبل لا تستحق في الجناية على العبد، وأن المجهضة لجنينها حرة، لأن الغرة لا تستحق في جنين الأمة.
والثالث: أن يذكر ما وصفنا فيه الجناية من نفس، أو طرف، أو جراح تقدرت ديته بالشرع، كالموضحة، والجائفة، فتكون المطالبة بالدعوى عفوًا عن القصاص، فإن كانت الجناية فيما لا تتقدر ديته بالشرع، كانت دعواه مقصورة على وصف الجناية على عبد استحق فيها القيمة فيذكر قدر قيمته ليعلم بهادية نفسه وأطرافه.
وإن كانت في جنين أمة، ذكر في الدعوى قدر قيمتها، لأن في جنين الأمة عشر قيمتها، ثم تستوفي شروط المقصود بالدعوى فهذا حكم دعوى الاستحقاق.
فصل: فأمل دعوى الاعتراض فضربان: أحدهما: أن يتوجه إلي ما فيه يده.
والثاني: إلي ما يتعلق بذمته.
فأما توجه الدعوى إلي ما في يده، فلا تكون إلا بعد معارضته، فإن كانت المعارضة بما لا يستضر به المدعي لم تصح الدعوى منه.
وإن كانت بما يستضر به المدعي إما بمد اليد إلي ملكه، وإما بمنعه من التصرف فيه وإما بملازمته عليه، أو بقطعه عن أشغاله صحة دعواة بخمسة شروط: أحدهما: أن يصف الملك بما يصير به متعينًا منقول وغير منقول على ما قدمناه.
والثاني: أنه له وفي ملكه، لأن ما لا يملكه، أو لم يستتبه مالكه فيه لا يمنع من المعارضة فيه.
والثالث: أن يذكر المعارض له بالإشارة إليه، إن كان غائبًا.
والرابع: أن يذكر المعارضة له بالإشارة إليه، إن كان حاضرًا، أو باسمه ونسبه

لافتراقهما في الحكم.
والخامس: أن يذكر أنه عارضه بغير حق لأنه ربما استحق المعارضة برهن، أو إجارة حتى لا يتقي في دعواه ما يحتاج الحاكم أن يسأله عنه ليعذر بسؤاله إلي المدعى عليه.
وأما توجه الدعوى إلي ما يتعلق بذمته، لأنه قد طولب بما لا يستحق عليه فإن لم يلحقه بالمطالبة ضرر، لم تصح الدعوى، وإن لحقه بها ضرر، إما في نفسه بالملازمة، أو في جاهه بالإشاعة، وإما في ماله بالمعارضة صحت منه الدعوى ليستدفع بها الضرر وصحتها معتبرة بثلاثة شروط: أحدها: أن يذكر ما طولب به، إما مفسرًا، أو مجملًا، لأن المقصود بالدعوى ما سواه.
والثاني: أن يذكر أنه غير مستحق عليه، لأن المطالبة بالحق لا ترد.
والثالث: أن يذكر ما استضر به، لأن المقصود الدعوى ليكون الكف عنه متوجهًا إليه، فإن اقترن بهذه الشروط ما يكمل به جميع الدعاوى، سأل الحاكم المدعى عليه، وله في الجواب، عن دعوى هذه المعاوضة، ثلاثة أحوال: أحدها: أن يعترف بجميع ما تضمنها فيمنعه الحاكم من معارضته.
والحالة الثانية: أن ينكر المعارضة فيخلى سبيله، فلا يميل عليه لأن لا يتعلق بالمعارضة استحقاق غرم.
والحال الثالثة: أن يذكر أنه يعارضه فيه بحق يصفه، فيصير مدعيًا بعد أن كان مدعى عليه، ويصير المدعي مدعى عليه، بعد أن كان مدعيًا.
فهذا الكلام في صحة الدعوى، وإن تضمنت ضروبًا أغفلناها اقتصارًا وتعويلًا بها على اعتبار ما بيناه.
فصل: وأما الدعوى الفاسدة فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: ما عاد فساده إلي المدعي.
والثاني: ما عاد فساده إلي الشيء المدعى.
والثالث: ما عاد فساده إلي سبب الدعوى.
فأما الضرب الأول: في عود فساده إلي المدعي، فكمسلم ادعى نكاح مجوسية أو حر واجد الطول ادعى نكاح أمة، فهذه الدعوى فاسدة، لأن المسلم لا يجوز له أن ينكح مجوسية، والواجد الطول لا يجوز له أن ينكح أمة، فبطلت دعواه لامتناع مقصودها في حقه، فلم يكن للحاكم أن يسمعها منه.
وأما الضرب الثاني: فيما عاد فساده إلي الشيء المدعى، فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن يدعي ما لا تقر عليه يد كالخمر، ولحم الخنزير، والسباع الضاربة والحشرات المؤذية، فدعواه فاسدة، لوجوب رفع اليد عنها في حقوق المسلمين، فلم

يكن للحاكم، أن يسمعها من كافة الناس.
والضرب الثاني: أن يدعي ما تقر عليه اليد، ولا تصح المعارضة عنه كجلود الميتة والسراجين، والسماد، والنجس، والكلاب المعلمة، تقر عليها اليد للانتفاع بجلود الميتة، إذا دبغت وبالسماد، والسراجين في الزروع، والشجر، والكلاب في الصيد، والمواشي، واختلف في اليد عليها، إذا كانت الجلود من أموات حيوان، والسراجين من أرواث بهائمه، هل تكون يد ملك أو يد انتفاع؟ على ثلاثة أوجه: أحدها: أنها يد انتفاع لا يد ملك لخروجها عن معارضة الأملاك.
والوجه الثاني: أنها يد ملك لأنه أحق بها كسائر الأموال.
والوجه الثالث: أن ما كان منها ملكًا يعتاض عنه، ويصير في الثاني يعتاض عنه كجلود الميتة كانت اليد عليها يد ملك اعتبارًا بالطرفين وما خرج عن أملاك المعاوضة في طرفيه كالكلاب، والأنجاس، كانت اليد عليها يد انتفاع لا يد ملك فإذا توجهت الدعوى إلي شيء من هذا، لم يخل من أن يكون باقيًا أو تالفًا.
فإن كان تالفًا كانت الدعوى فيه باطلة، لأنه لا يستحق بتلفها مثل ولا قيمة، وإن كانت باقية لم يخل أن يدعيها بمعاوضة، أو غير معاوضة.
فإن ادعاها بمعاوضة أنه ابتاعها، كانت الدعوى فاسدة، لأنها لا تملك بالابتياع إلا أن يكون قد دفع ثمنها، فتكون دعواه متوجهة إلي الثمن إن طلبه، ويكون ذكر ابتياعها إخبارًا عن السبب الموجب لاسترجاع الثمن به، وإن ادعاها بغير معاوضة فقد تصح دعواها في أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن تغصب منه، فتصح دعوى غصبها.
والثاني: أن يوصي بها، فتصح دعوى الوصية بها.
والثالث: أن توهب له، فتصح دعوى هبتها.
فإن أطلق الدعوى ولم يفسرها، لما تصح به أو تفسد، فقد اختلف فيما يكون من الحاكم فيها على وجهين: أحدهما: يستفسر ليعمل على تفسيره في صحتها، وفسادها، لأنه مندوب لفصل ما اشتبه.
والوجه الثاني: أن يمسكه متوقفًا عنهما، ولا يستفسره إياها، ليكون هو المبتدئ بتفسيرها، لأن استيفاء دعواه حق له، يقف على خياره.
والضرب الثالث: ما تقر عليه اليد ملكًا، ولا يجوز أن ينتقل من مالك إلي مالك كالوقف وأمهات الأولاد، والدعوى فيه على المالك فاسدة، لا يجوز أن يسمعها الحاكم على مالك لاستحالة انتقاله عن ملكه إلي ملك غيره إلا أن يدعي ابتياعه لاسترجاع الثمن، فتكون الدعوى متوجهة إلي الثمن ويكون ذكر ابتياعه إخبارًا عن السبب.
ويجوز أن يدعي الوقف وأم الولد على غاصبها، وإن لم يدعيا على مالكهما.

وأما الضرب الثالث: في الأصل وهو ما عاد فساده إلي سبب الدعوى وهو على ضربين: عقد ومقتضى عقد.
فأما العقد كالبيع، وإذا ادعى ما ابتاعه وهو على ثلاثة أضرب: صحيح ومتفق على فساده، ومختلف فيه: فإذا كان البيع صحيحًا، صحت الدعوى فيه، إذا استوفي شروطها على ما سنذكره وإن كان البيع متفقًا على فساده كبيع الحمل في البطن، وبيع الثمرة قبل أن تخلق، فالدعوى فيه باطلة لا يسمعها إن طلب تسليم المبيع، ويسمعها إن طلب موجبها من رد الثمن.
وإن كان المبيع مختلفًا فيه كبيع العين الغائبة، يسمعها ليحكم فيها بما يؤدي إليه اجتهاده، من صحة البيع، وتسليم المبيع، أو يحكم بفساده ورد الثمن.
وكذلك الحكم في عقود الإجارات، والمناكح والرهون.
وأنا نقص العهد فكالشفعة، وهي على ثلاثة أضرب: مستحقة، وباطلة ومختلفة فيها.
فأما المستحقة، فشفعة الخلطة تصح دعواها بعد استيفاء شروطها وأما الباطلة فالشفعة فيما ينقل من متاع، أو حيوان فلا يسمع الحاكم ممن منه الدعوى فإن جهل المدعي حكمها أخبره بسقوط حقه فيها.
وأما المختلف فيها فشفعة الجار، فإن كان الحاكم ممن يرى وجوبها سمع الدعوى فيها، وحكم بها لمدعيها، وإن كان ممن لا يرى وجوبها لم يسمع الدعوى فيها بخلاف البيع المختلف فيه، لأن في البيع عقدًا يفتقر إلي الحاكم بإبطاله فلذلك سمع فيه الدعوى ليحكم بإبطاله ورد ما تقابضاه، وليس هذا في الشفعة، لأنها مجرد دعوى، يبطل بردها، والإعراض عنها، فلذلك ما افترقا.
فصل: وأما الدعوى المجملة فكقوله: لي عليه شيء، فالشيء مجهول لانطلاقه على كل موجود من حق وباطل، وصحيح وفاسد، فلا يسمع دعوى المجمل والمجهول وإن سمع الإقرار، بالمجمل والمجهول.
والفرق بين الدعوى والإقرار من وجهين: أحدهما: أن المدعي لا يجوز أن يدعي ما أشكل عليه.
والثاني: أن مدعي المجهول مقصر في حق نفسه، فلم تسمع منه، والمقر مقصر حق غيره، فأضر به، ولا يلزم الحاكم أن يستفسره عما ادعاه من مجمل، أو مجهول، حتى يكون هو المبتدئ بتفسيره بخلاق ما ذكرنا من الوجهين من استقرار المقصود بالدعوى، لأن تلك معلومة سئل فيها عن مقصوده، وهذه مجهولة أخفاها لقصده، فإن قال له فسر ما أجهلت لم يجز، لأنه تلقين وإن قاله له إن فسرت ما أجملت جاز لأنه استفهام، والحاكم لا يجوز أن يلق ويجوز أن يستفهم.

فصل: وأما الدعوى الناقصة فعلى ضربين: نقصان صفة، ونقصان شرط.
فأما نقصان الصفة فكقوله: لي عليه ألف درهم، لا يصفها، فيجب عليه أن يسأل عنها، ولا يحملها على الغالب من نقد البلد فإن إطلاقها في البيع محمولًا على الغالب، لجواز أن تكون في الدعوى من غيرها، فإن كانت من ثمن جميع سأله عنها أيضًا، لجواز أن يعقد بغيرها.
وأما نقصان الشرط فكدعوى عقد نكاح، لا يذكر فيها الولي، أو الشهود فلا يسأله الحاكم عن نقصان الشرط، ويتوقف عن السماع، حتى يكون المبتدئ بذكره، أو لا يذكره فيطرحها.
والفرق بين أن يسأله عن نقصان الصفة، ولا يسأله عن نقصان الشرط: أن نقصان الصفة لا يتردد ذكره بين صحة وفساد، فجاز أن يسأله عنه ونقصان الشرط يتردد ذكره بين الصحة والفساد، فلم يجز أن يسأله عنه.
فصل: وأما الدعوى الزائدة فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون الزيادة هدرًا غير مؤثرة كقوله: ابتعت منه هذا العبد في بلد كذا، أو في سوق كذا، فلا يؤثر في الدعوى ويطرح للحاكم سماعها.
والضرب الثاني: أن تكون الزيادة تأكيدًا كقوله: ابتعت هذا العبد على أني إن وجدت به عيبًا رددته، أو على أن عليه أني استحق دركه، فلا يمنع الحاكم من سماعها، وإن لم تحتج الدعوى إليها بما أوجبه الشرع من رد العيب، ودرك المستحق لأن التأكيد مستعمل في العقود فجرت الدعوى فيه على المعهود.
والضرب الثالث: أن تكون الزيادة منافية لموجب الدعوى كقوله: ابتعت هذا العبد بألف إن استقالني أقلته، وإن ردها على فسخته فهذه الزيادة في الدعوى معتبرة بمخرجه منه، فإن خرجت مخرج الوعد بعد صحة العقد، لم تمنع من صحة الدعوى وكان ذكرها حكاية حال تقف على خياره، وإن خرجت مخرج الشرط في العقد، أبطل بها الدعوى فإن قصد بها تملك المبيع لم يسمعها وإن قصد بها استرجاع الثمن سمعها.
فصل: وأما الدعوى الكاذبة فهي المستحيلة، كمن ادعى وهو بمكة أنه نكح بالأمس فلانة بالبصرة.
أو ادعى أنه ورث هذا العبد من أبيه وقد ولد بعد موت أبيه.
أو ادعى أن فلانًا جرحه هذه الجراحة في يومه، وفلان غائب إلي نظائر هذا من الدعاوى الممتنعة فتكون كاذبة، يقطع بكذب مدعيها، لا يسمعها الحاكم، وإن صدقه الخصم عليها لاستحالتها، وتزول بها عدالة المدعي للعلم بكذبه، وبالله التوفيق.

فصل: فإذا صح ما ذكرنا من مقدمات هذا الباب، فالدعوى الصحيح ممنوعة من كل جائز الأمر فيما يدعيه، على كل جائز الأمر فيما يدعي عليه سواء عرف بينهما معاملة، أو لم يعرف، ويعديه الحاكم إذا استعداه وإن جل قدر المدعى عليه وتصون.
وقال مالك: لا يعد به على أهل الصيانة، فلا يستحضره الحاكم، إلا أن يعلم أن بينهما معاملة، لئلا يستبذل أهل الصيانات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم"، وهذا ليس بصحيح لقول الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26] فأمره بالتسوية وترك الميل.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهده إلي أبي موسى: آسى بين الناس في وجهك، وعدلك، مجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، وقد احتكم علي بن أبي طالب عليه السلام ويهودي إلي شريح في حال خلافته فلم يمتنع أن يساوي في المحاكمة بين اليهودي وبين نفسه؛ ولأن خمول المدعي لا يمنع أن يكون ذا حق، وصيانة المدعى عليه، لا يمنع أن يكون عليه حق.
ولأن المعاملة لا تدل على بقاء الحق، وعدمها ل يمنع من حدوث الحق، فلم يكن لاعتبارها من الدعاوى وجه.
والذي يجوز أن يستعمله الحاكم في تحاكم أهل الصيانة أن يميزهم عن مجالس العامة، ويفرد لمحاكمتهم مجالسًا خالصًا يصانون به، عن بذله العامة، يجمع فيه بينهم، وبين خصومهم، فلا ترد فيه الدعوى ولا تبتذل فيه الصيانة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا ادعى الرجل الشيء في يدي الرجل فالظاهر أنه لمن هو في يديه مع يمينه، لأنه أقوى سببًا فإن استوي سببهما فهما فيه سواٌء فإن أقام الذي ليس في يديه البينة قيل لصاحب اليد البينة التي لا تجر إلي أنفسها بشهادتها أقوى من كينونة الشيء في يديك وقد يكون في يديك ما لا تملكه فهو لفضل قوة سببه على سببك، فإن أقام الآخر بينًة قيل قد استويتما في الدعوى والبينة والذي الشيء في يديه أقوى سببًا فهو له لفضل قوة سببه وهذا معتدٌل على أصل القياس والسنة على ما قلنا في رجلين تداعيا دابًة وأقام كل واحٍد منهما البينة أنها دابته نتجها فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هو في يديه قال: وسواٌء التداعي والبينة في النتاج وغيره".
قالي في الحاوي: وأصل هذا أن مجرد الدعاوى في المطالبات لا يحكم في فصلها بحجة تقترن بها، فحجة المدعي البينة على إثبات ما دعاه، وحجة المدعى عليه اليمين على نفي ما أنكره لقول النبي صلى الله عليه وسلم"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه".

وروى الأعمش عن شقيق بن وائل عن الأشعث قال: كان بيني وبين يهودي أرض فجحدني عليها، فقدمته إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألك بينة؟ فقلت: لا.
فقال لليهودي.
احلف.
قلت إذن يحلف فيذهب بمالي، فنزل قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: 77] الآية، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر حجة كل واحدة منهما.
وروى سماك عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه أن رجلًا من حضرموت أتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه رجل من كندة، فقال: يا رسول الله، إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي فقال الكندي: أرضي، وفي يدي أزرعها، لا حق له فيها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا.
فقال: لك يمينه.
فقال الحضرمي: إنه فاجر لا يبالي على ما حلف إنه لا يتورع من شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم"ليس لك منه إلا ذاك" فدل على ما ذكرناه.
ويدل عليه من طريق المعنى أن البينة أقوى من اليمين، لزوال التهمة عن البينة وتوجهها إلي اليمين.
وجنبة المدعى عليه أقوى من جنبة المدعي، لأن الدعوة إن توجهت إلي ما في يده فالظاهر أنه على ملكه، وإن توجهت إلي دين في ذمته، فالأصل براءة ذمته، فجعلت أقوى الحجتين وهي البينة في أضعف الجنبتين وهي المدعي، وجعلت أضعف الحجتين وهي اليمين في أقوى الجنبتين وهي المدعى عليه، لتكون قوة الحجة جبرانًا، لضعف الجنبة وفي الجنبة جبرانًا لضعف الحجة فتعادلا في الضعف والقوة.
فصل: وإذا تعين المدعي، وتحررت الدعوى، سأل الحاكم المدعى عليه، عن الدعوى، ولم يسأل المدعي عن البينة، لأنه قد يقر المدعى عليه، فلا يحوج إلي البينة، فإن أقر لزمه إقراره، وأخذه بموجبه، وقد فصل الحكم بينهما.
وإن أنكر سأل الحاكم المدعي: ألك بينة؟ فإن ذكرها أمره بإحضارها، فإذا أحضرت سمع الحاكم منها وحكم على المدعى عليه، بها، وقدمها على يمين المدعى عليه لأمرين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم البينة على اليمين.
والثاني: أن البينة أقوى من اليمين من وجهين: أحدهما: أن التهمة منتفية عن البينة، لأنها لا تجر إلي نفسها نفعًا، ولا تدفع ضررًا، والتهمة متوجهة إلي يمين الحالف، لأنه يدفع بها عن نفسه ضررًا، ويجربها إلي نفسه نفعًا.

والثاني: أن البينة تشهد بتصريح الملك، وتوجيه، واليمين تدل عليه ولا توجيه، وإن عدم المدعي البينة سأل الحاكم المدعى عليه الحلف، ولم يقل له احلف؛ لأن سؤاله استفهام.
وأمره تلقين، وإن حلف فصل الحكم بينهما بيمينه، وسقطت الدعوى فإن نكل عن اليمين لم يجبر عليها، وترد يمينه على المدعي، بعد استقرار نكوله، ولا يقضى عليه بالنكول، من غير إحلاف المدعي، وقال أبو حنيفة: يقضي عليه بالنكول، من غير إحلاف المدعي، وقد تقدم الكلام معه، وإن امتنع المدعى عليه من اليمين لقيم البينة بدلًا من يمينه نظر في الدعوى.
فإن كانت بدين في الأمة لم تسمع منه البينة؛ لأنه نفي الدين بإنكاره والبينة لا تسمع على النفي وقيل له: لا براءة لك من الدعوى إلا بيمينك.
فإن كانت الدعوى بعين في يده ففي سماع بينته بدلًا من يمينه وجهان: أحدهما: لا تسمع بينته، لأنه لا حاجة به إليها، ويستغنى بيمينه عنها.
والثاني: تسمع ببينته عليها وترتفع الدعوى بها، وتكون بينته أوكد من يمينه لأن البينة قد جمعت إثباتًا ونفيًا، فصح سماعها منه في الأعيان لما تضمنها من الإثبات، ولم يسمعها فيما تعلق بالذمة لأنها تتضمن النفي دون الإثبات.
وقال أبو حنيفة: اليمين مستحقة على المدعى عليه فلا تنقل إلي المدعي، والبينة مستحقة على المدعي، فلا تنقل إلي المدعى عليه، فلذلك فضي عليه بنكوله، ولم تسمع منه البينة، ولم يختلف عليه المدعي وسيأتي الكلام معه.
فصل: فإن أقام المدعي بينة، وأقام صاحب اليد بينة، سمعت بينته وقضى ببينته على بينة المدعي، لفضل يده في جميع الأعيان سواء كان الملك مطلقًا، أو مذكورًا لسبب وسواء فيما ذكر سببه مما يتكرر كصناعة الأواني وما ينتج من الخز مرة بعد أخرى، لو كان مما لا يتكرر سببه كالنتاج، وثياب القطن والكتان، وبه قال مالك من أهل المدينة وقال به من أهل العراق شريح، والنخعي والحكم بن عيينة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان التنازع في ملك مطلق، أو مما يتكرر سببه لم تسمع بينة صاحب اليد، وقضى بينة المدعي، وإن كان مما لا يتكرر سمعت بينة صاحب اليد في الأحول كلها، وسموا المدعى خارجًا، وصاحب اليد داخلًا، فقال: تسمع بينة الخارج، ولا تسمع بينة الداخل، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" بحذف الألف واللام الموجب لاستغراق الجنس، فاقتضى أن لا تنتقل البينة إلي المدعى عليه، ولا تنتقل اليمين إلي المدعي.
ولأن اليمين موجبة للملك فلم يستفد صاحب اليد بالبينة ما لا يستفيد بيده وبينة المدعي يحكم بها مع يد المدعى عليه، فوجب أن يحكم بها مع بينته، لأن بينته لم تعد إلا ما أفادته يده، ثم اليد أقوى من البينة، لأن اليد تدل على الملك شاهدة والبينة تدل

على الملك استدلالًا فافترقا ولأنه لما لم تسمع بينة الداخل في الدين لم تسمع في العين لاستوائهما في حق الخارج في القبول، فوجب أن يستويا في حق الداخل في الرد.
قالوا: ولأنه لما لم تسمع بينة الداخل إذا لم يقم الخارج البينة مع قوة الداخل، وضعف الخارج كان أولى أن لا تسمع بينة الداخل إذا أقام الخارج البينة مع ضعف الداخل، وقوة الخارج لأن من لم تسمع بينته مع قوته، كان أولى أن لا تسمع مع ضعفه.
ودليلنا رواية جابر أن رجلين اختصما إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم في دابة، أو بعير، وأقام كل واحد منهما البينة أنها له بنتجها فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده فدل على قبول بينة الداخل، فإن قيل فبينة الداخل في النتاج مقبولة.
قيل: وجه الدليل أنه قضى بينة الداخل تعليلًا باليد، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي" وقد صار كل واحد منهما مدعيًا للعين، وإن لم يصر مدعيًا للدين، فوجب بهذا الخبر، أن تسمع بينة كل واحد منهما.
ولأن جنبة الخارج أضعف من جنبة الداخل، فلما سمعت لليد مع الضعف كان سماعها مع القوة أولى.
وتحرير قياسًا، أنها بينة تسمع مع ضعف الجنبة، فكان أولى أن تسمع مع قوة الجنبة كسماعها من المدعي، إذا كانت له يد متقدمة ولأنهما إذا تنازعا ملكًا، لا يد لواحد منهما، سمعت بينة كل واحد منهما، فإذا انفر أحدهما باليد، لم يمنع من سماع بينته، لأنها إن لم تفده قوة لم تقده ضعفًا، وتحرير أن تساويهما في ادعاء الملك، يوجب تساويهما من سماع البينة، كما لو لم يكن لأحدهما عليه يد، أو كان لكل واحد منهما يدل عليه.
ولأن بينته الخارج قد رفعت يد الداخل، فصار كالخارج، فوجب أن تسمع بينته كسماعها من الخارج.
وتحرير قياسًا أن كل من حكم عليه إذا عدم البينة، وجب أن يحكم له إذا وجد السنة كالخارج، ولأن اليد فعل زائد في القوة فلم يجز أن يمنع من سماع البينة.
كما لو شهد لأحدهما شاهدان، وشهد للآخر عشرة.
ولأن كل حجة صح دفعها بالقدح فيها، صح دفعها بالمعارضة لها كالخبرين وعمدة القياس على أبي حنيفة أنه لما سمعت بينة الداخل فيما لا يتكرر من النتاج، وثوب القطن سمعت بينة في ما يتكرر من أواني الذهب والفضة، وثوب الخبز.
وتحريره قياسًا من وجهين: أحدهما: أن كل من سمعت بينته فيما لا يتكرر من الأعيان سمعت بينته فيما يتكرر منها كالخارج.
والثاني: أن كل يمين صح سماع البينة عليها من الداخل، كالنتاج، والأعيان التي لا تتكرر فاعترض أصحاب أبي حنيفة على هذا، بما اختلف فيه متقدموهم، ومتأخروهم، فأما المتقدمون منهم فعارضوا في الفرق بينهما بأن البينة في النتاج وما لا يتكرر سببه، تفيد ما لا تفيده يده، لأن اليد تدل على الملك دون السبب والبينة تدل على الملك والسبب فلذلك سمعت بينته مع يده والبينة في الملك

المطلق، لا تفيد إلا ما أفادته يده، فلذلك لم تسمع بينته مع يده، وعنه جوابان: أحدهما: أن عكس هذا بأن ما كان التعارض فيه ممكنًا، أولى بالقبول مما كان التعارض فيه كذبًا.
والثاني: أنهما متكاذبتان في الملك، وإن أمكن صدقها في السبب التكرر فلئن جاز أن يكون التكاذب في السبب موجبًا لتغليظ الصدق باليد جاز أن يكون التكاذب في الملك موجبًا لتغليب الصدق باليد، فلم ينقلوا في كل الفرقين من فساد موضوعها.
فأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"فمن وجهين: أحدهما: ما قدمناه في الاستدلال به عليهم، بأنه قد صار كل واحد منهما مدعيًا.
والثاني: أنه لا يمتنع أنه يحمل قوله: "البينة على المدعي" أنها تسمع من المدعى عليه على المدعي، واليمين على المدعى عليه أنها تسمع على المدعي، لأن قوله على مقتضى ظاهره، أن يكون متوجهًا إلي من سمعت منه البينة، وسمعت عليه اليمين، فيكون الخبر محمولًا على تأويلين مستعملين، ثم أكثر ما فيه أن يكون عامًا في جنس الأيمان والبينات، والعموم يجوز تخصيص بعضه فيخص هذا بأدلتنا.
وأما الجواب عن قولهم إن اليد موجبة للملك، فلم يستفد صاحبها بالبينة، ما لم يستفد بيده فمن وجهين: أحدهما: أن اليد تدل على الملك، ولا توجبه؛ لأن اليد قد تكون لغصب، أو أمانة، أو إجازة فلم توجب الملك دون غيره، وإن كانت في الظاهر محمولة عليه مع اليمين، والبينة موجبة للملك بغير يمين.
فصار مستفيدًا بالبينة، ما لا يستفيده بيده من وجهين: أحدهما: أن اليد تدل على الملك، ولا توجبه، لأن اليد قد تكون لغصب أو أمانة، أو إجازة فلم توجب الملك دون غيره، وإن كانت في الظاهر محمولة عليه مع اليمين، والبينة موجبة للملك بغير يمين، فصار مستفيدًا بالبينة، ما لا يستفيده بيده من وجهين: أحدهما: أنها أوجبت الملك واليد لا توجبه.
والثاني: أنها أسقطت اليمين، واليد لا تسقطها.
والجواب الثاني: ما قدمناه أن بينة المدعى عليه في الدين لم تسمع بينته في اليمين فمن وجهين: أحدهما: ما قدمناه من أن البينة في الدين، في جهة المدعي تكون على الإثبات، ومن جهة المدعى عليه تكون على النفي، والبينة، تسمع على الإثبات، ولا تسمع على النفي، وهي على الأيمان موجبة للإثبات في الجهتين فسمعت منهما.
والجواب الثاني: أنها تسمع البينة في الدين من جهة المدعى عليه، إذا شهدت

بالقضاء، فصارت مسموعة من الجهتين، وأما الجواب عن قولهم إنه لما لم تسمع البينة، مع عدم بينة الخارج، كان أولى أن لا تسمع مع وجود بينة الخارج، فهو أن لأصحابنا في سماعها وجهين ذكرناهما: أحدهما: تسمع ويسقط الاستدلال.
والثاني: لا تسمع.
والفرق بينهما أنه لا تسمع بينة، مع عدم بينة الخارج لأنه مستغٍن عنها بيمينه.
فصل: فإذا ثبت أن البينة مسموعة من المدعي، الذي هو الخارج، ومن المدعى عليه، الذي هو الداخل، فبينة المدعي مسموعة على التقييد، والإطلاق، فتقييدها أن تشهد له بالملك المضاف إلي سببه، وإطلاقها أن تشهد له بالملك على الإطلاق من غير إضافة إلي سببه.
وأما بينة المدعى عليه، فإن شهدت بالملك المقيد المضاف إلي سببه سمعت، وإن شهدت له بالملك المطلق من غير إضافة إلي سببه، ففي سماعها منه قولان: أحدهما: وهو قوله في القديم لا تسمع منه لجواز أن تشهد له بالملك لأجل اليد التي قد زال حكمها بينة المدعي.
والثاني: وهو قوله في الجديد تسمع منه لأن الظاهر من الشهود إذا أطلقوا أنهم لا يشهدون له بالملك عن يد، قد علموا زوالها ببينة المدعي، إلا وقد علموا غيرها من الأسباب الموجبة للملك، فحملت شهادتهم على ظاهر الصحة، فإذا سمعت بينة المدعي وسمعت بينة المدعى عليه، على ما وصفنا فقد تعارضت البينتان فوجب أن يحكم للمدعى عليه دون المدعي، وفي وجوب استحلافه على الحكم له بالملك قولان، مبنيان على اختلاف قول الشافعي فيما يوجبه تعارض البينتين فأحد قوليه إنهما يسقطان بالتعارض، وتقر يد المدعى عليه، فيحكم له بيده مع يمينه.
والقول الثاني: أن بينة المدعى عليه قد ترجحت بيده، فأسقطت بينة المدعي ببينته، فحكم له بالبينة من غير يمين ترجيحًا باليد ولم يحكم له باليد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وسواء أقام أحدهما شاهدًا وامرأتين والآخر عشرًة إن كان بعضهم أرجح من بعٍض".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أقام كل واحد من المتداعيين بينة على ما تنازعاه من العين، ولو يمكن لواحد منهما يد، وترجحت بينة أحدهما على بينة الآخر، بكثرة

العدد، وكانت بينة أحدهما شاهدين، وبينة الآخر عشرة، أو ترجحت بزيادة العدالة، فكانت بينة أحدهما أظهر زهدًا، وأوفر تحرجًا فهما من التعارض سواء، ولا يغلب الحكم بالبينة الزائدة في العدد والعدالة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال مالك: المرجحة بزيادة العدد، وقوة العدالة أولى، والحكم بها أحق.
حكاه الشافعي في القديم، فخرجه بعض أصحابه قولًا ثانيًا، ونفاه أكثرهم عنه.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: اقسم الشيء المشهود فيه على عدد البينتين، فإذا كانت إحداهما شاهدين والأخرى أربعة قسمت فيه أثلاثًا، فجعلت لصاحب الشاهدين سهمًا، ولصاحب الأربعة سهمين.
فأما مالك فاستبدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بالجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الجماعة أبعد" ولأن النفس إلي زيادة العدد أسكن، وبقوة العدالة أوثق ولذلك رجحت بها أخبار الرسول إذا تعارضت، فوجب أن ترجح بها الشهادات إذا تعارضت.
وأما الأوزاعي، فاستدل له بأن المشهود فيه مستحق بقولهم، فاقتضى أن يكون مقسطًا على عددهم.
والدليل على التسوية بينهم أن الله تعالى نص على عدد الشهادة بقوله: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] وبقوله تعالى ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، فمنع النص من الاجتهاد في الزيادة والنقصان.
ولأن لما جاز الاقتصار على الشاهدين مع وجود من هو أكثر، وعلى قبول العدل مع من هو أعدل، دل على أن لا تأثير لزيادة العدد، وزيادة العدالة، ولأن ما تقدر بالشرع لم يختلف حكمه بالزيادة والنقصان كدية الحر، وما تقدر بالاجتهاد، اختلف حكمه بالزيادة، والنقصان لقيمة العبد، وبهما فرقنا في الأخبار المتعارضة بين زيادة لعدد، ونقصانه، لعدم النص من عدده وسوينا في الشهادات المتعارضة بين الزيادة والنقصان لورود النص في عدده وفيما ذكرناه انفصال عما استدلوا به.
وقول الأوزاعي أوهي، لأنه لو ثبت الحق بشهادة عشرة، ثم ثبت قضاؤه بشاهدين قضى بهما على شهادة العشر ولم يقسط القضاء على العدد كذلك في إثبات الحق، وهو حجة، على مالك أيضًا.
فصل: فإذا ثبت أنه لا ترجح الشهادة بزيادة العدد وزيادة العدالة كذلك لا ترجح بأن يكون مع أحدهما شاهدان، والأخرى شاهد وامرأتان؛ لأن كل واحدة من الشاهدين بينة كاملة، فإذا تعارض شاهدان وشاهد ويمين ففيهما قولان: أحدهما: أنهما سواء لأن الحق يثبت بكل واحدة منهما.

والثاني: وهو أصح أن الشاهدين يقوم على الشاهد، واليمين، لأمرين: أحدهما: أن التهمة متوجهة إلي اليمين، وغير متوجهة في الشهادة.
والثاني: أن الحكم بالشاهدين متفق عليه، وبالشاهد واليمين مختلف فيه.
وسنذكر حكم التعارض من بعد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن أراد الذي قامت عليه البينة أن يحلف صاحبه مع بينته لم يكن ذلك له إلا أن يدعي أنه أخرجه إلي ملكه فهذه دعوى أخرى فعليه اليمين".
قال في الحاوي: أن يشهد شاهدان على رجل، بدين في ذمته، أو بملك في يده فيسأل المشهود عليه إحلاف المشهود له، أن ما شهد به شاهداه حق له، لم يجز إحلافه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء، وحكي عن شريح والنخعي، والشعبي، وابن أبي ليلى: أنهم جوزوا إحلاف المدعي مع بينته استعمالًا لما أمكن في الاستظهار في الأحكام.
وهذا خطأ لرواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"، فلم يجعل في جنبة المدعي غير البينة، فلم يجز إحلافه معها، وقال صلى الله عليه وسلم للمدعى: "شاهدالك أو يمينه"، ولأن في إحلافه مع شهادة شهوده قدحًا في شهادتهم وطعنًا في عدالتهم وما أفضى إلي القدح في شهادة صحت وعدالة ثبتت ممنوع منه كما يمنع من إحلافه أن ما حكم به الحاكم حق لإفضائه إلي القدح في حكمه، ولا يجوز الاستظهار بما يمنع منه الشرع، ولم يرد به.
فإن قيل: فقد جوز الشافعي في الرهن، إذا أقام البينة على إقرار الراهن بإقباضه ثم سأله الراهن إحلاف المرتهن على قبضه أنه يحلف عليه.
قيل: إن سأل إحلافه على أن ما أقر بإقباضه، كان صحيحًا نظر فإن كان إقراره بأن وكيله أقبضه أحلف عليه، لجواز أن يكذبه الوكيل في القبض، وليس فيه قدح في الشهادة على إقراره، وإن كان هو الذي أقبضه إياه، ففي جواز إحلافه على قبضه منه وجهان: أحدهما: لا يجوز لما فيه من الرجوع عن إقراره.
والثاني: يجوز لأنه قد عرف الإقرار بالتقابض قبل الإقباض فصار الإقباض بالعرف محتملًا.
فصل: فأما إذا سأل المشهود عليه، إحلاف المشهود له، أنه ما قبض الدين أو لم يبعه

العين، أجيب إلى إحلافه لأنها دعوى مستأنفة أنه ابتاع العين، وقضاه الدين، وليس فيها تكذيب للشهود، فجاز إحلافه عليها.
وهكذا لو شهد الشهود بدين على غائب، أو ميت، جاز إحلاف المشهود له، أنه ما برئ إليه من الدين ولا من شيء فيه، لأن الغائب والميت لو كانا حاضرين لجاز أن يدعيا قضاء الدين، أو الإبراء منه، فلزم لأجل الاحتياط أن يحلف المشهود له على مثل ما لو ادعاه الحاضر أحلف له، فإن قضى الدين من مال ناجز أحلف عند الشروع في قضائه، ثم قضى بعد يمينه.
وإن كان نقضا من بيع عقار، أحلف قبل بيعه ثم بيع وقضي من ثمنه، ولم يجز أن يباع قبل يمينه، لأنه قد يجوز أن ينكل عن اليمين، فيفوت استدراك المبيع، فأما إحلاف الشهود على صدقهم فيما شهدوا به، فلا يجوز وهو قول جميع أهل العلم.
وحكي عن الهادي العلوي أنه باليمين كأن يحلف الشهود إذا ارتاب بهم، ثم يحكم بشهادتهم، وهذا قول خرق به الإجماع، وخالف به الأمة، لقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]. فأمر بالحكم بها، ولم يوجب اليمين معها.
ولأنهم إذا كانوا صادقين، وجب الحكم بشهادتهم، من غير يمين، وإن كانوا كاذبين لم يجز الحكم بها مع اليمين.
ولأنه لو جاز إحلاف الشهود مع الارتياب لجاز إحلاف الحكام، ثم إحلاف الأئمة، ثم إحلاف الأنبياء أن ما أدوه عن الله تعالى حق، وما أفضى إلى هذا كان مطرحًا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ادعى أنه نكح امرأةً لم أقبل دعواه حتى يقول نكحتها بولي وشاهدي عدل ورضاها فإن حلفت برئت، وإن نكلت حلف وقضي له أنها زوجة له".
قال في الحاوي: وأصل هذا أن الدعوى المجهولةً لا يجوز للحاكم أن يسمعها، ويسأل الخصم عنها إلا في الوصايا لجواز الوصيةً بالمجهول، فأما غير الوصايا التي تمنع الجهالةً منها، فلا يصح ادعاؤه مجهولًا حتى يستوفي المدعي ما يمنع من جهالة الدعوى، لأن سماع الدعوى يكون للسؤال عنها، والحكم بها، ولا يجوز للحاكم أن يحكم بمجهول، فلم يجز أن يسمع الدعوى بمجهول، فإذا كان هذا أصلًا، وكانت الدعوى معلومةً، تعلق الكلام بالكشف عن سببها، وللمدعى عليه ثلاثة أقسام: قسم لا يجب الكشف عن سببه.
وقسم يجب الكشف عن سببه.
وقسم مختلف في وجوب الكشف عن سببه.

فأما الذي لا يجب الكشف عن سببه، فالأملاك المدعاةً من عين، أو دين، فالعين أن يدعي دارًا أو ثوبًا أو عبدًا معلومًا بصفةً أو تعيين، والدين أن يقول عليه ألف درهم بصفتها فلا يلزم أن يسأله عن سبب ملكه، لما ادعاه، ولو سأله لم يجب على المدعي ذكر سببه.
وإنما لم يجب الكشف عن سبب الملك، لأن أسباب الملك تكون من جهات شتى بكثرة عددها، لأنه قد يملك بالميراث، والابتياع، وبالهبة، والقيمةً، وبالوصيةً، وبغير ذلك من الوجوه كالإجباء، وحدوث النتاج، والثمار، فسقط الكشف عن سببها لكثرتها واختلافها.
وأما القسم الذي يجب الكشف عن سببه، فدعوى القذف والقتل، فإن ادعى قتلًا قيل أعمد أم خطأ؟ فإن قال: عمد سئل عن صفة العمد، وإن ادعى قذفا سئل عن لفظ القذف، لأن القتل يختلف حكم عمده، وخطئه، وقد يدعى من العمد ما لا يكون عمدًا، ولما في العمد من اختلاف أسبابه، وأحكامه وفي الحكم به قبل السؤال فوات ما لا يمكن استدراكه، والقذف قد تختلف ألفاظه وأحكامه فافتقر ذلك إلى كشف السبب، وصفته ليزول عن الاحتمال وصار كالشاهد إذا شهد بفسق مجروح، أو نجاسة ماء لم يحكم بنجاسته حتى يذكر سبب ما صار به المجروح، فاسقًا، والماء نجسًا، للاختلاف في التفسيق والتنجيس.
فصل: وأما القسم المختلف في وجوب الكشف عن سببه، فهو أن تتوجه الدعوى إلى عقد يتردد بين الصحةً والفساد، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مما يغلظ حكمه في الشرع، كالنكاح المغلظ بالولي والشاهدين، فالحاكم مندوب عند الشافعي أن يسأل مدعي النكاح عن صفته، فيقول نكحتها بولي، وشاهدي عدل، ورضاها، فاختلف أصحابه فيما خص به النكاح من صفة العقد، هل هو محمول على الوجوب أو على الاستحباب على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه محمول على الاستحباب دون الوجوب سواء ادعى العقد فقال: تزوجت بهذه المرأة، أو ادعى النكاح فقال هذه زوجتي، وتصح الدعوى، وإن لم يصف العقد، وهذا قول أبي العباس بن سريج وبه قال أبو حنيفة ومالك لأمرين: أحدهما: أنه لما لم يلزم في دعوى البيع صفة العقد، وإن اعتبرت فيه شروط اختلف فيها لم يلزم صفةً النكاح لأجل شروطه، واختلاف الناس فيها.
والثاني: أنه قد يعتبر في صحة النكاح وجود شرائط كالولي، والشاهدين، ورضا المنكوحة، وعدم شروط كعدم العدةً، والردةً، والإحرام، فلما لم يعتبر في دعوى النكاح، الشروط المعدومة لم تعتبر الشروط الموجودة.

والثاني: وهو ظاهر مذهبه، وعليه قول الأكثرين من أصحابه أنه محمول على الوجوب، وأن الشروط المعتبر وجودها في صحة النكاح، شرط في صحة دعواه، سواء توجهت الدعوى إلى العقد أو إلى الزوجيةً، واختلف على هذا في سبب اختصاصه في الدعوى بصفة العقد، فقال أبو علي بن أبي هريرة: لأن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ خصه من سائر العقود بأن قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين"، ولولا هذا التخصيص لكان كغيره، وعلل أبو إسحاق المروزي بأن الفروج موضوعة على الحظر، والتغليظ فلم يجز استباحتها بدعوى محتملةً، حتى ينفي عنها الاحتمال به لصفة.
وعلل أبو حامد المروزي بأن في استباحة الزوج إتلافًا لا يستدرك ومأثمًا لا يرتفع بالإباحةً، فأشبه دعوى القتل، وخالف ما سواه من عقود الأملاك.
وعلل آخرون بأن الإطلاق في عقود النكاح أكثر، وما يطلق على اسم النكاح من فاسد العقود أقل، وفرقوا بين شروط الوجود، وشروط العدم وأن الشروط المعدومة أصل في العدم، فحملت على ظاهر العدم وليس لشروط الوجود أصل في الوجود، فلم يحمل على ظاهر الوجود.
والثالث: إن كانت الدعوى، في عقد النكاح، فقال تزوجت هذه المرأةً، كانت شروط العقد معتبرةً في صحة الدعوى وإن اقتصرت الدعوى على النكاح الأول، دون العقد، فقال هذه زوجتي، لم يعتبر شروطا للعقد في صحة الدعوى، لأن الاستدامة أخف حكما من الابتداء، لأن الشهادة على عقد البيع، والنكاح بالخبر الشائع لا تصح، حتى يشاهد المتعاقدين، ويسمع لفظهما بالعقد والشهادة على الأملاك، والزوجية بالخبر الشائع تصح، فلذلك تغلظت دعوى العقد وتخففت دعوى الزوجية.
فصل: فإذا صحت دعوى النكاح على ما وصفنا فهي على ضربين: أحدهما: أن تتوجه الدعوى من الزوج على الزوجة من ضروب دعوى النكاح، فتؤخذ بالجواب عنها، ولها في الجواب حالتان: إقرار وإنكار فإن أقرت بالزوجة، حكم بإقرارها، وأنها زوجة لمدعي نكاحها وسواء كانا في حضر أو سفر.
وحكي عن مالك أنه يحكم بذلك في السفر، ولا يحكم به في الحضر إلا ببينةً، أو يرى دخوله عليها، وخروجه من عندها، لإمكان ذلك في الحضر وتعذره في السفر إلا أن يكونا في غربة فيقبل.
وقد ذكره الشافعي في القديم، فمن أصحابه من خرجه قولا له في القديم، ومنهم من نسبه إلى حكايته له عن مالك وأن مذهبه في القديم، والجديد، وقول فقهاء العراق أن

تصادقهما على النكاح يوجب الحكم بصحته في الحضر والسفر، وفي الغربة والوطن، لأنه من لوازم العقود لهما، فحكم فيه بالصحة لتصادقها كسائر العقود.
ولأن التصادق على العقد أثبت من البينةً.
ولأن العقد يسبق التصرف فلم يعتبر في الإقرار به وإن أنكرته الزوجة أحلفت.
وقال أبو حنيفة: لا يمين عليهما وقد مضى الكلام معه في وجوب الأيمان في جميع الدعاوى.
فإن حلفت فلا نكاح بينهما، ما لم يكن لهبينة بالعقد عليها وبينته شاهدان عدلان لا غير، إما على حضور العقد وإما على إقرارها به، وأخذت بالاجتماع معه جبرًا.
وإن نكلت عن اليمين مع عدمه للبينةً، ردت عليه اليمين، وحكم له بنكاحها، إذا حلف وإن نكل عن يمين الرد انقطعت الدعوى، وزال حكمها.
فصل: والضرب الثاني: أن تكون دعوى النكاح، متوجهة من الزوجة على الزوج من ضروب دعوى النكاح، فإن اقترن بدعواها، طلب حق يتعلق بها من مهر، أو نفقة سمعت دعواها عليه، وهل يعتبر في صحةً دعواها، ذكر شروط العقد على ما ذكرناه من الأوجه الثلاثة، وأخذ الزوج بالجواب عن دعواها، وإن لم يقترن بدعواها، طلب حق يتعلق ففي وجوب أخذ الزوج بجواب دعواها وجهان: أحدهما: لا يسأل عن الجواب، ولا يؤخذ به، لأنه إذا لم يتعلق بالدعوى، طلب حق صار إقرارا له بالعقد، ولا جواب على المقر له.
والثاني: وهو أظهر أنه يؤخذ بالجواب عنه، لأنه قد يتعلق بهذه الدعوى ما يحدث بعدها، من ثبوت نسب واستحقاق ميراث، فإذا صحت دعواها على ما بينا وأخذ الزوج بجوابه عنها، فله حالتان: إقرار وإنكار.
فإن أقر حكم بثبوت النكاح بينهما بتصادقهما في الحضر والسفر، على ما قدمناه، وإن خالف فيه مالك، فإن أنكرها ولها بينة، سمعت، وحكم لها بالنكاح.
وإن عدمت البينةً، أحلف لها على إنكاره، فإن حلف فلا نكاح بينهما، وجاز لها أن تنكح غيره، وإن أقرت بنكاحه، لأن نكاحها قد زال بيمينه، ولا يجوز أن لا تكون زوجةً له، وتحرم على غيره.
وإن نكل عن اليمين ردت عليها، فإذا حلف بعد نكوله حكم لها عليه بالزوجية، وحل له إصابتها، والاستمتاع بها، وإن أنكر العقد، لأنه قد حكم بينهما بالزوجية فكان الحكم لكل واحد منهما قطعه.
ولا يجوز أن يحكم عليه بالنكاح، ويحكم عليه بتحريم الاستمتاع، وليس جحود النكاح طلاقًا، تحرم به عليه، لأنه لو كان طلاقًا لارتفع به النكاح، وإذا كان النكاح بعده ثابتًا، امتنع أن يكون طلاقًا فامتنع أن يحرم عليه الاستمتاع.

فصل: فأما دعوى غير النكاح من سائر العقود كالبيع، والإجارةً، والرهن، فإن لم يعتبر شروط العقد في دعوى النكاح، فأولى أن لا تعتبر في دعوى غيره من العقود، لأنها إذا لم تعتبر في الأغلظ، كان أولى أن لا تعتبر في الأخف، وإن اعتبرت في النكاح فقد اختلف أصحابنا في اعتبارها في دعوى غيره من البيع والإجارة على ثلاثة أوجه: أحدها: يعتبر في دعواها شروط العقد، سواء استبيح بها، ذات فرج أم لا، لأنها قد توجد فيها الصحة، والفساد كالنكاح، فيقول في دعوى العبد ابتعت هذا العبد بألف درهم بعد رؤيته وافترقنا عن تراض منه.
والثاني: يجوز إطلاق الدعوى، ولا تعتبر فيها شروط العقد وسواء استبيح بها ذات فرج أم لا بخلاف النكاح، لوقوع الفرق بينهما في التغليظ باعتبار الولي والشاهدين في النكاح، وسقوط اعتباره في البيع.
والثالث: إن استبيح بالبيع ذات فرج كابتياع الأمةً، اعتبر في دعوى ابتياعها شروط العقد، كالنكاح، وإن لم يستبح به ذات فرج كابتياع البهائم، والأمتعةً، لم يعتبر في دعوى ابتياعها شروط العقد، لتخفيف حكمها بأنها تملك بالإباحة، ويشبه أن يكون لهذا الموجه وجه.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "والأيمان في الدماء مخالفة لغيرها لا يبرأ منه إلا بخمسين يمينا وسواء النفس والجرح في هذا نقتله ونقصه منه بنكوله ويمين صاحبه (قال المزني:) رحمه الله: قطع في الإملاء بأن لا قسامة بدعوى ميت، ولكن يحلف المدعى عليه ويبرأ، فإن أبى حلف الأولياء واستحقوا دمه، وإن أبوا بطل حقهم وقال في كتاب اختلاف الحديث من ادعى دما ولا دلالة للحاكم على دعواه كدلالة التي قضى بها رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بالقسامة أحلف المدعى عليه كما يحلف فيما سوى الدم قال المزني: رحمه الله: وهذا به أشبه، ودليل آخر حكم النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ في القسامة بتبدأة المدعي لا غيره، وحكم فيما سوى ذلك بتبدأةً يمين المدعى عليه لا غيره، فإذا حكم الشافعي فيما وصفت بتبدأة المدعى عليه، ارتفع عدد أيمان القسامة".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب القسامةً، وذكرنا أن دعوى الدماء، تخالف دعوى الأموال، من وجهين: أحدهما: بالتبدأةً بيمين المدعي مع اللوث، وبأعداد الأيمان خمسين يمينًا.
وإذا اختصت الدماء بهذين الحكمين لم تخل دعواهما من أن تكون في نفس أو طرف، فإن

كانت في نفس لم يخل أن يكون معها لوث، أم لا.
فإن كان معهما لوث تعلق عليهما الحكمان في التبدئةً بيمين المدعي وبإحلافه خمسين يمينًا، فإن كان الولي واحدًا، أحلف خمسين يمينا واستحق الدم، وفيما يستحقه به قولان: أحدهما: القود قاله في القديم.
والثاني: الدية قاله في الجديد.
وإن كان ولي الدم جماعةً كيف تكون أيمانهم؟ ففي أيمانهم قولان: أحدهما: أنه يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا، يستوي فيه من قل سهمه وكثر.
والثاني: أن الخمسين يقسط بينهم، على قدر ميراثه، فيحلف كل واحد منهم بقدر قسطه من مواريثه، بجبر الكسر، فإن كانوا ابنًا وبنتًا حلف الابن أربعةً وثلاثين يمينًا، وحلفت البنت سبع عشرةً يمينًا.
وإن لم يكن مع الدعوى لوث، سقطت التبدئة بيمين المدعي وأحلف المدعى عليه كما يبتدئ بإحلافه في دعوى الأموال، ولكن هل تغلظ الدعوى بعدد الأيمان أم لا؟ على قولين أحدهما: لا يغلظ بالعدد، ويحلف المدعى عليه يمينًا واحدةً، لأنه لما سقط فيها حكم التبدئةً سقط فيها حكم العدد كالأموال.
والثاني: تغلظ فيها الأيمان بالعدد، وإن سقط التغليظ بالتبدئةً، لتغليظ حكم الدماء، بوجوب القود، والكفارةً فعلى هذا إن كان المدعى عليه واحدًا، حلف خمسين يمينًا، وإن كانوا جماعة فعلى قولين: أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا.
والثاني: يقسط الخمسون بينهم على عددهم إلا أن يكونوا ورثة ميت، فتقسط بينهم على مواريثهم، فإن حلف برئ، وإن نكل ردت اليمين على المدعى، وفي تغليظ يمينه بالعدد قولان: أحدهما: لا يغلظ ويحلف يمينا واحدة، يستحق بها القود في العمد قولًا واحدًا، وإن لم يستحقه مع اللوث على أحد القولين، لأن يمين الرد في النكول تقوم مقام الإقرار، في أحد القولين ومقام البينة في القول الآخر، والقود يستحق بكل واحد من إقرار المدعى عليه، وبينة المدعي.
والثاني: يحلف المدعي خمسين يمينًا، ثم يحكم له بالقود إن حلفها فإن كانوا جماعة فعلى قولين: أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا.
والثاني: أنها تقسط بينهم على قدر مواريثهم بجبر الكسر.
فصل: فأما إن كانت دعوى الدم في الأطراف فتسقط فيها التبدئةً، بيمين المدعي، سواء كان

معها لوث، أو لم يكن لسقوط تغليظها، بسقوط الكفارةً فيها، فأما تغليظه بعدد الأيمان، فإن لم تغلظ بالعدد في النفوس عند عدم اللوث، فأولى أن لا تغلظ بالعدد في الأطراف وإن غلظت بالعدد في النفوس ففي تغليظ الأيمان بالعدد في الأطراف قولان: أحدهما: لا تغلظ، ويحلف المدعى عليه يمينا واحدةً، ويبرأ من الدعوى، فإن نكل عنها ردت اليمين على المدعي، وحلف يمينا واحدةً، واستحق بها القود.
والثاني: أن تغلظ الأيمان بالعدد وفي كيفية تغليظها قولان: أحدهما: تغلظ في دعوى كل طرف خمسين يمينًا، سواء قلت ديته أو كثرت.
والثاني: أنها تسقط على دية الطرف من جملة ديةً النفس، فإن كان الطرف موجبًا لجميع الدية كاللسان والذكر حلف خمسين يمينًا وإن كان فيه نصف كإحدى اليدين حلف خمسة وعشرين يمينًا، وإذا كان فيه ثلث الدية كالمأمومةً، والجائفةً، حلف سبع عشرة يمينًا وإن كان فيه عشر الديةً، كالأصبع حلف خمسة أيمان، وإن كان فيه نصف العشر كالموضحة حلف ثلاثة أيمان فإن كان المدعى عليه واحدًا حلفها، وإن كانوا جماعة فعلى قولين: أحدهما: أن يحلف كل واحد منهم جميع هذا العدد المذكور.
والثاني: أنه يقسط هذا العدد بينهم على قدر مواريثهم بجبر الكسر، فإن نكلوا عن اليمين، ردت على المدعي وكانت عدد أيمانه مثل عدد أيمانهم على الأقاويل.
فصل: فأما المزني فإنه اختار أن يكون عدد الأيمان معتبرًا بالتبدئةً فإن حكم بتبدئة المدعي لوجود اللوث، غلظت الأيمان بالعدد وإن سقطت التبدئةً بيمين المدعي سقطت عدد الأيمان، ثم ذكر المزني في كلامه مسألة حكاها عن الشافعي في الإملاء، فقال: "ولا قسامة، بدعوى ميت" يريد به أن المقتول إذا قال قبل موته، قتلني فلان، فلا قسامة لوارثه، يعني أنه لا يبدأ بيمينه ولا يجعل ذلك لوثًا له، ردا على مالك حيث جعله لوثًا وقد مضى الكلام فيه.
فأما عدد الأيمان فيه، فيكون على القولين في عددها، مع عدم اللوث، فلم يكن للمزني في إيرادها دليل على ما اختاره، من سقوط العدد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: " والدعوى في الكفالة بالنفس والنكول ورد اليمين كهي في المال، إلا أن الكفالة بالنفس ضعيفةً".
قال في الحاوي: وهذه المسألة في كفالة النفوس، قد مضت في كتاب الضمان

مستوفاةً، وأعادها المزني هاهنا لأمرين: أحدهما: بصحة الدعوى بصحتها، وفساد دعواها بفسادها.
والثاني: لوجوب اليمين في إنكارها إذا صحت، والذي نص عليه الشافعي في كتاب الضمان، أن كفالة النفوس صحيحة وهو قول جمهور الفقهاء، لقول الله تعالى في قصة يوسف، عليه السلام: قال ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَاتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: 66].
يعني كفيلًا بنفسه، ولأنه قد عمل بها الصدر الأول، ولأن فيها رفقا بالناس، وتعاونا على الصيانةً.
ثم قال الشافعي هاهنا: "إلا أن الكفالة في النفس ضعيفةً".
فاختلف أصحابنا في مراده بضعفها، فقال بعضهم: أراد به بطلانها.
فخرجوا هذا قولًا ثانيًا، في إبطالها لأنه لم يكفل بمال في الذمةً، ولا بعين مضمونةً، يجب غرم قيمتها.
وقال آخرون منهم: لم يرد بالضعف إبطالها، وإنما أراد ضعفها في قياس الأصول، وإن صحت بالآثار والعمل المتفق عليه.
فأما إذا كانت الكفالة بالنفس في حقوق الله تعالى: فإن منع منها في حقوق الآدميين على التخريج الذي ذهب إليه بعض أصحابنا كانت في حقوق الله تعالى أمنع لإدرائها بالشبهات.
وإن أجيزت في حقوق الآدميين على الظاهر المشهود، من المذهب ففي جوازها في حقوق الله تعالى قولان: أحدها: لا تجوز تعليلًا بما ذكرنا.
والثاني: تجوز لقول النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "قدر الله أحق أن يقضى".
فصل: فإذا توجهت دعوى الكفالة على رجل، خوصم فيها إلى الحاكم فإن كان يرى إبطال الكفالة بالنفس، لم تسمع الدعوى فيها، ولم تجب اليمين في إنكارها، وإن كان يرى جوازها سمع الدعوى فيها وأوجب اليمين على منكرها، وقال أبو حنيفة: لا يمين على منكرها، وإن صحت، وبناه على أصله في إسقاط اليمين على المنكر، في خمسةً عشر موضعًا يطول شرحها، وقد مضى الكلام في نظائرها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أقام بينة أنه أكراه بيتا من داره شهرًا بعشرةً وأقام المكتري البينة أنه اكترى منه الدار كلها ذلك الشهر بعشرة فالشهادة باطلة ويتحالفان ويترادان فإن كان سكن فعليه كراء مثلها".
قال في الحاوي: اعلم أن اختلاف المتكاريين في عقد الإجارةً كاختلاف المتبايعين في عقد البيع، فيكون اختلافهما تارةً في الأجرةً كاختلافهما في الثمن، ويختلفان تارة في

قدر المدةً، كاختلافهما في قدر المبيع، ويختلفان في صفة المكري كاختلافهما في صفة المبيع، فيحكم بالبينة، ويتحالفان عند عدمها، لأن الإجارة صنف من البيوع، فتساويا في التحالف.
فإذا تقرر هذا فصورة المسألة: أن يختلف المتكاريان فيقول المكري أكريتك بيتًا من هذه الدار شهر رمضان بعشرة.
ويقول المكتري: بل اكتريت منك جميع هذه الدار شهر رمضان بعشرةً فإن عدما البينة تحالفا، وبدأ الحاكم بإحلاف المكري، كما يبدأ بإحلاف البائع.
فإن حلف أحدهما فنكل الآخر، قضى للحالف منهما على الناكل.
وإن حلفا معا فقد تساويا، ولم يترجح أحدهما على الآخر، فوجب أن يبطل العقد بينهما، وفيما يبطل به العقد وجهان: أحدهما: يبطل بنفس التحالف كما يرتفع نكاح المتلاعنين بنفس اللعان، حتى يحكم الحاكم بإبطاله، لأن التحالف لتصحيح العقد دون إبطاله، فوجب أن يبطل بالحكم لأجل التعارض.
فعلى هذا لا يجوز للحاكم أن يحكم بإبطاله إلا بعد أن يعرض على كل واحد منهما إمضاء ما حلف عليه صاحبه.
فيقول للمكتري: قد حلف المكري على ما ادعى، فتمضيه؟ فإذا قال: لا.
قال للمكري: قد حلف المكتري على ما ادعى فتمضيه؟ فإذا قال: لا، حكم بالفسخ بينهما.
ولو تراضيا على ما ادعاه أحدهما أمضاه على ذلك، وإذا امتنعا من الإمضاء، وحكم بينهما بالفسخ ففي انفساخ العقد بينهما وجهان: أحدهما: ينفسخ في الظاهر والباطن كما لو فسخه بتحالفهما.
والثاني: ينفسخ في الظاهر دون الباطن، لأن حكم الحاكم لا يحيل الشيء عما هو عليه.
وينظر في التحالف، فإن كان قبل مضي شيء من المدة استرجع المكتري أجرته، واسترجع المكري داره، وإن كان بعد مضي المدة، أو بعضها لزم المكتري أجرة مثل سكناه، لاستهلاكه لمنفعتها عن عقد قد حكم بفساده.
فصل: وإن كان لهما عند التحالف بينة فعلى ضربين: أحدهما: أن تحضر البينة قبل التحالف، فتسمع ويمنع حضورها من التحالف، لأن البينة أولى من اليمين.
والثاني: أن تحضر البينة بعد التحالف، فيكون سماعها محمولًا على ما أوجبه التحالف من فسخ العقد.
فإن قيل: إنه قد انفسخ به العقد ظاهرًا وباطنًا لم تسمع البينة.
وإن قيل إنه قد انفسخ به العقد في الظاهر دون الباطن سمعت، لأن تصادقهما أقوى من سماع البينة منهما، وتصادقهما غير معمول به إذا قيل بفسخ العقد في الظاهر والباطن، ومعمول به إذا قيل

بفسخ العقد في الظاهر، دون الباطن، كذلك البينةً، فإذا سمعت البينة على ما ذكرنا لم يخل أن تكون لأحدهما أولهما: فإن كانت لأحدهما سمعت، وحكم بها لمقيمها سواء شهدت للمكري، أو للمكتري.
فإن أقام كل واحد منهما بينة شهدت له بما ادعى لم يخل حالهما من ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون إحدى البينتين أسبق تاريخا من الأخرى، فإن شهدت إحداهما بأنهما تعاقدا مع طلوع الشمس، وشهدت الأخرى أنهما تعاقدا مع زوالها من ذلك اليوم، فالعقد هو السابق منهما، لأن الثاني بعد صحة الأول باطل.
والثاني: أن تشهد البينتان بالعقد في وقت واحد، فقد اختلف قول الشافعي في تعارض البينتين في الأموال على ثلاثة أقاويل: أحدها: إسقاط البينتين، وبه قال مالك لأمرين: أحدهما: لتكاذبهما في الشهادة، فسقطت بالتكاذب.
والثاني: أن البينةً ما بان بها الحكم، فإذا لم يكن بها بيان ردت، لأنه لا بيان فيها لأحدهما بعينه.
والقول الثاني: أنه يقرع بين البينتين، ويحكم بمن قرع منهما، وهو محكي عن علي، وابن الزبير رضي الله عنهما لأمرين: أحدهما: ما رواه سعيد بن المسيب، أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ في شيء وأقام كل واحد منهما شهودا، فأسهم رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بينهما "وقال اللهم أنت تقضي بينهما".
والثاني: أن اشتباه الحقوق المتساويةً، يوجب تمييزها بالقرعة، كدخولها في القسمة في السفر بإحدى نسائه، وفي عتق عبيده، إذا استوعبوا التركة.
والقول الثالث: أن يقسم الملك بينهما بالبينتين، وهو محكي عن ابن عباس، وبه قال سفيان الثوري، وأبو حنيفةً، وأصحابه لأمرين: أحدهما: ما رواه سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده أبي موسى الأشعري، أن رجلين تداعيا عند رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بعيرا، أو دابة، وشهد لكل واحد منهما شاهدان، فجعله بينهما نصفين.
والثاني: أن البينة أقوى من اليد، وقد ثبت أنهما إذا تساويا في اليد جعل بينهما، فوجب إذا تساويا في البينة، أن يكون أولى، بأن يجعل بينهما، فهذه ثلاثة أقاويل اتفق أصحابنا على تخريجها في تعارض البينتين في الأموال، واختلفوا في تخريج قول رابع

وهو: وقفهما على البيان، فخرجه البغداديون قولًا رابعا للشافعي، وامتنع البصريون من تخريجه قولًا رابعًا، لأن وقف البينة على البيان يوجب الحكم بالبيان دون البينةً، وإنما يوقف المال على البيان دون البينةً، وهذا أشبه، فإذا تقررت هذه الأقاويل في تعارض البينتين لم يخرج في تعارضهما في عقد الإجارة إلا قولين: أحدهما: إسقاطهما ويتحالف المتداعيان.
والثاني: الإقراع بين البينتين، والحكم بشهادة من قرع منهما وفي إحلاف من قرعت بينته قولان، من اختلاف قولي الشافعي في القرعة هل دخلت ترجيحًا للدعوى أو للبينة؟ فأحد قوليه أنها دخلت ترجيحًا للبينةً، فعلى هذا لا يمين على من قرعت بينته، لأن الحكم بالبينةً ولا يمين مع البينة.
والثاني: أنها دخلت ترجيحًا للدعوى، فيجب إحلاف المدعي.
فعلى هذا يكون فيما ثبت به الحكم وجهان: أحدهما: باليمين مع البينة، وتكون يمينه بالله أنه ما شهدته بينته حق، وقد نص عليه الشافعي.
والثاني: أن الحكم يثبت بيمينه ترجيحًا بالبينةً، وتكون يمينه بالله، لقد اكتريت منه الدار بكذا.
ولا يجيء فيه تخريج القول الثالث، أنه يقسم بينهما بالبينتين، لأن قسمة العقد لا تصح، ولا يجيء فيه تخريج القول الرابع إن صح تخريجه، أنه يكون موقوفا على البيان لتعذره في الدعوى والبينة، فوجب أن يفصل الحكم بينهما بالتحالف.
والثالث: أن تكون البينتان مطلقتين ليس فيهما تاريخ يدل على اجتماعهما أو تقدم إحداهما، فقد حكي عن أبي العباس بن سريج، أنه يحكم بأزيد البينتين، فإن كان الاختلاف في الأجرة حكم بأكثرهما قدرًا.
وإن كان في الكراء حكم بأكثرهما قدرًا.
كما لو شهدت بينة بألف، وبينة بألفين، حكم بالألفين، والذي نص عليه الشافعي: أن البينتين متعارضتان تتساوى فيها الزيادة والنقصان، لأن عقد الكراء بعشرة يمنع منعقده بعشرين، وكراء البيت بعشرة يمنع من كراء الدار بعشرين، فيكون تعارضهما محمولًا على القولين، يسقطان من أحدهما ويقرع بينهما في الثاني.
فصل: وإذا تنازع المكري، والمكتري، في شيء من آلة الدار، وادعاه كل واحد منهما ملكًا، لنفسه انقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما يكون القول فيه قول المكري، وهو كل ما كان متصلا بالدار من آلاتها، كالأبواب، والدهليزات، والرفوف المتصلة، والسلاليم المسمرةً، فالقول في ملكها قول المكري، مع يمينه لاتصالها بالدار التي هو مالكها.
والثاني: ما يكون القول فيه قول المكتري مع يمينه، وهو قماش الدار وفرشها من البسط،

والحصر، والصناديق، لأنه من آلة السكنى والمكتري أحق بالسكنى.
والثالث: ما يتحالفان عليه، وهو ما كان من آلة الدار منفصلًا عن الدار كالرفوف، والسلاليم المنفصلة، وإغلاق الأبواب، وأطباق التنانير فالعرف فيها متقابل، واليد فيه مشتركة، فيجعل بينهما بعد تحالفهما.
ولو كانت منشأةً بين نهر وضيعةً، فادعاها صاحب الماء وقال: هي الجامعة لماء نهري، وقال صاحب الضيعة: هي المانعة للماء عن ضيعتي، فهما فيها متساويان، فيتحالفان عليها، وتجعل بعد الأيمان بينهما والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ادعى دارا في يدي رجل فقال: ليست بملك لي وهي لفلان فإن كان حاضرًا صيرتها له وجعلته خصما عن نفسه وإن كان غائبا كتب إقراره وقيل للمدعي أقم البينة فإن أقامها قضى بها على الذي هي في يديه ويجعل في القضية أن المقر له بها على حجته قال المزني - رحمه الله -: قد قطع بالقضاء على غائب وهو أولى بقوله".
قال في الحاوي: وصورتها في دار في يدي رجل، يتصرف فيها فادعاها عليه رجل، وقال: هي لي فقال صاحب اليد: ليست هذه الدار لي، وهي لغيري فله حالتان: إحداهما: أن يذكر اسم من جعلها له.
والثاني: أن لا يذكره، فإن لم يذكر اسم من جعلها له، لم يكن ذلك جوابًا.
وقيل له: قد توجه عليك جواب عدلت عنه، فإن أقمت على هذا، جعلت ناكلًا وأحلف المدعي، وحكم له بانتزاع الدار من يدك، فإن عاد فادعاها لنفسه بعد إنكاره، ففي قبول قوله وجهان حكاهما ابن سريج: أحدهما: لا يقبل قوله بعد إنكاره؟ لأنه قد اعترف بها لغيره ويجعل كالناكل، ويحلف مدعيها، ويحكم بها له.
والثاني: يقبل قوله فيها، لأنه لم يتعين فيها من جعلها له، فصار إقراره كعدمه، فيحلف عليها أنها له، ويحكم له بالدار لأجل يده، إلا أن يكون لمدعيها بينة، فتسمع منه، ويحكم بها له.
وإن سمى صاحب اليد من جعل الدار له، وقال: هي لفلان، لم يخل أن يكون حاضرًا، أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا لم يخل حاله أن يقبل الإقرار أو ينكره، فإن قبل الإقرار، صارت اليد له، وانتقلت الخصومة إليه وتوجهت عليه الدعوى، فإن أنكر مدعيها، حلف له وكان أحق بالدار بيمينه ويده، إلا أن يقيم مدعيها بينةً، فيحكم بها له ببينته؟ لأنها أولى من يد

ويمين.
فإن أقام صاحب اليد البينة صار أحق بها ببينته، ويده من بينة بغير يد.
ف إن طلب مدعيها إحلاف صاحب اليد عليها، بعد أن حكم بها للمقر له، ففي إجابته إلى إحلاف صاحب اليد قولان مبنيان على اختلاف القولين فيمن أقر بدار في يده لزيد، ثم أقر بها لعمرو، وكان زيد أحق بها من عمرو بالإقرار الأول، وهل يؤخذ المقر بغرم قيمتها لعمرو بالإقرار الثاني؟ على قولين: أحدهما: يؤخذ بغرم قيمتها لعمرو، لأنه قد استهلكها عليه بإقراره لزيد، فعلى هذا إيجاب المدعي إلى إحلاف صاحب اليد، لأنه لو أقر له لزمه الغرم.
والثاني: لا غرم عليه، لبقاء الدار وتوجه المطالبة بها.
فعلى هذا لا يحلف صاحب اليد ولا يستحق عليه بالنكول غرم.
فصل: فإن لم يقبل من جعلت له الدار إقرار صاحب اليد وأنكرها، لم يخل حال صاحب اليد من أن يكون مقيمًا على إقراره، أو راجعا عنه.
فإن أقام على إقراره بها لمن أنكرها، ولم يقبلها طولب مدعيها ببينته، فإن أقامها، حكم له بالدار، وإن عدمها ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: أن الحاكم ينصب لها أمينا يحفظها على مالكها، حفظ اللقطة، حتى تقوم البينة بها، إما لمدعيها، أو لغيره، فيحكم بها له، ولا تدفع، إلى المدعي بيمينه، لأن يمينه هي يمين رد بعد النكول، ولم يحكم بنكول من توجهت عليه اليمين، فإن طلب المدعي إحلاف صاحب اليد، ففي إجابته إلى إحلافه ما قدمناه من القولين.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه لا وجه لإيقافهما على من لا يدعيها، والواجب أن يحلف المدعي عليها، وتدفع إليه الدار بعد يمينه فإن حضر مدع لها بعد تسليمها إلى الأول بيمينه، ونازعه فيها فهل يكون منازعًا فيها لذي يد، أو لغير ذي يد؟ على وجهين: أحدهما: يكون منازعًا لذي يد لتقدم الحكم بها له، فصارت يدا فيكون القول فيها إن أنكر قوله مع يمينه.
والثاني: يكون منازعًا لغير ذي يد، لأنها دفعت إليه بيمين من غير يد، فيحلفان عليها، وتكون بينهما كالمتداعيين لما ليس في أيديهما وإن رجع صاحب اليد عن إقراره حين رد عليه وادعاها لنفسه، أو أقر بها لغيره، ففي قبوله من ثلاثة أوجه: أحدها: لا يقبل منه، سواء ادعاها لنفسه، أو أقر بها لغيره، لأن إقراره الأول قد

أكذب الثاني، فعلى هذا يكون الحكم كما لو أقام على إقراره الأول.
والثاني: يقبل منه سواء ادعاها لنفسه، أو أقر بها لغيره، لأنه لم يتعلق بإقراره حق لمعين، فعلى هذا إن ادعاها لنفسه، كان هو الخصم فيها وإن أقر بها لغيره، انتقلت الخصومةً إليه، وكانت المنازعة مع ذي يد لأنه أقر له ذو يد.
والثالث: يقبل إقراره بها لغيره، ولا يقبل منه دعواها لنفسه لأنه متهوم في ادعائها لنفسه، وغير متهوم في الإقرار بها لغيره.
فصل: وإن كان صاحب اليد قد أقر بها في الابتداء لغائب، لم يخل حال المدعي من أن تكون له بينة أو لا بينةً له، فإن لم تكن له بينة كان الحكم موقوفًا على قدوم الغائب، والدار مقرةً في يد صاحب اليد، فإن طلب المدعي إحلاف صاحب اليد، ففي إجابته إلى إحلافه ما قدمناه من القولين.
فإن قيل: لا يمين عليه، انقطعت الخصومة بينهما، وكانت موقوفة على قدوم الغائب.
وإن قيل: بوجوب اليمين عليه، ففي كيفية يمينه وجهان: أحدهما: يحلف أن الدار للغائب فلان، لتكون يمينه موافقة لإقراره.
والثاني: يحلف أنه لا حق لهذا المدعي فيها لتكون يمينه معارضة فإن حلف برئ من مطالبة الداعي، وإن نكل أحلف المدعي، وحكم له بقيمة الدار.
فإن قدم الغائب المقر له، كان له منازعته في الدار، وإن صار إلى قيمتها، فإن أفضى النزاع إلى الحكم بالدار للغائب، استقر ملك المدعي على القيمة وإن أفضى إلى الحكم بالدار للمدعي أخذ برد القيمة على صاحب اليد، لئلا يجمع بين ملك الدار وقيمتها.
وإن كان لمدعي الدار بينة، عند الإقرار بها للغائب سمعت بينته، وقضي له بالدار.
واختلف أصحابنا هل يكون ذلك قضاء على الغائب المقر له، أو قضاء على صاحب اليد له؟ على وجهين: أحدهما: أنه قضاء على الغائب المقر له، فعلى هذا لا يحكم للمدعي بالبينة، حتى يحلف معها لأن القضاء على الغائب يوجب إحلاف المدعي مع بينته، لجواز أن يدعي الغائب انتقالها إليه ببيع أو هبة، فيحلف بالله أن ما شهدت به شهود الحق وأنها لباقية على ملكه، ويكون حلفه لصدق شهوده تبعا لحلفه ببقائها على ملكه، ولولا ذاك لما حلف بصدق الشهود، لأنه لا يلزمه إحلافه على صدقهم ولم يختلف قول الشافعي في جواز القضاء على الغائب، وإن وهم المزني في كلامه أن قوله قد اختلف فيه، وهو وهم منه.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه قضاء على صاحب اليد الحاضر، دون الغائب، وهو الظاهر من كلام الشافعي، لأنه قال: قضى له على الذي هي في يديه، وإنما كان قضاء على الحاضر، لأن الدعوى توجهت إليه، فتوجه القضاء عليه.

فعلى هذا يحكم بالدار للمدعي ببينته دون يمينه، ونسب المروزي المزني إلى الغلط في هذا الموضع من وجهين: أحدهما: أنه جعل ذلك قضاء على الغائب، وهو قضاء على الحاضر.
والثاني: أنه وهم في تخريج القضاء على الغائب على قولين، ولعمري أنه وهم فيما أوهم من القولين، وهو فيما رآه من القضاء على الغائب محتمل، فإذا قدم الغائب، بعد الحكم بالدار للمدعي واعترف بها ونازع فيها وجرى عليه حكم منازع ذي يد، لأنها انتزعت من يد منسوبة إليه، واختار الشافعي للحاكم، إذا حكم لمدعي ببينته أن يكتب في قضائه للمدعي صفة الحال، وأنه حكم ببينته، وأنه جعل الغائب فيها على حجته.
فصل: فإن أراد صاحب اليد، حين انتزعت الدار من يده ببينة المدعي، أن يقيم بينة الغائب بملكه للدار لم يخل حاله في إقامتها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ثابت الوكالة عن الغائب، فيسمع منه البينة للغائب بالملك، لأنه وكيله فيها، ويحكم للغائب، لأن له مع البينة يدا ليست للمدعي.
والثاني: أن لا يكون وكيلًا للغائب ولا يتعلق له بالدار حق على الغائب من إجارة، ولا رهن، فلا تسمع منه البينة للغائب، لأنه لا حق له في إقامتها، وقد يجوز أن يكون الغائب منكرًا لها، ويكون الحكم فيها ببينة المدعي، حتى يقدم الغائب، فيدعي كمن شهدوا في تركة بقسم ومال مفلس يباع عليه أن عبدًا من جملته ملك لغائب لم يدعه، لم تسمع الشهادة، وقسم بين ورثة الميت وغرماء المفلس، وإن أراد إقامة البينة، بملك الغائب لاستيفاء حقه منها بالإجارة أو بالرهن فقد اختلف أصحابنا في جواز سماع البينة منه على وجهين: أحدهما: تسمع منه البينة فيها لتعلق حقه بها، ويقضى بملكها للغائب، ويقضى عليه لصاحب اليد بالإجارة، والرهن، ويكون القضاء بها لغير مدع، تبعا للقضاء لحق الحاضر عليه.
والثاني: صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة وهو قول أبي إسحاق المروزي لا تسمع بينة الحاضر وإن ادعى الإجارة والرهن، لأنهما تبع لملك الأصل، فلم تصح فيه الإجارة، ولا الرهن، إلا بعد ثبوت ملك الغائب، وملك الغائب لا يثبت بالبينة إلا بعد مطالبته.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أقام رجل بينة أن هذه الدار كانت في يديه

أمس، لم أقبل قد يكون في يديه ما ليس له، إلا أن يقيم بينة أنه أخذها منه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان في يد رجل دار فادعيت عليه وأقام مدعيها البينة أنها كانت في يده أمس، كالذي نقله المزني والربيع، أنه لا حجة للمدعي في هذه البينة بأن الدار كانت بيده بالأمس، ويكون القول قول صاحب اليد مع يمينه.
ونقل أبو يعقوب البويطي أن بينة المدعي مسموعةً، ويقضى له بالدار، فاختلف أصحابنا في تخريجه، فكان أبو العباس بن سريج يخرج سماعها على قولين: أحدهما: ما رواه المزني والربيع أن هذه البينة لا تسمع ولا يحكم بها للمدعي، وتكون الدار مقرة في يد صاحب اليد في وقت الدعوى لأمرين: أحدهما: أن اليد غير موجبة للملك، وإنما يستدل بظاهرها على الملك، وإن جاز أن تكون بغير ملك، لدخولها بغصب، أو إجارةً، فإذا زالت بيد طارئةً، صارت الثابتةً أولى من الزائلةً لجواز انتقالها بملك طارئ من ابتياع، أو هبةً فبطل بزوالها ما أوجبه ظاهرها.
والثاني: أن البينة تسمع فيما تصح فيه الدعوى، ولو قال المدعي كانت هذه الدار في يدي بالأمس، لم تسمع هذه الدعوى فوجب إذا أقام البينة بذلك أن لا يسمع، لأن البينة يجب أن تكون مطابقةً للدعوى في القبول والرد.
والثاني: وهو ما نقله "البويطي" أن بينة المدعي مسموعةً ويحكم بها على اليد الطارئة، لتقدمها، إلا أن يقيم صاحب اليد بينة أنها انتقلت إليه بحق من هبة أو بيع، لأن اليد دالة على الملك، فجرت مجراه، وقد ثبت أن المدعي لو أقام بينة على أن الدار كانت له بالأمس حكم له بها، كذلك إذا أقام بينة أنها كانت في يده بالأمس، وذهب أبو إسحاق المروزي وجمهور أصحابنا إلى إبطال ما نقله البويطي، ونسبوه إلى مذهب لنفسه، وليس بقول الشافعي لأن كتب الشافعي تدل نصوصها على خلافه، وكذلك ما نقله عنه سائر أصحابه تعليلًا، بما قدمناه، وفرقوا بين أن يقيم البينةً، أنه كان مالكا لها بالأمس، فيحكم بها، وبين أن يقيم بينةً بأنها كانت في يده بالأمس، ولا يحكم بها، لأن ثبوت الملك يوجب دوامه إلا بحدوث سبب يوجب انتقاله وثبوت اليد لا توجب دوامها، لأنها قد تكون بإجارةً ترتفع بانقضاء مدتها، فافترقا في القبول، لافتراقهما في الموجب.
وإذا وجب بما ذكرنا أن تكون البينة باليد المتقدمةً، غير مسموعةً مع ما حدث من اليد الطارئةً، فإنما لا تسمع إذا كانت مقصورةً على تقدم اليد فإن شهدت مع تقدم اليد بالسبب الذي انتقلت به إلى اليد الطارئةً من غصب، أو وديعةً، أو عاريةً وجب سماعها والحكم بها، وهو معنى قول الشافعي، لا إلا أن يقيم بينة أنه أخذها منه،.
يعني بما لا يوجب زوال الملك، إما بمباح من وديعةً، أو عاريةً، أو بمحظور من غصب وتغلب، لأنه قد بان بالبينة، أن اليد الطارئة غير موجبة للملك فثبت بها حكم اليد المقدمةً.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أقام بينة أنه غصبه إياها وأقام آخر البينة أنه أقر له بها فهي للمغصوب ولا يجوز إقراره فيما غصب".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كانت دار في يد رجل فتداعاها رجلان، فقال أحدهما: هذه الدار لي غصبني عليها صاحب اليد، وأقام على ذلك بينة.
وقال الآخر: " هذه الدار لي، أقر لي بها صاحب اليد، وأقام على ذلك بينة: حكم بالدار للمغصوب فيه، دون المقر له، لأنه قد صار صاحب اليد بالبينة غاصبًا، وإقرار الغاصب مردود.
وكذلك لو ادعاها الآخر أنه ابتاعها منه، كان بيع الغاصب، مردودًا فإن قيل: فيجب على الغاصب غرم قيمتها لمن أقر له بها على أحد القولين كمن أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو، وغرم لعمرو قيمتها في أحد القولين قيل: لا غرم عليه هاهنا، قولًا واحدًا.
والفرق بين الموضعين، أن استهلاك الدار على المقر له في هذا الموضع، كان بالبينةً فلا يلزم المقر غرم ما استهلكه غيره.
وفي مسألة الإقرار كان المقر قد استهلكها على الثاني بإقراره الأول، فلزمه غرم ما استهلك.
فصل: وإذا كانت الدار في يدي رجل، فتداعاها رجلان قال أحدهما: هذه الدار لي أودعتك إياها، وأقام على ذلك بينة.
وقال الآخر: هذه الدار لي، أجرتك إياها وأقام على ذلك بينة.
فصارا متداعيين لملكها، وإن اختلفا في حكم يد صاحب اليد، فتعارضت البينتان بالملك لتنافي شهادتهما فخرج في تعارضهما ثلاثة أقاويل: أحدها: إسقاط البينتين، والرجوع إلى قول صاحب اليد.
والثاني: الإقراع بين البينتين، والحكم بمن قرع منهما فإن قرعت بينة مدعي الوديعةً، انتزعت من صاحب اليد ولا شيء عليه.
وإن قرعت بينة مدعي الإجارة، فإن كانت المدة باقية، أقرت في يد صاحب اليد إلى انقضاء مدتها، وأخذ بأجرتها، فإن انقضت مدتها انتزعت من يده، وأخذ بالأجرةً.
والثالث: استعمال البينتين، وجعل الدار بين المتنازعين نصفين، نصفها لمدعي الوديعة، ينتزعه من صاحب اليد ونصفها لمدعي الإجارة يقره على صاحب اليد، إلى انقضاء المدة ويرجع عليه بنصف الأجرة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا ادعى عليه شيئًا كان في يدي الميت حلف

على علمه وقال في كتاب ابن أبي ليلى: وإذا اشتراه حلف على البت".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في مواضع، وذكرنا أن اليمين إذا توجهت على الإنسان في فعل نفسه، كانت على القطع والبت، سواء كانت على إثبات أو نفي.
والإثبات أن يحلف والله إن هذا العبد لي إما بالشاهد واليمين، وإما بالرد بعد النكول.
وأما النفي فإن حلف والله إنه لا حق لك في هذا العبد فإن أحلفه الحاكم، على العلم في الإثبات، فقال: والله إني أعلم أن هذا العبد لي وأعلم أن هذا العبد ليس هو بملك لك.
فقد أكدها، لأن إثبات العلم زيادة تأكيد، وإن أحلفه على العلم في النفي فقال: والله لا أعلم أن لك علي شيئًا ولا أعلم أن هذا العبد لك، لم تصح اليمين، لأنه على يقين وإحاطة فيما اختص بنفسه من إثبات، ونفي، فلم تصح يمينه في النفي، إلا بالقطع والبت، كما لا تصح يمينه في الإثبات، إلا بالقطع.
فأما إذا حلف في توجه الدعوى على غيره، كالوارث إذا ادعى على ميته دعوى، فأنكرها، فيمينه يمين نفي على فعل الغير، فيحلف على العلم دون القطع، لأنه لا طريق له إلى اليقين والإحاطةً فيقول: والله لا أعلم أن لك علي شيئًا مما ادعيته، فإن أحلفه الحاكم على القطع والبت، فقال: والله ما لك علي شيء مما ادعيته، كان تجاوزا من الحاكم، وقد وقعت اليمين موقعها، لأنها أغلظ من اليمين المستحقة عليه، وهي تؤول به إلى العلم.
ولو ادعى شيئا لميته، وتوجهت اليمين عليه، حلف على القطع والبت، كما لو ادعاها في حق نفسه، لأنه لا يصح أن يدعيه إلا بعد إحاطة علمه به، فاستوى يمين الإثبات في فعله، وفعل غيره، واختلفت يمين النفي في فعله، وفعل غيره.
وبالله التوفيق.

باب الدعوى في الميراث

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو هلك نصراني وله ابنان: مسلم ونصراني فشهد مسلمان للمسلم أن أباه مات مسلمًا وللنصراني مسلمان أن أباه مات نصرانيًا صلى عليه فمن أبطل البينة التي لا تكون إلا بأن يكذب بعضهم بعضًا جعل الميراث للنصراني ومن رأى الإقراع أقرع فمن خرجت قرعته كان الميراث له ومن رأى أن يقسم إذا تكافأت بينتاهما جعله بينهما، وإنما صلى عليه بالإشكال كما يصلى عليه لو اختلط بمسلمين موتى قال المزني: أشبه بالحق عندي أنه إن كان أصل دينه النصرانية فاللذان شهدا بالإسلام أولى لأنهما علما إيمانا حدث خفي على الآخرين وإن لم يدر ما أصل دينه والميراث في أيديهما فبينهما نصفان وقد قال الشافعي: لو رمى أحدهما طائرا ثم رماه

الثاني فلم يدر أبلغ به الأول أن يكون ممتنعًا أو غير ممتنع، جعلناه بينهما نصفين.
قال المزني: وهذا وذاك عندي في القياس سواء".
قال في الحاوي: وتفصيل هذه المسألة في اختلاف الاثنين في دين الأب، أنها على ضربين: أحدهما: أن يعرف دين الأب.
والثاني: أن لا يعرف، فإن عرف دين الأب أنه نصراني، فترك ابنين مسلمًا ونصرانيًا، وادعى المسلم أن أباه مات مسلمًا فهو أحق بميراثه، وشهد له بذلك شاهدان عدلان.
وادعى النصراني أن أباه مات نصرانيًا، وهو أحق بميراثه، وشهد له بذلك شاهدان عدلان، فقد اختلفت الشهادتان واختلافهما إذا أمكن فيه القضاء فلم يتعارضا، فإذا علم فيه التكاذب تعارضتا، ولا يخلو حال هاتين الشهادتين من أربعة أقسام: أحدها: أن تكون مطلقتين.
والثاني: أن تكونا مقيدتين.
والثالث: أن تكون الشهادة بالإسلام مطلقةً، وبالنصرانية مقيدةً.
والرابع: أن تكون الشهادة بالإسلام مقيدة، وبالنصرانية مطلقةً.
فأما القسم الأول: وهو أن تكون الشهادتان مطلقتين، فهو أن يقول شهود المسلم: إن أباه مسلم، ويقول شهود النصراني إن أباه نصراني، فالتصادق في هذا الاختلاف ممكن، لأنه قد يكون نصرانيًا، فيسلم، ويكون مسلمًا، فيتنصر، فتكون كل واحدة من الشهادتين صادقة، فإذا كان كذلك فلا تعارض فيها وحكم بشهادة الإسلام، لأنها أزيد علمًا، لأن نصرانيته أصل، وإسلامه حادث، فصار كالشهادة بجرح والتعديل يحكم بالجرح على التعديل، ويجعل المسلم وارثا دون النصراني.
فصل: وأما القسم الثاني: فهو أن تكون الشهادتان مقيدتين، فهو أن يقول شهود المسلم، إن أباه مات على دين الإسلام قائلا بالشهادتين عند خروج روحه.
ويقول شهود النصراني إن أباه مات على دين النصرانيةً، قائلًا بالتثليث عند خروج روحه.
فهذا تعارض في شهادتهما، لتكاذبهما باستحالة أن يموت مسلمًا نصرانيًا وللشافعي في تعارض الشهادتين في الأموال ثلاثة أقاويل ذكرها في هذا الموضع: أحدها: إسقاط البينتين بالتعارض، لتكاذبهما، فيكون الميراث للنصراني دون المسلم استصحابًا لأصل دينه في النصرانية بعد أن يحلف المسلم بالله أن أباه لم يسلم.
والثاني: الإقراع بين البينتين، والحكم بالقارعة منها لأن في القرعة تمييزًا لما اشتبه، وهل يحتاج من قرعت بينته إلى يمين في استحقاق الميراث؟ على قولين من اختلاف

قوليه في القرعة هل ترجح بها الدعوى أو البينةً، فإن قرعت بينة المسلم كان هو الوارث وإن قرعت بينة النصراني كان هو الوارث.
والثالث: استعمال البينتين وجعل التركة بينهما نصفين، فاختلف أصحابنا في صحة تخريج هذا القول في الميراث كتخريجه في الأموال على وجهين: أحدهما: وهو قول المزني، وطائفة معه أن تخريجه في هذا الموضع صحيح استشهادًا بذكر الشافعي له، واحتجاجا من قوله "بأن رجلين لو رميا طائرًا، فسقط ميتًا، ولم يعلم أيهما أثبته برميه أنه بينهما نصفين، وإن كان إثباته من أحدهما، كذلك الميراث".
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، وطائفةً معه أن تخريجه لا يصح في هذا الموضع، لاستحالة أن يشترك مسلم ونصراني في ميراث ميت، لأنه إن مات نصرانيًا ورثه النصراني دون المسلم، وإن مات مسلما ورثه المسلم دون النصراني، فإذا قسم بينهما علمنا قطعًا أن أحدهما قد أعطي ما لا يستحقه، ومنع الآخر مما يستحقه وإن لم يتعين وليس كالمال الذي يصح اشتراكهما في سببه، فيشتركان في تملكه.
وكذلك الطائر إذا رمياه، جاز أن يكون تكامل إثباته برميهما، فصح فيه اشتراكهما، وجعل ما نص عليه الشافعي هاهنا في أحد الأقاويل من قسمة بينهما أنه حكاه عن مذهب من يراه، وهو مذهب من قال من أهل العراق بتوريث الغرقى بعضهم من بعض، ولم يحكه عن نفسه، لأنه لا يرى ذلك في الغرقى وقد تكلم على ضعفه ووهائه، فقال: لو قسمت كنت لم أقض لواحد منهما بدعواه، ولا ببينته وكنت على يقين خطأ، ينقص من هو له عن كمال حقه، وإعطاء الآخر ما ليس له.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن تكون الشهادة بالإسلام مطلقةً، وبالنصرانية مقيدةً، وهو أن يقول شهود المسلم أن أباه مسلم، ويقول شهود النصراني، إن أباه مات على دين النصرانيةً، قائلا بالتثليث عند خروج روحه، فلا تعارض في الشهادتين لأنه قد يسلم، ثم يرتد بعد إسلامه إلى النصرانية، فتصح الشهادتان، ويحكم بارتداده بعد الإسلام، فلا يرثه واحد من ابنيه ويكون ماله فيئا لبيت المال، لأن المرتد لا يرثه مسلم ولا نصراني.
فصل: وأما القسم الرابع: أن تكون الشهادة بالإسلام مقيدةً، وبالنصرانيةً مطلقةً فيقول شهود المسلم إن أباه مات على دين الإسلام قائلًا بالشهادتين عند خروج روحه، ويقول شهود النصراني إن أباه نصراني فلا تعارض في شهادتهما على ما ذكر في مسألة الكتاب إن شهد شهود المسلم أن أباه مات مسلمًا، وشهد شهود النصراني أن أباه مات نصرانيًا، فقد اختلف أصحابنا هل تحمل هذه الشهادة على التقييد، أو على الإطلاق؟ على وجهين: أحدهما: أنها محمولة على التقييد، لأن كل واحدةً منهما شهدت بدينه عند

الموت، فعلى هذا تكون الشهادتان متعارضتين، فتكون محمولة على الأقاويل المذكورة في القسم الثاني.
فعلى هذا لا تعارض في الشهادتين ويكون الميراث للمسلم على ما ذكرناه في القسم الأول، تعليلًا بما قدمناه.
فصل: وأما الضرب الثاني: في التفصيل، وهو أن يكون الأب مجهول الدين، فيشهد شاهدان بإسلامه، ويشهد شاهدان بنصرانيته، فيستوي مع الجهل بدينه إطلاق الشهادتين، وتقييدهما في التعارض، وإن كانتا في التقييد متكاذبتين، ويجوز أن يكونا في الإطلاق صادقتين، لكن الجهل بدينه، يمنع من الحكم بإحداهما مع التصادق، فجرى عليهما حكم المعارضة في التكاذب، فيحمل على الأقاويل في تعارض البينتين: أحدهما: إسقاط البينتين ويردان إلى دعوى بغير بينةً.
والثاني: الإقراع بينهما، والحكم بالقارعةً منهما وفي إحلاف من قرعت بينته قولان: والثالث: المختلف في تخريجه استعمال البينتين، وقسم الميراث بينهما بالبينة نصفين.
فعلى قول المزني، ومن تابعه، يقسم بينهما بالبينتين إرثا، ويفصل بها الحكم بينهما.
وعلى قول أبي إسحاق المروزي لا يصح استعمالها، ليقين الخطأ في الجمع بينهما، ويسقطان عند استحالة الحكم بهما، وإذا سقطت البينتان، ودين الميت مجهول، ففي التركة ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول المزني أنها تقسم بينهما ملكا بالتحالف دون البينة لتكافئهما.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران، أنها تقسم بينهما بدءا، وتقر معهما أمانة يمنعان من التصرف فيها، حتى يبين مستحقها منها أو يصطلحا عليها كالميت عن زوجتين، إحداهما مطلقة قد أشكلت.
والثالث: ويشبه أن يكون قول أبي إسحاق المروزي أنها تقر من كانت في يده قبل التنازع، والتحالف، فإن كانت في أيديهما أو في يد أحدهما، أو في يد أجنبي، أقرت على حالها كما كانت إقرار يد وأمانةً، من غير قسمة.
ووهم أبو حامد الإسفراييني فأقرها في يده ملكا.
فصل: فأما حكم الميت المختلف في ديانته أو مجهول الدين، فمذهب الشافعي أنه يصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين على الأحوال كلها ما لم يحكم بردته، لأن أمره مشتبه، فجرى مجرى جماعةً ماتوا، وفيهم كافر قد أشكل، فلم يتعين هل يصلى عليه؟ فإنه يصلى على جميعهم، ويدفنوا في مقابر المسلمين، وقال أبو

حنيفة: لا يصلى عليه على الأحوال كلها إلا بعد العلم بإسلامه، وليس هذا بصحيح لما استشهد بأنه من الجماعة الموتى، إذا علم أن فيهم كافرا قد أشكل، فإن الصلاةً على جميعهم وفاق، لأن الإسلام يستظهر له، ولا يستظهر عليه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو كانت دار في يدي رجل والمسألة على حالها فادعاها كل واحد من هذين المدعيين أنه ورثها من أبيه فمن أبطل البينة تركها في يدي صاحبها ومن رأى الإقراع أقرع بينهما أو يجعلها بينهما معا ويدخل عليه شناعةً وأجاب بهذا الجواب فيما يمكن فيه البينتان أن تكونا صادقتين في مواضع، قال المزني رحمه الله: وسمعته يقول في مثل هذا لو قسمته بينهما كنت لم أقض لواحد منهما بدعواه ولا ببينته وكنت على يقين خطأ بنقص من هو له عن كمال حقه أو بإعطاء الآخر ما ليس له، قال المزني: وقد أبطل الشافعي القرعةً في امرأتين، مطلقةً، وزوجةً، وأوقف الميراث حتى يصطلحا، وأبطل في ابني أمته اللذين أقر أن أحدهما ابنه القرعة في النسب والميراث، فلا يشبه قوله في مثل هذا القرعة وقد قطع في كتاب الدعوى على كتاب أبي حنيفة في امرأة أقامت البينة أنه أصدقها هذه وقبضتها وأقام رجل البينة أنه اشتراها منه ونقده الثمن وقبضها قال: أبطل البينتين لا يجوز إلا هذا أو القرعة (قال المزني) رحمه الله: هذا لفظه وقد بينا أن القرعة لا تشبه قوله في الأموال قال المزني رحمه الله: وقد قال الحكم في الثوب لا ينسج إلا مرة والثوب الخز ينسج مرتين سواء".
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة، فذهب بعضهم إلى أنها المسألة الأولى أعادها لغرض زاده فيها، لأنه قال: " ولو كانت دار والمسألة بحالها، فادعاها كل واحد من هذين"، فإذا تداعى الابنان المسلم والنصراني، في ميراث دار عن أبيهما، والدار في يدي رجل غير أبيهما، وأقام كل واحد منهما البينةً أن هذه الدار ورثها عن أبيه لموافقته على دينه، فلا يخلو حال هاتين البينتين من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يحكم بإحداهما لأحدهما فتنتزع بها الدار من يد صاحب اليد، وتدفع إلى مستحق ميراث الأب، لقيام البينة بملكها للأب.
والثاني: أن يحكم بها، ويجعل الميراث يليها على ما ذكرنا من التفصيل المختلف فيه، فتنتزع بها الدار من صاحب اليد، وتدفع إلى الابنين بالإرث.
والثالث: أن تسقط البينتان، ولا يحكم بواحدة منهما، فتكون الدار مقرة في يد صاحب اليد ملكًا.
فإن قيل: فهلا انتزعت من يده، وأزيلت عن ملكه، لاجتماع البينتين على أنها للميت دونه قيل: لأنه لما لم يكن فيهما بيان لمستحقها من أحد الابنين، سقط

الحكم بهما في الدار، كما سقط الحكم بهما لأحد الابنين، وصارا كشاهدين شهدًا على دار في يدي رجل، أنها لأحد هذين الرجلين وجب إقرارها في يده، وإن شهدت البينة عليه بعدم ملكه، لأن الشهادة لم تعين مستحقها، فبطلت كذلك في مسألتنا.
فصل: وذهب آخرون من أصحابنا إلى أنها مصورةً في مسألة مستأنفةً، أن تكون الدار في يدي رجل، فيدعيها اثنان ليسا بأخوين، فيقول كل واحد منهما، هذه الدار لأبي ورثتها منه، وينكره الآخر ويدعيها لأبيه، ورثها عنه، ويقيم كل واحد منهما بينة على ما ادعاه فقد تعارضت البينتان، وتكاذبا لاستحالة أن تكون كل الدار لكل واحد من أبويهما، فتكون على ثلاثة أقاويل كتعارض البينتين في الأموال: أحدها: وترجع إلى صاحب اليد فإن صدق أحدهما دفعها إليه وفي وجوب اليمين عليه، للمكذب قولان: أحدهما: لا يمين عليه، إذا قيل: إنه لو أقر لم يغرم.
والثاني: عليه اليمين إذا قيل: إنه لو أقر غرم، وإن صدقها دفع الدار إليهما، وهل يحلف لكل واحد منهما على قولين، وإن كذبهما وادعاها لنفسه، حلف لهما، وأقرت الدار على ملكه، ولا يكون قيام البينةً بملكها لكل واحد من الأبوين موجبا لزوال ملكه ورفع يده، لما ذكرنا من اشتباه مستحقها.
والثاني: في الأصل الإقراع بين البينتين، والحكم بها لمن قرع منهما، وفي إحلافه مع القرعة، قولان، ولا تنتزع الدار إلا بعد القرعة، لأن بالقرعةً تمتاز البينةً المستحقةً فإن جعلت اليمين بعد القرعة شرطًا في الاستحقاق لم تنتزع إلا بعد يمينه، وإن لم تجعل شرطا انتزعت بغير يمين.
والثالث: استعمال البينتين، وقسم الدار بينهما نصفين، وهذا متفق على تخريجه في هذا الموضع، وإن اختلف في تخريجه في المسألة المتقدمةً، لأنه لا يستحيل أن تكون الدار مشتركةً بين أبويهما، فجاز أن تقسم بينهما كسائر الأموال التي يجوز فيها الاشتراك، ولا يستحيل بخلاف الميراث المستحق عن شخص يستحيل أن يموت مسلمًا كافرا.
فصل: وأما المزني فإن كلامه يشتمل على ثلاثة فصول: أحدها: بيان ما هو الأصح على مذهب الشافعي في تعارض البينتين، وأن الذي يقتضيه كلامه إسقاطهما، والعمل بما يوجبه مجرد الدعوى واليد، لأنه قد أبطل القسمة بقوله، أن استعمالهما في القسمة منع ليقين الخطأ في إعطاء أحدها أقل من حقه، وإعطاء الآخر ما ليس بحقه ولأصحابنا عن هذا جوابان: أحدهما: أنه شفع مع القطع بتكاذب البينتين وليس بشفع في جواز تصادقهما،

فتبطل القسمة في التكاذب ولا تبطل مع جواز التصادق.
والثاني: أنه شفع في الباطن، لامتناعه وليس بشفع في الظاهر لأننا نبطل السبب المتضاد، ونحكم بالبينة في المال، وقد قال النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "إنما أحكم بالظاهر ويتولى الله السرائر".
فمن ثم أبطل المزني الإقراع بينهما لأن الشافعي قال فيمن مات عن زوجة مطلقةً، قد اشتبهت أنه لا قرعة بينهما، فكذلك بأن مثله في إبطال القرعة في البينتين، ولأصحابنا عن هذا جوابان: أحدهما: أنه أبطل القرعة في الزوجتين والولدين، لأنه قد رجع في الزوجتين إلى بيان الورثة، وفي الولدين إلى بيان اتفاقه ولا يؤخذ بمثل ذلك في البينتين.
والثاني: أن دخول القرعة في الزوجتين والولدين تكون في أصل الدعوى التي لم يرد بها شرع، وفي البينتين فيما ورد بمثله الشرع.
والفصل الثاني: أن اختار المزني لنفسه استعمال البينتين وقسم الملك بينهما نصفين، لتكافئهما وأن لا بيان يرجع إليه بعدهما فيما أمكن من صدقهما، أو قطع فيه بتكاذبهما، واستشهد بأن الشافعي قال في المتنازعين لثوب أقام كل واحد منهما البينة أنه له نسجه في ملكه إن سوى بين ما لا ينتج إلا مرة، كالقطن والكتان، الذي يقطع فيه بتكاذب البينتين، وبين ما يجوز أن ينسج مرتين كالخز، والديباج، الذي يمكن فيه التصادق، ولأصحابنا عن هذا جوابان: أحدهما: أنه لا حجة أن يحتج لمذهبه بمذهب غيره، وإنما يحتج لمذهبه بأمارات الأدلة.
والثاني: أن قصد الشافعي في هذه المسألة من سماع الداخل فيما يتكرر نتجه، ولا يتكرر ردا على أبي حنيفة، في فرقه بينهما بسماع البينة فيما يتكرر نسجه وردها فيما لا يتكرر.
والفصل الثالث: أن أورد عن الشافعي مسألة فيمن مات عن دار ادعت زوجته أنه أصدقها، وادعى أجنبي أنه ابتاعها، وأن الشافعي قال: "ليس إلا إسقاط البينتين، أو القرعة" وقد أبطل القرعة، فثبت إسقاط البينتين وإسقاط القرعة، فدل على وجوب القسم ولأصحابنا عن هذا جوابان: أحدهما: أن المزني يبني هذا على أصل لم يخالف فيه، وهو أن الشافعي إذا نص على قولين ثم عمل بأحدهما، أنه يكون إبطالا للأخر.
وإنما يكون ترجيحًا له على الآخر.
والثاني: أن هذه المسألة محمولة على أهل مذهبه في نظائرها، وهو أن ينظر في البينتين، فإن تقدمت إحداهما على الأخرى حكم بالمتقدمة على المتأخرةً، سواء كانت بينة الصداق، أو بينة الابتياع، لفساد الثاني بعد الأول، وإن أشكل كانت على الأقاويل الثلاثة في إسقاطها في أحدهما والإقراع بينهما في الثاني، واستعمالها في الثالث، وجعل

جارٍ التحميل