والثاني: أن يتلف في يدها بعد بذله له وتمكينه منه فلم يتسلمه حتى تلف ففي ضمانه وجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا فيما يستحقه الزوج من الصداق.
فأحدهما: أن الذي يستحقه عليها التمكين من الصداق فعلى هذا لا ضمان علها لوجود التمكين.
والثاني: أن الذي يستحقه عليها تسليم الصداق فعلى هذا عليها ضمانه لعدم التسليم.
ثم يتفرع على هذين الوجهين إذا تلف في يدها بجنايةُ آدمي فعلى الوجه الأول أن المستحق هو التمكين يرجع الزوج إلى الجاني.
وعلى الوجه الثاني: أن المستحق هو التسليم بكون الزوج بالخيار بين أن يرجع على الزوجةَ أو على الجاني.
ويتفرع على هذين الوجهين أيضًا إذا حدث بالصداق بعد أن تملك الزوج نصفه نقصان لا يتميز فلا خيار له في فسخ الصداق به والرجوع إلى قيمتهُ لاستقرار ملكه عليه وهل يكون نقصه به مضمونًا عليها أم لا؟ على وجهين: معتبر بحالها في التسليم والتمكين ولها فيه ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن لا تسلم ولا تمكن الزوج منه فا لقصان مضمون عليها لأنه مقبوض في يدها عن معاوضةً فلزمها ضمانه كالمقبوض سومًا.
والثانية: آن تسلمه إليه فيرد عليها فهو أمانةً كالوديعةً لا يلزمها ضمانه.
والثالثة: أن تمكنه منه فلم يتسلمه حتى نقص نفي ضمانها لنقصانه وجهان:
والقسم الثالث: أن يكون الصداق قد زاد فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون الزيادةً متميزةً كالولد فالزيادةً لها ويرجع الزوج بنصف الأصل من غير زيادة.
وعند مالك: يرجع بنصف الأصل ونصف الزيادةً.
وعند أبو حنيفة: لا يرجع بنصف الأصل ولا بنصف الزيادة، ويرجع بنصف القيمةً
بناء على أصله في أن زيادة المبيع تمنع من الرد بالعيب.
والضرب الثاني: أن تكون غير متميزةً كالبرء والسمن فهي بالخيار بين أو تعطيه نصف القيمةَ أو نصف العين.
وعند مالك: تجبر على دفع نصف العين زائدةً.
وليس كذلك لما بيناه من أن الزيادةً ملك لها وهي متصلةً بالأصل فلم تجبر على بذلها فإن بذلت له نصف القيمةَ أجبرها على قبولها وإن بذلت له نصف الصداق زائدا ففي إجبارها على قبولها وجهان:
أصحهما: يجبر عليه وليس له نصف القيمةَ لأن منعه العين إنما كان لحق الزوجةً من الزيادةً.
والوجه الثاني: وهو أضعفهما أنه لا يجبر وله أن يعدل إلى نصف القيمةً لأن حدوث الزيادةً قد يقل حق إلى القيمةً.
ولأنه لما لم يجبر على قبول الزيادةَ إذا انفصلت لم يجبر على قبولها إذا اتصلت فلو حدثت زيادةً الصداق بعد الطلاق وقبل رجوع الزوج به فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يحدث بعد الطلاق وبعد اختيار التمليك فيكون الزوج شريكًا في الزيادةً فإن كانت متميزةً كالولد رجع بنصفه مع نصف الأم وإن كانت متصلةً كالسمن يملك نصفه زائدًا ولم يكن للزوجةً بهذه الزيادةً المتميزةً أن تمنعه من نصف الأصل.
والثاني: أن تكون الزيادةً حادثةً بعد الطلاق وقبل اختيار الملك؛ ففيها قولان:
أحدهما: أنها للزوجةً إذا قيل: إن الزوج لا يملك الصداق إلا باختيار التمليك بعد الطلاق فعلى هذا إن كانت الزيادةً متميزةً فجميعها للزوجةَ وله نصف الأصل لا غير، وإن كانت متصلةً كان لها الزيادةً أن تمنع الزوج من نصف الأصل وتعدل به إلى نصف القيمةَ.
والثاني: أن الزيادةَ للزوج إذا قيل إنه قد ملك بنفس الطلاق نصف الصداق فإن كانت متميزةً كالولد فله نصفه ونصف الأصل وهل تكون حصته من الولد مضمونةً على الزوجةَ أم لا؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قوليه في الولد إذا حدث في يد الزوج هل يكون مضمونًا عليه في حق الزوجة أم لا؟ على قولين:
وإن كانت الزيادةَ غير متميزةً كالسمن فهل تكون مضمونةً على الزوجةَ أم لا؟ على هذين الوجهين:
أحدهما: أنها مضمونةً عليها فإن تلف الصداق ضمنت نصف قيمته بزيادةً، وإن تلفت الزيادةَ بأن ذهب السمن ضمنت قدر نقصه.
والثاني: أنها غير مضمونةً على الزوجةَ فإن تلف الصداق ضمنت نصف قيمته قبل الزيادة، وإن زال السمن لم تضمنه قدر نقصه.
والقسم الرابع: أن يكون الصداق قد نقص فهذا على ضرين:
أحدهما: له ذلك وقد استوي بها جميعه حقه.
والثاني: له أن يأخذ نصفها ويرجع بنصف قيمتهُ التالفة.
ولو كانتا متفاضلتي القيمة: لم يتملك من الباقيةً إلا نصفها وكان له نصف قيمةُ التالفةً.
وهل يتعين في نصف الباقيةَ حتى يأخذه بالتقويم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: قد تعين فيه إذا قيل: إنه لو تساوى أخذ الجمع.
والثاني: وهو الأصح لا يتمن فيه وهو ملكها ولها أن تعطيه قيمةً نصف التالفةً من آي أموالها شاءت إذا قيل لو تساوى لم يأخذ من الباقيةً إلا النصف.
والثاني: أن يكون النقصان غير متميز كالعمى والهزال فيكون حقه في نصف القيمةَ
ولا يلزمه أن يأخذ نصف الصداق ناقصا كما لو يلزمها أن تعطيه نصفه زائدًا.
فإن رضي أن يأخذ نصفه ناقصًا فهل يجبر على ذلك أم لا؟ على وجهين كما مضى في الزيادةً المتصلةً إذا بذلتها الزوجةً.
فإن قيل: فهلا أسقطتم خيار الزوج إذا وجد الصداق ناقصًا وجعلتم له أن يأخذ الصداق بنقصه ويأخذ معه أرش نقصه، كما جعلتم للزوجة إذا وجدته ناقصا في يده أن تأخذه ناقصًا وأرش نقصه.
قلنا: الفرق بينهما هو أن الصداق في يد الزوج ملك للزوجةً فضمن نقصانه لها فلذلك غرم أرش نقصه وليس كذلك الزوجةً لأن الصداق في يدها ملك لنفسها فلم تضمن نقصانه للزوج فلذلك لم تغرم له أرش نقصه واستحق به مجرد الخيار بي الرضا النقص أو الفسخ.
والقسم الخامس: أن يكون الصداق قد زاد من وجه ونقص من وجه فهذا على أربعةَ أضرب:
أحدها: أن تكون الزيادةً متميزةً والنقصان متميزًا كأمتين ماتت أحدهما وولدت الأخرى فالولد لها لا حق فيه للزوج ويكون الحكم فيه كما لو نقص نقصانًا متميزًا.
والثاني: أن تكون الزيادةُ غير متميزةُ والنقصان غير متميز كأمة بصيرةً مريضةً فبرأت وعميت فبرؤها زيادةً لا تتميز وعماها نقصان لا يتميز فلا يلزم الزوج أن يأخذ نصفها لأجل النقصان ولا يلزم الزوجةً أن تبذل نصفها لأجل الزيادةً وأيهما دعا إلى نصف القيمةَ كان القول قوله وجهًا واحداً فإن تراضيا على أخذ النصف بالزيادة والنقص جاز.
والثالث: أن تكون الزيادةً متميزةً والنقصان غير متميز: كأمةً ولدت ومرضت فلا حق له في الولد ويكون كالكلام في النقصان المنفرد إذا لم يتميز فيكون حق الزوج في نصف القيمة.
فإن رضي بنصفها ناقصةً ففي إجبار الزوج عليه وجهان.
والضرب الرابع: أن تكون الزيادةَ غير متميزةً والنقصان متميزًا كأمتين مريضتين برأت إحداهما وماتت الأخرى فحقه في نصف القيمةً فإن بذلت له الباقيةً بزيادتها لم يجبر على قبول نصفها لأنه عوض من قيمةُ التالفةً ولا يلزمه المعاوضةً إلا عن مراضاة وهل يجبر على قبول النصف الآخر في حقه منه أم على الوجهين.
فهذا جميع ما اشتملت عليه أقسام المسألةً.
فصل:
فأما قول الشافعي: لو أصدقها أمةً وعبدًا أعميين فأبصرا فهذا زيادةً لا تتميز فيكون على ما تقدم من حكمهما.
وأما قوله: ولو كانا صغيرين فكبرا فإن الكبر معتبر فإن كان مقارنًا بحال الصغر ومنافع الصغر فيه موجودةً فهذه زيادةً لا تتميز فيكون على ما مضى وإن كان كبرا بعيدًا
يزول عنه منافع الصغير في الحركةَ والسرعةً وقلةُ الحسن ففيه زياد ونقص لا يتميزان فيكون على ما مضى.
وجميع المسائل الواردةً فليس يخرج عما ذكرناه من الأقسام، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وَهَذَا كُلَّه مَا لَمْ يُقَضْ لَهُ الْقَاضِي بِنُصْفِهُ فَتَكَوُّنَ هِي حينئذ ضَامِنَةً لَمَّا أَصَابَهُ فِي يَدِيِهَا".
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا فيما أراده الشافعي بقوله: "هذا كله ما لم يقض القاضي له بنصفه" على وجهين:
أحدهما: وهو قول آبي العباس بن سريج: أن مراد الشافعي بذلك ما تقدم من نماء الصداق قبل الطلاق أنه للزوجةً بأسره ما لم يترافعا إلى قاضي مالكي فيقضي للزوج بنصف النماء فيصير الزوج مالكًا لنصفه بقضاء القاضي المالكي لأنه حكم نفذ باجتهاد سائغ.
ويكون معنى قوله: "فتكون حينئذٍ ضامنةً لنصفه" يعنى لنصف النماء إذا طلبه منها فمنعته فتصير بالمنع ضامنةً فأما أصل الصداق فلا يفتقر تملك الزوج لنصفه بالطلاق إلى قضاء قاض لا عند الشافعي ولا عند مالك سواء قيل إنه يملك بنفس الطلاق أو باختيار التملك بعد الطلاق.
والثاني: قول أبي إسحاق المروري وجمهور أصحابنا: أن كلام الشافعي راجع إلى أصل الصداق إذا حدث فيه زيادةً أو نقصان فاختلفا في نصف القيمةً أو في نصف العين فإن اختلافهما فيه على ما مضى بيانه إلا أن يقضي القاضي له بنصف العين فينقطع الخلاف بينهما يحكمه ويصير له نصف الصداق لأن الصداق إذا كان باقيًا بحاله لم يزد ولم ينقص فليس بينهما اختلاف مؤثر ولا لحكم الحاكم في تملك الزوج لنصفه تأثير.
فإذا حدث فيه زيادةً أو نقصان صار الخلاف بينهما في نصف العين آو نصف القيمة مؤثرًا وصار لحكم الحاكم تأثير في تملك الزوج لنقصه يكون معنى قول الشافعي: تكون حينئذ ضامنة كما أصابه في يدها يعنى: لنقصان الصداق بعد أن نقضى له القاضي بنصفه.
لأنه قبل القضاء لم يملكه الزوج فلم تضمن الزوجةً نقصه وبعد القضاء قد ملكه ضمنت نقصه ما لم يكن منها تسليم ولا تمكين لأنه في يدها عن معاوضةً كالمقبوض سومًا فإن سلمته وعاد إليها أمانةً لم تضمنه وإن لم تسلمه ولكن مكنته منه ففي وجوب ضمانها لنقصه وجهان مضيا.
فلو اختلفا في النقص فقال الزوج: هو حادث في يدك فعليك ضمانه وقالت
الزوجة: بل هو متقدم فليس على ضمانه فالقول قولها مع يمينها لأنها منكرة والأصل براءة ذمتها مع احتمال الأمرين: فأما الزيادة فما تقدمت ملك الزوج لنصف الصداق فجميعها للزوجة وما حدث بعده فهو بينهما وهل تكون الزوجة ضامنة له أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين.
فلو اختلفنا فيها فقال الزوج: هي حادثة بعد أن ملكت نصف الصداق فنصفها لي وقالت الزوجة بل هي متقدمة قبل ذلك فجميعها لي فالقول قول الزوجة بل هي متقدمة قبل ذلك فجميعها لي فالقول قول الزوجة مع يمينها لأن الزيادة في يدها.
والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيّ: "فَإِنْ طَلَّقَهَا وَالنَّخْلُ مُطَلِعَةٌ فَأَرَادَ أَخْذَ نِصْفِهَا بِالطَّلْعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَتْ كَالْجَارِيَةِ الحُبْلَى والشَّاة المَاخِضِ وَمُخَالِفَةٌ لَهُمَا فِي أَنَّ الاطِّلاَعِ لاَ يَكُونُ مُغَيِّرَا للِنَّخْلِ عَنْ حَالهَا فَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تَدْفَعَ إِلَيْهِ نِصْفَهَا فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ ذَلِكَ ".
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل أصدق امرأة نخلاً وطلقها قبل الدخول وقد أثمرت فالثمرة زيادة اختلف أصحابنا فيها هل تجري في الصداق مجرى الزيادة المتميزة أم لا؟ على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها زيادة متميزة كالود سواء كانت مؤبرة أو غير مؤبرة لإمكان قطعها عن الأصل وجواز إقرارها بالعقد.
والثاني: أنها زيادة غير متميزة في حكم الصداق سواء كانت مؤبرة أو غير مؤبرة لاتصالها بالأصل فجرت مجرى الحمل.
والثالث: أنها إن كانت مؤبرة فهي متميزة كالولد لأنها لا تتبع الأصل في البيع وإن كانت في طلعها غير مؤبرة فهي غير متميزة كالحمل لأنها تتبع الأصل في البيع.
فإذا تقررت هذه الوجوه الثلاثة فالثمرة للزوجة على جميع أحوالها بحدوثها في ملكها ولها استيفاء النخل على ملكها لاستطلاع ثمرتها وتكاملها ويصير حق الزوج في قيمة النخل فيدفع إليه نصف قيمتها أقل ما كانت النخل فيمة من حين أصدق إلى أن أسلم.
أحوال بذل المرأة نصف النخل المثمر لزوجها فإذا كان كذلك فلها أربعة أحوال:
الأولى: أن تبذل له نصف النخل مع نصف الثمرة.
فإن قبلها جاز ثم ينظر فإن جعلنا الثمرة زائدة غير متميزة كان بذل الزوجة لها عفوًا عنها فلا يراعي فيه لفظ الهبة ولا القبض.
وإن جعلناها زيادة متميزة فهل يجري عليها حكم العفو أو حكم الهبة على وجهين:
أحدهما: حكم الهبة ولا تتم إلا بالقبض لأنها بالتمييز كالولد الذي لو بذلت نصفه للزوج مع نصف أمه كانت هبة لا تتم إلا بالقبض.
والثاني: أنه يجري عليها حكم العفو وتتم بغير قبض بخلاف الولد لأن المقصود ببذلها إيصال الزوج إلى قه من النخل الذي لا يقدر عليه إلا بها وخالف الولد لأنه يقدر على الرجوع بالأم دونه.
وإن امتنع الزوج من قبول الثمرة ففي إجباره على القبول ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه يجبر على القبول سواء قيل إن الثمرة متميزة أو غير متميزة لأنه منع من النخل من حق الزوجية لدفع الضرر عنها في الثمرة فإذا صارت إليه فلا ضرر عليها.
والثاني: أنه لا يجبر على القبول سواء قيل إن الثمرة زائدة متميزة أو غير متميزة لأن حقه صار في القيمة فلم يكن لها أن تعدل به إلى العين.
والثالث: وهو الأصح أن إجباره معتبر بحكم الثمرة.
فإن قيل: إنها زيادة متميزة لم يجبر على القول كالولد وله أن يعدل إلى نصف قيمة النخل.
وإن قيل: إنها زيادة غير متميزة كالسمن أجبر على القبول ولم يكن له أن يعدل إلى نصف القيمة.
فصل:
والحالة الثانية: أن تبذل له نصف النخل دون الثمرة فإن قيل ذلك منها جاز وعليه ترك الثمرة على النخل إلى تكامل صلاحها وإن امتنع من القبول: لم يجبر عليه تعليلاً لأمرين:
أحدهما: دخول الضرر عليه باستيفاء الثمرة على نخله.
والثاني: أن حقه قد صار في القيمة فلم يعدل به إلى غيره.
وقال المزني: حق في نصف النخل يرجع بها وعليه ترك الثمرة إلى أوان جذاذها كالمشتري.
وهذا الجمع غير صحيح لوضوح الفرق بينهما وهو أن الشراء عقد مراضاة فلذلك أقر على ما تراضيا ب من استيفاء الثمرة على نخل المشتري لرضاه بدخول الضرر عليه وملك الصداق عن طلاق لا مرضاة فيه فاقتضى المنع من دخول الضرر على كل واحد منهما.
وجمع بينهما في نفي الضرر عنهما فلو طلب الزوج أن يرجع بنصف النخل في الحال على أن يترك الثمرة عليها إلى تكامل الصلاح ففي إجبارها على ذلك وجهان:
أحدهما: لا تجبر عليه تعليلاً بأن حقه قد صار في القيمة.
والثاني: تجبر عليه تعليلاَ بزوال الضرر عنها ولحوقه بالزوج الراضي به.
فصل:
والحالة الثالثة: أن تبذل له قطع الثمرة وتسليم نصف النخل:
فإن كان تعجيل قطعها مضرًا بالنحل: لم يجبر على القبول.
وإن كان غير مضر: فما لم تبادر إلى القطع لم يجبر على القبول وإن بادرت إلى القطع ففي إجباره وجهان:
أحدهما: لا يجبر تعليلاً بأن حقه قد صار في القيمة.
والثاني: يجبر تعليلاً بزوال الضرر عنه في الأصل.
ولو طلب الزوج منها أن تقطع الثمرة وتعطيه نصف النخل لم تجبر الزوجة عليها وجهًا واحدًا لما فيه من دخول الضرر عليها.
فصل:
والحالة الرابعة: أن تدعوه إلى الصبر عليها إلى أن تتكامل صلاح الثمرة ثم تعطيه بعد جذاذها نصف النخل فلا يلزمه ذلك ولا يجبر عليه تعليلاً بأمرين:
أحدهما: أن حقه في القيمة فلم يلزمه العدول عنها.
والثاني: دخول الضرر عليه في تأخير ما استحق تعجيله.
ولو كان هو الداعي لها إلى الإنظار بالنخل إلى أوان الجذاذ ثم الرجوع بها لم يلزمها ذلك ولا تجبر عليه تعليلاً بأمرين:
أحدهما: أن حقه قد صار في القيمة فلم يلزمها العدول عنها.
والثاني: دخول الضرر عليها ببقاء الحق في ذمتها وأيهما دعا إلى القيمة أجيب غليها.
فصل:
فأما ما جعله الشافعي رحمه الله مثالاً للنخل إذا أثمرت من الجارية الحاصل والشاة الماخص وجمعه بينهما من وجه وتفريق بينهما من آخر فتوضح من حكمها ما بين به موضع الجمع وموضع الفرق.
أما الجارية إذا كانت صداقًا فحملت في يد الزوج فالحمل فيها زيادة من وج ونقصان من وجه.
أما زيادتها فالولد وأما نقصانها فبالخوف عليها عند الولادة فإن بذلتها الزوجة لم يلزم الزوج قبولها لأجل النقص وإن طلبها الزوج لم يلزم الزوجة بذلها لأجل الزيادة وأيهما دعا إلى القيمة أجيب فتكون موافقة للثمرة في الزيادة ومخالفة لها في النقصان.
وأما الشاة إذا كانت صداقًا فحملت بالحمل فيها زيادة من وجه واختلف أصحابنا هل يكون نقصُا فيها من وجه آخر أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يكون نقصًا في البهائم ويكون زيادة محضة وإن كانت في الآدميات
نقصًا وزيادة لأن حال الولادة مخوف في الآدميات وغير مخوف في البهائم.
فذلك كان نقصاف في الآدميات ولم يكن نقصًا في البهائم.
فعلى هذا: إذا بذلتها الزوجة أجبر الزوج على قبولها في أصح الوجهين فتكون موافقة للثمرة في الزيادة وغير مخالفة لها في النقصان.
والثاني: أن الحمل في البهائم نقص أيضًا وإن أمن عليها عند الولادة لأن الحمل قد أحدث نقصًا في اللحم فصار نقص اللحم نقصًا فيها وإن لم يخف عليها في ولادتها.
فعلى هذا إن بذلتها الزوجة لم يجبر الزوج على قبولها لأجل النقص فإن طلبها الزوج لم تجبر الزوجة على قبولها لأجل الزيادة وأيهما دعا إلى القيمة أجيب.
فتكون على هذا موافقة للثمرة في الزيادة ومخالفة لها في النقصان.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيّ: "وَكَذَلِكَ كُلَّ شَجَر إِلاَّ أَنْ يَرْقُلَ الشَّجَرُ فَيَصسرُ قَحَامَا فَلاَ يَلْزَمَهُ وَلَيْسَ بَهَا تَرْكُ الثَّمَرَةِ عَلَى أَنْ تَسْتَجْنِيهَا ثُمَّ تَدْفَعَ إِلَيْهِ نِصْفَ الشَّجَرِ لاَ يَكُونُ حَقُّهُ مُعَجَّلاً فَتُؤَخّرَهُ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إِلَى أَنْ تَجِدَ الثَّمَرَةَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَذَبِكَ أَنْ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ يَزيدَانِ إِلَى الجدَادِ وَأَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَهَا وَفيهَا الزِّيَادَةُ كَانَ مُحَوَّلاً دُونَهَا وَكَانَتْ هِيَ المَالِكَةَ دُونَهُ وَحَقُّهُ فِي قِمَتِهِ.
قَالَ المُزَنِيُّ: لَيْسَ هَذَا عِنْدِيِ بِشْئٍ؛ لأّنَّهُ يُجِيزُ بَيْعَ النَّخْلِ قَدْ أبَّرَتْ فَيَكُونُ ثَمَرُهَا للِبَائِع حَتَّى يَسْتَجْنِيهَا مُعَجَّلةٌ وَلَوْ كَانَتْ مُؤَجَّرَةٌ مَا جَازَ بَيْعُ عَيْنُ مُؤَخَّرَةٌ فَلَمَّا جَازَتْ مُعَجَّلةَّ وَالثَّمَرُ فِيهَا جَازَ رَدُّ نِصْفِهَا لِلزَّوْج مُعَجِّلاً وَالثَّمَرُ فِيهَا وَكَانَ رَدُّ النِّصْفِ فِي ذَلِكَ أَحَقَّ بِالجَوَازِ مِنَ الشِّرَاءِ فَإِذَا جَازَ فِي الشِّرَاءِ جَازَ فِي الرَّدِّ ".
قال في الحاوي: إذا أصدقها شجرًا غير مثمر فطلقها وقد أثمر فالكلام في ثمر الشجر كالكلام في ثمر النخل في كونه مؤبرًا أو غير مؤبر على ما مضى.
أما الشجر فهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون غراسًا مثمر فيصير شجرًا مثمرًا فهذه زيادة محضة فيكون حكمها حكم الزيادة التي لا تتميز فلا تجبر على بذلها وإن بذلتها ففي إجباره على قبولها وجهان:
والثاني: أن يكون شجرًا مثمرًا متكاملاً فيرقل حتى يصير قحامًا.
والإرقال: التناهي في الطول.
والقحام: التناهي في العمر حتى قد ييأس سعفه ويخر جذعه فهذا نقصان محض لا يتميز ولا يجبر الزوج على قبوله وإن رضي به ففي إجباره الزوجة على بدل وجهان.
والثالث: أن يكون غراسًا غير مثمر فيصير قحامًا غير مثمر فهذه زيادة من وجه
ونقصان من وجه فأيهما دعا إلى نصف القيمة أجيب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيّ: "وَكَذَلِكَ الأَرْضُ تَزْرَعُهَا أَوْ تَغْرِسُهَا أو تَحْرِثُهَا.
قَالَ المُزَنِيُّ: الزَّرْعُ مُضِرِّ بالأَرْضِ مُنْقِصٌ لَهَا وَإِنْ كَانَ لِحَصَادِهِ غَابَةٌ فَلٌهُ الخِيَارُ في قَبُولِ نِصْفِ الأرْضِ مُنْتَقِصَةً أَوْ القِيمَةِ وَالزَّرْعُ لَهَا وَلَيْسَ ثَمْرُ النَّخُلِ مَضِرًا بِهَا فَلَهُ نِصْفُ النَّخْلِ وَالثَّمَرُ لَهَا وَأَمَّا الغِرَاسُ فَلَيْسَ بِشَبِيهٍ لَهُمَا؛ لأنَّ لَهُمَا غَايَةُ يُفَارِقَانِ فيهَا مَكَانَهُمَا مِنْ جِدَادٍ وَحَصَادٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الغِرَاسُ؛ لأَنُّهُ ثَابِتٌ فِي الأَرْضِ فَلَهُ نِصْفُ قِيمَتِهَا، وَأَمَّا الحَرْثُ فَزيَادَةٌ لَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُعِطيَهُ نِصْفض مَا زَادَ فِي مِلْكِهَا إِلاَّ أَنْ تَشَاءَ وَهَذَا عِنْدِيِ أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ ".
قال في الحاوي: عطف الشافعي بزرع الأرض وغرسها وحرثها على ما قدمه من عقد الباب وبيان أحكام الزيادة والنقصان فتوهم المزني أنه عطف به على أطلاع النخل.
ففرق بين الزرع والغرس وبين أطلاع النخل فأخطأ في توهمه وقارب الصحة في فرق.
وحكم الأرض تختلف في زرعها وغرسها ورثها.
أما حرثها: فهو فيها زيادة محضة غير متميزة فلا يلزم الزوجة بذلها فإن بذلتها أجبر الزوج على قبولها في أصح الوجهين.
وأما الغرس في الأرض فهو زيادة من وج ونقصان من وج لأن عين الغرس زيادة وضرر في الأرض نقصان.
فأما النقصان: فغير متميز وأما الزيادة: ففيها وجهان:
أحدهما: أنها متميزة لأنها مستودعة في الأرض.
والثاني: أنها كالمتصلة لأنها صارت تبعًا فإن بذلتها الزوجة بغرسها لم يجبر الزوج على القبول لأجل النقص وإن رضي الزوج بها لم تجبر الزوجة على بذلها لأجل الزيادة وأيهما دعا إلى نصف القيمة أجسي.
وأما الزرع في الأرض فهو زيادة متميزة واختلف أصحابنا هل يكون نقصًا في الأرض أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه يكون نقصًا فيها الغراس ومخالف لأطلاع النخل لأن أطلاع النخل من ذاته ولا يمكن أن ينتفع بالنخل قبل وقت أطلاعه وزرع الأرض من فعل الآدميين وقد كان يمكن أن ينتفع بها من غير الزرع وفي غير ذلك من الزرع فافترقا.
والثاني: وهو قول المزني أنه ليس بنقص في الأرض لأن وقت الزرع إذا انقضى
فليس يمكن أن يستأنف زرعها والأغلب من أرض الزرع أن لا منفعة فيا إلا بزرعها فصارت بأطلاعها أشبه فإذا تقرر هذان الوجهان.
فإن جعلنا الزرع زيادة ولم نجعله نقصًا فحكم الأرض إذا زرعت مثل حكم النخل إذ أطلعت وقلنا: إن الثمرة زيادة متميزة لأن الزرع زيادة متميزة فيكون على ما مضى من الأقسام والأحكام.
وإن جعلنا الزرع زيادة ونقصًا كان في حكم الغرس لا يجبر واحد منهما على الأرض وأيهما دعا إلى القيمة أجيب.
وإن جعلنا الزرع زيادة ونقصًا كان في حكم الغرس لا يجبر واحد منهما على الأرض وأيهما دعا إلى القيمة أجيب.
فإن بادرت الزوجة إلى قلع الزرع ففي إجبار الزوج على قبول الأرض إذا لم يضر بها قلع الزرع وجهان كما لو بادرت إلى قطع الثمرة عن النخل ولكن لو طلقها بعد حصاد الزرع أجبر على القبول وأجبرت على الدفع وأيهما دعا إلى نصف الأرض أجيب لتعين الحق فيها وقت الطلاق، وهكذا لو كان الزرع وقت الطلاق وقد استحصد ولم يحصد فليس له إلا نصف الأرض ما لم تنقص الأرض بالزرع وقت الطلاق وقد استحصد ولم يحصد فليس له إلا نصف الأرض ما لم تنقص الأرض بالزرع وتجبر الزوجة على الحصاد وهكذا الثمرة إذا استجدت على رؤوس نخلا أخذت الزوجة بجذاذها ورجع الزوج بنصفها.
والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيّ: "وَلَوْ وَلَدَتِ الأَمَةُ فِي يَدَيْهِ أَوْ نَتَجَتِ المَاشيَةُ فَنَقَصَتْ عَنْ حَالِهَا كَانَ الْوَلَدُ لَهَا دُونَهُ؛ لأَنَّهُ حَدَثَ في ملْكِهَا فَإِنْ شَاءَتْ أّخذَتْ أَنْصَافِهَا نَاقِصَةً، وَإنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ أَنْصَافَ قيِمَتهَا يَوْمَ أَصْدَقَهَا.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا قيَاسَ فِي قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ بَابِ مَا جَاءَ فِي الضَّدَاقِ فِي كِتَابِ الأُمّ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَهَذَا خَطَأً عَلَى أصْلِهِ ".
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل أصدق امرأته جارية أو ماشية فزادت في يده بحمل أو ولد ثم طلق قبل الدخول فقد دخل جكمه في أقسام ما قدمناه ونحن نشير إليه ونذكر ما تعلق ب من زيادة ونقتصر على ذكر الجارية فإن فيها بيان الماشية.
وأحوال الجارية ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون وقت الصداق حابلاً فتحمل في يده بمملوك وتلد ثم تطلق.
والثاني: أن تكون حاملاً فتحبل ثم تطلق قبل أن تضع.
والثالث: أن تكون حاملاً ثم تلد ثم تطلق.
فأما القسم الأول: وهو أن تكون حاملاً فتحبل وتلد ثم تطلق فلا يخلو حالها وحال ولدها من أربعة أقسام:
أحدها: أن يكونا باقيين:
والثاني: تالفين.
والثالث: أن تكون الأم باقية والولد تالفًا.
والرابع: أن تكون الأم تالفة والولد باقيًا.
فأما الأول: إذا كانا باقيين فالولد للزوجة لحدوثه في ملكها وتكون ولادته قبل القبض كولادته بعد القبض في أن لا حق فيه للزوج وكذلك الكسب.
وقال مالك: يكون للزوج نصف الولد ونصف الكسب قبل القبض وبعده.
وقال أبو حنيفة: لا حق للزوج فيما حدث بعد القبض ومن ولد وله فيما حدث في يده قبل القبض نصف الولد دون الكسب.
استدلالاً بأنه قبل القبض مستحق التسليم بالعقد كالأم فوجب أن يرجع بنصفه كرجوعه بنصف الأم.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فلم يوجب الرجوع إلا بنصف المفروض وليس الولد مفروضًا.
ولأنه نماء حدث في ملكها فلم يستحق الزوج بطلاقه شيئًا من كالحادث بعد القبض ولأن ما لم يملكه بالطلاق إذا حدث بعد القبض لم يملكه بالطلاق إذا حدث قبل القبض كالكسب.
وبالكسب ينتقص قياسهم مع أننا لا نقول إنه تسليم يستحق بالعقد ولكن بالملك فإذا ثبت أن لا حق له في الولد فللأم ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن تكون بحالها لم تزد ولم تنقص فيكون للزوج نصفها بالطلاق قبل الدخول ولها النصف ولا خيار لواحد منهما.
والثانية: أن تكون قد زادت فلها منع الزوج منها لحدوث الزيادة على ملكها وتعدل به إلى نصف القيمة فإن بذلت ل نصفها زائدة أجبر على القبول في أصح الوجهين:
والثالثة: أن تكون ناقصة فلها الخيار بين المقام والفسخ فإن أقامت أخذت النصف ناقصًا وأخذ الزوج نصفها ناقصًا ولم يكن له خيار لحدوث النقصان في يده ودخوله في ضمانه.
وإن فسخت فالولد لها لأن الفسخ في الأصل مع بقائه قطع للعقد فيه وليس يرفع له من أصله.
وبماذا ترجع عليه على قولين:
أحدهما: بالجارية وأرش النقص فيكون الفسخ مفيدًا استحقاق الأرش وهذا على القول الذي يوجب قيمة الصداق عند تلفه.
والثاني: أنها ترجع بمهر المثل وهذا على القول الذي يوجب مهر المثل عند تلف الصداق.
وأما القسم الثاني: وهو أن تتلف الأم والولد معًا في يد الزوج.
فالأم مضمونة علي وبماذا يضمنها فيه قولان:
أحدهما: وهو قوله في الجديد أن يضمنها بمهر المثل فعلى هذا يكون جميعه عليه إن طلق بعد الدخول ونصفه إن طلق قبله.
والثاني: وهو قوله في القديم يضمنها بقيمتها وفي اعتبار القيمة قولان:
أحدهما: يوم أصدق تغليبًا لضمان العقد.
والثاني: يلزمه قيمتها أكثر ما كانت قيمة من وقت الصداق إلى وقت التلف اعتبارًا بضمان الغضب.
فأما الولد: فحكمه بعد التلف معتبر بحكمه لو كان حيًا على ما سنذكره فإن لم نجعله لها لو كان حيًا لم يلزم الزوج له عزم بتلفه.
وإن جعلناه لها لو كان حيًا ففي ضمانه على الزوج قولان:
أحدهما: أنه مضمون عليه لأنه ولد أم مضمونة فصار مضمونًا كولد المغصوبة.
والثاني: لا يضمنه لأن العقد لم يتضمنه وخالف ولد المغصوبة لأنه غير معقد فيه.
وأما القسم الثالث: وهو أن تكون الأم باقية والولد تالفًا فلها جميع الأم إن طلقت بعد الدخول ونصفها إن طلقت قبله.
والكلام فيما حدث فيها من زيادة أو نقصان على ما مضى.
وأما الولد فجميعه لها: وهل يضمنه الزوج بالتلف أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يضمنه فيلزمه قيمته أكثر ما كان قيمة من وقت ولادته إلى وقت تلفه.
والثاني لا ضمان عليه لأنه كالأمانة في يده إلا أن تطلبه منه فيمنعها فيضمنه كالودائع.
وأما القسم الرابع: وهو أن تكون الأم تالفة والود باقيًا ففيما ترجع عليه في بدل الأم قولان:
أحدهما: قيمتها وفي اعتبار قيمتها قولان:
أحدهما: قيمته وقت العقد.
والثاني: أكثر ما كان قيمة من وقت العقد إلى وقت التلف فعلى هذا يكون الولد لها.
والقول الثاني: ترجع عليه بمهر مثلها فعلى هذا في الولد وجهان:
أحدهما: أنه يكون للزوجة أيضًا لحدوثه في ملكها.
والثاني: يكون للزوج لأنه رفع للعقد من أصل فصارت غير مالكة لأمه.
فصل:
وأما القسم الثاني من أقسام الأصل وهو أن تكون الجارية حاملاً وقت الطلاق فالحمل فيها زيادة من وجه ونقصان من وجه.
فإن كان الطلاق بعد الدخول كانت مخيرة بين أمرين:
إما أن تسمح فتأخذها بزيادتها ونقصها.
وإما أن تفسخ وبماذا ترجع؟ على قولين:
أحدهما: بالجارية حاملاً وأرش ما نقصتها الولادة ولا تجبر نقصان الولادة بزيادة الحمل وهذا على قوله في القديم.
والثاني: ترجع بمهر المثل.
وإن كان الطلاق قيل الدخول: كانت مخيرة بين ثلاثة أمور: إما أن تأخذ الكل وتعطي نصف القيمة أقل ما كانت من وقت العقد إلى وقت القبض لأن لها زيادة تستحق بملكها.
وإما أن تأخذ نصفها وتعطيه نصفها زائدة ناقصة فيلزمه قبولها.
وإن النقصان مضمون عليه والزيادة مبذولة له.
وإما أن تفسخ في الكل وبماذا ترجع على قولين:
أحدهما: وهو القديم ترجع بنصفها ونصف أرش النقصان.
والثاني: وهو الجديد بنصف مهر المثل.
فصل:
وأما القسم الثالث: من أقسام الأصل وهو أن تكون حاملاً وقت الصداق وقد وضعت حملها وقت الطلاق فحكمه مبني على اختلاف قول الشافعي في الحمل هل له حكم يتميز به أن يكون تبعًا؟ فيه فولان:
أحدهما: أن يكون تبعًا لا يتميز بحكم فعلى هذا إذا طلقها قبل الدخول كان لها جميع الولد وهل يصير مستهلكًا في حق الزوج أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه يصير مستهلكًا في حقه وإن كانت الأم زائدة به وقت حمله ويكون كالسمن إذا زال بالهزال ويصير الولد كاالنماء الحادث على ملكها ابتداء وانتهاء.
والثاني: أنه لا يستهلك على الزوج حق من الزيادة بحملها بخلاف ذهاب السمن بالهزال لأن السمن هلك في يده فصار مستهلكًا عليه وليس الولد كذلك لأن زيادته حملاً قد تمت وتكاملت فلم يجز أن يستهلك على الزوج وقد صارت متكاملة للزوجة.
وإذا كان هذا وجب أن يعتبر ما بين قيمتها وقت العقد حاملاً وحابلاً فما كان بينهما من فصل رجع الزوج بنصفه على الزوجة مع نصف الأم وصار جميع الولد مع نصف الأم للزوجة فإن بذلت له نصف الولد عما استحقه من نصف ما بين القيمتين فرض جاز وضارت الأم بينهما والولد بينهما وإن لم يرض به لم يجبر عليه وجهًا واحدًا لأنه عدول عن حقه إلى معاوضة لا يلزم إلا عن مراضاة.
وإن كان كذلك نظر:
فإن أخذ الزوج نصف الولد مع نصف الأم أقرّ على ملكه الإجماع ملك الولد مع ملك الأم.
وإن أخذ الزوج نصف الأم ولم يأخذ نصف الولد لم يجز أن يقر على ملك نصف الأم لأن فيه تفريقًا بين الأم وولدها في الملك.
وهل تجبر الزوجة على إعطائه نصف قيمة الأم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: تجبر على ذلك لما يلزمها من القيام بحضانة الولد.
والثاني: أنها لا تجبر على ذلك ويقال لها: إن دفعت إلى الزوج نصف قيمة الأم أقر الولد والأم على ملكك وإن امتنعت: لم تجبري وبيعًا جميعًا عليك ودفع غلى الزوج من الثمن النصف فما قابل ثمن الأم وكان الباقي لك فهذا إذا قيل: إن الحمل تبع لا يتميز بحكم.
والقول الثاني: في الحمل أن له حكمًا يتميز فعلى هذا تكون الأم والحمل صداقًا لكن الحمل قد زاد بالولادة على ملك الزوجة فلم يلزمها بدل الولد لدوث الزيادة فيه.
فإن بذلك له نصف الولد مع نصف الأم أجبر على القبول في أصح الوجهين وإن امتنعت من بذل نصفه رجع بنصف الأم وفي كيفية ما يرجع به من قيمة نصف الحمل وجهان:
أحدهما: يرجع بنصف ما بين قيمة أمه حاملاً وحابلاً ولا يقوم وقت الولادة لأنه قد زاد إلى وقت الولادة زيادة لا يملكها الزوج فدعت الضرورة إلى اعتبار ما بين القيمتين:
والثاني: أنه يقوم الولد وقت الولادة ويرجع الزوج بنصف قيمته لأنه في وقت كونه حملاً لا يوصل إلى معرفة قيمته.
فدعت الضرورة إلى اعتبار قيمته بعد الولادة وإن حدثت فيه زيادة لا يملكها كما يقوم على من تزوج أمه على أنها حرة فأولدها ولقد صار بالعلوق حرًا فيقوم بعد الولادة وإن كان قد صار بالعلوق حرًا وعند الولادة زائدًا لتعذر تقويمه حال العلوق كذلك هاهنا.
فعلى هذا يمنع من الولد إلى نصف قيمته لأجل زيادت فإن بذلت له نصف الولد ففي إجباره وعلى قبوله وجهان:
أحدهما: يجبر على قبوله ويقر الزوج على ملكه لاجتماعه مع الأم في الملك.
والثاني: لا يجبر عليه ويطالب بتنصيف القيمة فإذا أخذ نصف قيمة الولد فله نصف الأم ما لم تزد ولم تنقص ولا يجوز التفرقة بين الولد وبين أمه في الملك.
وهل تجبر الزوجة على دفع نصف قيمة الأم أو يباعان معًا؟ على ما مضى من الوجهين- والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَصْدَقَهَا عَرَضًا بِعَيُنِهِ أَوْ عَبْدَا فَهَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ فَلَهَا قِمَتُهُ يَوْمَ وَقَعَ النّكَاحُ فَإِنْ طَلَبَتْهُ فَمَنَعَهَا فَهُوَ غَاضِبٌ وَعَلَيْه أَكْثَرُ مَا كَانَ قَيمَةٌ.
قَالَ المُزَنِيُّ: قَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الخُلْع: لَوْ أًصْدَقَهَا دَارًا فَاحْتَرقَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا كَانَ لَهَا الخِيَارُ فِي أَنْ تَرْجِعَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ تَكُونَ لَهَا العَرَصَةُ بِحِضَّنِهَا مِنَ المَهْرِ.
وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: لّوْ خَلَعَهَا عضلَي عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا كَمَا يَرْجِعُ لَوْ اشْتَرَاهُ فِيهَا فَمَاتَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ الَّذِي قَبْضَتْ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا أَشْبَهُ بَأَصْلِهِ؛ لأَنَُّ يَجْعَلُ بَدَلَ النّكَاح وَبَدَلَ الخُلْعِ فِي مَعْنَى بَدَلَ البَيْع المُسْتَهْلكِ، فَإِذَا بَطُلَ البَيْعُ قَبْلَ أَنْ يَقْيضَ وَقَدْ قَبَضَ البَدَلَ وَاسْتَهَلَكَ رَجَعَ بِقِيِمَةِ المُسْتَّهْلَكِ وَكَذَلِكَ النْكَاحُ وَالخُلْعِ إِذَا بَطُلَ بَدَلُهَا رَجَعَ بِقِيِمََتْهَا وَهُوَ مَهْرُ المَثْلِ كَالبَيْعِ المُسْتَّهْلَكِ ".
قال في الحاوي: إذا كان الصداق معينًا من عروض أو حبوب كعبد أو بعير أو حنطة أو شعير فتلف في يد الزوج قبل قبضه ففي بطلان الصداق بتلفه وفيما يستحق الرجوع ب قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم وبه قال أبو حنيفة: أن الصداق لا يبطل من العقد بتلفه في يد الزوج وأن لها أن ترجع علي بقيمت.
ودليله شيئان:
أحدهما: أن كل ما وجب تسليمه مع بقائه إذا هلك مضمونًا مع بقاء سبب استحقاقه يوجب ضمان قيمته كالمعصوب والعوادي.
والثاني: أنه لما كان الصداق في مقابلة البضع وكان ملك الزوج على البضع مستقرًا قبل القبض ولا يفسد العقد عليه لو تلف وجب أن يكون ملك الزوجة للصداق مستقرًا قبل القبض ولا يفسد العقد عليه إن تلف.
والقول الثاني: قاله في الجديد واختاره المزني: أن الصداق قد بطل من العقد بتلف قبل القبض ولها مهر المثل دون قيمته.
ودليله شيئان:
أحدهما: أن الصداق عوض تعين في عقد معاوضة فوجب أن يبطل بتلفه قبل القبض ويستحق الرجوع بالمعوض دون العوض كالبيع وهو أن يبيع الرجل عبدًا بثوب يسلمه ويتلف الثوب قبل أن يتسلمه فيكون له الرجوع بعبده لا بقيمة الثوب الذي في مقابلته كذلك تلك الصداق كان يقتضي تلفه الرجوع بالضبع الذي في مقابلته لكن لما تعذر الرجوع به للزوم العقد من وجب الرجوع ببدل وليس له مثل فوجب الرجوع بقيمته وقيمته مهر المثل.
والثاني: أنه لما كان بطلان الصداق بجهالته أو تحريمه يوجب الرجوع بمهر المثل دون القيمة وجب أن يكون بطلانه بالتلف بمثابته في الرجوع المثل دون قيمته.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين: انتقل الكلام إلى التفريغ عليهما.
فإذا قلنا بالقديم: إن الرجوع بالقيمة دون المهر: فله حالان:
أحدهما: أن يمنعها منه بغير عذر حتى يتلف في يده فيكون علي قيمته أكثر ما كان قيمة من وقت المنع إلى وقت التلف إن لم يكن قيمته قبل ذلك أكثر لأنه بالمنع قد صار غاضبًا فوجب أن يضمنه ضمان الغضب.
والثانية: أن لا يكون منه منع ولا منها طلب ففي كيفية ضمانه قولان:
أحدهما: أنه يضمنه ضمان عقد.
والثاني: ضمان غصب.
فإذا قيل ضمان عقد: فعليه قيمته يوم أصدق.
وقال أبو حامد الإسفراييني: عليه قيمته يوم تلف.
وهذا خطأ؛ لأن نقصانه بعد العقد مضمون عليه فوجب أن تلزمه قيمته وقت العقد وإذا قيل: يضمنه ضمان العيب فعليه قيمته أكثر ما كانت من وقت العقد إلى وقت التلف في يديه.
وهل يلزمه أكثر ما كانت قيمته في سوقه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يضمنها كالمغصوب فعلى هذا يضمن زيادة البدن وزيادة السوق.
والثاني: لا يضمنها لأنه غير متعد بالإمساك فكانت حالة أخف من الغاصب المتعدي فعلى هذا يضمن زيادة البدن ولا يضمن زيادة السوق.
وإذا قلنا بقوله في الجديد: أن الرجوع يكون بمهر المثل فلتلفه أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون بحادث سماء فيبطل فيه الصداق ويستحق فيه مهر المثل.
والثانية: أن تستهلكه الزوجة في يد الزوج فيكون ذلك قبضًا منها ولا نهرك كمن اشترى سلعة واستهلكها في يد بائعها كان استهلاك قبضًا.
والثانية: أن يستهلكه أجنبي ففي بطلان الصداق فيه قولان مبنيان على اختلاف قوليه فيمن ابتاه عبدًا فقتله أجنبي في يد بائعه ففي بطلان البيع قولان:
أحدهما: قد بطل.
والثاني: أنه صحيح ومشتريه بالخيار.
كذلك هاهنا لأنه مضمون على متلفه فيكون في بطلانه قولان:
أحدهما: قد بطل ولها على الزوج مهر مثلا ويرجع الزوج على متلفه بالقيمة.
والقول الثاني: أنه لا يبطل وتكون الزوجة بحدوث النقص بتلفه مخيرة بين المقام والفسخ.
فإن أقامت كانت لها قيمة الصداق ترجع به على من شاءت من الزوج أو المستهلك وإن فسخت رجعت على الزوج بمهر المثل ورجع الزوج على المستهلك بالقيمة.
والحال الرابعة: أن يستهلكه الزوج فقد اختلف أصحابنا في استهلاكه هل يجري مجرى حادث سماء أو مجرى استهلاك أجنبي على وجهين:
أحدهما: أنه يجري مجرى تلفه بحادث سماء فعلى هذا يبطل فيه الصداق ويلزمه مهر المثل.
والثاني: أنه يجري مجرى استهلاك أجنبي فعلى هذا يبطل فيه الصداق أم لا؟ على ما ذكرنا من القولين:
فصل:
فأما المزني فإنه اختار قوله في الجديد أن تلف الصداق يوجب الرجوع بمهر المثل وهو اختيار أكثر أصحابنا.
غير أنه استدل من مذهب الشافعي بما لا دليل فيه وهو أنه حكي عن الشافعي في كتاب الخلع أنه أصدقها دارًا فاحترقت قبل قبضها كان لها الخيار في أن ترجع بمهر مثلها أو تكون لا العرصة بحصتها من المهر.
وهذا لا دليل فيه لن أحد قوليه وهو في القول الثاني ترجع بالقيمة.
قال المزني: وقال فيه لو خالعها على عبد بعينه فمات قبل قبضه رجع عليها بمهر مثلها كما يرجع لو اشتراه منها فمات بالثمن الذي قبضت.
وهذا أيضًا لا دليل في لأنه أحد قوليه ويرجع في القول الثاني بقيمته وليس تفريعه على أحد القولين إبطال للآخر.
والشافعي غير جميع كتبه القديمة في الجديد وصنفها ثانية إلا الصداق فإنه لم يغيره في الجديد ولا أعاد تصنيفه وإنما ضرب على مواضع منه وزاد في مواضع والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ جَعَلَ ثَمَرَ النَّخْلِ فِي قَوَاريرَ وَجَعَلَ عَلَيْهَا صَفْرًا مِنْ صَقْرِ نَخْلِهَا كَانَ لَهَا أَخْذُهُ وَنَزْعُهُ مِنَ القَوَارِيرِ فَإِنْ كَانَ إِذَا نَزَعَ فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ فِيِهِ مِنْهُ شَيء يُنْتَفَعُ يِهِ كَانَ لَهَا الخِيَارُ فِي أَنْ تَأَخُذَهُ أَوْ تأَخُذَ مِنْهُ مِثْلَهُ صَفْرِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قَيمَةٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وَلَوْ رَبَّهُ بِرَبَّ مِنْ عِنْدِهِ كَانَ لَهَا الخِيَارُ فِي أَنْ تَأَخُذَهُ وَتَنْزَعَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الرَّبُّ أَوْ تَأَخُذَ مِثْلَ إِذَا كَانَ خَرَجَ مِنَ الرَّبِّ لاَ يَبْقَى يَابِسًا بَقَاءَ الثَّمْرِ الَّذِي لَمْ (يُصبه)
الرَّبُّ أَوْ تَغَيَّرْ طَعْمُهُ ".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل أصدق امرأة نخلاً فأخذ ثمرة النخل فجذها وجعلها في قوارير وطرح عليها صقرًا.
والصقر: وهو ما سال من دبس الرطب ما لم تمسه النار.
والرطب هو: الدبس المطبوخ بالنار.
فلا يخلو حال الثمرة من أحد أمرين:
وإما أن تكون حادثة من النخل بعد الصداق أو متقدمة.
فإن كانت حادثة بعد الصداق.
فقد ملكتها لأنها نماء ملكها لأن عقد الصداق تضمنها فيكون تصرف الزوج فيها تصرقًا في غير الصداق من أموالها.
وإذا كان كذلك فالصقر على ضربين:
أحدهما: أن يكون من جملة الثمرة.
والثاني: أن يكون للزوج.
فإن كان الصقر من جملة الثمرة فلا يخلو الصقر والثمرة من أربعة:
إحداهن: أن لا ينقص الصقر ولا الثمرة بالإختلاط.
الثانية: أن ينقصا معًا بالإختلاط.
الثالثة: أن ينقص الصقر دون الثمرة.
الرابعة: أن تنقص الثمرة دون الصقر.
فإن لم ينقص الصقر بطرحه على الثمرة ولا نقصت الثمرة بطرحها في الصقر فلا ضمان على الزوج فيهما، لأنه وإن تعدى فليس لعدوانه أرش يضمن كما لو كان غاصبًا وليس بزوج.
فإن زادت قيمتها بالعمل فالزيادة للزوجة دون الزوج ولا أجرة للزوج في عمله لأنه تبرع به وتعدى فيه.
وإن نقص الصقر بطرحه على الثمرة ونقصت الثمرة بطرحها في الصقر فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون قد تناي نقصهما واستقر فللزوجة أن تأخذهما وترجع على الزوج بأرش نقصانهما ولا خيار لها في الصقر والثمرة لأنه نقص في مغصوب قد جبر بالأرش.
والثاني: أن يكون نقصهما لم يثناه ولم يستقر كلما مر عليهما وقت بعد وقت حدث فيهما نقص بعد نقص ففيه قولان كالغاصب للطعام إذا بله وكان نقصه لا يتناهى فهو على قولين كذلك هذا.
أحدهما: وهو الظاهر من منصوص الشافعي: أنه يصير كالمستهلك فيكون للزوجة أن تطالبه بمثل الثمرة إن كانت ثمرًا له مثل وبمثل الصقر إن كان سيلانًا لم تمسه النار ولا خالطه الماء وإن لم يكن لهما مثل لأن الثمرة كانت رطبًا والصقر قد مسته النار أو خالطه الماء فلها الرجوع بقيمة الصقر وقيمة الثمر.
وإن كان لأحدهما مثل وليس للآخر مثل رجعت بمثل ذي المثل وقيمة غير ذي المثل فلو رضيت الزوجة بنقصان ثمرتها وصقرها أقرت عليها ولم ترجع ببدلهما.
والثاني: وهو تخريج الربيع وهو أصح القولين عندي:
إنهما لا يصيران مع بقاء العين مستهلكين وما يحدث من النقصان فيما بعد فمظنون يجوز وربما أرادت الزوجة أكل ذلك واستهلاكه قبل نقصانه.
وإذا كان كذلك رجعت بأرش نقصها في الحال ثم كلما حدث فيهما نقص رجعت بأرشه وقتًا بعد وقت.
فإن أخذت منه أرش نقصهما في الحال وأبرأته في أرش نقصهما في ثاني حال ففي صحة براءته منه وجهان:
أحدهما: لا يصح لأنه أبرأ مما لم يجب.
والثاني: يصح ويكون الإبراء كالإذن.
وهذان الوجهان من اختلاف وجهي أصحابنا فيمن حفر بئرًا في أرض لا يملكها فأبرأه المالك من ضمان ما يقع فيها.
فهذا حكم نقص الثمرة والصقر.
فأما إن نقص الصقر دون الثمرة: فلا أخذ الثمرة ويضمن نقص الصقر على ما مضى.
وأما إن نقصت الثمرة دون الصقر فلا ضمان عليه في الصقر ويضمن نقص الثمرة على ما مضى.
فصل:
فأما الصرب الثاني: وهو أن يكون الصقر للزوج فيطرحه على ثمرة الزوجة فلا اعتبار بنقص الصقر لأنه ماله ويفعله نقص.
فأما الثمرة فلها أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون تركها في الصقر غير مضر وإخراجها منه غير مضر: فلا ضمان عليه في الثمرة وعليه إخراج صقره منها ومؤونه إخراجه عليه دونها.
والثانية: أن يكون قد تركها فيه مضرًا وإخراجها منه مضرًا فهو ضامن ويعتبر حال النقصان: فإن كان قد تناهى واستقر رد الثمرة وضمن أرش النقص وإن لم يتناه ولم يستقر، فعلى ما ذكرنا من القولين:
أحدهما: يصير كالمستهلك فيضمنها بالمثل إن كان لها مثل وبالقيمة إن لم يكن لها مثل.
والقول الثاني: يضمن أرش كل نقص يحدث في وقت بعد وقت.
والثالثة: أن يكون تركها فيه مضرًا وإخراجها من غير مضر فيؤخذ جبرًا بإخراجها منه ولا أرش عليه.
والرابعة: أن يكون تركها فيه غير مضر وإخراجها منه مضرًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون الثمرة إذا أخرجت من الصقر صلحت لما لا تصلح له الثمرة إذا كانت في الصقر فأيهما دعا إلى إخراجها منه أجيب فإن أراد الزوج أخذ صقره كان عليه نقص الثمرة على ما ذكرنا من اعتبار النقصان في التناهي وإن أرادت الزوجة إخراج ثمرتها من الصقر أخذ الزوج بإخراجها وضمن نقصانها على ما مضى.
والثاني: أن تكون الثمرة في الصقر تصلح لما لا تصلح له الثمرة إذا كانت خارجة من الصقر.
فإن أراد الزوج صقره لم يجبر على تركه وعليه إخراجه وعلي نقص الثمرة على ما مضى وإن ترك صقره عليها ففي إجبار الزوجة على قبول وجهان:
أحدهما: لا تجبر على القبول لأنها هبة غير متميزة ولها أن تأخذ الزوج بإخراج الثمرة وضمان نقصها.
والثاني: تجبر على القبول لأنه جبران نقص ودفع ضرر وليس بهبة محضة فهذا أحد شطري المسألة.
فصل:
وأما الشطر الثاني من المسألة: وهو أن تكون الثمرة موجودة على رؤوس نخلها وقت الصداق ويجعلها جميعًا صداقًا ثم يجذ الثمرة ويجعلها في الصقر على ما ذكرنا.
فهذا على ضربين أيضًا.
أحدهما: أن يكون الصقر من الثمرة.
والثاني: أن يكون للزوج.
فإن كان من الثمرة نظر فإن لم ينقص الصقر ولا الثمرة فلا غرم على الزوج ولا خيار للزوجة وإن نقص أو أحدهما: ترتب الحكم على اختلاف قولي في تلف الصداق هل يوجب غرم القيمة أو مهر المثل؟ فإن قيل بالقديم: إنه موجب للقيمة فلا خيار للزوجة لأنه نقص مضمون بجنابة وإنما يجب الخيار لهما فيما لا يضمن بالجنابة ليكون مضمونًا بالفسخ فتأخذ الصقر والثمرة وترجع بأرش نقصها إن تناهي.
وإن لم يكن قد تناهى فعلى ما مضى من القولين.
وإن قيل في الجديد: إن تلف الصداق موجب لمهر المثل فهي بالنقص الحادث في
الثمرة بالخيار بين المقام والفسخ.
وهل يكون لها الخيار بالنقص الحادث في الصقر أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لها فيه الخيار أيضًا لأنه نقص فيما هو من جملة الصداق.
والثاني: لا خيار لها لأنه وقت الصداق لم يكن صقرًا فينفسخ بنقصانه وإنما كان ثمرة صارت صقرًا زائدًا فإذا نقصت الزيادة التي لم يتضمنها الصداق لم يثبت لها خيار في الصداق اعتبارًا بنقصان الولد الحادث فإذا ثبت لها الخيار بما ذكرنا في بالخيار بين أمرين:
إما أن تقيم على الكل، وأما أن تفسخ في الكل.
فإن أقامت على الكل أخذت النخل والثمرة والصقر ولا أرش لها سواء كان النقص متناهيًا أم لا.
وإن فسخت في الكل ردت النخل والثمرة والصقر ورجعت بمهر المثل زائدًا كان أو ناقصًا.
فأما إن أرادت الفسخ في الثمرة والصقر لنقصهما والمقام على النخل فإن راضاها الزوج على ذلك جاز وإن أبي ففيه قولان من تفريق الصفقة:
أحدهما: ليس لها ذلك إذا قيل إن تفريق الصفقة لا يجوز ويقال لها: إما أن تقيمي على الكل أو تفسخي في الكل.
والثاني: يجوز لها ذلك إذا قيل إن تفريق الصفقة يجوز فتقيم على النخيل بحسابه من الصداق وقسطه وترجع بقسط ما بقي في مقابلة الثمرة من مهر المثل.
فصل:
وأما الضرب الثاني: وهو أن يكون الصقر للزوج فإن لم تنقص الثمرة بتركها فيه ولا بإخراجها منه فلا خيار لها ولا غرم عليه.
فإن نقصت كان على القديم ضامنًا لأرش نقصها ولا خيار لها وعلى الجديد لا أرش لها.
وتكون بالخيار بين الفسخ في جميع الصداق والرجوع بمهر المثل أو المقام عليه من غير أرش.
فإن أرادت الفسخ في الثمرة لنقصها والمقام على النخل فعلى ما ذكرنا من القولين في تفريق الصفقة.
فإن طالبت بمثل الثمرة الناقصة لم يكن لها ذلك سواء قبل إن تلف الصداق موجب لقيمته أو قيل إنه موجب لمهر المثل لأنه إن قيل بوجوب مهر المثل فلا وجه للمثل ولا للقيمة وإن قيل بوجوب القيمة أو مثل ذي المثل فذاك إنما يكون مع التلف كالمستهلك بالغصب.
فأما في نقصانه مع بقائه فلا حق في الرجوع بمثله كالمغصوب إذا نقص في يد غاصبه.
فإن قيل: فقد نقل المزني عند الشافعي في سواد هذه المسألة كان لها الخيار في أن تأخذه أو تأخذ مثل صقرة.
قيل: قد كان أبو حامد الإسفراييني ينسب المزني إلى السهو في نقله.
وأنه خطأ منه في الحكم لأن أصول الشافعي تدفعه على ما ذكرنا.
والذي أراه: أن نقل المزني صحيح ولم يكن منه سهو فيه ولكنه محمول على النقص الذي لا يتناهي على أحد قولي الشافعي إذا كان في الثمرة الحادثة بعد العقد أو في المتقدمة إذا قيل بالقديم إن تلفه موجب بمثل ذي المثل وقيمة غير ذي المثل فيكون عدم التناهي في نقصانه موجبًا للرجوع بمثله في أحد قولي الشافعي لأنه يجعله بعد تناهي نقصانه كالمستهلك، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَكُلُّ مَا أُصِيبَ فِي يَدَيْهِ بِفِعْلِهِ أَوْ غَيْرِه فَهّوَ كَالغَاصِبِ فِيهِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ أَمَةً فَيَطَأَهَا فَتَلدُ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخَولِ وَيَقُولُ كُنْتُ أَرَاهَا لاَ تُمْلَكُ إلاَّ نِصْفَهَا حِتَّى أَدْخَلَ فَيَقُومُ الوَلَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ سَقَطَ وَيُلُحَقُ بِهِ وَلَهَا مَهْرُهَا وَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تَسْتَرقَّهَا فَهِيَ لَهَا، وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ قِمَتَهَا مِنْهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قِيمَةٌ وَلاَ تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَإِنَّمَا جَعَلْتُ لَهَا الخِيَارَ؛ لأَنَّ الوِلاَدَةَ تُغَيِّرُهَا عَنْ حَالِهَا يَوْمَ أَصْدَقَهَا.
قَالَ المُزَنِيٌّ: وَقَدْ قَالَ: وَلَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَأَصَابَتْ بهِ عَيْبًا فَرَدَّتْهُ أَنَّ لَهَا مَهْرِ مِثْلِهَا وَهَذَا بِقَوْلِهِ أَوْلَى.
قَالَ المُزَنِيُّ: وَإِذّا لَمْ يَخْتَلِفُ أَنَّ لَهَا الرَّدَّ في البَيْعِ فَلاَ يَجُوزُ أَخْذَ قِيمَةَ مَا رَدَّتُ فِي البّيْعِ، وَإِنَّمَا تَرْجِعُ إِلَى مَا دَفَعَتْ فَإِنْ كَانَ فَائِنًا فَقيمَتُهُ.
وَكَذَلِكَ البُضْعُ عِنْدَهُ كَالمَبِيعِ الفَائِتِ وَمَمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي الخُلْع: لَوْ خَلَعَهَا بِعَبْدٍ فَأَصَابَ بِهِ عَيْبًا أَنَّهُ يَرُدُّهُ.
وَيَرْجِعُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَسًوَّى في َّلِكَ بَيْنُهُ وَبَيْنَهَا، وَهَذَا بِقَوْلِهِ أَوْلَى ".
قال في الحاوي: أما الصداق فقد ذكرنا أنه مضمون على الزوج فإن طلبته فمنعها فضمانه عليه ضمان غصب أكثر ما كان قيمة وإن لم تطلبه ففي كيفية ضمانه قولان:
أحدهما: ضمان عقد.
والثاني: ضمان غصب.
وأما النماء فإن منعها منه فهو مضمون عليه وإن لم يمنعها منه ففي ضمانه عليه قولان إلا أن يكون هو المتلف له فيلزمه ضمانه قولاً واحدًا.
فأما إذا أصدقها أمة ولم يدخل بها حتى وطئ الأمة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون عالمًا بالتحريم فالحد عليه واجب فإن أكرهها فعليه مهر مثلها وإن طاوعته ففي وجوب المهر قولان:
أصحهما: أنه لا مهر عليه لأنها قد صارت بالمطاوعة بغيًا وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي.
والثاني: وهو اختيار ابن سريج: أن المهر واجب عليه لأنه ملك لسيدها فلا يسقط ببذلها لها ومطاوعتها كما لو بذلت قطع يدها لم يسقط غرم ديتها فإن أولدها فالولد مملوك لا يلحق به لأنه ولد زنى.
فإن نقصتها الولادة والأمة في يده فنقصها مضمون عليه وفي ضمانه قولان:
أحدهما: أنه مضمون عليه بأرشه وليس له الفسخ مع بقاء العين وهذا قوله في القديم: إن تلف الصداق موجب لقيمته.
والقول الثاني: أنه مضمون عليه بخيارها في المقام أو الفسخ.
فإن أقامت أخذتها ناقصة ولا أرش لها.
وإن فسخت رجعت بمهر المثل.
وهذا على قوله في الجديد إن تلفه موجب لمهر المثل.
فإن ملك الولد لم يعتق عليه لأن نسبه غير لاحق به وإن ملك الأم لم تصر له أم ولد لأنه لم يلحق به ولدها.
والثاني: أن يكون جاهلاً بالتحريم لإسلامه حديثًا أو قدمه من بادية نائية أو يدعى شبهة أنه مالكي يعتقد أنها لم تنملك بالعقد إلا نصفها وإن نصفا باق على ملكه فهذا والجهل بالتحريم سواء في كونها شبه يدرأ بها الحد وتجب بها المهر في المطاوعة والإكراه ويلحق به الولد ويكون حرًا لأنه وطئ في شبهة ملك وعليه قيمته يوم وضعته لأنه أول أحوال تقويمه وإن كان بالعلوق قد صار حرًاز
فأما الأم: فهي على ملك الزوجة والكلام في خيارها إن حدث بها نقص على ما مضى ولا تصير له أم ولد قبل أن يملكها فإن ملكها ففي كونها أم ولد بذلك الإيلاد قولان ذكرناهما في مواضع كثيرة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَصْدَقَهَا شِقْصًا مِنْ دَاٍر فَفِيهِ الشُّفْعَةُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا؛ لأَنَّ التَّزْوِيجَ فِي عَامَّةِ حُكْمِهِ كَالبَيْعِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أصدقها شقصًا من دار ففيه الشفعة للشريك وكذلك لو خالعها على شقط من دار وجبت في الشفعة للشريك.
وقال أبو حنيفة: لا شفعة في الصداق ولا في الخلع ولا في الإجارة ولا في الصلح
وقد مضت هذه المسألة معه في كتاب الشفعة مستوفاة فأغنى ما تقدم عن الإعادة وإذا كانت الشفعة فيه واجبه فهي مستحقة للشريك بمهر المثل.
وقال مالك: بقيمة الشقص وبه قال ابن أبي ليلى وحكي نحوه عن ابي يوسف ومحمد.
والدليل على أنه مستحق بمهر المثل: أن الشقص في مقابلة البضع وليس له مثل وإذا كان الشقص مملوكًا ببدل ليس له مثل كان مأخوذًا بقيمة البدل لا بقيمة الشقص كما لو اشترى شقصًا بعبد كان مأخوذًا بقيمة العبد لا بقيمة الشقص وإذا كان كذلك فقيمة البضع هو مهر المثل فلذلك أخذه الشفيع بمهر المثل زائدًا كان أو ناقصًا، فلو أصدقها شقصًا من دار ودينارًا أخذه الشفيع بمهر المثل إلا دينارًا لأن بضعها في مقابلة شقص ودينار ولو أصدقها شقصًا وأخذ منها دينارًا أخذه بمهر المثل وبدينار لأن الشقص في مقابلة بضع ودينار.
فصل:
فلو طلقها الزوج قبل الدخول واستحق أن يرجع بنصف الصداق لم يخل حال الشقص من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون الشفيع قد أخذ بالشفعة فللزوج أن يرجع عليها بنصف قيمة الشقص كما لو باعته فعلى هذا لو كانت الزوجة قد اشترته من الشفيع أو ورثته عنه ثم طلقا الزوج كان له الرجوع بنصفه.
فإن قيل: أفليس لو وهب الأب لابنه دارًا فباعها الابن ثم اشتراها لم يكن للأب أن يرجع بها في أحد الوجهين فهلا كان الزوج هكذا؟
قلنا: الفرق بينهما أن خروج الهبة عن ملك الابن قد أسقط حق الأب في الرجوع بها لأنه لا يرجع في الهبة ولا ببدلها فلم يكن له بعد سقوط حقه من الرجوع أن يرجع با وليس كذلك الصداق لأن زوال ملك الزوجة عنه ما أسقط حق الزوج من لأنه إن لم يرجع به رجع ببلده فلذلك إذا عاد إلى ملكها رجع بنصفه.
والقسم الثاني: أن يكون الشفيع قد عفا عن الشفعة فللزوج أن يرجع بنصفه لأنه عين ما أصدق وهكذا لو كان الشفيع قد أخذه بالشفعة ثم رده عليها بعيب كان للزوج أن يرجع بنصفه.
والقسم الثالث: أن يكون الشفيع غائبًا لم يعلم بالشفعة ولا عفا عنها حتى طلق الزوج ففي أحقهما بالتقديم وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أن الزوج أحق لحضوره بالمطالبة وأن استحقاقه بنص الكتاب والإجماع فعلى هذا ترجع في نصفه ويكون للشفيع إذا قدم أن يأخذ نصفه بنصف مر المثل وليس له أن يأخذ من الزوج نصف الذي ملكه بالطلاق الذي
ملكه بالطلاق لأنه ملكه بغير عوض.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن الشفيع أحق لأنه حقه أسبق فعلى هذا يرجع الزوج عليها بنصف قيمة الشقص.
فإن قال الزوج: أنا أصبر حتى يحضر الشفيع فإن عفا أخذت نصف الشقص لم يكن ذلك لأمرين:
أحدهما: لأن حقه قد صار في القيمة.
والثاني: لأن لا تبقى ذمة الزوجة مرتهنة به.
فلو لم يأخذ القيمة حتى حضور الشفيع فعفا عن الشفعة ففي استحقاق الزوج لنصفه وجهان:
أحدهما: لا حق له فيه لأن حقه قد صار في القيمة.
والثاني: له أخذ نصفه تعليلًا بأن ذمتها تبرأ به ولكن لو أخذ الزوج القيمة ثم عفا الشفيع لم يكن للزوج فيه حق لاستيفائه لحقه والله أعلم.
مسألة:
قَالَ المُزَنِيُّ: "وَاخْتَلَفَ قَولُهُ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُهَا بِعَبْدٍ يُسَاوِي أَلِفًا عَلَى أنْ زَادَتْهُ أَلْفًا وَمَهْر مِثْلِهَا يَبْلُغُ أَلْفًا فَأَبْطَلَهُ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ وَأَجَازَهُ فِي الآخِرِ وَجَعَلَ مَا أَصَابَ قَدْرَ الأَلْفِ مِنَ العَبْدِ مَبيعًا.
قَالَ المُزَنِيُّ: أَشْبَهُ عِنْدِي بِقَوْلِهِ أَنْ لَا يُجِيزَهُ؛ لأَنَّهُ لَا يُجِيزُ البَيْعَ إِذَا كَانَ فِي عَقْدِهِ كِرَاءٌ وَلَا الكِتَابَةَ إِذَا كَانَ فِي عَقْدِهَا بَيْعٌ".
قال في الحاوي: وأصل هذه المسألة أن العقد الواحد إذا جمع عقدين يختلف حكم كل واحد منهما على انفراده كعقد جمع بيعًا وإجارة أو بيعًا وصرفًا أو بيعًا وكتابة أو بيعًا ونكاحًا ففيه للشافعي قولان ذكرناهما في كتاب البيوع:
أحدهما: أنه صحيح فيهما لأمرين:
أحدهما: أنه لما صح إفرادهما صح الجمع بينهما كالبيعتين والإجارتين.
والثاني: أنه اختلاف حكمهما لا يمنع من الجمع بينهما في عقد واحد كما لو ابتاع في عقد شقصًا يجب فيه الشفعة وعرضًا لا تجب فيه الشفعة وكما لو ابتاع عبدين أحدهما أبوه يعتق عليه الشراء والآخر أجنبي لا يعتق عليه بالشراء.
والقول الثاني: أن العقد باطل فيهما لأمرين:
أحدهما: أن العقد الواحد له حكم واحد فإذا جمع ما يختلف حكمه تنافي فيبطل كما لو قال: بعتك عبدي واشتريته منك.
والثاني: أن مقابلة العوض لهما مفض إلى جهالة العوض فيما يقابل كل واحد
منهما وإذا كان عوض العقد مجهولًا بطل.
فصل:
فإذا تقرر هذان القولان جئنا إلى تفصيل ما جمعه العقد الواحد من العقدين المختلفين فنقول:
أما إذا جمع بيعًا وإجارة فهو أن يقول بعتك عبدي هذا أو أجرتك داري هذه سنة بألف فالبيع يثبت فيه خيار المجلس بالعقد وخيار الثلاث بالشرط والإجارة لا يثبت فيها خيار الشرط واختلف أصحابنا في ثبوت خيار العقد.
والثاني: أنهما جائزان فعلى هذا ينظر قيمة العبد فإذا قيل خمسمائة نظر أجرة مثل الدار سنة فإن قيل مائة علم أن أجرة الدار من الألف سدسها وثمن العبد من الألف خمسة أسداسها.
وأما إذا جمع العقد بيعًا وصرفًا فهو أن يبيعه ثوبًا ودينارًا بمائة درهم فما قابل الثوب بيع وما قابل الدينار منها صرف والبيع لا يلزم إلا بالتفريق والصرف يبطل إن لم يتقابضا قبل التفريق.
فأحد القولين: أنه باطل فيهما ويتراجعان.
والثاني: أنه جائز فيهما ويسقط المائة على قيمتها.
وأما إذا جمع بيعًا وكتابة فهو أن يقول: بعتك عبدي هذا وكاتبتك على نجمين بألف.
فإن قيل بأن اختلاف الحكمين يبطل العقد في البيع والكتابة باطل.
وإذا قيل بأن اختلاف الحكمين لا يبطل العقد فالعقد في البيع باطل لأنه باع عبده على عبده.
وهل تبطل الكتابة أو لا؟ على قولين من تفريق الصفقة.
وأما إذا جمع بيعًا ونكاحًا فهو أن يقول قد تزوجتك واشتريت عبدك بألف فما قابل العقد بيع وما قابل البضع صداق.
فأحد القولين: أنه باطل فيهما فعلى هذا يبطل البيع من العقد ويبطل الصداق في النكاح ولا يبطل النكاح لأن فساد الصداق لا يوجب فساد النكاح ويكون لها مهر مثلها.
والثاني: أنه جائز فيهما فعلى هذا يقوم العبد.
فإذا قيل ألف: نظر مهر مثلها فإذا قيل خمسمائة على أن ثلثي الألف ثمن للعبد وثلثها صداق للزوجة فلو وجد الزوج بالعبد عيبًا فرده استرجع ثلثي الألف ولو طلقها قبل الدخول استرجع ثلثي الألف ولو طلقها قبل الدخول استرجع سدس الألف.
ولو تزوجها وأصدقها عبدًا على أن أخذ منها ألفًا فما قابل الألف من العبد مبيع وما قابل البضع منها صداق.
فأحد القولين أنهما باطلان فترد العبد وتسترجع الألف ويحكم لها بمهر المثل.
والثاني: أنهما جائزان فعلى هذا ينظر مهر المثل فإن كان ألفًا صار العبد في مقابلة ألفين:
أحدهما: صداق والأخرى ثمن فيكون نصف العبد صداقًا ونصفه مبيعًا.
فإن طلقها قبل الدخول استرجع ربعه ولو كان مهر مثلها ألفين صار العبد في مقابلة ثلاثة ألف درهم فيكون ثلثه صداقًا إن طلقها قبل الدخول استرجع ثلثه ويكون ثلث العبد مبيعًا ولم كان مهر مثلها خمسمائة صار ثلث العبد صداقًا وثلثاه مبيعًا.
فلو وجدت بالعبد عيبًا فإن رضت بعيبه في البيع والصداق أمسكته وإن أرادت الفسخ فيهما كان لها ورجعت بالثمن وهو ألف وفيما ترجع به من بدل الصداق قولان:
أحدهما: مثل المثل على قوله الجديد.
والثاني: قيمة صداقها منه من نصف أو ثلثين أو ثلث ولا يلزمها أن تأخذ ذلك القدر وأرشه في الصداق لما فيه من تفريق صفقة في معيب.
ولو أرادت حين ظهرت على عيب العبد أن ترد منه المبيع دون الصداق أو ترد منه الصداق دون المبيع ففيه قولان من تفريق الصفة الأول: يجوز.
والثاني: لا يجوز إذ تفريق الصفقة لا يجوز.
فلو تلف العبد في يدها قبل علمها بعيبه رجعت بأرش المبيع من ثمنه ومن ماذا ترجع بأرش الصداق؟ على قولين:
أحدهما: من قيمته.
والثاني: من مهر المثل.
فأما المزني فإن جعل الأولى بقولي الشافعي أن يكون العقد باطلًا فيهما واستشهد بالبيع والإجارة وبالبيع والكتابة ولا شاهد فيهما لأن كل ذلك على قولين.
وحكي عن المزني أنه ذهب إلى جواز العقد فيهما وأن جعل الأولى على قول الشافعي أن يكون باطلًا فيهما ولكلا القولين وجه قد مضى والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافعيُّ: "وَلَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَدَبَّرَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَرْجِعْ فِي نِصْفِهِ؛ لأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَكُونُ إِلَّا بإخْرَاجِهَا إِيَّاهُ مِنْ مِلْكِهَا.
قَالَ المُزَنِيُّ: قَدْ أَجَازَ الرُّجُوعَ فِي كِتَابِ التَّدبِيرِ بِغّيْرِ إِخْرَاجٍ لَهُ مِنْ مِلْكِهِ وَهُوَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ بِقَوْلِهِ أَوْلَى.
قَالَ المُزَنِيُّ: إِذَا كَانَ التَّدبِيرُ وَصِيَّةً لَهُ بِرقَبَتِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أوْصَى لِغَيْرِهِ بِرَقَبَتِهِ مَعَ أَنَّ رَدَّ نِصْفِهِ إِلَيْهِ إِخْرَاجٌ مِنَ المِلْكِ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يصدقها عبدًا فتدبره بأن تقول له: إذا مت فأنت حر
وتقول: أنت مدبر تريد به أنها إذا ماتت فهو حر فقد صار مدبرًا وللرجوع فيه قولان:
أحدهما: وبه قال في القديم وأحد قوليه في الجديد: إن التدبير كالوصايا.
ولها الرجوع فيه بالقول مع بقائه على ملكها بأن تقول: قد رجعت في تدبيرك أو أبطلته فيبطل التدبير مع بقائه على الملك كما تبطل الوصايا بالرجوع.
والثاني: وهو قوله الثاني في الجديد: إن التدبير يجري مجرى العتق بالصفات وليس لها الرجوع فيه بالقول ولها إبطاله بالفعل وهو أن تخرجه عن ملكها ببيع أو هبة فيبطل.
فإذا تقرر هذان القولان وطلقها الزوج بعد تدبيره فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون قد أبطلت تدبيره إما بالقول على القول الأول أو بالفعل على القول الثاني فللزوج أن يرجع بنصفه وهل له فيه الخيار أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا خيار له لأنه قد صار بإبطال التدبير عبدًا قنًا.
والثاني: له الخيار لأن المدبر ربما حاكم مولاته بعد إبطالها لتدبيره إلى حنفي لا يرى إبطال التدبير فيحكم عليها بالتزامه فعلى هذا يكون الزوج لأجل ذلك مخيرًا بين أخذ نصفه وبين أن تفسخ ويرجع عليها بنصف قيمته.
والثاني: أن يكون على تدبيره عند طلاق الزوج لم تبطله الزوجة بالقول ولا بالفعل ففي رجوع الزوج بنصفه ثلاثة أقاويل:
أحدها: له الرجوع بنصفه سواء قيل إن التدبير كالوصايا يجوز الرجوع فيه بالقول أو قيل إنه كالعتق بالصفات التي لا يجوز الرجوع فيه إلا بالفعل لبقاء المدبر على ملكها وإن لها وإزالة ملكها عنه مختارة بالبيع فلأن يجوز إزالة ملكها عنه جبرًا برجوع الزوج أولى.
والثاني: ليس له الرجوع بنصفه ويعدل عنه إلى بدله سواء قيل إن التدبير كالوصايا يجوز الرجوع فيها بالقول أو قيل إنه كالعتق بالصفات لا يجوز الرجوع فيه إلا بالفعل لأن الرجوع في التدبير إنما يصح إذا كان من جهة السيد المدبر لا من غيره ورجوع الزوج فيه يكون إبطالًا للتدبير من غير السيد فلم يجز.
والثالث: أنه يجوز للزوج أن يرجع بنصفه إذا قيل: إن التدبير وصية يجوز الرجوع فيها بالقول ولا يجوز له الرجوع بنصفه إذا قيل: إن التدبير عتق بصفة لا يجوز الرجوع فيه إلا بالفعل فيكون حكم الزوج في إبطاله معتبرًا بالزوجة.
فإذا تقررت هذه الأقاويل الثلاثة فإن قلنا: ليس لها الرجوع بنصفه كان له الرجوع عليها بنصف قيمته وإذا قلنا: له الرجوع بنصفه فله الخيار دونها بين المقام والفسخ لعلتين:
إحداهما: أن بقاء نصفه على التدبير نقص في قيمته.
والثاني: أنه ربما حاكم مولاته إلى حنفي يرى لزوم تدبيره.
فإن أقام فهو حقه وإن فسخ رجع عليها بنصف قيمته.
فصل:
فإما إذا كاتبته فليس للزوج الرجوع بنصفه وله الرجوع بنصف قيمته لأن الكتابة لازمة للسيد لا يجوز له إبطالها إلا بالعجز.
فعلى هذا لو لم يرجع الزوج بنصف قيمته حتى عجز المكاتب وعاد عبدًا فهل يرجع الزوج بنصفه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يرجع به لوجوده في ملكها.
والثاني: لا يرجع لأن حقه وقت الطلاق قد كان في قيمته.
ولكن لو لم يطلقها إلا بعد عجزه وعوده إلى الرق كان له الرجوع بنصفه وجهًا واحدًا.
ولو كانت الزوجة قد وهبته ورهنته ثم طلقها فإن لم تكن قد أقبضته في الرهن والهبة فالعقد فيه لم يلزم في الرهن ولا في الهبة فللزوج أن يرجع بنصفه ولها إقباض النصف الآخر في الرهن والهبة وإن كانت قد أقبضته في الرهن والهبة فقد خرج بالقبض في الهبة من ملكها فيرجع الزوج بنصف قيمته وقد صار وثيقة في حق المرتهن فلم يجز إبطال وثيقته فيرجع الزوج بنصف قيمته.
فلو لم يرجع بها حتى أفكته من رهنه ففي رجوعه بنصفه وجهان.
وهكذا لو باعته ثم ابتاعته أو وهبته ثم استوهبته كان في رجوع الزوج بنصفه وجهان.
ولو كان قد أجرته لم تمنع إجارته من رجوع الزوج بنصفه لأن عقد الإجارة على منفعته ورقبته باقية على ملكها فيكون الزوج لنقص الإجارة بالخيار بين الرجوع بنصفه والتزام الإجارة إلى انقضاء مدتها.
وبين العدول عنه إلى الرجوع بنصف قيمته.
ولو باعته بخيار ثلاثة أيام لهما أولها دونه ثم طلقها الزوج ففي رجوعه بنصفه وجهان:
أحدهما: يرجع به لأن بيعه لم يلزم فصار كالهبة إذا لم تقبض.
والثاني: لا رجوع له به لأن فسخه في مدة الخيار لا يستحقه غير المالك المختار، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَوَجَدَه حُرًّا فَعَلَيْهِ قَيمَتُهُ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا غَلَطٌ وَهُوَ يَقُولُ لَوْ تَزَوَّجَهَا بِشَيءٍ فَاسْتَحَقَّ رَجَعَتْ إِلَى إِلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَلَمْ تَكُنْ لَهَا قِيمَتُهُ لأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكُهُ فَهِيَ مِنْ مِلْكِ قِيمَةِ الحُرَّ أَبْعَدُ".
قال في الحاوي: وصورتها: أن يصدقها عبدًا فيبين العبد حرًا أو مستحقًا فهو
صداق باطل لا يتعلق لها برقبة الحر ولا بذمته حق.
وحكي عن الشعبي والنخعي أن الحر رهن في يدها على صداقها حتى يفك نفسه أو يفكه الزوج.
وهذا خطأ قبيح لأن ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه.
وإذا كان كذلك ففيما ترجع به الزوجة قولان:
أحدهما: بقيمته لو كان عبدًا مملوكًا.
والثاني: بمهر مثلها واختار المزني واستشهد له بالمستحق ولا دليل فيه لأن كلاهما على قولين:
ولكن لو قالت لها وقت العقد قد أصدقتك هذا الحر كان لها مهر مثلها قولًا واحدًا لأن علمها بحريته يمنع من استحقاقه أو الرجوع إلى قيمته أن لو كان عبدًا.
ولو أصدقها خلًا فبان خمرًا، قال أصحابنا: ترجع عليه بمهر المثل قولًا واحدًا لأن الخمر ليس في الخل مثل فيرجع إلى قيمته أن لو كان خلًا وليس كالحر لأن له في العبيد مثل فجاز أن يرجع إلى قيمته أنه لو كان عبدًا.
ولو أصدقها عبدًا موصوفًا في الذمة جاز كالسلم ولزمه تسليم عبد على تلك الصفة.
ولو أصدقها عبدًا غير موصوف كان صداقًا باطلًا لجهالته ورجعت بمهر مثلها قولًا واحدًا لأنه لم يتعين لها عبد ترجع بقيمته.
وحكي في القديم جوازه عن مالك وأن لها عبدًا وسطًا فمن أصحابنا من خرجه قولًا ثانيًا وأنكره سائرهم وقالوا: قد تكلم الشافعي على إبطاله بالجهالة.
ولو تزوجها على صداق مؤجل صح إن ذكر مدة الأجل وإن لم يذكرها كان باطلًا وقال أبو عبيد: يصح ويكون حالًا.
وقال الشعبي: يصح ويكون أجله إلى وقت الطلاق.
وقال الأوزاعي: يصح ويكون أجله إلى سنة وهذا فاسد لأن جهالة الأجل كجهالة المقدار فيكون لها مهر مثلها قولًا واحدًا كما يكون لها مهر المثل في جهالة المقدار.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وّإِذَا شَاهَدَ الزَّوْجُ الوَليَّ وَالمَرْأَةَ أَنَّ المَهْرَ كّذَا وَتُعْلِنُ أَكُثَرَ مِنْهُ فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ فِي مَوْضَعِ السِّرِّ.
وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: العَلَانِيَةُ: وَهَذَا أَوْلَى عِنْدِي لأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى العُقُودِ وَمَا قَبْلَهَا وَعْد".
قال في الحاوي: وصورتها: أن ينكح امرأة في السر على صداق قليل ثم ينكحها في العلانية على صداق كثير.
فقد (حكى) المزني عن الشافعي أنه قال في موضع: "إن الصداق صداق السر".
وقال في موضع آخر: "إن الصداق صداق العلانية" فكان المزني وطائفة من أصحابنا يخرجون اختلاف نصه في الموضعين على اختلاف قولين:
أحدهما: أن الصداق صداق السر لتقدمه.
والثاني: وهو اختيار المزني أن الصداق صداق العلانية لتعلق الحكم بظاهره.
وامتنع سائر أصحابنا من تخريج ذلك على قولين وجعلوه محمولًا على اختلاف حالين.
فالموضع الذي جعل الصداق فيه صداق السر دون العلانية إذا عقداه سرًا بولي وشاهدين ثم أعلناه تجملًا بالزيادة وإشاعة للعقد لأن النكاح هو الأول المعقود سرًا والثاني لا حكم له.
والموضوع الذي جعل الصداق فيه صداق العلانية إذا تواعدا سرًا وأتماه سرًا بغير ولي وشاهدين ثم عقداه علانية بولي وشاهدين لأن الأول موعد والثاني هو العقد فلزم ما تضمنه العقد دون الوعد.
وهذا أصح من تخريج ذلك على قولين:
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ عٌقِدَ عَلَيْهِ النِّكَاحُ بِعِشْرِينَ يَوْم الخَمِيسِ ثُمَّ عُقِدَ عَلَيْهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِثَلَاثِينَ وَطَلَبَهُمَا مَعًا فَهُمَا لَهَا؛ لأَنَّهُمَا نِكَاحَان.
قَالَ المُزَنًِّي رَحِمَهُ اللهُ: لِزَّوْجِ أَنْ يَقُولَ: كَانَ الفِرَاقُ فِي النَّكَاحِ الثَّانِي قَبْلَ الدُّخُول فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا مَهْرٌ وَنِصْفٌ فِي قِيَاشِ قَوْلِهِ".
قال في الحاوي: إذا ادعت المرأة على زوجها أنه نكحها يوم الخميس على صداق عشرين، وشهد لها شاهدان، وادعت عليه أنه نكحها يوم الجمعة على صداق ثلاثين، وشهد لها شاهدان، فلا فرق بين أن يكون شاهدا الأول هما شاهدا الثاني، أو يكون غيرهما ولا فرق بين أن يختلف الصداقان أو يتساويا فإننا نحكم بالشهادتين ويثبت بهما النكاحين ويلزم بهما الصداقين لأن لهما في الصحة وجهًا ممكنًا وهو أن يتزوجها في يوم الخميس ثم يخالعها بعد الدخول أو يطلقها قبله ثم يتزوجها يوم الجمعة.
فلو طالبته بالصداقين فادعى الزوج أنهما نكاح واحد أسراه في يوم الخميس بالشاهدين الأولين وأعلناه في يوم الجمعة بالشاهدين الآخرين فهذا محتمل.
فإن كان عند الشاهدين من ذلك علم شهدا به عمل عليه وجعل ذلك نكاحًا واحدًا وحكم فيه بصداق واحد.
وإن لم يكن عند الشهود من ذلك علم وأنكرته الزوجة فالقول قولها مع يمينها لأن الظاهر معها ودفعنا ما احتمله قول الزوج بيمينها.
فأما المزني فإنه قال: للزوج أن يقول طلقتها في النكاح الأول قبل الدخول فلا يلزمه إلا مهر ونصف.
وهذا صحيح غير أنه لا ينبغي للحاكم أن ينبه عليه.
فإن ابتدأ به وقاله قيل قوله مع يمينه لأن قول الزوج في إنكار الدخول مقبول وسواء ادعى عدم الدخول في النكاح الأول أو في النكاح الثاني.
وهكذا لو ادعى أنه لم يدخل بها في النكاحين معًا كان قوله مقبولًا مع يمنيه ولا يلزمه من كل واحد من المهر إلا نصفه.
ولو ادعى الزوج أنها ارتدت في النكاح الأول قبل الدخول فسقط جميع مهرها وأنكرته فالقول قولها مع يمينها ولها المهر لأن الأصل أنها على دينها لم ترتد عنه.
وعلى قياس ما ذكرنا في النكاح من البيوع أن يقول الرجل: بعتك عبدي يوم الخميس بمائة ويشهد له شاهدان ثم يقول: وبعتكه في يوم الجمعة بمائتين ويشهد له شاهدان فيحكم له بالثمنين ثلاثمائة درهم فإن ادعى المشتري أنهما بيع واحد أحلفنا له البائع.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَصْدقَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ أَلْفًا قُسِّمَتْ عَلَى قَدْرِ مُهُورِهِنَّ كَمَا لَوِ اشْتَرَى أَرْبَعَةَ أَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ فِي صَفْقَةٍ فَيَكُونُ الثَّمَنُ مَقْسُومًا عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: نَظِيرُهُنَّ أَنْ يَشْتَرِي مِنْ أَرْبَع نِسْوَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَبْدًا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَتَجْهَلُ كُلُّ وَاحِدةٍ مِنْهُنَّ عَبْدِهَا كَمَا جَهِلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَهْرَ نَفْسِهَا وَفَسَادُ المَهْرِ بِقَوْلِهِ أَوْلَى".
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل تزوج أربع زوجات في عقد وأصدقهن ألفًا فإن بين منها مهر كل واحدة منهن صح النكاح والمهر وإن لم يبين فالنكاح صحيح وفي المهر قولان.
وهكذا لو خالع أربع زوجات في عقد بألف صح الخلع وفي صحة البدل قولان.
ولو كاتب أربعة عبيد له في عقد بألف إلى نجمين ففي أصل الكتابة قولان.
فيكون القولان في بدل النكاح والخلع مع صحة النكاح والخلع والقولان في الكتابة في أصلها لأن فساد البدل في الكتابة مبطل لها وليس فساد البدل في النكاح والخلع مبطلًا لهما.
أحد القولين في ذلك صحيح ووجهه شيئان:
أحدهما: أن تزويجه بأربع في عقد على صداق ألف كابتياعه أربعة أعبد في عقد بألف وذلك يجوز إجماعًا فكذلك يجوز هذا حجاجًا.
والثاني: أنه معقود بما يعلم به مهر كل واحدة منهن في ثاني حال بأن يقسط الألف على مهور أمثالهن وإن كان مجهولًا في الحال قلم يمنع ذلك من الصحة كما لو اشترى صبرة طعام كل قفيز بدرهم صح البيع وإن جهل الثمن في الحال لأنه معقود بما يصير معلومًا في ثاني حال.
والقول الثاني: وهو الأصح اختاره المزني كل ذلك باطل ووجهه شيئان:
أحدهما: ذكره أصحابنا وهو مهر كل واحدة منهن من الألف مجهول في حال العقد فلم يصح وإن أمكن العلم به من بعد العقد كما لو تزوج كل واحدة منهن على انفرادها بقسط مهر مثلها من الألف لم يجز على الانفراد فكذلك مع الاجتماع.
والثاني: ذكره المزني أن تزوجه لهن بالألف كابتياعه أربعة أعبد منهن بألف وهو في البيع باطل.
فكذلك في الصداق باطل لأن ما بطل به أحدهما من الجهالة بطل به الآخر فاختلف أصحابنا فيما ذكره المزني.
فكان أبو العباس بن سريج يخرج هذا البيع على قولين كالصداق والخلع والكتابة ويسوي بين الجميع فعلى هذا لا يكون فيه دليل.
وقال أبو إسحاق المروزي وأبو سعيد الإصطخري وهو قول الأكثرين من أصحابنا أنه باطل قولًا واحدًا وإن كان الصداق على قولين ومزقوا بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه لما لم يبطل النكاح بفساد الصداق لم يبطل الصداق بالجهالة به وقت العقد.
والثاني: أن المقصود من البيع الثمن فجاز أن يبطل بالجهالة به وقت العقد وليس المقصود من النكاح الصداق فجاز أن يصح وإن كان مجهولًا وقت العقد إذا انتفت عنه الجهالة من بعد.
فأما توجيه القول الأول بأن تزويجهن على صداق ألف كابتياع أربعة أعبد من رجل بألف فغير صحيح لأن العقد إذا كان في كل واحد من جهتيه عاقدًا واحدًا كان عقدًا واحدًا وإذا كان في أحد جهتيه عاقدان كان عقدين.
ألا ترى لو اشترى رجل من رجلين عبدًا ووجد بالعبد عيبًا كان له رد نصف العبد على أحدهما دون الآخر ولو اشتراه من واحد لم يكن له لأن شراءه من اثنين يكون عقدين ومن الواحد يكون عقدًا واحدًا كذلك إذا تزوج أربعًا بألف كانت أربعة عقود فبطل البدل للجهالة ببدل كل عقد ولو اشترى أربعة أعبد من رجل بألف كان عقدًا واحدًا فلم يبطل لأن الثمن فيه واحد معلوم.
وأما اعتبار ذلك بالصبرة من الطعام فالفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن ثمن أجزاء الصبرة معلوم فصار جميع الثمن به معلومًا وليس كذلك مهور الأربع.
والثاني: أن ما ينتهي إليه العلم بثمن الصبرة تحقق فصار الثمن به معلومًا وما ينتهي
إليه العلم بمهر مثل كل واحدة منهن تقريب لأنه عن اجتهاد يختلف فيه المجتهدون فصار المهر مجهولًا.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من توجيه القولين:
فإذا قلنا ببطلان الصداق كان لكل واحدة منهن مهر مثلها.
وإذا قلنا بصحته قسمت الألف على مهور أمثالهن وكان لكل واحدة منهن قسطًا من الألف.
مثاله: أن يكون مهر مثل واحدة ألفًا ومهر الثانية ألفين ومهر الثالثة ثلاثة آلاف ومهر الرابعة أربعة آلاف: فنجعل الألف المسماة مقسطة على عشرة آلاف لأنها في مقابلتها فتكون التي مهر مثلها ألف عشر الألف وذلك مائة درهم وللتي مهر مثلها ألفان خمس الألف وذلك مائتا درهم وللتي مهر مثلها ثلاثة آلاف ثلاثة أعشار الألف وذلك ثلاثمائة درهم وللتي مهر مثلها أربعة آلاف خمسا الألف وذلك أربعمائة درهم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَوْ أَصْدَقَ عَنِ ابْنِهِ وَدَفَعَ الصَّدَاقَ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ طَلَّقَ فَلِلابْنِ النَّصْفُ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لَهُ فَقَبَضَهُ".
قال في الحاوي: وأصل هذه المسألة أن الأب إذا زوج ابنه الصغير لم يحل ما أصدق زوجته عنه من أن يكون معينًا أو في الذمة.
فإن كان معينًا كعبد جعله صداقًا لزوجته فهو صداق جائز سواء كان العبد للابن أو للأب إلا أنه إن كان للأب كان ذلك هبة للابن وإن كان في الذمة: فلا يخلو الابن من أن يكون موسرًا أو معسرًا فإن كان موسرًا وجب الصداق في ذمته ولا يتعلق بذمة الأب إلا أن يصرح بضمانه وإن كان الأب معسرًا ففي الصداق قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم: أنه لازم للأب لأن قبوله النكاح ولده مع علمه بإعساره التزام منه لموجبه.
والثاني: وهو قوله في الجديد: أنه لازم للابن دون الأب لأن الابن هو المالك للبضع فوجب أن يكون هو الملتزم بما في مقابلته من الصداق.
فعلى هذا إذا قلنا بقوله في الجديد: إن الصداق لازم للابن فهو المأخوذ به في الصغر والكبر دون الأب.
وإذا قلنا في القديم: إنه لازم للأب فقد اختلف أصحابنا هل يلتزمه الأب التزام
تحمل أو التزام ضمان؟ على وجهين:
أحدهما: التزام تحمل فعلي هذا يكون الابن بريئًا منه ولو أبراء الابن منه لم يبرأ الأب.
والثاني: التزام ضمان فعلي هذا يكون ثابتًا في ذمة الابن وإن أبراء منه برئ الأب.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا وطلق الابن زوجته قبل الدخول فقد ملك بالطلاق نصف الصداق وإذا كان كذلك فلا يخلو الصداق من أحد أمرين:
إما أن يكون من مال الابن أو مال الأب.
فإذا كان من مال الابن فحكمه فيه كحكمه لو تزوج بالغًا ثم طلق قبل الدخول على ما مضى.
وإن كان من مال الأب: فلا يخلو ماله من أحد أمرين:
وإما أن يكون قد سلمه إلى الزوجة قبل طلاقها أو لم يسلمه إليها فإن كان قد سلمه إليها: فقد ملك الابن نصفه دون الأب, لأنه مملوك بالطلاق فأقتضى أن يكون ملك المطلق دون غيره.
فعلى هذا: إذا استرجع الابن نصف الصداق فلا يخلو حاله من أحد أمرين إما أن يسترجعه بعينه أو يسترجع بدله.
فإن استرجع بدله لتلفه في يدها فليس للأب أن يرجع به على الابن لأنه غير العين التي وهبها.
وإن استرجع الابن ما دفعه الأب بعينه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الصداق معينًا وقت العقد كعبد أو ثوب جعله صداقًا عن الابن ففي رجوع الأب به على الابن وجهان مبنيان على اختلاف وجهي أصحابنا في الأب إذا وهب لابنه مالاً فخرج عن ملكه ثم عاد إليه هل للأب أن يرجع به أم لا؟ على وجهين: كذلك هاهنا لأنها هبة للأب صارت إلى الزوجة ثم عادت إلى الابن.
والثاني: أن يكون الصداق في الذمة فدفعه الأب إلى الزوجة فرجع الأب به على الابن إذا عاد إليه بطلانه مبني على اختلاف قوليه هل كان لازمًا للأب أم لا؟
فإن قلنا: كان لازمًا للأب لم يكن له الرجوع به سواء قبل: إنه يلزمه تحملاً أو ضامنًا لأنه دفع واجبًا عليه فخرج عن حكم الهبات.
وإن قلنا: إنه كان لازمًا للابن صار كالصداق المعين فيكون للأب به وجهان: وإن كان الأب سلم الصداق إلى الزوجة حتى طلقت فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون الصداق معينًا فللزوجة نصفه والنصف الآخر يعود إلى الأب دون الابن لأنها هبة من الأب لم يقبضها فلذلك لم يملكها الابن عليه.
والثاني: أن يكون في الذمة.
فإن قيل: إنه لازم للأب لزوم ضمان فقد برئ الأب من نصف لأن الابن قد برئ منه بطلاقه وبراءة المضمون عنه توجب براءة الضامن.
وإن قيل: إنه لازم للأب لزوم تحمل ففي براءته منه وجهان من اختلاف الوجهين في المعين هل للأب أن يرجع به على الابن أم لا؟ فإن ثيل: إنه لو كان معينًا رجع به على الابن برئ الأب منه إذا كان في الذمة.
وإن قيل: لو كان معينًا لم يرجع به لم يبرأ منه إذا كان في الذمة وكان للأب مطالبته به.
فصل:
وإذا تزوج الابن بعد كبره وقضي الأب عنه صداق زوجته وطلق الابن قبل الدخول رجع بنصف الصداق الذي قضاه الأب عنه من ماله ثم ينظر في قضاء الأب للصداق.
فإن كان بإذن ابنه فهو في الحكم الهبة وهل للأب أن يرجع به على الابن إذا وجده بعينه أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين:
وإن كان الأب دفع ذلك دفع بغير إذن الابن فهو خارج عن حكم الهبة إلى حكم الإبراء
والإسقاط لأن الابن بالغ لا يصح أن ينوب الأب عنه في قبول هبة ولا قبضها.
فعلى هذا ليس للأب أن يرجع بها وجدها بعينها وجهًا واحدًا.
مسألة:
قَاَلَ الشَّافعِيُّ: "وَإِذَا تَزَوُّجَ المُوَلَّى عَلَيْهِ بِغِيْرِ أَمْرِ وَلِيِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجِيزَ النَّكَاحَ وإِنْ أَصَاَبَهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا ولَا شَيْء تَسْتَحِلِّ بِهِ إِذَا كُنْتُ لَا أَجْعَلُ عَلَيْهِ فِي سِلْعةٍ يَشْتَرِيهَا فَيُتْلِفُهَا شَيْئًا لَمْ أَجْعَلْ عَلَيْهِ بَالإِصَابَةِ شَيْئًا".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن المولى بالسفه لا يجوز أن يتزوج بغير إذن وليه لأن وقوع الحجر عليه قد منعه من التصرف في العقود فإن تزوج فالنكاح باطل فإن لم يدخل بها فرق بينهما ولا أرش عليه وإن دخل بها فلا حدّ علية لمكان الشبهة فإن جاءت بولد لحق به.
فأما المهر فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون قد أكرهها على نفسها فعليه مهر مثلها لأن إكراهه لها كالجناية منه يضمن بها.
والثاني: أن تطاوعه من غير إكراه ففي وجوب المهر عليه قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضوع أنه لا مهر عليه لأن الحجر قد أبطل ذمته في الحقوق كما لو اشترى سلعة واستهلكها لم يضمن قيمتها.
والثاني: قاله في القديم: أن عليه مهر مثلها لأن البضع لا ينتهك إلا بمهر في الشبهة أو حد في الزنا فلما سقط الحد وجب المهر وخالف السلع في البيوع لأنها تملك بالإباحة ولا يملك البضع بالإباحة فإذا تقرر هذان القولان:
فقد اختلف أصحابنا في موضوع القولين:
فذهب البصريون منهم إلى أنهما مع جهلهما بسفهه وثبوت حجره فإن وجوب مهرها عليه يكون علي قولين فأما إذا كانت عالمة بسفهه وحجره فلا مهر لها عليه قولاً واحدًا لأن في تمكينها مع العلم بحاله إبراء له.
وقال البغداديون منهم بل القولان مع العلم بحاله مع الجهل بها في أن مهرها على قولين لأنه غرم يعتبر بفعله فعلى هذا إن أوجبنا عليه المهر أخذ من ماله في الحال ولم ينظر به فكاك الحجر إلا أن يكون معسرًا فينظر به إلى وقت يساره وإن أسقطنا عليه المهر فلا شيء عليه في الحال ولا بعد فكاك حجره في الحكم.
وهل عليه فيما بينه وبين الله تعالى بعد فكاك حجره أن يدفع إليها ما يصير البضع مستباحًا به أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا شيء عليه لأنه فعل ظاهر فإذا لم يلزمه به حق في الظاهر ولم يلزمه في الباطن.
والثاني: عليه فيما بينه وبين الله تعالى ما يستحل به البضع لأن لا يكون مستبيحًا لبضعها بغير بذل فعلى هذا فيما يلزمه وجهان:
أحدهما: مهر مثلها لأنه قيمة مستهلك عليها.
والثاني: أن يستطيب نفسها بما يصير البضع مستباحًا به من غير تقدير مهر المثل ما لم يزد على مهر المثل لقوله صَلًّى الله عليه وسلم: "فلها المهر بما استحل من فرجها" ولأن لا يشارك رسول الله صَلًّى الله عليه وسلم فيما خص به من استباحة الموهوبة بغير مهر, والله أعلم.
باب التفويض
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: "التَّفْوِيضُ الَّذِي مَنْ تَزَوَّجَ بِهِ عُرٍفَ أَنَّهُ تَفْوِيضُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ الثَّيِّبَ المَالكَةَ لأَمْرِهَا بِرِضَاهَا وَيَقُولَ أَتَزَوَّجُكِ بِغَيْرِ مَهْرٍ فَالنَّكَاحُ فِي هّذَا ثَابِتُ".
قال في الحاوي: أما التفويض في اللغة: فهو التسليم يقال: فوضت أمري إلى فلان أي سلمت أمري إليه ووكلته إلى تدبيره ومنه قوله تعالي: ﴿وأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ﴾ [غَافر:44] أي أستسلم إليه.
وقال الشاعر:
لَاَ يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ ولَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
أي: لا يصلحون إذا كان أمرهم مقوضًا لا مدبر لهم.
والتفويض في النكاح: أن تنكح المرأة نفسها بغير مهر فمن منع النكاح بغير ولي قال: امرأة مفوضة بفتح الواو ومن أجازه بغير ولي قال: مفوضة بكسر الواو.
والتفويض ضربان:
أحدهما: تفويض البضع.
والثاني: تفويض المهر.
فالتفويض البضع: فهو أن يتزوج الرجل المرأة الثيب من وليها بإذنها ورضاها على أن لا مهر لها فهذا نكاح التفويض لأنها سلمت نفسها بغير مهر وهو نكاح صحيح ثابت لما دللنا عليه من قول الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: 236] ومعناه ولم تفرضوا لهن فريضة فأقام "أو" مقام "لم" على وجه البدل مجازًا.
وقال بعض أهل العربية: في هذا الكلام حذف وتقديره: فرضتم أو لم تفرضوا لهن فريضة.
والفريضة: المهر المسمى سمي فريضة لأنه فرضه لها بمعنى أوجبه لها كما يقال: فرض الحاكم النفقة إذا أوجبها فلما رفع عنه الجناح وأثبت فيه الطلاق دل على صحته.
ولأن المقصود من النكاح التواصل بين المتناكحين والمهر تبع بخلاف البيع الذي مقصوده ملك الثمن والمثمن فبطل النكاح بالجهل بالمتناكحين لأنه مقصود ولم يبطل بالجهل بالمتابعين لأنه غير مقصود وإذا صح نكاح التفويض بما ذكرنا لم يجب للمفوضة بالعقد مهر لاشتراط سقوطه دلالها أن تطالب بمهر لأنه لم يجب لها بالعقد مهر ولكن لها أن تطالب بأن يفرض لها مهرًا إما بمراضاة الزوجين أو بحكم الحاكم فيصير المهر بعد الفرض كالمسمى في العقد أو أن يدخل الزوج بها فيجب لها بالدخول مهر.
فإن مات عنها قبل الدخول ففي وجوب المهر قولان على ما سنذكره فيصير المهر مستحقًا بأحد أربعة أمور:
إما بأن يفرضاه عن مراضاة وإما بأن يفرضه الحاكم بينهما وإما بالدخول بها وإما بالموت على أحد القولين:
فإن قيل: فلم فرضتم لها مهرًا وقد شرط أن ليس لها مهر؟
قيل: لتخرج عن حكم الموهوبة بغير مهر, التي خص بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم, ويكون الشرط محمولًا على أن لا مهر لها بالعقد.
فإن قيل: فلو نكحها على أن لا مهر لها بحال؟
قيل: في النكاح حينئذٍ وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: إن النكاح باطل لأن التزام هذا الشرط يجعلها كالموهوبة التي جعل النبي صلى الله عليه وسلم بها مخصوصًا.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: إن النكاح صحيح والشرط باطل لأن شروط المهر لا تؤثر في عقود المناكح.
فصل:
فأما إذا فوض مهرها فتزوجها ولم يسم لها في العقد مهرًا ولا شرط فيه أن ليس لها مهر فقد اختلف أصحابنا هل يكون نكاح تفويض أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول إسحاق المروزي: إنه ليس بنكاح تفويض لعدم الشرط في سقوط المهر ويكون مهر المثل مستحقًا بالعقد.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: إنه نكاح تفويض لأن إسقاط ذكره في العقد كاشتراط سقوطه في العقد فعلى هذا لا مهر لها بالعقد إلا أن تتعقبه أحد ما ذكرناه من الأمور الأربعة.
فهذا حكم التفويض إذا كان عن إذنها.
فصل:
فأما إذا فوض الولي بغير إذنها, فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون الولي ممن لا ينكح إلا بإذن كسائر الأولياء مع الثيب وغير الأب مع البكر فإن لم يستأذنها في النكاح ولا في التفويض كان النكاح باطلا فإن استأذنها في النكاح ولم يستأذنها في التفويض صح النكاح وبطل التفويض وكان لها بالعقد مهر المثل.
والثاني: أن يكون الولي ممن يصح أن ينكح بغير إذن كالأب مع البكر فالنكاح صحيح بغير إذنها فأما صحة التفويض بغير إذنها فمعتبر باختلاف قوليه في الذي بيده عقدة النكاح.
فإن قيل: إنه الزوج دون الأب بطل تفويض الأب.
وإن قيل: إنه الأب ففي صحة تفويضه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: إنه باطل ولها بالعقد مهر المثل.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إنه صحيح كالعقود وليس لها بالعقد مهر.
فصل:
فأما السيد إذا فوض نكاح أمته صح وإن لم يأذن في التفويض لأن المهر له دونها فلو فرض لها المهر قبل الدخول وبعد أن باعها أو أعتقها ففي مستحق المهر وجهان:
أحدهما: هي إن أعتقت ومشتريها إن بيعت لأن مهرها لم يجب بالعقد وإنما وجب بالفرض بعد زوال الملك.
والثاني: أنه للسيد المنكح لأن سبب استحقاقه كان في ملكه.
فأما تفويض المهر فسيأتي والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْر مِثْلِهَا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح المفوضة لنكاحها إذا وطئها الزوج فلها مهر المثل لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" فلها المهر بما استحل من فرجها" ولتخرج بالتزام المهر مما خص به نبي الله من نكاح الموهوبة بغير مهر ومن حكم الزنا الذي لا يستحق فيه مهر فإن قيل: فهلا كان التفويض إبراء من المهر فلا يجب لها بالدخول مهر؟
قيل: الإبراء إنما يصح مما وجب وهذا مهر وجب بالدخول فلم يصح الإبراء منه بالعقد.
فإن قيل: أفليس لو بذلت له يدها فقطعها لم يلزمه ديتها وهو إبراء قبل الوجوب فهلا إذا بذلت له بضعها صح أن يكون إبراء قبل الوجوب؟
قيل: الفرق بينهما أن إذنها يقطع اليد نيابة عنها لأنه يصح منها أن تتولى قطع يدها بنفسها فصارت كالقاطعة ليدها بنفسها فلذلك سقط عنه الغرم وليس البضع كذلك لأنه لا يصح منها الاستمتاع ببضع نفسها فصار الزوج مستمتعًا به في حق نفسه لا في حقها فلذلك لم يبرأ بالإذن من مهرها.
فإن قيل: فهلا وجب بهذا التعليل مهر الزانية على الزاني؟
قيل: لأن الزنا مغلظ بالحد ليكون زاجرًا عنه فغلظ بسقوط المهر ولو وجب لها المهر بالزنا لدعاها ذلك لفعل الزنا فحسمت هذه الذريعة بسقوط المهر كما حسمت بوجوب الحد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ:" وَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى طَلَّقَهَا فَلَهَا المُتْعَةُ.
وَقَالَ فِي القَدِيمِ: بَدَلًا مِنَ العُقْدَةِ".