[ق 112 ب] عِندَ العَامةِ)).
وهذا كما قال: قد ذكرنا أنه يعتبر معرفة الكيل, فإن عينا مكيالاً مجهولاً مقداره مثل القصعة ونحوها لا يجوز؛ لأنه ربما يتلف فلا يتوقف على مقداره, وفي بيع العين الجوز؛ لأنه في الحال مكيل كما لو اشترى صبرة جزافًا جاز.
فرع آخر
لو عين بذراع اليد لا يجوز, لأنه يختلف من الناس, ولو قال: بذراعي هذا, فمن أصحابنا من قال: يجوز لتعينه ولانتفاء الجهالة عنه وهذا غلط.
مسألة:
قَالَ: ((وَيَكُونِ المُسَلمُ فِيهِ مَأمُون الانقِطَاعُ فِي مَحَلهِ)).
وهذا كما قال: من شرط صحة السلم أن يكون المسلم فيه موجودًا عامًا يؤمن معه الانقطاع ليكون مقدورًا على تسليمه, فإذا اسلم في رطب بغدادي أو واسطي لا ينقطع ذلك في العادة, فينبغي أن يجعل المحل وقتًا يتسع فيه الرطب في العادة ولا يضيق, فلو جعل المحل أول ما يدرك الثمار أو آخر ما يدرك لا يجوز؛ لأنه يوجد نادرًا في ذلك الوقت, وربما يتعذر تسليمه.
فرع
هل يشترط ذكر موضع التسليم؟ قال أصحابنا: قال الشافعي رحمه الله في موضع: ((وأحب أن يذكر موضع التسليم)), ولا يعرف موضعه, وقال في ((الأم)): لابد من ذكره.
واختلف أصحابنا فيه على طرقٍ:
أحدهما: هو على حالين, فإن كانا في سفر أو بادية فذكره شرط.
وفيه [ق 113 أ] وجه آخر لا يشترط ويسلمه في أقرب مكان يصلح للتسليم, وإن كان في قرية أو بلدة فليس بشرط ولكن إن عين الموضع جاز, وإن لم يعين انصرف الإطلاق إلى موضع ذلك العقد.
والثاني: إن كان في بادية أو صحراء لابد من ذكره؛ لأن ذلك الموضع لا يصلح للقبض, وإن كان في بلدة أو قرية فيه وجهان:
أحدهما: أنه يشترط؛ لأنه ربما يتغير ذلك الموضع.
والثاني: لا يشترط؛ لأن الغالب صلاح ذلك الموضع للتسليم.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.
والثالثة: إن كان لحمله مؤنة يجب ذكره, وإن لم يكن لحمله مؤنة لم يجب.
وبه قال أبو حنيفة, وهو اختيار القاضي الطبري.
قال في ((الأم)) في ((السلف في الحنطة)): ((ويصف الموضع الذي يقبضها فيه والأجل الذي يقبضها إليه, فإن ترك شيئًا من هذا لم يجز)).
ثم قال: فكلما كان لحمله مؤنه يختلف العوض فيه فيجب شرطه بخلاف ما إذا لم يكن لحمله مؤنه لا يجب, وإن كان مؤنه فقولان: وهذا كله إذا كان مؤجلاً فإن كان السلم حالاً لا يحتاج إلى شرطه ويجب تسليمه في موضع العقد؛ لأن وجوبه فيه.
فرع آخر
لو شرط موضعًا فصار مخوفًا لا يلزمه قبوله فيه, وليس له تكليفه النقل على مكان آخر.
وقيل له: إما أن تصبر أو تأخذ هناك.
فرع آخر
إذا قلنا لا يجب ذكره [ق 113 ب] فإن ذكره في غير موضع لا يبطل السلم.
وقال أحمد: يبطل في رواية؛ لأنه شرط ما لا يقبضه بالإطلاق وفيه غرر؛ لأنه ربما يتعذر تسليمه في ذلك المحل.
وهذا غلط لأنه لو كان تعيينه بالمكان غررًا لكان تعيينه بالزمان غررًا, وأجمعنا على خلافه.
وعلى هذا لو أسلم حالاً وقلنا لا يعتبر ذكر مكان التسليم تعين مكانًا جاز؛ لأنه يحتمل التأجيل فيقبل تأخير التسليم للإحضار في موضع بخلاف ما لو باع عينًا لا يعتبر تعيين مكان التسليم.
ولو عينا مكانًا يسلم فيه بطل, لأن الأعيان لا تقبل التأجيل فلا يحتمل شرطًا يتضمن تأخير التسليم؛ وإن عين مكان تسليم الثمن في البيع إن كان الثمن معينًا حكمه حكم المبيع, وإن كان في الذمة فحكمه حكم المسلم فيه.
وهكذا الحكم في الأجرة وكل عوض ملتزم في الذمة؛ لأن كل ما يقبل التأجيل كالمسلم فيه.
فرع آخر
لو قال: سلمه إلي في أي وقت شئت في بلد كذا, فإن كان البلد واسعًا كالبصرة واقل لا يجوز, وإن [كان] صغيرًا كجدة وفي ناحيتنا مثله يجوز لقرب أماكنه.
فرع آخر
لو قال: تسلمه بالبصرة أو ببغداد لا يجوز للشك في شرطه.
ولو قال: على أن تسلمه إلى بالبصرة وببغداد فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز للجهل.
والثاني: [ق 114 أ] يجوز وعليه تسليم نصفه بالبصرة ونصفه ببغداد؛ لأن الواو
توجب التسوية والاشتراك.
فرع آخر
يجوز...... في الأثمان إلا أن يسلم فيها من غير جنس الأثمان, مثل أن يسلم ثوابًا في الدراهم والدنانير, وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز السلم فيها لأنها لا تثبت في الذمة إلا ثمنًا, فلا يجوز أن يكون بثمنه.
وهذا غلط, لأن ما جاز أن يكون ثمنًا في الذمة جاز مثمنًا في السلم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في المسألة وجهان.
وهذا غير مشهور, وأما إسلام الذهب في الذهب, أو الفضة لا يجوز, وكذلك إسلام الحنطة في الحنطة أو الشعير.
فرع آخر
إذا اسلم ذهبًا في الذهب حالاً.
قال القاضي الطبري: قال أصحابنا: لا يجوز أصلاً, لأن لفظ السلم يقتضي تقديم أحد العوضين واستحقاق قبضة دون الآخر, والصرف يقتضي تسليم العوضين جميعًا فلم ينعقد الصرف بلفظ السلم.
مسألة:
قَالَ: ((وَإِن كَانَ تَمرًا قَالَ صَيحَانِي أَو بَرَدِي)).
وهذا كما قال: الكلام الآن في الأوصاف التي يضبط السلم بها ولا تفتقر إلى ذكر جميع الأوصاف, فإنه يشق وينعذر, بل يكفي ذكر الأوصاف المقصودة التي يختلف الثمن باختلافها, فإن اشترط صفة لا يختلف الثمن باختلافها نظر, [ق 114 ب] فإن كان لا يقدح في الشرائط جاز ويجعل كأنه لم يذكرها, وإن كان يقدح فلا يجوز.
وبدأ الشافعي رحمة الله عليه بالتمر ولابد فيه من ذكر ستة أوصاف غير الجنس والقدر فإنهما ليسا بوصفٍ, وإنما بالجنس المعقود عليه, وبالقدر يعرف مقدار المسلم فيه:
الأول: النوع, وهذا كما لو قال: هو معقلي أو طبرزدي, أو بردي, لأن الثمن يختلف باختلاف ذلك.
والثاني: البلد, فيقول: برني بغداد, وبرني البصرة إبقاء لملوحة مائها.
والثالث: اللون أسود أو أحمر أو أصفر.
والرابع: الصغر أو الكبر؛ لأن الكبار أكثر ثمنًا والصغير اللطيف أقوى من كباره وأشد.
والخامس: يذكر: جيدًا أو رديًا.
والسادس: يذكر حديثًا أو عتيقًا, فإن ذكر عتيق عام كذا كان أولى, وإن لم يذكر أجزاءه وأعطاه أقل ما يقع عليه الاسم.
وقال جماعة من أصحابنا بالبصرة: لا يصح حتى يذكر عتيق عام أو عتيق عامين؛ لأنه يختلف التمر به اختلافًا متباينًا.
وما قال الشافعي محمول على تمر الحجاز الذي يتقارب جميع عتيقه في الرداءة, ولا يختلف.
وقال الشافعي: يقول: حادرًا أو عبلاً, يعني أجدار السمين مع الاستواء والجبل الممتلئ الضخم.
قال في ((الحاوي)): ويذكر ما جفف على نخله أو جفف بعد جذاذه, فأما ما جفف على نخله [ق 115 أ] يكون أبقى, وما جفف بعد جذاذه أصفي, وهذا صحيح عندي, إلا أن تكون العادة مستقرة على أنها لا تجفف على النخلة فلا يحتاج إلى ذكره.
وقال أيضًا: إذا أسلم في تمر البصرة لابد أن يذكر من تمر أعاليها أو أسافلها, فإن تمر الأعالي أحلى وتمر الأسافل أبقى, ويقول: من تمر فراتها أو بهرجها, فإن تمر الفرات أصفي وتمر البهرج أقل صفاء.
وإن أسلم في الرطب يحتاج أن يذكر الأوصاف التي ذكرناها إلا الحديث والعتيق فإنه لا يقول ذلك؛ لأن الرطب لا يكون إلا حديثًا, ولا يذكر وقت الجذاذ لأن الرطب يجد أقساطًا.
فرع آخر
قال في ((الأم)): ((إذا أسلم في تمرٍ لم يكن عليه أن يأخذه إلا جارفًا؛ لأنه لا يكون تمرًا حتى يجف, وليس له أن يأخذه معيبًا, وعلامة ذلك أن يقول أهل البصر به إنه عيب, وليس عليه أن يأخذ فيه حشفة واحدة, ولا ما عطش فأضر به العطش)).
فرع آخر
قال: ولو أسلم فر رطب لم يكن عليه مذنبًا ولا بسرًا, ولا يأخذ مشدخًا- وهو ما لم يترطب- فيشدخ, ولا ناشفًا- وهو ما قارب أن يتمر- لأنه خرج من أن يكون رطبًا.
فرع آخر
هل يجوز في الطلع؟ وجهان, والأصح جوازه.
مسألة:
قَالَ: ((وَإِن كَانَ حِنطَةً قَالَ شَامِيةٌ أَو (ق 115 ب) مَيسَانِيةٌ)).
الفصل:
وهذا كما قال: إذا سلم في الحنطة يحتاج أن يصفها بستة أوصاف أيضًا النوع والبلد فيقول: شامية أو بغدادية, فأرداها البغدادي, وبعدها الشامي, والواسطي أجودها, فإذا ذكر الشامية فلابد أن يقول: مجهولة أو مولدة.
وقيل: مجلوب أو مولد, فالمجلوب: الذي زرع بالشام وحمل منه أو جلب منه.
والمولد: الذي حمل بذره من الشام وزرع في غيره.
وقيل: لا يحتاج فيها إلى ذكر النوع, فإن ذكر البلد يغني عنه, فيكفي خمسة أوصاف بخلاف التمر, وهذا غير صحيح عندي؛ لأن الشامية أنواع وكذلك البغدادية.
ويذكر اللون: سمراء أو حمراء أو بيضاء, ويذكر الجدارة والدقة.
قال الأزهري رحمه الله: جدارها امتلاء حبها وسمنها, يقال: غلام جداري إذا سمن وامتلأ, وهذا لأن الرقيق يختلف بذلك, ورقيق الحادي: أكثر.
والرقة: أن تكون هزيلة ضامرة الجنس, وفي بعض النسخ: الرقة وهما في المعنى سواء, ويذكر عتيقًا أو حديثًا, والاستحباب أن يذكر عتيق عام كذا, أو حصاد عام كذا, وربما يمتاز حصاد عام بالاكتناز وإن لم يذكر هذا جاز.
وإذا شرط هذا يشترط أن يكون أهل البصر يميزون بين حصاد ذلك العام وعام آخر.
فإن لم يوجد في كل وقتٍ من تميز ذلك [ق 116 أ] لم يجز, ويذكر جيدًا أو رديًا هذه الوصاف المذكورة توجد في الحنطة ولا تكون جيدة.
ومن أصحابنا من حمله على التأكيد؛ لأنه لا يلزمه قبول الردي, وهذا غريب ولا يصح؛ لأن الجودة من أظهر الأوصاف, ولو لم يذكر الجودة, ولكن ذكر أوصاف الجيد استغنى بها عن لفظ الجودة.
قال: ((وَيَذكُرُ أَجَلاً مَعلُومًا أَو قَالَ حَالاً)).
وقد ذكرنا ما قيل فيه.
وقيل: مراد الشافعي رحمه الله تعالى: بهذا أن العقد إن كان مؤجلاً فلابد من تعميمه الأجل المعلوم, وإن كان حالاً فالمستحب لهما يفسده بذكر الحلول ليخرج عن العادات الغالبة فيما بين الناس, وهو أن السلم يعقد مؤجلاً في أغلب عاداتهم؛ لأنه جعل ذلك شرطًا.
قال: ((ويكون الموضع معروفًا)), وأراد موضع التسليم, وقد ذكرنا ما قيل فيه.
وقيل: أراد به ههنا موضع الحنطة وبلدتها التي تنبت فيها, فإن البلد تختلف في ذلك وتختلف باختلافات المنابت, فلابد من ذكر منبته إذا سمى موضعًا كبيرًا يختلف ريعه غالبًا.
والمعنى الأول أولى؛ لأن الشافعي ذكر قبل هذا الشامية والميسانية.
وهو ذكر المكان, ويحتمل أن يقول: قوله: فإنه ذكر النسبة لا ذكر المنبت فيقوى المعنيان جميعًا بهذه اللفظة.
فرع
قال في ((الأم)): والعلس [ق 116 ب] جنس من الحنطة يكون فيه حبتان في كمام فيترك كذلك لأنه أبقى له حتى يرادا استعماله ليؤكل.
والقول فيه كالقول في الحنطة في أكمامها لا يجوز السلف فيه إلا أن يلقى عنه كمامه بخصلتين؛ اختلاف الكمام وتغيب الحب فلا يعرف.
قال: وكذلك القول في القطنية كلها.
فرع آخر
قال: وكذا كل صنف من الحبوب أرز أو دخن ينقلب بوصف كما توصف الحنطة يطرح كمامه دون قشره, لأنه لا يجوز أن يباع بكمامه, وهذا نص صريح على أنه لا يجوز بيع الأرز في كمامه وهو قشرة الفوقاني.
وذكره القاضي الطبري, وهكذا ذكره في ((الحاوي)).
ورأيت جميع مشايخ طبرستان يفتون بجواز السلم في الأرز, وهو القياس عندي والله أعلم.
فرع آخر
قال في ((الأم)): ويجوز السلم في الدقيق لأنه يضبط بالصفة, وإن سلف في طعام على أنه يطحنه لم يجز, لأنه لا يعرف مكيل الحنطة في الدقيق ويحتاج أن يقبل البائع فيه ولأنه شرط فيه الإجارة والأجرة مجهولة.
وقيل: لفظة في ((الأم)): ((كل حب أجزت السلم فيه أجزته من دقيقه)).
وكان الداركي- رحمه الله- يقول: لا يجوز السلم في الدقيق وهو غلط.
فرع آخر
إذا اسلم في الدقيق يذكر أنه من طحن رحا الماء أو الدواب فإنه يختلف به, ويذكر قرب زمان الطحن وبعده فإنه يتغير ببعد الزمان [ق 117 أ].
فرع آخر
السلم في السويق والنشا, هل يجوز؟ وجهان:
أحدهما: يجوز كالدقيق وهو المذهب ويذكر أوصاف الدقيق إلا أنه لا يطحن إلا في أرجاء الدواب.
والثاني: لا يجوز لدخول النار فيه واختلافهما به.
مسألة:
قَالَ: ((وَلَا يُستَغنَى فِي العَسَلِ أَن يَصِفَهُ بِبَيَاضٍ أَو صُفرَةٍ)).
وهذا كما قال: يصف العسل بخمسة أوصاف فيذكر المكان, فيقول: جبلي أو سهلي؛ لأن الثمن يختلف به.
والجبلي دواء لأن النحل يرعى الحشائش الطيبة, وإذا قال: سهلي يذكر أنه من عسل البلد أو من عسل الصحراء؛ لن عسل الصحراء أصح مرعًى وأجود غذاءً.
وقال في الم: لابد من ذكر المرعى لأن في موضع السعير يكون العسل دواء في موضع الأنوار من الثمار لا يكون هذا المعنى وهذا داخل فيما ذكرنا من الجبلي والسهلي ويذكر الزمان خريفي أو ربيعي أو صيفي أو شتوي, ويذكر اللون أبيض أو أحمر أو أسود ويذكر جيدًا أو رديئًا أو عتيقًا, لأنه يختلف به اختلافًا متباينًا نص عليه.
وقال أبو حامد- رحمه الله-: لا يحتاج إلى هذا لأن عتيق العسل وحديثه سواء لا يختلفان والشافعي- رحمه الله ذكره تأكيدًا.
فرع
قال في ((الأم)) ويذكر بصفاه من الشمع, ثم إن كان قد صفاه بالشمس أجبر على قبوله [ق 117 ب] وكذلك إن صفاه بنار لينة لا يعقد الأجل, وإن صفاه بنار قوية بعقد الجزاء لا يجبر على قبوله لأن بمثل هذه النار يذوب الشمع أيضًا ويختلط به.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: ويذكر قوته ورقته, وهذا عندي تأكيد أيضًا لأن الشافعي- رحمه الله عليه- قال في ((الأم)): وإن أعطاه رقيقًا, فإن كانت رقته لحمى الزمان وشدة الحر أجبر على قبوله, وإن قالوا رقته لعيب فيه لم يجبر على قبوله.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز المسلم في الشهد لأنه مقصود على تلك الحالة بخلاف المعجون الذي لا يمكن تعرف ما اختلاطه, ولأن الشهد على أصل الخلقة, وكلام جميع أصحابنا بالعراق وظهر النص بخلافه.
فرع آخر
دبس التمر والرطب الذي دخلته النار دون الماء هل يجوز السلم فيه وجهان؛ لأن دخول النار فيه لانعقاد أجزائه بها فهو كالسكر والفانيد والخبز.
على هذين الوجهين,
وظاهر المذهب انه لا يجوز في شيء منها عند أهل العراق, واختيار جميع المشايخ من خراسان أنه يجوز, وقال مالك: يجوز السلم في الخبز, وهذا غلط لأنه لا يجوز في العجين وهو أقل جهالة من الخبز.
فرع آخر
هل يحوز السلم في الطبرزد؟ والصحيح أنه إن ضبط جاز.
فرع آخر
لا يجوز السلم [ق 118 أ] في الكعك الملتوت.
فرع آخر
يجوز السلم في الحلي حوفًا أو سمحًا ما لم يحشو بالرمل ويكون رأس المال ناضًا.
مسألة:
قَالَ {1): ((وَلَو اشتَرَطَا أَجوَدَ الطَعَامِ أَو أَردَأَهُ لَم يَجُز)).
وهذا كما قال.
هكذا ذكره الشافعي- رحمه الله عليه- ههنا, وقال في موضع آخر: ((لا خير في شيء من الأشياء أن يقول أسلم إليك في أجود ما يكون لأنه لا يتوقف على حد أجود ما يكون أبدًا, فأما أردأ ما يكون فأكرهه ولا يفسد به فيحصل في الأردأ قولان منصوصان والصحيح ما نص عليه الشافعي- رحمه الله عليه- ههنا أنه لا يجوز في الأردأ كما يجوز في الأجود؛ لأنها لفظة موضوعة للمبالغة والأجود يتقدم ذلك, والقول الثاني: يجوز لأن الخصومة في الأردأ مأمونة إذا سلم إلى المشتري حنطة رديئة ليس له أن يقول: أطلب أردئ من هذا كما يطلب الأجود, وإذا أتى بالرديء فقد وفاه حقه, وهذا غلط؛ لأن الجهل بالعقود عليه حاصل منهما لأن الأردإ غير مضبوط, وإذا انعقد على مجهول لا ينفع مع الجهالة تبرع البائع بتسليم أجود من حبات الرديء, ولهذا علل الشافعي- رحمة الله عليه- بعلة جامعة للمسلمين فقال: ولو أشرط أجود الطعام أو أردأه لم يجز لأنه [ق 118 ب] لا يوقف عليه, وقيل: من الأجود قولان وهو غريب.
فرع آخر
لو اشترط رديئًا قال صاحب ((الإفصاح)): إن أراد رداءة الجنس جاز, وإن أراد رداءة العيب لم يجز.
وقال ابن أبي أحمد: إذا قال: رديئًا بطل السلم؛ لأن الرداءة غير مضبوطة.
قال الشافعي- رحمة الله عليه-: إذا أسلم من لبن حامض لم يجز)) لأن الحموضة غير مضبوطة.
والزيادة في الحموضة نقص, وقال في الأعجف لا يجوز.
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان أيضًا وهو خلاف نص الشافعي, لأنه قال في ((الأم)): وإذا اختلف وكان شرط المشتري طعامًا جيدًا وعلى أهل العلم به, فإن قالوا جديد قيل لهم ويقع عليه اسم الجودة.
فإن قالوا: نعم لزم السلم أقل ما يقع عليه اسم الصفة من الجودة.
وهكذا إذا شرط رديئًا.
فالرديء يلزم, وقال من قال: نعم لزم السلم في العسل أن يقول عسل صافٍ ابيض من عسل بلد كذا جيد ورديء, وقال في باب السلف في الثياب: ((ويقال في كل ما يسلم فيه جيدًا أو رديئًا)) وهذا نص بخلاف ما قاله ابن أبي أحمد, والصحيح ما ذكره صاحب الإفصاح.
مسألة:
قَالَ: ((وَلَو كَانَ مَا سَلَفَ فِيهِ رَقيقًا قَالَ: عَبدًا نُوبِيا)).
الفصل:
وهذا كما قال: إذا أسلم في الرقيق يحتاج على ستة أوصاف: النوع, واللون [ق 119 أ] والسن, والقدر, والذكورة والأنوثة, والجودة والرداءة.
فالنوع: أن يقول: ((زنجي تركي سندي رومي)).
واللون: اسود أبيض أسجم أصفر, إلا أن يكون من نوع لا يختلف لونه كالزنجي, فإنه لو ترك ذكر اللون فيه جاز, والسن: أن يقول: كذا كذا سنة بالغًا أو غير بالغ, ثم ينظر فإن كان بالغًا فالرجوع في سنه إليه, وإن قال الست ببالغ لا يقبل منه؛ لأنه لا حكم لقوله, فغن كان سيده عالما به رجعنا إليه, وإن كان حاسًا لا يعرف سيده سنه بالرجوع في سنه إلى أهل الخبرة يحبرون به على المقاربة, ولا يقبل قول المشتري فيه, وقد قال الشافعي {3) - رحمة الله عليه- ههنا: أو يقول أو محتلمًا وفيه نوع من الإشكال؛ لأن الغلام ربما يحتلم وهو ابن عشر سنين فيولد له ويحكم بلحوق النسب, وربما لا يحتلم حتى يراهق الخامسة عشر سنة فصاعدًا, وإذا اقتصر من ذكر السن على الاحتلام صارت السنون غير معلومة, وأيضًا الاحتلام وصف يتعذر الاطلاع عليه ولا يعرف إلا من جهة المملوك.
ويستحيل قبول قوله في حق البائع والمشتري فيقول: يحتمل أنه أراد الاحتلام استكمال خمس عشر سنة, ويعبر الاحتلام عن عدد السنين إذا كان الغالب وجوده في هذا الوقت [ق 119 ب].
وأما القدر: وهو القامة يقول: رباعي خماسي سداسي.
فالرباعي الذي طوله أربعة أشبار, والخماسي خمسة أشبار وهو مربوع القامة لا طويل ولا قصير, والسداسي: ستة
أشبار وهو إلى الطول أقرب ويقول: طويل القامة تامة, وهذا لأن قامة الرجل سبعة أشبار فإن كان رجلاً لا يحتاج أن يذكر الطول بالأشبار.
وقيل: الخماسي الربع والسداسي الطويل, وقيل: معناه بالسن ابن خمس سنين أو ست سنين, فإن قيل: السن ذكر الشافعي الخماسي والسداسي ينطوي على ذكر السن فما بال تكرير الشافعي ذلك بقوله ووصف سنة؟ قلنا: يحتمل أنه أراد وصف السن أن يصفا خلقه أسنانه متربضة أو مسربلة بفلج أراد رد براك الإشكال على هذا, وإن حملناه على لفظة على العوام فإزالة الإشكال حينئذٍ بأن يحمل قوله خماسيًا أو سداسيًا على الأشبار, فلا يبقى الإشكال إلا في قوله: أو محتلمًا, فإن قيل: السؤال باقٍ لأنه إذا قال محتلمًا استغنى عن ذكر السن, وإذا ذكر السن استغنى عن ذكر الاحتلام على أنه أراد به خمس عشرة سنة, قلنا: إذا ذكر عدد السن وضم على ذلك ذكر الاحتلام لم يصر جمعها؛ لأن هاتين الصفتين منبهتان على معنى الكبر والصغر والقامة [ق 120 أ] والقد في غالب العادات, وإذا اقتصر على مجرد الاحتلام, فابن العشر يحتلم وهو صغير وهو ابن أربع عشرة يحتلم وهو كثير احتمل أن لا يصح العقد كما يصح إذا جمع بينهما في التسمية, فكذلك قال: ((أو محتلمًا)) ووصف سنة, وكذلك لم يدخل الألف في قوله: ((محتلمًا)) وبين وصف السن كما أدخل اللف بين الخماسي والسداسي, والمحتلم, فإن قيل: إذا جمع بينهما يذكر الاحتلام وعدد الأعوام بقي الإشكال الموقوف على وجود الاحتلام, قلنا: إذا ضم إليه ذكر الأعوام التي لا تخلو في الغالب عن الاحتلام استغنينا بظاهر الحال عن الاستقصاء في الوقت على الاحتلام.
وأما الذكورة والأنوثة فلابد من ذكرها؛ لأن القيمة تختلف بذلك كثيرًا وكذلك الجودة والرداءة لابد من ذكرها من لهذا المعنى.
فرع
إذا أسلم في جارية فإن ذكر البكارة والثيابة كان أولى, وإن لم يذكرها لا نص فيه, وقال أصحابنا: يجوز لأن الثمن لا يختلف به اختلافًا متباينًا, فإن كان يختلف به اختلافًا متباينًا لابد من ذكره, ومن أصحابنا من أطلق, وقال: لابد من ذكرها والمشهور ما ذكرنا.
فرع آخر
قال في ((الأم)): ((وأحب أن يحليه فيقول: أكحل العينين أزج الحاجبين أقنى الأنف, حسن الثغر, أسود الشعر, فإن لم يذكر جاز [ق 120 ب] ويعطيه على الصفة التي لا ينسب فيها إلى العيب.
فرع آخر
قال: ويذكر انه رضي بماء الخدين- يعني حسن الوجه, فإن ذكر جاز ويلزمه ذلك, إن لم يذكر جاز ويعطيه ما ليس بحسن.
فرع آخر
قال في ((الأم)): ويحليهم بالجعودة والسبوطة, فإن لم يفعل فلا بأس؛ لأن الثمن يختلف باختلاف الشعر اختلافا متباينا فهي كصفة حسن الوجه والملاحة.
فرع آخر
لو قال: في عبد أسمر مشروب بالحمرة أو صفرة فيه وجهان.
فرع آخر
لو قال في غلام خفيف الروح أو ثقيلها أو عذب الكلام أو حسن الخلق لا يجوز لأنه مجهول.
فرع آخر
لو اسلم في عبد تركي ولم يذكر النوع من الجنس من الحرري والحالي لا يجوز, ومن أصحابنا من قال: فيه قول مخرج يجوز, لأن الشافعي- رحمه الله-.
قال في الإبل: وإذا أسلم في الإبل قال: من نعم بين فلان أنواعًا مختلفة مثل المهرية والأرجية لا يحتاج أن يذكر النوع ويكون السلم الخيار فيعطيه من أي نوع شاء.
قال أصحابنا: وفي النعم قول آخر إذا اختلف نعم بني فلان, هكذا لابد من أن يذكر النوع فيكون كلتا المسألتين على قول, ومن أصحابنا من قال: المسألتان على النصين والتخرج لا يصح في الرقيق لا يصح في الرقيق, وإن صح في النعم لأنه تختلف الكمية بأنواع الترك اختلافًا ظاهرًا [ق 121 أ] متباينًا بخلاف النعم.
فرع آخر
لا يجوز أن يسلم في جارية معها ولدها على ما ذكرنا ولأنه إسلام في ولد جارية من غير موصوفة, فكان ذلك تعيينًا للمسلم فيه, ولا فرق بين أن يعين المسلم فيه بالوصف وبين أن يعين بالإشارة.
وقال أبو إسحاق, فإن كان أسلم في بلد يكثر فيه الجواري ولا يتعذر وجود ذلك يجوز السلم, وهذا لا يصح؛ لأن الوجود وإن يتعذر ففيه المهني الذي ذكرناه من التعيين.
فرع آخر
لو أسلم في جاريتين أختين لا يجوز كما قلنا في الأم وولدها.
فرع آخر
لو أسلم في الحبلى لا يصح السلم نص عليه في الأم, فسواء قلنا للحمل حكم أو لا حكم له؛ لأنه إذا لم يجز أن يشترط ولدها المنفصل منها فلان لا يجوز أن يشترط حملاً معينًا ثمنًا أولى, ومن أصحابنا من قال: إن قلنا للحمل حكم اشتراطه, وإن قلنا: لا حكم له لا يصح اشتراطه, وبه قال القاضي أبو حامد: ويفارق الولد لأنه لا يحتاج أن يصف الحمل, بل يكون تابعًا للأم وإذا كان منفصلاً يحتاج أن يصفه ويتعذر وجوده موافقًا لصفة ولا يصح, وهذا غلط؛ لأن الحمل لا يدخل في السلم إلا مشروطًا, وكذلك لا يدخل إلا موصوفًا, ووصفه يتعذر.
وقال القاضي أبو حامد: لو كان لا يجوز إلا موصوفًا لم يجز أن يشتري شاة على أنها كامل [ق 121 ب] لأنه مجهول ولا يصح هذا؛ لأن الشاة إذا كانت معيبة لا يحتاج الولد إلى الشرط ويدخل في البيع من غير شرط, فلهذا جاز إلا أن يكون موصوفًا.
فرع آخر
لو أسلم في شاة على أنها لبون نص في ((الأم)) على قولين:
أحدهما: لا يجوز لأن اتفاق الأوصاف مع أنها لبون ليس بالغالب فلا يجوز؛ لأن شرط اللبن إتباع له, ولا يجوز كما لو أسلم في ناقة معها لبن غير مكيل ولا موصوف.
والثاني: يجوز لكونها ذات لبن أحد أوصافها الموجود في الغالب وهو يعتبر نوع, فجاز كما جاز أن يسلم في عبد جاز, وليس كذلك الولد فإنه ينفرد بأوصاف تخصه فيتعذر الجمع في الوجود بين المشروط من أوصافه وأوصاف أمه فلا يجوز, ولو أسلم في شاة لبون على معنى أنها تدر لبنًا يجوز, والقولان إذا كان على معنى لبنًا لأن اللبن يكون مجهولاً.
فرع آخر
لو شرط في الجارية أنها ماشطة نص في ((الأم)) أنه يجوز ويعطيه ما يقع عليه اسم ماشطة, وكذلك يجوز على أنها طباخة, أو خبازة وفي العبد على أنه كاتب أو حاسب أو صانع أو نجار, وله اقل ما يقع عليه الاسم المطلق.
فرع آخر
لو قال في عبد شاعر لا يجوز؛ لأن الشعر لا يمكن تكلفه ولا تعلمه, بل هو طبع فيبعد أن يكون [ق 122 أ] العبد بالأوصاف المذكورة مطبوعًا على قول الشعر.
فرع آخر
لو قال في جارية مغنية فإن كان غناء مباحًا كالقول المطلق من غير ملاهي تنضاف إليه جاز السلم, وإن كان الغناء محظورًا بالملاهي المحرمة كالعود والطنبور والطبل
والمزمار فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأنها صنعة.
والثاني: لا يجوز لأنها معصية فلم يصح ثبوتها في الذمة, ولأن في ذلك نصًا على تعليم المعاصي.
وقد روى أبو أمامة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل ثمن المغنية ولا بيعها ولا شرائها ولا الاستماع إليها)).
فرع آخر
يجوز أن يشترط أنها نصرانية, ثم إذا شرطه لا يلزمه قبول اليهودية والمسلمة.
فرع آخر
لو أسلم في برصاء لا يجوز؛ لأنه لا يضبط, فإن ذكر عيبًا مضبوطًا كالعورة من اليمين أو اليسار أو قطع خنصر يجوز ولا يجوز في عبد قبيح أو به ضربات ونحو ذلك.
فرع آخر
المسلم من أمة زانية أو عبد سارق أو قاذف هل يجوز؟ وجهان.
ذكره في ((الحاوي)) والأصح جوازه كما لو شرط العور.
فرع آخر
لو اسلم اليهودي في عبد مسلم قال في ((الحاوي)) الأصح أنه يجوز قولاً واحدًا.
وقيل: قولان كما في البيع وهذا باطل لاستقرار يده على المسلم وليس كذلك في السلم [ق 122 ب] لأنه صفة في الذمة.
فرع آخر
إذا جوزنا وجهان:
أحدهما: لا اعتراض عليه حتى يقبضه.
والثاني: يمنع من استدامة العقد وتوجه بفسخه, لأنه موصوف يملكه مسلمًا.
فرع آخر
إذا سلم مسلم إلى كافر في عبد مسلم قال والدي- رحمه الله- يحتمل أن لا يجوز لأنه يندر وجوده في اصح قولي الشافعي- رحمه الله عليه- لأنه لا يملكه إلا بالإرث, أو إذا اسلم في يده وذلك نادر, ويحتمل أن يجوز لأنه يجوز أن يأمر الكافر مسلمًا بقضاء دينه بعبده المسلم ويبذل له قيمته ولا يتعذر التسليم في الغالب.
وهذا كما لو لزمه إعتاق
رقبة مؤمنة في الكفارة يقول للمسلم: أعتق عبدك المسلم عني على كذا, فيجوز لأن ملك الكافر يثبت عليه ضمنًا تبعًا لا قصدًا, ومن قال بالأول يقول: لا يجوز هذا, والفرق بينه وبين العتق أن العتق مزية في الأصول وثبوت الملك ههنا للكافر يؤدي إلى المزية ويرفع ذل الرق بخلاف هذا.
فرع آخر
لو قال: في عبد كبير أو شيخ هرم لم يجز, ولو قال: في عبد شيخ أو كهل جاز, وله أقل ما يقع عليه الاسم, ولو قال: في عبد موصوف فجاء المسلم غليه بعبد على تلك الصفة فكان أب المسلم أو جده لم يلزم قبوله لأنه لا يستقر عليه ملكه.
فرع آخر
لو قبضه ثم علق [ق 123 أ] قال بعض أصحابنا: وقع القبض فاسدًا ولا يعتق عليه وله رده لأنه لا يوجب عقد السلم إقباضه بخلاف ما لو اشترك ولم يعلم, ومن أصحابنا من قال: القبض صحيح ويعتق ولا رد لنفوذ عتقه ولا أرش, لأن كونه أبًا ليس بعيب في السواق يوجب نقص الثمن, ولو جاز ما قاله القائل الأول لوجب إذا علم فرضي بقبوله أنه لا يجوز قبضه؛ لأن عقد السلم لم يوجبه.
فرع آخر
لو كان العبد خاله أو عمًا جاز أن يقبل, وهل له الامتناع من قبوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له لأنه يقدر على بيعه.
والثاني: له ذلك لأن من الحكام من يمنعه من بيعه ويحكم بعتقه.
فرع آخر
لو أسلم في أمةٍ موصوفة فجاء بأمة هي زوجته لم يلزمه قبولها, لأنه يبطل نكاحها فيدخل عليه نقص, وكذلك المرأة إذا أسلمت في عبدٍ فدفع إليها عبدًا هو زوجها لم يلزمها قبوله.
فرع آخر
لو كان العبد أخًا من الرضاعة ليس له أن يمتنع من قبوله لأنه لا يعتق في قول احد.
مسألة:
قَالَ: ((وَإِن كَانَ فِي بَعِيرٍ قَالَ: مِن نَعَمِ بَنِي فُلاَنٍ)).
وهذا كما قال إذا اسلم في الإبل يحتاج على ذكر خمسة أوصاف: النوع, واللون, والسن, والذكورة والأنوثة, والجودة والرداءة؛ لأن الثمن [ق 123 ب] يختلف باختلافها, ولا يحتاج على ذكر القد لأن الثمن لا يتفاوت به, فإن جاء به قصيرًا بخلاف العادة يكون عيبًا لا يلزمه قبوله, فالنوع نتاج بني فلان بختي أو تركي أو عربي, فإن كان نتاج بني فلان أنوعًا هل يلزمه تعيين النوع؟ قد ذكرنا فيه قولين, والأصح أنه يلزم ذلك؛ لأن الأنواع مقصودة فيلزمه ذكرها.
والسن: رباع أو بازل أو جدع أو ابنة مخاض أو ابنة لبون, واللون احمر, أو أبيض, أو ورق, أو أسود, أو أغبش, وهو الأبيض.
وقيل: سمى........ والأورق ما بين البياض والسواد.
وقيل إنه أطيب الإبل لحمًا, وقال في ((الحاوي)): ويذكر القد أيضًا أنه مربوع أو مشرف؛ لأن الثمن يختلف به, وقال الشافعي- رحمه الله عليه- ويقول شيء غير مؤذن والشيء الذي استكمل خمس سنين وطعن في السادسة, والمؤذن النافض الخلق السيئ العداه, إنه قصير العنق واليدين ضيق المنكبين.
وقيل: إنه المهزول.
وقيل: إنه المعيب ويقول: نفي من العيوب بسط الخلق, أي مديد القامة وافر الأعضاء كامل الخلقة.
وقيل: إنه واسع الصدر.
وقوله: محفز الجنبين: هو الذي انتفخت خواصره واتسعت وعظم الجوف في الإبل من المناقب المساعدة فيها, وانضمام البطن عيب فيها, وهذا [ق 124 أ] كله تأكيد ليس بشرط وهو مستحب؛ لأنها عيوب لا يلزمه قبولها معًا عند الإطلاق وقيل: محتفر الجنبين- أي عريض الهامة وقيل: واسع الجبين ممتلئ.
فرع
إذا قال: بازل يحمل على السنة الأولى التي يسمى فيها بازلاً
فرع آخر
لا بأس أن يشترط فيها عوامل أو تدور في الطحن, ولكن من طحن الدقيق أو غيره منها ما يحتاج يدور على يمينه ومنها ما يدور على يساره, وإذا ألف جهة صعب نقله إلى غيرها.
مسألة:
قَالَ: ((وَكَذَلِكَ الَدوَابُ يَصِفُ نِتَاجَهَا وَجِنسَهَا)).
الفصل:
وهذا كما قال: ((إذا أسلم في الخيل لابد من ذكر الأوصاف كما ذكرنا في الإبل, وإن كان النوع لا يختلف يجوز الإطلاق, وإن كان يختلف قولان على ما ذكرنا.
ويقول:
من نتاج بني فلان خراساني أو عربي، واللون كميت أو أشقر، أو أدهم، أو أشهب، قال: فإن كان في الفرس أحب أن يصف شبيه مع لونه، فإن لم يفعله فله اللون بهيمًا، يعني لونًا واحدًا، فإن كان له شبه فهو بالخيار في أخذه وتركه والبائع بالخيار في تسليمه وإعطائه اللون بهيمًا، والشبه أن يقول أغر محجل، والأغر الذي في جبينه بياض، والمحجل: الذي يكون في بدنه أو في قوائمه بياض، وكل هذا يدل على أنه لم يجعل [ق 124 ب] الأغر والمحجل خيرًا من البهيم، لأنه قال: لا يجبر على قبوله.
ولا يحتاج أن يذكر القامة ولو ذكر المحجل أو الأدهم فأتى بأغر لم يلزمه قبوله، ولا بد أن يذكر أصنافها بألعاب معلومة فيقول: قارح أو ضارع.
وقال في ((الحاوي)): ذكر القد لا وجه للإحلال به فيقول: مشرف عافي أو مربوع، أي لأن الثمن يختلف به أكثر ما يختلف بجدادة الحنطة ودقتها وهو على ما قال.
فرع آخر
لو أسلم في فرس أبلق.
قال بعض أصحابنا: يجوز وقال في ((لحاوي)): لا يجوز لأن البلق مختلف لا يضبط.
فرع آخر
لو ذكر حال المشي كان أولى ولو أغفله لا يضر.
فرع آخر
يجوز السلم في البغال والحمير ويحتاج إلى ذكر أوصافها ولكن لا نتاج لها يضاف إليه ولكن يعرف أنواعها ببلدها كالبغال الرومية والطبرية والحمر المصرية فيذكر النوع بالبلد ويذكر السن والذكوره والأنوثة والجودة والرداءة فيكفي أربعة أصناف.
فرع آخر
لو أسلم في بغل على أن يطحن جاز.
فرع آخر
السلم في الأغنام يجوز، فإن كان لها نتاج معروف فهي كالإبل، لأن لم يكن لها نتاج فهي كالبغال ويذكر فيه ضأنًا أو ماعزًا لأنه يختلف به.
فرع آخر
يجوز المسلم في طيور الصيد ويصفه بالنوع، والصغر والكبر [ق 125 أ] والهزال والسمن، والجودة والرداءة، فالنوع أن يقول حمام فواخت وحبارى وكراكي ونحوها والصغير والكبير وليس لها سن يعتقها.
قال الشافعي - رحمة الله عليه- يقول: ناهض ويقول سمين وهزيل.
قال أصحابنا: وإن كان تختلف الذكورة والأنوثة اشترط ذكرها،
وقال في البويطي: ((لا يجوز السلم في الطيور لأنه لا سن لها ولا تضبط بدرع)) وغلظ، ذكره أصحابنا ولم يذكروا هذا القول، ورأيت صاحب المهذب ذكره ولم يذكر خلافًا.
مسأله:
قال: ((وَيَصِفُ، الثِّيابَ بِالجِنْسِ من كتانٍ أَوْ قُطْنٍ)).
الفصل.
وهذا كما قال: يجوز السلم في الثياب ولا بد فيها ن ذكر ثمانية أوصاف.
الجنس: وهو أن يقول: قطني أو كتاني أو إبريسمي أو قزي ونحو ذلك.
والثاني: لبس البلد هروي أو بغدادي أو رازي أو مروي ونحو ذلك.
والثالث: يذكر الطول.
والرابع: يذكر العرض.
والخامس: يذكر الرقة أوالغلظ.
والسادس: يذكر الصفاقة او السماحة.
السابع: يذكر الجودة أو الرداءة.
والثامن: يذكر اللين أو الخشونة.
فرع
قال الشافعي - رحمة الله عليه- في ((الأم)) ولا يذكر مع هذه الأوصاف الوزن وهذا لأنه يتعذر اتفاق الوزن المذكور مع هذه الأوصاف إلا نادرًا وذلك يمنع [ق 125 ب [صحة السلم، وهو اختيار أبي حامد- رحمه الله- وقال بعض أصحابنا: فإن أمكن نسجه بتلك الصفة بذلك الوزن فلا يتعذر يجوز شرطه، بل يكون أولى من الإخلال به لانتفاء الجهالة عنه.
وقال القاضي الطبري: عندي أنه لا يبطل بذكره، لأن الشافعي ذكر الوزن في الأواني، لأنه يتفق ولا يتعذر فكذلك ههنا.
فرع آخر
لا بد من القطني أن يذكر جرجاني أو طبري ونحو ذلك.
وفي الكتاني لابد أن يذكر نوعه أو ذئبقي أو دمياطي ونحو ذلك.
فرع آخر
لو كان السلم في ثوب مقصور زاد أنه مقصور، ولو أطلق ولم يذكر اللون ولا
القصارة كان له البياض الخام الذي لم يصخ ولم يقصر ولم يغسل؛ لأنه أقل ما يقع عليه الاسم، وإن أعطاه، المغول أو المقصور جاز لأن الاسم يتناوله.
فرع آخر
لو أسلم في ثوب ليس مغسول لا يجوز نص عليه؛ لأن اللبس يختلف ولا يضبط.
فرع آخر
لو أسلم في ثوب ملون، فإن كان ما صبغ غزله ثم نسج يجوز، وإن كان مما صبغ بعد النسج لا يجوز، والفرق أنه إذا شرط أن يصخ بعده فهو إسلام في شيئين:
أحدهما: في الثوب.
والثاني: في الصمغ فمجهول لا يعرف، ولأن الصبغ بعد النسج يمنع الوقوف [126 أ] على صفاقة الثوب ورقته؛ لأنه يغير صفة الثوب ولا يمنع من ذلك صبغ الغزل، وإذا جاز لابد من أن يذكر اللون من سواد أو حمرة، أو خضرة، وقال في ((الحاوي))؛ يجوز في المصبوغ بكل حال إلا أن يسلم فيه بياضًا على أن يصبغه المسلم إليه فيبطل؛ لأنه عقد سلم مشروط يإجارة، وهذا غريب.
فرع آخر
لو أسلم في غزل موصوف على أن يعمله له ثوبًا لم يجز من قبل أن صفة الغزل لا تعرف في الثوب، لأنا كان الثوب موصوفًا فأهرقت صفته.
فرع آخر
لو أسلم في الثياب المنقوشة كالسقلاطون والحلل والديباج لا يجوز؛ لأن ضبط نفسها يتعذر.
فرع آخر
يجوز السلم في الإبراد والعنابي؛ لأن تخطيطها مضبوط وهكذا الثوب الحيرة وعصب اليمن بعد ذكر عينه ووصف تخطيطه في صفته وسعته.
فرع آخر
لو أسلم في ثوب منسوج من جنسين من الغزل تكون لحمته قطنًا وسداه إبريسمًا أو كتانا كالعنابي الذي يعمل بنيا بور لا يجوز للجهل بمقدار كل واحد منهما وكلاهما مقصود هكذا ذكره جماعة أصحابنا.
وقال القاضي أبو علي البندنيجي، قال في ((الأم)): لو أسلم في ثوب مختلف الغزل جاز، وقال أصحابنا: لا يجوز ما ذكرنا فهو كالغالب والمذهب ما ذكره الشافعي [ق 126 ب]؛ لأنه نص على جواز السلم في الخز وهما غزلان قز وخز، ويفارق الغالية لأن كل خط منها مقصود ولا يتميز بعضها من بعض، فلا يمكن ضبطها بالصفة، وههنا يتميز بعضها عن بعض ولا يمكن ضبطها هكذا، ذكره الشيخ أبو الحسن المحاملي فحصل قولان مخرجان، وهذا أصح عندي، وقال في ((الحاوي)): أبطل بعض أصحابنا السلم في الخز للجهل بأصل الخز، وأنه لا يدري من أي شيء يوجد، وقال الجمهور: لأن أصله عند أهله معروف وعلى هذا إنما يجوز إذا كان الثوب كله سدان وحد ولهذا يتعذر، ولا يجوز السلم إذا كان السدي إبريمًا من غير جنسه لاختلاطه بغيره.
فرع آخر
السلم في الثوب الوشي.
قال ههنا: يقول وشي إسكندراني أو يماني، وقال في موضع آخر: إذا أسلم في وشي لم يجز حتى يكون للوشي صفة يعرفها أهل العدل من أهل العلم بها ولا خير في أن يريه، خرقة ويتراضيا بها على يدي عدل يوفيه الوشي عليها إذا لم يكن الوشي معروفًا؛ لأن الخرقة ربما تهلك فلا يعرف الوشى.
فرع آخر
لو كان الثوب منقوشًا بالإبر، فإن كان يعمل عليه من جنسه مثل أن يكون الثوب إبريسمًا يعمل عليه من جنسه بالإبريسم يجوز، وإن كان يعمل عليه بغير جنسه مثل أن يكون [ق 127 أ] الثوب من قطن أو كتان ويعمل عليه بالإبرسيم لا يجوز كالقرقوني، كما لا يجوز في العالية، وعبر بعض أصحابنا عن هذه المسألة بأنه لو أسلم فيها مطرزة، وقال: فإن كان الطرز منسوجة منها جاز، وإن كانت مركبة عليها لا يجوز لامتيازها عن الثوب بخلاف الصبغ.
ومن أصحابنا من قال: يجوز كما يجوز في المصبوغ ذكره في الحاوي.
فرع آخر
يجوز السلم في اللبود والأكسية إذا وصفت ولا يجوز في الزلابي المنقوشة.
فرع آخر
يجوز السلم في القميص والسراويل إذا وصف جنس الثياب وقد القميص والسراويل.
فرع آخر
لا يجوز السلم في الجباب والقلانس لما فيها من الحشو والأجناس المختلفة.
فرع آخر
السلم في الكاغد هل يجوز قال ((الام)): يجوز السلم في القراطيس ولا احسبها إلا مضبوطة لأن ضبطها أصح من ضبط الثياب أو مثلها.
وقيل: إنه قال فيه: وإن كانت القراطيس تعرف بصفة كما تعرف الثياب بصفة من درع وطول وعرض ورقة وغلظ واستواء صنعة أسلف فيها على هذه الصفة.
وقال جميع أصحابنا: يجوز السلم فيها ويحتاج أن يصفها ببلده لأنها تختلف بذلك ويجوز السلم فيها دسوتا ولو شرط فيها الوزن كان أولى، ورأيت عن بعض أصحابنا [ق 127 ب] وجهًا أنه لا يجوز السلم فيها وزنًا لا غير، لأن كانت من الظهور المصروة لا يجوز السلم فيها لاختلافها فإنها لا تضبط صفتها.
مسألة:
قَالَ: ((وَهَكَذَا النُّحَاسُ يَصِفُهُ أَبْيَضُ أَوْ شَبَه)).
وهذا كما قال السلم في الرصاص والنحاس والصفر جائز، ويحتاج إلى أربعة أوصاف بعد ذكر الجنس والوزن النوع واللون والجودة والرداءة والخشونة والعومة فيقول في الرصاص قلعي أو سرب يعني.... أسود أو أبيض في النحاس الصفر..... ويجوز أيضًا في الحديد، ويذكر هذه الأوصاف ويزيد فيها ذكرًا أو أنثى فالذكر الفولاذ، والأنثى اللبن الذي يتخذ منه الأواني ونحوها، إن كان جنس الذكر يختلف ويتباين وكذلك الأنثى يلزمه تعيين ذلك، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز السلم في الصفر لأنه أخلاط تجمع وتسبك.
وهذا لا يصح لأنه وإن كان أخلاطًا فهي مقدرة إن زيد فيها أو نقص فسدت.
قال في الحاوي: وهكذا في جوهر الزجاج وجهان لأنه أخلاط مجموعة والمذهب أنه كالنحاس يجوز السلم فيه والوجه الآخر لا يصح.
فرع
الأواني المتخذة منها هل يجوز السلم فيها؟ قال في ((الأم)): لا بأس أن يسلم فيطست أو تور من نحاس أحمر أو أبيض [ق 128 أ] أو أسود أو رصاص أو حديد ويشترط سعة معروفة ويصفه بالتخانة والدقة.
قال: ولو كان يضبط في أن يكون مع شرط السنة وزنًا كان أصح، لأن لم يشترط
صح كما يصح أن يباع ثوب بصفة وسعة (0) قال: وكذلك كل إناء من جنس واحد ضبطت صفته فهو كالطست والقمقم ونحو ذلك.
قال: ولا بأس أن يبتاع منه صفاحًا، وقداحًا بصفة معروفة وقدر معروف من الصفر والكبر والعمق والضيق.
وفي القوارير يشترط جنس القوارير ودقتها وتخانتها، ولو ذكر الوزن في القوارير مع الصفة كان أحب إلى وأوضح ونص في البويطي والقديم على نحو ذلك.
وقال أبو حامد قال في ((الأم)): لا يجوز السلم في العمولة، وقال في غيره: يجوز فهو على ضربين منه ما يستوي طرقاه ووسطه وأعلاه وسمكه، كالأشكال الواسعة الرأس التي يمكن ضبط طولها ودورها وسمكها، فيجوز السلم فيها فأما الأباريق والطشوت والأشكال المدورة الضيقة الرأس والقماقم ونحوها لا يجوز السلم فيها، كما لا يجوز
السلم في النشاب والقسي نص عليه، وهكذا لا يجوز السلم في هذه الأواني المتخذة من الخزف كالكينان والفضاير ونحو ذلك؛ لأن ذلك لا يضبط [ق 128 ب [بالصفة.
قال القاضي الطبري: هذا غلط لأنه شرح في ((لأم)) بخلافه ويمكن وصفه ولا يختلف اختلافًا متباينًا بخلاف النشاب وهذا أصح عندي.
فرع آخر
قال: ((ويجوز السلم في الزاروق وأراد به الزنبق ويجوز أيضًا في الشب والكبريت، وحجارة الكحل وغيره.
مسألة:
قال: ((وإن كان في لحم قال: ماعز ذكر خصي أو غير خصي)).
الفصل.
وهذا كما قال: السلم في اللحم جائز، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وهذا غلط لعموم الخبر الوارد في السلم، ولأنه يمكن ذكر، بالصفة وهو معلوم عرفًا وعادة.
فإذا تقرر هذا يحتاج إلى سبعة أوصاف سوى الجنس والوزن، أربعة منها التي يشترك فيها الحيوان واللحم وهو النوع والسن والذكر والأنثى والجيد الرديء، وثلاث يختص بها اللحم الهزال والسمن والراعية والمعلوفة والوضع الذي يأخذ منه اللحم.
أما الجنس فيذكر أنه بقري أو غنمي، والنوع أنه من العراب أو الجاموس أو الأهلية أو الوحشية، وفي الغنم يذكر من الضأن أو الماعز ويذكر البن فإن لحم الصغار أرطب ولحم الخيار أخشن، وإذا ذكر الصغر قال: فطيمًا أو رضيعًا، وهذا
من نوع الشرط لأنه [ق 129 أ] منه ويذكر الذكورة والأنوثة؛ لأن لحم الأنثى يخالف لحم الذكر، وإذا قال: ذكرًا قال: فحلًا أو خصيًا، فإن لحم الخصي أطيب وأرطب، وهذا من فروع الشرط أيضًا، فيصير تسعة أوصاف.
ويذكر السمن والهزال إذا لم يكن عن عيب وكان من خلفه كالتمر الدقل فإنه كالمهزول وكالحنطة الضامرة، وإن قال أعجف لا يصح، لأن ذلك عن عيب ودلالة يمكن معرفته كاللبن الحامض والحنطة المسبوبة.
فَرَّع أصحابنا فقالوا: إذا كان العيب محدودًا صح لأنه يجوز السلم في عبد أعور وأعمى وأقطع، ويذكر المعلوفة والراعية؛ لأن لحم الراعية أطيب فالسمن بالمرعى أطيب من السمن بالعلف، ويعتبر أن يكون العلف أثر في تسميته ويذكر موضع اللحم، فإن مقادم الحيوان أطيب وأرطب فنقول: لحم الفخذ أو اليد أو الجنب؛ لأن اللحم يختلف به وقيل: الأجود لحم العنق ثم الكتف، ثم الخاصرة، ثم الفخذ، وخير اللحم ما قرب من العلف والماء، وإذا أقبضه ذلك الموضع فإن كان فيه عظام فقد تطوع بالفصل ويجوز ولأن اللحم أولى بالجواز من التمر من النوى، لأن النوى يتميز والعظام لا تتميز ولو أراد أن يميز أفسد اللحم وبقي على العظام ما يكون فسادًا [ق 129 ب] وقول الشافعي - رحمة الله عليه- في اللحم منقا لم يرد منقا من عظمة بل أراد ما فيه النقى وهو المخ فلا يكون أعجف، وهذا استحباب لأن ما نقى له لا يلزمه قبوله.
فرع آخر
لو أسلم في التمر فيه وجهان:
احدهما: يجوز كما يجوز في اللحم عن غير عظم ويكون السلم فيه وزنًا لا كيلًا لأنه يتخافي فيه.
والثاني: لا يجوز لأنه يسرع إلى الفساد الذي لا يضبط.
فرع آخر
لا يجوز أن يسلم في اللحم المشوي على النار والأخذ منه يختلف وفي المطبوخ يأخذ الماء بعضه أكثر مما يأخذ البعض، ويختلف عمل النار فيه فيكون مجهولًا.
وقال: بعض أصحابنا بخراسان: إن كان له حد يوقف عليه ويعلم كم أحرق النار منه جاز، وقل ما يعرف هذا في اللحم.
فرع آخر
يجوز السلم في الإلية بالوزن ويذكر الصفات على ما ذكرنا في اللحم ولا يحتاج إلى ذكر موضعه منها؛ لأنها لا تختلف، وكذلك يجوز السلم في الكبد والطحال.
فرع آخر
لا يجوز السلم في الكرسي مما تعلق به لجهالته واختلافه.
مسألة:
قال: ((ويَجُوزُ أن يُسَلم في لحُومِ الصَّيدِ))
إذا كان يوجد [ق 130 أ] في البلد الذي أسلم فيه وجودًا عامًا، وإن كان يوجد في وقت غالبًا لا ينقطع، وينقطع في وقت آخر، فإن جعل محله الوقت الذي يؤخذ فيه غالبًا جاز، وإن جعل محله الوقت الآخر لم يجز.
وإن كان يوجد في وقت دون وقت وليس وقت الوجود معلومًا لا يجوز، لأن من شرط السلم أن يكون وجوده غالبًا في وقت توجه المطالبة عليه به، ويوصف بالصفات التي ذكرنا في سائر اللحوم.
قال: ولا يخالف لحم الأسن إلا في خصلة، وهي أنه إن كان منه شيء يصاد بشيء يكون لحمه طيبًا، وآخر يصاد بشيء يكون لحمه غير طيب شرط صيد كذا دون صيد كذا.
وقال أصحابنا: إن هذا يختلف، فيكون لحم الأحبولة أطيب، ولحم صيد الكلب من صيد الفهد أطيب نكهة من صيد الكلب وبغير نكهة الفهد، وتقول: راعية أو معلوفة؛ لأن الصيد لا يكون إلا راعيًا.
فجملة أنواعه سبعة؛ النوع، والسن، والهزال، وموضعه من الحيوان، والجوده، والرداءة، والآلة التي يصاد بها.
فالنوع: بقر الوحش، والظباء، وفي البقر يذكر الأنواع الوعل، والسل، والابل.
وفي الغنم الوحش يذكر الظباء والغزال، ويذكر السن، والفطيم، والرضيع، ولا يقول فيه فحلًا ولا خصيًا، فإنه لا خصي فيه.
ويجوز السلم في لحم الطير بصفة [ق 130 ب] ووزن غير أنه لا سن له فيه، فيوصف بصغر وكبر.
ثم إن كان الصغر لم يفتقر إلى ذكر موضع اللحم، وجاز عددًا، وإذا جاء باللحم لم يقبل فيه الرأس ولا الرجل؛ لأنه لا لحم فيها.
فرع
يجوز السلم في الحيتان كالطيور ولا فرق بينهما، فيذكر أربعة أصناف النوع، وحلي أو أجامي أو بحري، والصغر والكبر ويذكر موضع اللحم في الكبار، والسمن والهزال، والجودة والرداءة.
قال: ويذكر الطري والمالح، ولا يجوز إلا وزنًا، ولا يقبل فيه الرأس والذنب، ويفارق الحيوان حيث يجوز فيه السلم عددًا؛ لأن المقصود لحمه.
فرع آخر
لو كان لحم الطير مما لا يقصد لحمه يجوز السلم فيه عددًا كالبازي ونحوه.
فرع آخر
لو أسلم في ثلاثين منا لحمًا ووصفه على أن يأخذ من وقته كل يوم ثلاثة أمنان منه، هل يصح؟ قولان، والأصح جوازه، وينبغي أن يذكر أول اليوم وآخره.
مثألة:
قال: ((ويقول في السمن جائز)).
ويضبطه بأربعة أوصاف؛ النوع، واللون، والمرعى، والجودة والرداءة، فالنوع أن يقول؛ سمن بقر أو غنم، إذا ذكر الغنم يقول: ضأن أو ماعز.
واللون أبيض أو أصفر، والمرعى يقول: عوادي أو حميصة، كما يذكر مرعى النحل إذا أسلم في العسل؛ لأنه يختلف بذلك، أو يذكر سمن معلوفة؛ لأن الغرض يختلف [ق 131 أ] بها، وإن كان يختلف باختلاف البلد إن سماه، وإن لم يذكر حديثًا يلزمه أن يعطيه حديثًا، وإن ذكر حديثًا كان تأكيدًا، وإن ذكر عتيقًا لم يجز؛ لأن السمن إذا عتق فسد ويكون سمنًا في المعيب، وذلك لا يجوز.
ويفارق التمر؛ لأنه إذا عتق لم يفسد.
وقال القاضي الطبري رحمه الله: يذكر حديثًا أو عتيقًا، إن كان يختلف، وليس كل عتيق متغيرًا، وإذا ذكر العتيق لا يقبل المعيب.
وقال بعض أصحابنا: ويذكر سمن الصيف أو الشتاء، فإن أطلق استحق سمن الوقت الذي يحل فيه الأجل.
فرع
لا يلزم ذكر قوته وتخانته ورقته؛ لأن قوته أو رقته قد يكون أصله عن جنس وليس بعيب بخلاف العسل.
فرع آخر
لو سلمه إليه رقيقًا، فإن كانت رقته لحمى الزمان أو المكان يلزمه قبوله، وإن كان لفساد فيه فهو عيب لا يلزمه قبوله.
فرع آخر
لو صفاه بالنار لا يكون عيبًا بخلاف العسل؛ لأن دخول النار على العسل يؤثر في طعمه، ودخولها على السمن لا يؤثر في طعمه.
فرع آخر
يجوز السلم في الزبد ويصفه بأوصاف السمن، ويزيد وصفًا خامسًا.
قال في
((الأم)): ((يقول: زبد يومه لأنه يتغير من عنده بتهامة ويتغير في الحر ويتغير في البرد تغيرًا دون ذلك)).
فرع آخر
قال في ((الأم)): ((وليس له أن يعطيه زبدًا نجيخًا)) والنجيخ زبد تغير فأعيد في السقاء ويمخض مع اللبن ليزول.
وقال بعض أهل اللغة:........ وقال الأزهري: النجخ: اللبن الرايب فيصب عليه حليبا فيخرج الزبد ليس لها صلابة زبد المحيض.
وقال ابن السكيت: النجيخة تخرج من السقاء إذا حمل على بعير بعد نزع زبده الأول، محتمخض فيخرج زبدًا رقيقًا.
فرع آخر
لو اشترط زبد أمسه جاز أيضًا؛ لأن الغالب أنه لا يتغير ولا يصير معيبًا في ذلك القدر من الزمان، وإن أقبضه رقيقًا فالحكم على ما ذكرنا في السمن.
مسألة
قال: ((وإن كان لبن إبل قال لبن عواد))
الفصل.
وهذا كما قال: السلم في اللبن جائز ويعفه بأوصاف السمن إلا واحدًا وهو اللون، فإن لونه لا يختلف وكله أبيض، ولا يحتاج إلى ذكر الحلاوة ولا حليب يومه؛ لأن إطلاقه تحصيله، وإن ذكر ذلك كان تأكيدًا، وهو مراد الشافعي بما ذكر ههنا.
ولو أتى به حليب أمه وقد تغير إلى مرارة أو أقل حلاوة لم يقبله، لأن لم يتغير مثل أن يكون ف بلدةٍ باردةٍ قبله.
فرع آخر
لو أسلم في لبن حامض.
قال الشافعي رحمة الله عليه؛ لا خير فيه لأن الحموضة نقص غير مضبوط.
ومعناه لا يجوز، ويفارق الخل الحامض؛ [ق 132 أ] لأن الحموضة في الخل لا تكون نقصًا، بل تكون جودة وزيادة كالحلاوة في العسل.
فرع آخر
هل يجوز السلم في اللبن الفارض، وهو أن يتجاوز صفة الحليب أو إلى صفات الحامض؟ قال الإمام أبو القاسم الصيمري: يجوز لأن ذلك ليس بفساد.
وقال غيره من
أصحابنا: لا يجوز؛ لأنها صفة لا تضبط ونقص لا يتجدد، وهذا أصح.
فرع أخر
قال: ويذكر المرعى في لبن الإبل فيقول: لبن عواد أو أوراك أو حميضة، فالعواد هي التي ترعى الغدوة وهي الجلة من الكلأ مثل النصبي ونحو ذلك.
والأوراك التي ترعى الأراك، والحميض كل نبات فيه ملوحة أو الخمض التي ترعى الحمض، وهو ما ذكرنا أن فيه ملوحة وهذا لأن اللبن يختلف بذلك.
وتقول العرب: الجلة غير الإبل والحمض فاكهتها.
قال أصحابنا: ولا يحتاج في الغنم إلى ذكر المرعى؛ لأن لبنها لا يختلف باختلاف المرعى.
فرع آخر
قال: ويجوز أن يسلم فيه كيلاً ووزناً، فإن أسلم فيه كيلاً فليس له أن يكيل برغوته لأنها تزيد في وزنه.
وقيل: إن ذلك يزيد في وزنه فلا يوزن حتى تسكن رغوته.
فرع آخر
لا يجوز السلم في اللبن المخيض؛ لأن فيه ماء، وهذا لأنه لا يصير مخيضاً إلا بإخراج الزبد منه، ولا يمكن إخراج الزبد منه إلا بالماء، فيكون مقدار المخيض مجهولاً فلا يجوز.
[ق 132 ب] فإن أخرج منه الزبد بغير الماء يجوز السلم فيه.
فإن قيل: أليس يجوز السلم في الجبن وفيه أنفحة، ويجوز في خل التمر وفيه ماء؟
قلنا: الفرق بين الأنفحة في الجبن أنها غير مقصودة وهي من مصلحته، وكذلك الماء في خل التمر غير مقصود وهو من مصلحته الخل التمري فلم يضره، والماء في المخيض ليس من مصلحته ولهذا منع جواز السلم فيه.
فرع آخر
قال في «المختصر» عقيب هذه المسألة: «وهكذا كل مختلط بغيره» وأراد بالمختلط بغير الغالية والفالوذج ونحوها، والمصلح بغيره الأدهان المربية فلا يجوز السلم في شيء من ذلك للجهل بمقادير الأخلاط، وإن كان يجوز بيع هذه الأشياء عيناً؛ لأن في بيع العين تكفي الإحاطة، وفي السلم لا بد من الوصف ولا يمكن وصفها، فأما الأدهان الطبية التي لا يخالطها شيء كدهن الورد والبنفسج ونحو ذلك مما يصيب السمسم بهذه الأوزان، ثم إذا طابت رائحته بالمجاورة يعتصر الدهن منه وبطيب رائحتها يجوز السلم فيها.
فرع آخر
جملة المختلطات على أربعة أضرب؛ مختلط بما ليس بمقصود وفيه مصلحته فيجوز السلم فيه كما ذكرنا في الجبن وخل التمر والزبيب.
ومختلط بما هو مقصود كالغالية والفالوذج فلا يجوز السلم فيهما.
ومختلط بما ليس بمقصود ولا مصلحة فيه فلا يجوز السلم فيه كالمخيض ونحوه.
ومختلط اختلاط مجاورة ولكنه مقصود [ق 133 أ] كالثوب من غزلين فقد ذكرنا حكمه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان لا يجوز السلم في خل التمر والزبيب، لأن فيه ماء وهو غلط بخلاف النص.
فرع آخر
يجوز السلم في لبن الآدميات خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله، وهذا غلط لأن لبن طاهر منتفع به كلبن الشاة.
فرع آخر
هل يجوز السلم في ماء الورد؟ وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه مصاعد بالنار.
والثاني: يجوز؛ لأنه يدخل فيها إلى حد لا يختلف بين أهله، فصار كدخول النار في تخليص الذهب.
وهذا أصح عند جماعة أصحابنا.
فرع آخر
لا يجوز السلم في الكشك ولا في البردوع للاختلاط.
مسألة:
قَالَ: «وَيَصفُ اللَبَأ كَاللَّبَنِ إِلاَّ أّنَّهُ مَوْزُونٌ».
وهذا كما قال: اللبأ هو اللبن الأصفر، وإذا طرح منه شيء على اللبن وأسخن بالنار انجمد قطعة واحدة فيسمى لبأ ويجوز السلم فيه، ودخول النار فيه لا يمنع جواز السلم فيه؛ لأن النار لينة يسيرة لا تأخذ من أجزائه شيئاً.
وقال أبو حامد رحمه الله: هو على ضربين: مطبوخ وغير مطبوخ فلا يجوز السلم في المطبوخ منه؛ لأنه تختلف أجزاءه إذا طبخ بالنار، والصحيح ما ذكرنا؛ لأنه لا تختلف أجزاءه على ما ذكرنا وإن اختلفت لا يجوز.
فإذا تقرر هذا يحتاج إلى أن يصفه بأوصاف اللبن ويذكر فيه وصفاً زائداً وهو اللون، لأنه يختلف بذلك.
ثم يحتاج إلى أن يذكر فيه الوزن لا الكيل [ق 133 ب] لأنه لا يمكن
كيله لكونه جامداً ولا يحصره إلا الوزن.
وقال أصحابنا بخراسان: إن كان ذائباً يجوز كيلاً، وإن كان جامداً لا يجوز إلا وزناً، وهذا أظهر وأقيس عندي.
فرع
يجوز السلم في الجبن ويصفه بأنه من غنم ضأن أو ماعز أو بقر.
قال: ولا أحسبه يتخذ من لبن الإبل، ويذكر البلد التي يعمل فيه فيقول: همداني، أو زيتوني أو طبري، ويذكر وقت عمله؛ لأنه يختلف به، ويذكر أنه يابس أو رطب، فإن ذكر يابساً يعطي أقل ما يقع عليه اسم اليبوسة، والرطوبة معروفة، وهو أول ما ينزل عنه الماء.
قال الشافعي رحمه الله: «الجبن الرطب لبن يطرح فيه الأنفحة قيميز ماءه وينعزل خائر لبنه» والخائر الجبن الرطب وذلك بأن يصفيه على محل أو موضع يسيل الماء منه، ويذكر الجيد والردئ.
فجملته أربعة أوصاف.
وقيل: فيه وجه آخر لا يجوز السلم فيه؛ لأن فيه أنفحة ويدخله النار، وهذا حكم الأقط.
فرع آخر
قال: «وأحب إليَّ لو قال: جبن شهر أو جبن عام» لأنه إذا دخل في حد اليبس أثقل منه إذا تطاول جفوفه، فإن ترك ذكر ذلك لم يفسده؛ لأنَّا نجيز مثل هذا في اللحم، وكذلك التمر في أول ما يبس يكون أثقل منه بعد شهر أو أكثر.
فرع آخر
قال: «ولا خير في أن يقول: جبن عتيق ولا قديم؛ لأن أول ما يقع عليه اسم العتيق والقديم غير [ق 134 أ] محدود آخره غير محدود، فهو كمثل حموضة اللبن فذكره يبطله.
وقيل: عنى العتيق جبن الحجاز.
فرع آخر
قال: «ما كان عيباً في الجبن عند أهل العلم به من إفراط ملح أو حموضة طعم أو غيره لم يلزمه قبوله».
فرع آخر
يجوز السلم في المصل؛ لأنه مخيض منعقد، ويصفه على ما ذكرنا، ويذكر الوزن وفيه وفي العين؛ لأنه لا يمكن (كيلها).
مسألة:
قَالَ: «وَيَقُولُ فِي الصُّوفِ صُوفُ ضَانِ بَلَدِ كَذَا».
الفصل
وهذا كما قال: السلم في الصوف جائز، ويصفه بثمانية أوصافٍ؛ النوع وهو إضافته إلي الضأن أو غيره.
وقيل: لا يحتاج إلى هذا؛ لأنه لا يكون إلا من الضأن.
والمكان فيقول: صوف غنم بلد كذا جبلي أو بلدي ونحو ذلك.
واللون الأبيض أو أسود أو أحمر.
والطول والقصر، فيقول: طول الطاقات أو قصرها؛ لأن الثمن يختلف به.
والذكورة والأنوثة.
قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا اختلف صوف الكباش والإناث - ويعرف ذلك بعد الجزاز - لا يجوز حتى يسمى صوف فحول أو إناث.
ويذكر الخريف أو الربيع لأنه يختلف بذلك، ويقال: الصوف الصيفي خير من الشتوي والخريفي، والربيعي يتوسخ ويتلبد بالطين والمطر، والخريفي أنظف.
ويذكر الجودة والرداءة.
قال الشافعي رحمة الله عليه: يقول جيداً نقياً ومغسولاً لما تعلق به فيثقل.
قال [ق 134 ب] أصحابنا: وهذا تأكيد ليس بشرط؛ لأنه لا يلزمه قبول غير الصوف، والغسل يذهب ما تعلق به حتى يصير نقياً.
وقال بعض أصحابنا: قوله: «نقياً» تأكيد وقوله: «مغسولاً» شرط لازم؛ لأنه يذهب الريح الذي يثقل معه الوزن فيمكن معه القبض، فعلى هذا غسل الصوف شرط آخر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: أراد بالمغسول تمييزه من التراب والشوك، فهو معنى النقي، وإن أراد غسله بالماء حتى يصير أصف مما كان يجوز بشرط أن لا يحدث معه عيباً بالغسل.
وذكر أبو حامد رحمه الله وصفاً آخر وهو الخشونة والنعومة، وهذا صحيح؛ لأن الأغراض تختلف.
وقال بعض أصحابنا: لا يحتاج إلى هذا؛ لأن ذكر الفحل والأنثى يغني عن هذا.
وذكر في «الحاوي» وصف آخر وهو أن يقول: من صغار الضأن أو كباره؛ لأن صوف الصغار أنعم وصوف الكبار أخشن، وفي هذا نظر عندي لأنه داخل فيما تقدم، ولا يجوز إلا وزناً.
فرع آخر
قال في «الحاوي»: والسلم في الصوف المصبوغ لا بأس به بعد وصفه كما ذكرنا، ثم يصف الصبغ بأربعة أوصاف؛ اللون والحنس بما يصبغ به إن كان أحمر فبالبقم أو الملك، وإن كان أسود فبالزاخ أو العفص، والبلد الذي يصبغ فيه فيقول: من صبغ الأرمن أو الجبل أو العراق، وإن كانت الناحية تختلف صبغ بلادها ذكر [ق 135 أ] البلد الذي
يصبغ منها، ويذكر صبغ الشتاء أو الصيف فإنه يختلف.
وهذا غريب.
فرع آخر
قال: «لا يجوز أن يسلم في صوف غنم بأعيانها» لأنها قد تتلف، وينافي الأمة على صوفها.
قال: ولا خير أن يسلم في صوف بلا صفة ويريه صوفاً فيقول: أستوفيه منك على بياض هذا، ونقاء هذا، وطول هذا؛ لأن هذا قد يهلك ولا يدري كيف صفته.
فرع آخر
يجوز السلم في الإبريسم ويصفه بأربعة أوصاف؛ النوع، والرقة، والغلظة، والجودة، والرداءة، واللون.
فالنوع إضافته إلى بلد بغدادي أو طبري، أو جرجاني، أو خوارزمي، لأن الثمن يختلف به.
ويقال: أجوده البغدادي، ويسميه باسم معروف، ويذكر اللون أصفر أو أبيض ونحو ذلك، ولا يحتاج أن يذكر النعومة والخشونة؛ لأن لا يكون إلا ناعماً ليناً، ولا يجوز السلم فيه إلا وزناً.
فرع آخر
يجوز السلم في المغزل، ويصفه بما ذكرنا في الإبريسم، إلا أنه يزيد فيه الناعم والخشن.
فرع آخر
السلم في القز الذي فيه الدود [ق 135 ب] ويعمل فيه الإبريسم، لا يجوز؛ لأن الدود فيه إن كان حيَّا فلا مصلحة فيه؛ لأنه يقرضه ويفسده، وياخذ قسطاً من الوزن إن كان ميتاً، لا يجوز بيعه والقز دونه مجهول، ولهذا لا يجوز بيع القز وزناً لهذه العلة، ويجوز بيعه جزافاً، وأما إذا خرج منه الدود، ويجوز السلم فيه وزناً؛ لأنه وإن لم يكن سلمه فإن يطبخ ويغزل ويعمل منه ثياب القز.
وينبغي أن يذكر البلد والصغر والكبر واللون والجيد والردئ.
فرع آخر
يجوز السلم في سلخ القز، وهو ما ظهر منه فوق الإبريسم، ويعتبر فيه ثلاثة أوصاف؛ ذكر البلد، واللون، والجودة، والرداءة.
مسألة:
قَالَ: «وَيَقُولُ فِي الكُرْسُفِ كُرْسفُ بَلَدِ كَذَا».
الفصل:
وهذا كما قال: يجوز السلم في القطن، ويصفه بأربعة أوصافٍ؛ النوع، واللون،
والنعومة والخشونة، وطويل الشعرة وقصرها، والجودة والرداءة فالنوع إضافته إلى بلد كذا: رازي، أو جرجاني، أو نيسابوري ونحو ذلك.
واللون أبيض أو أسمر.
فرع
قال بعض أصحابنا: لا بد أن يقول أيضاً: محلوج أو مع الحب.
وقال أبو حامد رحمه الله: لا يحتاج إلى هذا، وإذا أطلق جاز، وكان له ذلك؛ لأن الحب فيه بمنزلة النوى في التمر.
والأولى أولى عندي.
فرع آخر
قال الشافعي رحمة الله عليه: «لو أسلم فيه منقى من حبه كان أحب إليَّ، ولا أرى بأساً أن يسلم بحبه؛ لأنه [ق 136 أ] كالنوى».
قال: «ويسمى وزناً معلوماً».
قال: «ولا خير في السلف في الكرسف يجوزه لأنه ليس له مصلحة فيه» بخلاف السلم في الجوز المأكول.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: ويذكر القطن ما لقط رطباً ويابساً؛ لأن ما لقط رطباً أنعم وألطف وأضعف، وما لقط بعد يبسه أقوى وأخشن ويذكر ما لقط في أول السنة عند شدة الحر وفي آخرها، وفي وقت البرد فإنه يختلف لاسيما بالبصرة، فإن كان في بلدٍ لا يختلف لا يلزمه ذكره.
فرع آخر
قال: اختلف قدم الكرسف وحديثه سمى قديماً أو حديثاً من كرسف سنة أو سنتين.
فرع آخر
قال: «وإن كان يكون ندياً سماه جافاً لا يجزئ فيه غير ذلك».
وإن لم يكن جافاً وأطلق العقد جاز ويقتضي اليابس الجاف.
فرع آخر
قال: «ويذكر قطناً نقياً؛ لأنه قد تعلق به الجوز أو غير ذلك مما يثقله، وهذا تأكيد مضبوط بالصفات».
مسألة:
قَالَ: «وَلَا بَاسَ أَنْ يُسَلُفَ فِي الشَّيئِ كَيْلاً وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ وَزْناً».
وهذا كما قال: كل ما يتأتى فيه الوزن دون الكيل يسلم فيه وزناً، وكل ما يتأتى فيه الكيل دون الوزن يسلم فيه كيلاً [ق 136 ب] وما يتأتى فيه الأمران معاً يجوز السلم فيه كيلاً ووزناً؛ لأن الغرض معرفة مقدار السلف فيه بخلاف الربا، فإن بيع الموزون من مال الربا بعضه ببعض كيلاً لا يجوز؛ لأن الغرض هناك معرفة المتقابل وربما يتفاضلان عند الوزن.
فرع
قال في «الأم»: وما يسلف فيه كيلاً لم يستوف إلا كيلاً، وما يسلف فيه وزناً لم يستوف إلا وزناً لاختلاف الكيل الوزن، ويلزمه أن يكيل مرسلاً من غير أن يدق ولا أن يزلزل ولا أن يدق على رأسه وإنما يدع ما يحمله.
مسألة:
قَالَ: «وَمَا ضُبِطَتْ صِفَتُهُ مِنْ خَشَبٍ سَاجٍ أَوْ عِيدَانٍ قَسِيِّ».
الفصل
وهذا كما قال.
يجوز السلم في الخشب، وهو على أربعة أضرب؛ ضرب يراد للبناء والأطباق والمراية، وضرب يراد للقسي، وضرب يراد للوقود، وضرب يراد لنُصُب السكاكين والدارن.
فأما ما يراد للبناء والأطباق فضبطه بخمسة أوصاف: النوع، واللون والرطوبة، واليبوسة، والجودة والرداءة، والعرض والطول.
فالنوع يقول: ساجاً أو صنوبراً أو نخلاً أو جوزاً أو نحو ذلك.
واللون أصفر أو أبيض أو أسود، ويقول في المدور أوله وآخره واحد وإن كان يختلف ذكر ذلك على وجه يضبط.
وأما ما يراد للقسي، قال الشافعي رحمه الله: «يذكر عود شوحطة السهلي والجبلي؛ لأن الجبلي أقوى من السهلي» قال: «ويقال فيه: خوط أو فلقة والفلقة أقدم نباتاً [ق 137 أ] من الخوط، والخوط الشاب».
ويذكر دقيق أو وسط طوله كذا وعرضه كذا، ويكون مستوى البينة، وما بين الطرفين من الغلظ، وكل ما أمكنت فيه هذه الصفات جاز، وإلا فلا يجوز.
وذكر بعض أصحابنا أنه يذكر في جميع ذلك زمان قطعه من صيف أو شتاء.
وأما ما يراد للوقود وهو خشب الحطب ضبطه بخمسة أوصاف على ما ذكرنا، فيقول: أم غيلان، أو أراك، أو عرعر.
ويقول: غلاظ أو دقاق أو وسط، ويذكر
الرطب واليابس والجيد والرديء.
قال بعض أصحابنا بخراسان: لا يحتاج إلى ذكر الرطب واليابس، بل مطلقه يقتضي اليابس؛ لأن النداوة في الحطب عيب، وهذا غير صحيح؛ لأن النداوة فيه رداءة لا عيب.
وأما ما يراد للنُّصُب فيذكر نوعه كالأبنوس وغلظه ودقته وسائر الأوصاف التي يختلف الثمن باختلافها.
فرع
لا يجوز في الأبنوس الملمع؛ لأن تلمعه لا يضبط.
فرع آخر
قال: ويذكر ساجاً سمحاً، يعني لا عقد فيه، وهذا على سبيل التأكيد، لأن العقد فيه عيب، وإذا أطلقه لا يلزمه قبوله، وإن كان يتفاوت طرفاه لا يجوز فيه السلم.
فرع آخر
قال في «الأم»: وإذا شرط له الغلظ فجاء بأحد طرفيه على الغلظ والآخر أكبر فهو متطوع بالفضل ويلزمه قبوله، وإن جاء بأفضل من طوله وناقص أحد الطرفين من غلظه لم يلزمه قبوله؛ لأن [ق 137 ب] هذا نقصاً من حقه.
فرع آخر
في خشب البناء لا يحتاج إلى ذكر الوزن.
نص عليه في «الأم».
قال أصحابنا: ويجوز أن يجمع ذكر الطول والعرض، وذكر الوزن، والفرق بينه وبين الثياب أن الخشب لا يبعد ووجود الوزن فيه مع ذكر الطول والعرض بخلاف الثوب، وذكروا هذا عن الشافعي رحمه الله.
وقال القاضي الطبري: لا أعرف هذا للشافعي؛ لأنه في الكبر الطول والعرض، دون الوزن، وفي الصغار الرقة والغلظ والوزن ولم يذكر الطول والعرض، فقال: وما صغر من الخشب لم يجز السلم فيه عدداً ولا جرماً حتى يسمى الجنس فيقول: أبنوس أو غير ذلك وزن كذا وكذا، وكذلك يذكر الوزن في الخطب ويجوز أن يسلم فيه عدداً لا جرماً أيضاً.
مسألة:
قَالَ «وَكَذَلِكَ حِجَارَةُ الأَرْحَاءِ وَالبُنْيَانِ وَالأَنِيَةِ».
وهذا كما قال: يجوز السلم في الأحجاز، فإن كانت حجارة الأرحية يضبطها بخمسة أوصاف؛ النوع، واللون، والدور والسُّمك، والجودة والرادءة، فالنوع يذكر المكان فيقول: موصلي، أو حراني، أو طبري ونحو ذلك، واللون أبيض أو أسود، ويذكر القد من الدور والعرض والسُّمك والتخانة، ويمكن ذلك بأن يحيط به خيطاً ثم يزرع ذلك الخيط.
قال الشافعي رحمه الله: «وينسبها إلى الصلابة، وأن لا يكون فيها عرق ولا كلا، والكلا حجارة مدورة صلبة لا تجيب بالحديد [ق 138 أ] إذا ضربت انكسرت من حيث لا يريد الضارب».
قال في «الحاوي»: ويذكر أنها من حجارة الماء أو من حجارة الجبل ولا يحتاج فيه إلى ذكر الوزن، ولو ذكره جاز، وما كان منها صغار لا يمكن وصفها بالذرع جاز أن يُسلم فيها وزناً، والكلام في وزن الحجر والخشب الثقيل واحد، فإن أمكن حمله بقبان، أو قياس فذاك وإن لم يحمله القبان أو العيان يوضع في السفينة، والسفينة في ماء راكد ثم يعلم على مكان بلوغ الماء من ظاهرها بعلامة من جميع أطرافها ثم ينقل عنها ذلك، ويجعل فيها طعام أو تراب، فإن نزلت في الماء إلى تلك العلامة وزن التراب فما خرج فهو وزنها.
وأما حجارة الأبنية فضبطها بأوصاف النوع، واللون، والجودة والرداءة، ولا يحتاج إلى ذكر القد والصغر والكبر؛ لأن ذلك معروف عند أهل البناء.
وذكر أبو حامد رحمه الله أنه لا بد من ذكر الكبير والصغير وهذا أصح عندي.
وقال في «الأم»: يقول: ما يحمل البعير اثنين أو ثلاثة أو أربعة ويذكر الوزن مع ذلك.
قال: ويجوز السلم في النقل وهي الحجارة الصغار التي تصلح للمنجنيق ولا يجوز إل وزناً.
قال: وينسبها إلى الصلابة ولا يلزمه أن يقول: كراناً ولا مبنياً.
وأما حجارة القدور فيذكر فيها جميع ما ذكرنا من الأوصاف مع الكبر والصغر بلا إشكال، ويقول: برام طواسية أو مكية، ويذكر الوزن.
[ق 138 ب] فرع: السلم في الرخام جائز ويذكر نوعه ولونه وصفاته، وجيداً أو رديئاً، ويذكر طوله وعرضه، أو دوره إن كان مدوراً، ويذكر إن كان له عرض تخانة.
قال في «الأم»: «وإن كان لها براسيع مختلفة وشعفاً» وبراسيها الخطوط التي تكون فيها.
فرع آخر
يجوز السلم في البور ويصفه بأوصافه، ونصَّ في «الأم» على أنه يجوز السلم في الآنية المتخذة منها.
وقال: «يصف طولها وعمقها وعرضها وتخانتها وصنعتها إن كانت
تختلف فيها الصنعة».
قال: «وإن وزن مع هذا كان أحب إلىَّ، وإن ترك وزنه لم يفسد إن شاء الله».
فرع آخر
قال في «الأم»: ولا بأس أن يبتاع آخراً بطوله وعرضه وتخانته ويشترط من طين معروف، وإن شرط فيه الوزن كان أحبَّ إليَّ وإن تركه فلا بأس إن شاء الله، ويذكر اللون والجودة والرداءة.
وقال في «الحاوي»: لا بد من ذكر الوزن بالأرطال وصفة الطبخ.
فرع آخر
ويجوز السلم في اللبن غير المطبوخ أيضاً، ويصفه بما ذكرنا قال: وإن أسلم في اللبن شرط أن يطبخه لم يجز؛ لأنه لا يعرف قدر ما يذهب من طبخه من الحطب، ولأنه قد يتبهرج فيفسد.
فرع آخر
يجوز السلم في النورة والقصة، وهي الجص ينسبها إلى أرضها فإنها تختلف بذلك، ويشترط الجودة أو الرداءة، ويشترط بيضاء أو سمراء وأي لونٍ كان إذا تفاضلت في الألوان [ق 139 أ] ويشترطها بكيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم.
وقيل: لا يجوز في الجص المحترق.
قال: ولا خير في السلف فيها إجمالاً ومكايل وجزافاً من غير إجمال ولا مكايل إذا كان حاصرها.
فرع آخر
قال: وهكذا لا بأس بالسلم في المدر بكيل معلوم، وإذا وصف جيداً لم يلزم أن يأخذ سبحا؛ لأن هذا مخالف للجودة، وإن كان فيه كذان أو حجارة أو بطحاء لم يلزمه أخذه، لأنه ليس بمدر ولا قصة ولا نورة ويصف المدر بالموضع ويذكر لونه إن كان يختلف.
فرع آخر
قال في «الأم»: وإن كانت القصة والنورة مطيرتين لم يلزم المشتري قبوله؛ لأن هذا غيب فيهما [وكذلك إن قدمتا قدر ما يضر بهما لم يلزم المشتري؛ لأن هذا عيب] والمطر لا يكون إفساداً للمدر؛ لأنه إذا جف لم يكن للمطر فيه بأس ولا تأثير وعاد إلى حالته، وكذلك الطين.
فرع آخر
قال الشافعي رحمة الله عليه: رأيت طينًا زعم أهل العلم أنه طين أرمني، وطينًا يقال له: طين البحيرة والمختوم وهما يدخلان في الأدوية، وأنهما يغشان بطين غيرهما لا ينفع منفعتهما ولا يساوي مائة رطل منه رطلًا من هذا.
ورأيت طينًا في الحجاز يشبه ما يقولون أنه أرمني، وإن كان ما رأيته إذا اختلط بالأرمني لا يتميز عند أهل العلم والمعرفة به، فلا يجوز السلم.
وإن تميز وعرفة عدلان من المسلمين جاز فيه السلم إذا وصف بلده وجنسه ولونه ووزنه.
فرع آخر
[ق 139 ب] لا يجوز السلم في الزجاج المخروط والمنقوش، لأنه عمل غير مضبوط ويجوز فيما ليس بمخروط ولا منقوش إذا ضبطت أوصافه على ما ذكرنا في الأواني.
فرع آخر
لا يجوز السلم في العقار بحال، لأن البقاع تختلف ولا يضبط الوصف، وإن عين بقعة يكون سلمًا في عين، ولا يجوز ذلك.
مسألة:
قال: "ويجوز السلم فيما لا ينقطع من العطر".
الفصل
وهذا كما قال.
يجوز السلم في العطر المستدرك بالوصف، أي عطر كان من عنبر أو كافور أو غيره إذا لم يكن أخلاطًا جمعت، وإنما يصح إذا كان عطرًا لا ينقطع عن أيدي الناس في الغالب عند المحل، ولا بد من ذكر الوزن فيه لبيان المقدار، ويسمى الصنف الذي أسلم فيه والجيد والرديء منه، وأن اختلف أنواع ذلك لا بد من أن يعتبر نوع من جملة الأنواع، فالعنبر منه الأشهب والأبيض والأخضر، ولا يجوز حتى يسمى ذلك، وكذلك العود ونحوه ويذكر قطعًا صحيحًا وزنه كذا، أو قطعة واحدة إن أراد ذلك، ثم إن ذكر قطعة واحدة لا يقبل منه قطعتين، إن ذكر قطعًا صحاحًا لا يقبل منه فتاتًا، لأن الثمن يختلف بذلك.
قال: "وإذا سميت عنبرًا وصفت لونه وجودته كان لك عنبر في ذلك اللون والجودة صغارًا أعطاك أو كبارًا".
وهذا يدل على أن ذكر القطعة والقطاع ليس بشرط بل هو تأكيد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: [ث 140 أ] الذي يليق بكلام الشافعي رحمة الله عليه، أنه لابد من ذلك، وإن لم يذكر بطل السلم، لأنه سلم خصومة ولكن النص الصريح ما ذكرنا، وإن كان يختلف بالبلدان قال: عنبر بلد كذا.
فرع
قال الشافعي رحمة الله عليه: يجوز بيع العنبر، وقال أهل العلم بالعنبر: إنه نبات والنبات لا يحرم منه شيء.
قال: وحدثني بعضهم أنه ركب البحر فوقع إلى جزيرة فيه فنظر إلى شجرة مثل عنق الشاة وإذا ثمرتها عنبر.
قال: فتركناه ليكبر ثم نأخذه فهبت ريح فألقته في البحر.
قال الشافعي: ودواب البحر تبتلعه أول ما يقع، لأنه لين فإذا ابتلعته قل ما سم منه إلا قتله لفرط الحرارة فيه، فإذا أخذ الصياد السمكة وجده في بطنها فيقدر أنه منها وإنما هو ثمرة نبت.
فرع آخر
قال: ويجوز السلم في المسك، وزعم بعض أهل العلم أنه سرة دابة كالظبي تلقيه في وقت من الأوقات، وهو طاهر، لأنه وإن كان يلقيه الحي فإنه يجمع معنيين الطيب، وأنه ليس بعضو منه ينقصه خروجه حتى لا يعود مكانه مثله بمنزلة اللبن والبيض.
ويصف المسك بالبلد تنبتي أو هندي أو غيره، ويصفه باللون، وكل ما يختلف الثمن لأجله.
فرع آخر
لا يجوز السلم في العود الرطب، ولا التوتبا الهندي، لأن وجودهما نادر.
فرع آخر
قال: ويجوز السلم في العود، وهو يتفاضل تفاضلًا كثيرًا ولا يجوز حتى يوصف [ق 140 ب] كل صنف وبلده وتسميته الذي يميز بيه وبين غيره، فيقول: عود هندي أو صيني أو نحو ذلك.
فرع آخر
لا يجوز السلم في الند والعود والمطر، لأنه أخلاط كالغالية
فرع آخر
يجوز السلم في متاع الصيادلة إذا لم يختلط بغيره ويعرف بصفة ويذكر عتيقه
وجديده، وجيده ورديه.
قال في "الأم": ويجوز السلم في اللبنان والمصطكى وجميع الشجر كله ويصفه بصفاته من اللون والذكورة والأنوثة ويصف شجره، لأنه يختلف بذلك ولا يحتاج إلى أن يقول: صغارًا أو كبارًا، لأنه لا يختلف بذلك، وإذا أتاه لا يقبل إلا خالصًا محضًا.
ويجوز السلم في الأدوية إذا لم تكن معجونة.
مسألة:
قال: "ولا خير في شراء شيء خالطه لحوم الحيات في الدرياق".
الفصل:
وهذا كما قال: لا يجوز بيع الدرياق لأنه نجس، فإنه يعمل من لحوم الحيات، ولبن الأتان، ولبن ما لا يؤكل لحمه من غير الآدمي نجس في ظاهر المذهب، ولا يجوز بيعه ولا السلم فيه، والسم طاهر لأنه نبات، أو عرق، أو لعاب، وقد ذكرنا حكمه.
فرع
يجوز بيع الدادي والسلم فيه، لأن فيه منفعة من غير المحظور، أن استعمل في النبيذ وتداوي به وهو طاهر.
مسألة:
قال: "ولو أقاله بعض السلك وقبض بعضًا فجائز".
وهذا كما قال.
الإقالة: فسخ بيع وليست بيع، نص عليه الشافعي رحمه الله، ولا فرق أن تكون في [ق 141 أ] السلم أو في البيع العين وبين أن تكون قبل قبض الثمن بعده، ولا يجوز إلا بالثمن الذي وقع عليه العقد جنسًا ونوعًا وقدرًا.
وبه قال أبو حنيفة رحمه الله.
وحكي بعض أصحابنا عن أبي حنيفة أنه قال: إذا أقاله بأكثر من الثمن الأول صحت الإقالة وبطلت الزيادة.
وهذا غلط، لأن شرط الزيادة يُخرج الإقالة عن موضعها وقد أسقط حقه من البيع بما شرط من العوض، فإذا لم يسلم له الشروط لم يزل ملكه.
وقال مالك رحمه الله: الإقالة بيع بكل حال.
وقال بعض أصحابنا: هو قول آخر للشافعي رحمه الله.
وقيل: ذكره في "القديم"، واحتج بأنه نقل ملك بعوض على التراضي فكان بيعًا.
وهذا غلط، لأن المبيع رجع إليه بلفظ لا ينعقد البيع بع ابتداء ولا يكون بيعًا.
وقيل: فائدة القولين ثلاث مسائل:
أحدها: إذا تقايلا هل يتجدد حق الشفعة؟ فإن قلنا: فسخ لا يتجدد.
وإن قلنا: بيع يتجدد.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: هي بيع في غير حق المتعاقدين فثبت بها الشفعة للشفيع، وهذا مجال، لأن ما كان فسخًا لحكم كان فسخًا لكل حكم.
والثانية: إن تقايلا فقبل استرداد البائع المبيع يتلف، فإن قلنا: ابتداء عقد تبطل الإقالة.
وإن قلنا: فسخ لا تبطل.
والثالث: الإقالة في التالف هل تصح؟ إن قلنا فسخ تصح وإلا فلا تصح وهذا ليس بشيء، وهو غلط على المذهب، [ق 141 ب] لأن الشافعي نص على أن الإقالة تجوز في التالف ولم يذكر قولًا آخر.
هكذا ذكره القاضي الطبري رحمه الله.
وقال في "الحاوي": قال بعض البغداديين: تجوز الإقالة بعد تلف العين، وهذا خطأ، ولا تجوز إلا مع بقاء العين، لأن فسخ الإجبار بالرد بالعيب لا يجوز مع التالف ففسخ المراضاة أولى.
وقد ذكرنا لفظ الشافعي فيما تقدم فلا معنى لهذا.
فإذا تقرر هذا، فإن أقاله في جميع المسلم فيه جاز وانفسخ العقد، وعليه أن يرد ما قبضه من رأس المال، فإن كان قائمًا رده، وإن كان تالفًا فعليه رد مثله إن كان له مثل أو قيمته يوم قبضه منه إن لم يكن له مثل.
ولو أقاله في بعضه وقبل بعضه يجوز أيضًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا جوزنا تفريق الصفقة، فإذا لم نجوز تفريق الصفقة لا يجوز هذا وإن تراضيا عليه.
ويذكر هذا عن القفال، وفي هذا نظر، ولا وجه له.
وبقوله قال عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحكم بن عيينة، وأبو حنيفة، والثوري رحمهم الله تعالى.
وقال مالك، وربيعة، والليث بن سعد وابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك، وكرهه أحمد وإسحاق.
ورواه ابن المنذر عن ابن عمر - رضي الله عنهما - والحسن، وابن سيرين، والنخعي، واحتجوا بأنه إذا أقاله في بعضه فقد صار بيعًا وسلفًا، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه [ق 142 أ] وذلك أنه إذا أقاله في بعضه، ورد بعض رأس المال يصير في معنى القرض، لأنه رد مثله والباقي يكون بيعًا.
وأيضًا إذا أقاله في البعض يصير كأن البائع ما أعطى البعض إلا بعوض وهو الإقالة في البعض، ولو عجل البعض وأبرأ عن البعض لم يجز.
وهذا غلط، لأن الإقالة مندوب إليها، وكل معروف جاز في جميع العوض جاز في بعضه كالإبراء.
وأنا ما ذكره لا يصح، لأنه موجود في الرجوع بأرش العيب ونحو ذلك، ولأنه إنما يجوز عند الشرط وهذا من غير شرط.
وأما الآخر فلا يصح، لأن الشافعي رحمه الله قال: "لا أجعل التهمة موضعًا فيما فعلا".
ويجوز عند البراءة عن البعض وأخذ البعض معجلًا قبل المحل من غير شرط، ولا يجوز ذلك الشرط، وهذا لأنهما لا يتهمان أنهما أضمرا أن يكون التعجيل في مقابلة النقصان، فيصير كالشرط كما قال مالك.
واحتج الشافعي رحمة الله عليه بما روي عن
ابن عباس رضي الله عنهما قال فيمن أقال بعض السلم وقبض بعضًا: ذلك المعروف.
قال: وأجازه عطاء بن أبي رباح المكي، وهذا استئناس بقوله.
وحكي عن ابن أبي ليلى أنه قال: إذا أقاله في البعض انفسخ في الكل.
وهذا غلط ظاهر، لأن البيع لا يسري فكيف تسري الإقالة.
مسألة:
قال: "وإذا أقاله فبطل عنه الطعام وصار عليه ذهباً تبايعا بعد بالذهب ما شاءا وتقابضا قبل أن [ق 142 ب] يتفرقا من عرض وغيره".
وهذا كما قال: إذا تقايلا في بعض المسلم فيه أو كله ورأس المال ذهب قد تلف عنده يسترد مثله على ما ذكرناه.
فإن أراد أن يأخذ جنساً آخر وإن قال: أسلمت إليك مالي في ذمتك في كذا وكذا ولم يجز، لأنه بيع دين بدين.
وإن أخذ ديناً فإن أخذ دراهم عن كذا لم يجز أن يتفرقا قبل التقابض لأنه صرف.
وأن أخذ عرضاً نص الشافعي رحمه الله ههنا أنه لا يجوز أن يفارقه قبل القبض، لأنه قال: "من عرض أو غيره".
وقد ذكرنا فيه وجهاً آخر أنه يجوز من غير قبض، لأنه بيع عين بدين لا يحرم فيهما النساء، كما لو باع عيناً بثمن في ذمة المشتري، ولا فرق بين أن يكون الثمن في ذمة المشتري أو في ذمة البائع، ومن قال بهذا تأول قول الشافعي ههنا فقال: أراد به إذا كان العرض موصوفاً غير معين، ولو استبدل منه عرضاً موصوفاً وعيناه في المجلس وتقابضا ثم تفرقا فيه وجهان، لأن ابتدأه دين أخذ عرضاً عن دين.
هكذا ذكره بعض أصحابنا بخراسان.
والمذهب أنه يجوز ذلك.
قال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز الاستبدال عن رأس مال السلم بعد التقايل استحساناً، كما لا يجوز عن المسلم فيه عند بقاء العقد.
واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أسل في شيء فلا يصرفه إلى غيره".
وهذا غلط، لأن الذهب بعد الإقالة دين مستقر في الذمة [ق 143 أ] وعلامة استقرار الحق في الذمة تقويمه عند عدمه والذهب بعد الإقالة بهذه الصفة، وعلامة عدم الاستقرار في الذمة أن يترك تقويمه عند العدم والانقطاع والمسلم فيه بهذه الصفة، لأنا إذا فقدناه يقومه بل يفسخ عقد المسلم فعلم أنه غير مستقر فلا تجوز المعارضة عنه بخلاف رأس المال ههنا.
وأما الخبر أراد به المسلم فيه.
فرع
لو تبايعا عبداً وقبضه المشتري ثم تقايلا ثم اشتراه ثانياً من بايعه ثم تلف العبد يد المشتري يضمن بالقيمة دون الثمن الأول والثاني، لأن الإقالة رفعت المشتري الأول وتلفه قبل إحداث قبض ثاني بطل الشراء الثاني فبطل الثمنان، ثم هو مقبوض على وجه