والثاني: أنها محمولة على الاستمتاع بهن في النكاح وقول ابن مسعود إلى أجل مسمى يعني به المهر دون العقد.
وأما حديث سلمة بن الأكوع فالإباحة فيه منسوخة بما رويناه من التحريم الوارد بعده.
وأما تفرد عمر بالنهي عنها فما تفرد به وقد وافقه عليه الصحابة وإنما كان إمامًا فاختص بالإعلان والتأديب ولم يكن بالذي يقدم على تحريم بغير دليل ولكانوا قد أقدموا عليه يمسكون عنه ألا تراه يقول على المنبر: لا تغالوا في صدقات النساء فلو كانت تكرمة لكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولاكم بها فقالت امرأة: أعطانا الله ويمنعنا ابن الخطاب فقال عمر: وأين أعطاكن فقالت: بقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر حتى امرأة.
وروي أن عمر قال يومًا على المنبر: أيها الناس استمتعوا فقال سلمان: لا نسمع فقال عمر: ولم ذاك فقال سليمان: لأن الثياب لما قدمت من العراق وفرقتها علينا ثوبًا وأخذت ثوبين لنفسك فقال عمر: أما هذا فثوبي وأما الآخر فاستعرته من ابني ثم دعي ابنه عبد الله وقال: أين ثوبك؟ فقال: هو عليك, فقال سلمان: قل الآن ما شئت يا أمير المؤمنين فكيف يجوز مع اعتراضهم عليه في مثل هذه الأمور أن يمسكوا عنه في تحريم ما قد أحله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا ينكرونه لولا اعترافهم بصحته وبقائهم على تحريمه فإن قيل: فقد روي عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع أنهما قالا: سمعنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحل المتعة وسمعنا عمر ينهى عنها فتبعنا عمر قيل معناه: تبعنا عمر فيما رواه من التحريم لأنه روى لهم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أباح ثلاثًا ثم حرمها.
فكيف يجوز لولا ما ذكرنا أن يضاف إلى جابر وأبي سلمة أنهما خالفا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتبعا عمر ولو تبعاه لما تبعه غيرهما من الصحابة.
وأما قياسهم على الإجازة فالمعنى فيهما: أنها لا تصح مؤبدة فصمت مؤقتة والنكاح لما صح مؤبدًا لم يصح مؤقتًا.
وأما الجواب عن استدلالهما بأنه قد ثبت إباحتها بالإجماع فلم يعدل إلى تحريمها إلا بالإجماع فمن وجهين:
أحدهما: أنه ما ثبت به إباحتها هو الذي ثبت به تحريمها فإنه كان دليلًا على الإباحة وجب أن يكون دليلًا في التحريم.
والثاني: أن الإباحة الثابتة بالإجماع هو إباحة مؤقتة تعقبها نسخ وهم يدعون إباحة مؤبدة لم يتعقبها نسخ فلم يكن فيما قالوه إجماع.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من تحريم المتعة فلا حد فيها لمكان الشبهة ويعززان أدبًا إن علما بالتحريم ولها مهر مثلها بالإصابة دون المس وعليها العدة وإن جاءت بولد لحق بالوطء لأنها صارت بإصابة الشبهة فرشًا ويفرق بينهما بغير طلاق لأنه ليس بينهما نكاح يلزم ويثبت بهذا الإصابة تحريم المصاهرة والله أعلم.
مسألة:
"وَنِكَاحُ المُحَلِلَ باطِل".
قال في الحاوي: وصورتها في امرأة طلقها زوجها ثلاثًا حرمت عليه إلا بعد زوج فنكحت بعده زوجًا ليحلها للأول فيرجع إلى نكاحها فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يشترطا في عقد النكاح أن يتزوجها على أنه إذا أحلها بإصابة للزوج الأول فلا نكاح بينهما فهذا نكاح باطل.
وقال أبو حنيفة: النكاح صحيح والشرط باطل.
والدليل على بطلانه ما رواه الحارث الأعور عن علي ورواه عكرمة عن ابن عباس ورواه أبو هريرة كلهم بروايته عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "لعن الله المحلل والمحلل له".
وروى عقبة بن عامر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "ألا أخبركم بالتيس المستعار"؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: "هو المحلل والمحلل له".
ولأنه نكاح على شرط إلى مدة فكان أغلظ فساد من نكاح المتعة على وجهين:
أحدهما: جهالة مدته.
والثاني: أن الإصابة فيه مشروطة لغيره فكاد بالفساد أخص ولأنه نكاح شرط فيه انقطاعه قبل غايته فوجب أن يكون باطلًا.
أصله: إذا تزوجها شهرًا أو حتى يطأ أو يباشر.
والقسم الثاني: أن يتزوجها ويشترط في العقد أنه إذا أحلها للزوج الأول طقها ففي النكاح قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم "والإملاء" أن النكاح صحيح لأنه لو تزوجها على أن لا يطلقها كان النكاح جائزًا وله أن يطلقها كذلك إذا تزوجها على أن يطلقها وجب أن يصح النكاح ولا يلزمه أن يطلقها.
والثاني: نص عليه في الجديد من "الأم" وهو الأصح - أن النكاح باطل لأنه باشتراط الطلاق مؤقت والنكاح ما تأبد ولم يتوقف وبهذا المعنى فرقنا بين أن يشترط فيه أن لا يطلقها فيصح لأنه مؤبد وإذا شرط أن يطلقها لم يصح لأنه مؤقت.
والقسم الثالث: أنه يشترط ذلك عليه قبل العقد ويتزوجها مطلقًا من غير شرط لكنه ينوي ويعتقده.
فالنكاح صحيح لخلو عقده من شرط يفسده وهو مكروه لأنه نوى فيه ما لو أظهره أفسده ولا يفسد بالنية لأنه قد ينوي ما لا يفعل ويفعل ما لا ينوي وأبطله مالك وقال: هو نكاح محلل وحكى أبو إسحاق المروزي عن أبي حنيفه أنه استحبه لأنه قد تصير الأول بإحلالها له وكلا المذهبين خطأ بل هو صحيح بخلاف قول مالك ومكروه بخلاف استحباب أبي حنيفة لما رواه الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن ابن سيرين: أن امرأة طلقها زوجها ثلاثًا وكان يقعد على باب المسجد أعرابي مسكين فجاءته امرأة فقالت له: هل لك في امرأة تنكحها فتبيت معها الليلة فإذا أصبحت فارقتها قال: نعم ومضى فتزوجها وبات معها ليلة فقالت له: سيقولون لك إذا أصبحت فارقها لا تفعل فإني مقيمة لك ما ترى واذهب إلى عمر فلما أصبح أتوه وأتوها فقالت لهم: كلموه, فأنتم أتيتم به, فقالوا له: فارقها فقال: لا أفعل امض إلى عمر فأخبره.
فقال له: الزم زوجتك فإن رابوك بريبة فأتني وبعث عمر إلى المرأة التي مشت لذلك فنكل بها.
وكان الأعرابي يغدو ويروح إلى عمر في حلة فيقول له عمر: الحمد لله الذي كساك يا ذا الرقعتين حلة تغدو فيها وتروح.
فقد أمضى عمر النكاح: فبطل به قول مالك في فساده وكل عمر بالمرأة التي شت فيه فدل على كراهته وفساد ما حكي عن أبي حنيفة من استحبابه.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من أقسام نكاح المحلل فإن قلنا بصحته تعلق به أحكام النكاح الصحيح من ثبوت الحصانة ووجوب النفقة وأن يكون مخيرًا فيه بين المقام أو الطلاق فإن طلق بعد الإصابة التامة فقد أحلها للزوج الأول فأما المهر فإن لم يتضمن العقد شرط يؤثر فيه فالمسمى هو المستحق, وإن تضمن شرطًا يؤثر فيه كان المستحق مهر المثل دون المسمى وإن قلنا بفساد العقد وإنه باطل فلا حدّ عليه فيه لأجل الشبهة لكن يعزز لإقدامه على منهي عنه ولا يثبت بالإصابة فيه حصانة ولا يستحق فيه نفقة ويجب فيه بالإصابة مهر المثل وهل يحلها للزوج إذا ذاقت عسيلته وذاق عسيلتها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم: أنه يحلها للأول واختلف أصحابنا في تعليله فقال بعضهم: ذوق العسيلة في شبهة النكاح تجري عليه حكم الصحيح من النكاح.
وقال آخرون: اختصاصه باسم المحلل موجب لاختصاصه بحكم التعليل فعلى التعليل الأول تحل الإصابة في كل نكاح فاسد من شعار ومتعة وبغير ولي ولا شهود.
وعلى التعليل الثاني: وهو الجديد الصحيح أنه لا يحلها للزوج الأول لا في نكاح المحلل ولا غيره في الأنكحة الفاسدة حتى يكون نكاحًا صحيحًا.
لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] وهذا ليس بزوج ولأن كل إصابة لم يتعلق بها إحصان لم يتعلق فيها إحلال الزوج كالإصابة بملك اليمين.
باب نكاح المحرم
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٌ عَنْ نَبِيه بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبَان بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بِنْ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ" وَقَالَ بَعْضُ النَّاس: رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَكَحَ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ.
قُلْتُ: رِوَايَةُ عُثْمَانَ ثَابِتَةٌ وَيَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ ابْنُ أُخْتِهَا وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارِ عَتِيقُهَا أَوِ ابْنِ عَتِيقِهَا يَقُولَانِ نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَثَالِثٌ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ المُسِيبِ وَيَنْفَرِدُ وَعَلَيْكَ حَدِيثُ عُثْمَانَ الثَّابِتُ وَقُلْتُ: أَلَيْسَ أَعْطَيتَنِي أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرْتُ فِيمَا فَعَلَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِه فَأَخَذْتُ بِهِ وَتَرَكْتُ الَّذِي يُخَالِفَهُ؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ فَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَيَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ يَرُدَّانِ نِكَاحِ الُمْحرِمِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا أَعْلَمُ لَهُمَا مٌخَالِفًا فَلِمَ لَا قُلْتَ بِهِ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ كَانَ المُحْرِمِ حَاجًّا فَحَتَّى يَرْمِي وَيَحْلِقَ وَيَطُوفَ بِالبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَحَتَّى يَطُوفَ بِالبَيْتِ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ فَإِنْ نَكَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَمَفْسُوخٌ وَالرَّجْعَةُ وَالشَّهَادَةُ عَلَى النِّكَاحِ لَيْسَا بِنِكَاحٍ".
قال في الحاوي: وقد مضى في كتاب الحج أن نكاح المحرم لا يجوز ودللنا عليه وذكرنا من خالفنا فيه ونحن الآن نشير إليه متى عقد النكاح والزوج أو الزوجة أو الولي محرم فالنكاح باطل.
وقال مالك: صحيح ويفسخ يطلق.
وقال أبو حنيفة: نكاحه جائز ولا يلزم فسخه استدلالًا برواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نكح ميمونة وهو محرم.
وبرواية ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج وهو محرم.
ولأنه عقد يستباح به البضع فلم يمنع الإحرام منه كالرجعة وشراء الإماء.
ودليلنا: رواية عثمان أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" وروى
أنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا يخطب المحرم ولا يتزوج".
وروى مطر عن الحسن أن عليًا رضي الله تعالى عنه قال: من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته ولم يجز نكاحه.
وروى أبو غطفان عن أبيه أن عمر رضي الله تعالى عنه فرق بين محرمين تزوجا.
وروى قدامة بن موسى عن شوذب مولى زيد بن ثابت أنه تزوج وهو محرم ففرق زيد بن ثابت بينهما.
فلما روي عنهم التفرقة بين الزوجين ولا يسوغ ذلك في عقد يسوغ فيه الاجتهاد دل على أن النص فيه ثابت لا يجوز خلافه ولأنه معنى ثابت به تحريم المصاهرة فوجب أن يمنع منه الإحرام كالوطء.
فأما الجواب عن حديث ميمونة فقد روى ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم عن ميمونة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوجها وهما حلالان.
وروى ربيعة عن سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج ميمونة حلالًا وبني بها حلالًا وكنت أنا الرسول بينهما.
وأما حديث ابن أبي مليكة عن عائشة فضعيف لا أصل له عند أصحاب الحديث وإن صح فيجوز أن يكون فعل ذلك في أول الإسلام قبل تحريم نكاح المحرم على أن أبا الطيب بن سلمة جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخصوصًا بالنكاح في الإحرام.
وأما القياس على شراء الإماء فليس المقصود منه الاستمتاع لجواز شراء المعتدة وذات المحرم وكذلك المحرمة والمقصود من عقد النكاح الاستمتاع إذ لا يجوز أن ينكح معتدة ولا ذات محرم وكذلك المحرمة فأما الرجعة فتحل للمحرم لأنها سد ثم في العقد ورفع تحريم طرأ عليه وليست عقداً مبتدأ فجازت في الإحرام ألا ترى أن العبد يراجع بغير إذن سيده وإن لم يجز أن ينكح بغير إذنه اعتبارًا بهذا المعنى.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا أن نكاح المحرمات باطل فمتى كان الزوج محرمًا فوكل حلالًا في العقد كان النكاح باطلًا لأنه نكاح المحرم ولو كان الزوج حلالًا فوكل محرمًا كان النكاح باطلًا لأنه نكاح عقده محرم وهكذا لو كان الولي محرمًا فوكل حلالًا أو كان حلالًا فوكل محرمًا كان النكاح باطلًا.
فأما الحاكم إذا كان محرمًا لم يجز له أن يزوج مسلمة وهل يجوز له أن يزوج كافرة أم لا على وجهين:
أحدهما: لا يجوز كالمسلمة.
والثاني: لا يجوز لأنه لا يزوجها بولاية وإنما يزوجها لحكم يجري مجرى سائر أحكامه في إحرامه.
فأما إذا كان الإمام محرمًا لم يجز له أن يتزوج ولا يزوج وهل يجوز لخلفائه من القضاء المحللين أن يزوجوا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز أن يزوجوا كوكلاء المحرم.
والثاني: يجوز أن يزوجوا لعموم ولاياتهم ونفوذ أحكامه فخالفوا الوكلاء فأما إن كان الخطيب في عقد النكاح جائز لأنه قد يجوز أن يعقد بغير خطبة ولو كان الشهود محرمين ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن النكاح باطل لأن الشهود شرط في العقد كالولي.
والثاني: وهو مذهب الشافعي إن النكاح جائز لأن الشهود غير معنيين في النكاح فلم يعتبر فيهم شروط من معنيين في النكاح ألا ترى أن نكاح الكافرة إذا عقدناه لم يصح إلا بولي كافر وشهود مسلمين, والله اعلم.
العيب في المنكوحة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الُمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بِنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامُ, أَوْ بَرَصٌ فَمَسَّهَا فَلَهَا صَدَاقَهَا وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِهَا.
وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: أَرْبَعٌ لَا يَجُزْنَ فِي النِّكَاحِ إلَّا أَنْ تُسَمَّى: الْجُنُونُ, وَالجُذَامُ وَالبَرَصُ, وَالقَرَنُ".
قال في الحاوي: أعلم أن النكاح بالعيوب والعيوب التي يفسخ بها النكاح تستحق من الجهتين فيستحقها الزوج إذا وجدت بالزوجة وهي خمسة عيوب: الجنون والجذام والبرص والقرن والرتق وتستحقها الزوجة إذا وجدتها بالزوج وهي خمسة: الجنون والجذام والبرص والجب والعنة فيشتركان في الجنون والجذام والبرص وتختص الزوجة بالقرن والرتق ويختص الزوج بالجب والعنة ولا يفسخ نكاحها بغير هذه العيوب من عمى أو زمانة أو قبح أو غيره.
وبه قال من الصحابة عمر وابن عباس وعبد الله بن عمر.
ومن التابعين: أبو الشعثاء جابر بن زيد.
ومن الفقهاء: الأوزاعي ومالك وقال أبو حنيفة: ليس للزوج أن يفسخ النكاح بشيء من العيوب ولا للمرأة أن تفسخ إلا بالجب والعنة دون الجنون والجذام والبرص وبأن لا يفسخ النكاح بعيب.
قال علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وقال أبو الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح: للزوجة أن تفسخ بهذه العيوب في الزوج وليس للزوج أن يفسخ بها؛ لأن الطلاق بيده واستدل من نص قول أبي حنيفة بأن المعقود عليه في النكاح هو الاستباحة وليس في الاستباحة عيب وإنما العيب في المستبيحة فلم يشتبه خيار إسلامه المعقود عليه قال: ولأنه عيب في المنكوحه فلم يفسخ نكاحها قياسًا على ما سوى العيوب الخمسة قال: ولأن كل عقد لم يفسخ بنقصان الأجزاء لم يفسخ بتغير الصفات كالهبة طردًا والبيوع عكسًا.
قال: ولأن عقد النكاح إن جرى مجرى عقود المعاوضات كالبيوع وجب أن يفسخ بكل عيب وإن جرى مجرى غيرها من عقود الهبات والصلات وجب أن لا يفسخ بعيب وفي إجماع على أن لا يفسخ لكل العيوب دليل على أنه لا يفسخ بشيء من العيوب.
ودليلنا: ما رواه عبد الله بن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج امرأة من بني بياضة فوجد بكشحها بياضًا فردها وقال: ولستم عليَّ.
ووجه الدليل منه هو أنه لما نقل العيب والرد وجب أن يكون الرد لأجل العيب فإن قيل: فيحمل على أنه طلقها لأجل العيب كالتي قالت له حين تزوجها أعوذ بالله منك فقال: "لقد استعذتي بمعاذ حق بأهلك" فكان ذلك طلاقًا منه لأجل استعاذتها منه قيل لا يصح هذا التأويل من وجهين:
أحدهما: لأنه خالف الظاهر لأن نقل الحكم مع السبب يقتضي تعلقه به كتعلق الحكم بالعلة والطلاق لا يتعلق بالعيب كتعلق بالعلة وإن كان داعيًا إليه فلم يصح حمله عليه وخالف حال طلاقه للمستعيذة لأن الاستعاذة ليست عيباً يوجب الرد فعدل به إلى الطلاق.
والثاني: أن الرد صريح في الفسخ وكناية في الطلاق وحمل اللفظ على ما هو صريح فيه.
وروى أبو جعفر المنصور عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اجتنبوا من النكاح أربعة: الجنون والجذام والبرص والقرن" فدل تخصيصه لهذه الأربعة من عيوب النكاح على اختصاصها بالفسخ.
ومن طريق القياس: هو أنه عيب يمنع غالب المقصود بالعقد فجاز أن يثبت به خيار الفسخ كالجب ولا يدخل عليه الصغر والمرض لأنهما ليسا بعيب ولأن العقد الذي يلزم من الجهتين إذا احتمل الفسخ وجب أن يجري الفسخ في جنس العقد ولأنه عيب مقصود بعقد النكاح فوجب أن يستحق الفسخ كالعيب في الصداق ولأن كل من ملك رد عوض ملك عليه رد المعوض كالثمن والمثمن في البيع.
فأما الجواب عن الاستدلال بأن المعقود عليه هو الاستباحة وليس فيها عيب فهو أن هذا فاسد لأن المعقود عليه هو الاستمتاع المستباح وهذه عيوب فيه كما أن زمانة العبد المستأجر عيب في منافعه فاستحق بها الفسخ.
وأما قياسهم على ما سوى الخمسة من العيوب فالمعنى فيه أن تلك العيوب لا تمنع مقصود العقد ولا تنفر النفوس منها وليس كذلك هذه الخمسة لأنها إما مانعة من المقصود أو منفرة للنفوس فافترقا.
وأما قياسهم على الهبة بعلة أنها لا تفسخ بنقصان الأجزاء فهذا الوصف غير مسلم لأنه يستحق بالجب وهو نقصان جزء ثم المعنى في الهبة أن لا عوض فيها فيلحقه ضرر بالعيب والنكاح بخلافه وعلى أن فسخه بالعنت وهو يعتبر صفة تمنع من اطراد هذا التعليل.
فأما استدلالهم بأنه إما أن يفسخ بكل العيوب كالبيوع أو لا يفسخ بشيء منها كالهبات.
فالجواب عنه: أنه بالبيوع أخص لأنهما عقدا معاوضة غير أن جميع العيوب تؤثر في نقصان الثمن فاستحق بجميعها الفسخ وليس كل العيوب تؤثر في نقصان الاستمتاع فلم يستحق بجميعها الفسخ.
مسالة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "القَرَنُ المَانِعُ لِلْجَمَاعِ لأَنَّهَا فِي غَيْرِ مَعْنَى النِّسَاءِ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في العيوب التي يفسخ بها عقد النكاح وأجناسها سبعة: اثنان يختص بهما الرجل وهما: الجب والعنة.
واثنان تختص بهما النساء وهما: الرتق والقرن وثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء وهي: الجنون والجذام والبرص.
فأما ما يختص به الرجال من العنة فله باب يأتي.
وأما الجبّ: فهو قطع الذكر فإن كان جميعه مقطوعًا فلها الخيار لأنه أدوم ضررًا من العنة التي يرجى زوالها.
وإن كان بعض الذكر مقطوعًا نظر في باقيه فإن كان لا يقدر على إيلاجه إما لضعفه أو لضغره فلها الخيار وإن كان يقدر على إيلاجه ففي خيارها وجهان:
أحدهما: وهو الصحيح أنه لا خيار لها لأنه يجري مجرى صغر الذكر الذي لا خيار فيه.
والثاني: لها الخيار لأنه نقص لا تكمل به الإصابة.
وأما الخصاء وهي قطع الأنثيين مع بقاء الذكر ففي كونه عيبًا يوجب خيارها قولان:
أحدهما: ليس بعيب ولا خيار لها فيه لقدرته على الإيلاج وأنه ربما كان أمتع إصابة.
والثاني: انه عيب ولها الخيار لأنه نقص يعدم معه النسل ولو كان خنثى له فرج زائدًا وكانت خنثى لها ذكر زائد ففي كونه عيبًا يوجب الخيار قولان:
أحدهما: ليس بعيب لأنها زيادة عضو فأشبه الأصبع الزائدة.
والثاني: أنه عيب لأنه نقص يعاف.
فأما ما تختص هـ المرأة من القرن والرتق.
فالقرن: هو عظم يعترض الرحم يمنع من الإصابة والرتق لحم يسد مدخل الذكر فلا تمكن معه الإصابة وله الخيار فيهما ولا يمكنها شق القرن ويمكنها شق الرتق إلا أنها لا تخير بشقه لأنه جناية عليها فإن شقته بعد فسخ الزوج لم يؤثر بعد وقوع الفسخ وإن شقته قبل فسخه ففي خيار الزوج وجهان:
أحدهما: له الخيار اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: لا خيار له اعتبارًا بالانتهاء فأما الإفضاء وهو أن ينخرق الحاجز الذي بين مدخل الذكر ومخرج البول فتصير مغطاة فلا خيار فيه لإمكان الإصابة التامة معه فلو كانت عاقرًا لا تلد أو كان الزوج عقيمًا لا يولد له فلا خيار فيه لواحد منهما لأنه مظنون وربما زال بتنقل الأمنان.
فأما العفلاء ففي العفلة ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن لحم مستدير ينبت في الرحم بعد ذهاب العذرة ولا ينبت مع البكارة وهذا قول أبى عمر الشيبانى.
والثاني: أنه ورم يكون في اللحمة التي قبل المرأة يضيق به فرجها حتى لا ينفذ فيه الذكر.
والثالث: أنه مبادئ الرتق وهو لحم يزيد في الفرج حتى يصير رتقًا فيسد به الفرج فلا ينفذ فيه الذكر، فإن كان العقل يكمل معه الاستمتاع التام، فلا خيار فيه وإن لم يكمل معه الاستمتاع لضيق الفرج أو انسداده حتى لا يمكن إيلاج الذكر ففيه الخيار.
فصل:
وأما العيوب التي يشترك فيها الرجل والمرأة وهي ثلاثة:
أحدها: الجنون وهو زوال العقل الذي يكون معه تأدية حق سواء خيف منه أم لا وهو ذربان: مطبق لا يتخلله إفاقة وغير مطبق يتخلله إفاقة فيجن تارة ويفيق تارة أخرى وكلاهما سواء وفيهما الخيار سواء قل زمان الجنون أو كثر لأن قليله يمنع من تأدية الحق في زمانه ولأن قليله كثير سواء كان ذلك بالزوج أو بالزوجة.
فأما الإغماء فهو زوال العقل فلا خيار فيه كالمرض وأنه عرض يرجى زواله وأنه قد
يجوز حدوث مثله بالأنبياء الذي لا يحدث بهم جنون فإن زال المرض فلم يزل معه الإغماء صار حينئٍذ جنونًا يثبت فيه الخيار.
وأما البله فهو غلبة السلامة فيكون الإبله سليم الصدر ضعيف العزم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها بلهًا" يعنى الذين غلبت السلامة على صدورهم ومنه قول الشاعر:
وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطِفْلَةٍ ميّالَةِ بَلهَاءَ تُطْلِعُنِى عَلَى أَسْرَارِهَا
فلا خيار في البله لأن الاستمتاع كامل ولذلك لا خيار في الحمق وقلة الضبط كمال الاستمتاع معهما وإنما يؤثر فيما سواه من تدبير المنزل وتربية الولد ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يسترضعوا الحمقى فإن صحبتها بلاء وولدها ضياع".
فصل:
والثاني من عيوبهما: الجذام وهو: عفن يكون في الأطراف والأنف يسرى فيهما حتى يسقط فتبطل وربما سرى إلى النسل وتعدى إلى الخليط والنفس تعافه وتنفر منه فلا يسمح بالمخالطة ولا تحبب إلى الاستمتاع وقد روى سعيد عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: "فروا من المجذوم فراركم من الأسد" وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه فمد يدًا جذماء فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قبض يده ولم يصافحه وقال: "اذهب فقد بايعناك" ففي الجذام الخيار قليلًا كان أو كثيرًا لأن قليله يصير كثيرًا وسواء كان في الزوج أو الزوجة.
فأما الزعر فهو من مبادئ الجذام وربما برئ ولم يصر جذامًا ويقع في الحاجبين فيناثر به الشعر وفي الأنف فيتغير به الجلد ولا خيار فيه لأنه ليس بجذام عادى ولا النفوس منه نافرة فلو اختلفا فيه فادعى الزوج أن بها جذامًا وقالت: بل هو زعر وقف عليه عدلان من علماء الطب فإن قالا: هو جذام ثبت فيه الخيار، وإن قالا: زعر فلا خيار فيه وإن أشكل فالقول قولها مع يمينها أنه زعر ولا خيار فيه لأن الأصل عدم الخيار إلا أن يثبت ما يوجبه.
فصل:
والثالث من عيوبهما: البرص: وهو حدوث بياض في الجلد يذهب معه دم الجلد وما تحته من اللحم وفيه عددي إلى النسل والمخالطين وتعافه النفوس وتنفر منه فلا يكمل مع الاستمتاع ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم نكاح امرأة وجد بكشحها بياضًا وفي قليله وكثيره الخيار لان قليله يصير كثيرًا وسواء كان بالزوج أو الزوجة.
فأما البهق فتغير لون الجلد ولا يذهب بدمه، ويزول ولا تنفر فيه نفوس فلا خيار فيه فلو اختلفا فقال الزوج: هذا البياض برص ولي الخيار وقالت الزوجة: بل هو بهق فلا خيار، دقق فيه عدلان من علماء الطب وعمل على قولهما فيه فإن أشكل كان القول قولها مع يمينها أنه بهق ولا خيار فيه.
فإن قيل: فكيف جعل الشافعي في الجذام والبرص عدوى وهذا قول أصحاب الطبائع وقد كذبه الشرع ومنع منه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة" فقيل له: أما ترى النكتة من الجرب في شفر البعير فتعدوا إلى سائره إلى غيره فقال صلى الله عليه وسلم: "فمن أعدى الأول" أي إذا كان الأول بغير عدوى كان ما بعده وفي غيره بغير عدوى.
قيل: إنما منع الشرع من أن الطبيعة هي التي تحدث العدوى كما يزعم الطب ولا يمنع أن الله تعالى قد جعل فيها العدوى كما جعل في النار الإحراق وفي الطعام الشبع وفي الماء الري وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يوردن ممرض ذو عاهة على مصح" وامتنع من مبايعة الأجذام.
وروى عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب توجه إلى الشام فلما انتهي إلى سرغ تلقاه أمراء الأجناد وأخبروه بحدوث الطاعون بالشام فتوقف عن المسير وشاور المهاجرين في المسير أو الرجوع فاختلفوا وشاور الأنصار فاختلفوا وكان عبد الرحمن بن عوف غائبًا عنهم فحضر فشاوره عمر فقال عبد الرحمن: إن عندي في هذا علمًا قال عمر: ما هو؟ قال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به في واد فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا منه" فحمد عمر الله تعالى ورجع الناس معه.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "لبن الحمقى يعدي".
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن أعدى الأول" فالمقصود منه رد قولهم إنه لم يكن إلا من عدوى الأول ولولاه ما جربت وقال: "من أعدى الأول" أي إذا كان الأول من الله تعالى يعنى عدوى كان ما بعده منه.
فإن قيل: فلم أضاف الشافعي العدوى إلى الجذام والبرص ولم يضفه إلى الله تعالى.
قيل: على طريقة الاستعارة والتوسع في العبارة كما يقال: طالت النخلة وقصر الليل وأثمرت الشجرة وإن كان الله تعالى هو الفاعل لذلك.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من أحكام العيوب فوجد الزوج بالزوجة قليلًا من برص أو
جذام عرض به فانتشر وزاد حتى صار كثيرًا لم يكن له خيار؛ لأن الراضي بقليله راضٍ بكثيرة ولأن قليله في الغالب يصير كثيرًا ولو ظهر بها برص في غير المكان الأول فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الثاني أقبح منظرًا من الأول كأنه كان الأول في فخذها وحدث الثاني في وجهها، فله الخيار نص عليه في "الإملاء" لأن النفس من الثاني أشد نفورًا من الأول.
والثاني: أن يكون مثل الأول في القبح وكأنه كان الأول في يدها اليمنى والثاني في يدها اليسرى ففيه وجهان:
أحدهما: له الخيار لأنه إذا كان في غير مكان الأول كان عيبًا غير الأول.
والثاني: لا خيار لأنه من جنس الأول كالمتصل فلو رضي برصها فظهر بها جذام كان له الخيار بالجذام دون البرص ولأنه قد تأنف نفسه الجذام ولا تعاف البرص ولا كان بها جذام أو برص فلم يختر فسخ نكاحها حتى زال وبرئ فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يزول قبل علمه به فلا خيار يعدم ما يوجبه.
والثاني: أن يزول بعد علمه وقبل فسخه بعذر آخر عنه ففي خياره وجهان:
أحدهما: له الخيار اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: لا خيار له اعتبارًا بالانتهاء.
فلو وجد الزوج بها عيبًا ووجد تب الزوج عيبًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يختلف العيبان فيكون عيب أحدهما جذامًا وعيب الآخر برصًا فلكل واحد الخيار بعيب صاحبه لأن المجذوم قد يعاف الأبرص والأبرص قد يعاف المجذوم.
والثاني: أن يتساوى العيبان فيكون بكل واحد منهما برص أو جذام ففي ثبوت الخيار وجهان:
أحدهما: أن لا خيار لتكافئهما وأنه ليس بنقص أحدهما عن حالة صاحبه.
والثاني: أن لكل واحد منهما الخيار لأنه قد يعاف من غيره ما لا يعافه من نفسه من بصاق ومخاط وأذى، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشافعي:"فَإِنْ اخْتَارَ فِرَاقَهَا قَبْلَ المَسِيسِ فَلَا نِصْفَ مَهْرٍ وَلَا مُتْعَةٍ وَإنْ اخْتَارَ فِراقَهَا بَعْدَ المَسِيسِ فَصَدَاقْتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ ذَلِكَ وَلهَا مَهْرُ مُثْلِهَا بِالمَسِيسِ وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ في عِدَّتِهَا وَلَا سُكْنَىَ وَلَا يَرْجِعُ بِالمَهْرِ عَلَيٍهَا وَلَا عَلَى وَليّهَا لَأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ في التي نُكِحَتْ بِغَيْرَ إِذْنِ وَلِيّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِل فَإِنْ مَسّهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلّ مِنْ فَرْجِهَا وَلَمْ
يَرُدّهُ بِهِ عَلَيْهَا وَهي التي عَزَّتْهُ فَهُوَ في النِّكَاح الصّحِيح الذي لِلزَّوْج فِيهِ الخِيَارُ أَولي أَنْ يَكُونَ لِلمَرْأَةِ وَإِذَا كَانَ لَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَغْرَمَهُ وليُّهَا، وَقَضَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي اللهُ عَنْهُ في التي نَكَحَتْ في عُدَّتِهَا أَنَّ لَهَا الَمهْرَ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا فسخ النكاح بأحد العيوب من أحد الزوجين فلا يخلو أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها ولا متعة سواء كان الفسخ من قبلها أو من قبله لأنه إن كان منها سقط به مهرها كما لو ارتدت وإن كان من الزوج فهو لعيب فيها فصار مضافًا إليها ويكون هذا فائدة الفسخ التي تخالف حكم الطلاق أن يسقط عنه نصف المهر الذي كان يلزمه بالطلاق فعلى هذا لو طلقها الزوج قبل الدخول وهو لا يعلم بعيبها ثم علم كان عليه نصف المهر ولم تسقط عنه بظهوره على العيب لأن النكاح انقطع بالطلاق ولم يرفع بالفسخ نص عليه الشافعي في "الإملاء" ثم لا عدة عليها ولا نفقة لها ولا سكنى، لأنه لما لم يجب ذلك بالطلاق قبل الدخول فأولي أن لا يجب بالفسخ قبله.
فصل:
وإن كان الفسخ بعد الدخول وذلك بأن لا يعلم بعيبها حتى يصيبها فيكون له الفسخ بعد الإصابة كما كان لها قبلها فإن ادعت بالعيب قبل الإصابة وأنكرها وأمكن الأمران فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل فيه عدم علمه وثبوت خياره فإذا فسخ النكاح بعد الإصابة فلها مهر مثلها بالإصابة وسواء كان الفسخ من جهتها أو من جهته لقوله صلى الله عليه وسلم:"فلما المهر بما استحل من فرجها" فإن قيل: أفليس له وطء أمه قد اشتراها ثم ردها بعيب لم يلزمه بالوطء مهر فلا كانت المنكوحة إذا ردت بعيب لم يلزمه بوطئها مهر.
قيل: الفرق بينهما: أن الوطء في الملك غير مضمون بالمهر وفي النكاح مضمون بالمهر لأن المعقود عليه في البيع الرقبة وفي النكاح المنفعة ثم أوجبنا بالإصابة مهر المثل دون المسمى وإن كان الفسخ بعد الإصابة لأنه بعيب تقدم على النكاح فصارت أفعاله من أصله فسقط ما تضمنه من صداق مسمى.
فصل:
فإذا ثبت أن عليه مهر المثل دون المسمى فهل يرجع بعد غرمه على من غره أولًا؟ على قولين:
أحدهما: وبه قال في القديم: يرجع به لقول عمر رضي الله تعالى عنه وذلك لزوجها غرم على وليها ولأن الغار قد ألجأه إلى التزام المهر بهذه الإصابة ولولاه لما لزمه المهر إلا بإصابة مستدامة في نكاح ثابت فجرى مجرى الشاهدين إذا ألزماه بشهادتهما غرمًا ثم لزمهما غرم ما استهلك بشهادتهما.
والثاني: قاله في الجديد: لا يرجع على الغار لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت
بغير إذن فنكاحها باطل فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" ولم يجعل للزوج الرجوع به على غره في إذن الولي أو على من ادعى في نكاحها أنه ولي فدل على أن لا رجوع بالغرور ولأن غرم المهر بدل من استهلاكه للبضع واستمتاعه به فلم يجز أن يرجع بغرم ما أوجبه استهلاكه وإن كان مغرورًا كالمغرور في مبيع قد استهلكه ولأن لا يجمع بين تملك البدل والمبدل وقد يملك الاستمتاع الذي هو معوض مبدل ولم يجز أن يتملك المهر الذي هو عوض بدل فإذا قلنا: إنه لا رجوع على من غره فلا مسألة وإذا قلنا بالرجوع فلا يخول من غيره من أن يكون الزوجة أو وليها أو أجنبي فإن غره الولي أو أجنبي رجع الزوج عليه بعد غرمه من مهر المثل فلو كانت الزوجة قد أرأته منه لم يرجع به على الزوج على الغار ولو ردته عليه بعد قبضه ففي رجوعه وجهان:
أحدهما: لا يرجع كالابن.
والثاني: يرجع لأن ردها له ابتداء هبة منها وإن كانت هي التي غرته لم يغرم لها من المهر ما يرجع به عليها لأنه غير مقيد وفيه وجهان:
أحدهما: قد سقط جميع مهرها بالغرور كما يرجع بجميعه على غيرها لو غره.
والثاني: وهو منصوص الشافعي في القديم أنه يسقط مهر المثل إلا أقل ما يجوز أن يكون مهرًا فيلتزمه لها لئلا يصير مستبيحًا لبضعها بغير بذل.
فصل:
فأما العدة فواجبة عليها بالإصابة لأنه فراش يلحق بها ولدها وأما النفقة فلا نفقة لها في العدة إن كانت حائلًا لارتفاع العقد الموجب لها ولا سكنى لها وإن وجبت للمبتوتة وفي وجوب النفقة لها إن كانت حاملًا قولان بناء على اختلاف قوليه في نفقة الحامل هل وجبت لها أو لحملها؟ على قولين:
أحدهما: أنها وجبت لها بالزوجية فعلى هذا لا نفقة لهذه لارتفاع عقد الزوجية.
والثاني: أن النفقة وجبت لحملها فعلى هذا لها النفقة لأن حملها في اللحوق كحمل الزوجة.
مسألة:
قَالَ الشافعي: "وَمَا جَعَلْتِ لَهُ فِيه الْخِيَارَ في عُقِدَ النِّكَاحُ ثَمَّ حَدَثٍ بِهَا فَلَهُ الْخِيَارُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُعَنّى قَائِمٌ فِيهَا، لَحِقَهُ في ذَلِكً وَحَقُّ الْوَلَدِ.
قَالَ المزني رُحِمَهُ اللهَ: وَكَذَلِكَ مَا فَسَخَ عَقْدُ نِكَاحِ الْأمَةِ مِنَ الطُّولِ إِذَا حَدَثً بَعْدُ النِّكَاحُ فَسِخُهُ لِأَنَّه الْمُعَنّى الذي يَفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ.
قَالَ الشافعي: وَكَذَلِكَ هي فِيه فَإِنَّ اِخْتَارَتْ فِرَاقَهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا مَهْرً وَلَا مُتْعَةً فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ، حَتَّى أُصَابَهَا فَاِخْتَارَتْ فِرَاقَهُ فَلَهَا الْمَهْرُ مَعَ الْفِرَاقِ الذي يَكُونُ بِهِ مِثْلُ
الرَّتْقُ بِهَا أَنْ يَكُونُ مجبوبًا فَأَخِيرُهَا مَكَانِهَا وَأَيُّهُمَا تَرْكَهُ أَوْ وُطِئَ بَعْدَ الْعِلْمِ فَلَا خِيَارٌ لَهُ.
وَقَالَ في الْقَدِيمَ إِنَّ حَدَثً بِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ وَلَيْسَ لَهُ.
قَالَ المزني: أَولي بُقولُهُ إِنَّهُمَا سَواءً في الْحَديثَ كَمَا كَانَا فِيه سَواءٌ، قَبُّ الْحَديثِ.
قَالٌ: وَالْجُذَامُ وَالْبرصُ فِيمَا زَعَمَ أهْلُ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ يُعْدَي وَلَا تَكَادُ نَفْسُ أَحَدُّ تُطَيِّبُ أن يُجَامِعَ مِنْ هُوَ بِهِ وَلَا نَفْسُ اِمْرَأَةٌ بِذَلِكً مِنْه وَأَمَّا الْوَلَدُ فَقَلَّمَا يُسَلِّمُ فَإِنَّ سُلَّمَ أُدْرِكُ ذَلِكً نَسْلُهُ نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ.
وَالْجُنُونُ وَالْخَبَلَ لَا يُكَوِّنْ مَعَهُمَا تأدية لَحِقَ زَوْجٌ وَلَا زَوْجَةٌ بِعَقْلٍ وَلَا اِمْتِناعٌ مِنْ مُحَرَّمٍ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ مِثْلُه الْقَتْلَ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في العيب إذا كان بأحد الوجهين قبل العفو فأما العيب الحادث بعد العقد فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون حادثًا بالزوج فللزوجة الخيار فيما حدث به من العيوب كما ثبت لها الخيار فيما تقدم منها ولا اعتبار النفقة وكما أن لها أن تفسخ برض الزوج إذا حدث عتقها بعد العقد كما كان لها أن تفسخ إذا تقدمت حريتها قبل العقد.
والثاني: أن يكون العيب حادثًا للزوجة بعد العقد ففي خيار الزوج قولان:
أحدهما: قاله في القديم: لا خيار لأمرين:
أحدهما: أنه لم يكن معزورًا به لحدوثه فإنه يقدر على دفع الغرور عن نفسه بطلاقه فخالف ما تقدم لأنه كان فيه مغرورًا وخالف الزوجة فيما حدث لأنها لا تقدر على الطلاق.
والثاني: أنه لما كان له الخيار في نكاح الأمة بعتقه المتقدم دون الحادث وكان لها الخيار في نكاح العبد بعتقها المتقدم والحادث كذلك العيوب يكون له الخيار بالمتقدم منها دون الحادث ويكون لها الخيار بالمتقدم منها والحادث.
والثاني: قاله في الجديد، واختاره المزني- له الخيار بالعيوب الحادثة والمتقدمة لأمرين:
أحدهما: ان ما يستحقه من الخيار في مقابلة ما تستحق عليه من الخيار لقوله تعالى: ﴿َلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] فلما استحقت الزوجة عليه الخيار بالعيوب الحادثة استحق الخيار عليها بالعيوب الحادثة.
والثاني: أنه لما كان العقد فيه على منافعه استوى فيه ما تقدم من العيوب وما حدث كالإجارة فلما كان للزوج الخيار بما تقدم كان له الخيار بما حدث.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من ثبوت الخيار بما حدث من العيوب ففسخ به النكاح فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون قبل الدخول فلا مهر فيه لارتفاع العقد وسواء كان الفسخ من
قبل الزوج أو من قبل الزوجة لما ذكرنا وإن كان بعد الدخول فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون العيب حادثًا بعد الدخول فلها المهر المسمى لاستقراره بالدخول وحدوث ما أوجب الفسخ بعد استقراره.
والثاني: أن يكون حادثًا بعد العقد وقبل الدخول ولا يعلم به إلا بعد الدخول فلها مهر المثل دون المسمى لأنه لما ارتفع العقد بعيب تقد على الدخول صار الدخول في حكم الحادث بعد ارتفاع العقد فسقط به المسمى واستحق بما بعده مهر المثل.
فصل:
فإذا ثبت ما وصفنا فالخيار فيما تقدم من هذه العيوب.
وحدث على الفور بعد العلم بها لأنها عيوب قد عرف الحظر في الفسخ بها من غير فكر ولا ارتياء فجرى مجرى العيوب في البيع التي يثبت فيها الخيار على الفور وخالف خيار الأمة إن أعتقت تحت عبد في أن خيارها في أحد القولين على التراخي لأنها تحتاج في معرفة الحظ لها إلى زمان فكر وارتياء وإذا كان هكذا فلا يجوز أن ينفرد بالفسخ حتى يأتي الحاكم فيحكم له بالفسخ لأنه مختلف فيه فلم يثبت إلا بحكم وخالف عتق الأمة تحت عبد في جواز تفردها بالفسخ لأنه معتق عليه فإن تصادق الزوجان على العيب فسخ الحاكم بينهما وإن تناكرا فادعاه الزوج وأنكرته الزوجة كلف المدعى بينة فإن أقامها وإلا أحلف المنكر ولا فسخ لأن الأصل السلامة من العيوب فلو تصادق الزوجان على العيب واتفقا على الفسخ عن تراضى ففي جوازه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الحكم عند التنازع.
والثاني: لا يجوز لأن ما اشتبه حكمه لم يتعين إلا بالحكم، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشافعي: "وَلَوُلِيَهَا مَنْعَهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْنُونِ كَمَا يَمْنَعَهَا مِنْ غَيْرَ كَفْءٍ.
فَإِنَّ قَيَّلَ: فَهَلْ مِنْ حَكَمَ بَيْنَهُمَا فِيه الْخِيَارَ أَوْ الْفِرْقَةَ؟ قَيَّلَ: نَعَمْ الْمَولي يَمْتَنِعُ مِنَ الْجِمَاعِ بِيَمِينٍ لَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرَ مأثم كَانَتْ طَاعَةٌ اللَّهِ أَنَّ لَا يَحْنَثُ فَأَرْخُصُ لَهُ في الْحِنْثَ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنْ لَمْ يُفْعَلْ وَجَبٌ عَلَيه الطَّلاَقُ وَالْعِلْمَ مُحِيطً بِأَنَّ الضَّرَرَ بِمُبَاشِرَةِ الْأَجْذَمِ وَالْأبْرَصِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَخْبُولِ أَكْثَرُ فِيهَا بِتَرْكِ مُبَاشِرَةِ الْمَولي مَا لَمْ يَحْنَثْ".
قال في الحاوي: أما إذا أوصى الولي أن يزوجها بمن فيه أحد هذه العيوب فامتنعت فالقول قولها وليس للولي إجبارها عليه وإن كان أبًا لما فيه من تفويت حقها من الاستمتاع ولأنه لو زوجها به لكان لها الفسخ فكان أولي أن يكون لها الامتناع قبل العقد فأما إذا رضيت بمن فيه أحد هذه العيوب وامتنع الولي فالعيوب على ثلاثة أقسام:
أحدهما: ما للولي أن يمنعها من نكاح من هي وذلك الجنون والخبل لما فيه من عار على الأولياء فكان لهم دفعه عنهم بالامتناع.
والثاني: ما ليس للولي منعها من نكاح من هي فيه وذلك العنت والجب والخصاء لأنه عارف فيه على الأولياء وإنما يختص بعدم الاستمتاع الذي هو حق لها دون الأولياء.
والثالث: ما اختلف فيه أصحابنا هو الجذام والبرص وفيه وجهان:
أحدهما: ليس للولي منعها من مجذوم ولا أبرص لاختصاصها بالاستمتاع وهذا قول أبى إسحاق المروزى.
والثاني: له منعها منهما لنفور النفوس منهما ولتعدى ذلك إلى نسلها فأما إن حدثت هذه العيوب في الزوج بعد العقد فالخيار لها دون الأولياء فإن رضيت وكره الأولياء كان رضاها أولي ولا اعتراض للأولياء لأن حقهم مختص بطلب الكفاءة في ابتداء العقد دون استدامته.
قَالَ الشافعي رُحِمَهُ اللهَ: "وَلَوْ تَزَوُّجَهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَإِذَا هي كِتابِيَّةً كَانَ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ بَلَا نِصْفُ مَهْرٍ وَلَوْ تَزَوُّجَهَا عَلَى أَنَّهَا كِتابِيَّةٌ فَإِذَا هي مُسْلِمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ لِأَنَّهَا خَيْرً مِنْ كِتابِيَّةٍ.
قَالَ المزني رُحِمَهُ اللهَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنَ اِشْتَرَى أُمَّةٌ عَلَى أَنَّهَا نَصْرَانِيَّةٌ، فَأَصَابَهَا مُسْلِمَةً فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرَى أَنْ يَرُدَّهَا وَإِذَا اِشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَوُجِدَهَا نَصْرَانِيَّةً فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في أن خلاف الصفة المشروطة في عقد النكاح هل تجرى مجرى خلاف العين أم لا؟ على قولين فإذا تزوجها على أنها مسلمة فوجدها نصرانية ففي النكاح قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز نص عليه ها هنا وهل له الخيار في فسخ النكاح أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا خيار له.
والثاني: له الخيار نص علي ها هنا.
وهكذا لو تزوجها على أنها نصرانية فكانت مسلمة كان على قولين:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولا خيار له قولًا واحدًا لأن المسلمة أعلى حالًا من النصرانية.
فأما المزنى فإنه استدل بذلك على أن من اشترى أمة على أنها مسلمة فكانت نصرانية أن له الهيار ولو اشتراها على أنها نصرانية فكانت مسلمة فليس له خيار كالنكاح فرد أصحابنا ذلك عليه وقالوا له: في البيع الخيار في الموضعين بخلاف النكاح لأن المقصود بالبيع
فور الثمن.
والثمن يتوفر بكثرة الطالب وطالب النصرانية أكثر من طالب المسلمة لأن النصرانية يشتريها المسلمون والنصارى والمسلمة لا يشتريها إلا المسلمون دون النصارى فإذا اشتراها على أنها نصرانية فكانت مسلمة كان له الخيار لأنه أقل طلبًا فصارت أقل ثمنًا ولو اشتراها على أنها مسلمة فكانت نصرانيه فله الخيار لنقصها بالدين وأن المسلمة أحسن منها عشرة وأكثر نظافة وطهارة وليس كذلك النكاح لأن المقصود منه العشرة وحسن الصحبة وكمال المتعة وهذا كله في المسلمة أوجد منه في النصرانية فافترق حكم البيع والنكاح بما ذكرناه.
فصل:
وإذا تزوجت مسلمة رجلًا على أنه مسلم فكان نصرانيًا فالنكاح باطل وكذلك لو تزوجت بغير شرط لأن المسلمة لا تحل لكافر ولو تزوجت مصرانية رجلًا على أنه مسلم فكان نصرانيًا ففي النكاح قولان على ما مضى:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولا الخيار قولًا واحدًا لنقصان دينه وأنها لا تملك فراقه إلى بالفسخ ولو تزوجته على أنه نصراني فكان مسلمًا ففي النكاح قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولها الخيار وإن كان المسلم أفضل دينًا لأنها إلى من وافقها في الدين أرغب وهي ممن خالفها فيه أنفر.
فصل:
وإذا تزوج المسلم امرأة بغير شرط يظنها مسلمة فكانت نصرانية فالنكاح جائز لا خيار له ولو تزوجها يظنها حرة فكانت أمة بالنكاح جائز إذا كان ممن يحل له نكاح الإماء، وفي خياره وجهان:
أحدهما: وهو قول أبى إسحاق المروزي لا خيار له كالنصرانية.
والثاني: وهو قول أبى على بن أبى هريرة، له الخيار.
والفرق بينهما: أن ولي النصرانية متميز الهبة على ولي المسلمة وولي الأمة لا يتميز عن ولي الحرة، ولأن ولده من الأمة مرقوق ومن النصرانية مسلم، والله أعلم.
باب الأمة تغر من نفسها
قَالَ الشافعي رُحِمَهُ اللهَ تُعَالَى: "وَإِذَا وَكَّلَ تَزْوِيجُ أُمَّتِهِ فَذَكَرْتِ وَالْوَكِيلَ أَوْ
أحدهما أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ عَلِمَ فَلَهُ الخَيَارُ فَإِنْ اخْتَارَ فِرَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلا نِصْفَ مَهْرِ وَلَا مُتْعَةً وَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى أَوْ أَقَلَّ لأَنَّ فِرَاقَهَا نُسِخَ وَلَا يُرْجَعُ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْ فَهُمْ أَحْرَارٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ سَقَطُوا وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ لِسَيِّدِ الأمَةِ".
قال في الحاوي: وهذه المسألة قد مضت وهو أن يتزوج امرأة على أنها حرة فتكون أمه فإن كان الزوج ممن لا ينكح الأمة فالنكاح باطل، وإن كان ممن ينكح الأمة إلا أنها منكوحة بغير إذن السيد فالنكاح باطل، وإن كانت منكوحة بإذن السيد فإن كان هو الذي شرط حريتها فقد عتقت والنكاح جائز وإن كان غيره هو الذي شرط حريتها إما هي أو وكيله أو هما فهي حينئذ مسألة الكتاب وفي النكاح قولان حرًا كان الزوج أو عبدًا.
أحدهما: باطل فإن لم يدخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه وإن دخل بها فعليه مهر مثلها فإن أولدها كان ولده حرًا لأنه على شرط الحرية أو ولده سواء كان الزوج حرًا أو عبدًا فإن كان الزوج حرًا غرم مهر المثل وقيمة الولد وقت الولادة ورجع بقيمة الولد على من غره لأنه ألجأه إلى غرمه وهل يرجع بمهر مثلها عليه أم لا؟ على قولين، وإن كان الزوج عبدًا ففي ما قد لزمه من مهر المثل وقيمة الولد على ثلاثة أقاويل:
أحدها: في كسبه.
والثاني: في ذمته وإذا أيسر بعد عتقه.
والثالث: في رقبته يباع فيه إلا أن يفديه سيده وهذه الأقاويل الثلاثة من أصلين في كل أصل منهما قولان:
أحدهما: أن العبد إذا نكح بغير إذن سيده هل يكون المهر إن وطئها في ذمته أو في رقبته على قولين:
والثاني: أن العبد إذا أذن له سيده في النكاح فنكح نكاحًا فاسدًا هل يدخل في جملة إذن ويكون المهر والنفقة في كسبه أم لا؟ على قولين ثم لا رجوع للعبد قبل غرم المخر وقيمة الولد على الغار له فإذا غرمها رجع عليه بقيمة الولد في رجوعه بمهر المثل قولان فهذا إذا قيل: إن النكاح باطل.
والثاني: في الأصل أن النكاح جائز فعلى هذا إن كان الزوج حرًا فهل له الخيار في الفسخ أم لا؟ على قولين وإن كان عبدًا فقد اختلف أصحابنا فكان أبو علي بن أبي هريرة يقول: خياره على قولين كالحر لمكان شروطه وكان أبو إسحاق المروزي يقول: لا خيار له بخلاف الحر لمساواته لها في الرق فإذا قيل: لهما الخيار فاختار الفسخ فالحكم في المهر وقيمة الولد على ما مضى.
وإذا قيل: بأن النكاح باطل وإن اختار المقام أو قيل: أنه ليس له خيار فالحكم في الحالين واحد وهو أن يختلف عليه المهر المسمى بالعقد وأولاده منها قبل علمه فهم أحرار لأنهم علقوا قبل علمه ومن وضعته بعد علمه بستة أشهر فصاعدًا فهم
مماليك ولا يرجع بالمهر قولًا واحدًا لأنه المسمى بعقد صحيح ويرجع بقيمة من عتقه عليه من الأولاد لأنه التزامها بالغرور دون العقد فإن كان الزوج عبدًا كان المهر في كسبه قولًا واحدًا لأنه نكاح قد صح بإذن سيده ولا يكون قيمة الولد في كسبه؟ لأن إذن سيده بالنكاح لا يقتضيها وأين تكون؟ على قولين:
أحدهما: في رقبته.
والثاني: في ذمته إذا أعتق ويكون ما استحق من المهر في صحة النكاح وفساده ملكًا للسيد لأنه من كسب أمته ويكون من رق من الأولاد ملكًا للسيد وقيمة من عتق منهم للسيد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَا يَرْجِع بِهَا عَلَى الَّذِي غَرَّهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهَا فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْداً فَوَلَدُهُ احْرَارٌ لأَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ حَتَّى بِعِتْقٍ.
قَال المُزَنِيُّ: وَقِيمَةُ الوَلَدِ فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لا غُرْمَ عَلَى مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلٍ خَطَأ أَوْ بِعِتْقٍ حَتَّى يَغْرَمَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الغَارَّةَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِهِ إِذَا أُعْتِقَتْ".
قال في الحاوي: فذكرنا أن الزوج يرجع بما غرمه من قيمته الولد قولَا واحدًا في رجوعه بما غرمه من مهر المثل دون المسمى قولان.
ورجوعه بذلك إنما يكون على من غره بعد غرمه فأما قبله فلا رجوع له لأنه يغرم ما يرجع به.
وقد يجوز أن يبرأ منه فلا يرجع به.
قال المزني: هذا يدل على أن من شهد على رجل يقتل خطأ ثم رجع الشهود لم يلزمهم غرم الدية إلا بعد أن يغرمها العاقلة فيرجع بها حينئذ على الشهود وهذا صحيح لأنه قبل الغرم قد يجوز أن يبرأ العاقلة فلا يستحق الرجوع فإذا غرم الزوج ذلك لم يصح أن ينسب الغرور إلى السيد لأنها تعتق عليه بقوله: هي حرة فلا يكون غارًا وإنما يصح أن يكون مغرورًا إما منها أو من وكيله في نكاحها أو منهما معًا فإن تفرد الوكيل بغرور الزوج رجع عليه بقيمة الولد ومهر المثل في الحال إذا كان موسرًا.
وانظر إلى ميسرته إن كان معسرًا وإن تفردت الأمة بالغرور يرجع الزوج عليها بقيمة الولد وبجميع مهر المثل ولا يترك عليها شيئًا منه لأنه قد غرم جميعه للسيد فلم يصر بضعها مستهلكًا بغير مهر وكان ذلك في ذمتها لأنها أمة تؤديه إذا أيسرت بعد العتق.
فإن قيل: فهلا كان ذلك في رقبتها تباع فيه كالعبد إذا نكح بغير إذن سيده ولزمه المهر بإصابته كان في رقبته على أحد القولين.
قيل: الفرق بينهما إن الرقبة لا يتعلق بها إلا جناية ووطء العبد جناية توجب الغرم فجاز أن يتعلق برقبته.
وليس غرور الأمة جناية ولا الغرم بها يتعلق إنما تعلق بوطء الزوج فلم يجز أن يتعلق برقبتها وإن اشتراك الوكيل والأمة في الغرور كان غرم المهر وقيمة الأولاد بينهما نصفين لاستوائهما في الغرور ولكن ما وجب على الوكيل من نصف الغرم يؤخذ به معجلًا لأنه حر وما وجب على الأمة من نصف الغرم تؤخذ به إذا أيسرت بعد العتق.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُكَاتِبَةً فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا فِي كِتَابَتِهَا؛ لأَنَّهَا كَالجِنَايَةِ فَإِنْ عَجَزَتْ فَحَتَّى تُعْتَقَ فَإِنْ ضَرَبَهَا أَحَدٌ فَألْقَتْ جَنِيناً فَفِيهِ مَا فِي جَنِينِ الحُرَّةِ.
وَقَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: قَدْ جَعَلَ الشَّافِعِيُّ جَنِينَ المُكَاتِبَةِ كَجَنِينِ الحُرَّةِ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا تزوجت على أنها حرة فكانت مكاتبة كان في نكاحها قولان كالأمة:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز.
وهل له الخيار أم لا؟ على قولين والأمة.
فإذا قيل بصحة النكاح وأن لا خيار فيه أو فيه الخيار فاختار المقام عليه فالمهر المسمى بالعقد واجب وهو للمكاتبة دون سيدها لأنه كسبها واكتساب المكاتبة لها بخلاف الأمة فأما أولادها الذين علقت بهم بعد علم الزوج بكتابتها ففيهم قولان:
أحدهما: مماليك لسيدها.
والثاني: تبع لها يعتقون بعتقها إن أدت ويرقون برقها إن عجزت.
وإذا قيل ببطلان النكاح أو قيل بصحته وفيه فاختار الفسخ فالحكم في الحالين سواء وينظر فإن لم يدخل بها الزوج فلا مهر عليه وإن دخل بها فعليه مهر المثل دون المسمى يكون ذلك للمكاتبة دون سيدها وعليه قيمة أولادها وفيمن تكون له قيمتهم قولان:
أحدهما: للسيد إذا قيل: إنهم عبيده لو رقوا.
والثاني: للمكاتبة إذا قيل: إنهم تبع لها فيما يأخذه من قيمتهم وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي- تستعين به في كتابتها.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران أن يكون موقوفًا كما يوقف الأولاد لو رقوا فإن عتقت بالأداء ملكت قيمتهم وإن رقت بالعجز كانت قيمتهم للسيد ويرجع الزوج بقيمة الأولاد على من غره فإن كان الوكيل هو الذي غره رجع عليه بعد غرمها سواء غرمها
للمكاتبة أو لسيدها.
وإن كانت المكاتبة هي التي غرته فإن قيل: يجب للسيد غرمها للسيد ثم رجع بها على المكاتبة في مال كتابتها فإن عجزت ورقت فبعد عتقها.
وإن قيل: تجب قيمة الأولاد لها دون السيد سقطت عنه ولم يغرمها لأنه لو غرمها لرجع بها وأما المهر ففي رجوع الزوج به قولان هلى ما مضى.
فإن قيل: لا يرجع به دفع جميعها إليها.
وإن قيل: يرجع به نظر في الغار به فإن كان الوكيل غرم لها مهرها ورجع بجميعه على الوكيل وإن كانت هي الغارة سقط لأنه لها وهل يسقط جميعه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط جميعه لأنه يستحق الرجوع على غيرها بجميعه.
والثاني: لا يسقط إلا أقل ما يجوز أن يكون مهرًا فيلزمه دفعه إليها ولا يرجع به عليها لأن لا يصير مستمتعًا ببعضها من غير بذل.
فصل:
فلو كانت بحالها حاملًا من هذا الزوج المغرور فضرب بطنها فألقت حملها جنينًا ميتًا فعلى الضارب في جنينها غرة عبد أو أمة لأنه حر في حقه ويكون ذلك للزوج لأنه أبوه ووارثه إلا أن يكون هو الضارب فلا يرثه لأنه صار قاتلًا ولا ترثه الأم لأنها مكاتبة ويكون على الزوج فيه عشر قيمة أمة كالذي يكون في جنين مملوك لأنه فيما يستحق على الأب من الغرم في حكم الجنين المملوك وفيما يستحقه الأب على الضارب من الدية في حكم الجنين الحر وفيمن يستحق ما غرمه الأب من عشر قيمة أمة قولان:
أحدهما: يكون للسيد إذا قيل: إن الولد ملك له لو رق.
والثاني: يكون للأم المكاتبة إذا قيل: إنه يكون تبعًا لها لو رق وهل تستعين به في مال كتابتها أو يكون موقوفًا بيدها على ما ذكرنا من الوجهين ثم يكون رجوع الزوج به على غرة مستحق على ما مضى، والله أعلم.
باب الأمة تعتق وزوجها عبد
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ بُرِيرَةَ أُعْتِقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَيْسَ بَيْعُهَا طَلَاقَهَا إِذَا خَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ بَيْعِهَا فِي زَوْجِهَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كانت الأمة ذات زوج فبيعت أو أعتقت كان النكاح بحاله ولم يكن ذلك طلاقًا لها.
وبه قال عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأكثر الصحابة وجمهور الفقهاء ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وأنس بن مالك
إلى أن بيعها طلاق لها وكذلك عتقها ولا نعرف قائلًا به من التابعين إلا مجاهد استدلالًا بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] فحرم من ذوات الأزواج إلا أن يملكه فيحلله للمالك وهذه قد ملكت بالابتياع فوجب أن تحل لمالكها ولأنه لما حلت ذات الزوج بالسبي لحدوث ملك السابي وجب أن تحل بالشراء لحدوث ملك المشتري.
والدليل على ثبوت النكاح أن بريرة أعتقت تحت زوج فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاحه فلو كان نكاحها قد بطل بعتقها لأخبرها ولم يخيرها فيه ولأن عقد النكاح أثبت من عقد الإجارة لدوامه فلما لم يبطل عقد الإجارة بالعتق والبيع فأولى أن لا يبطل بهما عقد النكاح ولأنه لما كان بيع الزوج وعتقه لا يوجب بطلان نكاحه كذلك بيع الزوجة وعتقها لا يوجب بطلان نكاحها ولأن المشتري ملك عن البائع على الصفة التي كان البائع مالكها فلما كان النكاح مقرًا على ملك البائع كان مقرًا على ملك المشتري فأما الآية فواردة في السبايا.
وأما الاستدلال بالسبايا فالفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن السبي لما أبطل الحرية التي هي أقوى كان بأن يبطل النكاح أولى وليس كذلك البيع والعتق.
والثاني: أن السبي قد أحدث حجرًا فجاز أن يبطل به ما تقدم من نكاحها وليس كذلك البيع والعتق.
فصل:
فإذا ثبت أن النكاح بحاله فعلى المشتري إقرار الزوج على نكاحه وله الخيار في فسخ البيع إن لم يكن عالمًا بنكاحه لتفويت بضعها عليه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عَبْداً.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْداً يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيث بُرَيْرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بُرِيرَةَ مُغِيثاً؟ " فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ رَاجَعْتِهِ فَإِنَّمَا هُوَ أَبُو وَلَدِكِ" فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله بَأَمْرِكَ؟ قَال: "إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ" قَالَتْ: فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَبْداً.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَلَا يُشْبِهُ العَبْدُ الحُرَّ؛ لأَنَّ العَبْدَ لَا يَمْلِكَ نَفْسَهُ، وَلأَنَّ لِلسَّيِّد إِخْرَاجَهُ عَنْهَا وَمَنْعَهُ مِنْهَا وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لِوَلَدِهَا وَلَا وِلَايَةَ وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا".
قال في الحاوي: أما إذا أعتقت الأمة تحت زوج وكان عبدًا فلها الخيار في فسخ نكاحه لكماله ونقصه وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: "ملكت نفسك فاختاري".
فأما إذا أعتقت الأمة وزوجها حر فقد اختلف الفقهاء في خيارها فذهب الشافعي إلى أنه لا خيار لها.
وبه قال من الصحابة: ابن عمر وابن عمر وابن عباس وعائشة.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب والحسن البصري وسليمان بن يسار.
ومن الفقهاء: ربيعة ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لها الخيار.
وبه قال النخعي والشعبي والثوري وطاوس استدلالًا برواية إبراهيم بن الأسود عن عائشة قالت: خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة وكان زوجها حرًا وهذا نص قالوا: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: "قد ملكت بضعك فاختاري" فجعل على اختيارها أنها ملكت بضعها وهذه العلة موجودة إذا أعتقت تحت حر لوجودها إذا أعتقت تحت عبد فوجب أن يكون لها الخيار في الحالين.
قال: ولأنها أعتقت تحت زوج فوجب أن يكون لها الخيار في الحالين.
قال: ولأنها أعتقت تحت زوج فوجب أن يكون لها الخيار.
أصله: إذا كان الزوج عبدًا ولأنه قد ملك عليها بضعها بعد العتق بمهر ملكه غيرها في الرق فوجب أن يكون لها فسخه فيصح ان تملك بالحرية ما كان ممنوعًا عليها في العبودية.
ودليلناك ما رواه عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خَيَّر بريرة وكان زوجها عبدًا فوجه الدليل فيه أن الحكم إذا انتقل مع السبب تعلق الحكم بذلك السبب كما إذا نقل الحكم مع علة تعلقى الحكم بتلك العلة وقد نقل التخيير بعتقها تحت عبد فوجب أن يكون متعلقًا به.
فإن قيل: فقد روى الأسود عن عائشة أنه كان حرًا، فتعارضت الروايتان في النقل وكانت رواية الحرية أثبت في الحكم، ألا ترى لو شهد شاهدان بحرية رجل وشهد آخران بعبوديته كان شهادة الحرية أولى من شهادة العبودية، وكذلك في النقلين المتعارضين.
قيل: روايتنا أنه كان عبدًا أولى من روايتهم أنه كان حرًا من أربعة أوجه:
أحدهما: أن راوي العبودية عن عائشة ثلاثة عروة والقاسم وعمرة وراوي الحرية عنها واحد وهو الأسود ورواية الثلاثة أولى من رواية الواحد لأنهم من السهو أبعد وإلى التواتر والاستفاضة أقرب وقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد".
والثاني: أن من ذكرنا أخص بعائشة من الأسود، ولأن عروة بن الزبير هو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر والقاسم بن محمد هو ابن أخيها محمد هو ابن أخيها محمد بن أبي بكر، وعمرة بنت عبد الرحمن بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، فهم من أهلها يستمعون كلاهما مشاهدة من غير حجاب والأسود أجنبي لا يسمع كلاهما إلا من وراء حجاب فكانت روايتهم أولى من روايته.
والثالث: أن نقل العبودية يفيد على الحكم ونقل الحرية لا يفيدها لأن أحدًا لا يجعل حرية الزوج علة في ثبوت الخيار والعبودية يجعله علة في ثبوت الخيار فكانت رواية العبودية أولى.
والرابع: أن قد وافق عائشة في رواية العبودية صحابيان: ابن عمر وابن عباس وما رافقهما في رواية الحرية أحد أما ابن عمر فروى أنه كان عبدًا وأما ابن عباس فروى عنه خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان زوج بريرة عبدًا أسود يقال له مغيث كأني أراه يطوف خلفها بالمدينة ودموعه تسيل على لحيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس: ألا تعجب من شدة حب مغيث بريرة، ومن شدة بغض بريرة مغيث، قال: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو راجعته فإنما هو أبو ولدك" فقالت: أتأمرني فقال: "إنما أنا شافع" قالت: فلا حاجة لي فيه".
فأما ترجيحه بأن شهود الحرية أولى من شهود العبودية كذلك راوي الحرية أولى من راوي العبودية.
فالجواب عنه أنه يقال: إن علم شهود الحرية بالعبودية فشهادتهم أولى لأنهم أزيد علمًا ممن علم العبودية زلم يعلم ما يجدد بعدها من الحرية وإن لم يعود شهود الحرية بالعبودية وكان مجهول فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: أن الشهادتين قد تعارضتا فسقطتا.
والثاني: أن شهادة العبودية أولى لأنها تخالف الظاهر من حكم الدار فكانت أزيد ممن شهد بالحرية التي هي الغالب من حكم الدار ألا ترى أن اللقيط يجري عليه حكم الحرية في الظاهر لأنه الغالب من حكم الدار في الظاهر لأنه الغالب من حكم الدار ولأن أهلها أحرارًا فلم يكن في هذا الاستشهاد ترجيح.
فإن قالوا: تستعمل الروايتين فتحمل رواية من نقل العبودية على أنه كان عبدًا وقت العقد ورواية من نقل الحرية على أنه كان حرًا وقت العتق؛ لأن الحرية تطرأ على الرق ولا يطرأ الرق على الحرية، فكان ذلك أولى ممن استعمل إحدى الراويتين دون الأخرى.
والجواب عن هذا الاستعمال من وجهين:
أحدهما: أنه تأويل يبطل بخبرين:
أحد الخبرين: أن أسامة روى عن القاسم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: "إن شئت أن تستقري تحت هذا العبد وإن شئت فارقتيه" فيقال: إنه كان في وقت التخيير عبدًا.
والخبر الثاني: ما رواه هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة أنه كان عبدًا فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها، ولو كان حرًا لم يخيرها.
والثاني: أننا نقابل هذا الاستعمال بمثله من وجهين:
أحدهما: أنه كان حرًا قبل السبي وعبدًا بعد السبي عند العقد والتخيير.
والثاني: أنه كان عبدًا وقت العتق وحرًا وقت التخيير فتكون لها الخيار في أحد المذهبين ويدل على صحة ما ذهبنا إليه أيضًا ما رواه ابن موهب عن القاسم عن عائشة أنه كان غلام وجارية، فأرادت عتقهما فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابدأي بالغلام" فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم عتق الزوج إلا لفائدة ولا فائدة إلا سقوط خيار الزوجة على أنه قد روى أنه قال لها: "ابدأي بالغلام لأن لا يكون للزوجة خيار فكان هذا نصًا صريحًا.
ويدل عليه عن طريق القياس: أنها كافأت زوجها في الفضيلة فوجب أن لا يثبت لها بذلك خيار كما لو أسلمت تحت مسلم أو أفاقت من جنون تحت عاقل، ولأن ما لم يثبت به الخيار في ابتداء النكاح لم يثبت به الخيار في أثناء النكاح كالعمى طردًا وكالجب عكسًا ولأن ما لزم من عقود المعاوضات لم يثبت فيه من غير عيب خيار كالبيع.
فأما الجواب عن استدلالهم بقوله: قد ملكت بضعك فاختاري فهو أن هذا اللفظ ما نقله غيرهم ولا وجد إلا في كتبهم ثم يكون معناه قد ملكت نفسك تحت العبد فاختاري فلم يكن لها أن تختار نفسها تحت الحر.
وأما قياسهم على الزوج إذا كان عبدًا فالمعنى فيه نقصه بالرق عم كمالها بالحرية فذلك كان عيبًا يوجب الخيار وليس كذلك عتقها مع الحر.
وأما استدلالهم بأنه قد ملك عليها بضعها.
بمهر ملكه غيرها فلا تأثير لهذا المعنى واستحقاق الخيار لأنها لو كانت مكاتبة وقت العقد فملكت مهرها ثم أعتقت كان لها الخيار فبطل أن يكون استحقاقه لهذه العلة وبطل أن يكون العلة لأنها قد ملكت بالعتق ما ملك عليها في الرق لأنها لو أوجرت ثم عتقت لم يكن لها في فسخ الإجارة خيار فلم يصح التعليل بواحد من الأمرين فبطل الاستدلال.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "فَلِهَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ- كَانَ لَهَا الخِيَارُ إِذَا أُعْتِقَتْ
مَا لَمْ يُصِبْهَا زَوْجَهَا بَعْدَ العِتْقِ وَلَا أَعْلَمُ فِي تَاقِيتَ الخِيَارِ شَيْئاً يُتَّبَعُ إِلَّا قَوْلَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا لَمْ يَمَسَّهَا".
قال في الحاوي: وإذا ثبت أن لا خيار لها إذا أعتقت إلا أن يكون زوجها عبدًا فلها أن تختار الفسخ بحكم حاكم وغير حكمه بخلاف الفسخ بالعيوب لأن خيارها بالعتق غير متفق عليه فلم يفتقر إلى حاكم وخيارها بالعيب مختلف فيه فافتقر إلى حاكم وإذا كان كذلك فهل يكون خيارها على الفور أو التراخي فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه على الفور معتبرًا بالمكنة لأن خيار عيب ثبت لرفع ضرر فاقتضى أن يكون على الفور كالخيار بالعتق في البيوع.
والثاني: أنه ممتد بعد العتق إلى ثلاثة أيام وهي آخر حدّ القليل وأول حد الكثير واعتبارًا بالخيار في المصراة ثلاثًا بأنه جعل الخيار خيار ثلاث.
والثالث: أنه على التراخي ما لم يصرح بالرضي أو التمكين في نفسها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: لما رأى مغيثًا باكيًا "لو راجعتيه فإنه أبو ولدك" ولعل ذلك كان بعد زمان من عتقها فلولا امتداد خيارها على التراخي لأبطله، وقد روى محمد بن خزيمة عن ابن إسحاق بإسناد رفعه أ، النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: "لك الخيار ما لم يصبك".
وهذا نص إن صح، ولأنه قول ابن عمر وحفصة وليس يعرف لهما فيه خلاف ولأن طلب الأحظ في هذا الخيار مثبته يحتاج إلى فكر وارتياء فتراخى زمانه ليعرف بامتداد أحظ الأمرين لها وخالف العيوب التي لا يشتبه منها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَصَابَهَا فَادَّعَت الجَهَالَةَ فَفِيهَا قَوْلَان: أحدهما أَنْ لَا خَيَارَ لَهَا وَالآخَرُ لَهَا الخِيَارُ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَقُلْتُ: أَنَا وَقَدْ قَطَعَ بِأَنَّ لَهَا الخِيَارَ فِي كِتَابَيْنِ وَلَا مَعْنَى فِيهَا لِقَوْلَيْنِ".
قال في الحاوي: وصورتها: في أمة عتقت تحت عبد مكنته من نفسها ثم ادعت الجهالة وأرادت فسخ نكاحه فدعوى الجهالة على ضربين:
أحدهما: أن تدعي الجهالة بالعتق وأنها لم تعلم به حتى مكنت من نفسها فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يعلم صدقها لبعدها عن البلد الذي فيه سيدها وقرب الزمان عن أن يصل إليها عتقها فقولها مقبول ولها الخيار لأن خيار العيوب لا يبطل بالتأخير إذا جهلت.
والثاني: أن تعلم كذلك بها لأنها وجهت بالعتق أو بشرت به فعلمت أحكامها
فقولها مردود ولا خيار لها بعد التمكين.
والثالث: أن يحتمل الأمرين فالقول قولها مع يمينها لأن الأصل عدم علمها وثبوت الخيار لها فلم يصدق الزوج في إبطاله عليها ومن أصحابنا من خرج فيه وجهًا آخر أن القول فيه قول الزوج لأن الأصل فيه ثبوت النكاح فلا يقبل قولها في فسخه مع احتمال تخريجها من أحد القولين في الجهالة بالحكم.
فصل:
والضرب الثاني: أن تدعي الجهالة بالحكم مع علمها بالعتق فتقول: لم أعلم بأن لي الخيار إذا أعتقت مكنته من نفسي وإن كانت عالمة بالعتق فهو أيضًا على الأقسام الثلاثة:
أحدهما: أن يعلم أن مثلها لا يعلم لأنها جلبية أعجمية فقولها مقبول ولها الخيار.
والثاني: أن يعلم أن مثلها يعلم لأنها مخالطة للفقهاء مسائلة العلماء فقولها غير مقبول ولا خيار لها بعد التمكين.
والثالث: أن يحتمل الأمران أن يعلم وأن لا يعلم فإن صدقها الزوج على أن لم تعلم فلها الخيار وإن أكذبها ففيه قولان:
أحدهما: أن القول قولها مع يمينها اعتبارًا بثبوت الخيار لها وأنه حكم قد يخفي على العامة ولا يكاد يعرفه إلا الخاصة فلم يقبل الزوج في إبطاله.
والثاني: أن القول قول الزوج مع يمينه ولا خيار لها اعتبارًا بلزوم النكاح فلم يقبل قولها في فسخه.
فأما المزني فاختار الأول وهو أصح لكنه جعل نص الشافعي عليه في موضعين إبطالًا للثاني وليس بصحيح لأنه لما يبطل الثاني بذكر الأول لم يبطل بإعادة الأول، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ اخْتَارَتْ فِراقَهُ وَلَمْ يَمَسَّهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا فَإِنْ أَقَامَتْ مَعَهُ فَالصَّدَاقُ لِلسَّيِّد لأَنَّهُ وَجَبَ بَالعَقْدِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا خيّرت المعتقة تحت عبد فلها حالتان:
إحداهما: أن تختار الفسخ فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يفسخ قبل الدخول فيسقط مهرها لأن الفسخ إذا جاء من قبلها قبل الدخول أسقط مهرها كالردة وكما لو قال لها وهي غير مدخول بها أنت طالق إن شئت
فشاءت طلقتين لا مهر لها لوقوع الطلاق بمشيئتها.
والثاني: أن يفسخ بعد الدخول فالمهر مستتر بالدخول ثم ينظر فإن كان الدخول قبل العتق وجب المهر المسمى لأن فسخ النكاح كان بحادث بعد الدخول وإن كان الدخول بعد العتق وهو أن لا تعلم بالعتق حتى يدخل بها فيكون لها مهر المثل دون المسمى لأنه فسخ بسبب قبل الدخول وإن كان موجودًا بعده فصار العقد مرفوعًا بسببه المتقدم فلذلك وجب بالعدة في الإصابة مهر المثل كما قلنا في العيب ثم يكون هذا المهر للسيد سواء كانت الإصابة قبل العتق أو بعده.
فصل:
والحالة الثانية: أن يختار المقام والنكاح ثابت والصداق على ضربين:
أحدهما: أن يكون مسمى في العقد فهو للسيد دونهما.
وقال مالك: يكون الصداق لها وهذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن المهر مستحق بالعقد وإن صار مستقرًا بالدخول والعقد في ملك السيد فوجب أن يكون الصداق له كما لو عقدته في حريتها كان الصداق لها.
والثاني: أنه قد يعقد على منافعها بالإجارة تارة وبالنكاح أخرى فلما لو أجرها ثم أعتقها كانت الأجرة له دونها كذلك إذا زوجها ثم أعتقها كان الصداق له دونها.
والثاني: أن تكون مفوضة لم يسم لها في العقد صداقًا حتى أعتقت ففيه قولان مبنيان على اختلاف قولي الشافعي فيما فرض من صداق المفوضة هل يكون مستحقًا بالعقد أو بالفرض.
فأحد القولين: أنه مستحق بالعقد وإن فرض بعده لأنه بدل من المسمى فيه فعلى هذا يكون للسيد استحقاقه في ملكه كالمسمى.
والثاني: أنه مستحق بالفرض لخلو العقد منه فعلى هذا يكون للمعتقة لاستحقاقه بعد عتقها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ طَلْقَةٍ فَلَهَا الفَسْخُ".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد طلق زوجته الأمة واحدة بعد الدخول فله عليها الرجعة وقد بقيت معه على طلقة وصارت كزوجة الحر بعد الطلقتين لأن الحر يملك ثلاثًا والعبد طلقتين فإن أعتقت هذه الأمة المطلقة في عدتها فلها الفسخ؛ لأنها في عدة الطلاق الرجعي في حكم الزوجات لوقوع طلاقه عليها وصحة ظهارة وإبلائه منها فكان لها الفسخ، وإن كانت جارية في الفسخ؛ لأن الفسخ لا ينافي وليستعيد بالفسخ قصور
إحدى العدتين وإذا كان كذلك فلها بعد عتقها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يختار الفسخ.
والثاني: أن يختار المقام.
والثالث: أن تمسك فلا تختار الفسخ ولا المقام فإن اختارت الفسخ كان ذلك لها وهل للزوج أن يرجع بعد الفسخ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: له الرجعة لأنه قد ملك الرجعة بطلاقة.
والثاني: لا رجعة له لأن الرجعة تراد للاستباحة والفسخ قد منع منها فلم يكن للرجعة تأثير فعلي هذا إن قلنا: إنه لا رجعة له كان تأثير الفسخ إسقاط الرجعة لا وقوع الفرقة لأن الفرقة وقعت بالطلاق دون الفسخ وأول عدتها من يوم الطلاق في الرق وقد صارت في تضاعيفها حرة فتكون عدتها على ما مضى من القولين:
أحدهما: عدة أمة اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: عدة حرة اعتبارًا بالانتهاء.
وإن قيل: له الرجعة فعلى هذا لا يخلو من أحد أمرين.
إما أن يراجع أو لا يراجع فإن لم يراجع وقعت الفرقة بالطلاق دون الفسخ وفي عدتها قولان على ما مضى وإن راجع وقعت الفرقة بالفسخ دون الطلاق وأول عدتها من وقت الفسخ وهي عدة حرة لأنها بدأت بها وهي حرة وإن اختارت المقام فلا تأثير لهذا الاختيار لأن جريانها في الفسخ يمنع من استقرار حكم الرضى.
وقال أبو حنيفة: قد بطل خيارها بالرضى وليس لها بعد الرجعة أن تفسخ لأن أحكام الزوجية جارية عليها في حق نفسها إن رضيت وهذا خطأ؛ لأن الجارية في عدة الفرقة لا يلزمها حكم الرضى إذا أعتقت كما لو ارتد وقال: أنت بائن فإن أبا حنيفة يوافق فيهما أن الرضى غير مؤثر فعلى هذا الزوج أن يراجع لا يخلف فإن لم يراجع وقعت الفرقة بالطلاق وكان في عدتها قولان: وإن راجع عادت بالرجعة إلى الزوجية فتكون حينئذٍ بالخيار بين الفسخ والمقام لأن ذلك الرضى لما كان في غير محله سقط حكمه فإن اختارت المقام كان على الزوجية وإن اختارت الفسخ استأنفت عدة حرة من وقت الفسخ وإن لم يكن لها وقت العتق اختيار المقام ولا الفسخ فهو على ما ذكرنا من أن الزوج أن يراجع فإن لم يفعل حتى مضت العدة وقعت الفرقة وفي عدتها قولان وإن راجع كانت حينئذٍ بالخيار فإن فسخت استأنفت من وقت الفسخ عدة حرة.
فصل:
فأما إذا كان العبد قد طلقها اثنتين فقد استوفي ما ملكه من طلاقها فإن أعتقت في العدة لم يكن لها الفسخ لأنها مبتوتة بالطلاق فصارت بائنًا وهكذا لو خالعها على طلقة واحدة لم يكن لها الفسخ إذا أعتقت لأنها بالخلع مبتوتة وإن بقي لها من الطلاق واحدة.
فصل:
وإذا أعتقت الأمة تحت عبد فبادر الزوج فطلقها قبل الفسخ ففي وقوع طلاقها قولان:
أحدهما: رواه الربيع -أن الطلاق لا يقع لأن استحقاقها للفسخ يمنع من تصرف الزوج فيها بغير الطلاق فمنعه من التصرف فيها بالطلاق.
والثاني: نص عليه في الإملاء أن طلاقه واقع لأنها قبل الفسخ زوجة وإن استحقت الفسخ والطلاق وإن كان تصرفًا فهو موافق للفسخ وإنما يمنع من تصرف بضاده كالاستمتاع وهذا اختيار ابن سريج.
وقال أبو حامد الإسفراييني: الطلاق موقوف فإن فسخت بان أنه لم يكن واقفًا وإن لم يفسخ بان أنه كان واقعًا كطلاق المرتدة، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذّلِكَ فَهِيَ عَلَى وَاحِدَةٍ".
قال في الحاوي: وصورتها في أمة أعتقت تحت عبد فإن فسخت نكاحه من غير أن يطلقها جاز بعد الفسخ أن يتزوجها سواء كانت في العدة أو بعدها؛ لأن العدة إذا كانت منه منعت من نكاح غيره ولم يمنع من نكاحه فإذا نكحها كانت معه على ما يملك من الطلاق الكامل وهو طلقتان لأن العبد لا يملك أكثر منهما وليس الفسخ طلاقًا وإن كان الزوج قد طلقها قبل فسخها طلقتين قد حرمت عليه إلا بعد زوج كما تحرم على الحر بما بعد ثلاث لاستيفائه ما ملك من الطلاق وإن كان الزوج قد طلقها واحدة، فله أن يستأنف نكاحها في العدة وبعدها سواء فسخت بعد طلاقه أو لم تفسخ وتكون معه على طلقة واحدة وهي الباقية له من الطلقتين فلو كان العبد قد أعتق قبل أن تستأنف نكاحها ففيما يملكه من طلاقها قولان بناء على اختلاف قولين إذا عتقت في تضاعيف عدتها.
أحدهما: تكون معه على طلقة واحدة اعتبارًا بما هي من نكاحه الأول الذي كان فيه عبدًا.
والثاني: تكون معه على اثنتين اعتبارًا بما يملكه في نكاحه الثاني الذي قد صار به حرًا.
مسألة:
قَالَ الشَافِعِيُّ: "وَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ لَا يُؤَجِّلَهَا أَكْثَرَ مِنْ مَقَامِهَا".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن للمعتق تحت عبد أن تختار الفسخ في نكامه من غير حكم فإن ترافع الزوجان فيه على الحاكم أو السلطان.
قال الشافعي: "فعلى السلطان أن
لا يؤجلها أكثر من مقامها".
فاختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: أنه جواب منه على القول الذي يجعل خيارها فيه على الفور دون التراخي فلا يؤجلها أكثر من مقامها للتحاكم فيه لأنه المعتبر من مكنة الفوز.
فأما على القول الذي يجعل خيارها إلى ثلاث أو على التراخي فليس له قطع خيارها ولا إبطال ما استحقه من مدته أم من تراخيه.
والثاني: أنه جواب منه على الأقاويل كلها لأن الحاكم منصوب للفصل بين الخصوم فإذا قضاها للزوج إليه وقال الزوج: إما أن تمكنيني أو تفسخي لم يجز للحاكم أن يمهلها ويذرها معه مطلقة ليست بزوجة ولا مفارقة فيقول لها: أتت وإن كان خيارك ممتدًا على التراخي بالتحاكم ثلاث والقضاء يفصل فاختياري تعجيل الفسخ أو الرضى فإن فسخت في مجلسه وإلا سقط حقها منه، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإنْ كَانَتْ صَبِيَّةً فَحَتَّى تّبْلُغَ".
قال في الحاوي: وصورتها في أمة صغيرة أعتقت تحت عبد فقد وجب لها الخيار مع الصغر؛ لأن ما وجب في العقود من الحقوق استوى استحقاقه في الصغير والكبير كالشفعة لكن ليس لها قبل البلوغ أن تختار الفسخ بخلاف التخيير بين الأبوين والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه تخيير يستحق في الصغر فلم يجز أن يفوت بانتظار البلوغ فخالف خيار العتق.
والثاني: أنه تخيير لا يلزم به حكم فجاز أن يكون ممن ليس لقوله حكم وإذا كان هكذا فليس لوليها من أب ولا معتق أن يختار عليها بخلاف الشفعة التي يكون للولي أخذها.
والفرق بينهما: أن في هذا الخيار استهلاكًا ليس في الشفعة فجرى مجرى استحقاق القود الذي ليس للولي فيه خيار لما تضمنه من الاستهلاك.
فصل:
فإذا تقرر أن لا خيار لها ولا لوليها حتى تبلغ فإذا بلغت كان البلوغ أول زمان الخيار فيكون فيه حينئذٍ ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه على الفور في الحال.
والثاني: أنه ممتد إلى ثلاثة أيام.
والثالث: أنه على التراخي ما لم ترض أو تمكن فلو أراد الزوج أن يطأها ما بين عتقها وبلوغها فالصحيح أنه تمكن منه ولا يمنع من إصابتها لأن استحقاقها للفسخ مغير لحكم تقدمه من الإباحة وهذا الوجه مخرج القول الذي رواه الربيع أن طلاق الزوج قبل الفسخ وبعد استحقاقه لا يقع.
مسألة:
قَالَ الشًّافِعِيُّ: "لَا خَيَارَ لأَمَةٍ حَتَّى تكْمُلَ فِيهَا الحُرَّيَةُ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن أحكام الرق جارية عليها قبل استكمال الحرية فإذا أعتق بعضها ورق باقيها فإن قل فلا خيار لها، وكذلك لو دبرت أو كوتبت وفي مقابلة ذلك أن يعتق جميعها وقد أعتق من الزوج بعضه وإن كثر ورق باقية وإن قل فلها الخيار في فسخ نكاحه لأن أحكام الرق جارية عليه ما لم تكمل حريته.
فصل:
ويتفرع على هذا الأصل إذا زوجها سيدها بعبد على صداق مائة درهم ثم أعتقها في مرضه وقيمتها مائة درهم وخلف معها مائة درهم ولم يدخل الزوج بها فلا خيار لها بالعتق وإن كان زوجها عبدًا لأن اختيارها الفسخ مفضٍ إلى إبطال والعتق والفسخ لأنها إذا فسخت قبل الدخول بطل صداقها فصارت التركة مائتا درهم قيمتها نصفها فيعتق ثلثاها ويرق ثلثها وإذا رق ثلثها بطل خيارها لأن ما أدى ثبوته إلى إبطاله وإبطال غيره أبطل ثبوت غيره فكذلك بطل الخيار ومضى العتق ولهذا نظائر قد ذكرناها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وّلّوْ أَعْتَقَ قَبْلَ الخِيَارِ فَلَا خِيَارَ لَهَا".
قال في الحاوي: وصورتها: في أمة أعتقت تحت عبد فلم تختر فسخ نكاحه حتى أعتق إما بأن لم تعلم بعتقها فيكون خيارها باقيًا على الأقاويل كلها وإما بأن علمت وقيل خيارها على التراخي دون الفور ففي بقاء خيارها قولان:
أحدهما: أن خيارها ثابت اعتبارًا بوجوبه في الابتداء فلم يسقط مع زوال سببه إلا بالاستبقاء.
والثاني: نص عليه في هذا الموضع أنه لا خيار لها لأن مقصود خيارها إزالة النقص الداخل عليها برقة وقد زال النقص بعتق فلم يبق لاستحقاق الخيار معنى يقتضيه فلو أعتق الزوجان في حالة واحدة فلا خيار لهما لاستوائهما في التكافئ بالرق والعتق ولو أعتق الزوج دونها ففي استحقاقه لفسخ نكاحها بعتقه ورقها وجهان:
أحدهما: له الفسخ ليستحق عليها من الخيار مثل ما تستحقه عليه فيستويان فيه.
والثاني: لا خيار له وإن كان لها الخيار لأن الزوج يقدر على إزالة الضرر بالطلاق وهي لا تقدر عليه إلا بالفسخ فافترقا فيه والله أعلم بالصواب.
باب أجل العنين والخصي غير المجبوب والخنثى
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيَنْةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَّلَ العِنِّينَ سَنَةَّ وَقَالَ: وَلَا أَحْفَظَ عَمَّنْ لَقيتُهُ خِلَافًا فِي ذَلِكَ فَإِنْ جَامَعَ وَإِلَّا فًرِّقَ بَيْنَهُمَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: أما العنة فهي العجز عن الوطء وللين الذكر وعدم انتشاره فلا يقدر على إيلاجه فسمى من به العنة عنينًا وفي تسميته بذلك قولان:
أحدهما: أنه سمي عنينًا للين ذكره يعني عن إرادة الوطء وانعطافه مأخوذ من عنان الفرس للينه.
والثاني: أنه سمي عنينًا لأن ذكره يعن عن إرادة الوطء أن يعترض يمين الفرج ويساره فلا يلج مأخوذ من العنن وهو الاعتراض يقال عزلك الرجل إذا اعترضتك عن يمينك أو يسارك.
والعنة عيب يثبت به للزوجة خيار الفسخ وهو إجماع الصحابة وقول جميع الفقهاء إلا شاذًا عن الحكم بن عيينة وداود: أنه ليس بعيب ولا خيار فيه استدلالًا بأن امرأة رفاعة لما تزوجت بعده بعبد الرحمن أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أن زوجي أبت طلاقي وقد تزوجني عبد الرحمن بن الزبير وإنما له مثل هدبة الثوب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فلم يجعل العنة فيه عيبًا ولا جعل لها خيارًا.
وروى هانئ بن هانئ أن امرأة شكت إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن زوجها لا ينتشر فقال: "ولا عند السحر؟ قالت: لا، قال: ما عند است هذا خير، ثم قال: اذهبي فجيئيني به، فلما جاءه رآه شيخًا ضعيفًا فقال لها: اصبري فلو شاء الله أن يبتليك بأكثر من هذا فعل" ولم يجعل لها خيارًا.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:229] فلما كان الوطء حقًا عليها وجب أن يكون حقًا لها عليه وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:229] وهي الفرقة ولأنه إجماع الصحابة حكي ذلك عن عمر وعلي وابن
مسعود والمغيرة وابن عمر وجابر أنه يؤجل فإن أصاب وإلا فرق بينهما وليس يعرف لهم في الصحابة مخالف.
فإن قيل: فقد تقدمت الرواية عن علي بخلاف هذا.
قيل: تلك الرواية ليست ثابتة لأن هانئ بن هانئ ضعيف عند أصحاب الحديث ولأن تلك لم يكن زوجها عنينًا لأنه عجز بعد القدرة لضعف الكبر.
وقيل: إنها كانت قد عنت عنده والعنين هو الذي لم يصبها قط وقد قال الشافعي في إثبات الإجماع: لا أحفظ عمن لقيته خلافًا ولأنه لما وجب لها بالجب خيار الفسخ لفقد الإصابة المقصورة فكذلك العنة ولأن العنين أسوأ حالًا من المولى لأن المولى تارك للإصابة مع القدرة والعنين تارك لها مع العجز فلما كان لها الفسخ في الإيلاء فلأن يكون لها في العنة أولى ولأنه لما وجب له الخيار في فسخ نكاحها بالرتق لتعذر الجماع عليه مع قدرته على فراقها بالطلاق كان أولى أنه يجب بها بعنة الزوج لأنها لا تقدر على فراقه بالطلاق.
فأما الجواب عن حديث امرأة رفاعة فمن وجهين:
أحدهما: أنها شكت ضعف جماعه ولم تشك عجزه عنه ألا تراه قال لها: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ولو كان عاجزًا لما ذاق واحد منهما عسيلة صاحبه على أنه قد روى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فقالت: يا رسول الله قد جاءني هبة، وفيه معنيان:
أحدهما: أن الهبة مرة واحدة.
قال ابن وهب.
والثاني: أنها حقبة من الدهر قال أبو زيد وهذا نص في الجواب.
والثالث: أنها ادعت ذلك على زوجها ولم يكن من الزوج اعتراف بدعواها بل أنكر عليها قولها فقال: كذبت يا رسول الله، فإني أعركها عرك الأديم العكاظي".
فصل:
فإذا ثبت أن العنة عيب يثبت به خيار الفسخ فهو معتبر بشرطين:
أحدهما: أن لا يكون قد أصابها قط فإن أصابها مرة زال عنه حكم العنة لما سنذكره.
والثاني: أن لا يقدر على إيلاج حشفة الذكر فإن على إيلاج الحشفة وإن استعان بيده زال عنه حكم العنة فإذا تكامل الشرطان وتصادم عليهما الزوجان لم يتعجل الفسخ بها وأجل الزوج لها سنة كاملة بالأهلة.
وحكي عن مالك: أنه يؤجل نصف سنة.
وحكي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه يؤجل عشرة أشهر وحكي عن سعيد بن
المسيب (أنها) إن كانت حديثة العهد معه أجل لها سنة، وإن كانت قديمة العهد معه أجل لها خمسة أشهر، وكل هذه الأقاويل فاسدة لا يرجع التقدير فيها إلى أصل من جهة، وتقدير أصله بالسنة أولى من وجهين:
أحدهما: أنه مروي عن عمر، لأنه أجل العنين سنة.
وعمر لا يفعل هذا إلا عن توقيف يكون نصًا أو عن اجتهاد شاور فيه الصحابة؛ لأن كان كثير المشورة في الأحكام فيكون مع عدم الخلاف فيه إجماعًا وإذا تردد بين حالين نص أو إجماع لم يجز بخلافه.
والثاني: إن التأجيل إنما وضع ليعلم حاله هل هو من مرض طارئ فيرجى زواله أو من نقص في أصل الخلقة فلا يرجى زواله فكانت السنة الجامعة للفصول الأربعة الأولى أن تكون أجلًا معتبرًا لأن فصل الشتاء بارد رطب وفصل الصيف حار يابس وفصل الربيع حار رطب وفصل الخريف بارد يابس فإذا مر بالمرض ما يقابله من فصول السنة ظهر وكان سببًا لبرئه فإن كان من برد ففصل الحر يقابله فإن كان من حر ففصل البرد يقابله وإن كان من رطوبة ففصل اليبوسة يقابله وإن كان من يبوسة ففصل الرطوبة يقابله وإن كان مركبًا من نوعين فيما خالفه من النوعين هو المقابل له فإذا مضت عليه الفصول الأربعة وهو بحالة لم يكن مرضًا لما قيل عن علماء الطب أنه لا يسحر الداء في الجسم أكثر من سنة وعلم حينئذٍ أنه نقص لازم لأصل الخلقة فصار عيبًا يوجب بالخيار.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من حكم العنة وأجلها فقد اختلف أصحابنا بماذا يثبت العنة إن ادعتها الزوجة على ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنها لا تثبت إلا بإقراره أو بينة على إقراره فيكون الإقرار وحده معتبرًا في ثبوتها.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنها تثبت بإقراره أو بنكوله لعدم إنكاره ولا يراعى فيه يمين الزوجة لأنها لا تعرف باطن حاله فتخلف.
والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا وحكاه أبو حامد الإسفراييني ولم يحك ما سواه أنها ثبتت بإقراره على الزوجة بعد نكوله وإنكاره لا يثبت إن لم يحلف بعد النكول ولا يمتنع أن يحلف على مغيب بالإمارات الدالة على حاله كما يحلف على كناياته القذف والطلاق وأنه أراد به القذف والطلاق إذا أنكر ونكل، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ قُطِعَ مِنْ ذِكْرِهِ فَيبْقَى مِنْهُ مَا يَقَعُ مَوْقِعَ الجِمَاعِ".
قال في الحاوي: أما إن كان مقطوع الذكر بأسره فهو المجبوب ولها الخيار في فرقتها من غير تأجيل لأن جماعه ما يؤس منه فلم يكن للتأجيل معنى ينتظره فإن رضيت لجبه ثم سألت أن يؤجل للعنة لم يجر لاستحالة الوطء مع الجب الذي يقع به الرضى وإن كان بعض ذكره مقطوعًا فعلى ثلاثة أضرب:
أحدهما: أن يكون الباقي دون قدر الحشفة لا يقدر على إيلاجه فهذا كالمجبوب ولها الخيار في الحال من غير تأجيل.
والثاني: أن يبقى منه قدر الحشفة ويقدر على إيلاجه فعنه قولان:
أحدهما: أنه ليس بعيب في الحال لأنه يقدر على إيلاجه فجرى مجرى الذكر إلا أن يقترن به عنة فيؤجل لها أجل العنة.
والقول الثاني: أنه عيب في الحال وإن يكن معه عنة لنقص الاستمتاع عن حال الذكر السليم فإن رضيت بقطعه وأرادت تأجيل العنة أجل.
والثالث: ألا يعلم قدر باقية هل يكون قدر الحشفة إن انتشر فيقدر على إيلاجه أو يكون أقل فلا يقدر على إيلاجه فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يجري عليه أكثر الأمرين فالباقي منه قدر الحشفة استصحابًا بالحالة الأولى ولا يكون لها الخيار في أصح القولين عاجلًا إلا أن يؤجل لها أجل العنة كالضرب الثاني.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يجري عليه حكم أقل الأمرين وأن الباقي منه أقل من قدر الحشفة فيكون لها الخيار في الحال تغليبًا لحكم القطع دون العنة كالضرب الأول.
فصل:
وأما الخصي فهو الذي قطعت انثياه مع الوعاء وأما المسلول: فهو الذي أسلت انثتاه من الوعاء.
وأما الموجور: فهو الذي رضت انثتاه في الوعاء وحكم جميعهم سواء وهل يكون عيبًا يتعجل به فسخ النكاح فيه قولان مضيا فإن جعل عيبًا يجعل به الفسخ من وقته فإن رضيت به الزوجة وأرادت تأجيله للعنة أجل لها بخلاف المجبوب لإمكان الوطء منه واستحالته من المجبوب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَوْ كَانَ خُنْثَى يَبُولُ مِنْ حَيْثُ الرِّجَالُ".
قال في الحاوي: للخنثى حالتان: مشكل وغير مشكل فأما المشكل فيأتي وأما غير
المشكل فهو أن يبول من ذكره دون فرجه فيكون رجلًا يصح أن يتزوج امرأة وهل يكون زيادة فرجه عيبًا فيه يوجب الفسخ وفي الخيار فيه قولان مضيا، فإن لم يجعل عيبًا أجل للعنة إن ظهرت به.
وإن جعل كان لها أن تتعجل به الفسخ فإن رضيت به وظهرت عنته أجل لها لأن نقصه بالعنة غير نقصه بالخنوثة والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "أَوْ كَانَ يُصِيبُ غَيْرَهَا وَلَا يُصيبُهَا".
قال في الحاوي: أعلم أنه لا يخلو حال من له أربع زوجات من ثلاثة أقسام:
إما أن تعدمن جميعهن وكان يطأهن كلهن انتفت عنه العنة عمومًا.
وما لم تعدمن جميعهن وكان يطأهن كلهن ولا خيار وإن عدمن جميعهن فلا يطأ واحدة منهن فإذا سألوا تأجيله أجل لهم حولًا لأنها مدة يعتبر بها حاله فاستوى حكمها في حقوقهن كلهن فإذا مضت السنة كان لهبة الخيار فإن اجتمعن على الفسخ كان ذلك لهن وإن افترقن أجرى على كل واحدة حكم اختيارها وإن عزم بعضهن دون بعض فوطأ اثنتين ولم يطأ اثنين ثبتت عنته فمن امتنع من وطئها وإن سقطت عنته في جميعهن ولا خيار لمن لم يطأها منهن لأنه لا يجوز أن يكون عنينًا وغير عنين وهذا خطأ لأنه ليس يمنع أن يلحقه العنة من بعضهن لما في طبعه في الميل إليهن وقوة الشهوة لهن مختص كل واحدة منهن بحكمها معه.
فصل:
وإذا أخبرنا الزوج قبل النكاح أنه عنين فنكحت على ذلك ثم أرادت بعد العقد تأجيله للعنة وفسخ النكاح بها ففيه قولان:
أحدهما: أنه في القديم ليس لها ذلك ولا خيار لها كما لو نكحته عالمة بعين ذلك من عيوبه.
والثاني: قاله في الجديد: لها الخيار بخلاف سائر العيوب لأن العنة قد تكون في وقت دون وقت ومن امرأة دون امرأة وغيرها من العيوب تكون في الأوقات كلها ومن النساء كلهن.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَسَأَلَتْ فُرْقَتَهُ أَجَّلْتُهُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ تَرَافَعَا إِلَيْنَا.
قَالَ: فَإِنْ أَصَابَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَهِيَ امْرأَتُهُ".
أعلم أن استحقاق الخيار بالعنة وتأجيل الزواج فيه لا يسار إلا بحكم حاكم لأن
الخيار مستحق باجتهاد وتأجيل السنة عن اجتهاد وما أخر ثبوته من طريق الاجتهاد دون النص والإجماع لم يستقر إلا بحكم حاكم فإن علمت المرأة بعنة الزوج كان حقها في مرافعته إلى الحاكم على التراخي دون الفور, لأنه قبل التأجيل عيب مظنون وليس بمحقق فإن أجزت محاكمته سنة رافعته إلى الحاكم استأنف بها الحول من وقت الترافع إليه ولم يحتسب بما مضى منه وخالف مدة الإبلاء لأن تلك نص وهذه عن اجتهاد فلو أقر لها عند الحاكم بالعنة أجله لها ولم يعجل الفسخ بإقراره لأمرين:
أحدهما: أن الفسخ يؤجل لسنة فلم يجز أن يعجل قبلها.
والثاني: أنه ربما زالت العنة فلم يجز فسخ النكاح, والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ: "إِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةُ وَلَمْ يُصِبْهَا فِي نِكَاحِهِ".
قال في الحاوي فهذا لضربين:
أحدهما: أن يكون عنة.
والثاني: بغير عنة فإن كان لعنة كان على ما مضى من تأجيله لها سنة إذا حاكمته فإن أصابتها في السنة أو بعدها أو قبل الفسخ مرة واحدة سقط حقها من الفسخ لارتفاع عنته بالإصابة فلو تركها بعد تلك الإصابة سنين كثيرة لا يمسها فلا مطالبة لها.
وحكي عن أبي ثور أنه يؤجل لها ثانية إذا عادت العنة ثانية وهذا خطأ لأنها قد وصلت بإصابة المرأة الواحدة إلى مقصود النكاح من تكميل المهر وثبوت الحصانة ولا يبق إلا تلذذ الزوج بها وتلك شهوة لا يجبر عليها, والله أعلم.
إذا ترك الزوج إصابتها لغير عنة فقد اختلف أصحابنا هل يجوز عليه إصابتها مرة أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق: أنه قد يجوز أن يتزوج المجنون الذي لا يقدر على الوطء والقرناء التي لا يمكن وطئها ولو وجب الوطء لما جاز إلا نكاح من تمكنه الوطء لم يكن وطأها.
والثاني: أنه مقصود النكاح من تكميل المهر والحصانة وطلب الولد لا يحصل إلا بالوطء فاقتضى أنه يجب فيه الوطء.
فإذا قيل بالوجه الأول أنه يجب فلا خيار لها ولا تأجيل وإذا قيل بالوجه الثاني أنه يجب فإن كان معذورًا بمرض أو سفر أنذر بالوطء إلى وقت مكنته كما ينظر بالدين من إعساره إلى وقت يساره إن كان غير معذور أخذه الحاكم إذا رافعته الزوجة إليه بالوطء أو الطلاق كما يأخذه المولى بهما ولم يؤجله لأنه ليس بعنين ولا يطلق عليه الحاكم بخلاف المولى في أحد القولين بل يحبسه حتى يفعل أحد الأمرين من الوطء أو الطلاق فإذا وطئها مرة سقط لها مطالبته بالفرقة لقول الله تعال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] ودليلها قول الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:228] فمن درجة الرجل على المرأة أن يلزمها إجابته إذا دعاها إلى الفراش ولا يلزمه إجابتها ولأنه لما كان رفع العقد بالطلاق إليه دونها كان الوطء فيه حقًا له دونها ولأنه لما كان الوطء في ملك اليمين حقًا للمالك دون المملوكة كان الوطء في النكاح حقًا للناكح دون المنكوحة والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ: "وَلَا تَكُونُ إِصَابَتُهَا إِلَا بِأَنْ يٌغَيٌبَ الحَشَفَةَ أَوْ مَا بَقيَ مِنَ الذَّكَرِ فِي الفَرْجِ".
قال في الحاوي: الإصابة التي تسقط بها حكم العنة هي تغييب الحفشة في القبل حتى يلتقي الختانان فيجب الغسل سواء أنزل أو لم ينزل لأنها الإصابة التي يكمل بها المهر المسمى في النكاح ويجب لها مهر المثل في الشبهة والحد في الزنا هذا إذا كان سليم الذكر باقي الحفشة ولا اعتبار بمغيب ما بعد الحفشة فأما إذا كان مقطوع الحفشة ففيما يعتبر بغيبة من بقية الذكر وجهان:
أحدهما: يعتبر أن تغييب باقية قدر الحفشة ليكون بدلًا منها فسقط به حكم العنة كما سقط بها.
والثاني: أنه يعتبر تغييب باقية كلها وهو ظاهر قوله هاهنا لأن الحفشة حد ليس في الباقي فصار جميع الباقي حدًا.
فصل:
فأما الوطء في الدبر فلا يسقط به حكم العنة لأنه محل محظور لا يستباح العقد فلم يسقط به حكم الوطء المستحق بالعقد ولو وطئها في الحيض والإحرام سقط به حكم العنة وإن كان محظورًا لأنه في المحل المستباح بالعقد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ: "فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا خَبَّرّهَا السُّلْطَانُ فَإِنْ شَاءَتْ فِرَاقَّهُ