فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يشك هل وقع النكاحان معًا أو سبق أحدهما الآخر، فالنكاحان باطلان؛ لأن العقد إذا تردد بين حال صحة وفساد حمل على الفساد دون الصحة اعتبارًا بالأصل أن لا عقد حتى يعلم يقين صحته، وإذا كان كذلك فالحكم فيهما كما لو وقعا معًا، فيكون على ما مضى من وجود الدخول وعدمه.
فصل:
وأما القسم الرابع: وهو أن يسبق أحدهما الآخر ويشك أيهما هو السابق فهو على ضربين:
أحدهما: أن يصير الشك بعد تقدم اليقين فيكون النكاحان موقوفين على يرجى من زوال الشك يعود اليقين؛ لأن طروء الشك بعد تقدم اليقين يجوز أن يتعقبه يقين فعلى ذا تكون ذات زوج قد جهل عينه متمتع من الأزواج وليس لواحد منهما إصابتها إلا بعد اليقين بأنه الأسبق نكاحًا.
والضرب الثاني: أن يكون الشك مقارنًا للعقد لم يتقدمه يقين فلا يكون النكاح موقوفًا؛ لأنه ليس بتوقع زوال الشك يعود اليقين.
وإذا امتنع وفق النكاحين كانا باطلين وهل يفتقر بطلانهما إلى فسح الحاكم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يفتقر إلى فسخ الحاكم ويكون الجهل على المتقدم فسخًا لأن الجهل بعين الأسبق هو المانع من تعيين الأصح فاقتضي أن يقع به الفسخ.
والوجه الثاني: أنه لا يقع الفسخ إلا بحكم الحاكم لأننا نعلم أن أحدهما زوج وإن لم يعلم أيهما الزوج فلم ينفسخ نكاحه إلا بحكم الحاكم الذي له مدخل في الفسخ المناكح فإن قيل: بوقوع الفسخ بالجهل دون الحكم على الوجه الأول كان فسخًا في الظاهر والباطن كما يمنع التوارث بين الغرقى في الظاهر والباطن على أشكال التقدم وإن قيل بوقوع الفسخ بحكم الحاكم على الوجه الثاني فهل يقع في الظاهر والباطن أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه فسخ في الظاهر والزوجية بينهما وبين الأول منهما باقية في الباطن لأن حكم الحاكم لا يحيل الأمور عما هي عليه.
والثاني: وهو أصح أن الفسخ يقع ظاهرًا وباطنًا؛ لأن المرأة لما يحصل لها العوض عاد إليها المعوض كالبائع إذا أفلس المشتري بثمن سلعة عادت إليه بفسخ الحاكم ملكًا في الظاهر والباطن.
فصل:
وأما القسم الخامس: وهو أن يسبق أحدهما الآخر ويدعي كل واحد من الزوجين أنه هو السابق فإن كان لأحدهما بنية عمل عليها وحكم بها فإن كان الولي العاقد أحد
الشاهدين لم (تقبل)؛ لأنه شهد على فعل نفسه ولو كان ولي العقد الآخر شاهدًا في هذا العقد قبل وإن لم يكن لكل واحد من الزوجين بينه فلا حالهما من أحد أمرين:
إما أن يدعيا علمهما بأسبقهما عقدًا.
أو لا يدعياه لغيبتهما عن العقد وجهلهما بالأسبق تحالف الزوجان دون الوليين؛ لأنهما المتداعيان ولا يراعى تصديق الوليين فإن حلف الزوجان انفسخ بنفس التحالف أو بفسخ الحاكم بينهما على وجهين مضيا في البيوع، وإن نكل الزوجان عن اليمين فسخ الحاكم نكاحهما ولم ينفسخ إلا بحكمه وجهًا واحدًا، لأن نكول الناكل لا يمنع أن يكون محقًا في دعواه فلم يمنع بنكوله فسخ حتى يحكم به الحاكم، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضى بالنكاح للحالف منهما دون الناكل، فإن دخل بها الناكل نظر حال دخوله، فإن كان بعد نكوله أو يمين صاحبه فو زاٍن يحد ولا يلق به الولد، ولا تجب عليها العدة.
أما المرأة فإن علمت بحال الناكل عند تمكينه من نفسها فهي زانية تحد ولا مهر لها، وإن لن تعلم فلا حدّ عليها ولها مهر مثلها، وإن كان الناكل قد دخل بها قبل نكوله ويمين صاحبه فلا حدّ عليه ولا عليها لبقاء شبهته في النكاح، وعليه مهر مثلها وعليها العدة.
وإن جاءت بولد لحق به وهي محرمة على الحالف حتى تقضي عدة الناكل.
ولا نفقة لها في زمان العدة على واحد منهما أما الحالف فلأنها محرمة عليه، وإن كانت زوجته لاعتدادها من غيره، وأما الناكل فلأنها ليست زوجته وإن كانت معتدة منه إلا أن تكون حاملًا، فهل يلزمه نفقتها أم لا؟ على قولين:
فرع:
فإن ادعت علمها في الابتداء وأنها تعرف أسبقهما نكاحًا فلها حالتان: حالة تعترف بالعلم وحالة لا تعترف به فإن لم تعترف قالت: لست أعلم أيهما أسبق بالعقد فالقول قولها مع يمينها وإنما لزما اليمين ولأنها لو أقرت بعد الإنكار كان قولها في نكاح من قدمته مقبولًا فإن حلفت أنها لا تعلم أيما أسبق بالعقد.
فالنكاحان باطلان وهل يبطل بمجرد يمينها أو فسخ الحاكم على وجهين إن قيل قد بطل يمينها نكاح الزوجين وهي مقترنة أن أحدهما زوج وإن لم يتعين لها قيل: لأن يمينها يسقط عنها تمكين نفسها من كل واحد منهما وإذا منعها الشرع من واحد منهما بطل نكاحها وإن نكلت عن اليمين ردت اليمين على الزوجين.
فإن حلفا بطل نكاحهما.
وإن نكلا فسخ نكاحهما وإن خلف أحدهما ونكل الآخر قضى بنكاحها للحالف منهما دون الناكل وإن اعترفت.
قالت: اعلم السابق بالعقد منهما وهو زيد دون عمر فالقول قولها وهي زوجة للمصدق لأنها مالكة بضعها فقبل قولها تصديق من ملكه عنهما كما يقبل قولها في سائر أملاكها وهل عليها اليمين أم لا؟ على قولين.
أحدهما: لا يمين عليها لأمرين.
أحدهما: أنها لو رجعت عنه لم تقبل.
والثاني: أنه بينه كالشاهدين وهذا قوله في "الأم".
والقول الثاني: أن يمين عليها واجبة لأمرين:
أحدهما: أن المكذب مدع فلم يدفع مجرد الإنكار إلا مع اليمين.
والثاني: أنه قد يتعلق برجوعها أن لو صدقته عزم فلزمت اليمين وهذا قوله في "الإملاء "ومثل هذين القولين في الراهن إذا صدق أحد المرتهنين هل يحلف للمكذب أم لا على قولين ويشبه أن يكون اختلاف توليه في يمين الزوجة مبينًا على اختلاف قولي في تصديقها للمكذب ل يوجب عليها مهر المثل أم لا؟ فإن قيل يوجب التصديق عليها مهر المثل حلفت على التكذيب.
وإن قيل لم يجب لم تخلف فإذا تقرر توجيه القولين وبناؤها فإن قيل: إنه لا يمين عليها أو عليها اليمين فلفت ثبت النكاح للمصدق وكان نكاح المكذب مردودًا وإن قيل: عليها اليمين فنكلت فلا يخلو حالها في النكول من أحد آمرين:
إما أن يكون الاعتراف بالثاني أو بغير اعتراف به فإن كان نكولها اعترافًا للثاني يتقدم نكاحه لم يرد اليمين على أحد وقد صارت مقرة للأول ثم عدلت عنه إلى إقرارا للثاني فثبت نكاحها للأول بإقرارها ولم يقبل رجوعها عنه إلى الثاني وجرى مجرى قولها في الابتداء بسبق هذا لأجل هذا فتكون زوجة للأول بإقرارها دون الثاني كمن بيده دار فقال: هي لزيد لا بل لعمرو وكانت لزيد المقر له أولًا دون عمرو وإذا كانت بما سبق من الإقرار زوجة للأول دون الثاني فهل يلزمها أن تغرم للثاني مهر مثلها أم لا؟ على قولين:
كمن قال: هذه الدار لزيد بل لعمرو وكانت لزيد.
وهل يغرم قيمتها لعمرو أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا يلزمها غرم المهر لاعترافهما بما لزمها.
والقول الثاني: يلزمها غرم مهر مثلها للثاني، لأنها قد فوتت نفسها عليه بإقرارها للأول فعلى هذا لو مات الأول صارت بعد موته زوجه الثاني بإقرارها المتقدم كمن أقر بدار لزيد ثم أقر بها لعمرو كانت لزيد المقر له أولًا فلو عادت الدار إلى المقر بابتياع أو هبة أو ميراث صارت لعمر بالإقرار السابق المتقدم فكذلك هذه في مصيرها زوجة للثاني وعليها أن تعتد من الأول وإن كان لم يصيبها بأربعة أشهر وعشر وإن كان قد أصابها بأكثر الأجلين من أربعة أشهر وعشر عدة الوفاة أو ثلاثة أقراء عدة الوطء وهي محرمة على الثاني في زمان عدتها من الأول.
وإن كانت زوجته وإن كان نكولها لغير اعتراف بل كانت تكذيب الثاني وتصديق الأول رد اليمين بعد نكولها على المكذب فإن نكل المكذب عنها استقر نكاح الأول وإن خلف فقد قابل تصديق الأول يمين الكذب فيكون يمين المدعي بعد نكول المدعى عليه وقد اختلف قول الشافعي في يمين المدعي بعد نكول المدعي عليه هل يقوم مقام البينة أم مقام الإقرار على قولين:
أحدهما: أنها تقوم مقام البينة فعلى هذا تكون زوجة الثانية ويزول عنها نكاح الأول
كما لو أقام الثاني بينة بعد تصديقها للأول وهذا محكي عن أبي علي بن خيران من بعد.
والقول الثاني: أنها تقوم مقام الإقرار، فعلى هذا قد كان مع الأول إقرار منها وقد صار مع الثاني إقرار قد لزم عنها فصار إقرارين، وقد اختلف أصحابنا فيهما هل يكون حكمهما حكم إقرارين وقعا معًا؛ لأن يمين الثاني أوجبها نكولها عن اليمين المستحقة بالإقرار الأول فلم يتقدم حكم أحد الإقرارين على الآخر.
وهذا قول أبي إسحاق المروزي فعلى هذا يبطل النكاحان معًا.
كما لو أقرت لهما في حالة واحدة.
والثاني: أنهما في حكم إقرارين متراتبين وقع أحدهما بعد الآخر؛ لأن يمين الثاني، جعلته في حكم المقر له وهي متأخرة فصار الإقرار له متأخر عن الإقرار الأول وهذا قول جمهور أصحابنا فعلى هذا تكون زوجة للأول دون الثاني كما لو أقرت الثاني بعد أول وهل يرجع الثاني عليها بمهر مثلها أم لا؟ على ما مضى من القولين فإنه طلب الثاني في هذه الحال إحلاف الأول ففيه وجهان:
أحدهما: ليس ل إحلافه؛ لأن المدعى عليه غيره ولو مات لم تصر زوجة الثاني؛ لأنها منكرة وإن نزلت في بعض أحوالها منزلة المقرة.
والثاني: له إحلافها ولو نزل عنها فحكم بها للثاني لأجرينا عليها أحكام المقرة من غير تبغيض فهذا حكم المسألة وما انتهت إليها أقسامها وأحكامها.
فرع:
ويتفرع على هذه المسألة أن يوكل الرجل وكيلين في أن يزوجاه، فزوجاه بامرأتين في عقدين لزمه العقدان، وصح نكاحهما له بخلاف المرأة إذا زوجها وليان؛ لأن الرجل يجوز أن يكون ذا زوجتين ولا يجوز أن تكون المرأة ذات زوجين فلو قال أحد الوكيلين: زوجتك من زينب وزوجك صاحبي من هند وقال الآخر: أما زوجتك بزينب وزوجك صاحبي من هند فلا تأثير لهذا الاختلاف والنكاحان على الصحة، فلو زوجه الوكيلان بامرأة واحدة في عقدين صحّ نكاحه عليها.
والأول منهما له الحكم والمهر دون الثاني فإن وقع العقدان في حال واحدة من وليين صحّ النكاح أيضًا فإن اختلف المهران لم يحكم بواحد منهما وكان لها مهر المثل.
فلو ادعت الزوجة تقدم أكثر العقدين مهرًا وادعى الزوج تقدم أقلهما مهرًا ولا بينه لواحد منهما تحالفا وحكم لها بمهر المثل ولا تقبل شهادة الوكيلين.
فلو عقد الوكيل على امرأة غير الموكل عليها أو لم يعين ثم اختلفا فقال الوكيل: قبلت العقد عليها لنفسي وقال الموكل: بل قبلته لي فالقول قول الوكيل؛ لأن له أن يفعل ذلك.
فرع:
وإذا قال رجل لامرأة: أنت زوجتي فصدقته ثبت حكم نكاحهما بالتصادق عليه.
وقال مالك: لا يثبت نكاحهما بالتصادق حتى يرى داخلًا عليها وخارجًا من عندها، إلا أن يكونا في سفر.
وحكي هذا عن الشافعي في القديم، ومذهبه في الجديد أصحّ؛ لأنه ليس ظهور الدخول والخروج شرطًا في صحة العقد فلم يكن شرطًا في صحة الاعتراف وإذا صحّ النكاح بهذا التصادق عليه فأيهما مات ورثه صاحبه ولكن لو قال الرجل: هذه زوجتي ولا يكن منها تصديق ولا تكذيب فإن مات ورثته وإن ماتت لم يرثها نص عليها الشافعي في "الأم "أنه اعترف لها بما يعترف له بمثله فورثته ولم يرثها وعلى هذا لو قالت المرأة: هذا زوجي ولم يكن منه تصديق ولا تكذيب ورثها إن ماتت ولم ترثه إن مات للمعنى الذي ذكرنا نص عليه الإملاء قال فيه: ولو تزوج رجل امرأة من وليها ثم مات عنها، فقال وارثه: زوجك وليك بغير إذنك فنكاحك باطل ولا ميراث لك، وقالت: بل زوجني بإذني فلي الميراث فالقول قولها مع يمينها؛ لأن إذنها لا يعلم إلا منها، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ زَوَّجَهَا الوَليُّ بَأَمْرِهَا مِنْ نَفْسِهِ لَمُ يَجُزْ كَمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ ".
قال في الحاوي: إذا كان للمرأة ولي يحل له نكاحها كابن عم أو مولى معتق لم يجز أن يتزوجها بنفسه وولايته حتى يزوجه الحاكم بها.
وقال مالك وأبي حنيفة: يجوز أن يتزوجها من نفسه بعد إذنها ل. وقال أحمد بن حنبل: يأذن لأجنبي حتى يزوجه بها واستدل من أجازه بقول الله تعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ومَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قالت عائشة: نزلت هذه الآية في شأن يتيمة في حجر وليها رغب في مالها وجمالها لم يقسط لها في صداقها مهرًا أن تنكحوا أو تقسطوا لهن في صداقهن فدل على أن للولي أن يتزوجها ولم يقسط في صداقها وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي "وهذا نكاح في عقده ولي، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها ولم يكن لها ولي سواه.
ولأنه نكاح بولي فجاز ثبوته كما لو زوجها من غيره، ولأن الولي إنما يراد لأن لا تضع المرأة نفسها في غير كف ووليها كفاء.
ودليلنا ما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل نكاح لم يحضر أربعة فهو سفاح خاطب وولي وشاهدا عدل "فاعتبر في صحته حضور أربعة وجعل الخاطب منهم غير الولي فلم يجز أن يصح بثلاثة بكون الولي منهم خاطبًا، كما لو لم يجز أن يكون الشاهد منهم خاطبًا.
(وروى) سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يتزوج الرجل المرأة حتى يكون الولي غيره ولا يشتري الولي شيئًا من الغنيمة ولا الوصي شيئًا من الميراث "وهذا نص مرسل سعيد عند الشافعي حجة؛ لأنه عقد لم يملك فيه البدل إلا بإذن فلم يملك في القول كالوكيل في البيع لما ملك فيه البدل بإذن موكله لم يملك فيه القبول في شرائه لنفسه، وهي دلالة الشافعي، ولا يدخل في هذا القياس ابتياع الأب مال ابنه الصغير بنفس حيث صار فيه مالكًا للبدل والقبول؛ لأن الأب يملك البدل لنفسه لا بإذن غيره، فجاز أن يملك فيه القبول، وخالف الولي في النكاح كما خالف الوكيل في البيع؛ ولأن ذكر اعتبر في النكاح احتياطًا فلم يجز أن يكون زوجًا كالشاهد، ولأن الولي مندوب لطلب الحظ لها في التماس من هو ألفًا وأغنى فإذا صار زوجًا انصرف نظره إلى حظ نفسه دونها فعدم في عقده معنى الولاية فصار ممنوعًا منه ومن غيره، وليس الآن دليل على ما اختلفنا في من جواز أن يتزوجها بنفسه.
وأما الجواب عن قوله عليه السلام: "لا نكاح إلا بولي "فهو أن هذا في حال تزويجه بها قد خرج أن يكون وليًا لها لما ذكرنا من انصرافه عما وضع له الولي من طلب الحظ لها إلى طلب الحظ لنفسه، فأما الجواب عن حديث سعيد فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مخصوص بجواز النكاح بغير ولي عند كثير من أصحابنا، فلم يجز أن يعتبر به حال غيره.
فأما على قول من اعتبر الولي في نكاحه فيقول لم يكن لصفية ولي غيره فصار في عقده عليها كالإمام إذا لم يجد لوليته وليًا سواه يزوجها منه فيكون على ما سنذكره.
وأما الجواب عن قياسهم أنه نكاح بولي فلا نسلم أنه يكون وليًا لها إذا تزوجها لما ذكرنا من زوال معنى الولاية عنه، ثم المعنى في الأصل أن الباذل غير العائل.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه كفء لها لمناسبته فلم يحتج إلى ولي يلتمس الكفاءة وهي ليست معتبرة بالنسب وحده وقد يجوز أن لا يكافئها فيما سوى النسب من مال وعفاف.
فرع:
فإذا ثبت ليس للولي أن يتزوجها بنفسه نظر، فإن كان في درجته من أوليائها أحد جاز له أن يتزوجها منه، وإن لم يكن لها إلا من هو أبعد منه لم تنتقل الولاية إلى البعيد، وزوجه الحاكم بها.
وقال قتادة وعبيد الله بن الحسن: تنتقل الولاية إلى من هو أبعد فيزوجها منه وهذا خطأ؛ لأن ولايته لم تبطل بهذا القصد فلم ينتقل عنه إلى الأبعد، وصار بخطبتها كالعاضل فيزوجها الحاكم، فلو كان هذا الولي هو الحاكم لم يجز له أن يتزوجها بولاية النسب وعدل إلى الإمام أو إلى غيره من الحاكم حتى يزوجه بها، فلو كان هذا الولي هو الإمام الأعظم ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: يجوز أن يتزوجها بنفسه لعموم ولايته وأن الحكام كلهم من قبله كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنفسه لهذا (المعنى).
والثاني: أن يتزوجها من حكام الوقت لولايتهم.
وإن كانت منه فهم بخلاف وكلائه.
ولأنه نائب عن كافة المسلمين في تقليد الحكام ونائب عن نفسه في تقليد الوكلاء، ألا تراه لو مات بطلت ولاية وكلائه وأن تبطل ولاية حكامه.
ولذلك تحاكم عمر وأبي بن كعب إلى زيد وحاكم عليّ يهود إلى شريح.
فرع:
ولو أراد الولي أن يزوج وليته بابنه، كولي هو عم فأراد أن يزوج بنت أخيه بابنه، فإن كانت صغيرة لم يجز؛ لأن الصغيرة لا يزوجها غير أبيها أو جدها، وإن كانت كبيرة فاجتمع البذل والقبول من جهته فلم يصح أن يتزوجها لنفسه لحصول البذل والقبول منه من جهته، وإن كان ابنه كبيرًا ففي جواز تزويجه بها وجهان:
أحدهما: يجوز لأنه وإن كان باذلاً فالقابل غيره وهو الابن فلم يجتمع البذل والقبول من جهة واحدة.
والثاني: لا يجوز أن يزوجه بها؛ لأنه يميل بالطبع إلى طلب الحظ لأبنه دونها، كما لم يجز أن يتزوجها بنفسه لهذا المعنى.
فأما الجد إذا أراد أن يزوج بنت ابنه بابن ابن له آخر، فإن كانا كبيرين جاز لاعتدال السببين في ميله إليهما وطلب الحظ لهما، وإن كانا صغيرين فعلى وجهين مضيا:
أحدهما: يجوز لهذا المعنى.
والثاني: لا يجوز لاجتماع البذل والقبول من جهته.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيَُ: "وَيُزَوِّجُ الأَبُ أَوْ الجَدُّ لابْنَتِهِ الَّتِي يُؤيَسُ مِنْ عَمَلِهَا؛ لأَنَّ لَهَا فِيهِ عَفَافًا وَغِنَى وَرُبَّمَا كَانَ شِفَاءُ سَوَاءَ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ نَبْيَا".
قال في الحاوي: وهذه المسألة قد مضت فيما قدمناه من التقسيم فإذا كانت مجنونة لم يخل حالها من أحد أمرين:
إما أن تكون بكرًا أو ثيبًا، فإن كانت بكرًا زوجها أبوها أو جدها صغيرة كانت أو كبيرة؛ لأن للأب إجبار البكر في حال العقل، فكان أولى أن يجبرها في حال الجنون، فإن لم يكن لها أب ولا جد نظر، فإن كانت صغيرة لم يكن لأحد أوليائها ولا الحاكم أن يزوجها حتى تبلغ، فإذا بلغت زوجها الحاكم دون عصبتها المناسبين لاختصاصه بفضل النظر في الولاية على مالها، فإن كانت ثيبًا نظر، فإن كانت كبيرة زوجها أبوها أو جدها، فإن لم يكن لها أب ولا جد زوجها الحاكم دون سائر العصبات وإن كانت صغيرة ثيبًا فليس لغير الأب والجد تزويجها حتى تبلغ.
وهل للأب والجد تزويجها قبل
البلوغ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز حتى تبلغ لأنه لا حاجة بها إلى الزوج قبل البلوغ وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة.
والثاني: أنه يجوز تزويجها قبل البلوغ بخلاف العاقلة التي يرجى صحة إذنها بالبلوغ ولا يجري صحة إذن المجنونة بعد البلوغ فافترقا فأما قوله فإن لها فيه عفافًا وغنى وربما كان شفاء، فهذا تعليل بجواز تزويج البالغ المجنونة.
فأما العفاف فيريد به من الزنا.
وأما الغني فتغنى باكتساب المهر والنفقة وأما الشفاء فربما كان من شدة المانخوليا وقوة الشبق فتبرأ إن جومعت، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيَُ: "وَيُزَوِّجُ المَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ أَبُوهُ إِذَا كَانَتْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ، وابْنُهُ الصَّغِيرُ فَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا أَوْ مَخْبُولاً كَانَ النّكَاحُ مَرْدُودًا لأًنَّهُ لاَ حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا يخلو حال الابن إذا أراد الأب أن يزوجه من أحد حالين:
إما أن يكون عاقلًا أو مجنونًا، فإن كان عاقلاً لم يخل حاله من أن يكون بالغًا أو صغيرًا، فإن كان بالغًا فلا ولاية عليه للأب في نكاحه فإن زوجه بغير إذنه كان النكاح باطلاً، حتى يكون هو المتولي للعقد، أو الآذن فيه وإن كان صغيرًا جاز للأب تزويجه في صغره، فإن ابن عمر زوج ابنًا له وهو صغير، ولأنه محتاج إليه في الأغلب إذا بلغ فعجل الأب له بذلك ليألف صيانة الفرج، وربما رغب الناس فيه لكافلة الأب فإن زوجه واحدة لزمه نكاحها وليس له بعد البلوغ خيار، فإن أراد الفراق فبالطلاق، وإن أراد الأب تزويجه بأكثر من واحدة ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن له في الواحدة غناء
والثاني: وقد حكي عن الشافعي نصًا أنه يزوجه تمام أربع؛ لأن معنى الواحدة موجود فيهن، وإن كان الابن مجنونًا فله حالتان:
صغير وكبير، فإن كان صغيرًا لم يكن للأب تزويجه لعدم حاجته باجتماع جنونه مع صغره.
وإن كان للأب تزويج بنته الصغيرة المجنونة والفرق بينهما أن البنت قد تكتسب بالتزويج المهر والنفقة والابن ملتزمهما وإن كان الابن بالغًا فإن لم يكن به إلى التزويج حاجة لم يزوجه وإن كان محتاجًا وحاجته تكون من أحد وجهين:
إما أن يرى متوثبًا على النساء لكثرة شهوته وقوة شبقه.
وإما أن يحتاج إلى خادم وخدمه الزوجة أرفق به لفضل حنوها وكثرة شفقتها فيجوز له حينئٍذ تزويجه بواحدة لا
يزيده عليها؛ لأن له فيها غناء، فإن أفاق من جنونه كان النكاح على لزومه.
فأما المعنى عليه فلا يجوز للأب تزويجه؛ لأن الإغماء مرض يرجى سرعة زواله بخلاف الجنون فأما الذي يجن في زمان ويفيق في زمان فليس للأب تزويجه لاسيما إن كان زمان إقامته أكثر.
لأنه قد يقدر على العقد في زمان الإفاقة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَيْسَ لأَبِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقُلِهِ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا زوج الأب ابنه المجنون أو تزوج الابن وهو عاقل ثم جن فليس للأب أن يخالع عنه؛ لأن الخلع لا يتم إلا بالطلاق، والطلاق لا يقع إلا من الأزواج.
روى ابن عباس أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني زوجت عبدي امرأة وأريد أن أطلقها منه، فقال: "ليس لك طلاقها، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق؛ ولأن الطلاق إزالة ملك يقف على شهوات النفوس لا يراعى فيه الأصلح والأولى؛ لأنه قد يطلق العفيفة والجميلة ويملك الفاجرة القبيحة، فلم يجز أن يراعى فيه شهوة غير المالك؛ لأن تصرف الولي في حق غيره يعتبر فيه المصلحة دون الشهوة فلذلك لم يكن للولي أن يطلق على المولى عليه، وجاز أن يبيع ماله عليه اعتبارًا بالمصلحة فيه فافترقا.
وإذا لم يكن للأب أن يطلق على ابنه الصغير أو المجنون فكذلك العبد لا يجوز أن يخالع عليه؛ لأنه معاونه على طلاق لا يصح منه، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يَضْربَ لامْرَأَتِهِ أَجَلَ العَنّينِ لأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ ثَيْبًا فَالقَوْلُ قَوْلُهُ أَوْ بِكْرًا لَمْ يُعْقَلْ أَنْ يَدْفَعَهَا عَنْ نَفْسِهِ بِالقَوْلِ أَنَّهَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا ادعت امرأة المجنونة عليه العنة لم تسمع دعواها عليه؛ لأنه لا حكم لقوله ولا على وليه؛ لأن ثبوته يوجب حقًا على غيره؛ ولأن صدقها الولي على عنته جاز أن يضرب لها أجل العنة؛ لأنه لو كان عاقلاً جاز أن ينكرها، وهكذا لو كان الزوج عاقلاً فيضرب لها أجل العنة، ثم حين قبل انقضاء المدة لم يجز إذا انقضت المدة وهو على جنونه أن يخير في فسخ نكاحه، لأنه لو كان عاقلاً لجاز أن يدعي وطئها إن كان ثيبًا، ومنها إن كانت بكرًا، فيكون القول قوله في الحالين:
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يُخَالِعُ عَلَى المَعْتُوهَةِ وَلاَ يُبْرِئُ زَوْجََا مِنْ دِرْهٍَم مِنْ مَالِهَا ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لا يجوز للأب أن يخالع عن بنته المجنونة، من مالها لأمرين:
أحدهما: أنه مأمور بحفظ مالها وهذا استهلاك.
والثاني: أنه مندوب إلى طلب الزيادة في كسبها لا إلى إسقاطه، وهذا يسقط نفقتها ومهرها إن لم يدخل بها، فأما إن خالع الأب عنها من مال نفسه جاز خلعه؛ لأنه لو خالع عن أجنبيه عاقلة بمال نفسه وهي غير عالمة ولا مريدة صح خلعه فعن بنته المجنونة أولى.
فرع:
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يُبَرِّئُ زَوْجَهَا مِنْ دِرِهٍَم مِنْ مَالِهَا ".
وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون من غير الصداق فلا يجوز للأب أن يبرئ منه.
والثاني: صداقًا.
فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون قد دخل لها فلا يجوز للأب أن يبرئ منه لأنه كسائر أموالها.
والثاني: أن لا يكون قد دخل بها فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون إلى الزوجين لم يطلق فلا يجوز للأب أن يبرئ منه.
والثاني: أن يكون قد طلقت ففي جواز إبراء الأب منه قولان مبنيان على اختلاف قوليه في الذي بيده عقدة النكاح.
أحدهما: وهو قوله في القديم- وبه قال مالك أنه الأب فعلى هذا يجوز للأب والجد دون غيرهما من الأولياء أن يبرأ من صداقها.
والقول الثاني: قاله في الجديد.
وبه قال أبو حنيفة: أنه الزوج فعلى هذا لا يجوز للأب والجد أن يبرئا منه كما لا يجوز لغيرهما من الأولياء أن يبرئا شيء من صداقها كما لم يجز لا أن يبرأ من غير الصداق من سائر أموالها.
فأما الخلع على ظاهر قوله أنه لا يجوز وكان بعض أصحابنا يخرج من هذا القول وجهًا آخر أنه يجوز للأب أن يخالع عنها بصداقها لأنه لما جاز الإبراء منه على غير بدل كان جوازه على بدل أولى وهذا جمع فاسد والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: إن الإبراء مجوز بعد الطلاق وفي الخلع يكون مبرءًا منه قبل الطلاق.
والثاني: أن في الإبراء ترغيبًا للأزواج فيها وفي الخلع تزهيدًا فيها فاختلف المعنى فيهما فافترقا، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "فَإِنْ هَرَبَتْ وَامْتَنَعَتْ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا هربت بالجنون من زوجها ومنعته من نفسها صارت ناشزًا وسقطت نفقتها؛ لأن النفقة عوض في مقابلة تمكين.
فإذا لم يوجد التمكين الذي هو معوض بطل ما في مقابلته من النفقة التي عوض كالسلعة إذا بلغت في يد البائع بطل ما في مقابلتها من الثمن فإن قيل فالجنون عذر.
وليست فيه عاصية فهلا كانت نفقتها مع تعذر الاستماع باقية كما لو مرضت أو صلت أو صامت؟ قيل: حقوق الأموال بين الآدميين تستوي في وجوبها سقوطها حكم المطيع والعاصي والمعزور وغير المعذور ألا نرى أن البائع لو تلفت السلعة في يده لجائحة سمائية فهو معذور مطيع وقد سقط ما في مقابلتها من الثمن كما لو استهلكها بنفس فصار عاصيًا غير معذور كما أن الزوجة لو سافرت في الحج سقطت نفقتها وإن كانت مطيعة كما لو هربت ناشزًا في معصية فكذلك حال المجنونة.
فأما المريضة فهي غير ممتنعة منه وإنما المرض منعه منها كما يمنع الحيض.
ولو منعته في المرض ما أمكن أن يستمتع به من المريضة في نظر وقبله ولمس وسقطت نفقتها فأما ما وجب من صلاة وصيام فالشرع قد استثنى زمانه من الاستمتاع كما أن زمان النوم مستثنى، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلاَ إِيلاَءَ فِيهَا وَقِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ فِيهَا فِءْ أَوْ طَلِّقْ ".
قال في الحاوي: أما قوله: "لا إيلاء عليه "فلم يرد أنه لا يصح منه الإيلاء فيهما؛ لأن الإيلاء يمين يصح من الزوج في العاقلة فصخت منه في المجنونة، وإنما أراد به أن لا يطالب بحكم إيلائه فيهما وإن صح إيلاؤه منهما، وإذا مضى على الزوج مدة الإيلاء أربعة أشهر وهي على جنونها أو آلي منها وهي عاقلة فانقضت مدة الإيلاء وقد جنت، فالحكم فيهما سواء، وليس للولي مطالبة الزوج بفيئه ولا طلاق؛ لأن المطالبة حق لها يرجع فيه إلى شهرتها في العفو عنه أو المطالبة به، ولا يصح منها مع الجنون مطالبة ولا للولي فيه مدخل فيطالب، لكن يقال للزوج: ينبغي لك وإن لم يجب عليك المطالبة بحقها إن تنقي الله تعالى فيا فتفئ أو تطلق ليكون خارجًا من حق الإيلاء أن لو كانت مطالبته حتى لا
تكون مرتهنًا بحق بقدر على الخروج منه قبل المطالبة به.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "فَإِنْ قَذَفَهَا أَوْ انْتَفي مِنْ وَلَدهَا قِيلَ لَهُ إِنْ أَرَدْتَّ أَنْ تَتْقِيِ وَلَدَهَا فَالتَعِنْ فَإِذا التَعَنَ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ وَنُفِيَ عَنْهُ الوَلَدُ فَإِنْ أَكّذَبَ نَفْسَهُ لَحِقَ بهِ الوَلَدُ وَلَمْ يُعزَّزْ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا قذف الرجل زوجته المجنونة بالزنا فلا حد عليه لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] والمحصنة الكاملة بالعقل والعفاف؛ ولأن حد القذف يجب للحوق المعرة بالمقذوفة، والمجنونة لا يلحقها بالزنا عار؛ لأنها لا تفرق بين القبيح والحسن ولا بين المباح والمحذور، ولأن حد القذف على القاذف في مقابلة حد الزنا على المقذوف والمجنونة لو ثبت زناها لم تحد فلم يجب على قاذفها حدّ فإن لم يرد الزوج أن يلاعن فلا يقال وإن أراد اللعن لم يخل حال زوجت المجنونة من أحد أمرين:
إما أن تكون ذات ولد أو خلية من ولد.
فإن كانت ذات ولد كان له أن يلاعن منها ليفي باللعان ولدها فإذا لاعن انتفي عنه الولد ووقعت الفرقة بينهما على التأييد وإن لم يكن لها ولد ففي جواز اللعان فيهما وجهان:
أحدهما: يلاعن ليستفيد بلعانه تحريم التأييد.
والثاني: وهو أصح أنه لا يجوز أن يلاعن؛ لأن معقود اللعان درأ الحد ونفي الولد الذي لا يقدر عليه بغير اللعان وقد عدم الولد وليس يجب عليه بقذفها حدّ فلم يجز أن يلاعن فلو عاد هذا الزوج بعد نفي الولد بلعانه فأكذب نفسه لحق به الولد ولم يزل التحريم المؤبد؛ لأن لحوق الولد حق عليه وزوال التحريم حق له ومن أقر بما عليه لزمه ومن أقر بمال لم يقبل منه.
فأما تعزيره بعد رجوعه فقد قال الشافعي هاهنا: "لم يعزر "وقال في موضع آخر: "يعزر "وليس هذا على اختلاف قولين، وإنما التعزير على ضربين:
أحدهما: تعزير قذف.
والثاني: تعزير أدنى فأما تعزير القذف: فهو في قذف من لم تكمل حاله من المكلفين كالكفار والعبيد فلا يجب على المسلم الحر في قذفهم حد لكن يجب فيه التعزير بدلاً من الحدّ ويكون حقًا للمقذوف يرجع إلى خياره في استيفائه أو العفو عنه.
وأما تعزير الأذى: فهو في قذف غير المكلفين من الصغار والمجانين فذا التعزير فيه لمكان الأذى يستوفيه الإمام إن رأى.
ويكون الفرق بينه وبين تعزير القذف من وجهين:
أحدهما: وجوب هذا وإباحة ذاك.
والثاني: رد هذا إلى خيار المقذوف.
ورد ذلك إلى الإمام، وإذا كان كذلك كان فول الشافعي هاهنا لم يعزر محمولاً على تعزير الأذى، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَيْسَ لِهُ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّبِيَّةَ عَبْدًا وَلاَ غَيْر كُفٍُؤ وَلاَ مَجْنُونًا وَلاَ مَخْبُوٌلا وَلاَ مَجْذُومًا وَلاَ أَبْرَصَ وَلاَ مَحْبُوبًا ".
وهذا كما قال: على الأب إذا أراد أن يزوج بنته أن يطلب الحظ لها في اختيار الأزواج وإذا كان كذلك لم يكن له أن يزوج بنته الصغيرة عبدًا، ولا مدبرًا، ولا مكاتبًا ولا من فيه جزء من الرق وإن قل لنقصهم بالرق عن حال الأحرار ولا يزوجها مخبولاً والمخبول هو الزائل العقل كالمجنون إلا أن المجنون هو المجتد الذي لا يؤمن عداؤه والمخبول هو الساكن المأمون العدوى.
ولا يزوجها مجذومًا، ولا أبرص؛ لأن النفس تعافهما وربما حدث منها عدوى إليها إلى الولد، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فروا من المجذوم فراركم من الأسد ". ولا يزوجها خصيًا ولا مجبويًا لنقصهما بالخصي والجب عن كمال الاستمتاع.
فرع:
فأما تزويج بنته الكبيرة بأحد هؤلاء؛ فإن كانت ثيبًا فيجب استئذانها، فإن استأذنها فيم وأعلمها بهم جاز، وإن كانت بكرًا لا يلزمه استئذانها، فإن لم يستأذنها فيهم لم يجز، وإن استأذنها فيهم فعلى وجهين:
أحدهما: يجوز لأنه عن إذن كالثيب.
والثاني: لأن استئذانها يجب وأشبهت الصغيرة.
فرع:
فإن زوج بنته بمن فيه أحد هذه العيوب.
وكانت هي من ذوات هذه العيوب فعلى ضربين:
أحدهما: أن يختلف عيبها أن يكون الزوج مجذومًا وهي برصاء، أو مجنونًا وهي رتقاء فلم يجز.
والثاني: أن يتماثل عيبها فيكونا مجنونين أو أبرصين.
فعلى وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة يجوز لتكافئهما.
والثاني: وهو الأصح أنه لا يجوز لأن الإنسان قد يعاف من غيره مالا يعاف من نفسه.
وقد يؤمن المجنون على نفسه ولا يؤمن على غيره.
فإذا تقرر ما وصفنا وزوج بنته بمن لا يجوز أن يزوجها به من أصحاب هذه العيوب فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يزوجها بهم علمًا بعيوبهم فالنكاح باطل؛ لأنه أقدم على عقد هو ممنوع منه.
والثاني: أن يكون غير عابم بعيوبهم ونقصهم ففي العقد قولان:
وأحدهما: باطل لما ذكرنا.
والثاني: أن يكون غير عالم بعيوبهم ونقصهم ففي العقد قولان:
أحدهما: باطل لما ذكرنا.
والثاني: جائز ويستحق فيه خيار الفسخ؛ لأن شرار الوكيل ما يراه معيبًا بعد العقد لا يوجب فساد العقد ولكن يوجب الفسخ، فعلى ذا يجب على الأب فسخ العقد في الحال أو يكون موقوفًا على خيارها إذا بلغت.
فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه أن يفسخ ليستدرك بالفسخ ما كان ممنوعًا في وقت العقد.
والثاني: أن يكون الفسخ موقوفًا على خيارها إذا بلغت فيه؛ لأن لا في العقد حقًا فلم يكن للأب تفويقته عليها بفسخه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكْرِهَ أَمَتَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤلاَءِ بِنِكَاحٍ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، للسيد أن يجبر أمته على النكاح ليكتسب بذلك المهر والنفقة ولا يجبر السيد على نكاحها إذا طلبت؛ لأنها فراش له، وإن كان للسيد إجبارها فليس له أن يكرهها على نكاح مجنون، ولا مجذوم، ولا أبرص، ولا مجبوب؛ لأنها تملك في حق النكاح حق الاستمتاع بدليل أن لها المطالبة بحق الإيلاء والعنة دون السيد واستمتاعها بمن ذكرنا من ذوي النقص والعيوب لا يكمل لنفور النفس عنهم، فمنع السيد من تزويجها بهم.
فأما العبد فله تزويجها به وكذلك بمن لا يكافئ الحرة في حال أو نسب لكمال استمتاعها بهم مع كونهم أكفأها فإنه خالف السيد وزوجها بمن ذكرنا من ذوي النقص والعيوب ففي النكاح قولان على ما مضى:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ويستحق فيه الفسخ.
وفيه وجهان:
أحدهما: على السيد أن يفسخ.
والثاني: أنه مردود إلى خيارها فأما إذا أراد السيد بيعها على مجنون ومجذوم وأبرص ومجبوب فله ذاك وليس لها الامتناع.
والفرق بين النكاح والبيع: أن المقصود النكاح الاستمتاع فأثر فيه ما منع منه ولذلك لم يصح نكاح من لا يحل الاستمتاع بها من
الأخوات والعمات.
وليس المقصود في البيع إلا الملك دون الإستمتاع وكذلك جاز ملك من لا يحل من الخوات والعمات فجاز له بيعها على من لا يقدر على الإستمتاع بها كما يجوز ل بيعها على امرأة ولهذا المعنى قلنا في الأمة إن لها القسم في عقد النكاح على الزواج وليس لها في المال قسم على السيد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلاَ يُزَوِّجَ أَحَدٌ أَحَداٌ مِمَّنْ به إِحْدَى هَذِه العِلَلِ وَلاَ مَنْ لاَ يُطَاقُ جِمَاعُهَا وَلاَ أَمَةٌ لأَنَّهُ مِمَّنْ لاَ يَخَافُ العَنَتَ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، لما ذكر الشافعي منع الأب والسيد من تزويج بنته وأمته بما ذكرنا عيبه يمنع السيد أن يزوج ابنه وعبده بهم، فلا يجوز للأب أن يزوج ابنه الصغير بمجنونة ولا من به العيوب التي ذكرنا لتعذر استمتاعه بن وعدم الحظ له في نكاحهن وكذلك لا يزوجه بأمة يسترق ولده منها؛ لأنها لا تحل إلا لخوف العنت وهو مأمون في الصغير، فإن زوجه بواحدة من هؤلاء، ففي النكاح تولية على ما مضى:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز.
وفي الفسخ وجهان:
أحدهما: أن على الأب تعجيله.
والثاني: أنه موقوف على اختيار الابن إذا بلغ.
فصل:
فأما العبد فهل للسيد إجباره على النكاح أم لا؟ على قولين:
أحدهما: ليس له إجباره؛ لأنه من ملاذه وشهواته.
والثاني: له إجباره كما يجبر أمته.
ولمن قال بالأول: أن يفرق بين العبد والأمة بأن له في تزويج الأمة اكتساب المهر والنفقة، وعليه في تزويج العبد التزام المهر والنفقة، فافترقا.
وإذا جوز له إجبار عبده على النكاح لم يكن له أن يكرهه على نكاح من بها أحد هذه العيوب لنفور النفس عنهم وتعذر استمتاعه بهن، وله أن يزوجه بالأمة لأنها تكافئه، وأنه لا يعتبر في نكاحه بها عيب ليس منه، وهل للأب والسيد إذا كان في ابنه وعبده أحد هذه العيوب أن يزوجه بمن يساويه في العيوب على ما مضى من الوجهين.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَُ اللهُ عَنْهُ: "وَيُنْكِحُ أَمَةَ المَرْأَةِ وَليُّهَا بِإِذْنِهَا ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا كان للمرأة أمة لم يكن لها تزويج أمتها بنفسها حتى يأذن لوليها في تزويجها؛ لأنه لما لم يكن لها تزويج نفسها فأولى أن لا يكون لها تزويج أمتها، وجوزه أبو حنيفة بناء على أصله في أن لها تزويج نفسها، فجاز لها أن تزوج أمتها، وقد مضى الكلام معه.
وإذا كان كذلك لم يخل حالهما من أحد أمرين:
إما أن تكون بالغة، أو صغيرة فإن كانت أغنى هذه السيدة بالغة رشيدة لم يكن لأحد من أوليائها تزويج أمتها إلا بإذنها وسواء كانت السيدة بكرًا أو ثيبًا، سواء كان الولي أبًا أو عصبة ممن يجبرها على النكاح أم لا؛ لأن هذا تصرف في مالها وهي رشيدة لا يجوز التصرف في مالها بغير إذنها، فإذا أذنت لوليها الذي هو أحق الأولياء بنكاحها في تزويج أمتها جاز له تزويجها فإن لم يكن لها ولي مناسب زوجها الحاكم بإذنها ولا يراعى إذن الأمة مع إذن السيدة؛ لأن الأمة تخير على النكاح فلم يلزمه استئذانها فيه.
فصل:
فإن كانت السيدة صغيرة غير بالغة: لم يكن لأحد من أوليائها سواء الأب والجد تزويج أمتها، وفي جوازه للأب والجد وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأبي سعيد الاصطخري يجوز لهما تزويجها كما يزوجان سيدتها مع ما فيه اكتساب المهر لها والنفقة.
والثاني: أنه لا يجوز لهما عبد فأذنت له في التزويج فإن كان العبد صغيرًا لم يجز؛ لأن الصغير لم يجز؛ لأن الصغير يمنع من مباشرة العقد وفي المتولي لتزويجه وجهان:
أحدهما: وليها في النكاح كالأمة.
والثاني: من تأذن له من الناس؛ لأن ولي النكاح يراعي في الزوجة دون الزوج وإن كان العبد بالغًا فالصحيح أن له أن يتزوج بإذنها وحدها كالسيد.
وفيه وجه آخر لبعض أصحابنا أنه لا يجوز أن يتزوج حتى بإذن له وليها فيجوز له باجتماع الإذنين أن يتزوج لأن إذن المرأة في النكاح لا يتم إلا بولي، وهذا خطأ، لأن العبد ممنوع من النكاح بحق الملك فاستوى إذن الملك والمالكة كسائر الأموال.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَُ اللهُ عَنْهُ: "وَأَمَةُ العَبْدِ المَاذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مَمْنُوعَةٌ مِنَ السَّيِّدِ حَتَّى يَقْضِي دَيْناً إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَيُحْدِثَ لَهُ حَجْرًا ثُمَّ هِيَ أَمَتَهُ وَلَوْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يُزَوِّجَهَا دُونَ العَبْد أَوْ العَبْدُ دُونَ السَّيِّدِ لَمْ يَكُنْ ذَبِكَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ".
قال في الحاوي: اعلم أن ما في يد العبد المأذون له في التجارة كالمرهون على ما في ذمته من ديون معاملاته لضعف ذمته بالرق، فصار ما في يده مستحقًا في ديونه ولو
اشترى أمه من مال التجارة لم يكن للعبد وطئها بحاٍل؛ لأن العبد لا يملكها فأما السيد إذا أراد وطئها فإن كان على دين من معاملاته، فالسيد ممنوع من وطئها لتعلق دينه بها، كما يمنع من وطء المرهونة لما يفضي إليه وطئها من الإحبال الذي ربما أدى إلى التلف، وكذلك يمنع من تزويجها لإفضائه غلى نقصان ثمنها، وسواء كان الدين الباقي من ثمنها أو من ثمن غيرها إلا أن يكون من قيمة متلف فتعلق برقبته ولا يتعلق بما في يده، فإنه قضى العبد جميع ديونه أو قضاها السيد عنه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن العبد السيد أن يعيد الحجر عليه، ويمنعه من التجارة فيجوز للسيد حينئذٍ أن يطأ الأمة التي استراها العبد، وأن يزوجها إن شاء، وليس للعبد أن يزوجها بغير إذن السيد، وهل يجوز ل تزويجها بإذنه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الرق يمنع من ولاية النكاح.
والثاني: يجوز لأن الرق يمنع من استحقاق الولاية بنفسه، ولا يمنع من النيابة عن غيره كسائر العقود.
والضرب الثاني: أن لا يعيد الحجر عليه بعد قضاء دينه ففي تزويج ووطء السيد لها وتزويجه إياها وجهان:
أحدهما: وهو الأصح يجوز له لزوال ما تعلق بهم من حق.
والثاني: لا يجوز وهو قول أبي علي بن أبي هريرة؛ لأنه لا يؤمن أن يغتر الناس بالإذن المتقدم فيعاملونه على ما في يده حتى يتعلق الحجر ويظهر الرجوع.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَُ اللهُ عَنْهُ: "وَلاَ ولاَيَةَ للْعَبَدِ بِحَاٍل وَلَو اجْتَمَعَا عَلَى تَزْويِجَهَا لَمْ يَجُزْ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لا يملك العبد ولاية النكاح على أحد من مناسبين لنقصه بالرق.
فإنه لا يملك ولاية نفسه فكان أولى أن لا يملك الولاية على غيره؛ وكذلك المدبر والمكاتب، ومن في جزء من الرق إن قل؛ لأن أحكام الرق عليهم جارية وتنتقل الولاية عنه إلى من هو أبعد منهم نسبًا من الأحرار، وهل يجوز أن يكون العبد من ذكرنا وكيلاً نائبًا في عقد النكاح أم لا؟ على ثلاثة أوجه:
أحدها: يجوز أن يكون وكيلاً نائبًا على الولي في البذل ومن الزوج في القبول.
وهذا قول أبي الطيب بن سلمة.
والوجه الثاني: لا يجوز أن ينوب فيه عن الولي في البذل، ولا عن الزوج في القبول، وقد مضى تعليل هذين الوجهين.
والوجه الثالث: أنه لا يجوز ان ينوب فيه عن الولي في البذل ويجوز أن ينوب فيه عن الزوج في القبول؛ لأن النيابة من قبل الزوجة ولاية ومن قبل الزوج وكالة، والعبد لا يجوز أن يكون وليًا، ويجوز أن يكون وكيلاً فأما قول الشافعي: "ولو اجتمعا على تزوجها لم يجز "فيعني أن السيد والعبد لو اجتمعا على تزويج الأمة التي اشتراها العبد قبل قضاء دينه لم يجز وليس لاجتماع العبد مع سيده قوة ستحق بها السيد تزويج الأمة ما لا يستحقه بانفراده.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَُ اللهُ عَنْهُ: "فِي بَابِ الخيَارِ مِنْ النَّسَبِِ لَو انْتَسَبَ لَوِ انْتَسَبَ العَبْدُ لَهَا أَنَّهُ حُرُّ فَنَكَحَتْهُ وَقَدّ أَذِنَ لَهُ سَيِّدَهُ ثُمَّ عَلِمَتْ أَنَّهُ عَبْدٌ أّوْ انْتَسَبَ غِلَى نَسَبٍ وُجِدَ دُونَهُ وَهِيَ فَوْقَهُ فَفِيهَا قَولاَنِ: أحدهما: أَنَّ لَهَا الخِيَارَ لأَنَّهُ مَنْكُوحٌ بِعَيْنِهِ وّعُزِّرَ بَِشيء وُجِدَ دُونَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّكَاحَ مَفْسُوحُ كَمَا لَوْ أَذِنَتْ في رَجُلِ بِعَيْنِهِ فَزُجَتْ غَيْرُُ.
قَالً المُزَنِيٌّ رَحِمَهُ اللهُ: قَدْ قَطَعَ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ دُونَ مَا انْتَسَبَ إلَيْهِ وَهُوَ كَفُوٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلاَ يُوَلِّيها الخِيَارُ وَفِي ذَلِكَ إِبْطَالُ أَنْ يَكُونُ فِي مَعْنَى مَنْ أذِنَتْ لَهُ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِه فَزُوَّجِتْ غَيْرَهُ فَقَدْ بَطُلَ الفَسْخُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ وَثَبَتَ لَهَا الخيَارَ ".
قال في الحاوي: وصورتها في امرأة تزوجت رجلً على أنه حر فكان عبداً فإن نكح بغير إذن سيده فالنكاح باطل، وإن نكح سيدة نظر في الشرط، فإن لم يقترن بالعقد وتقدم عليه أو تأخر عنه فالنكاح جائز، وإن اقترن بالعقد ففي بطلان النكاح قولان: وهكذا لو تزوجت على أنه ذو نسب شريف كهاشمي، أو قرشي فكان غير ذي نسب أعجميًا أو نبطيًا، وكان الشرط متقاربًا للعقد ففي النكاح قولان، وهكذا لو تزوجه على أنه شاب فكان شيخًا، أو على أنه طويل فكان قصيرًا، أو على أنه جميل فكان قبيحًا، أو على أنه أبيض فكان أسود، أو على أنه غني فكان فقيرًا، ففي النكاح قولان.
وهكذا لو نكحها على شرط أدنى فكان أعلى، مثل أن يتزوجها على أنه عبد فكان حرًا، أو على قبطي فكان عربيًا، أو على أنه شيخ فكان شابًا، أو على أنه قصير فكان طويلاً، أو على أنه قبيح فكان جميلاً.
أو على ضد ما ذكرنا، ففي النكاح قولان، وحكم الشرط إذا وجد زائدًا عليه كحكمه إذا وجد ناقصًا عنه سواء كان اختلافهما في الحرية أو النسب أو في الصفة أو في عقد النكاح في هذه الأحوال كلها على قولين:
أحدهما: أن النكاح باطل لأمرين:
أحدهما: أن الصفة في عقد النكاح تجري مجرى العين في عقود المعاوضات لجواز الاقتصار عليها إن لم يشاهد العين.
وإنه لا يجوز في عقود المعاوضات (الاقتصار)
على صفة العين حتى تشاهد تلك العين فاقتضى أن يكون خلاف الصفة في النكاح جار في إبطال النكاح مجرى خلاف العين في البيع في إبطال البيع.
والثاني: أن إذن المرأة في نكاحه على هذه الصفة فتكون بخلافها فجرى مجرى إذنها لوليها أن يزوجها من هو على هذه الصفة فيزوجها من هو على خلافها.
ولو كان هكذا لكان النكاح باطلًا، فكذلك في مسألتنا.
والقول الثاني: وهو قول أبي حنيفة واختيار المزني - أن النكاح صحيح ووجهه شيئان:
أحدهما: أنها صفات لا يفتقر صحة النكاح إلى ذكرها فوجب أن لا يبطل النكاح بخلافها كالصداق إذا وصف فكان بخلاف صفته.
والثاني: أنه منكوح بعينه وعزر بشيء وجد دون قصار ذلك منه تدليسًا ينقص.
وتدليس العيوب في العقود يوجب الخيار ولا يوجب الفسخ كالعيوب في البيع كذلك النكاح، والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين، فإن قلنا بالأول، فإن النكاح باطل، فإن لم يكن الزوج قد دخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه، وإن كان قد دخل بها فرق بينهما وعليه مهر مثلها لمكان الشبهة ولا حد عليه والولد لا حق به، وإن قلنا بالقول الثاني: إن النكاح جائز فكان قد شرطته حرًا فكان عبدًا فلها الخيار في فسخ نكاحه سواء كانت حرة أم أمة لنقصه في النكاح عن أحكام الحر، لأن استمتاعها به غير تام لخدمه سيده ونفقته نفقة معتبر لأجل رقه.
فإن أقامت على نكاحه فلها المسمى.
وإن نسخت ولم يدخل بها فلا مهر لها وإن دخل بها فعليه مهر المثل بالإصابة دون المسمى في العقد فهذا حكم غروره لها بالحرية.
فأما إذا غرها بالنسبة فشرط لها أنه شريف النسب هاشمي، أو قرشي، فبان أنه أعجمي أو نبطي نظر في نسبهما، فإن كانت شريفة مثل النسب الذي شرطته فلها الخيار في فسخ نكاحه، ثم الكلام في المهر إن أقامت أو فسخت على ما مضى.
وإن كان دون النسب الذي شرطته ومثل النسب الذي هي عليه أو دونه فهل لها الخيار في فسخ نكاحه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لها الخيار لمكان الشرط وأن لها عوضًا في كون ولدها إذا نسب شريفًا.
والثاني: لا خيار لها، لأن خيارها يثبت بدخول النقص عليها، وهذا كفء في النسب فلم يدخل عليها به نقص فلم يثبت لها فيه خيار.
فأما إذا غرها بما سوى ذلك من الشروط نظر، فإن بان أنه على شرط فلا خيار لها، لأن الخيار إنما يستحق بالنقصان دون الزيادة وإن بان أنه أنقص مما شرط ففي خيارها وجهان:
أحدهما: لها الخيار لأجل الشرط.
والثاني: لا خيار، لأن النقصان لا يمنع من مقصود العقد.
قال الشافعي: "قد ظلم نفسه من شرط هذا" فاختلف أصحابنا في تأويله فقال: "من أسقط خيارها" معناه أنها ظلمت نفسها باشتراط ما لم يثبت لها في خيار، وقد كانت تستغني بالمشاهدة عن اشتراطه، وقال: "من أثبت خيارها" أنه محمول على الشروط الناقصة.
وأنها ظلمت نفسها بما شرطته من نقصان أحواله وأوصافه.
فصل:
فأما إذا نكحت نكاحًا مطلقًا من غير شرط لكن اعتقدت فيه كمال الأحوال فبان بخلافها في نقصان الأحوال فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون نقصان أحواله غير كفء لها كأنها حرة وهو عبد، أو هاشمية وهو نبطي، أو غنية وهو فقير، فلها الخيار، لأن نكاح غير الكفء لا يلزم إلا بالعلم والرضا.
والثاني: أن يكون مع نقصان أحواله كفؤًا لها فلا خيار لها في غير الرق، وهل الخيار في رقه إذا وحدته عبدًا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا خيار لها، لأن كونه كفؤًا لها يمنع من دخول النقص والعار عليها.
والثاني: لها لأن نقص الرق مؤتمر في حقوق النكاح بما لسيده من منعه منها بخدمته وإخراجه في سفره، وأنه لا يلزم لها إلا نفقة معسر فاقتضى أن يثبت لها الخيار في فسخ نكاحه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو كانت هي التي غرته بنسب فوجدها دونه ففيها قولان: أحدهما إن شاء فسخ بلا مهر ولا متعة وإن كان بعد الإصابة فلها مهر مثلها ولا نفقة لها في العدة وإن كانت حاملًا.
والثاني: لا خيار له إن كانت حرة لأن بيده طلاقها ولا يلزمه من العار ما يلزمها.
قال المزني رحمه الله: قد جعل له الخيار إذا غرته فوجدها أمة كما جعل لها الخيار إذا غرها فوجدته عبدًا فجعل معناهما في الخيار بالغرور واحدًا ولم يلتف إلى أن الطلاق إليه ولا إلى أن لا عار فيها عليه وكما جعل لها الخيار بالغرور في نقص النسب عنها وجعله لها في العبد فقياسه أن يجعل له الخيار بالغرور في نقص النسب عنه كما جعله له في الأمة".
قال في الحاوي: قد مضى غرور الزوج للمرأة، فأما غرور المرأة للزوج فهو أن يتزوجها على شرط فيكون بخلافه، فينقسم الشرط ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون في الحرية.
والثاني: أن يكون في النسب.
والثالث: أن يكون في الصفة في الحرية فهو أن يتزوجها على أنها حرة فتكون أمة، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الزوج ممن لا يحل له نكاح الأمة بأن يكون وجد للطول أو غير خائف للعنت فالنكاح باطل، لأن نكاح الحر للأمة لا يجوز إلا بشرطين عدم الطول وخوف العنت.
والضرب الثاني: أن يكون الزوج ممن لا يجوز له نكاح الأمة لوجود الشرطين فيه من عدم الطول، وخوف العنت فلها حالتان:
أحدهما: أن تكون قد نكحته بغير إذن سيدها فالنكاح باطل.
والثانية: أن تنكحه بإذن سيدها، فللشرط حالتان:
إحداهما: أن يكون مقارنًا للعقد.
والثاني: غير مقارن، فإن لم يقارن العقد بل تقدمه أو تأخر عنه فلا تأثير له والنكاح جائز.
وإن اقترن بالعقد فلا يخلو الغار من أن يكون هو السيد أو غيره، فإن كان الغار هو السيد فقال الزوج عن عقده: هي حرة قد عتقت بقوله هذا وصار الزوج بهذا الغرور عاقدًا على حرة فصح نكاحها، وهي في جميع أحكامها كالحرة وإن كان الغار غير السيد فهي حينئذ مسألة الكتاب في الغرور باستكمال ما فصلنا من الشروط الأربعة:
أحدهما: أن يكون الزوج ممن يجوز له نكاح الأمة.
والثاني: أن تكون قد نكحت بإذن سيدها.
والثالث: أن يكون الشرط مقارنًا بالعقد.
والرابع: أن يكون الغار غير السيد فتكون في النكاح حينئذ قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز.
وتوجيههما ما قدمناه من غرور الزوج للزوجة.
فصل:
فإذا قلنا ببطلان النكاح، فإن لم يدخل بها الزوج فرق بينهما ولا مهر عليه ولا عدة عليها.
ولا يكون للعقد تأثير في لزوم شيء من الأحكام.
وإن دخل الزوج بها فرق بينهما لفساد العقد.
ولها حالتان:
أحداهما: أن يكون قد أحبلها.
والثاني: أن تكون حائلًا لم تحبل فإن لم يكن قد أحبلها تعلق بدخوله بها حكمان:
أحدهما: أن عليه للسيد مهر مثلها بالإصابة دون المسمى، لأن فساد العقد يمنع من استحقاق ما سمي فيه فصار مستهلكًا لشبهه فلزمه مهر المثل.
والثاني: وجوب العدة عليها، لأنها إصابة توجب لحوق النسب فأوجبت العدة ولا
نفقة لها في زمان العدة لارتفاع العقد الذي تستحق به النفقة فإذا غرم الزوج بالإصابة مهر المثل فهل يرجع به على من غره أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم يرجع به على الغار، لأنه ألجأه إلى غرمه فصار كالشاهدة إذا أوجب بشهادته غرامًا ثم رجع عنها لزمه غرام ما أغرم.
والقول الثاني: لا يرجع به على الغار، لأنه في مقابلة استمتاعه الذي لا ينفك عن غرم إما المسمى إن صح العقد أو مهر المثل إن فسد.
فإذا قلنا لا رجوع للزوج بالمهر على من غره تفرد بإلزامه للسيد.
وإن قلنا: يرجع به على غره ولم يرجع به قبل غرمه لجواز أن يبرئه السيد منه.
فإن أبرأه منه لم يرجع به كالضامن إذا أبرئ من الضمان لم يرجع على المضمون عنه بشيء وإن أغرمه السيد المهر رجع به للزوج حينئذ على من غره ومن يؤثر غروره اثنان: الأمة ووكيل السيد، لأن السيد لو غرّه لعتقت وإن غرّه أجنبي لم يكن لقوله في العقد تأثير فإن كانت الأمة هي الغارة كان الغرم في ذمتها إذا أعتقت وأسرت إذنه وإن كان الوكيل هو الغار أغرم في الحال إن كان موسرًا وأنظر به إلى وقت يساره إن كان معسرًا فأما إن كان قد أحبلها ففي وجوب النفقة لها مدة حملها قولان:
أحدهما: لها النفقة إذا قيل: إن نفقة الحامل لحملها لا لها.
والثاني: لا نفقة لها إذا قيل: إن نفقة الحامل لها لا لحملها.
فإذا وضعت تعلق بمولدها ثلاثة أحكام:
أحدها: لحوقه بالزوج لشبهة العقد.
والثاني: كونه حرًا من حين علوقه.
لأن اشتراط حريتها يتضمن حرية والدها، لأن الحرة لا تلد إلا حرًا.
والثالث: أن تغرم للسيد قيمة ولدها يوم وضعته، لأن ولد الأمة مملوكًا لسيدها وقد صار الزوج مستهلكًا لرقه بما يحدث من عتقه فلزمه غرام قيمته واعتبرناها يوم وضعه.
فإن كان قد عتق وقت عتوقه، لأنه لا يقوم إلا بعد الوضع فإذا غرم الزوج قيمة الولد رجع بها على من غره قولًا واحدًا.
وإن كان في رجوعه بالمهر قولان: والفرق بينهما: أن المهر بالأمة على أحد القولين.
وليس كذلك قيمة الولد، لأنه لا يستحق إلا في ولد الأمة دون الحرة فصار الغرور هو الموجب لغرمه فلذلك رجع به على من غرّه قولًا واحدًا فصار وطئها وإحبالها موجبًا لخمسة أحكام:
أحدهما: مهر المثل.
والثاني: العدة.
والثالث: لحوق الولد.
والرابع: حريته.
والخامس: غرم قيمته.
فهذا إذا قيل ببطلان النكاح.
فصل:
فأما إذا قلنا بصحة النكاح على القول الثاني.
فهل للزوج فيه خيار الفسخ أم لا؟ على قولين حكاهما المزني ولم يحك القولين في أصل النكاح بل اكتفي بما حكاه في غرور النكاح:
أحدهما: لا خيار له بالغرور وإن ثبت للزوجة بالغرور، لأنه ليقدر على طلاقها ولا يلحق من الغار ما يلحقها.
والثاني: له الخيار لأحد علتين.
إحداهما: أن ما أوجب للزوجة خيار الفسخ أوجبه للزوج لعيوب الجنون والجذام والبرص وإن كان الطلاق بيده فكذلك في الغرور.
والعلة الثانية: ما يدخل عليه من نقص استرقاق ولده ونقصان استمتاعه فإذا قلنا له الخيار في الفسخ فاختار الفسخ كان حكمه بعد الفسخ على ما ذكرنا وإذا قيل بفساد العقد في أنه لم يدخل بها فلا شيء عليه وإن دخل بها ولم يحبلها تعلق بدخوله حكمان: مهر المثل والعدة.
وإن أحبلها تعلق بأحباله لها مع حكمي الدخول ثلاثة أحكام: لحوق الولد وحريته وغرم قيمته ويرجع بما غرمه من قيمته وفي رجوعه غرمه من المهر قولان.
وإن أقام على النكاح ولم يختر الفسخ وقلنا: ليس له خيار فالحكم فيه ما سواء.
ولها المهر المسمى في العقد.
ويكون أولاده الذين علقت بهم قبل علمه برقها أحرارًا، وعليه قيمتهم ومن علقت بهم بعد علمه برقها مماليك للسيد إن لم يكن الزوج عربيًا وإن كان عربيًا فعلى قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم: يكونوا أحرارًا وعليه قيمتهم.
ومن علقت بهم بعد علمه برقها مماليك للسيد، لأن لا يجري على عربي صغار الرق أعظم صغار.
والثاني: يكونون مماليكًا للسيد، لأن حكم الله تعالى في الجميع واحد وتميز من علقت به قبل العلم برقها معتبر بمدة الوضع فمن وضعته لأقل من ستة أشهر من وقت علمه فالعلوق به قبل العلم فيكون حرًا.
ومن وضعته لستة أشهر فصاعدًا فالعلوق به في الظاهر بعد العلم اعتبارًا بأقل الحمل فيكون مملوكًا على ما ذكرنا فهذا حكم القسم الأول وهو غرور الزوج بالحرية.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو غرور الزوج بالنسب فهو أن يتزوجها على أنها هاشمية فتكون عربية.
أو أنها عربية فتكون نبطية أو أعجمية.
ففي النكاح قولان على ما مضي:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز فإن قيل ببطلان النكاح إن لم يدخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه، ولا يكون للعقد تأثير.
وإن كان قد دخل بها فعليه مهر المثل دون المسمى، وهل يرجع به
على من غرّه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يرجع به لأنه في مقابلة استمتاعه.
والثاني: يرجع به على من غرّه وهو أحد ثلاثة: إما الولي، أو وكيله، أو الزوجة، فإن كان الولي أو وكيله هو الغار رجع عليه بعد الغرم لجميع المهر.
وإن كانت الزوجة هي الغارة ففيه وجهان:
أحدهما: يرجع عليهما بجميعه أيضًا كما يرجع على الوالي والوكيل.
والثاني: أن يترك عليها منه يسيرًا وأقله ما يجوز أن يكون مهرًا.
ويرجع عليها بباقية لئلا يصير مستبيحًا لبضعها بغير بذل.
وإذا كان كذلك فإن كان قد رجع المهر إليهما رجع عليها بجميعه على الوجه الأول وترك عليهما منه قدر أقل المهور على الوجه الثاني.
وإن كان مع دفع المهر إليها فلا معنى لأن يدفع المهر إليها ثم يسترجعه فلا يدفع إليها على الوجه الأول شيئًا ويدفع إليها على الوجه الثاني قدر أقل المهور.
وسواء في إصابة هذه الغارة أن يكون قد أحبلها أو لم يحبلها في أن ولدها إذا ألحق به لم يلزمه غرم، لأنه لم يجر عليه رق.
فصل:
وإن قيل أن النكاح صحيح نظر في نسب الزوج فإن كان مثل نسبها الذي ظهر لها فلا خيار في الفسخ، لأنه لا عار عليه ولا معرة تلحقه وإن كان كالنسب الذي شرطه وأعلا من النسب الذي ظهر لها فخياره في فسخه معتبر بخياره في غروره بالرق به وبالحرية وتعليل استحقاقه فإن قيل: لا خيار له إذا كان مغرورًا بالحرية فأولى أن لا يكون له الخيار إذا كان مغرورًا بالنسب.
وإن قيل: له الخيار إذا كان مغرورًا بالحرية فهل له الخيار إذا كان مغرورًا بالنسب معتبر باختلاف العلة إذا كان مغرورًا بالنسب معتبر باختلاف العلة إذا كان مغرورًا بالحرية فإن قيل: إن العلة في خياره إذا غر بالحرية أن يثبت له خيار الفسخ مثل ما ثبت للزوجة فله في غرور النسب خيار الفسخ كما كان للزوجة.
وإن قيل: إن الغلة في الغرور بالحرية دخول النقص عليه في استرقاق ولده ونقصان استمتاعه فلا خيار له في الغرور بالنسب، لأنه لا يدخل عليه نقص في الاستمتاع ولا في الولد، لأن ولده يرجع إليه في نسبه لا إليهما، لأن ولد العربي من الأعجمية عربي.
وولد العجمي من العربية عجمي.
وفي كشف هذا التعليل ومحل الجواب عليه في استحقاق الخيار مقنع لما أورده المزني.
فأما إذا غرّته بنسب فوجده أعلى منه نظر فإن شرطت أنها عربية فكانت هاشمية فالنكاح جائز ولا خيار، لأن الهاشمية عربية وإن ازدادت شرفًا فلم تكن الصفة المشروطة مخالفة، وإن شرطت أنها نبطية أو عجمية فكانت هاشمية أو عربية فالصفة مخالفة للشرط فيكون النكاح على قولين:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز فلا خيار له.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو غرور الزوج بالصفة فهو أن يتزوجها على أنها بكر فتكون ثيبًا أو على أنها شابة فتكون عجوزًا أو على أنها جميلة فتكون قبيحة إلى ما جرى هذا المجرى من الصفات ففي النكاح قولان:
أحدهما: باطل، وإن لم يدخل بها فلا شيء عليه وإن دخل بها فعليه مهر مثلها وفي رجوعه به من غرّه قولان على ما معنى في غرور النسب من اعتبار حال من غرّه.
والثاني: أن النكاح صحيح فعلى هذا يكون خياره في غرورها معتبر بخيارها في غروره وفي خيارها لو غرها الزوج في هذه الصفات وجهان:
أحدهما: لا خيار لها فعلى هذا أولى أن يكون لها خيار.
والثاني: لها الخيار فعلى هذا يكون معتبرًا بخياره إذا كان مغرورًا بالحرية وفيه قولان:
أحدهما: لا خيار له فيه.
فعلى أولى أن لا يكون له خيار إذا غرّ بهذه الصفات.
والثاني: له الخيار فعلى هذا يكون معتبرًا بعلة الخيار في هذا القول.
فإن قيل: إنها في مقابلة خيار الزوجة فله الخيار في نقصان هذه الصفات كما كان للزوجة على هذا الوجه.
وإن قيل: إنها تدخل النقص عليه في رق الولد ونقصان الاستمتاع فلا خيار له هاهنا لعدم النقص فيهما.
فأما إذا تزوجها على شرط فكانت أعلى منه مثل أن يتزوجها على أنها ثيب فتكون بكرًا.
أو على أنها عجوز فتكون شابة أو على أنها قصيرة فتكون طويلة.
أو أنها قبيحة جميلة.
وما شاء كل هذه الصفات ففي النكاح أيضًا قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولا خيار له.
فصل:
فأما إذا تزوجها بغير شرط فظنها على صفة فكانت بخلافها فالنكاح صحيح فيما سوى الرق والكفر ولا خيار فيه للزوج فيها سوى عيوب الفسخ من الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن والكفر وهو أن يتزوجها ويظن أنها حرة فتكون أمة ويظنها مسلمة فتكون كافرة فإن كان مما لا يحل له نكاح الأمة، لأنه واجد للطول أو غير خائف للعنت أو كانت ممن لا تحل لمسلم كالوثنية.
فالنكاح باطل في الأمة الكافرة لتحريمها عليه وإن كان يحل ممن له نكاح الأمة لعدم الطول وخوف العنت ويحل له نكاح هذه الكافرة ولأنها كتابية فالنكاح جائز قولًا واحدًا.
لأنه لم يشترط وصفًا فوجد خلافه.
فأما الخيار فقد قال الشافعي في نكاح الأمة: إنه لا خيار في فسخه.
وقال في نكاح الكتابية أن له الخيار في فسخه فاختلف أصحابنا على طريقتين:
أحدهما: نقل جواب كل واحد من المسألتين إلى الأخرى وتخريجهما على قولين
أحدهما: لا خيار له في فسخ الأمة والكتابية على ما نص عليه، لأن الكتابية أحسن حالًا من الأمة التي يسترق ولدها.
والقول الثاني: أن له الخيار في فسخ النكاح الأمة والكتابية على ما نص عليه في الكتابية، لأن الأمة أغلظ حالًا باسترقاق ولدها.
والطريقة الثانية: لأصحابنا إن حملوا جواب كل واحدة من المسألتين على ظاهره فلم يجعلوا له في نكاح الأمة خيارًا وجعلوا له في نكاح الكتابية خيارًا وفرقوا بينهما بأن لأهل الذمة غيارًا يميزون به عن المسلمين فإذا خالفوا صار غرورًا فثبت الخيار في نكاحهم وليس للمملوكين خيار يتميزون به فلزمهم غرور يثبت به الخيار في مناكحهم، والله أعلم.
باب المرأة لا تلي عقدة النكاح
قال الشافعي رحمه الله: "قال بعض الناس زوجت عائشة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر وهو غائب بالشام فقال عبد الرحمن: أمثلي يفتات عليه بناته؟ قال: فهذا يدل على أنها زوجتها بغير أمره.
قيل: فكيف يكون أن عبد الرحمن وكل عائشة بفضل نظرها إن حدث حدث أو رأت في مغيبة لابنته حظًا أن تزوجها احتياطًا ولم ير أنها تأمر بتزويجها إلا بعد مؤامرته ولكن تواطئ وتكتب إليه فلما فعلت قال: هذا وإن كنت قد فوضت إليك فقد كان ينبغي أن لا تفتاتي علي وقد يجوز أن يقول زوجي أي وكلي من يزوج فوكلت.
قال: فليس لها هذا في الخبر، قيل: لا ولكن لا يشبه غيره لأنها روت أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل النكاح بغير ولي باطلًا أو كان يجوز لها أن تزوج بكرًا وأبوها غائب دون أخواتها أو السلطان.
قال المزني رحمه الله: معنى تأويله فيما روت عائشة عندي غلط وذلك أنه لا يجوز عنده إنكاح المرأة ووكيلها مثلها فكيف يعقل بأن توكل وهي عنده لا يجوز إنكاحها ولو قال أنه أمر من ينفذ رأي عائشة فأمرته فأنكح خرج كلامه صحيحًا لأن التوكيل للأب حينئذ والطاعة لعائشة فيصح وجه الخبر على تأويله الذي يجوز عندي لا أن الوكيل وكيل لعائشة رضي الله عنها ولكنه وكيل له فهذا تأويله".
قال في الحاوي: وقد مضى الكلام في أن النكاح لا يصح إلا بولي ذكر، وأن المرأة لا يجوز أن تعقد نكاح نفسها، فكذلك لا يجوز أن تلي نكاح غيرها لا بولاية ولا بوكالة، ولا يصح فيه بذلك ولا قبول.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يتولاه لنفسها ولغيرها نيابة ووكالة تكون فيه باذل أو قابله.
فأما نكاح نفسها قد مضى الكلام معه فيه وأما نكاح غيرها نيابة.
ووكالة فاستدل على جواز أن تتوكل فيه وتباشر غيره بما روي أن عائشة زوجت بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر وكان غائبًا بالشام بمنذر بن الزبير فلما قدم.
قال: أمثلي يفتات عليه في بناته؟
وأمضى النكاح.
قال: ولأنه عقد معاوضة فجاز أن تتولاه المرأة كالبيع.
ولأنه قد يستاح به البضع فصح أن تباشره المرأة قياسًا على شراء الأمة، ولأنه عقد على منفعته فجاز اشتراك الرجال والنساء فيه كالإجازة.
ودليلنا رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها".
وهذا نص.
وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة كان إذا هوى فتى من بني أخيها فتاة من بنات أخيها أرسلت سرًا وقعدت من ورائه وتشهدت حتى إذا لم يبق إلا النكاح قالت: يا فلان انكح وليتك فلانة فإن النساء لا ينكحن، وهذا أمر منتشر في الصحابة لا يعرف فيه مخالف، ولأن تصرف المرأة في حق نفسها أقوى من تصرفها في حق غيرها، وقد دللنا على أنه لا ولاية لها في حق نفسها، فأولى أن لا يكون لها ولاية في حق غيرها، ولأن كل عقد لم يجز أن تعقده المرأة لنفسها لم يجز أن تعقده لغيرها كعقد الإمامة.
فأما الجواب عن حديث عائشة فهو أنه لا يمكن استعماله على ظاهره من أربعة أوجه:
أحدها: أنها لو زوجتها بولاية النسب لكان بالمنكوحة من هو أحق بالولاية منها من إخوة وأعمام، لأن عبد الرحمن قد كان له إخوة وأولادهم أحق بنكاحها من عائشة التي هي أخته وعمه المنكوحة.
والثاني: أنه لو زوجتها بوكالة أبيها عبد الرحمن لما أفتات عليه في بناته.
والثالث: أنها هي الراوية عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" وهي لا تخالف ما روته.
والرابع: أنها كانت إذا خطبت في المناكح قالت: "يا فلان انكح وليتك فإن النساء لا ينكحن" وإذا لم يكن حمله على ظاهره من هذه الوجوه الأربع وجب حمله على ما يمكن فيحمل على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: أن عبد الرحمن يجوز أن يكون قد وكل عن نفسه من يقوم بتزويج بنته وأمره أن يرجع إلى رأي عائشة في اختيار من يزوجها به فأشارت عليه عائشة بتزويج منذر بن الزبير.
فإن قيل: فلما أنكر وقد وكل؟ قيل: لأن منذرًا قد كان خطب إليه فكرهه لعجب ذكره فيه، فأحبت عائشة مع ما عرفته من فضل منذ أنه يصل الرحم وتزوج بنت أخيها بابن أختها، لأن منذر بن الزبير أمه أسماء بنت أبي بكر.
والثاني: أنه لا يجوز أن تكون عائشة حين اختارت منذرًا سألت السلطان أن
يزوجها، لأن عبد الرحمن بغيبته لا تزول ولايته وينوب السلطان عنه عندنا.
وعند أبي حنيفة وينوب عنه من بعده من الأولياء وعند مالك فكرة عبد الرحمن أن لم يستأذن فيه ويطالع به ويكون إضافة العقد إلى عائشة.
وإن لم تكن العاقدة لمكان اختيارها وسفارتها كما يضاف العقد إلى السفير بين الزوجين فيقال فلانة الدلالة قد زوجت فلانًا لفلانة وإن لم تكن قد باشرت العقد وتولته.
والثالث: أنه يجوز أن يكون عبد الرحمن وكل عائشة في أن توكل عنه من يزوج بنته فوكلت عائشة عن عبد الرحمن حين استقر رأيها على تزويج منذر من زوجها عنه فكان الوكيل المتولي للعقد وكيلًا لعبد الرحمن لا لعائشة كما توهم المزني فقال: إذا لم يكن لها أن تزوج فوكيلها بمثابتها لا يجوز له أن يزوج وهي لم توكل عن نفسها وإنما وكلت عن أخيها، وإنما يجوز أن تكون المرأة في توكيل من يزوج عن الموكل.
وأما الجواب عن الأقيسة الثلاث في البيع والإجازة وشراء الأمة، فهو أنها عقود لا تفتقر إلى ولاية فجاز أن تتولاها المرأة بخلاف النكاح، والله أعلم.
باب الكلام الذي ينعقد به النكاح والخطبة قبل العقد
قال: الشافعي رحمه الله: "أسمى الله تبارك وتعالى النكاح في كتابه باسمين: النكاح والتزويج ودلت السنة على أن الطلاق يقع بما يشبه الطلاق ولم نجد في كتاب ولا سنة إحلال نكاح إلا بنكاح أو تزويج والهبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مجمع أن ينعقد له بها النكاح بأن تهب نفسها له بلا مهر.
وفي هذا دلالة على أنه لا يجوز النكاح إلا باسم التزويج أو النكاح".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، النكاح لا ينعقد إلا بصريح اللفظ دون كتابته، وصريحه لفظان: زوجتك وأنكحتك، فلا ينعقد النكاح إلا بهما سواء ذكر فيه مهرًا أو لم يذكر.
وقال أبو حنيفة: ينعقد النكاح بالكتابة كانعقاده الصريح، فيجوز انعقاده بلفظ البيع والهبة والتمليك ولم يجزه بالإباحة.
واختلف الرواة عنه في جوازه بلفظ الإجازة، وسواء ذكر المهر أو لم يذكره.
وقال مالك: إن ذكر مع هذه الكتابات المهر صح، وإن لم يذكره لم يصح، فاستدلوا على انعقاد النكاح بالكتابة برواية معمر عن أبي حازم بن سهل بن سعد الساعدي: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوهبت له نفسها فصمت، ثم عرضت نفسها عليه وهو صامت فقال رجل أحسبه قال: من الأنصار فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجينها؟ فقال: "لك شيء"؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: "اذهب فالتمس شيئًا ولو خاتم من حديد".
فذهب ثم رجع فقال: والله ما وجدت شيئًا إلا ثوبي هذا، أشقه بيني وبينها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليك ما في ثوبك فضل عنك، فهل تقرأ
من القرآن شيئًا"؟ فقال: نعم.
قال: ماذا: قال: سورة كذا وكذا قال: "أملكتاكها بما معك في القرآن" قال: فلقد رأيته يمضي وهي تتبعه فدل صريح هذا الحديث على أن انعقاد النكاح بلفظ التمليك وصار حكم الكناية في انعقاده كالصريح، ولأنه عقد يقصد به التمليك فجاز أن ينعقد بلفظ التمليك كالبيع، ولأنه عقد يستباح به البضع فجاز أن يستفاد بلفظ الهبة كتمليك الإماء، ولأن ما انعقد به نكاح النبي صلى الله عليه وسلم انعقد به نكاح أمته كالنكاح، ولأن أحدى طرفي النكاح فجاز أن يستفاد بالصريح والكناية كالطلاق، ولأنه ينعقد بالعجمية، لأنها في معنى العربية فدل على أن المقصود ف العقد معنى اللفظ دون اللفظ والتمليك في معنى النكاح فصح به العقد كالنكاح، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:50] فجعل الله تعالى النكاح بلفظ الهبة خالصة لرسوله دون أمته.
فإن قيل: فالآية تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد يجعلها الله له خالصة من دون المؤمنين، وليس في الآية أمر من الله تعالى ولا إذن فيه فلم يكن في مجرد الطلب دليل على الإباحة.
قيل: قد اختلف الناس هل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها منه؟ فذهب جمهورهم إلى أنه قد كان عند امرأة وهبت نفسها له واختلفوا فيه على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها أم شريك قاله عمرو بن الزبير.
والثاني: أنها خولة بنت حكيم قالته عائشة.
والثالث: أنها زينب بنت خزيمة أم المساكين، قاله الشعبي.
فعلى هذا لو لم يكن في الآية دليل على الإباحة إلى ما شاء له من التخصيص لكان فعله دليلًا عليه.
وقال آخرون: لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وتأويل من قرأ بالكسر "إن وهبت" محمول على المستقبل، ومن قال بالأول فهو بقراءة من قرأ بالفتح: "أن وهبت" على الماضي وتأويله على هذا أن يكون سياق الآية دليلًا على التخصيص، لأن قوله: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 50] حكاية للحال قوله: ﴿إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ إخبار عن حكم الله، ثم قال: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ مواجهة من الله تعالى له بالحكمة من غير أن يكون من رسوله طلب، فلم يجز أن يكون محمولًا إلا على ابتداء الحكم وبيان التخصيص.
فإن قيل: إنما خص بسقوط المهر ليكون اختصاصه به مقيدًا ولم يخص أن يعقد بلفظ الهبة، لأن اختصاصه بل غير مفيد قيل: بل هو محمول على اختصاصه بالأمرين اعتبارًا بعموم الآية وليكون اختصاصه بحكم غيره بهذا اللفظ لتعدي حكمه إلى غيره فيبطل التخصيص، ويدل على ما ذكرنا من طريق السنة ما رواه أبو شيبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "إن النساء عوان عندكم
لا يملكن من أمورهن شيئًا إنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكتاب الله.
ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ولكن عليهن أن لا يوطئهن فراشكم أحدًا وأن لا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه فإن فعلن من ذلك شيئًا فقد حل لكن أن تضربوهن ضربًا غير مبرح.
ألا هل بلغت قالوا: اللهم نعم قال: اللهم فاشهد".
فموضع الدليل من هذا الحديث قوله: "واستحللتم فروجهن بكتاب الله".
وليس في كتاب الله إلا لفظ النكاح والتزويج فدل على أنه لم يستحل الفروج إلا بهما، ويدل عليه من القياس: أنه عقد منفعة لم ينعقد بلفظ كالإجارة، ولأنه عقد معاوضة فلك ينعقد بلفظ الهبة كالبيع، ولأن لفظ الهبة موضوع لعقد لا يتم إلا بالقبض فلم ينعقد به النكاح كالرهن، ولأنه أحد طرفي العقد فلم يصح بلفظ الهبة كالطلاق، ولأن ما كان صريحًا في عقد لم يكن صريحًا في غيره كالإجارة والبيع، ولأن ما لم يكن صريحًا في النكاح لم ينعقد به النكاح كالإباحة والإحلال، ولأنه هبة المنافع إن لم يكن معها عوض فهي كالعارية، وإن كان معها عوض جرت مجرى الإجارة عندهم، والنكاح لا ينعقد بالعارية، والإجارة، فكذلك بما اقتضاهما من الهبة، ولأن الحقيقة في عقد لو صارت حقيقة في غيره لبطلت حقائق العقود، لأن لفظ الكتابة يقوم مقام التصريح بالنية وهي مما لا يعلمها الشهود ينافيان النكاح بدليل أن من تزوج أمة، ثم ابتاعها أو استوهبها بطل نكاحها وما نافي النكاح لم ينعقد به النكاح كالطلاق ولأنه لفظ يوضع لإسقاط ما في الذمم فلم ينعقد به كالإبراء.
ولأنه لو انعقد النكاح بلفظ البيع لانعقد البيع بلفظ النكاح وفي امتناع هذا إجماعًا وامتناع ذلك حجاجًا.
فأما الجواب عن قوله: "قد ملكتها بما معك من القرآن".
فهو أن أبا بكر النيسابوري قال: وهم فيه معمر فإنه ما روي "قد ملكتها" إلا معمر عن أبي حازم.
وقد روى مالك، وسفيان عن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وفضيل بن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "زوجتكها بما معك من القرآن" وهذه الرواية أثبت لكثرة عدد الرواة، وأنهم خمسة علماء، ثم تستعمل الروايتين فتحمل رواية من روى: "قد زوجتكها" في حال العقد ومن روى: "قد ملكتها" على الإخبار بعقد عما ملكه بالعقد.
وأما الجواب عن قياسهم على أحكام البيع بأنه عقد يقصد به التمليك فهو أن لأصحابنا في عقد البيع بلفظ التمليك وجهان:
أحدهما: لا يصح، لأن التمليك من أحكام البيع فلم ينعقد البيع، فعلى هذا يبطل الأصل.
والثاني: أن البيع ينعقد به، فعلى هذا يكون المعتبر في انعقاد البيع بلفظ التمليك وجود التمليك فيه على عمومه وقصوره في النكاح على العموم، لأنه يملك كل المبيع ولا
يملك من المنكوحة إلا الاستمتاع.
وهكذا الجواب عن قياسهم على شراء الإماء، وأما تعليلهم بنكاح النبي صلى الله عليه وسلم فعنه جوابان:
أحدهما: أنه تعليل يدفع النص فكان مطروحًا.
والثاني: أنه لما خص سقوط المهر جاز أن يكون مخصوصًا باللفظ الذي يقتضي سقوط المهر، ثم المعنى في لفظ النكاح أنه صريح فيه، والبيع والهبة صريحان في غيره.
وأما قياسهم على الطلاق في وقوعه بالصريح والكناية هو أن النكاح شهادة مشروطة لا تتحقق في الكناية، فلم ينعقد بالكتابة وليس في الطلاق شهادة مشروطة فوقع بالكناية.
وأما استدلالهم بعقدة بالعجمية فشرح لمذهبنا فيه بيان للانفصال عنه، وفيه لأصحابنا ثلاثة أوجه:
أحدهما: حكاه أبو حامد الإسفراييني ولم يتابعه عليه أحد أنه لا ينعقد بالعجمية سواء كان عاقده يحسن العربية أو لا يحسنها، لأن لفظة بالعجمية صريح فخرج عن حكم الكناية بالعربية، لأن في كناية العربية احتمال وليس صريح العجمية احتمال.
وخالف القرآن المعجز، لأن إعجازه ونظمه وهذا المعنى يزول عنه إذا عدل عن لفظه العربي إلى الكلام العجمي.
والثالث: وهو قول أبي سعيد الإصطرخي: أنه إن كان عاقده يحسن العربية لم ينعقد بالعجمية، وإن كان لا يحسن العربية انعقد بالعجمية، كأذكار الصلاة تجزئ بالعجمية لمن لا يحسن العربية ولا تجزئ لم يحسنها، فعلى هذا لا يجوز أن يجمع بين حال القدرة والعجز والعادل عن صريح النكاح إلى كنايته قادر، والعادل عنه إلى العجمية عاجز فاقد.
فإن قيل بالوجه الأول: أنه لا ينعقد بالعجمية مع القدرة والعجز كان عاقده إذا لم يحسن العربية بالخيار بين أن يوكل عربيًا في عقده وبين أن يتعلم العربية فيعقده بنفسه.
وإذا قيل بالوجه الثاني: أنه ينعقد بالعجمية مع القدرة والعجز كان عاقده إذا لم يحسن العربية فهو بالخيار إذا كان يحسن العربية بين أن يعقده العربية وهو أدلى، لأنه لسان الشريعة وبين أن يعقده بالفارسية وبأي اللسانين عقده فلا يصح حتى يكون شاهدًا عقده بعرفانه، فإن عقده بالعربية وشاهداه عجميان أو عقده فلا يصح حتى يكون شاهدًا عقده بعرفانه، فإن عقده بالعربية وشاهداه عجميان أو عقده بالعجمية وشاهداه عربيان لم يجز، لأنهما إذا لم يعرفا لسان العقد لم يشهدا عليه إلا بالاستخبار عنه فجرى بينهما مجرى الكناية.
وإذا قيل بالقول الثالث: إنه ينعقد بالعجمية مع العجز ولا ينعقد بها مع القدرة فلا يخلو حال الولي الباذل والزوج القائل من ثلاثة أحوال:
إحداها: أن يكونا عربيين فلا ينعقد النكاح بينهما إلا العربية.
والثانية: أن يكونا عجميين فلا ينعقد النكاح بينهما إن باشراه بأنفسهما إلا بالعجمية.
والثالثة: أن يكون أحدهما عربيًا والآخر أعجميًا فلا ينعقد النكاح بينهما بالعربية لأن العجمية لا يحسنها ولا بالعجمية لأن العربية لا يحسنها فكانا بالخيار بين أمرين أن يوكلا من يعرف أحد اللسانين، وبين أن يتعلم العجمي منهما العربية فيجتمعا على عقده بها ولا يجوز أن يتعلم العربي العربية ليجتمعا على عقده بها لأن من أحسن العربية لا يجوز له العقد بالعجمية ويجوز لمن يحسن العجمية أن يعقده بالعربية.
فإن قيل: فهلا اختص العربي فيه باللفظ العربي وتفرد العجمي باللفظ العجمي؟ قيل: لا يجوز، لأن كل واحد منهما لا يعرف لفظ صاحبه فيقابله عليه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "والفرج محرم قبل العقد فلا يحل أبدًا إلا بأن يقول الولي قد زوجتكها أو أنكحتكها ويقول الخاطب: قد قبلت تزويجها أو نكاحها أو يقول الخاطب زوجنيها ويقول الولي: قد زوجتكها فلا يحتاج في هذا إلى أن يقول الزوج: قد قبلت ولو قال قد ملكتك نكاحها أو نحو ذلك فقبل لم يكن نكاحًا وإذا كانت الهبة أو الصدفة تملاك بها الأبدان والحرة لا تملك فكيف تجوز الهبة في النكاح؟ فإن قيل: معناها زوجتك قيل: فقوله قد أحللتها لك أقرب إلى زوجتكها وهو لا يجيزه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: أعلم أن عقد النكاح بعد حضور الولي والشاهدين لا يتميز إلا بثلاثة شروط:
أحدها: تعيين المنكوحة.
والثاني: تعيين اللفظ.
والثالث: صفة العقد.
فأما تعيين المنكوحة فيجب أن يكون بما تتميز به عن غيرها وذلك قد يكون بأحد ثلاثة أشياء: إما بالإشارة، وإما بالإسم، وأما بالصفة.
فأما الإشارة فلا تكون إلا إلى حاضرة فنقول: زوجتك هذه المرأة فيصح النكاح عليها، وإن لم يذكر لها اسم ولها حالان:
موافق ومخالف، فإن كان موافقًا فقد أكد بالإشارة بها قرنه بها من موافقة الاسم.
والنسب والصفة.
وإن كان مخالفًا بأن سماها حفصة بنت زيد وهي عمرة بنت بكر أو وصفها بالطويلة، وهي قصيرة صح العقد بالإشارة إليها ولم يؤثر فيه مخالفة الاسم والنسب والصفة، لأن الإشارة أبلغ في التعيين من كل اسم وصفة وأما الاسم فقد يتعين به الغائبة إذا لم يشاركها فيه غيرها، وهو في الأغلب إذا انفرد عن نسب لا يقع به التمني، فإن قرن به النسب نظر فإن لم يشاركها فيه غيرها من النساء تميزت به وصح العقد عليها
بما تميزت به من الاسم والنسب وإن لم ينو الزوج والولي الإشارة إلى المنكوحة وإن لم يتميز الاسم والنسب من غيرها من النساء لمشاركتها فيه لغيرها نظر فإن نوى الزوج والولي في نفوسهما فالإشارة للمنكوحة، صح العقد وعلى هذا أكثر عقود المناكح وإن لم ينو لم يصح العقد لاشتباه المنكوحة بغيرها وصار بمثابة قوله: قد زوجتك امرأة وأما الصفة فلا تكون بانفرادها مميزة للمنكوحة عن غيرها لاشتراك الناس في الصفات حتى يقترن بها مع ما يقع به التمييز من اسم أو نسب، أو نية مثل سودة بنت زيد بن خالد وله بنات فيهم المنكوحة.
أما الاسم إذا لم يشتركن فيه فتقول حفصة أو عمرة.
وأما بالصفة، إذا لم يشتركن فيقول الطويلة أو القصيرة أو يقول: السوداء أو البيضاء أو يقول: الصغيرة أو الكبيرة فتصير الصفة مميزة للمنكوحة ولولاها لاشتبهت وإذا كان كذلك فأراد أن يزوج بنته فإن لم يكن له إلا بنت جاز أن يقول: زوجتك بنتي ولا يذكر لها اسمًا ولا صفة، لأنها قد تعنت في العقد فصح فإن ذكر مع ذلك اسمًا ولا صفة، لأنها قد تعنت في العقد فصح فإن ذكر مع ذلك اسمًا أو صفة.
فقال: بنتي حفصة أو قال: بنتي الطويلة فقد أكد إن وافق الاسم والصفة ولم يؤثر فيه إن خالف الاسم والصفة قوله: عمرة قد سماها حفصة وكانت قصيرة وقد وصفها طويلة، لأن الاسم قد ينتقل والقصيرة قد تكون طويلة بالإضافة إلى من هي أقصر منها وإن كان للأب المزوج عدة بنات لم يصح العقد بأن يقول: زوجتك بنتي حتى يميزها عن سائرهن إما بنية يتفق الأب والزوج بها على إرادة أحداهن بعينها.
وإما باسم أو صفة فيقول: بنتي حفصة فيصفها بالاسم من غير أن يقول بنتي الصغيرة فتصير بالصفة متميزة فيصح العقد حينئذ عليها فإن جمع بين الاسم والصفة فذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون متفقًا فيقول: قد زوجتك بنتي حفصة الصغيرة.
والصغيرة هي حفصة.
والكبيرة هي عمرة: فيسم المنكوحة باسمها ويصفها بصفتها فقد أكد الاسم بالصفة فكان أبلغ في التمييز.
والثاني: أن يكون مخالفًا فسمى الموصوفة بغير اسمها ووصف المسماة بغير صفتها، لأن حفصة هي الكبيرة وقد وصفها بالصغيرة وعمرة هي الصغيرة وقد وصفها بالكبيرة فيكون المعول على الصفة دون الاسم، لأن الصفة لازمة والاسم منتقل فيقع العقد على الصغيرة التي اسمها عمرة وإن سمي في العقد حفصة، فلو ميز المنكوحة من بناته بصفتهن فقال: زوجتك بنتي الصغيرة الطويلة فإن وافقت الصفتان فقد أكد إحدى الصفتين بالأخرى فكان أبلغ في التمييز وإن خالفت الصفات فالنكاح باطل، لأن كلتا الصفتين لازمتان وليس اعتبار أحدهما في تمييز المنكوحة بأولى من اعتبار الأخرى فصارت المنكوحة منهما مجهولة.
فلذلك بطل النكاح، والله أعلم بالصواب.
فصل:
وأما الشرط الثاني: وهو تعيين اللفظ الذي ينعقد به النكاح فلفظتان لا ينعقد النكاح إلا بهما وهو النكاح والتزويج، لأن كتاب الله تعالى قد جاء بهما.
وأما النكاح فيقوله سبحانه: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] وأما التزويج بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] لأن معناهما في اللغة متشابهان.
أما التزويج فهو ضم شكل إلى شكل ومنه قولهم: أحد زوجي الخف وأحد زوجي الحمام إذا أريد واحد من اثنين متشاكلين.
فإن أريد معًا قيل زوج الخف وزوج الحمام وأما النكاح فيه قولان:
أحدهما: إنه كالتزويج ضم شكل إلى شكل ومنه كقولهم: أنكحنا الغراء فسوق ترى أي جمعنا بين الحمار الوحش وإيتانه فسترى ما يولد منهما.
قال عمر بن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلًا عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يمان
أي لما لم يكن أن يجتمعا لم يجز أن يتناكحا.
والثاني: إنه لزوم شيء، ومنه قول ابن الماجشون: استنكحه المدني أي لزمه فسمي النكاح نكاحًا للزوم أحد الزوجين لصاحبه وليس في معنى هاتين اللفظتين غيرهما فصار تعليلهما غير متعد للنص عليهما.
وإذا كان كذلك فالولي والزوج مخيران في أن يعقداه بلفظ التزويج فيقول الولي: قد زوجتك ويقول الزوج: قبلت تزويجها أو يعقده أحدهما بلفظ النكاح والآخر بلفظ التزويج فيقول الولي: قد زوجتك ويقول الزوج: قد قبلت نكاحها فيكون العقد بأي هذه الألفاظ عقدًا صحيحًا.
فصل:
وأما الشرط الثالث: وهو صفة العقد وكيفيته فقد ينعقد على أحد وجهين أما بالبذل والقبول.
وأما بالطلب والإيجاب ولهما فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن يعقد له بلفظ الماضي.
والثاني: بلفظ المستقبل.
والثالث: بلفظ الأمر.
فإن عقداه بلفظ الماضي فضربان:
أحدهما: أن يعقداه بالبذل والقبول.
والثاني: بالطلب والإيجاب.
فأما عقده بالبذل والقبول فهو أن يبدأ الولي فيقول: قد زوجتك بنتي على صداق ألف درهم ويقول الزوج: قد قبلت نكاحها على هذا الصداق
فيكون قد ابتدأ به الولي بذلًا وما أجابه الزوج قبولًا.
وإذا كان هكذا فللزوج في قبوله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول: قبلت نكاحها على هذا الصداق.
والثاني: أن يقول: قبلت ولا يذكر الصداق: والثالث: أن يقول: قبلت ولا يذكر النكاح ولا الصداق.
فأما الحال الأولى: وهو أن يقول: قبلت نكاحها على هذا الصداق فقد انعقد النكاح على الصداق المسمى إذا كان قبول الزوج على الفور من بذل الولي.
ولو قال الزوج: قبلت نكاحها على صداق خمسمائة.
وقد بذلها الولي له بصداق ألف انعقد الصداق ولم تلزمه فيه أحد الصداقين وكان لها مهر المثل لأن الألف لم يقبلها الزوج والخمسمائة لم يرض بها المولى.
وقال أبو حنيفة: ينعقد على صداق خمسمائة، لأنها أقل فصارا مجتمعين عليها وإن تفرد الولي بالزيادة.
وهذا خطأ لما ذكرنا.
وأما الحال الثانية: وهو أن يقول قبلت نكاحها ولا يذكر قبول الصداق فيصح النكاح بقبوله ولا يلزم المسمى، لأنه لم يذكره في القبول وليكون لها مهر المثل وقال أبو حنيفة: يلزم فيه الصداق المسمى بقبول النكاح والذي يتضمنه كالبيع إذا قال: بعتك عبدي بألف فقال المشتري: قبلت البيع لزمه ذلك الثمن وإن لم يصرح به في قبوله كذلك النكاح وهذا خطأ، لأن البيع لا ينعقد إلا بثمن فكان قبوله البيع قبولًا لما تضمنه من الثمن وإن لم يصرح به في قبوله وليس كذلك النكاح، لأنه قد يصح بغير الصداق فلم يكن قبوله النكاح قبولًا لما يتضمنه من الصداق حتى يصرح به في قبوله.
وأما الثالثة: وهو أن يقول: قبلت ويمسك فلا يذكر النكاح ولا الصداق في قبوله ففيه قولان وهو ظاهر كلامه هاهنا وقد نص عليه صريحًا في كتاب "الأم" ورواه البويطي وقاله جمهور أصحابنا أن النكاح باطل.
والثاني: قاله في كتاب "التعريض بالخطبة في كتب الأمالي" إن النكاح صحيح وبه قال أبو حنيفة استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أن قول: قبلت إنما هو جواب للبذل الصريح وجواب الصريح يكون صريحًا كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وجَدتُّم مَّا وعَدَ رَبُّكُمْ حَقًا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44] أي نعم وجدناه وكقوله: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] أي بلى أنت ربنا وكما لو أدعى رجل على رجل ألف درهم فسأله الحاكم عنها.
وقال: أله عليك ألف.
فقال نعم، وكان إقرار منه بالألف، وجرى مجرى قوله: نعم عليِّ ألف، فكذلك يجب أن يكون قوله في النكاح قد قبلت بعد تقدم البذل الصريح قبولًا صريحًا فجرى مجرى قوله: قبلت نكاحها.
والثاني: إن البذل والقبول معتبر في عقد النكاح كاعتباره في عقد البيع ثم ثبت أنه لو قال البائع: بعتك عبدي هذا بألف فقال المشتري: قبلت أن البيع قد انعقد وجرى ذلك مجرى قوله "قبلت" هذا البيع ويجب أن يكون النكاح بمثابه: قد زوجتكها فقال الزوج:
قبلت أن ينعقد النكاح فجرى مجرى قوله: قبلت نكاحها فعلى هذا القول إذا جعلناه قبولًا صحيحًا يكون قبولًا للنكاح والصداق جميعًا، لأن القبول مطلق فرجع إلى ما تقدم من ذكر النكاح والصداق وخالف قوله: قبلت نكاحها حيث جعلناه راجعًا إلى قبول النكاح الذي سماه دون الصداق الذي أغفله، لأن مع التسمية تصير تخصيصًا ومع الإطلاق يكون عمومًا.
وإذا قيل بالقول الأول إن النكاح باطل وهو أصح القولين فدليله ما قدمناه أن عقد النكاح لا يتم إلا بصريح اللفظ دون المعنى وقوله: قبلت فيه معنى التصريح وليس بصريح فينعقد به النكاح وجاز أن ينعقد به البيع لأنه يتم بالصريح وبمعنى الصريح بخلاف النكاح وليس إطلاق جواب الصريح يكون صريحًا في جميع الأحوال ألا ترى لو قالت امرأة لزوجها: طلقني ثلاثًا.
فقال: نعم لم يكن ذلك صريحًا في جميع الأحوال ألا ترى لو قالت امرأة لزوجها: طلقني ثلاثًا.
فقال: نعم لم يكن ذلك صريحًا في طلاقها وإن كان جوابًا ولو قال: نعم: أنت طالق لم تكن ثلاثًا وإن سألته ثلاثًا فلم يسلم الاستدلال بالبيع لما ذكرنا من الفرق بينهما ولا كان إطلاق الجواب كالصريح لما ذكرنا.
فأما إذا قرن النكاح بينهما بواسط من حاكم أو خطيب فقال للولي: زوجته فلانة، فقال: نعم، فقال الزوج: قبلت نكاحها.
فقال: نعم لم ينعقد النكاح قولًا واحدًا، لأن صريح اللفظ لم يؤخذ من واحد منهما.
وقال أبو حنيفة: ينعقد بناء على أصله واعتبارًا بالبيع في أن رجلًا لو قال للبائع: بعته عبدك هذا بألف.
فقال: نعم، وقال المشتري: اشتريته بالألف، فقال: نعم إن البيع منعقد فكذلك النكاح.
وهذا خطأ لما ذكرنا في أن معنى الصريح لا يقوم في النكاح مقام الصريح ويقوم في البيع مقام الصريح، لأن النكاح لما خالف البيع في تغليظه بالولي والشاهدين خالفه في تغليظه بصريح اللفظ دون معناه، ولأنه قوله: نعم إقرار وبضع المنكوحة لا يملك بالإقرار فهذا حكم عقد النكاح بالبذل والقبول.
فصل:
فأما عقده بالطلب والإيجاب فهو أن يبدأ الزوج فيقول للولي: زوجني بنتك على صداق ألف فيقول الأب: قد زوجتكما على هذا الصداق فيصح العقد ولا يحتاج الزوج إلى أن يعود فيقول: قد قبلت نكاحها ووافقه أبو حنيفة عليه.
وكذلك في البيع إذا ابتدأ المشتري فقال: بعني عبدك بألف.
فقال: قد بعتك هذا العبد بها صح البيع ولم يحتج المشتري أن يقول بعده قد قبلت.
وخالفه أبو حنيفة في البيع فقال: لا يصح حتى يعود المشتري فيقول: قد قبلت بخلاف النكاح وهذا خطأ، لأن شروط النكاح أغلظ من شروط البيع.
فكان ما يصح به النكاح أولى أن يصح به البيع فإذا صح ما ذكرنا من تمام العقد بالطلب والإيجاب كتمامه بالبذل والقبول كان البذل هو ما ابتدأ به الولي والقبول ما أجاب به الزوج فإن الطلب ما ابتدأ به الزوج والإيجاب ما أجاب به الولي فيكون النكاح منعقدًا من جهة الولي على أحد الوجهين:
إما بالبذل إن كان مبتدئًا أو بالإيجاب إن كان مجيبًا من جهة الزوج منعقد على أحد وجهين: إما بالطلب إن كان مبتدأ وبالقبول إن كان مجيبًا فصار طلب الزوج في الابتداء
قبولًا في الانتهاء.
وقبوله في الانتهاء طلب في الابتداء وصار بذل الولي في الابتداء إيجابًا في الانتهاء وإيجابه في الانتهاء بذلًا في الابتداء وإذا كان كذلك لم يخل إيجاب الولي بعد طلب الزوج من ثلاثة أحوال كما ذكرنا في قبول الزوج بعد بذل الولي:
إحداها: أن يقول: الولي قد زوجتكها على هذا الصداق الذي بذلته فينعقد النكاح على الصداق والذي سماه الزوج وهو ألف.
والثانية: أن يقول الولي قد زوجتكها ولا يقول على هذا الصداق فيصح العقد ولا يلزمه فيه ذلك المسمى من الصداق، لأن الولي ما صرح بالإجابة إليه.
وعند أبي حنيفة يكون منعقد الصداق المبذول وإذا بطل المسمى عندنا كان لها مهر المثل فلو كان الأب قال: زوجتكها على صداق ألفين لم يلزم واحد من الصداقين.
وكذلك عند أبي حنيفة ويكون لها مهر المثل.
ولو كان الأب قال: قد زوجتكها على صداق خمسمائة لم يلزم واحد من الصداقين عندنا.
وقال أبو حنيفة يلزم أقلهما ويصير الأب مبرئًا من الزيادة والثانية: أن يقول الولي بعد طلب الزوج قد فعلت.
أو يقول: قد أجبتك ولا يقول: قد زوجتكها.
فلا ينعقد النكاح عندنا قولًا واحدًا بخلاف ما ذكرنا من القولين في قبول الزواج.
والفرق بينهما: أن الولي هو المملك لبضع المنكوحة والزوج هو المتملك فكان اعتبار الصريح في لفظ المملك أقوى من اعتباره في لفظ المتملك.
وعند أبي حنيفة يكون النكاح منعقد على أصله.
فرع:
فأما إذا ابتدأ الوالي فقال: زوجت بنتي على صداق ألف فقال الزوج: تزوجتها على هذا الصداق لم يصح العقد حتى يعود الولي فيقول: قد زوجتكها، لأن قوله في الابتداء زوجته بنتي ليس ببذل منه ولا إجابة.
وإنما هو استخبار والنكاح لا ينعقد من جهة الولي إلا بالبذل إن كان مبتدئًا أو بالإيجاب إن كان مجيبًا وإذا كان كذلك صار ما ابتدأ به الولي من الاستخبار غير مؤثر في العقد.
ويكون جواب الزوج طلبًا فلذلك ما افتقر إلى إيجاب الولي بأن يعود فيقول: قد زوجتك فيصير النكاح منعقد بالطلب والإيجاب وهكذا لو ابتدأ الزوج فقال للولي: زوجني بنتاك فقال: قد زوجتكها لم يصح العقد، لأن ما ابتدأ به الزوج استخبار، والعقد لا يتم من قبل الزوج إلا بالطلب إن كان مبتدئًا أو بالقبول إن كان مجيبًا وليس استخباره طلبًا ولا قبولًا فإن عاد عاد الزوج فقال: قد قبلت تزويجها صح العقد حينئذ بالبذل والقبول فهذا حكم العقد باللفظ الماضي في البذل والقبول وفي الطلب والإيجاب.
فرع:
وإما عقده باللفظ المستقبل فمثاله: أن بذل الولي أن يقول: أزوجك بنتي فيقول
الزوج: أتزوجها فلا يصح العقد بقول الولي ولا بقول الزوج، لأن قول كل واحد منهما وعد بالعقد وليس بعقد ولو كان الزوج قال: قد تزوجتها صار قوله طلبًا وإن كان قول الولي وعدًا فإن عاد الولي فقال: قد زوجتكها صح العقد بالطلب والإيجاب.
ولو بدأ الزوج فقال للولي: أتزوج بنتك فقال الولي: أزوجكها لم يصح العقد بقول واحد منهما، لأن قول كل واحد منهما وعد بالعقد وليس بعقد ولو كان الولي قال: قد زوجتكها صار قوله بذلًا فإن عاد الزوج.
فقال: قد قبلت تزويجها صح العقد بالبذل والقبول.
وهكذا إن دخل على اللفظ المستقبل حرف الاستفهام فقال الولي: أأزوجك بنتي؟ أو قال: أأتزوج بنتك؟ لم يصح العقد بواحد من اللفظين لأنه استفهام للوعد فكان أضعف من مجرد الوعد فإن تعقبه من أحدهما ما يكون بذلًا أو طلبًا روعي في مقابلة الطلب الإيجاب وفي مقابلة البذل القبول.
فرع:
وأما عقده بلفظ الأمر فمثاله: إن بدأ الولي أن يقول للزوج: تزوج بنتي فيقول الزوج: قد تزوجتها فلا يصح العقد حتى يعود الولي فيقول: قد زوجتكها ولو بدأ الزوج فقال للولي: زوجني بنتك فقال: قد زوجتكها صح العقد ولم يحتج الزوج أن يعيده فيه قولًا.
والفرق بين ما ابتدأ به الولي من لفظ الأمر أنه لا يصح به العقد، وبين ما ابتدأ به الزوج من لفظ الأمر أنه يصح به العقد أن المراعي من جهة الولي البذل أن ابتدأ والإيجاب إن أجاب وليس في أمره بذل ولا إيجاب فلم يصح به العقد.
والمراعي من جهة الزوج والطلب إن ابتدأ والقبول إن أجاب.
وأمره تضمن الطلب وإن لم يتضمن القبول فصح به العقد وتم بالطلب والإيجاب.
فصل:
فإذا صح ما ذكرنا من صفة العقد وكيفيته لتمامه وإبرامه شروط:
أحدهما: أن يكون قبول الزوج على الفور من بذل الولي فإن تراخي ما بينهما بسكوت وإن قيل لم يصح إلا أن يكون لبلع ريق أو انقطاع فيصبح العقد وإن تخللته هذه السكتة، لأنه لا يمكن الاحتراز منها.
والثاني: أن لا يكون بين الولي وقبول الزوج كلام ليس بذل ولا قبول، فإن تخلل بينهما كلام ليس منهما لم يصح العقد، لأن خروجهما إلى غيره من الكلام قطع لحكم ما تقدم.
ولكن لو قال الولي: قد زوجتك بنتي فاقبل النكاح مني لم يكن هذا قطعًا لحكم بذله، لأنه حث منه على القبول.
وهكذا لو قال: قد زوجتك بنتي فقل لي: قد قبلت نكاحها لم يكن قطعًا لحكم بذله، لأنه تفسير لقوله: "فاقبل النكاح مني" فأما إذا قال: قد زوجتك بنتي فأحسن إليها أو قال فاستوصى بها خيرًا كان هذا قطعًا لبذله، لأنها وصية لا
تتعلق بالبذل ولا بالقبول ولكن لو قال: قد زوجتكها على أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان صح العقد ولم يكن ذلك قطعًا، لأنه وإن تضمن صفة الوصية فهو بيان لحكم البذل والقبول.
والثالث: أن يكون الولي عند قبول الزوج من أهل العقد، فإن قبل الزوج وقد مات الولي أو جن أو أغمي عليه لم يصح العقد لبطلان بذلك بخروجه من أهل العقد.
فإذا تكاملت شروط العقد على ما وصفنا فقد انعقد بإجزاء لا يثبت فيه لواحد من الزوجين خيار المجلس بالعقد ولا خيار الثلاث الشروط بخلاف البيع، لأن الخيار موضوع لاستدراك المعاينة في الأعواض وليس النكاح من عقود المعاوضات لجوازه مع الإخلال بذكر العوض من الصداق، فإن شرط فيه خيار الثلاث أبطله.
وقال أبو حنيفة: يبطل الخيار ولا يبطل النكاح.
وهذا خطأ لأن الشروط المنافية للعقود تبطلها كالشروط في سائر العقود، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وأحب أن يقدم بين يدي خطبته وكل أمر طلبه سوى الخطبة حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسوله عليه الصلاة والسلام والوصية بتقوى الله ثم يخطب وأحب للولي أن يفعل مثل ذلك وأن يقول ما قال ابن عمر: أنكحتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".
قال في الحاوي: أعلم أن خطبة النكاح قيل الخطبة سنة مستحبة وليست بواجبة.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي: خطبة النكاح واجبة استدلالًا برواية الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر".
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما عقد لنفسه نكاحًا إلا بعد خطبة، فكان الخاطب في تزويجه خديجة عمة أبا طالب، وكان الخاطب بتزويجه بعائشة طلحة بن عبد الله، وزوج فاطمة بعلي فخطبا جميعًا.
ولأنه عمل مقبول قد اتفق عليه أهل الأمصار في جميع الأمصار فكان إجماعًا لا يسوغ خلافًا، ولأن ما وقع به الفرق بين ما يستبشر به من الزنا ويعلن من النكاح كان واجبًا في النكاح كالولي والشهود.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من استحبابها دون وجوبها هو قول جمهور الفقهاء قول الله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء،25]، فجعل الإذن شرطًا دون الخطبة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حين زوج الواهبة لنفسها من خاطبها قال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" فلم يخطب.
(وروي) أن رجلًا من بني سليم خطب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامة بنت عبد المطلب فأنكحه ولم يخطب.
وروى أن الحسن بن علي رصي الله عنها زوج بعض بنات أخيه الحسن وهو يتعرق عظمًا أي لم يخطب تشاغلًا به.
وروى أن ابن عمر زوج بنته فما زاد على أن قال: قد زوجتكها على ما أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ولأن الخطبة لو وجبت في النكاح لبطل بتركها.
وفي إجماعهم على صحة النكاح تركها دليل على استحبابها دون وجوبها، ولأن النكاح عقد فلم تجب فيه الخطبة كسائر العقود.
فأما الاستدلال بالخبر فلم يخرج مخرج الأمر فيلزم، وإنما أخبر أنه أبتر وليس في هذا القول دليل على الوجوب على أن للخبر سبب هو محمول عليه قد ذكرناه في أول الكتاب.
وأما استدلالهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما عقد نكاحًا إلا بعد خطبة فقد قيل: إنه نكح بعض نسائه بغير خطبة، وقد زوج الواهبة بغير خطبة، وليس ما استدلوا به من العمل المنقول إجماعًا لما روينا من خلافه، فلم يكن فيه دليل ولا في كونها فرقًا بين الزنا والنكاح دليل على وجوبها كالولائم.
فصل:
فإذا ثبت استحباب فهي مشتملة على أربعة فصول:
أحدها: حمد الله والثناء عليه.
والثاني: الصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم.
والثالث: الوصية بتقوى الله وطاعته.
والرابع: قراءة آية، والأولى أن تكون مختصة بذكر النكاح كقوله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: 32] وكقوله: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا﴾ [الفرقان: 54] الآية، فإن قرأ آية لا تتعلق بذكر النكاح جائز، لأن المقصود بها التبرك بكلام الله تعالى.
وقد رويت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فيها: "الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وأن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: 70، 71] الآية إلى آخرها.
وروى عن علي بن أبي طالب - رضوان الله تعالى عليه - أنه خطب فقال: المحمود