كتاب الأقضية واليمين مع الشاهد
قال: أخبرنا عبد الله بن الحارث وذكر الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم "قضى باليمين مع الشاهد".
أعلم أنه إذا ادعى مالًا وأقام به شاهدًا واحدًا لحلف معه ويحكم له به، وبه قال الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب رضي الله عنهم والحسن وعمر بن عبد العزيز وأبو سلمة بن عبد الرحمن والشعبي وشريح ويحي ومعمر وسليمان بن يسار وعطاء، والفقهاء السبعة وأبو الزناد وربيعة ومالك وبان أبي ليلى وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال كلثوم بن زياد: أدركت سليمان بن حسن والزهري يقضيان بذلك يعني بشاهد ويمين.
وقال أبو حنيفة: لا يقضي به بحال وبه قال النخعي وابن شبرمة والأوزاعي والثوري، وروي ذلك عن الزهري أيضًا، وروي عن النخعي مثل مذهبنا، وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: من قضى بالشاهد واليمين نقضت حكمه، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: الآية 282]. فمن زاد في ذلك [12/ 142 ب] فقد زاد في النص والزيادة في النص نسخ.
ودليلنا الخبر الذي ذكره الشافعي رضي الله عنه، وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنهم "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق"، وقضى به علي رضي الله عنه بالعراق، وروي علي رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم أحلف صاحب الحق مع الشاهد" وروي "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهدة رجل ويمين الطالب" وروي عن مسلمة بن قيس الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استشرت جبريك عليه السلام في اليمين مع الشاهد فأمرني بها"، وروي جابر رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل عليه السلام فقال: إن الله يأمرك أن تقضي بشاهد ويمين"، وروي عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
الجزء: 14 - الصفحة: 152
"قضى الله ورسوله في الحق بشاهدي عدلٍ فإن جاء بشاهدين أخذ حقه، وإن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهده".
وأيضًا روى أبو داود بإسناده عن عمار بن شعيب بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده الزبير رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا إلى بني العنبر فأخذ فيهم بركية من ناحية الطائف فاستاقهم [12/ 143 أ] إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فركبت فسبقتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: "السلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته أتانا جندك فأخذونا وقد كنا أسلمنا وخضرمنا أذان النعم فلما قدم بلعنبر فشهد الرجل فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ألكم بينة على أنكم أسلمتم قبل أن تؤخذ في هذه الأيام قلت: نعم قال: من بينتك؟ قلت سمرة رجل من بني العنبر ورجل آخر سماه فشهد الرجل وأبي سمرة فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: قد أبى أن يشهد لك فتحلف مع شاهدك قلت: نعم فاستحلفني فحلفت بالله لقد أسلمنا يوم كذا وكذا وخضرمنا أذان النعم فقال: اذهبوا فقاسموهم أنصاف أموالهم ولا تسبوا ذراريهم لولا أن الله لا يحب ضلالة العمل ما رزقناكم عقالًا قال الزبير: فدعتني أمي فقالت: هذا الرجل أخذ بيتي فانصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: احبسه فأخذت بتلبيته وقمت معه بمكاننا ثم نظر إلينا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تريد من أسيرك؟ فأرسلته من يدي فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال للرجل رد عليه زربية أمه التي أخذت منها فقال: يا نبي الله إنها خرجت من يدي فاختلع نبي الله إنها خرجت من يدي فاختلع نبي الله صلى الله عليه وسلم سيف الرجل فأعطانيه فقال للرجل اذهب فزده أصوعًا من طعم قال: فزاد في أصوعًا من شعير".
قوله خضرما أي قطعنا أطراف [12/ 143 ب] آذانها وكان ذلك في الأموال علامة بين من أسلم وبين من لم يسلم والمخضرمون قوم أدركوا الجاهلية وبقوا إلى أن أسلموا، ويقال: أصل الخضرمة خلط الشيء بالشيء وضلالة العمل بطلانه وذهاب نفعه يقال: طل اللبن في الماء إذا بطل وتلف، وقوله ما رزيناكم أصله رزأناكم بالهمز يعني ما نقصناكم من أموالكم عقالًا والزربية: الطنفسة فإن قيل: هذا استعمال اليمين مع الشاهد في غير الأموال وعندكم لا يجوز قلنا: قد قيل: قصد هذا المال لأن الإسلام يعصم المال كما يعصم الدم، ثم هو دليل على أنه يقضي باليمين مع الشاهد في الجملة ثم تركنا له البعض بدليل، وروى عمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة قالا: "بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل رجلان يختصمان مع أحدهما شاهد على حقه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمين صاحب الحق مع شاهده فاقتطع بذلك حقه" وأما الآية التي ذكروها قلنا: الزيادة لا تكون نسخًا عندنا وعندهم أيضًا لا يكون نسخًا إذا لم يغير حكم المزيد وهذه الزيادة لا تغير حكم المزيد ولهذا زدتم النكول ولا يكون نسخًا أن نقول: وردت الآية في التحمل دون الأداء ولهذا قال تعالى: ﴿تَضِلَّ احْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾.
الجزء: 14 - الصفحة: 153
فرع
قال الشافعي رضي الله عنه: فكل ما كان مالًا من القرض والغصب وأداء مال الكتابة أو المقصود منه [12/ 144 أ] المال كالبيع والرهن والآجال والخيار في البيع وجناية الخطأ جميع ذلك بشاهد ويمين وما عدا ذلك لا يثبت بشاهد ويمين، وقد ذكرنا فيما مضى أنه لا يحكم به في الرضاع والولادة ونحو ذلك، وروي عن مالك أنه قال: يحكم بالشاهد واليمين في الحدود أيضًا وهذا لا يصح لما روي الدارقطني بإسناده عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استشرت جبريل عليه السلام في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار بذلك علي في الأموال لا تعدوا ذلك"، وقال عمرو بن دينار: فيما رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما وذلك في الأموال وتفسير الراوي أولى من تفسير غيره.
فرع آخر
قال أبو حامد في "التعليق": إذا قطع يده من الساعد عمدًا يثبت بالشاهد واليمين لأنه لا قصاص فيه، وقال القاضي الطبري: هذا غلط لأنه له أن يستوفي القصاص من الكوع فلا يثبت ذلك بالشاهد واليمين، وقد نص الشافعي رضي الله عنه على أنه لا يقبل شاهد وامرأتان وشاهد ويمين في الهاشمة والمأمومة لأن المشجوج لو أراد الاقتصاص من موضحته له ذلك ونص الشافعي على أن من له ثلاثة أصابع إذا قطع من له يد كاملة الأصابع فله عليه أن يقطع من يده ثلاثة أصابع وإن كان الجاني قطع من الكوع ولم يقطع أصابعه.
فرع آخر
يجوز أن يحكم بالمال [12/ 144 ب] بشاهد وامرأتين مع وجود شاهدين، وحكي عن مالك أنه قال: لا يجوز الحكم بالمال بالشاهد، والمرأتين إلا عند عدم الشاهدين وهذا غلط لأنه يجوز أن يستوثق المستشهد بشاهد وامرأتين، مع القدرة على الشاهدين.
فرع آخر
عندنا مع القدرة على البينة الكاملة يجوز إثباته بشاهد ويمين في ظاهر المذهب، وقال في "الحاوي" فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني لا يجوز لأن نقصها عن الكمال يبعث على الحكم بها في الاضطرار دون الاختيار.
فرع آخر
لا يسمع الحاكم يمينه حتى يثبت عنده عدالة شاهده ظاهرًا وباطنًا، فإذا ثبت ذلك استحلف المدعي وحكم له وهذا لأن الحال قبل ثبوت العدالة كالحال قبل الشهادة.
الجزء: 14 - الصفحة: 154
فرع آخر
لو حلف المدعي مع شاهده فيما ذكرنا حكم له فإن قال: لا أحلف وامتنع كان القول قول المدعي عليه مع يمينه فإن حلف سقطت دعواه وليس للمدعي أن يحلف بعد ذلك مع شاهده لأن بامتناعه سقط حقه من اليمين ولا يشبه ذلك إقامة البينة بعد اليمين لأن اليمين فعله وهو قادر عليها فامتنع بخلاف البينة.
وقال بعض أصحابنا: لو انصرفنا عن هذا المجلس ثم عادا في مجلس آخر واستأنفا الدعوى [12/ 145 أ] وأقام لم يقض منها، والثاني القبول يبني على ملك سابق من حين مات الموصي فبالقبول يدخل في ملك ميتهم ثم يورث عنه وعلى هذا لو كان على أبيهم دين قضي منها ويقتسمون قسمة الميراث.
فرع آخر
لو نكلوا عن اليمين ثم ماتوا وأراد ورثتهم أن يحلفوا مع الشاهد فإن كان امتناعهم لنكولهم لا يجوز للورثة الحلف لأنهم أسقطوا حقهم من الأيمان بنكولهم، وإن خافوا فوقفوا عن الأيمان فيجوز للورثة أن يحلفوا وقد ذكرنا فيما مضى أن الدين عندنا لا يمنع ملك الورثة والتركة كالمرهونة به.
وقال الإصطخري: ولو يملكوا بما أحاط بقدر الدين، وعند أبي حنيفة إن أحاط بكل التركة لم يملكوها، وإن أحاط ببعضها ملكوا كلها الحلاف وتأثير الخلاف فيما يحدث عن التركة من النماء قبل قضاء الدين كالثمرة والنتاج وكسب العبد تكون مضمونة إلى التركة في قول من جعلها باقية على ملك الميت يتعلق بها قضاء الدين ويظهر في الزكاة وزكاة الفطر.
مسألة: قال: وإن كان فيهم معتوه وقف حقه حتى يعقل فيحلف.
ظاهر هذا أن يستوفي حقه من الديون أو يستخرج من يد الورثة في الوصية، وليس المراد هذا وإنما أراد التوقف في استيفاء حقه وكيف يستوفي له شيء من الوصية أو من الميراث والبينة لم تكمل له؟ وقال [12/ 145 ب] أبو إسحاق: معناه أنه لم يمنع من اليمين إذا عقل في الرأي فيكون حقه من اليمين موقوفًا، ولم يرد به أن الشيء ينتزع من يد المدعي عليه ويجعل موقوفًا وقال صاحب "الإفصاح": يؤخذ نصيبه منه ويوقف بشاهد واحد فيه قولان كما قلنا هل له أن يطلب بالكفيل بشاهد ويمين فيه قولان، وكذلك إذا ادعى على أجنبي أنه قذف وأقام عليه شاهدًا واحدًا فهل يجوز حبسه إلى أن يقيم الشاهد الآخر فيه قولان ولا خلاف أنه إذا أقام شاهدين يحبس أو يطالب بالكفيل إلى أن يعدل الشاهدان لأن البينة قد تمت في الظاهر، فإذا تقرر هذا فإذا بلغ الطفل أو عقل المعتوه كان له أن يحلف، فإن حلف استحق، وإن نكل عن اليمين سقط حقه وإن مات قبل أن يعقل قام وارثه مقامه.
الجزء: 14 - الصفحة: 155
وقال في "الأم": ولو كان في الورثة أخرس وكان يعقل الإشارة باليمين أشار إليه باليمين حتى يقسم عنه أنه حلف ثم يعطيه حقه، وإن كان لا يعقل الإشارة أو يموت فيقوم وارثه مقامه وعلى هذا قال بعض أصحابنا بخراسان، إذا كان أحد الاثنين غائبًا فالحاضر يحلف مع شاهده ولا يستحق من يد المدعى عليه إلا نصيبه وهو النصف والباقي يترك في يده حتى يرجع الغائب، فإذا رجع فلا حاجة إلى إعادة إقامة ذلك الشاهد إذا كانت الدعوى في ميراث [13/ 146 أ] وأقام الشاهد يجوز أن يحلف معه وفي هذا نظر.
فرع آخر
لو نكل المدعى عليه عن اليمين هنا بعد طلبه فهل ترد اليمين على المدعي؟ فيه قولان: أحدهما: لا ترد لأنه قد أبطلها بنكوله كما تقول في المدعي عليه إذا امتنع من اليمين لا يعرض ثانيًا، والثاني: يرد وهو الأصح لأن يمين النكول غير اليمن التي يحلف بها مع الشاهد لأن يمين النكول تدخل في المال وغيره بخلاف اليمين مع الشاهد فيقول: بالله إن شاهدي لصادق وما شهد به لحق، فإذا كان كذلك اختلفا فلم يكن النكول عن إحداهما نكولًا عن الأخرى.
فرع آخر
إذا قلنا بالقول الأول لا يُرد على المدعي قال أبو حامد: يحبس المنكر بالشاهد حتى يحلف ويعترف لأنه قد تعين عليه ذلك فلا يكون له إسقاطها ويخالف هذا إذا امتنع المدعي من يمين الرد وطلب حبس المدعي عليه حتى يحلف لم يمكن له لأن الامتناع من جهته، وقال صاحب "الحاوي": هذا خطأ لأن الحبس على الحقوق يكون بعد ثبوت استحقاقها ولم يثبت الحق بالشاهد.
فرع آخر
لو نكل المدعي عليه عن اليمين أولًا ثم ردت على المدعي فنكل فأقام شاهدًا واحدًا وأراد أن يحلف مع شاهده [12/ 146 ب] بعد الحكم بنكوله عن يمين الرد هل يجوز ذلك له؟ فيه قولان تفريعًا على القولين الأولين.
فرع آخر
إذا قلنا: يرد إلى المدعي في المسألة التي ذكرناها فيحلف ويستحق بيمينه لا بشاهده فإن امتنع خلى المدعي عليه بلا خلاف، ولو نكل عن اليمين مع الشاهد الواحد ثم شهد له آخر يقبل وتمت البينة بهما وحكم له.
الجزء: 14 - الصفحة: 156
فرع آخر
لو ادعى أن المدعي كذب الشاهدين حكم فيه بالشاهد واليمين، لأن تكذيب المدعي لبينته توجب سقوط حقه ولا توجب جرح شهوده وفي الجرح لا يقبل شاهد ويمين.
فرع آخر
قد ذكرنا كيف يحلف مع شاهده وقيل: يحلف إن ما شهد به شاهده ثابت له إلى وقته ويستحقه، ومن أصحابنا من قال: يجوز سماع يمينه قبل شهادة شاهده وليس بشيء.
فرع آخر
إذا لم يحلف مع شاهده وعرض اليمين على المدعي عليه فنكل لا يحكم بمجرد نكوله وقال مالك: يحكم هنا بمجرد نكوله وإن كان لا يحكم بالنكول في غير هذا الموضع واحتج بأن نكوله مع شاهد المدعي بمنزلة يمين المدعي مع نكول المدعي عليه بل الشاهد أقوى من اليمين وهذا غلط؛ لأن الشاهد الواحد معنى يتقوى به جنبه المدعي فلا يحكم به في القسامة، ولأنه لو نكل المدعى عليه من اليمين فأقام المدعي شاهدًا [12/ 147 أ] واحدًا لم يثبت حقه فكذلك هنا.
مسألة: قال: "ولو أتى قوم بشاهد على أن لأبيهم على فلان حقًا وأن فلانًا قد أوصى لهم فمن حلف منهم مع شاهده استحق مورثه أو وصيته دون من لم يحلف"، وإنما قال ذلك لأنه إذا ادعى دينًا فهو يدعي مالًا محضًا، وإن ادعى وصية فهو ما المقصود منه المال فحكم في الجميع بشاهد ويمين ثم ينظر فإن حلف جماعة المدعيين قضى بالحق لهم فإن كانوا ادعوا دينًا لمورثهم ثبت الدين ويقسم بينهم على قدر مواريثهم منه، وإن كانوا ادعوا وصيته حكم بذلك وقسم بينهم بالسوية لأن الموصى لهم يتساوون في الوصية إلا أن يكون الموصى قد فضل بعضهم فيها، وإن حلف بعضهم دون بعض فالذي حلف يحكم له بحقه، والذي لم يحلف يسقط حقه ولا يشارك الذي لم يحلف الحالف لأن الحق ثبت باليمين مع الشاهد فالحالف أثبت حق نفسه فحكم له به، والذي لم يحلف أسقط حق نفسه فلم يتعلق حكمه بحكم الآخر، كما لو كان بجماعة على رجل دين فطالب بعضهم بحقه وأبرأه الباقون منه فالطالب أخذ بحقه ويسقط حق المبرئ كذلك هنا.
وقال ابن أبي أحمد في شرحه: اختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال يشارك الحالف [12/ 147 ب] لأن الشافعي قال في كتاب "الصلح": إذا ادعى أخوان دارًا في يد رجل فقالا: ورثناها عن أبينا فأقر لأحدهما بالنصف وأنكر الآخر شاركه الأخ الذي
الجزء: 14 - الصفحة: 157
لم يقر له بالنصف الذي أخذه لأنه مقر بأن كل جزء يأخذه بينه وبين أخيه فكذلك هنا.
وقال عامة أصحابنا: لا يشاركه وهو الصحيح المشهور والفرق أن هذا لم يسقط حقه بامتناعه من اليمين فلهذا يشاركه وهنا سقط حقه بامتناعه من اليمين فلم يشاركه كما لو برأه، فإذا ثبت هذا قلنا: إن نكل يحلف المدعي عليه ابتداءً وإن نكل هل يرد على المدعي؟ قد ذكرناه وهكذا لو كانت الدعوى في عين كذاب وحلف أحد الاثنين مع شاهده ولم يحلف الآخر.
فرع
لو ادعى وصية وصى بها لميتهم وأقاموا بها شاهدًا واحدًا فإن ادعوا أن ميتهم قبلها قبل موته وحلفوا مع الشاهد قسم الوصية على قدر مواريثهم لأن ميتهم ملكها بقبوله، وإن كان ميتهم لم يقبلها وهم القائلون لها بعد موته ففيه قولان: أحدهما: يستحقون بالسوية بعد أيمانهم إذا قلنا: يملك الوصية بالقبول؛ لأن من حكم الوصية التساوي فيكون المورث عن ميتهم حقه من القبول ويصيرون مالكين لها بالقبول من غير أن تدخل في ملك ميتهم فعلى هذا لو كان على أبيهم دين [12/ 148 أ] لأن الأول أقام البينة لأبيه لا لنفسه فصح ذلك في الاثنين فإن كانت الدعوى في الوصية أو بالملك المطلق فلابد للغائب إذا رجع من إقامة الشاهد مرة أخرى؛ لأن الأول أقام شاهده لنفسه لا لصاحبه إلا أن يكون وكيل الغائب فحينئذ صحت إقامته في حقها ولا حاجة إلى إعادة الشهادة، فإن قال قائل أليس قلتم في عبد أقام شاهدًا واحدًا بالعتق فحال بينه وبين سيده إلى أن يأتي بشاهد آخر في أحد القولين فينبغي أن يوقف هنا نصيب الغائب إلى أن يرجع إذا أقام أحد الاثنين شاهدًا لأبيه؟ قلنا: يوقف قليلًا قدر ما يأتي بالشاهد في يومين أو ثلاثة فلا يعظم الخبر فيه وهنا ربما يعود بعد سنين فيعظم صدره ويحتمل أيضًا ما قال صاحب "الإفصاح": على ما ذكرنا، ولو أتى الحاضر بشاهدين وهو وكيل الغائب في الدعوى وإقامة البينة تسلم نصف الدار إليه ويوقف النصف للغائب بعد ما يخرجه من يد المعدي عليه فإن جاء وطلب سلم إليه وإن لم يدع رد على المدعي عليه.
مسألة: قال: وليس الغريم ولا المُوصي له من معنى الورثة في شيء.
الفصل
أرد به إذا مات رجل وخلف دينًا عليه ودينًا به شاهد واحد فالوارث إن حلف مع الشاهد حكم بالدين ويُقضي دين الميت منه وإن لم يحلف [12/ 148 ب] فهل للغريم أن يحلف معه؟ فيه قولان وكذلك لو أراد أن يقضي دينه من غيره كان له ويلزم الوارث نفقته، وإن كان مما يحتاج إلى الإنفاق عليه فدل على الفرق بين الوارث والغريم وهذا مذهبه في الجديد، وقال في القديم: يحلف الغريم أو الموصى له إذا نكل الوارث عن اليمين لما تعلق به حقهم وأنهم أولى به من الوارث وهذا لا يصح لأنه لا يستحق عينه فيؤدي إلى أن يستحق عند غيره بيمينه بخلاف الورثة لأنهم يستحقون عينه، ولأن الغريم
الجزء: 14 - الصفحة: 158
إذا حلف ثم أبرأ الميت من الدين لم يرجع المال إلى الورثة بل يرجع إلى المدعي عليه فلو ثبت بيمين الغريم الدين لكان بعد براءته للورثة وهكذا لو لم يقم الوارث الشاهد فهل للغريم أو للوصي أن يتولى إقامة الشاهد والدعوى؟ فيه قولان، وهكذا يبني الرد على القولين ويتفرع على هذا أنه إذا حلف واحد من الورثة فهل يقضي من الدين ما حلف عليه أم لا يبني على يمين الغريم، فإن قلنا: إنه لا يحلف الغريم يبني على القولين فإن قلنا: الورثة يشاركونه قضى منه جميع الدين لأنه تركه وإن قلنا: إنه يختص به بني على أن بعض الورثة إذا أقر وجحد الباقون هل يلزمه جميع الدين، وإن قلنا: يحلف الغريم لم يلزم الوارث من الدين إلا بقدر حصته.
فرع
لو أوصى [12/ 149 أ] الميت بعين قائمة في يد زيد لعمروٍ فأنكرها زيد ونكل عن اليمين فردت اليمين على الورثة، فإن حلفوا استحقت العين ودفعت إلى الموصى له، وإن نكلوا هل يحلف الموصى له، قيل قولان وقيل له أن يحلف قولًا واحدًا بخلاف الدين لأن الأعيان مخالفة للديون لسقوط حق الورثة من الأعيان وثبوته في الدين، لأن لهم قضاء الدين من عين التركة وليس لهم تبديل الوصية بغير العين.
مسألة: قال: ولو أقام شاهدًا واحدًا أنه سرق له متاعًا من حرزٍ يساوي ما تُقطع فيه اليد حلف مع شاهده واستحق ولا يقطع.
قد ذكرنا هذه المسألة في الشاهد والمرأتين ولا فرق بينهما، وقال الشافعي رضي الله عنه: هنا لأن الحد ليس بمال كرجل قال: امرأتي طالق أ, عبدي حر إن كنت غصبت فلانًا هذا العبد فشهد عليه بغضبه شاهدًا فيحلف ويستحق المغصوب ولا يثبت عليه طلاق ولا عتاق لأن حكم الحنث غير حكم المال.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يثبت هنا بشاهد ويمين؟ فيه قولان وهذا غريب وقال في مسألة الغصب نص الشافعي على ما ذكرنا وقال ابن سريج للمسألة حالتان: إحداهما أن يثبت الغصب أولًا بشاهد ويمين ثم حلف هو [12/ 149 ب] بطلاق زوجته طلقت امرأته لأنا حكمنا بثبوت الغصب، وإن حلف أولًا ثم ثبت الغصب بشاهد ويمين لا يقع الطلاق وهو صورة مسألة الشافعي، فإن قيل: ألا قلتم إذا ادعى قتل عمد يثبت بشاهد ويمين الدية دون القود كما يثبت المال المسروق دون القطع؟! قلنا: الواجب في قتل العمد القود في أحد القولين والدية بدل عنه ولا يثبت البدل إلا إذا ثبت المبدل، وعلى القول الآخر موجبه أحد شيئين لا بعينه فلا يتعين إلا بالاختيار أو بالتعذر، فأما بالبينة فلا يتعين وفي السرقة ينفرد وجوب الغرم على القطع فيجوز أن يثبت به الغرم دون القطع.
الجزء: 14 - الصفحة: 159
فرع
قال في "الأم": إذا رمى سهمًا إلى رجل فأصابه ثم نفذ عنه فأصاب آخر فقتله فالثاني خطأ ولا يثبت هذا الثاني بشاهد ويمين، قال: وفيه قول آخر لا يثبت لأنه لا يثبت الثاني إلا بعد ثبوت الأول الذي هو عمد والجناية واحدة، والأول أصح لأن الثانية خطأ محض والأول يوجب القصاص ولا يجوز ثبوته بشاهد ويمين إلا أن الشاهد يكون لوثًا فيه فيحلف معه خمسين يمينًا، ثم هل يستحق بها القصاص قولان.
مسألة: قال: "ولو أقام شاهدًا على جاريةٍ أنها له وأن ابنها ولد منه"
الفصل
صورة المسألة: [12/ 150] أن يكون في يد رجل جارية لها ولد فادعى رجل أن الجارية كانت له، وأنه استولدها في ملكه وولدها منه وأقام على ذلك شاهدًا وامرأتين، أو شاهدًا وحلف معه فأما الأم يحكم بها لأن أم الولد في حكم المملوكة فإذا ادعاها كان بمنزلة الدعوى في الأمة القن، فإذا ثبت أنه يحكم بها فإنها تسلم إليه ويحكم بأنها أم ولده وتعتق بموته لأنه أقر بذلك، وأما الولد فهو يدعي أن نسبه ثابت منه وأنه حر فهل يحكم بذلك؟ فيه قولان منصوصان أحدهما: قاله في "الأم"، ونقله المزني لا يحكم به لأنه لا يدعي ملكًا وإنما يدعي نسبًا وحرية وذلك لا يثبت به الشهادة.
والثاني: يحكم له بذلك لأنه نماء الأم فكان تابعًا لها فإن من ملك الأصل يحب أن يكون النماء له على طريق التبع قال المزني: هذا أشبه بقوله الذي لم يختلف في مسألة أخرى.
وهي قوله لو أقام شاهدًا على عبد في يد رجل يسترقه أنه كان عبدًا له فأعتقه ثم عصبه هذا بعد العتق حلف أخذه وكان مولىً له.
قال المزني: فهو لا يأخذه مولاه على أن يسترقه كما لا يأخذه ابنه على أن يسترقه، فإذا أجازه في المولى لزمه في الابن.
والجواب أن أصحابنا اختلفوا في هذا فمنهم من قال: هما سواء ففيهما قولان، ومن أصحابنا [12/ 150 ب] من سلم وفرق بأن هناك يدعي ملك العبد وأنه تصرف فيه بالعتق والتصرف في الملك لا يثبت إلا بعد ثبوت الملك، فإذا أثبتنا ملكه بالشاهد أعتقناه بإقراره كما إذا شهد شاهدان على رجل أنه أعتق عبدًا فردت شهادتهما فاشترياه منه عتق عليهما بإقرارها المتقدم، وأما الابن فإنه يخالف في ذلك لأنه لا يدعي ملكه بحال وإنما يدعي أنه خلق حرًا أو أنه ابنه والحرية والنسب لا يثبتان بالشاهد واليمين، قال أبو إسحاق: والفرق بينهما أوضح من تخريجهما على القولين.
قال القفال: وعلى هذا لو قال: استولدتها بالنكاح وهي ملك، ثم اشتريتها وولدها منك فيعتق الولد على أو وهبتها لي ونحو ذلك قبلنا شاهدًا ويمينًا ويثبت العتق بإقراره
الجزء: 14 - الصفحة: 160
كمسألة العتق سواء، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا لا يعتق الولد ولكن هل يثبت النسب بإقرار المدعي؟ فيه قولان قال في "كتاب الدعاوي" لا يثبت وقال في التقاط المنبوذ يثبت وهذا ليس بشيء.
مسألة: قال: "ولو أقام شاهدًا أن أباه تصدق بهذه الدار صدقة مُحرمة".
الفصل
في هذه المسألة فصول كثيرة، وجملتها أن الشافعي رضي الله عنه هنا نص على أن الوقف يثبت [12/ 151 أ] بالشاهد واليمين، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال على القول الذي يقول الرقبة تنتقل إلى الموقوف عليه فأما إذا قلنا: الرقبة لله تعالى فلا يثبت بشاهد ويمين، وعلى هذا عامة أصحابنا وقال ابن سريج: يثبت به على القولين جميعًا، والفرق بين العتق والوقف أن القصد من العتق كمال أحكامه في الشهادات والعبادات والكفارات والحدود وليس كذلك الوقف؛ لأن القصد منه تمليك العلة والمنفعة لا مقصود له غيره، وهذا مال فجاز أن يثبت بالشاهد واليمين، فإذا تقرر هذا نقول: اختلف أصحابنا في صورة المسألة التي نقلها المزني.
فقال أبو إسحاق وابن سريج وجماعة: صورتها أن يموت رجل ويخلف ثلاثة بنين وزوجة وأبوين فادعى الأولاد الثلاثة أن دارًا أو ضيعة من جملة تركة أبيهم وقف عليهم وقفها أبوهم دون سائر الورثة وأقاموا على ذلك شاهدًا واحدًا، فأما إذا كانت الدار في يد أجنبي يتصرف فيها فقالوا: هذه الدار وقف علينا وقفها أبوك وهي في يدك بغصب لا يحكم لهم بها بالشاهد واليمين، وهذا مثل ما حكي المزني عن الشافعي أنه قال في رجل يدعي على رجل عبدًا في يده أنه أعتقه وأن له عليه ولاءً وأقام على ذلك شاهدًا وحلف معه وحكم له قولًا واحدًا لأنه يثبث به الملك، فإذا ملكه صار حرًا [12/ 151 ب] بإقراره فكذلك هنا يحكم له به ويصير وقفًا بإقرارهم، ومن أصحابنا من قال: هو اختيار ابن أبي هريرة صورة هذه المسألة أن يدعي الأولاد الثلاثة على رجل مات أبوه وخلف من جملة التركة دارًا أو ضيعة فيقولون: إن هذه الدار وقف علينا وقفها علينا وأقاموا شاهدًا واحدًا فمن قال هذا قال الذي يدل على أن مراد الشافعي هذا دليلان: أحدهما: أن الشافعي قال فمن حلف منهم مع شاهده حكم له وصار ما بقي ميراثًا بينهم وإذا كانت الدار في أيدي الأولاد الثلاثة فمن لم يحلف لا يصير الباقي بينهم ميراثًا ولكن يجعل نصيب كل واحد منهم وقفًا بإقراره وإقرار جميع الورثة بالوقفية صار كلها وقفًا بإقرارهم ولا يحتاج إلى الشهادة.
والثاني: أنه قال: وإن حلفوا معًا خرجت الدار من ملك صاحبها والظاهر من هذا أنه المدعي دون المدعي عليه، فإن المدعي عليه لم يجز له ذكر والباقي، فإن (أبى)
الجزء: 14 - الصفحة: 161
أخواه أن يحلفا فنصيبه منها وهو الثلث صدقة على ما شهد به شاهده ثم نصيبه على ما تصدق به أبوه عليه بعده وبعد أخويه وهذا نص على قول أبي إسحاق.
فأما قول الشافعي رضي الله عنه وكان ما بقي ميراثًا فصحيح فإنا نقسم بين جميع الورثة على فرائض الله تعالى فإن كانت للميت وصايا أو كانت عليه ديون [12/ 152 أ] قضاها ونفذنا الوصايا، وإن لم يكن قسمناه بينهم ثم نجعل نصيب كل واحد ممن ادعى أنه وقف ونكل عن اليمين وقفًا بإقراره ونصيب من لم يدع أنه وقف طلق في يده هذا كما نقول فيمن شهد على رجل أنه أعتق عبده فردت شهادته فاشتراه منه ملكه بالشراء عتق عليه بإقراره الأول فقد صار الكل ميراثًا من نصيب من لم يدع الوقف وهو من عدا الأولاد.
وأما قوله: أخرجت الدار من ملك صاحبها إلى من جعلت له جماعة تفقد بفقد الوقف فلم يكن فيه دليل على ما قاله، فإذا ثبت أن صورة المسألة ما ذكرناه، وادعى الأولاد الثلاثة أن الدار وقف عليهم فإذا انقرضوا فعلى أولادهم أو على المساكين وأقاموا شاهدًا واحدًا فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
إما أن يخلفوا، وإما أن يتكلموا، وإما أن يحلف بعضهم وينكل بعضهم، فإن حلفوا صارت الدار وقفًا عليهم تكون منفعتها بينهم أثلاثًا، فإن ماتوا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يموتوا دفعة واحدة، أو يموت بعضهم دون بعض، فإن ماتوا دفعة واحدة انتقل الوقف إلى البطن الثاني، والمذهب أنهم لا يحتاجون إلى اليمين لأن الشافعي قال: فإن جاء بعدهم أحد قام مقام الوارث أي ولد الوالد قام مقام والده، وقد ثبت أن الوارث لا يحتاج إلى اليمين فما ثبت لمورثه [12/ 152 ب] بالشاهد واليمين وهذا اختيار أبي إسحاق وجماعة، ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار ابن سريج يحلفون ولا يستحقون إلا بيمين، لأن البطن الثاني إذا كان مع البطن الأول في الوقف سواء لم يستحقوا إلا مع الأيمان، فكذلك إذا كانوا وحدهم وهذا غلط؛ لأنهم وإن تلقوه من جهة الواقف إلا أن بينهم وبينهم واسطة أثبتوه وقفًا فلا تحتاج إلى إثبات آخر.
وقال القفال: فيه قولان مبنيان على أنهم يتلقون الوقف عن آبائهم أو عن الواقف، فإن قلنا عن الواقف يلزمهم اليمين، وإن قلنا عن آبائهم فلا يمين عليهم وفي هذا نظر ولا يصح عندي.
وأما قول ذلك القائل أنهم إذا كانوا في درجة البطن الأول قلنا: الفرق أنهم إذا كانوا مع البطن الأول فليس بينهم وبين الواقف واسطة بل كل واحد منهم أصل بنفسه وليس كذلك هنا على ما ذكرنا، وكذلك الكلام في البطن الثاني إلى أن ينتهي إلى الفقراء والمساكين، فإذا انتهى إليهم فإن قلنا بالمذهب الصحيح يأخذون من غير يمين فالفقراء بذلك أولى، وإن قلنا بقول بعض أصحابنا أن البطن الثاني لا يستحقون إلا بيمين فالفقراء لا يمكن إحلافهم لأنهم غير محصورين فكيف يكون حكم الوقف [12/ 153 أ] فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: يبطل ويعود ملكًا مطلقًا لورثة الواقف وهذا اختيار
الجزء: 14 - الصفحة: 162
ابن سريج ومن مذهبه أن الوقف المقدر بمدة يجوز، وإن كان الشافعي رضي الله عنه: لا يجوزه ووجه هذا القول أن الفقراء لا يتعينون فيه فلا يمكن إحلاف المستحق، وإذا لم يحلفوا لا يثبت كما لو امتنع البطن الثاني من اليمين.
والثاني: يرجع الواقف إلى أقرب الناس بالواقف كما لو عدم الفقراء فهو كالوقف المنقطع.
والثالث: يرجع إلى الفقراء من غير يمين الضرورة الداعية إلى ترك اليمين ولا يمكن إبطال الوقف بعد صحته يتعذر لا من جهة الموقف عليه، وإن مات بعضهم واحدًا بعد واحد عاد نصيبه إلى إخوته وإن كان الواقف أطلق الشرط ففيه وجهان:
أحدهما: إلى من في درجته، والثاني: يستحقه المساكين حتى ينقرض جميعهم ثم يستحقه البطن الثاني، فإذا قلنا: يعود إلى الباقين من الثلاثة فهل يحلفان.
قال بعض أصحابنا: المذهب أنهما لا يحلفان، ومن أصحابنا من قال يحلفان على ما ذكرنا في البطن الثاني وهذه الطريقة اختيار القاضي الطبري، ومن أصحابنا من قال وهو اختيار القاضي أبي حامد إن قلنا: البطن الثاني لا يحلفون فهناك أولى أن لا يحلفوا، وإن قلنا: هناك يحلفون فهنا وجهان والفرق أن البطن الثاني لم يكن من أهل الوقف [12/ 153 ب] ولم يحلفوا على إثباته فلا ينتقل إليهم إلا بعد اليمين وهما الأخوان حلفا وصارا من أهل الوقف باليمين فلا يحتاجان إلى اليمين مرة أخرى هذا إذا حلف الجميع، فإن حلف أحد الأولاد ونكل الآخران فإن ثلث الدار تكون وقفًا على الحالف بيمينه مع الشاهد ويكون الثلثان بين سائر الورثة ثم يجعل حق الاثنين وقفًا بإقرارهما، ولا يدخل الحالف معهم في قيمة الثلثين لأن يقر بأنها وقف على أخويه لا يجوز لأحد تملكها، فإن مات هذا الحالف فلا يخلو إما أن يموت قبل موت الأخوين أو بعده، فإن مات بعد موت الأخوين انتقل حقه من الوقف إلى البطن الثاني، وهل تحتاجون إلى اليمين؟ فعلى ما ذكرنا، وإن مات قبل الأخوين فالذي نص عليه الشافعي أن الثلث الذي حكمنا بوقفه يرجع إلى البطن الثاني وهو الصحيح وأومأ إليه في "الأم" لأن الولدين أسقطا حقهما من الوقف بالنكول فصارا كالمعدومين ووجودهما وعدمهما سواء ومن أصحابنا من قال: يرجع إلى الأخوين لأنه لا يمكن نقله إلى ولد الولد لعدم شرط النقل وهو انقراض الولد فكان أخواه أحق به، وهل يحتاج إلى اليمين؟.
وجهان فإن قيل: الأخوان أبطلا حقهما وتركاه بالنكول فيكف يرجع إليهما؟ قيل: لم ينكراه ولكنهما عجزا عن إقامة البينة كما في الديون يحلف [12/ 154 أ] بعض الورثة ثم ينكل البعض ثم يموت الحالف فيرثه الناكل، وقيل: هذا تخريج من القولين فيمن وقف على زيد ثم من بعده على عمرو فلم يقبل زيد فيه قولان: أحدهما: يبطل عن عمرو أيضًا، والثاني: لا يبطل ويصرف إلى أقرب الناس بالواقف إلى أن يموت زيد ثم يصرف على عمرو، ومن أصحابنا من قال يرجع نصيب الحالف إلى أقرب الناس بالواقف ما دام الأخوان حيين، فإذا مات صرف إلى البطن الثاني لأنه لا يمكن نقله إلى
الجزء: 14 - الصفحة: 163
الأخوين لأنهما أسقطا حقهما بالنكول ولا يمكن نقله إلى ولد الولد لأن شرط النقل لم يوجد فكان أهل الواقف أحق به وهل يستوي فيه الأغنياء والفقراء أو يختص به الفقراء؟ قولان قال هذا القائل: وهذا لأن الشافعي رضي الله عنه قال هنا: تم نصيبه من تصدق به أبوه عليه بعده وبعد أخويه ولم ينتقل في الحال، ومن قال بالأول، قال معناه: أن أباه هكذا ذكر في وقفه أن الشافعي جعل هذا من جوابه في الفتوى فيدفع في الحال إلى ولد الولد.
وإن مات الأخوان الناكلان لا يخلو موتهما من أحد أمرين، إما أن يموتا قبل موت الأخ الحالف أو بعده فإن كان قبله فإن نصيبهما الذي حكم بكونه وقفًا بإقرارهما يكون للولد الحالف لأنهما أقرا أنه من أهل الوقف، وقد حلف عليه، ولا يمكن صرفه إلى ولد الولد لأن شرط الانتقال [12/ 154 ب] لم يوجد ثم إذا انقرض الولد ينتقل إلى ولد الولد لوجود شرط النقل، وإن كان موتهما بعد موت الحالف فقال الأولاد: نحن نحلف على ما أتى عليه آباءنا قال الشافعي رضي الله عنه فيه قولان:
أحدهما: ليس لهم لأن الولد أصل وولد الولد تبع لهم، فإذا لم يثبت الوقف للأصل لم يثبت للتابع، والثاني: لهم ذلك لأنهم يأخذون من الواقف الوقف كالولد فلما كان للولد الحلف فكذلك لولد الولد، وقد قال الشافعي هذا أصح القولين وبه أقول، فقال بعض أصحابنا: إذا اختار الشافعي هذا القول فوجب أن يسقط القول الآخر، فإن قيل قد قلتم البطن الأول إذا حلف وثبت الوقف لا يحتاج البطن الثاني إلى اليمين فكذلك إذا بطل في البطن الأول وجب أن يبطل في البطن الثاني، وإذا لم يثبت في البطن الأول لا يجوز أن يثبت في البطن الثاني إلى اليمين، فكذلك إذا بطل في البطن الأول يقتضي ثبوته على ما شرطه الواقف.
ومن شرطه تأييده وانتقاله من بطن إلى البطن الذي بعده وليس كذلك إذا لم يثبت لامتناعهم من اليمين، فإنه لا يثبت في حقهم لنكول من جهتهم يختصون به فلم يكن هذا متعديًا إلى من بعدهم، واختلف أصحابنا في هذين القولين على أي أصل ينبني فمنهم من قال أصلهما أن الوقف إذا كان منقطع الابتداء معلوم الانتهاء هل يصح؟ قولان فإن قلنا: يصح [12/ 155 أ] كان يولد الولد أن يحلفوا لأن الوقف هنا قد انقطع في الابتداء على الولد وذلك لا يؤثر في إبطاله على هذا القول، وإذا قلنا الوقف باطل لم يكن لهم أن يحلفوا لأن الوقف قد بطل بانقطاعه في حق الولد فلم يكن لولد الولد أن يحلفوا عليه، ومنهم من قال هذان القولان أصل بأنفسهما إلا أنهما مبنيان لأن مسألة القولين إذا كان أصله باطلًا في الابتداء وهذا الوقف ليس باطل في الابتداء بل هو صحيح، ألا ترى أن الولد لو حلف عليه صح ذلك فلا يمكن بناء هذه المسألة على ذلك.
وقال القفال: هذان القولان مبنيان على ما ذكرنا في كيفية التلقي، فإن قلنا: يتلقى أولاد الولد عن آبائهم لم يكن لهم أن يحلفوا لأن الأب قد أبطل الحق بالنكول، وإن
الجزء: 14 - الصفحة: 164
قلنا بالقول الأخير يحلفون، ولفظ تعليله لهذا القول مشكل وهو قوله من قبل إنهم إنما يملكون إذا حلفوا بعد ثبوت الذي جعل له ملكًا إذا مات وإنما يصح هذا الكلام بتقديم وتأخير وزيادة وإيجاز، وتقديره مع الإضمار كأنه قال من قبل إنهم إذا حلفوا بعد موت الذي جعل له ملك يعني الناكل إنما يملكون إذا مات الناكل عن الواقف فمعنى الكلام أنهم يتلقون الملك عن الواقف لا عن الناكل.
فإذا استقر القولان فيها إما بناء وإما أصلًا اختلف أصحابنا في موضع القولين على وجهين قال [12/ 155 ب] أبو إسحاق إن كان البطن الأول باقين لم يكن للبطن الثاني أن يحلفوا قولًا واحدًا فإن انقرضوا فحينئذٍ قولان، وقال ابن أبي هريرة بالعكس وهو أنه إذا انقرض البطن الأول كان للبطن الثاني أن يحلفوا قولًا واحدًا، وإن كانوا باقيين فهل يحلفون؟ فيه قولان والطريق أشبه بالصواب لأن ترتيب البطون يمنع من استحقاق الثاني مع بقاء الأول.
وإن نكل الجميع من اليمين مع شاهدهم تكون الدار بعد إحلاف بقية الورثة تركة في الظاهر فإن كان على الميت ديون يستوعبها قضيت من ثمنها وبطل الوقف، وإن لم تكن ديون وكانت وصايا أمضى من وصاياه ما احتمل الثلث، وإن لم يكن ذلك كانت ميراثًا بين كل الورثة ويملك هؤلاء الأخوة الثلاثة ميراثهم منها وتصير وقفًا بإقرارهم، فإذا انقرضوا انتقل الوقف إلى البطن الثاني بغير يمين، وكذلك من بعدهم من البطون وبقية الدار ملك مطلق لبقية الورثة، فإن مات الباقون من الورثة وعاد نصيبهم إلى الأخوة فادعوا وقف بقيتها عليهم بعد انبرام الحكم مع من تقدمهم فإن ادعوا عليهم بوقفيتها صحت الدعوى عليهم لأنهم لو اعترفوا بوقفها صار وقفًا، وإن لم يدعوا علمهم لم تصح الدعوى عليهم لأن انبرام الحكم مع تقدمهم أسقط دعواهم.
ولو أراد البطن الثاني [12/ 156 أ] أن يحلفوا عند نكول البطن الأول فيه قولان على ما ذكرنا.
ولو كانت الإخوة الثلاثة عند ادعاء الوقف ورثة الواقف ولا يشركهم غيرهم صار وقفًا بإقرارهم على ما ذكرنا، وانتقل الوقف عنهم إلى البطن الثاني وما يليه بغير يمين، فإن كان على الواقف دين يحيط بالتركة، فإن قضوه من مالهم خلص الوقف، وإن لم يقضوه فلابد من البينة، ونظر فإن كان الوقف في المرض في المرض بطل لأنه وصيته تبطل باستقرار الديون وإن كان في الصحة سمعت بينتهم، وثبت بالشاهد واليمين، وإن عدمت البينة حلف أرباب الديون وصرف في ديونهم، فإن نكلوا ردت على الورثة، فإن حلفوا ثبت الوقف، وإن نكلوا صرف في أرباب الديون.
وأما تصوير المسألة على الوجه الثاني فإن صدقهم وارث الأجنبي فالدار وقف عليهم كما ادعوا وتنتقل عنه إلى البطن الثاني بلا يمين، فإن أكذبهم الوارث وأقاموا شاهدًا حلفوا معه والحكم كما ذكرنا في الصورة الأولى إلا في حكم واحد وهو أنهم إذا نكلوا عن اليمين مع شاهدهم صار جميعها ملكًا مطلقًا للوارث، ولو كانت من أبيهم بقدر مواريث منها وقف عليهم بإقرارهم.
الجزء: 14 - الصفحة: 165
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: وعلى أولادهم وأولاد أولادهم ما تناسلوا [12/ 156 ب] إلا بيمينه في الوقف مقرون على الواقف وفي غير الوقف مقرون على أنفسهم ولأن في الوقف حقًا للبطن الثاني فلم ينفذ إقراره عليهم وليس في الملك حقًا لغيرهم، وعلى هذا لو حدث خامس وقف له خمس الوقف علي يمينه بعد البلوغ استحق الرابع الربع قبل حدوث الخامس، واستحق الخمس بعد حدوثه، واستحق الخامس الخمس لا غير، وإن نكلا رد الموقوف على الإخوة الثلاثة.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر سقط حق الناكل وقضي للحالف بما حلف، ولو مات الحالف الموقوف سهمه قبل بلوغه أو إفاقته تقوم ورثته مقامه فيحلفون ويستحقون، أو ينكلون فيرد على أهل الوقف، ثم وارث هذا الميت إن كان عمومته الثلاثة الذين حلفوا فهل يلزمهم في ميراث سهمه يمينًا أخرى؟ فيه وجهان ذكرناها في الوقف المرتب.
وإن كان ورثة الميت ممن لا مدخل لهم في الوقف كالزوجة والأم والجدة والإخوة والأخوات للأم فلا حق في سهم الموقوف إلا بعد أيمانهم لأن الميت ما كان يستحق إلا بيمينه، فإن حلفوا استحقوا كل الموقوف، وإن حلف بعضهم ونكل بعضهم استحق الحالف منهم قدر نصيبه ورد نصيب من لم يحلف على الإخوة الثلاثة.
وإن كان وارثه ممن يدخل في الوقف كموت المجنون عن ولد فيوقف ما ورثه [12/ 157 أ] من سهم أبيه على يمينه بعد بلوغه فيصير الموقوف له سهمين، سهم أبيه وسهم أخيه، فإذا بلغ ففي يمينه وجهان:
أحدهما: يحلف يمينًا واحدة على استحقاقه لسهم نفسه فيستحق بها سهم أبيه وسهم نفسه إذ إن عمومته لو ورثوه لم يحلفوا، فإن حلف على استحقاقه سهم أبيه استحقه ولم يستحق سهم نفسه لأنه قد يستحق سهم أبيه من ليس من أهل الوقف، والثاني: يحلف بيمينين يستحق بأحدهما سهم أبيه، ويستحق بالأخرى سهم نفسه إذا قلنا إن عمومته لو ورثوه حلفوا، وإذا كان كذلك فله أربعة أحوال: أحدها: أن يحلف يمينين يستحق بهما السهمين، والثاني: ينكل عن اليمينين ولا يستحق السهمين، والثالث: أن يحلف على سهم أبيه دون سهم نفسه فيستحق سهم أبيه ولا يستحق سهم نفسه ويخرج أن يكون من أهل أبيه ويرد على الإخوة الثلاثة.
واعلم أن معنى قوله هذا إذا حدث لواحد منهم ولد دخل النقص على جميعهم إما نأخذ الربع من كرى الوقف ونجعله موقوفًا حتى يبلغ هذا، وإن نكل هذا الذي يبلغ عن اليمين أبطلنا حقه، وهو معنى قوله: أو يدع فيبطل حقه، فإذا بطل حقه أخذنا الكري الموقوف في هذه المدة الماضية فقسمناه على هؤلاء الثلاثة البالغين الذين أنقصنا حقوقهم في هذه المدة بسبب الولد بالسوية [12/ 157 ب] وهذا معنى قوله ويرد كرى ما
الجزء: 14 - الصفحة: 166
وقف من حقه على الذين انتقصوا من أجل حقوقهم وإنما قسمنا هذا المردود بالسوية لأنهم يستحقون أصل الوقف بالسوية.
ولو أن واحدًا من الإخوة الثلاثة الذين نقصنا حقوقهم مات والمولود ابن سبع سنين لم يبلغ بعد وقفنا للمولود من هذا الوقف ثلث الكرى إلى أوان بلوغه لأنه ثالثهم وإلى الآن كان ربع الكرى لأنه كان رابعهم ثم هذا المولود لو بلغ ولم يخلف وجب قسمة الثلث الموقوف بعد موت أحد الإخوة مقسومًا على الأخوين الباقيين لا نصيب لوارث الميت فيه إذا لم يكن ورثته من أولاده، وأما الربع الذي كان موقوفًا قبل موت الميت فإنه يقسم على ثلاثة أسهم سهمان لهذين الأخوين، وسهم لورثة الأخ الميت لأنه كان منقوصًا من نصيب الثلاثة جميعًا.
وقد اختصر المزني بيان القسمة غاية الاختصار حتى قرب من الاختلال فقال: فإن مات من المنقوص بيان القسمة غاية الاختصار حتى قرب من الاختلال فقال: فإن مات من المنقوص حقوقهم أحد في نصف عمر الذي وقف له أن يبلغ رد حصة الموقوف على المنقوص حقوقهم أحد في نصف عمر الذي وقف له أن يبلغ رد حصة الموقوف على من معه من الحبس يعني رد الثلث الموقوف على الأخوين، ثم قال: وأعطي ورثة الميت منهم بقدر ما استحق يعني من الربع الموقوف قبل موته فما رد على الميت بقدر حصته على ورثته، ولم يذكر المزني هنا نكول المولود بعد بلوغه لأنه عطف هذه الجملة على نكوله في سابق كلامه [12/ 158 أ] حين مات فيحلف ويأخذ أو يدع فيبطل حقه فمع هذا البيان لا يبقى الإشكال في شرح الألفاظ التي ذكر في الكتاب ومعنى قوله في نصف عمر الذي وقف إلى أن يبلغ أراد به إذا مات أحد البنين الثلاثة بعد مضي سبع سنين ونصف سنة على المولود لأن البلوغ يحصل باستكمال خمس عشرة سنة.
فإذا تقرر هذا نقول: سأل المزني سؤالين: أحدهما: قال: لا يجوز أن يقضي في الوقف بالشاهد واليمين كما لا يجوز ذلك في العتق، وعلق على هذا الفصل حكمًا آخر وهو أن الوقف غير مملوك الرقبة وهذا أحد القولين قلنا له: إنك عرفت للشافعي قولًا مشهورًا في رقبة الوقف أنها ملك للموقوف عليه فكيف نسيت هذا القول، ولا إشكال على هذا القول أنه يثبت بشاهد ويمين، وإن قلنا بالقول الآخر فالصحيح ما ذكرنا من الفرق بين العتق والوقف وهو أن المقصود بالوقف تملك منافعه التي هي أموال بخلاف العتق.
والسؤال الثاني قال: إذا كان الوقف مشتركًا بين البطن الأول والثاني فولد لواحد منهم ولد وقف له الربع فلما بلغ نكل عن اليمين وجب أن لا يرد نصيبه عليهم لأنهم يقرون بأنه له دونهم لا حق لهم فيه وينبغي أن يبقى موقوفًا حتى يحلف أو يموت فيقوم وارثه مقامه لأنه حرام على الإخوة بإقرارهم وهذا سؤال جيد [12/ 158 ب] وإنما أورده الشافعي رضي الله عنه على وجه المعارضة دون الإنكار عليهم، والثاني يحلفه على العلم دون القطع فيحلف بالله ولا يعلم أنه آبق لأنه غاية ما يقدر عليه.
قال محمد بن إلياس من هذا بدًا غير أن الزهري أنكرها يحتمل أنه قال لا يجب الناس من اليمين على البراءة من الإباق بدًا فقال الشافعي ولابد من هذا الذي نحن فيه أيضًا ويحتمل أن محمدًا قال لا يجد الناس من اليمين والشاهد بدًا غير أن الزهري أنكر ذلك فعارضه الشافعي فقال: قضي بهذا الزهري حين ولي القضاء، ثم قال بإنكاره لا يرد
الجزء: 14 - الصفحة: 167
الخبر لأن عليًا أو زيدًا أو ابن عمر رضي الله عنهم أنكروا خبر بروع بنت واشق حين رواه معقل بن يسار ثم لم يردوا الخبر بإنكارهم ثم يحتمل أن الزهري أنكره في الجراح لا في الأموال، ثم قال الشافعي: وقلت له: وكيف حكمت بشهادة المرأة الواحدة في الاستهلال مما يطلع عليه الرجال ثم أنكرت الحكم بشاهد ويمين فإن قلت: الحكم بالشاهد واليمين زيادة في النص فشهادة القابلة كذلك ثم قال: أم كيف حكمت على أهل في القسامة وعلى عواقلهم بدية الموجود قتيلًا في محلتهم وزعمت أن القرآن يحرم أن يجوز أقل من شاهدين أو شاهد وامرأتين، وزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل اليمين براءة [12/ 159 أ] من حلف، وأما إفادتهم اليمين في القسامة فخالفت في جملة قولك الكتاب والسنة وكما جاز أن يثبت الحق مع اليمين هناك جاز لنا نظير ذلك هنا.
ثم ناظر في القسامة فقال: أرأيت لو قال لك أهل المحلة: أتدعي علينا فأحلفت جميعنا وأبرأنا قال لا أحلفهم إذا جاوزوا خمسين رجلًا ولكن أحلف منهم خمسين ولا أبرئهم بأيمانهم.
القود لا تجري عندك في القسامة والمال لا يندفع عنهم بالإيمان فلا فائدة في هذا الإيمان قال: روينا ذلك عن عمر رضي الله عنه يعنون بذلك أنهم قالوا لعمر رضي الله عنه: ما وقت أموالنا أيماننا ولا أيماننا أموالنا قلت: فإن كان ذلك لا يجوز على عمر رضي الله عنه أن يخالف الكتاب والسنة قال: لا يجوز أن أتهم من أثق به من الرواة الذين رووا هذا الحديث عن عمر رضي الله عنه ولكن أقول بالكتاب والسنة الكتاب والسنة مذهب أبي حنيفة وقولنا القديم جواز تخصيص الكتاب والسنة الكتاب والسنة مذهب أبي حنيفة وقولنا القديم جواز تخصيص الكتاب والسنة بقول الصحابي: قلت: فلم يجز لنا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم [12/ 159 ب] ما أجزت لنفسك من قول عمر يعني إذا جوزت تخصيص الكتاب والسنة بقول الصحابي فلم لا يجوز ذلك بما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "قضى باليمين مع الشاهد" ثم قال: لكن قد رويتم هذا الحديث عن عمر رضي الله عنه أنه كتب في القسامة فجلبهم إلى مكة من مسيرة اثنين وعشرين يومًا وأحلفهم في الحجر وقضى عليهم بالدية فقالوا: ما وقت إيماننا أموالنا ولا أموالنا ولا أموالنا إيماننا فقال: حقنتم بإيمانكم دمائكم فخالفتم في ذلك عمر لأنكم لا ترون تغليط اليمين بالمكان ولا أنه يستدعي الخصم من مسيره اثنين وعشرين يومًا.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه بدأ في القسامة بالمدعي عليهم ثم ردها المدعي عليهم على المدعين، وأنتم لا ترون الرد فلا أنتم أخذتم بكل قول عمر ولا تركتموه، وقد دل قول عمر علي صورة مسألتهم كيف كانت حيث قال: حقنت إيمانكم دمائكم وصورتها أن المدعي ادعى عليهم قتل العمد وكانوا معترفين بقتل الخطأ فحلفوا أنهم كانوا غير عامدين فحقنوا بأيمانهم دمائهم ولزمتهم الدية بإقرارهم ونحن نروي بالإسناد الصحيح "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بدأ في القسامة بالمدعيين فلما لم يحلفوا قال: تبرئكم يهود [12/ 160 أ] بخمسين يمينًا" أو قال تبرئكم يهود فلا يكون عليهم غرم.
ثم قال: وقد أجزتم شهادة أهل الذمة وهم غير الذين شرط الله تعالى أن تجوز شهادتهم، وقد قال أيضًا من رجالكم والكفار لبسوا من رجالنا ورددت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمين مع
الجزء: 14 - الصفحة: 168
الشاهد وهذا معارضة قال: فأنا أجيز شهادة أهل الذمة بالكتاب قال الله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعني من المشركين قلت: سمعت من أرضي من أهل العلم يقول من غيركم أي: من غير قبيلتكم من المسلمين ويحتج بقوله تعالى: تحسبونهما من بعد الصلاة والكافر لا يعظم وقت صلاتنا قلت: والمنزل فيه هذه الآية رجل من العرب وهو في شهادة مشركي العرب وأهل الأوثان فأجر شهادة مشركي العرب بعضهم على بعض قال: لا أجيز إلا شهادة أهل الكتاب قلت: فإن قال لك قائل أهل الكتاب على وصية مسلم كما زعمت أنها في القرآن قال: لا أنها منسوخة قلت: بماذا قال: بقوله تعالى: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: الآية 2].
قلت: فقد زعمت بلسانك أنك خالفت القرآن إذ لم يجز الله تعالى إلا مسلمًا وأجزت كافرًا واعترفت بأن تلك الآية منسوخة فكيف يجوز [12/ 160 ب] في المال إلا أن يكثر، فأما إذا كان العبد يحلف ابتداء وردت اليمين عليه فإنه يغلظ ولا تعتبر القيمة لأن العتق يثبت بيمينه لا المال، وإنما عممنا ما ليس بمال هذا الحكم لارتفاع درجته.
. . المال وكذلك يغلظ في دعوى الولادة والرضاع لقوة الأمر فيه حتى قبلنا فيه أربعة نسوة ولا يقبل ذلك في المال وليس ذلك لضعفه بل لأن الرجال لا يطلعون عليها غالبًا فجوزنا شهادتهن بالإنفراد للضرورة، وقال في "الحاوي": اختلف أصحابنا في علة التغليظ بعشرين دينارًا فقال بعضهم: لأنها نصاب في الزكاة ليكون المقدار معتبرًا بأصل مشروع فعلي هذا في الدراهم تغليط بمائتي درهم وفي الغنم بأربعين شاة وفي البقر بثلاثين بقرة وفق الحبوب في خمسة أوسق، وفي الإبل في خمس من الإبل وإن لم يبلغ عشرين دينارًا، والثاني أنه قدر بالعشرين لأنه أصل عن توقيف أو اجتهاد لا يعتبر بغير مصلحة هذا في الدراهم والمواشي لا يغلظ إلا أن يكون قيمتها عشرين دينارًا من غالب دنانير البلد الخالصة من الغش.
وقال ابن جرير: تغلظ اليمين في كل قليل وكثير كالبنية تغلظ بالعدد في القليل والكثير، فإذا تقرر هذا نقول إن كان بمكة حلف بين البيت والمقام وإن كان بالمدينة [12/ 161 أ] فعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان في بيت المقدس فعند صخرة، وإن كان في سائر البقاع ففي الجوامع التي هي أشرف البقاع وعند المنبر وغيره فيها سواء، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا معنى لتغليظ الأيمان بالمكان ولا يجب ذلك واحتج الشافعي رضي الله عنه بأن هذا قول حكام المكيين ومفتيهم ومن جهتهم أن مسلم بن خالد أخبرني عن ابن جريج عن عكرمة بن عبد الرحمن بن عوف رأي قومًا يحلفون بين المقام والبيت فقال: أعلى دم قالوا: لا قال: أفعلي عظيم من المال قالوا: لا قال: خشيت أن يبها الناس بهذا المقام وروي بهذا البيت، وقال الإمام الجويني: في سماعنا أن يتباها الناس بهذا المكان، وروي يتيها الناس بهذا المقام والمعنى واحد أي يتهاون الناس ويستخفوا به يقال بهأت بالشيء فأنا أبها به فإذا أنسيت به حتى ذهبت هيبته من القلوب في كل شيء آنس به الإنسان فإن هيبته تنقص من القلب.
وكتب ميمون بن مهران إلى يونس بن عبيد أن الناس قد بهوا بكتاب الله تعالى واستحبوا أحاديث
الجزء: 14 - الصفحة: 169
الرجال.
ثم قال الشافعي: فذهبوا إلى أن العظيم من الأموال ما وصفت من عشرين دينارًا فصاعدًا وهذا ذكره ردًا على مالك حيث قال: يغلظ فيما تقطع في اليد ثلاثة دراهم.
[12/ 161 ب] وأيضًا روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحلف أحد على يمين عند منبري هذا ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار" أو قال "وجبت له النار" وروي أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحلف عبد أو أمة عند هذا المنبر على يمين ولو على سواك رطب عامدًا إلا وجبت له النار" وأيضًا روي أبو غطفان قال: اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع في دار إلى مروان بن الحكم فقضى على زيد بن ثابت باليمين فقال له زيد: احلف له مكاني فقال مروان: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق فجعل زيد يحلف أن حقه لحق ويأبي أن يحلف عند المنبر فجعل مروان يعجب من ذلك قال الشافعي: فلو لم يعرف زيد أن اليمين عليه لقال لمروان: ما هذا علي قال الشافعي: وبلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حلف على المنبر في خصومه كانت بينه وبين رجل، وروى الشافعي رضي الله عنه بإسناده عن المهاجر بن أبي أمية قال: كتب أبو بكر رضي الله عنه إلى أن أبعث إلى بقيس بن مكشوح في وثاق فبعثه إليه فأحلفه خمسين يمينًا عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قتل فلانًا [12/ 162 أ] وروي ما قبل دارٍ، وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه أمر بمن اتهم من أعمال يمينه وأرضى صاحبه.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل العلم ببلدنا دار السنة والهجرة وبحرم الله وبحرم الرسول اقتدينا.
قال القفال: ولو حلف في الروضة وهي ما بين القبر والمنبر جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنها روضة من رياض الجنة.
قال الشافعي: وقد روي الذين خالفوا أن عمر رضي الله عنه حلف قومًا من اليمين، فأدخلهم الحجر فكيف أنكروا علينا أن يحلف من بمكة بين الركن والمقام، ومن بالمدينة على المنبر ونحن لا نجلب أحدًا من بلده.
وأما التغليظ بالزمان نص عليه الشافعي رضي الله عنه: وأحب إلى لو حلفه بعد العصر لقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة:106] قيل: أراد به صلاة العصر، وروي أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أحلفهما بعد العصر ما خانا، وروي عن ابن أبي مليكة قال: كتب إلى ابن عباس رضي الله عنهما في جاريتين ضربت إحداهما الأخرى أن احبسهما بعد العصر ثم أقرأ عليهما إلا به ففعل فاعترفت.
وأما الألفاظ أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة [12/ 162 ب] ونحو ذلك، وقال في القسامة: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم خافية الأعين وما تخفي الصدور ويجوز كلاهما ويجب أن يقرأ عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الآية.
قال الشافعي: ورأيتهم يؤكدون بالمصحف وذلك عندي حسن أخبرني بذلك مطرف بن مازن
الجزء: 14 - الصفحة: 170
بإسناده عن عبد الله بن الزبير قال الشافعي: ورأيت مطرف بن مازن بصنعاء يحلف على المصحف ويروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا وهذا لأن المصحف يشتمل على أسماء الله تعالى وكلامه.
وحكي عن بعض أصحابنا أنه قال: يحلفه قائمًا لأن الشافعي ذكر ذلك في اللعان وأما العدد فلا يغلط به إلا في القسامة واللعان على ما ذكرنا دون غيرهما.
فرع
التغليظ هل يكون بطلب الخصم أو يكون ذلك إلى الحاكم؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه إلى الحاكم، والثاني: أنه لم يطلب الخصم لا يؤكد ولأنه رضي بدون حقه.
فرع آخر
التغليظ بالألفاظ والزمان لا يجب بل هو تأكيد واستحباب والتغليظ بالمكان هل يجب؟ فيه قولان لأن الشافعي قال في اللعان: يلاعن على المنبر فإن لاعن في موضع آخر هل يعيد اللعان؟ فيه قولان: أحدهما: يلزم الإعادة لأنه منصوص عليه كالعدد [12/ 163 أ].
والثاني: وهو الصحيح لا يلزم لإعادة لا يتصرف اليمين كالزمان.
وقال في موضع آخر: ولو أخطأ الحاكم في رجل عليه اليمين بين البيت والمقام فأحلفه في غيره فالقول فيه واحد من القولين.
وقال ابن المنذر: أصح مذهبه أنه لا يعاد لأنه حكم قد مضى، وقال ابن أبي أحمد: لا خلاف من أهل العلم أنه القاضي حيث استحلف المدعي عليه في عمله وبلد قضائه جاز والتغليظ بالمكان اختيار وهذا لا يصح لأنا بينا نصه على القولين وقال القفال: لا فرق بين المكان والزمان فهل يجب كلاهما قولان أحدهما: ن يجب حتى الوضع من تأكيد لفظ هل يكون نكولًا فيه وجهان لأن حرمة الزمان والمكان لا توجد في غيره وحرمة اللفظ موجودة في قوله تعالى.
فرع آخر
قال في "الأم": لو حلف لا يحلف بين المقام والبيت أحلف في الحجر ولو حلف لا يحلف في الحجر أحلف عن يمين المقام عند باب البيت ويكون قرب إلى البيت من المقام، قال: ولو قال قائل: يجبر على اليمين بين البيت والمقام وإن حنث كما يجبر على اليمين، وقال القفال: إذا قلنا: إنه اختيار نعرض عليه القاضي فنكل فالصحيح من الوجهين أنه نكول لأنه ليس له رد [12/ 163 ب] لا يغلط عليها بالمكان لأنه إذا لم يجب عليها حضور مجلس الحكم لتعددها وكان ذلك عذرًا لها فكذلك يجب أن يسقط التغليظ بالمكان في يمينها.
فرع
إذا أراد الحاكم أن يحلف المرأة فإن كان الحاكم يعرفها حلفها متنقبة، وإن لم يعرفها فإن شهد شاهدان على أن هذه فلانة بنت فلان أحلفها وسجل بأنه حلف فلانة
الجزء: 14 - الصفحة: 171
بنت فلان بعدما ثبت عنده بشهادة شاهدين أنها فلانة بنت فلان، فإن لم يشهد شاهدان فإنه يكلفها أن تسفر عن وجهها وينظر إليها ثم يحلفها.
فرع آخر
يحلف المرأة على المنبر وتحلف جالسة سترًا لها لأنها عور.
فرع آخر
لو أراد تغليظ اليمين على الزمن الذي لا يقدر على المشي إلى مكان التغليظ فأجرة حمله على المستحلف له لأنه ليس بحق على الحالف وإنما هو حق للمستحق وكانت أجرة عوده على الحالف لأنه يعود في حق نفسه.
فرع آخر
قال في "الأم" لا يجلب رجل إلى مكة ولا إلى المدينة للتحليف بل يستحلفه الحاكم في الموضع الشريف في مكانه، فإن امتنع بجند أو بعز استحضره الإمام ليستحلفه في المكان الأشرف إلا أن يكون بالقرب من موضعه وقبل بلد الإمام قاض يقدر عليه فيستحلفه في المكان الشريف قال بعض أصحابنا: هذا يدل أنه [12/ 164 أ] ليس للمستخلف الامتناع من تغليظ المكان.
مسألة: قال: ويحلف المشركون وأهل الذمة والمستأمنون في الأيمان كما وصفنا يحلف كل واحد منهم بما يعظم من الكتب وحيث ما يعظم من الموضع.
وجملته أنه إذا توجهت اليمين على أهل الذمة تغلظها عليهم اليمين كما تغلظ على المسلمين والغليظ عليهم بالمكان والزمان واللفظ، ولا يختلف أصحابنا أن اليهودي يحلف في الكنائس والنصارى في البيع، وأما المجوسي فمن أصحابنا من قال: لا يحلف في بيت النار لأنهم لا يعظمون البيوت ولا البقاع بوجه وليس لهم كتاب يعظمونه وإنما يعظمون النار دون بيت النار ولا يجوز أن يحلف بالنار فلا يكون في أيمانهم تغليظ بالمكان ولا بالكتاب، ومن أصحابنا من قال: تغلط عليهم اليمين ببيت النار لأنهم إذا عظموا النار عظموا بيتها والموضع الذي يخدمونها فيه فيغلط هذان وهذا أصح، والأول اختيار أبي حامد، فإذا تقرر هذا نقول: يحلف اليهودي والله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى وأنجاه من الغرق وفرعون ونحو ذلك وروي عن كعب بن بشر أنه أدخل يهوديًا الكنيسة ووضع التوراة على رأسه واستحلفه بالله.
وروي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: زنا رجل [12/ 164 ب] من أهل فدك فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود أن سلوا محمدًا عن ذلك وذكر الحديث إلى أن قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صوريا: "أنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وظلل عليهم الغمام وأنجاهم من آل فرعون وأنزل التوراة على موسى، وأنزل المن والسلوى على
الجزء: 14 - الصفحة: 172
بني إسرائيل ما تجدون في التوراة من شأن الرجم" ذكره ابن المنذر وقال: إن ثبت الخبر فإن فيه حجة التغليظ.
ويحلف النصراني فيقول: والله الذي لا إله إلا هو الذي بعث عيسى بالحق وأنزل عليه الإنجيل وجعله يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحلف واحدًا من اليهود فقال: "قل بأيام الله عند نبي إسرائيل" والمراد بأيام الله نعمه عليهم وذاك تأكيد لليمين لا أصل اليمين إذ لا يجوز الحلف بالأيام والنعم.
فرع
يحلف اليهودي في وقت أشرف صلواتهم عندهم وليس للمجوس صلوات مؤقتة يحلفون بها وإنما لهم زمزمة يرونها قربة فإن كانت مؤقتة عندهم أحلفوا في أعظم أوقاتهم عندهم، وإن لم تكن مؤقتة سقط تعليق إيمانهم بالزمان إلا أنهم يرون النهار أشرف من الليل لأن النور عندهم أشرف من الظلمة فيحلفون في النهار دون الليل.
فرع آخر
هل يحلف المجوسي بالله [12/ 165 أ] الذي خلق النار والنور؟، قال بعض أصحابنا: يحلف بذلك لاختصاصه بتعظيمها وهو اختيار القفال، ومن أصحابنا من قال: لا يحلفون بذلك لأنهم يعتقدون قدم النار والنور.
فرع آخر
فلو كان وثنيًا أو زنديقًا حلفه بالله تعالى حسب ولا يزيد على ذلك ولا يغلظ في حقه بالمكان والزمان والألفاظ وإنما يحلف بالله تعالى، وإن كان لا يعتقد ذلك ليزداد بها إثمًا وعقوبة من الله تعالى ويحلقه شؤم كذبه إن كذب، فإن قال قائل: هلا يحلف باللات والعزى لأنهم يعتقدون تعظيم ذلك كما يغلظ يمين اليهودي بالكنيسة قلنا: الفرق أن الحلف بذلك كفر ومعصية قال صلى الله عليه وسلم: "من حلف باللات والعزى فقد كفر" لأن دخول المسلمين بيوت أصنامهم معصية لأنها لم توضع في الابتداء والانتهاء إلا على معصية والدخول في الكنيسة والبيعة ليس بمعصية فقد كانت موضوعة في الابتداء على طاعة فتحسب فجاز التغليظ بذلك ردعًا وزجرًا.
فرع آخر
قال الشافعي رضي الله عنه: ولا يحلفون بما يجهل معرفته المسلمون قال بعض أصحابنا: معناه العشر الآيات ونحوها لأنهم بدلوا كتبهم وحرفوها وأدخلوا فيها ما ليس منها ولا يؤمن أن يكون ذلك مما بدلوه، وإنما يحلفهم بما يعرفه المسلمون وربما يكذبون في استعظام شيء ونحن لا نعرف معناه [12/ 165 ب] فلا يحلف بذلك.
الجزء: 14 - الصفحة: 173
مسألة: قال: ويحلف الرجل في حق نفسه وما عليه بعينه على البت.
معنى قوله في حق نفسه أنه إن ادعى على غريم دينًا فقال الغريم: قد استوفيته مني يحلف بالله ما استوفيته منك ولا يرضى منه بأن يقول: بالله لا أعلم أني استوفيته منك وقوله فيما عليه بعينه معناه أن الذمي إذا ادعى عليه فأنكر فالقول قوله مع يمينه ويحلف على البت، ولا يكتفي منه بالعلم لأن أحوال نفسه لا تكاد تخفي عليه، وأما قول الشافعي مثل أن يدعي عليه براءً من حق له فيحلف بالله أن هذا الحق ويسميه الثابت عليه ما اقتضاه ولا شيئًا منه ولا مقتضي بأمره بعلمه ولا أحال به ولا بشيء منه ولا أبرأه ولا من شيء منه بوجه من الوجوه فذاك خمس شرائط: إحداهما: أن هذا الحق الثابت عليه، والثانية: ما اقتضاه ولا شيئًا منه يريد ما قبضه ولا شيئًا منه، والثالثة: ولا مقتضي بأمره بعلمه يريد به ولا قبضه غيره بأمره وإنما قال بعلمه لأن من عليه الدين إذا قال: دفعت الدين إلى وكيلك حلف أنه لا يعلم أن وكيلي قبضه فلهذا شرط العلم ويرجع معناه إلى قبضه لا إلى أمره به، قال في "الأم": ويزيد على ذلك ولا قبضة غيره بغير أمره ثم وصل إليه لأنه إذا قبضه غيره بغير أمره ثم وصل إليه فقد برئ به من عليه الدين، والرابعة: ولا أحال به [12/ 166 أ] ولا بشيء منه، والخامسة: ولا أبرأه ولا من شيء منه ثم قال: وإنه لثابت عليه إلى أن يحلف بهذه اليمين وهذا تكرار الأول لأنه قال: إن هذا الحق ثابت وهذا يقتضي ثبوته في الحال، ولو جعل ست شرائط مع الذي زاد في "الأم" كان صحيحًا.
واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: تلزم اليمين على ما ذكر الشافعي على الأنواع كلها لأنها أنفى للإجمال، وقد ذكرنا عن أبي إسحاق أنه قال: إذا ادعى جهة معينة فقال: دفعتها إليه أو أبرأني منها فيمين المدعي مقصورة على النوع الذي ادعاه وهو الأصح لأن ما لم يذكره لا يطالب به.
قال الشافعي: وإن كان حقًا لأبيه حلف على البت في نفسه وفي أبيه على العلم وأراد به أنه إذا ادعى عليه أنك استوفيت دين أبيك حلف على البت، وإن ادعى أن أباك استوفى وإنك تعلم ذلك حلف أنه لا يعلم ذلك لأن فعل أبيه قد يخفي عليه.
وجملته أن اليمين على أربعة أضرب: أحدهما: أن يحلف على إثبات فعل نفسه، والثاني أن يحلف على نفي فعل نفسه، والثالث على إثبات فعل غيره، والرابع أن يحلف على نفي فعل غيره وفي جميعها يحلف على البت أو في القسم الأخير فإنه يحلف على العلم وذلك مثل ما ذكرنا.
وكذلك لو ادعى أن أباه اشترى منه كذا أو استقرض منه كذا أو أتلف عليه كذا أو وهبه ونحو ذلك فإنه يحلف [12/ 166 ب] أنه لا يعلم أن أباه فعل ذلك أو لا يعلم أن له على أبيه ما يدعيه من الدين، ولو ادعى على أبيه الميت دينًا حلف الوارث على العلم فلو رد اليمين على المدعي حلف على البت وعلى هذا فقس، وإن شئت قلت:
الجزء: 14 - الصفحة: 174
إذا حلف على الإثبات حلف على البت سواء كان يحلف على فعل نفسه، أو على فعل غيره وإن حلف على النفي نظر فإن كان على نفي فعل نفسه حلف على البت، وإن كان على نفي فعل غيره أو معنى يرجع إلى غيره حلف على العلم، وإنما كان كذلك لأنه لا يمكنه الإحاطة بعدم فعل غيره ولا يمكنه القطع عليه أبدًا فحلف على العلم وليس كذلك فعل نفسه، فإنه يمكنه أن يحيط بوجوده وعدمه فوجب أن يحلف على القطع، ولهذا نقول: إذا ادعي عليه عيب باطن في الحيوان أنه يحلف على العلم فيقول: بعته وما به داء علمته لأن العيب الباطن تشق معرفته ويتعذر لأنه يفتدى على الصحة والسقم وتحول طبائعه، وقل ما يبرأ من عيب يخفي أو يظهر، وقال الشعبي والنخعي: الأيمان كلها على العلم سواء كانت على نفي فعل نفسه أو فعل غيره، وقال ابن أبي ليلى على البت في النفي: سواء كان علي فعل نفسه أو فعل غيره، واحتج الشعبي بأنه لا يجوز أن يحلف ما لا علم له به، واحتج ابن أبي ليلى بأنه لا يجوز اليمين بالاحتمال كما في فعل نفسه، وهذا غلط لما روي في خبر الخضرمي [12/ 167 أ] والكندي "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للخضرمي: هل بينه؟ قال: لا ولكن يحلف يا رسول الله بالله الذي لا إله إلا هو ما يعلم أنها أرضى اغتصبنيها أبوه فيها الكندي لليمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لا يقتطع رجل إلا بيمينه إلا لقي الله يوم القيامة يلقاه وهو أجدم، فردها الكندي ولم يكره عليه النبي صلى الله عليه وسلم عرض اليمين على نفي العلم" وروي أنه حلف رجلًا: "قل والله ما له عليك حق".
وأما ما ذكروه فلا يصح لأنه يمكنه الإحاطة بفعل نفسه ونفيه دون فعل غيره كما قلنا في الشهادة، تارة تكون على القطع فيما يمكن فيه القطع من العقود، وتارة تكون على غالب الظن فيما لا يمكن فيه القطع من الأملاك والأنساب كذلك هنا.
فرع
لو حلفه الحاكم على البت في الموضوع الذي قلنا يحلفه على العلم لم يضره وكان معناه راجعًا إلى نفي العلم كما نقول في الشهود إذا شهدوا على إثبات النسب بأنه لا وارث له غيره، قال الشافعي رضي الله عنه: تقبل شهادتهم ويكون معناه لا يعلمون له وارثًا غيره.
فرع آخر
قال أصحابنا: إذا ادعى رجل أنه غصبه شيئًا أو أودعه شيئًا ذكره فأجاب فقال: ما له علي حق كان جوابًا صحيحًا ولا يطلب أنه ما غصبه أو لا أودعه لأنه قد يغصبه أو يودعه فيسترده منه، أو سلف الوديعة من غير [12/ 167 ب] تفريط منه فلا يلزمه ضمانها، فلم يكلف اليمين على أنه ما غصبه ولا أودعه ولا يحلف على ذلك، فإنه إن حلف على أنه ما غصبه وكان قد غصبه ثم اشتراه، أو أنه ما أودعه وكان أودعه ثم اشتراه، أو تلف عنده فكان قد حلف كذبًا وذلك لا يجوز، وإن أقر به كلفه الإمام إقامة
الجزء: 14 - الصفحة: 175
البينة على ذلك، فإن لم يكن بينة على الشري فيؤخذ منه الشيء أو قيمته وذلك ظلم، فإذا كان كذلك سمع جوابه بأنه ما له عليه حق ويحلف على ذلك، وإن أجاب المدعي عليه بأنه ما غصبه ولا أودعه كان الجواب أيضًا صحيحًا، فإذا أراد أن يحلفه اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يحلفه على أنه لا حق له عليه، ولا يحلف على أنه ما غصبه ولا أودعه لما ذكرنا من الاحتياط، ومنهم من قال: يحلفه على حسب الجواب لأنه لما أجاب بذلك دل على أنه يجوز له أن يحلف عليه، ولا يؤدي إلى كذبه في يمينه، وقد ذكرنا هذا في مواضع في أثناء المسائل.
فرع آخر
قال في "الحاوي": ولو ادعى عليه غصب دار فقال: ما غصبته إياها وهي لي دونه ففي إحلاف الحاكم له وجهان: أحدهما: يحلفه على ما أجاب به والله ما غصبته هذه الدار [وأنها لي دونه.
والثاني: يحلفه أنه لا حق له في هذه الدار] ولا بسببها؛ لأن الغصب موجب للأجر فصار بادعاء غصبها وملكها مدعيًا [12/ 168 أ] لها ولأجرتها فاحتاجت يمينه إلى أن تتضمن نفي الأمرين: الملك والأجرة فلذلك قال في يمينه، لا حق له فيها ولا بسببها لأنه لا يمتنع أن [يزول] ملكه عنها بعد استحقاق أجرتها بالغصب.
فرع آخر
ادعى دينًا في ذمته ورد إليه يحلف على إثباتها ونفي ما يسقطه فيقول: والله إن لي عليه ألف درهم ما قبضتها ولا شيئًا منها ولا قُبضت لي ولا شيء منها ولا أبرأته منها ولا من شئ منها ولا وجب له علي ما يبرأ به منها أو من شيء منها ثم يقول: وإنها لثابتة عليه إلى وقتي هذا، وقد ذكرنا هذا فإثباتها باليمين يستحق، وأما بقاؤها إلى وقت اليمين فمستحق، وأما نفي إسقاطها ففيه وجهان محتملان: أحدهما: مستحق لأن ثبوتها لا يمنع من حدوث ما يسقطها، والثاني: مستحب لأن إثباتها في الحال يمنع من سقوطها من قبل.
فرع آخر
قد ذكرنا كيف يحلف في اليمين مع الشاهد، وقال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: يلزمه أن يذكر فيها وأن ما شهد به شاهده حق وصدق على ما شهد به تحقيقًا لشهادته وإثباتًا لقوله، والثاني: لا يلزمه لأنه في يمينه بمثابة الشاهد الآخر وليس يلزم الشاهد أن يشهد بصدق الآخر وصحة شهادته.
الجزء: 14 - الصفحة: 176
فرع آخر
إذا ادعى رجل على رجل دينًا له على أبيه سمعت دعواه لثلاث شرائط إحداها: [12/ 168 ب] الأرض على أنها كذا فوجدت أكثر من ذلك بطل البيع.
فرع آخر
قال: ولو ادعى على رجل تسليم شيء اشتراه منه فأنكر المدعي عليه ذلك وذكره أنه غير واجب عليه تسليم ما ادعى فالقول قول المدعي عليه مع يمينه على البت ما يجب عليه تسليم ما ادعاه ولا شيء منه بحق البائع الذي ذكره.
فرع آخر
قال: لو أقر بأنه باع هذه الدار وأنكر وجوب التسليم عليه وذكر أنه غير واجب عليه تسليمها فالقول قول المدعي مع يمنيه، ولو أقر بالبيع وادعى أنه لا يقدر على التسليم ولا بينة له فالقول قول المشتري مع يمينه على البت بالله إنه لقادر على تسليمها قلته تخريجًا، وإن ادعى البائع أن المشتري قد تسلمها حلف المشتري بالله ما تسلمها على البت، وإذا ادعى البائع أن قد تسلمها وكيل المشتري فمذهب الشافعي أن يحلف المشتري بالله ما يعلم أن وكيلي فلانًا تسلمها، وإن كان وكيل المشتري ادعى على البائع التسليم فذكر البائع أنه سلمها إلى الموكل فإن كان الموكل حاضرًا حلف الموكل على البت أنه ما قبضها ولا شيئًا منها وأنه لواجب عليه تسليمها إليه، وإن كان الموكل غائبًا بحيث يشق إحضاره، فمذهب الشافعي أن الوكيل يحلف أنه ما يعلم أن موكله قد تسلم هذه الدار منه بحق هذا المشتري الذي ادعاه [12/ 169 أ] ولا شيئًا منها وإنه لواجب عليه تسليمها قلته تخريجًا.
مسألة: قال: وإذا حلف قال: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم.
الفصل
أولى الأيمان له الزاجرة ما ذكره الشافعي رضي الله عنه هنا: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، وقد ذكرنا أنه قال في "الأم": الذي يعلم خافية الأعين وما تخفي الصدور وهما سواء في المعنى ولكن الأول أولى لأن سبقها الرحمن الرحيم قد تضمنها القرآن وقوله: الذي يعلم تنبيه للحالف على علم الله تعالى بصدقه وكذبه، فإذا زاد في إحلافه ما يقوله كثير من الحكام بالله الطالب الغالب الضار النافع المدرك المهلك جاز لأن فيه تنبيه الحالف على استدفاع مضاره واستجلاب منافعه، ولو اقتصر على قوله والله قد ذكرنا أنه يجوز
الجزء: 14 - الصفحة: 177
بدليل خبر ركانه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله لأغزون قريشًا" فاقتصر على الاسم الشريف، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه لا يجوز الاقتصار عليه ثم قال الشافعي: ثم ينسق اليمين، ومعناه ينبغي أن تكون ألفاظ اليمين منسوقة لا يقطع بعضها عن بعض.
فرع
لا يجوز أن يحلف أحدًا [12/ 169 ب] بطلاق أو عتاق أو نذر لأنها تخرج عن حكم اليمين إلى إيقاع فرقة والتزام عزم وهو مبتدع، وقد قال الشاعر:
رأيت كليبًا أحدثت في قضائها طلاق نساء لم يسوقوا لها مهرا
فرع آخر
قال الشافعي رضي الله عنه: ومتى بلغ الإمام أن حاكمًا يستحلف الناس بالطلاق أو العتاق عزله عن الحكم لأنه جاهل.
فرع آخر
لو وصل اليمين بكلام لم يفهمه الحاكم أو دخل في أثنائها ما ليس منها أعادها عليه وزجره عليه إن تعمد.
فرع آخر
الأخرس يحلف بالإشارة إن كان مفهوم الإشارة، فإن لم يكن مفهومًا يتوقف كما في المجنون.
مسألة: قال: ولا يقبل منه اليمين إلا بعد أن يستحلفه الحاكم.
قد ذكرنا هذه المسألة أنه إذا حلف قبل الاستحلاف تعاد ولا يعتد بها لخبر ركانة.
فرع
لو فوض الحاكم اليمين إليه فاستوفاها الحالف على نفسه كان الحاكم مقصرًا وهل تجوز؟ فيه وجهان محتملان: أحدهما: تجزئ فيما يجب بهم من نفي أو إثبات لأنها باجتهاد الحاكم وعن أمره، والثاني: لا تجزئ لأنها تصير محمولة على تنبيه الحالف وهي مستحقة على نية المستحلف فكانت غير المستحقة.
فرع آخر
لو ادعى عليه بيعًا فأجاب [12/ 170 أ] ما اشتراها مني ففي يمنيه وجهان: أحدهما: أنه ما له في هذه حق استظهار من أن يكون قد ملكها بعد البيع، والثاني: يحلف على موافقة الإنكار لأن هذا الاختلاف ارتفع بقوله: ما اشتراها منه ولا شيئًا منها، ولا
الجزء: 14 - الصفحة: 178
اشتريت له ولا شيئًا منها، ولو حلف بالله منا باعها منه ولا شيئًا منها ولا باعها على أحد اشتراها له ولا شيئًا منها، ولا باعها عليه أحد من جهتي ولا شيئًا منها أجزئ لأن نفي الشراء موجب لنفي البيع، ونفي البيع موجب لنفي الشراء وفي أولادهما باليمين وجهان محتملان: أحدهما: الأولى ما ذكرنا أولًا لأنها مقابلة الدعوى، والثاني: الأولى ما ذكرنا ثانيًا لأن الثاني أخص بنفي فعله.
فرع آخر
لو ادعى رجل بأنه قتل أباه فأجاب بأنه لا يجب عليه بهذه الدعوى حق يكفي ويحلف عليه لأنه يجوز أن يكون قتله قودًا أو مرتدًا.
باب الامتناع عن اليمين
مسألة: وإذا كانت الدعوى غير دم في مال أحلف المدعي عليه.
الفصل
إذا ادعى مالًا أو غيره فنظر فإن كان المدعي بينة قدمت على يمين المدعي عليه لأنها حجة من غير جهة الخصم فلا يلحقها التهمة واليمين من جهة الخصم فيها تهمة فقدم ما لا تهمة فيها، وإن لم يكن له بينة حلف المدعى عليه وقدمت يمينه على يمين المديى لأن [12/ 170 ب] جنبته أقوى لكون الأصل برأة الذمة، فإن حلف سقطت دعواه، وإن لم يحكم لم يحلف بنكوله خلافًا لأبي حنيفة ولا يتوقف لتركه اليمين عندنا بل ترد اليمين في الحال على المدعي فيحلف ويحكم له فإن حلف حكم له وإن لم يحلف قيل له: لماذا لا تحلف فلم يسأل الشافعي رضي الله عنه المدعي عليه عن سبب نكوله وسأل المدعي عنه، وقد ذكرنا الفرق من قبل، وقال ابن أبي أحمد: القياس أن يسأل المدعي عليه كما يسأل المدعي فيقال للمدعي عليه: لماذا تأبي عن اليمين وتستثبت وهذا لا يصح والفرق ظاهر قال صاحب "الإفصاح": لو قال المدعي عليه: أمهلني حتى أنظر في الحساب أمهلناه قولًا واحدًا وإنما يفرق بينهما إذا نكل ولم يسأل المهلة وعندي أنه إذا قال: أمهلني حتى أسأل عن عالم يمهل أيضًا ولا يتأقت بيوم ولكن قضاة بلدنا استحسنوا في الإمهال يومًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يمهل للنظر في الحساب أيضًا لأن الحق لزمه فلصاحب الحق أن لا يؤخر حقه وهذا ضعف، ولو قال المدعي: لا أوخر ذلك الشيء غير أني لا أحلف أبطلنا أن يحلف بكذا ذكره الشافعي وأراد به أن المدعي عليه إذا أراد اليمين إلى المدعي فقال: لا أختار أن أحلف لا لأني أنظر في الحساب ولا لأني انتظر البينة بطل حلفه ويمنعه [12/ 171 أ] القاضي من ملازمة خصمه ويأمره بتخليته.
ثم إذا نكل هكذا سقطت اليمين من جهته حتى لا يكون العودة إليها إلا أن يدعي ثانيًا في مجلس آخر وينكل المدعي عليه عن اليمين وترد ثانيًا اليمين على المدعي وهذا لأنه أسقط اليمين عن جنبته فلا يعود إلا بسبب آخر بخلاف ما لو قال: انظر في الحساب لأنه لم يسقط فبعد ذلك له العود
الجزء: 14 - الصفحة: 179
إليها.
وأما قول الشافعي: وإذا كانت الدعوى في غير دم إنما استثنى الدم لأن البداية في القسامة بالمدعي وفي سائر الخصومات بالمدعي عليه.
وأيضًا ذكر أن المدعي عليه يبرأ بيمين واحدة وهذا في غير الدم، فأما في الدم لا يبرأ إلا بخمسين يمينًا في أحد القولين فأما يمين الرد تدخل في الدم كما تدخل في غيره بلا خلاف على المذهب، وعند أبي حنيفة في دعوى الدم يحبس المدعي عليه إلى أن يحلف ولا يقضي بالنكول، وعندنا كل ما تدخله الدعوى من الأمور دخل فيه الاستحلاف وإنما لا يستحلف في حقوق الله تعالى المحضة من الشرب والزنا لأن الدعوى لا تسمع فيه ابتداء، ولكن لو قذف ميتًا فلما أراد وارثه إقامة الحد عليه قال له القاذف: احلف أنك لا تعلم أنه زنى قال الشافعي رضي الله عنه: يحلف خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى قال أصحابنا وكذا الحي [12/ 171 ب] المقذوف يلزمه أن يحلف أنه ما زنا ليمكنه إقامة الحد على القاذف.
مسألة: قال: ولو رد المدعى عليه أم لم يحلف فنكل المدعي، فأبطلنا يمينه ثم جاء بشاهدين.
الفصل
قد ذكرنا أنه إذا حلف المدعي عليه، ثم أقام المدعي بينة على الحق يحكم بها والبينة العادلة أولى من اليمين الفاجرة، وهكذا لو نكل المدعي عن يمين الرد ثم أتى بشاهدين قبلنا بينته.
مسألة: قال: ولو رد المُدعي عليه فقلت للمدعي: احلف فقال المدعي عليه: أحلف.
الفصل
قد ذكرنا أنه إذا رد اليمين على المدعي فقال الحاكم للمدعي: احلف ثم قال المدعي عليه: أنا أحلف، لم يكن له ذلك لأن يمينه بطلت بنكوله السابق وتحولت إلى صاحبه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: القضاء بنكول المدعي عليه يحصل بأمرين: إما بأن يقول له القاضي: قضيت عليك بالنكول، أو بان يقبل على المدعي فيقول: احلف أنت أو أتحلف أنت فبعد ذلك لا تقبل يمين المدعي عليه، والمستحب أن لا يقضي بنكوله ما لم يعرض اليمين ثلاثًا وما لم يقدم العذر في الثالثة إنك إذا لم تحلف في هذه الكرة ردت اليمين على خصمك ثم لا أقبل يمينك، فإن لم يفعل ذلك ورد اليمين جاز، وعندنا إذا قال للمدعي: أتحلف أنت ثم قال [12/ 172 أ] المدعي عليه: أنا أحلف له ذلك وهو الأظهر.
مسألة: قال: ولو قال: أحلفه ما اشتريت هذه الدار التي في يديه ولا تملكتها لم
الجزء: 14 - الصفحة: 180
أحلفه إلا ما لهذا ويسميه في هذه الدار حق.
الفصل
وقد ذكرنا صورة هذه المسألة أن يدعي دارًا في يد رجل فيقول: اشتريت منك هذه الدار وبعت مني فقال صاحب اليد: لا يلزمني تسليم الدار إليك فقال المدعي: أيها الحاكم أحلفه بالله ما باعها مني لم يحلفه على هذه العبارة وقد ذكرنا تحليله، قال ابن أبي أحمد: ولو حلفه ما هي له على ما ادعاه من البيع بالثمن الذي ذكره كان جائزًا، ولو قال: ما بعتها منه هل يحلفه على ذلك؟ قد ذكرنا وجهين، ثم إن كان وكيله يدعي ولم يكن المدعي حاضرًا يحلف فيقول: ما لفلان ابن فلان ويسمى الوكيل في هذه الدار التي تدعيها حق ولا يلزمني تسليمها إليه، ولو لم يقل ما له فيها حق فله ذلك لأنه قد تكون الدار له في إجازة الحالف وللمالك في ملكه حق، لكن إن قال ذلك وأراد الإستخراج من يد المدعى عليه صح ذلك، وإن كان المدعي حاضرًا يقول: ما لهذا في هذه الدار التي يدعيها حق ولا يلزمني تسليمها إليه والصحيح أن يقرأ لفظ المختصر ما لهذا أو يسميه ولا يقرأ ويسميه من غير الألف [12/ 172 ب] لأنه لا حاجة مع الإشارة والتعيين إلى التسمية.
باب النكول ورد اليمين
مسألة: قال: لا يقوم النكول مقام إقرار في شيء.
الفصل
قد ذكرنا أنه لا يحكم بالنكول عندنا بل يرد اليمين على المدعي، ولا فرق بين ما يقبل البذل وبين ما لا يقبل البذل وبه قال عمر وعثمان وعلي والمقداد رضي الله عنهم والشعبي والنخعي وشريح، وقال مالك: إن كان ذلك مما يحكم فيه يشاهد وامرأتين، أو بشاهد ويمين ترد اليمين على المدعي، وإن كان مما لا يحكم فيه بذلك لا يرد فيه اليمين بل يحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر، وقال أبو محمد: يحكم بالنكول، وقال أبو حنيفة: يقضي به في القصاص الطرف دون النفس لأنه يدخل البذل في الأطراف فإنه إذا قال: اقطع يدي فقطعها فلا ضمان وهذا لا يصح لأنه لا يستباح الطرف بالبذل كالنفس سواء فإن قال: أجريت النكول مجرى الإقرار والطرف يستوفى بالإقرار قلنا: والنفس تستوفى بالإقرار أيضًا فهلا قضيت فيها بالنكول؟ وقال أبو يوسف: يقضي بالنكول في النفس بالدية دون القصاص، واحتج أبو حنيفة بقوله صل الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه "، فجعل جنس اليمين في جنبه [12/ 173 أ] المدعى عليه كما جعل حبس البينة في جنبة المدعي واحتج مالك بأن اليمين مع الشاهد لا يثبت بها عن المال فبأن لا يثبته باليمين وحده أولى وهذا غلط لما روى ابن عمر رضي الله عنهما "أن النبي صل الله عليه وسلم رد
الجزء: 14 - الصفحة: 181
اليمين على طالب الحق "رواه الدارقطني بإسناده وأما ما رواه فلا حجة فيه لأنه أراد به ابتداء، وأما ما قال مالك رحمه الله تعالى فلا يصح لأن ما يثبت بإقرار المدعى عليه يثبت باليمين مع النكول كدعوى المال ولأن نكول المدعى عليه أقوى من الشاهد لأنه حجة من جهة المدعى عليه فهو في معنى إقراره، وقد ذكرنا أن لأيمان تدخل في الأنساب والطلاق والعتاق والقسامة والنكاح والرجعة والولاء خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله وخالف أبو يوسف ومحمد وقال مالك وأحمد رحمهم الله تعالى: لا تعرض اليمين فيما لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، وروي عن أحمد أنه يستحلف في دعوى القصاص والقذف والطلاق والعتاق.
ثم اشتغل الشافعي رضي الله عنه بالمناظرة في هذه المسألة فقال: فإن قيل كيف اختلفت في الحدود والطلاق والنسب وجعلت الأيمان كلها تجب على المدعى عليه ثم كلها مردودة على المدعي؟ قلنا: إنما قلنا به استدلالاً بالكتاب والسنة ثم الخبر [12/ 173 ب] عن عمر رضي الله عنه وأما الكتاب فهو أن الله تعالى حكم على القاذف غير الزوج بالحد ولم يجعل له مخرجًا إلا بأربعة شهداء، وأخرج الزوج من الحد بأن استحلف أربع ويلتعن فخامسة فيسقط عنه الحد ويلزمها أن تخرد بأربع أيمان والتعانها من الحد أفضل هذا ما ادعى الشافعي من الكتاب فإن قال: قابل هذا الاحتجاج كيف يستقيم وقد علم أن الخصم لا يسمى اللعان يمينًا وأن الحد عند لا يجب عن المرأة بنكولها عن اللعان ويقولون أيضًا: لا يجب الحد على الزوج إذا أنكل والمحتج بما لا يستقيم إلا على أصله خاطئ، والجواب من وجهين: أحدهما: أن ذلك مستقيم على وجه البقاء فإذا لم يسلم الخصم صار الكلام منقولاً إلى هذه الأصول وللمسئول البناء والشافعي نصب نفسه مسئولاً ألا ترى قال: فإن قيل: كيف أجريت الإيمان في هذه المواضع؟ والجواب الثاني أن هذا الاستدلال منه، وإن كان على خلاف مذهب الخصم فلا يضر إثبات مسائل يدل مسألة واحدة وهذه طريقة قوية في المناظرة وبيانها أنا إذا سئلنا عن الأيمان ثم أجريناها في الحدود فاحتججنا باللعان كما احتج الشافعي فقال: اللعان بشهادة أمكننا أن نثبت بهذه الآية كونه يمينًا لاشتراط لفظ [12/ 174 أ] يمين وأن الرجل لا يشهد بنفسه ويحلف لنفسه، وإذا قال الخصم: أنا لا أوجب الحد عليها أمكننا بهذه الآية وجوب الحد عليها لأن الله تعالى قال: ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله وكان المتقدمون على مثل هذه المناضرة أحرص وإليها أسرع لأنها أكثر فائدة وأجمع علمًا وكأن مناظرة المزني هذا الوجه، وقد قال الشافعي رضي الله عنه: في المزني حين أقبل يومًا من أحب أن ينظر إلى رجل يقطع الشيطان في النظر فلينظر إلى هذا.
وأما السنة التي أدعاها في أول الباب ما روي "أن النبي صل الله عليه وسلم قال للأنصار: من أن تحلفون وتستحقون دم صاحبكم فلما لم يحلفوا رد الأيمان على يهود ليبرؤوا بها فلما لم يقبلها الأنصار تركوا حقهم فلما خاف رسول الله صل الله عليه وسلم ثائرة الفتنة ودي الأنصاري من عنده بمائة من الإبل ". فقد حول النبي صل الله عليه وسلم اليمين من حيث وضعها في الابتداء.
وإنما خبر عمر رضي الله عنه الذي ادعاه فهو ما روي أن عمر رضي الله عنه جعل الأيمان
الجزء: 14 - الصفحة: 182
على المدعى عليهم فلما لم يحلفوا ردها على المدعين، وكل هذا تحويل يمين من موضع قد بدأت فيه إلى الموضع الذي يخالفه.
ثم احتج الشافعي بحديث آخر على الابتداء بعد ما خرج عن هذه دعواه المسابقة فقال: [12/ 174 ب] قال رسول الله صل الله عليه وسلم: وعلى المدعى عليه اليمين فلا يجوز أن يكون على مدعى عليه دون غيره وهو على عمومه في النكاح والطلاق والحدود ولا تخصيص إلا بخبر لازم، وقد روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "من طلب طلبة بغير شهود فالمطلوب أولى باليمين "، وروي أن حذيفة رضي الله عنه عرض جمل له سرق فخاصم فيه إلى قاضي المسلمين فصارت على حذيفة يمين في القضاء فأراد أن يشتري يمينه فقال: لك عشره فأبى، قال: لك عشرون فأبى، قال: لك ثلاثون فأبى، قال: لك أربعون فأبى، قال حذيفة: أتراني أترك جملي فحلف بالله أنه جمله ما باعه ولا وهبه، وهذا دليل على رد اليمين.
وقال الشافعي رضي الله عنه: ولا بأس أن يفتدي الرجل يمينه وبه قال مالك رحمه الله تعالى، وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه فدى يمينه بعشرة آلاف درهم.
واحتج بحجة أخرى من الخبر الذي ذكر قال: قال النبي صل الله عليه وسلم: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وهما لفظتان من رسول الله صل الله عليه وسلك ومخرجهما سواء فكيف يجوز أن يقال: إن جاء المدعي بالبينة أخذ حقه، وإن لم يبطل حقه لعجزه ولكن يحدث له حكم آخر وهو استحلاف المدعى عليه وفي جانب المدعى عليه يقال: اليمين حقه، فإن لم يات بها [12/ 175 أ] هل يجب أن يقال: إن لم يأت باليمين حدث له حكم غيرها وهو رد اليمين كما حدث لمدعي إن لم يأت بها عليه حكم غيره وهو اليمين، وإذا ترك النبي صل الله عليه وسلم اليمين من حيث وصفها فكيف لم تحول [.......].
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: لا يقوم النكول مقام الإقرار إلا في خمس مسائل إحداها: إذا جاء الساعي إلى رب الماشية فطالبه بزكاة الماشية فقال: أديتها إلى بياع آخر ولم يحل عليها الحول قال الشافعي: صدقه فإن اتهمه أحلفه فإن نكل عن اليمين سمعت ابن جريج يقول أخذت صدقته.
والثانية: قال الشافعي رضي الله عنه: لو أن رجلاً من اهل الذمة غاب في بعض السنة ثم رجع مسلمًا بعد تمام السنة وقال: كنت أسلمت وسقطت عني الجزية فالقول قوله فإن حلف سقطت الجزية وإن أبى أن يحلف حكم عليه بالجزية.
والثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: لو أنا كشفنا عن ذراري أهل الحرب فوجدنا منهم من قد أنبت فقال: مسحت به دواء حتى نبت فالقول قوله مع يمينه، فإن أبى أن يحلف قتل.
والرابعة: قال رب النخل: قد أحصيت مكيلة ما أخذت وهو كذا وقد أخطأ الخارص أو أصابته جائحة صدق، فإن اتهمه أحلفه، فإن نكل حكم عليه
الجزء: 14 - الصفحة: 183
بالنكول تخريجًا.
والخامسة: لو طلب أن يعطي سهم المقاتلة [12/ 175 ب] وذكر أنه محتلم وحلف أعطي، وإن أبى أن يحلف حكم عليه بالنكول ولم يعط السهم قلته تخريجًا.
قال أصحابنا: قصد ابن أبي أحمد بهذا أن يحكم في هذه المسائل عند النكول من غير رد اليمين وهذا قصد صحيح ولم يرد أنه يحكم بالنكول لأن الحكم هنا بالسبب الظاهر غير النكول كما إذا قذف امرأته فطالبناه باللعان فنكل عنه حددناه بالقذف لا بالنكول فكذلك هنا، وقال بعض أصحابنا في مسألة الزكاة: إن كانت دعواه لا تخالف الظاهر فاليمين مستحبة قولاً واحدًا فإن لم يحلف لا يلزمه شيء وإن كانت دعواه تخالف الظاهر فهل اليمين مستحبة أو واجبة فيه قولان: فإن قلنا: مستحبة لا يلزمه شيء عند النكول فلا سؤال وعند التسليم القدر ما ذكرنا وكذلك مسألة الجزية هل نستحب اليمين أم تجب وجهان وفي مسألة الإنبات اليمين واجب وجهًا واحدًا وعند النكول حكم ببلوغه بالظاهر لا بالنكول.
فرع آخر
ذكر الإصطخري في أدب القضاء مسائل لا يمكن رد اليمين فيها مثل أن يموت رجل ولا وارث له فتكون تركته للمسلمين يأخذها الإمام فإذا وجد الإمام في دفتر حسابه دينًا له على رجل يعرف فإنه يستحضره ويعرفه ما عليه في دفتر حسابه، فإن أقر به لزمه، وإن أنكره كان القول قوله مع يمينه فإن حلف برئ، وإن نكل لا يمكن فيها رد اليمين لأن الإمام نائب [12/ 176 أ] عن المسلمين فلا تصح يمينه والمسلمون غير محصورين فلا يمكن إحلافهم وكيفية العمل فيه قال الإصطخري: فيه وجهان: أحدهما: أنه يحكم عليه بنكوله لتعذر اليمين فكان موضع الضرورة، والثاني: أن يحبس حتى يحلف أو يقر لأن الحكم بالنكول لا يجوز ورد اليمين لا يمكن فوجب حبسه حتى يقر أو يحلف وهذا هو المذهب.
والثانية أن يموت رجل وقد أوصى إلى رجل فادعى الوصي أن الميت كان قد أوصى لقوم بشيء فإن شهد به لا تقبل شهادته لأنه يثبت بشهادته التصرف فيه لنفسه ويكون القول قول الورثة مع اليمين فإن حلفوا على العلم سقط الدعوى، وإن نكلوا فإن كان الموصى له معينًا ردت اليمين عليه وإن كان غير معين وإنما كانوا بأوصاف مثل الفقراء والمساكين فلا يمكن رد اليمين عليهم وفيه وجهان على ما ذكرنا.
والثالثة أن يدعي أبو الطفل أو وصيه مالاً للطفل على رجل فأنكر المدعى عليه ولم يكن هناك بنية فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف برئ، وإن نكل فالحاكم يقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي ويذكر في السجل أنه ادعى للطفل مالاً وأنكر المدعى عليه فنكل عن اليمين فوقف اليمين إلى أن يبلغ على ما جري الرسم في مثله، وكذلك إذا أقام شاهدًا واحدًا وقف حتى يبلغ فيحلف مع شاهده ويستحق هذا كله في حقوق الآدميين، فأما حقوق الله تعالى مثل حد الزنا [12/ 176 ب] والشرب لا تسمع الدعوى على ما ذكرنا، ولا يجب على المدعى عليه أن يجيب عن دعواه إلا أن يتعلق بحق آدمي وهو في المسألة التي سبقت إذا قال للمقذوف
الجزء: 14 - الصفحة: 184
أحلف أنك ما زنيت فيحلف لتعلقه بحق القاذف خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله، فإن حلف أقيم الحد على القاذف، وإن نكل رد اليمين على القاذف، فإن حلف سقط عنه حد القذف، ولم يجب على المقذوف حد الزنا بيمينه وكذلك إذا ادعى عليه أنه سرق ماله فإن أبرأه من المال أو وهبه وأقبضه منه ثم ادعى القطع لم تسمع دعواه، وإن أدعى المال سمعت دعواه ويعرض اليمين عليه فإن حلف سقطت دعواه وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على المدعي، فإن حلف استحق المال ولا يقطع لأن حق الله تعالى لا يثبت بالنكول ورد اليمين وقال ابن أبي أحمد لا يمين في حد الزنا ولا شرب الخمر إلا في خصلة واحدة وهي أن يقر بما يوجب الحد ويدعي الشبهة، فإن الشافعي قال في كتاب اختلاف العراقيين، فإذا أصاب الرجل أمة وقال ظننتها تحل لي أحلف ما وطئتها إلا وهو يراها حلالاً ثم درئ عنه ويلزم المهر ولا أقبل هذا منه إلا أن يكون ممن يمكن أن يجهل، فإما من أهل الفقه فلا.
قال الشافعي رضي الله عنه: في كل شتم وضرب التعزير يحلف على ذلك إذا أنكر فيحلف [12/ 177 أ] ما شتمه هذا الشتم ولا ضره هذا الضرب الذي يدعيه.
فرع آخر
قال ابن أبي احمد إذا ادعى على الشاهد ما يجرحه، فإن أقر به الشاهد لم تنكر شهادته، وإن نكر لم يحلف عليه لأنا إن حلفناه صار خصمًا فيؤدي ذلك إلى أن يصير جميع الشهود خصومًا.
فرع آخر
لو ادعى على الوكيل أن الموكل عزله فإن أقر به لم يلزمه خصومته، وإن أنكر لم يستحلف لأني لو حلفته لأدعى عزله بعد اليمين ورام استحلافه ثانيًا فلا يتوصل إلى حكم الحاكم بالوكيل أبدًا قلته تخريجًا.
فرع آخر
لو أقر الأب أن ابنه الصغير الذي في حجره صار بالغًا رشيدًا خرج من خصومة من رافعه إلى القاضي عن ابنه، وإن رام المدعى عليه استحلاف الأب على ذلك والأب منكر لم يحلف، وكذلك من ادعى عليه أنه بالغ فأقر والحال مشتبه قبل، وإن أنكر قال الشافعي رضي الله عنه: القول قوله يعني لا يمين عليه لأنه لو حلف حكم بصغره وإبطال يمينه.
فرع آخر
إذا أقر الوكيل للمدعى عليه بما وكله في خصومته فيه قال ابن سريج: خرج من الخصومة بإقراره؛ قال ابن أبي أحمد تخريجًا عن ذلك فإن لم يقر الوكيل بذلك فقال المدعى عليه: إنه يعلم أنه لي فحلفه على ذلك لم يحلف لأن الشافعي رضي الله عنه قال: ليس على الوصي يمين إذا لم يكن وارثًا [12/ 177 ب] فيجب أن يكون الوكيل مثله.
الجزء: 14 - الصفحة: 185
فرع آخر
لو ادعى على رجل شيئًا بعينه فأقر أنه لابنه الصغير لم يحلف وكان خصمًا عن ابنه الصغير ذكره أصحابنا.
فرع آخر
لو ادعى على رجل شفعة في عقار في يده فقال: هو لابني الصغير في حجري وما اشتريته لم يحلف، ولو قال اشتريته لولدي الصغير كان إقرارًا الشفعة ويحكم بها لك.
والله أعلم.
الجزء: 14 - الصفحة: 186