بحر المذهب للرويانيصفحات 457-496

قال في الحاوي: وهذا كما قال: المفوضة لبضعها إذا طلقها الزوج قبل الدخول فلا مهر لك لسقوطه بالعقد وهو اتفاق ولها المتعة عندنا.
وبه قال الاوزاعي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وصاحباه.
وقال مالك: لا متعة لها وبه قال شريح والليث بن سعد وابن أبي ليلى والحكم استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًا عَلَى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] فلما جعله بالمعروف على المتقين وقال في موضع آخر: ﴿عَلَى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] دل على استحبابه دون وجوبه.
ولأن ما وقعت به الفرقة لم يجب به المتعة كالموت ولأن الطلاق مؤثر في سقوط المال دون إلزامه كالمسمى لها إذا طلقت قبل الدخول بها ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236]. إحداهن: قوله:"ومتعهن" وهذا أمر يقتضي الوجوب.
والثانية: قوله: ﴿عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
[البقرة: 236] وذلك في الواجبات دون التطوع.
والثالثة: قوله: "حقًا" والحقوق ما وجبت.
والرابعة: قوله: "على المحسنين" وعلى من حروف الإلزام وقال تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:241] فجعل ذلك لهن بلام التمليك فدل على استحقاقهن له ثم قال: "بالمعروف" فقدره.
وما لا يجب فليس بمقدر ثم جعله "حقًا على المتقين" فدل على أن من منع فليس بمتقٍ.
فإن قيل: فلم خص المتقين بالذكر وهو على المتقين وعلى غيرهم.
قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه خصهم بالذكر تشريفًا وإن كان عام الوجوب كما قال: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:2].
والثاني: ما حكاه ابن زيد أن لنزول هذه الآية سببًا وهو أنه لما قال:" حقًا على المحسنين" قال رجل فإن أحسنت فعلت وإن لم أرد أن أحسن لم أفعل فأنزل الله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًا عَلَى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] ولأن بوجوب المتعة قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وليس يعرف لهما في الصحابة مخالف فصار إجماعًا، ولأن وقوع الفرقة بالطلاق يمنع خلو النكاح من بدل كذات المهر فأما قياسهم على الموت: فالمعنى في الميتة إنه لم يخل نكاحها من بدل فلذلك خلا من متعة وليس كذلك المطلقة.
وأما قولهم إن تأثير الطلاق سقوط المال فذاك في ذات المهر فأما في غيرها فتأثيره ثبوت المال.

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَلَا وَقْتَ فِيهَا وَاسْتَحْسَنَ بِقَدْرِ ثَلَاثِينَ دِرْهَماً أَوْ ما رَأى الوَالِي بِقَدْرِ الزَّوْجَيْن".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا ثبت وجوب المتعة للمفوضة فالكلام فيها يشتمل على فصلين: أحدهما: في مفوضة لم يفرض لها مهر.
والثاني: في مفوضة قد فرض لها مهر.
فأما التي لم يفرض لها مهر فهي مستحقة المتعة والكلام في استحقاقها يشتمل على ثلاثة فصول: أحدهما: فيما تجب به المتعة.
والثاني: في قدر المتعة.
والثالث: فيمن تعتبر به المتعة.
فأما الفصل الأول: وهو ما تجب به المتعة ففيه قولان: أحدهما: وهو قوله في القديم: إنها تجب بالعقد لأن متعة المفوضة بدل من مهر غير المفوضة والمهر يجب بالعقد فكذلك المتعة.
والثاني: وهو قوله في الجديد: إنها تجب بالطلاق لا بالعقد وهذا أصح لأن حالها قبل الطلاق مترددة بين وجوب المهر أو المتعة فدل على أن بالطلاق وجبت المتعة ولأن الله تعالى قرن المتعة بالطلاق فدل على وجوبها بالطلاق.
قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزاب:28] ويكون على هذا القول في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: فتعالين أسرحكن وأمتعكن.
على القول الأول الكلام على نسقه ليس فيه تقديم ولا تأخير.
فصل: وما قدر المتعة فهي إلى رأى الحاكم واجتهاده غير أن الشافعي استحسن في موضع من القديم أن يكون بقدر خادم وحكاه عن ابن عباس واستحسن فيما نقله المزني في هذا الموضع أن يكون بقدر ثلاثين درهماً.
وحكاه عن ابن عمر وليس فيما ذكره تقدير لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه لاختلافه باختلاف العادات في أجناس وبلدانهم كالمهر الذي لا ينحصر بقدر ما وجب ولم ينحصر بمقدار شرعي كان تقديره معتبراً باجتهاد الحاكم.
وقال أبو حنيفة: هي مقدرة بنصف مهر المثل ولا يجوز أن يكون أقل من خمسة

دراهم لأنه نصف أقل ما يكون مهرًا عنده وهذا فاسد لأنه التحديد بنصف المهر إن لم يوجد شرعًا فليس في الاجتهاد ما يقتضيه ولا نجعله بالنصف أخص منه بالثلث أو الربع فإن قيل: لأن غير المدخول بها تستحق نصف الصداق.
قلنا: فقد أوجبت الصداق أو أسقط المتعة.
وفي إجماعنا على إيجاب المتعة وإسقاط الصداق دليل على الفرق بين المتعة والصداق وليس ما استحسنه الشافعي من قدر ثلاثين درهمًا قولًا بالاستحسان الذي ذهب إليه أبو حنيفة ومنع منه الشافعي لأنه قرنه بدليل وهو يمنع من استحسان بغير دليل.
فصل: وأما من تعتبر به المتعة ففيه لأصحابنا وجهان: أحدهما: تعتبر بحال الزوج وحده في يساره وإعساره كالنفقة لقوله تعالى: ﴿عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] كما قال في النفقة ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7].
فعلى هذا يكون تأويل قول الشافعي:" وما رأى الولي بقدر الزوجين" يعني: الزوج الموسر والزوج المعسر.
والثاني: تعتبر بها حال الزوجين على ظاهر كلامه فتعتبر حال الزوج في يساره وإعساره وتعتبر بها حال الزوجة واختلف أصحابنا فيما نعتبره من حال الزوجة على وجهين: أحدهما: أنه يعتبر سنها ونسبها وجمالها كما يعتبر في مهر المثل.
والثاني: أنه يعتبرها حال قماشها وجهازها في قلته وكثرته لأنها عوض من أخلاقه ومؤنة نقله.
وهذا وجه مردود لأنه ليس الجهاز مقصودًا فيعتبر ولو اعتبر في المتعة لكان اعتبره في المهر أحق ولوجب أن لا يكون متعة لمن لا جهاز لها.
فصل: وأما المفوضة التي فرض لها مهر وذلك قد يكون بأحد وجهين: إما بأن يتراضى الزوجان بفرضه وتقديره على ما سنذكره وإما بأن يفرضه الحاكم فيصير بالفرض بعد التفويض كالمسمى في العقد فإن طلقها قبل الدخول فلها نصف المفروض دون المتعة.
وقال أبو حنيفة: يبطل المفروض قبل الدخول ويثبت حكم في وجوب المتعة التي لم يفرض لها مهر بناء على أصله في أن المفوضة وجب لها بالعقد مهر وسقط بالطلاق واستدلالًا: بأنه نكاح خلا عن ذكر مهر فوجب أن يستحق فيه بالطلاق.

قبل الدخول المتعة قياسًا على غير المفروض لها مهر.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:237]. فكان قوله: ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] على عموم الحالين فيما فرض في العقد أو بعد العقد وإن كان بالمفروض بعد العقد أشبه فجعل الله تعالى له استرجاع نصفه.
وأبو حنيفة يوجب استرجاع جميعه فكان قوله مدفوعًا بالنصف.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "أدوا العلائق" قيل: وما العلائق؟ قال:" ما ترادي به الأهلون" فكان على عموم التراضي في حال العقد وبعده.
ومن طريق القياس: أنه فرض يستقر بالدخول فوجب أن لا يسقط بالطلاق قبل الدخول كالمسمى في العقد ولأن هذا المفروض بمنزلة المسمى في استقراره بالموت فوجب أن يكون بمنزلته في الطلاق قبل الدخول.
فأما بناء أبي حنيفة ذلك على أصله فمخالف فيه.
وأما قياسه: فالمعنى في المفوضة أنه لا يجب بالموت مفروض وتستحق المطالبة بفرض المهر وهذه يجب لها المفروض بالموت ولا تستحق المطالبة بالفرض فصار كالمسمى، والله أعلم مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسَمَّى مَهْرًا أَوْ مَاتَتْ فَسَواءٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلم: بَأَبِي هُوَ وَأُمَّي أَنَّهُ قَضَى فِي بُرُوع بِنْتِ وَأشِقٍ وَنُكِحَتْ بِغَيْر مَهْرٍ فَمَاتَ زَوْجُهَا فَقَضَى لَهَا بِمَهْرِ نِسَائِهَا وَبِالمِيراثِ، فَإِنْ كَانَ يَثْبُتُ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ مَرَّة عَنْ مِعْقَلِ بْنِ يَسَارِ وَمَرَّةً عَنْ مِعْقَلِ بْنِ سَنَانَ وَمَرَّةً عَنْ بَعْضِ بَنِي أَشْجَعَ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا مَهْرَ وَلَهَا المِيرَاثُ وَهُوَ قَوْلُ عَليًّ وَزَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ".
قال في الحاوي: أما المفوضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول أو ماتت فإنهما يتوارثان بالإجماع لقول الله تعالى: ﴿ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:12] وهما زوجان لصحة النكاح بينهما.
فأما مهر مثلها: فقد اختلف قول الشافعي في استحقاقه بالموت قبل الدخول على قولين: أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أن لها مهر المثل وهو في الصحابة قول عبد الله بن مسعود وفي التابعين: قول علقمة والشعبي وفي الفقهاء: قول ابن أبي ليلى وسفيان الثوري وابن شبرمة وأحمد وإسحاق.

والثاني: وهو مذهب مالك لا مهر لها.
وهو في الصحابة قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.
وفي التابعين: قول جابر بن زيد والزهري وعطاء ومن الفقهاء: قول ربيعة والاوزاعي.
ودليل القول الأول: وهو مذهب أبي حنيفة: حديث بروع بنت واشق: روى قتادة عن خلاس وأبي حسان عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن رجلًا تزوج امرأة فلم يسم لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات فأتى عبد الله بن مسعود وكان قاضيًا فاختلفوا إليه مراوًا، وقال شهرًا.
فقال: إن كان ولابد فإني أفرض لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة إن يكن صوابًا فمن الله وان يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه، فقال ناس من أشجع: فيهم الجراح أبو سنان نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاها فينا في بروع بنت واشق وكان زوجها هلال بن مرة الأشجعي بما قضيت.
وهذا حديث إن صح في بروع لم يجز خلافه.
ومن طريق القياس: أنه ما استقر به كمال المسمى استحق به مهر المثل في المفوضة كالدخول ولأن ما أوجبه عقد النكاح بالدخول أوجبه بالوفاة كالمسمى ولأنه أحد موجبي الدخول فوجب أن يستحق بالوفاة كالعدة.
ودليل القول الثاني: وهو الأصح.
إن لم يثبت حديث بروع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أدوا العلائق "قيل: وما العلائق؟ قال: "ما تراضى به الأهلون" فدل على أن المستحق بالعقد ما تراضى به الأهلون دون غيره.
ومن طريق القياس: أنه فراق مفوضة قبل فرض وإصابة فلم يستحق به مهر كالطلاق ولأن الموت سبب يقع به الفرقة فلم يجب به المهر كالرضاع والردة ولأن من لم ينتصف صداقها بالطلاق لم يستفد بالموت جميع الصداق كالمبرئة لزوجها من صداقها ولأن كل ما لم ينتصف بالطلاق لم يتكمل بالموت كالزيادة على مهر المثل.
فأما حديث بروع فقد اختلف في ثبوته فذهب قوله إلى ضعفه وأنه مضطرب غير ثابت من ثلاثة أوجه: أحدهما: اضطراب طرقه؛ لأنه روى تارة عن ناس من أشجع وهم مجاهيل، وتارة عن معقل بن يسار، وتارة عن معقل بن سنان، وتارة عن الجراح بن سنان.
فدل اضطراب طرقه على وهائه.

والثاني: أن عليًا بن أبي طالب رضي الله عنه: أنكره وقال: حديث أعرابي يبول على عقبيه ولا أقبل شهادة الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثالث: أن الواقدي طعن فيه وقال: هذا الحديث ورد إلى المدينة من أهل الكوفة فما عرفه أحد من علماء المدينة.
وذهب آخرون إلى صحة الحديث لاشتهاره، وقبول ابن مسعود له ووروده عن ثلاثة طرق صحيحة: أحدها: منصور بن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود.
والثاني: داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة.
والثالث: عن خلاس وأبي حسان عن عبد الله بن عتبة.
وليس اختلاف أسماء الراوي قدحا لأن معمل بن يسار بن سنان مشهور في الصحابة وهو المنسوب إليه نهر معقل بالبصرة تبركا باسمه حين اختفره زياد لأنه كان من بقايا الصحابة.
ومن كان بهذه المنزلة في بقايا الصحابة وجمهور التابعين لم يدفع حديثه.
وأما الجراح أبو سنان فقد شهد بذلك مع قومه عند عبد الله بن مسعود في قصة مشهورة فما رد ولا ردوا.
وأما إنكار علي رضوان الله عليه فقد كان له في قبول الحديث رأي أن يستحلف المحدث ولا يقبل حديثه إلا بعد يمينه وقال: ما حدثني أحد عن رسول الله لا استحلفته إلا أبو بكر وصدق أبو بكر.
وهذا مذهب لا يقول به الفقهاء.
وأما الواقدي فلم يقدح فيه إلا بأنه ورد من الكوفة فلم يعرفه علماء المدينة وهذا ليس بقدح لأنها من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبائل التي انتشر أهلها فصاروا إلى الكوفة فرووه بها ثم نقل إلى المدينة ومثل هذا كثير في الحديث فإن كان هذا الحديث غير صحيح فالمهر على قولين.
وان صح فقد اختلف أصحابنا.
فذهب أبو حامد المروزي وجمهور البصريين إلى وجوب المهر قولا واحدا وهو الظاهر من كلام الشافعي.
وذهب أبو علي بن أبي هريرة وجمهور البغداديين إلى أن وجوب المهر مع صحته على قولين لأنه قضية في عين يجوز أن يكون وليها فوض نكاحها فلم يصح التفويض أو تكون مفوضة المهر دون البضع فإن فرض لها مهر مجهول فلاحتماله مع الصحة كان على قولين: وأما اعتبار الموت بالدخول: ففي الدخول إتلاف يجب به الغرم بخلاف الموت.
وأما اعتبار التفويض المسمى: فالمسمى يجب بالطلاق نصفه فكمل بالموت والمفوضة لم يجب لها بالطلاق نصفه فلم يكمل لها بالموت جميعه.

وأما اعتبار المهر بالعدة: فقد تجب العدة بإصابة السفيه وان لم يجب عليه مهر فكذلك الموت في المفوضة.
فصل فإذا تقرر ما وصفنا فلا فرت بين أن تكون الزوجة مسلمة أو ذمية في أن المهر إن وجب للمسلمة وجب للذمية وإن سقط للمسلمة سقط للذمية.
وقال أبو حنيفة: أوجب المهر للمسلمة وأسقطه للذمية وجعل ذلك مبنيًا على أصله في أن ثبوت المهر في النكاح حق الله تعالى وأهل الذمة لا يؤاخذون بحقوق الله ويؤخذ بها المسلمون فلذلك سقط مهر الذمية لسقوطه من العقد ووجب مهر المسلمة لوجوبه في العقد.
وهذا فاسد بل المهر من حقوق الآدميين المحضة كالثمن في البيع والأجرة في الإجارة لاستحقاقه بالطلب وسقوطه بالعفو.
ولأنه لما كان استدامة ثبوته من حقوق الآدميين وجب أن يكون ابتداء ثبوته من حقوق الآدميين كسائر حقوق الآدميين طردًا وكسائر حقوق الله عكسًا ولأنه لو كان المهر من حقوق الله تعالى في النكاح كالولي والشاهدين لبطل النكاح بترك المهر كما بطل بترك الولي والشاهدين، والله أعلم.
مسألة قال الشافعي: "ومتى طلبت المهر فلا يلزمه إلا أن يفرضه السلطان لها أو يفرضه هو لها بعد علمها بصداق مثلها".
قال في الحاوي: هذا كما قال المفوضة لبضعها لا تملك المهر بعقد النكاح.
وقال أبو حنيفة: تملكه بالعقد استدلالًا بأمرين: أحدهما: أن الزوج قد ملك بضعها بالعقد فوجب أن تملك بدله من المهر بالعقد كالثمن والمثمن لا يملك عليها مبدلًا لم تملك في مقابلته بدلا.
والثاني: أن للمفوضة المطالبة بالمهر والامتناع من تسليم نفسها إلا بعد قبضه ولا يجوز أن تطالبه بما لم يجب ولا أن تمتنع من تسليم ما وجب على تسليم ما لم يجب.
والدليل على أن المهر لم يجد بالعقد أن ما وجب بالعقد تنصف بالطلاق كالمسمى وما لم يتنصف بالطلاق لم يجب بالعقد كالزيادة على مهر المثل وكالمهر الفاسد.
فأما ملك البضع بالعقد فلأنه مقصود لا يجوز الإخلال بذكره في العقد فلذلك ملك بالعقد والمهر ليس بمقصود لأنه يجوز الإخلال به في العقد فلم يملك بالعقد مع ترك ذكره فيه فافترق حكم البضع والمهر وأوجب ذلك افتراض حكم المسمى والتفويض وأما المطالبة فليس لها المطالبة عندنا بالمهر وإنما لها المطالبة بأن يفرض لها المهر فتكون قد ملكت بالتفويض أن تملك بالفوض مهرًا كالشفيع ملك بالبيع أو يتملك بالشفعة.

فصل: فإذا ثبت ما وصفنا ففي قار ما ملكت أن تتملك من المهر قولان: أحدهما: وهو قوله في الجديد أنه مهر المثل لأنه في مقابلة مستهلك بالعقد فتقدر بمهر المثل كالمستهلك بالوطء.
والثاني: وهو قوله في القديم أنه مهر مطلق لا يتقدر بمهر المثل لأنه بدله من المسمى في العقد وذلك غير مقدر بمهر المثل فكذلك ما استحق بالفرض.
وإذا كذلك فالمفوضة تملك المهر بأحد أربعة أشياء ذكرناها مجملة ونحن نشرحها: أحدها: أن يترافعا إلى الحاكم فيفرض لها الحاكم مهر المثل فلا يصح حكمه به إلا بعد علمه بقدره كما لا يصح أن يحكم بقيمة متلف إلا بعد علمه بقدر القيمة ولا يجوز له أن يزيد على مهر المثل فيظلم الزوج إلا أن يبذل الزوج الزيادة ولا أن ينتقص من مهر المثل فيظلم الزوجة إلا أن ترضى الزوجة بالنقصان وهل يعتبر مهر المثل وقت العقد أو وقت الفرض؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج أنه يعتبر مهر مثلها وقت العقد لأن البضع مستهلك بالعقد.
والثاني: وهو قول ابن علي بن خيران أنه يعتبر مهر مثلها وقت الفرض لأنها ملكته بالفرض دون العقد.
فإذا فرضه الحاكم صار كالمسمى بالعقد إن طلقت قبل الدخول وجب لها نصفه وهذا مما وافق عليه أبو حنيفة لأن الحكم إذا نفذ بجائز لم ينقص.
الفصل وأما الثاني: يجب به مهر المفوضة فهو أن يجتمع الزوجان بعد العقد على فرض مهر عن تراضٍ فيصير ما فرضاه لازمًا كالمسمى إن طلقها قبل الدخول وجب لها نصفه.
وقال أبو حنيفة: لا يلزم المهر إلا بعقد أو حكم ولا يصير لازمًا باجتماعهما على فرضه فإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة احتجاجا بعموم قول الله تعالى:} وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴿[البقرة: 241] ولأنهما ملكا التسمية في العقد لأنها تصير واجبة بوجوب العقد ولم يملكاها بعد العقد لأنه لا يصير لها موجبًا إلا الحاكم.
ودليلنا قول الله تعالى:﴾ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴿[البقرة: 237] ولم يفرق بين ما فرض لها في العقد وبعده فوجب حمله على الأمرين وان كان بما بعد العقد أشبه ولأن المهر من أعواض العقود فكان ثبوته بالمراضاة أولى من ثبوته بالحكم كالأثمان والأجور ولأن كل مهر كمل بالدخول ينصف بالطلاق قبل الدخول كالمسمى في العقد.
فأما الآية فمحمولة على التي لم يفرض لها مهر بدليل قوله:﴾ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ

طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ {[البقرة: 236] وأما الاستدلال بالحكم فاجتماعهما على الفرض أبلغ في الالتزام من الحكم كما لو اجتمعا على قيمة متلف أو أرش معيب.
فإذا تقرر أن المهر يلزم بفرضهما كما يلزم بفرض الحاكم فإن فرضاه مع علمهما بقدر المثل صح وجاز أن يفرضا مهر المثل وأكثر منه وأقل وأن يعدلا إلى عوض من ثوب أو عبد بخلاف الحاكم الذي لا يجوز أن يعدل عن جنس المهر ومقداره لأن فرض الزوجين كالتسمية في العقد وان فرضاه مع جهلهما بمهر المثل ففي جوازه قولان: أحدهما: وهو قوله في الجديد: أنه لا يجوز الفرض ويكون باطلا كالتي لم يفرض لها كما لو فرضه الحاكم وهو غير عالم ولأنه يتضمن معنى الإبراء من مجهول.
والثاني: وهو قوله في القديم: أنه يجوز ويصح الفرض لأنه معتبر بالمسمى في العقد وان جهلا مهر المثل كذلك ما فرضاه بعد العقد.
وهذان القولان يترتبان على اختلاف قوليه في الذي يجب لها هل هو مهر المثل أو مهر مطلق؟ فإن قيل: مهر المثل لم يصح فرضهما إلا بعد علمهما به.
وان كان مهر مطلق صح فرضهما مع الجهل به.
الفصل: وأما الثالث: مما يجب به مهر المفوضة فهو الدخول لأن المهر لما وجب بوطء الشبهة فأولى أن يجب بالوطء في نكاح صحيح والواجب بهذا الدخول هو مهر المثل قولًا واحدًا سواء تعقبه موت أو طلاق.
وإذا وجب بالدخول فتقايره يكون لحكم الحاكم وان تقام وجوبه على حكمه فيكون حكمه مقصورًا على تقديره دون إيجابه وحكمه فيما تقام مشتمل على التقدير والإيجاب.
فإن قدره الزوجان لم يصح تقديرهما إلا مع علمهما به قولًا واحدًا؛ لأن المهر ها هنا قيمة مستهلك فإن جهلاه أو أحدهما لم يصح تقديره وكان على إرساله بعد وجوبه.
قال الشافعي: واستحب أن لا يدخل بها إلا بعد فرض المهر ليكون مستمتعًا بمهر معلوم وليخالف حال الموهوبة التي خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فصل: وأما الرابع: فهو الموت وفي وجوب مهر المفوضة به قولان مضيا ثم إن وأجبناه فهو مهر المثل ولا يقدره إلا الحاكم وحده فإن قدره مع الباقي من الزوجين أجنبي علم قدره فإن فعل ذلك ليؤديه من ماله جاز، كما لو قضى دينًا عن ميت أو قضاه عن حي لورثه ميت وان فعل ذلك ليؤخذ من مال الزوج ففي جوازه إذا تراضى به الباقي وورثه الميت قولان من اختلاف قوليه في حكم غير الحاكم وهو يلزم بالتراضي أم لا؟ على قولين، والله أعلم.

مسألة: قال الشافعي: "فإن فرضه فلم ترضه حتى فارقها لم يكن إلا ما اجتمعا عليه فيكون كما لو كان في العقدة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا شرع الزوجان في فرض المهر في نكاح التفويض فلم يتفقا على قدره حتى يطلقها كأنه بذل لها ألفًا فلم ترض إلا بألفين فحكم التفويض باق وبذل الألف من الزوج كعدمها ولها المتعة إذا طلقها قبل الدخول لأن الفرض لا يتم من الزوجين إلا بالرضا.
فإن قيل: فهلا كان هذا كالصداق المختلف في تسميته وقت العقد فلا يلزم ويجب لها بالطلاق قبل الدخول نصف مهر المثل.
قلنا: ما اختلف في تسميته وقت العقد قد زال عنه حكم التفويض فلذلك وجب لها نصف مهر المثل وهذا لم يزل عنه حكم التفويض فلذلك وجبت لها المتعة.
وقول الشافعي: لم يكن لها إلا ما اجتمعا عليه يعني أنه لم يكن لها مهر مفرد إلا ما اجتمعا على فرضه ولم يود به الألف الذي بذله الزوج لاجتماعهما عليه حتى طلبت الزوجة زيادة عليها لأن هذا افتراق وليس باجتماع.
مسألة: قال الشافعي: "وقد يدخل في التفويض وليس بالتفويض المعروف وهو مخالف لما قبله وهو أن تقول لا أتزوجك على أن تفرض لي ما شئت أنت أو شئت أنا فهذا كالصداق الفاسد فلها مهر مثلها.
قال المزني رحمه الله: هذا بالتفويض أشبه".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن التفويض في النكاح ضربان: تفويض البضع وتفويض المهر.
فأما تفويض البضع فهو أن يتزوجها على غير مهر لها وقد مضى الكلام فيه وأما تفويض المهر فضربان: أحدهما: ترك ذكره في العقا وقد ذكرنا اختلاف أصحابنا فيه.
والثاني: أن يتزوجها على مهر لا يصح إما لجهالته وأما لتحريمه فالمجهول كقوله: قد تزوجتك على ما شئنا أو شاء أحدنا أو شاء فلان.
والحرام أن يتزوجها على خمر أو خنزير فيكون هذا تفويضًا للمهر لبطلانه وليس بتفويض للبضع لذكره فيخرج عن حكم نكاح التفويض وان كان مشابهًا له في سقوط المهر فيجب لها بالعقد مهر المثل وان طلقت قبل الدخول وجب نصفه دون المتعة وان مات عنها زوجها وجب لها المهر قولًا واحدًا فيكون مخالفًا لنكاح التفويض من أربعة أوجه:

(أحدها): أن مهر هذه وجب بالعقد ومهر المفوضة وجب بالفرض بعد العقد.
الثاني: أنه موجب المهر بالمثل قولا واحدا وفيما وجب للمفوضة قولان: أحدهما: مهر المثل.
والثاني: مهر مطلق.
والثالث: أنها إن طلقت قبل الدخول وجب لها نصف مهر المثل وللمفوضة متعة.
والرابع: أنه يجب لها المهر بالموت قبل الدخول وفي المفوضة قولان.
وقال أبو حنيفة: تفويض المهر كتفويض البضع وليس لها إذا طلقت قبل الدخول إلا المتعة احتجاجًا بأن العقد خلا عن مهر لازم فكان تفويضًا كما لو خلا من ذكر مهر.
ودليلنا: هو أنه عقد تضمن مهرًا فخرج عن حكم التفويض كالمهر الصحيح ولأن التفويض تسليم بضع بغير بدل وهذا تسليمه ببدل وان فسد.
وفرق في الأصول بين التسليم بغير بدل وبين التسليم ببدل فاسد في وجوب الغرم ألا ترى أنه لو قال ملكتك عبدي هذا ولم يذكر بدلًا جعلنا ذلك هبة لا توجب البدل.
ولو قال: قد ملكتك عبدي بثمن فاسد صار بيعًا فاسدًا يوجب البدل فال على افتراض الأمرين.
فإذا ثبت ما ذكرنا: فأحوال من لا يستقر لها بعقد النكاح مهر ينقسم ثلاثة أقسام.
قسم تكون مفوضة وقسم لا تكون مفوضة وقسم اختلف أصحابنا في كونها مفوضة.
فأما التي تكون مفوضة فهي التي يشترط في عقد نكاحها مع إذنها وجواز أمرها أن لا مهر لها.
وأما التي لا تكون مفوضة: فهي المنكوحة على مهر مجهول أو حرام أو فوضها وليها بغير إذنها.
وأما التي اختلف أصحابنا في كونها مفوضة: فهي التي ترك ذكر الصداق في نكاحها من غير شرط.
فعلى قول أبي إسحاق المروزي: ليست مفوضة.
وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة: إنها مفوضة، والله أعلم.
تفسير مهر مثلها قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وحتى قلت لها مهر نسائها فإنما أعني نساء عصبتها وليس أمها من نسائها وأعني (نساء) بلدها".

قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا استحقت المرأة مهر مثلها في الموضع الذي يجب لها مهر المثل وقد مضى في مواضعه وجب أن يعتبر مهر مثلها في حالتين: إحداهما: في منصبها.
والثانية: في صفات ذاتها.
فأما المنصب فمعتبر بنظيرها في النسب.
وقال مالك: فمعتبر بنظيرها في البلد فغلب اعتبار البلد على اعتبار النسب وهذا فساد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق بمهر نسائها والميراث.
ولأن الأنساب معقودة في المناكح دون البلدان ولأنها من صفات الذات اللازمة ولأن أهل البلد قد تختلف مهورهم باختلاف الأنساب وإذا وجب اعتبار النظير في النسب وجب اعتبار نظيرها من النساء العصبات من قبل الأب ولا اعتبار بنساء الأم ولا بنساء ذوي الأرحام.
وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى هما سواء فيعتبر بناء أهلها من قبل الأب والأم من العصبات وذوي الأرحام.
وهذا فاسل لأن النسب معتبر بالأب دون الأم وكذلك كان ولد العربي من النبطية عربيا وولد النبطي من العربية نبطيا فاقتضى إذا كان منصب النسب معتبرا أن يكون من قبل الأب الذي ثبت به النسب دون الأم التي لا يلحق بها نسب.
الفصل: فإذا ثبت اعتبارها بناء عصبتها فأقربهن الأخوات فيعتبر الأخوات من الأب والأم والأخوات من الأب ولا اعتبار بالأخوات من الأم لأنهن مشاركات في الرحم دون النسب.
فلو اجتمع أخوات لأب وأم وأخوات لأب ففيهن وجهان: أحدهما: أنهن سواء.
والثاني: أن اعتبار الأخوات من الأب والأم لاجتماع السببين فهن مقدمات على الأخوات من الأب.
ولا اعتبار ببنات الأخوات ثم بنات الإخوة وبنيهم ثم العمات دون بناتهن ثم بنات الأعمام وبنيهم ثم عمات الأب دون بناتهن ثم أعمام الأب وبنيهم ثم كذلك أبدًا في نساء العصبات فإذا عدم العصبات ففي اعتبار ناء المولى المعتق وجهان: أحدهما: يعتبرون لأن المولى عصبة.
والثاني: لا يعتبرون لأنه لا يلحق بالمولى نسب وان جرى في التعصيب مجرى النسب.

الفصل: فإذا ثبت أن الاعتبار بالصعبات دون الأمهات فقد قال الشافعي: "أعني نساء بلدها" فيكون الاعتبار من كان من عصباتها في بلدها دون من كان في غيره لأن للبلدان في المهور عادات مختلفة فتكون عادلت بعض البلدان تخفيف المهور وعادلت بعضها تثقيل المهور فاقتضى أن يكون ذلك معتبرًا كما تعتبر قيمة المتلف في موضع إتلافه لأن القيم تختلف باختلاف الأمكنة فلذلك وجب اعتبار البلد مع نساء العصبات، فهذا حكم المنصب.
مسألة: قال الشافعي: "ومهر من في مثل سنها وعقلها وحمقها وجمالها وقبحها ويسرها وعسرها وأدبها وصراحتها وبكرا كانت أو ثيبًا؛ لأن المهور بذلك تختلف".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وصفات الذات المعتبرة في المهور شرط في الحكم بمهر المثل كما تعتبر صفات ما يقوم والصفات المعتبرة في مهر المثل عشرة: أحدهما: السن لاختلاف المهر باختلافه، لأن الصغيرة أرجى للولد وألذ في الاستمتاع من الكبيرة.
والثاني: عقلها وحمقها فإن للعاقلة مهرًا وللرعناء والحمقاء دونه لكثرة الرغبة في العاقلة وقلة الرغبة في الحمقاء، وحكي عن قتادة في قول الله تعالى:} لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿[هود:7] أي أيكم أتم عقلا.
وروى كليب بن وائل عن عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا:﴾ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿[هود:7] ثم قال: "أيكم أحسن عقلا وأردع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله تعالى.
والثالث: جمالها وقبحها فإن مهر الجميلة أكثر من مهر القبيحة وقد روى سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينكح النساء لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فعليك بذات الدين تربت يداك".
والرابع: يسارها وإعسارها أن ذا المال مطلوب ومخطوب فيكثر مهر الموسرة بكثرة طالبها ويقل مهر الموسرة لقلة خاطبها.
وقد قال ابن عباس وقتادة في قول الله تعالى:﴾ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ {[العاديات: 8] يعني المال.

وروى مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تزوج ذات جمال ومال فقد أصاب سدادا من عوز".
والخامس: إسلامها وكفرها لقوله تعالى:} وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴿[البقرة: 221] والسادس: عفتها وفجورها؛ لأن الرغبة في العفة أكثر ومهرها لكثرة الراغب فيها أكثر.
وقد قال الله تعالى:﴾ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ {[النور: 3].
والسابع: حريتها ورقها لنقصان الأمة عن أحكام الحرة وان كان نكاحها لا يحل لكل حر.
والثامن: بكارتها وثيوبتها لأن الرغبة في البكر أكثر منها في الثيب وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاما، وأعز غرة، وأرضى باليسير".
ومعنى قوله: "أنتق أرحامًا" أي أكثر أولادًا، وفي قوله: "وأعز غرة" روايتان: أحداهما: غرة بكر الغين يريد أنهن أبعد من معرفة الشر وأقل فطنة له.
والرواية الثانية: وأغر غرة: بضم الغين وفيه تأويلان: أحداهما: أنه أراد غرة البياض لأن الأغير وطول التعبيس يحيلان اللون ويبليان الجسد.
والثاني: أنه أراد حسن الخلق وحسن العشرة.
وقال معاذ بن جبل: "عليكم بالأبكار فإنهن أكثر حبًا وأقل خبًا".
والتاسع: أدبها وبذاؤها، لأن الأديبة مرغوب فيها والبذيئة مهروب منها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "البذاء لؤم ومحبة الأحمق شؤم".
والعاشر: قول الشافعي: وصراحتها فاختلف أصحابنا في معناه فقال بعضهم: يريد فصاحتها لأن لفصاحة المنطقة حظًا من الاستمتاع.
وقال الأكثرون: بل أواد به صراحة النسب المقصود في المناكح والصريح النسب الذي أبواه عربيان.

والهجين: الذي أبوه عربي وأمه أمة.
والمزرع: فيه تأويلان: أحدهما: الذي أمه عربية وأبوه عبد.
والثاني: أنه الذي أمه أشرف نسبًا من أبيه.
قال الشاعر: إِنَّ المذَرَّع لَا تُغْنِي خُؤولَتُه كَالبَغْل يَعْجَز عَنْ شَوْطِ المَحَاضِرِ والفلنقس فيه تأويلان: أحدهما: أنه الذي أبوه مولى وأمه عربية.
والثاني: أنه الذي أبواه عربيان وجدناه من قبل أبويه أمتان.
فهذه عشرة أوصاف تعتبر في مهر مثلها لاختلاف المهر بها وقد ذكر الشافعي منها سبعة وأعقل ثلاثة وهي: الدين والعفة والحرية اكتفاء بما ذكره منها في اعتبار الكفاءة.
وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على بعضها ونبه على باقيها بقوله عليه السلام: "تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها ومبسمها" وروي: وسامتها، فعليك بذات للدين تربت يداك".
وفيها ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه افتقرت يداك إن لم تظفر بذات الدين يقال: ترب الرجل إذا افتقر وأترب إذا استغنى.
والثاني: أن معناه استغنت يداك إن ظفرت بذات الدين ويكون تربت من أسماء الأضداد بمعنى الغنى والفقر رأيه في قدر تلك الصفة وقسطها من تلك المهور فزادها إن كانت الصفة زائدة أو نقصها إن كانت الصفة ناقصة لأنه قل ما يتساوى صفاتها وصفات جميع نساء عصبتها فلم يجد بدًا من اعتبار ما اختلفن فيه بما ذكرنا، والله أعلم.
والثالث: أنها كلمة فقال على ألسنة العرب لا يراد بها حمد ولا ذم كما يقال ما أشجعه قاتله الله وكالذي حكاه الله تعالى عن سارة زوجة إبراهيم حين بشرت بالولد: ﴿قَالَتْ يَا ويْلَتَى أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ وهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: 72] وهي لا تدعو بالويل عند البشرى ولكن كلمة مألوفة للنساء عند سماع ما يعجل من فرح أو حزن، فإذا وجدت أوصافها التي يختلف بها المهر من يسار عصبتها وكانت مهورهن مقدرة صار مهر مثلها ذلك القدر فإن خالفتهن في إحدى الصفات أشهد الحاكم.

مسألة: قال الشافعي: "واجعله نقدًا كله لأن الحكم بالقيمة لا يكون بدين".
قال في الحاوي: وهذا كما قال في الحكم بمهر المثل مع اعتبار تلك الأوصاف شرطان: أحدهما: أن يكون من نقود الأثمان والقيم وهي الدراهم والدنانير لأن قيم المتلفات لا تكون إلا منها ومهر المثل قيمة متلف فعلى هذا لو كان مهر نساء عصينها إبلًا أو عبيدًا أو ثيابًا قومها بالدراهم أو الدنانير وحكم لها بقيمة الإبل أو العبيد أو الثياب من أغلب النقدين من الدراهم أو الدنانير في أثمان الإبل والعبيد دون المهور.
والثاني: أن لا يحكم به إلا حالًا وإن كان نساء عصبتها ينكحن بمهور مؤجلة لأن قيمة المتلف لا تتأجل.
فإن قيل: أفليس دية الخطأ مؤجلة وهي قيمة متلف؟ قيل: ليست الدية قيمة لكونها مقدرة والقيمة لا تتقدر ولو كانت قيمة لجاز أن تخالف أحكام القيمة في التأجيل كما خالفتها ني وجوبها على غير المتلف من العاقلة.
وإن كانت قيم المتلفات لا تجب إلا على المتلف.
وإذا وجب أن يحكم بها نقدًا حالًا وكانت مهورهن مؤجلة نظر: فإن كان وقت حكمه بمهر المثل هو وقت المؤجل ساوى بين القدرين ولم ينقص منه بالتعجيل شيئًا.
وإن كان وقت حكمه بمهر المثل قبل حلول آجال تلك المهور نقص من مهر المثل بالتعجيل بقدر ما يكون بين الحال والمؤجل في العرف والعادة.
مسألة: قال الشافعي: "فإن لم يكن لها نسب فمهر أقرب الناس منها شبهًا فيما وصفت".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن مهر مثلها معتبر بنساء عصبتها فإذا وجدن ولم يجز العدول عنهن إلى نساء الأم.
فإن عدم نساء العصبات اعتبر بعدهن للضرورة نساء الأم لأنهن أقرب إليها بعد العصبات من الأجانب.
فنبدأ باعتبار الأم ثم بناتها وهن الأخوات من الأم ثم بأمها وهي الجدة من الأم.
فإن اجتمع جدتان أم أب وأم أم ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن اعتبارها بأم الأب أولى به لأنها من جهة التعصيب.

والثاني: أن أم الأم أولى لأن العصبة فيها محققة.
والثالث: أنهما سواء.
ثم بعد الجدات الخالات ثم بنات الأخوات ثم بنات الأخوال ثم على هذا فإذا عدم جمع القرابات فنساء بلدها لاشتراكهن في العادة فإذا عدمن فأقرب البلاد ببلدها.
مسألة: قال الشافعي: "وإن كان نساؤها إذا نكحن في عشائرهن خففن خففت في عشيرتها".
قال في الحاوي: اعلم أن العادات في مهر المثل معتبرة فربما جرت عادة قبيلتها إذا نكحن في عشائرهن خففن المهور وإذا نكحن في غير عشائرهن ثقلن المهور وهذا يكون من عادات القبيلة التي تشرف على غيرها.
فإن كانت من هؤلاء وكان الزوج من عشيرتها خفف مهر مثلها وإن كان من غير عشيرتها ثقل مهر مثلها.
وربما كانت عادة قبيلتها إذا نكحن في عشائرهن ثقلن المهور وإذا أنكحن في غير عشائرهن خففن المهور وهذا يكون من عادات القبيلة الدنيئة التي غيرها أشرف منها فإن كانت من هؤلاء وكان الزوج من عشيرتها ثقل مهرها.
فإن قيل: فإذا كنتم تعتبرون مهر المثل بقيم المتلفات فالمعتبر في القيم حال التالف لا حال المتلف فكيف اعتبرتم هاهنا حال المتلف وحال التالف؟ قيل: لأن كل واحد من الزوجين مقصود بالعقد في النكاح فجاز أن يعتبر بالتالف والمتلف وليس كسائر المتلفات التي لا يعتبر فيها إلا أثمانها بالعقود وقيمها بالاستهلاك.
وعلى هذا: إذا كان عادة قبيلتها أن يخففن المهور في نكاح الشباب ويثقلن المهور في نكاح الشيوخ.
روعي ذلك، والله أعلم.

باب الاختلاف في المهور

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا اختلف الزوجان في المهر قبل الدخول أو بعده تحالفا ولها مهر مثلها وبدأت بالرجل".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا اختلف الزوجان في قدر المهر أو جنسه أو في صفته فقال الزوج: تزوجتك على

صداق ألف وقالت الزوجة: بل على صداق ألفين أو قال: تزوجتك على دراهم وقالت: بل على دنانير أو قال على صداق مؤجل فقالت: بل حال فكل ذلك سواء ويتحالف الزوجان عليه عند عدم البينة وقال النخعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف: القول فيه قول الزوج.
وقال أبو حنيفة ومحمد: إن كان الاختلاف بعد الطلاق فالقول قول الزوج وإن كان قبل الطلاق فالقول قول الزوجة إلا أن تدعي أكثر من مهر المثل.
فيكون القول في الزيادة على مهر المثل قول الزوج.
وقال مالك: إن كان الاختلاف بعد الدخول فالقول قول الزوج لأنه غارم وإن كان قبل الدخول تحالفًا.
وأصل هذه المسألة: اختلاف المتبايعين في قدر الثمن أو المثمن فيبني كل واحد من الفقهاء اختلاف الزوجين في الصداق على مذهبه في اختلاف المتبايعين في البيع وقد مضى الكلام معه في كتاب البيوع.
ثم من الدليل على صحة ما ذهبنا إليه من تحالفهما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر".
وكل واحد من للزوجين مدعِ ومدعى عليه.
فإن الزوج يقول: تزوجتك بألف وما تزوجتك بألفين.
والزوجة تقول: تزوجتني بألفين وما تزوجتني بألف.
فلم يتراجح أحدهما على صاحبه وتساويا في الدعوى والإنكار فتحالفا ولأنهما لو تداعيا دارًا هي في أيديهما وتساويا فيها ولم يترجح أحدهما على صاحبه بشيء تحالفا كذلك اختلاف للزوجين عند تساويهما يوجب تحالفهما.
فصل: فإذا ثبت تحالف للزوجين فإنهما يتحالفان عند الحاكم لآن الأيمان في الحقوق لا يستوفيها إلا الحاكم فإذا حضراه قال الشافعي هاهنا: بدأ بإحلاف الزوج.
وقال في اختلاف المتيايعين: إنه يبدأ بإحلاف البائع وهو يتنزل منزلة الزوجة في النكاح والزوج يتنزل منزلة المشتري في البيع.
وقال في كتاب "الدعوى والبينات" في اختلاف المتبايعين ما يدل على أن الحاكم بالخيار في البداية بإحلاف أيهما شاء.
فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة طرق: أحدها: أن المسألتين في اختلاف الزوجين والمتبايعين على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يبدأ بإحلاف البائع والزوجة على ما يقتضيه في البيوع.

والقول الثاني: أنه يبدأ بإحلاف الزوج والمشتري على ما يقتضيه نصه في الصداق.
والقول الثالث: أن الحاكم بالخيار في البداية بإحلاف أي الزوجين شاء على ما يقتضيه كلامه في الدعوى والبينات.
والثانية: وهي طريقة أبي حامد المروزي: أن المسألتين على قول واحد وأن الحاكم فيهما بالخيار في البداية يإحلاف أي الزوجين شاء وأي المتبايعين شاء.
والثالثة: وهي طريقة أبي إسحاق المروزي: أن حكم المسألتين مختلف وأنه يبدأ في اختلاف للزوجين بإحلاف الزوج قبل الزوجة.
وفي اختلاف المتبايعين بإحلاف البائع قبل المشتري.
والفرق بينهما: أن جنبة البائع أقوى لعود السلعة إليه بعد التحالف فبدأ بإحلافه وجنبة الزوج أقوى لأنه قد ملك البضع ولا يزول ملكه عنه بعد التحالف فبدأ بإحلافه، والله أعلم.
فصل: فإذا ثبت تحالفهما ومن بدأ الحاكم بإحلافه متهما فقد اختلف أصحابنا: هل يحلف كل واحد منهما يمينًا واحدة أو يمينين؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول كثير من أصحابنا ن أنه يحلف كل واحد عنهما يمينًا واحدة تجمع النفي والإثبات لأنه أسرع إلى فصل القضاء فعلى هذا في كيفية يمينه وجهان: أحدهما: يصرح فيها بالابتداء بالنفي ثم بالإثبات فيقول الزوج: والله ما تزوجتك على صداق ألفين ولقد تزوجتك على صداق ألف.
ثم تحلف الزوجة فتقول: والله ما تزوجتني على صداق ألف ولقد تزوجتني على صداق ألفين.
والثاني: أنه لا يصرح بالنفي ويصرح بالإثبات الدال على النفي فيقول والله ما تزوجتك إلا على صداق ألف.
وتقول الزوجة: والله ما تزوجتني إلا على صداق ألفين لأن اليمين على هذا الوجه أوجز واللفظ فيه أخص.
فهذا إذا قيل يحلفهما يمينًا واحدة.
والوجه الثاني: أنه يحلف كل واحد منهما يمينين.
يمينًا للنفي ثم يمينًا للإثبات.
وهذا قول أبي العباس بن سريج فيبدأ بيمين النفي.
فيقول الزوج: والله ما تزوجتك على صداق ألفين وتقول الزوجة: والله ما تزوجتني على صداق ألف.
ثم يحلفهما بعد ذلك يمين الإثبات فيقول الزوج ن والله لقد تزوجتك على صداق ألف.
ونقول الزوجة: والله لقد تزوجتني على صداق ألفين.
فصل: فإذا تحالف الزوجان على ما وصفنا بطل الصداق لأنه تردد بين أن يكون ألفًا بيمين

الزوج وبين أن يكون ألفين بيمين الزوجة فصار كما لو تزوجها على صداق ألف أو ألفين فيكون باطلًا للجهل به كذلك إذا تحالفا.
وهل يبطل الصداق بنفس التحالف أو بفسخ الحاكم؟ على رجلين مضيا في البيوع ثم إذا بطل الصداق لم يبطل النكاح.
وقال مالك: إذا تحالفا بطل النكاح بناء على أصله في أن فساد الصداق موجب فإن فساد الصداق إذا سقط من النكاح صار نكاحًا بغير صداق ولو نكحها على غير صداق صح النكاح فكذلك إذا نكحها على صداق فاسد وكان هذا بخلاف تحالف المتبايعين في بطلان البيع بعد التحالف لأن البيع لا يصح إلا بثمن فبطل ببطلان والنكاح يصح بغير صداق فلم يبطل ببطلان الصداق.
فصل: فإذا ثبت أن النكاح لا يبطل بتحالفها حكم لها بمهر المثل لأنه قد صار بالعقد مستهلكًا لبضعها فلزمه غرم قيمته وهو مهر المثل كما يلزم البائع بعد التحالف إذا تلفت السلعة غرم قيمتها ويحكم لها بمهر المثل سواء كان أقل مما دعته أو أكثر.
وقال أبو علي بن خيران: يحكم لها بمهر المثل وإن كان مثل ما ادعته أو أقل ولا يحكم لها إذا كان أكثر مما ادعت إلا يقدر ما ادعت لأنها غير مدعية للزيادة فلم يحكم لها بما لا تدعيه وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن دعواها كانت لمسمي في عقد وقد بطل بالتحالف وهذا قيمة متلف فلم يؤثر فيه حكم الدعوى في غيره.
والثاني: أنه لما كان لو نقص مهر المثل عما أقر به الزوج لم يلزمه إلا مهر المثل وإن كان مقرًا بالزيادة وجب إذا كان مهر المثل أكثر مما ادعت أن يحكم لها به وإن كانت غير مدعية للزيادة والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "وهكذا الزوج وأبو الصبية البكر وورثه الزوجين أو حدهما".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي هاهنا مسألتين: إحداهما: اختلاف الزوج والولي.
والثانية: في اختلاف ورثة الزوجين أو أحدهما وورثة الآخر.
فأما المسألة الأولى: وهي اختلاف الزوج والولي فهذا على ضربين:

أحدهما: أن تكون الزوجة وقت العقد جائزة الأمر بالبلد والعقل فلا اعتبار يقول الولي في تصديق أو تكذيب سواء كان الولي أبًا أو عصبة وسواء كانت الزوجة بكرًا أو ثيبًا.
فإن كانت الزوجة مصدقة لزوجها على قدر الصداق لم يؤثر فيه مخالفة الولي وإن كانت الزوجة مخالفة لزوجها في قدر الصداق لم يؤثر فيه تصديق الولي وكان للزوجين أن يتحالفا على ما مضى ولم يجز أن يكون الولي شاهدًا للزوج قيما ادعاه من الصداق لأنه يشهد على فعل نفسه.
والثاني: أن تكون الزوجة وقت العقد صغيرة فليس يصبح أن يزوجها إلا أبوها أو جدها.
فإذا اختلف الأب والزوج في قدر صداقها فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون ما ادعاه الأب هو قدر مهر المثل وما يقر به الزوج أقل فلا تحالف بينهما والقول فيه قول الأب بغير يمين لأنه لا يجوز للأب أن يزوج الصغيرة بأقل من مهر المثل ولو زوجها به لكان لها مهر المثل.
والثاني: أن يكون ما ادعاه الأب أكثر من مهر المثل وما أقر به الزوج قدر مهر المثل فهاهنا يكون التحالف وإذا وجب التحالف فلا يخلو حال الزوجة وقت الاختلاف والتحالف من أحد أمرين: إما أن نكون على حال الصخر أو قد بلغت.
فإن كانت صغيرة حلف الزوج وهل يحالفه الأب أو تكون اليمين موقوفة على بلوغ الزوجة؟ على وجهين: أحدهما: أن الزوج إذا حلف لم يجز للأب أن يحلف معه ووقفت اليمين بلوغ الزوجة لأمرين: أحدهما: أن النيابة في الإيمان لا تصح.
والثاني: أن اليمين إنما وضعت لإثبات حق الحالين أو رفع مطالبه عنه وليس الأب بهذه المنزلة فلم يجز أن يحلف وتأول قائل هذا الوجه قول الشافعي: "وكذلك الزوج وأبو الصبية" يعني في أنهما إذا اختلفا قدم الحاكم الزوج في إحلافه.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج وأبي إسحاق المروزي.
والظاهر من نص الشافعي: أنه يجوز للأب أن يحلف مع الزوج لأمرين: أحدهما: أنه مباشر للعقد فجاز أن يحلف على فعل نفسه وإن كان في حق غيره كالوكيل.
والثاني: وأشار إليه ابن سريج: أنه لما قبل إقراره فيه وإن كان في حق غيره جاز إحلافه فيه عند إنكاره.
فعلى هذا إن حالف الأب الزوج حكم للزوجة بمهر المثل وإن نكل الأب عن اليمين ففيه وجهان:

أحدهما: يحكم بنكوله ويقضى بالمهر الذي اعترف به الزوج إذا كان بقدر مهر المثل لأن من حكم يمينه إذا حلف حكم بنكوله إذا نكل.
والثاني: أنه لا يحكم بنكوله لما فيه من إسقاط حق الزوجة وتوقف اليمين على بلوغها لجواز أن يثبت بيمينها ما لا يثبته الولي فيحكم لها به.
وإن كانت الزوجة وقت التحالف بالغة؟ فإن قيل: إن الأب لا يجوز أن يحالف الزوج في حال صغرها فأولى أن لا يحالفها في حال كبرها.
وإذا قيل: له مخالفة الزوج في حال صغرها فأيهما أحق بمخالفة الزوج؟ فيه وجهان: من اختلاف المعنيين في تعليل هذا الوجه: أحدهما: أن الأب المباشر للعقد هو المحالف للزوج لفضل مباشرته وتعليلًا بقبول اعترافه.
والثاني: أن الزوجة المالكة هي المحالفة للزوج دون الأب لاختصاصها بالملك وتعليلًا بأن الأب نائب.
وعلى الوجهين معًا: لو امتنع الأب من اليمين جاز لها مخالفة الزوج وإنما الوجهان: هل يجوز مع بلوغها أن يحلف الأب؟ فصل: وأما المسالة الثانية: وهي اختلاف ورثة الزوجين أو أحدهما وورثة الآخر فقد حكي عن أبي حنيفة أنه إذا طالت صحبة الزوجين وحسنت عشرتهما وذهبت عشيرتهما ثم ماتت الزوجة لم يكن لوارثها مطالبة الزوج بصداقها وحكاه عند أبي الحسن الكرخي من أصحابه وعلى مذهب الشافعي وجمهور الفقهاء لوارثها مطالبة الزوج بصداقها وإن طالت صحبتهما لأمرين: أحدهما: أنه لما جازت مطالبته مع قرب المدة جازت مع بعدها كالدين.
والثاني: أنه لما جاز للزوجة مطالبته جاز لوارثها مطالبته كالمدة القصيرة فلذا ثبت أن الصداق باق وأن للوارث مطالبة الزوج به فاختلفا في قدره جاز أن يتحالفا عليه لأن الوارث يقوم مقام موروثه في الاستحقاق فقام مقامه في لتحالف فعلى هذا إن تحالف وارثا الزوجين حلفا كتحالف الزوجين إلا في شيء واحد وهو أن يمين الزوجين على البت والقطع في النفي والإثبات جميعًا ويمين الوارثين على نفي العلم في النفي وعلى القطع في الإثبات لأن من حلف على فعل نفسه كانت يمينه على القطع في نفيه وإثباته، ومن حلف على فعل غيره كانت يمينه على العلم في نفيه وعلى القطع في إثباته.
فعلى هذا يحلف وارث الزوج فيقول: والله ما أعلمه تزوجها على صداق ألفين ولقد تزوجها على صداق ألف.

ويقول وارث الزوجة: والله ما أعلمه تزوجها على صداق ألف ولقد تزوجها على صداق ألفين.
فإن كان الورثة جماعة حلف كل واحد منهم يمينًا على ما وصفنا ولم ينب أحدهم عن غيره فيها فإن حلف بعضهم ونكل بعضهم أجرى على الحان حكمه وعلى الناكل حكمه.
ولو مات أحد الزوجين وكان الآخر باقيًا تحالف الباقي منهما ووارث الميت وكانت يمين الباقي على القطع في نفيه وإثباته ويمين الوارث على للعلم في نفيه وعلى القطع في إثباته.
فصل: فأما إذا كان الاختلاف في المهر بين أبوي الزوجين الصغيرين فان حكم بالصداق في مال الزوج إما ليساره وإما على أحد القولين في إعساره فلا تحالف بينهما لأن الأب لا يجوز أن يزوج ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل ولا يجوز لأب الزوجة الصغيرة أن يزوجها بأقل من مهر المثل فبطل التحالف ووجب مهر المثل لأن أبا الزوج لا يجوز أن يزيد عليه وأبا الزوجة لا يجوز أن ينقص منه.
وإن حكم بالصداق على أبي الزوج جاز التحالف لأنه يجوز أن يبذل الأب من ماله عن ابنه أكثر من مهر المثل.
فعلى هذا لأبي الزوج أن يحلف مع صغر ابنه ومع كبره وهل يجوز لأبي الزوجة أن يحلف مع صغرها أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين.
فصل: وإذا اختلف زوج الأمة وسيدها في قدر صداقها تحالف عليه الزوج والسيد دون الزوجة لأنه حق للسيد دونها وكذلك لو كانت الزوجة مدبرة أم أم ولد ولو كانت مكاتبة كانت هي المحالفة دون السيد لأن مهر المكاتبة لها ومهر المدبرة وأم الولد لسيدها.
مسألة: قال الشافعي: "والقول قول المرأة ما قبضت مهرها؛ لأنه حق من الحقوق لا يزول إلا بإقرار الذي له الحق ومن إليه الحق".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا اختلف الزوجان في قبض المهر مع اتفاقهما على قدره فقال الزوج: قد أقبضتك مهرك وقالت الزوجة لم أقبضه.
فالقول قول الزوجة مع يمينها أنها لم تقبضه وسواء كان قبل للدخول أو بعده أو قبل الزفاف أو بعده.

وحكي عن بعض الفقهاء السبعة بالمدينة أنه إذا كان قبل الزفاف فالقول قولها وإن كان بعد الزفاف فالقول قوله.
وقال مالك: إن كان قبل للدخول فالقول قولها وإن كان بعد الدخول فالقول قوله استدلالًا بالفرق أنها لا تسلم نفسها غالبًا إلا بعد قبض المهر فكان الظاهر بعد الدخول والزفاف مع الزوج فقبل قوله وقبل الدخول والزفاف مع الزوجة فلم يقبل قوله.
وهذا فاسد لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"البينة على المدعي واليمين على من أنكر" والزوج مدع فكلف البينة والزوجة منكره فكلفت اليمين ولأن من ثبت في ذمته حق لغيره لم يقبل قوله في دفعه والديون فأما الاعتبار بالعادة فغير صحيح لأن عادات الناس فيه مختلفة ثم لو اتفقت لما تعلق بها حكم ألا ترى أن مشتري السلعة إذا ادعى دفع ثمنها بعد قبضها لم يقبل قوله.
وإن جرت العادة بأن السلعة لا تسلم إليه إلا بعد قبض الثمن منه.
ولو ادعى للراهن قضاء الدين رد الرهن عليه لم يقيل قوله وإن جرت العادة أن الراهن لا يرد إلا بعد قبض الدين كذلك الزوجة.
مسألة: قال الشافعي: "فإن قالت المرأة: الذي قبضت هدية وقال: بل هو مهر فقد أقرت بمال وادعت ملكه فالقول قوله".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا دفع الزوج إليها مالًا ثم اختلفا فيه فقالت الزوجة: أخذته هبة وصداقي باقٍ وقال الزوج: بل دفعته صداقًا.
فالقول قول الزوج سواء كانت من جنس الصداق أو من غيره وسواء كان مما جرت العادة بمهاداة الزوج بمثله أم لا.
وقال مالك: إن كان مما جرت العادة أن يهديه الزوج للزوجة كالثوب والمقنعة والطيب والحلي فالقول قولها مع يمينها اعتبارًا بالعرف ولها المطالبة بمهرها.
وهذا خطأ؛ لأن الأموال لا تتملك على أربابها بالدعاوى ولأنها لو ادعت هبة ذلك وقد قبضت مهرها لم يقبل قولها فكذلك قبل قبضه.
وقد مضي الجواب عما استدل به من الصرف.
فصل: فإذا ثبت أن القول قول الزوج دونها فإن ادعت أنه صرح لها بالهبة كان لها إحلافه فيكون القول قوله مع يمينه فإن نكل عن اليمين ردت عليها وحكم لها إن خلفت.

وإن لم تدع أنه صرح لها بالهبة بل قالت: نواها وأرادها ولم يتلفظ بها فلا يمين عليه لأن الهبة لا تصح فلم يلزمه يمين في دعوى هبة فاسدة.
فإذا جعلنا القول قوله: لم يخل حال ما أقبضها من حالين: إما أن يكون من جنس صداقها لأنه دراهم وقد دفع إليها دنانير له والصداق عليه لا يقبل قوله في أنها أخذت الدنانير بدلًا من صداقها فإن ادعى ذلك عليها أحلفها.
مسألة: قال الشافعي: "ويبرأ بدفع المهر إلى أبي البكر صغيرة كانت أو كبيرة التي على أبوها بضعها ومالها".
قال في الحاوي: اعلم أن الأب إذا قبض مهر ابنته لم بخل حالها من أحد أمرين: إما أن يكون المولي عليها أو رشيدة.
فإن كان مولي عليها لصغر أو جنون أو سفه: جاز له قبض مهرها لاستحقاقه الولاية على مالها ولو قبضته من زوجها لم يصح ولم يبرأ الزوج منه إلا أن يبادر الأب إلى أخذه منها فيبرأ الزوج حينئذٍ منه وإن كانت بالغة عاقلة رشيدة فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون ثيبًا لا تجبر على النكاح فليس للأب قبض مهرها إلا بإذنها فإن قبضه بغير إذنها لم يبر الزوج منه كما لو قبض لها دينًا أو ثمنًا.
والثاني: أن تكون بكرًا يجبرها أبوها على النكاح فالصحيح أنه لا يملك قبض مهرها إلا بإذنها فإن قبضه بغير إذن لم يبرأ الزوج منه وجعل له بعض أصحابنا قبض مهرها لأنه يملك إجبارها على النكاح كالصغيرة.
وقال أبو حنيفة: له قبض مهرها بكرًا كانت أو ثيبًا ما لم تنهه عنه وكلا المذهبين عنه غير صحيح لأن صداقها دين فلم يجز أن ينفرد الأب يقبضه مع رشدها كسائر الديون ولأن ما لم يملك قبض دينها لم يكن له قبض مهرها كغير الأب من الأولياء ولأنه لو ملك القبض بخير إذن لما أثر فيه النهي كحاله مع الصغيرة وإذا أثر فيه النهي لم يملكه بغير إذن كالوكيل، والله أعلم.
الشرط في المهر مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالي: "وإذا عقد النكاح بألف على أن لأبيها ألفا المهر فاسد لأن الألف ليس بمهر لها بحق له باشتراطه إياه".

قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا تزوجها على صداق ألف على أن لأبيها ألذ لم يصح الشرط ولم يلزمه دفع الألف إلى الأب ويبطل به الصداق.
وقال قتادة: الصداق صحيح على ألف والشرط لازم للأب وعلى الزوج له ألف بالشرط.
وقال مالك: الشرط باطل في حق الأب ويصير الألفان معًا صداقًا للزوجة والدليل على مالك في بطلان الشرط أن شروط العقود ما كانت في حق المعقود أو المعقود عليه وليس الأب واحدًا منهما فلم يصح الشرط له كما لو شرطه أجنبي.
والدليل على قتادة في أن ما شرطه الأب لا يصير صداقًا للزوجة: هو أن ما لم يجعل صداقًا مسمى لم يجز أن يصير صداقًا مسمى كالمشروط لغير الأب ولأنه لو جاز أن يكون ما شرطه للأب زيادة في الصداق لكان ما شرط على الأب نقصانا من الصداق وهذا باطل في الشرط عليه فبطل في الشرط له.
فصل: فإذا ثبت أن الشرط باطل في حق الأب بخلاف ما قاله قتادة وباطل في حق الزوجة بخلاف ما قاله مالك كان الصداق باطلًا لأن للشرط تأثرًا في النقصان منه وقدره مجهول فأفضى إلى جهالة جميع الصداق وإذا صار الصداق مجهولًا بطل ولم يبطل النكاح وكان لها مهر المثل فإن طلقت قبل الدخول كان لها نصف مهر المثل لأنه قد سمى لها صداقًا فاسدًا.
مسألة: قال الشافعي: "ولو نكح امرأة على ألف وعلى أن يعطى أباها ألفًا كان جائزًا ولها منعه وأخذها منه لأنها هبة لم تقبض أو وكالة".
قال في الحاوي: ذكر المزني هذه المسألة على صورة التي قبلها وخالف بينهما في الجواب فقال: لو نكحها على ألف وعلى أن يعطى أباها ألفا كان جائزًا.
وقال في الأولى: ولو عقد نكاحها بألف على أن لأبيها ألفًا فالمهر فاسد وهما في الصورة سواء وفي الجواب مختلفان.
فذهب أكثر أصحابنا إلى المزني أخطأ في نقل هذه المسألة وأن هذا الجواب مسطور للشافعي في الأم في غير هذه المسألة وهو أن يزوجها على ألفين على أن يعطي

أباها ألفًا منها أو تعطى أباها ألفًا منها فإن كانت هي المعطية للألف فهي هبة للأب وإن كان هو المعطى للألف احتمل أن تكون هبة للأب واحتمل أن نكون وكالة يتولى قبضها الأب فيكون الصداق جائزًا لأن جميع الألفين صداق ولم يؤثر فيه هذا الشرط لأنه لم يشترط لنفسه عليها ولا اشتراط لها على نفسه.
وإذا لم يكن الشرط على أحد هذين الوجهين لم يؤثر قي زيادة الصداق ولا نقصانه فسلم من الجهالة فلذلك صح.
فأما ما نقله المزنى فخطأ وجوابه كجواب المسألة الأولى لنماثلهما في الصورة والذي عندي أن نقل المزني صحيح وأنه متأول على ما ذكروه ومحمول الجواب علي ما صوروه لأن في لفظ المسألة دليل على هذا التأويل وهو المفرق بينها وبين المسألة الأولى لأنه قال في هذه ولو تزوجها على ألف وعلى أن يعطي أباها ألفًا وقال في الأولى: ولو عقد نكاحها بألف على أن لأبيها ألفًا فجعل لأبيها في هذه المسألة قبض الألف وجعل لأبيها في المسألة الأولى ملك الألف فدل عل أن الألفين في هذه المسألة صداق للزوجة فلذلك صح وفي الأولى إحداهما صداق لها والأخرى للأب فلذلك بطل.
ثم يوضح أن نقل المزني صحيح وأنه محمول على هذا التأويل ما ذكره في الحكم وبينه من التعليل لأنه قال: ولها منعه وأخذها منه وليس لها أن تمتع الزوج من دفع ماله ولا لها أن تأخذ غير صداقها فدل على أن الألفين كانت صداقًا لها ثم لين في التعليل فقال: لأنها هبة لم تقبض أو كالة لم تتم فدل على أن الشرط كان معقودًا على أن تهب هي من الألفين ألفًا لأبيها أو توكله في قبضها فكانت على خيارها في أن تتمم الهبة بالقبض أو ترجع فيها أو تتمم الوكالة أو تبطلها.
وقد ذكر الشافعي مثل هذه المسالة في كتاب الأم يريد بها ما ذكرنا من التأويل فقال: ولو أصدقها ألفين على أن يعطي أباها ألفًا وأمها ألفًا كان الكل للزوجة وإنما يكون الكل لها إذا كان الكل صداقًا تكون لها بالتسمية لا بالشرط بخلاف ما قاله مالك.
فصل: في الشروط التي تدخل النكاح.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أصدقها ألفًا على أن لها أن تخرج أو على أن لا يخرجها من بلدا أو على أن لا ينكح عليها أو يتسرى أو شرطت عليه منع ماله أن يفعله فلها مهر مثلها في ذلك كله فإن كان قد زادها على مهر مثلها وزادها الشرط أبطلت الشرط ولم أجعل لها الزيادة لفساد عقد المهر بالشرط ألا ترى لو اشترى عبدًا بمائة دينار (ورق)

خمر فمات العبد في يد المشترى ورضي البائع أن يأخذ المائة ويبطل الرق الخمر لم يكن ذلك لأن الثمن انعقد بما لا يجوز فطل وكانت له قيمة العبد".
قال في الحاوي: اعلم أن الشرط في النكاح ضربان: جائز ومحظور فأما الجائز: فما وافق حكم الشرع في مطلق العقد مثل أن يشترط عليها أن له أن يتسرى عليها أو يتزوج عليها أو يسافر بها أو أن يطلقها إذا شاء أو أن تشترط هي عليه أو يوليها صداقها أو أن ينفق عليها نفقة مثلها أو يقسم لها مع نسائه بالسوية.
فكل هذه الشروط جائزة والنكاح معها صحيح والمسمى فيه من الصداق لازم لأن ما شرطة الزوج منها لنفسه يجوز له فعله بغير شرط فكان أولي بأن يجوز مع الشرط.
وما شرطته الزوجة عليه يلزمه بغير شرط فكان أولى أن يلزمه الشرط وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج".
وأما المحظور منها: فمردود لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط شرط الله أحق وعقده أوثق".
روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المؤمنون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا".
والشروط المحظورة تنقسم أربعة أقسام: أحدها: ما يبطل به النكاح.
والثاني: ما يبطل به الصداق.
والثالث: ما يختلف حكمه لاختلاف مشترطه.
والرابع: ما اختلف أصحابنا فيه.
فصل: فأما القسم الأول: وهو ما يبطل النكاح فهو كل شرط رفع مقصود العقد مثل أن يتزوجها على أنها طالق رأس الشهر إذا قدم زيد أو على أن الطلاق بيدها تطلق نفسها متى شاءت.
فالنكاح بهذه للشروط باطل سواء كانت هذه الشروط من جهته أو من جهتها لأنها رافعة لمقصود العقد من البقاء والاستدامة قصار النكاح بها مقدر المدة فجرى مجرى

نكاح المتعة لكان باطلًا.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو ما يبطل الصداق دون النكاح: فهو كل شرط خالف حكم العقد وهو على ضربين: أحدهما: ما كان من جهة الزوج.
والثاني: ما كان من جهة الزوجة.
فأما ما كان من جهة الزوج: فمثل أن يتزوجها على أن لا يقسم لها مع نسائه أو على أن تخفف عنه نفقتها وكسوتها أو تنظره بهما.
وفي حكم ذلك: أن يشترط عليها أن لا تكلم أباها ولا أخاها فهذه كلها شروط باطلة لأنها من للشروط التي تحلل حرامًا أو تحرم حلالًا واختصت بالصداق دون النكاح لأن مقصود النكاح موجود معها فوجب أن يبطل الصداق بها لأنها قابلت منه جزءًا إذ كأنه زادها فيه لأجلها وإذا أوجب بطلانها يطل ما قابلها منه وهو مجهول صار الباقي بها مجهولًا فبطل وكان لها مهر المثل سواء كان أكثر مما سمى أو أقل.
وقال أبو حنيفة: إن كان مهر المثل أكثر من المسمى لم أوجب لها إلا المسمى وهو قول أبي علي بن خيران من أصحابنا لأنها رضيت به مع اشتراطه عليها فلأن ترضى به مع عدم الشروط أولى.
وهذا فاسد لأن سقوط المسمى بالفساد إذا أوجب الرجوع إلى القيمة استحقت وإن كانت أكثر من المسمى كمن قبض عبدًا اشتراه بألف على شروط فاسدة شرطها على بائعه ثم تلف العبد في يده وقيمته أكثر من ثمنه استحقت عليه القيمة دون المسمى وإن كانت القيمة أكثر كذلك هاهنا.
وأما ما كان من جهة الزوجة.
فمثل أن تشترط عليه أن لا يتزوج عليها أو أن لا يتسرى بالإماء وأن لا يسافر بها فهذه شروط فاسدة لأنها منعته مما له فعله وتوجهت إلى الصداق دون وجود مقصود النكاح معها.
وإذا كان كذلك فللصداق المسمى حالان: أحدهما: أن يكون أقل من مهر المثل فيبطل المسمى لبطلان الشروط التي قابلها جزء منه فصار به مجهولًا ويجب لها مهر المثل.
والثانية: أن يكون المسمى من الصداق أكثر من مهر المثل ففيما تستحقه وجهان: أحدهما: وهو الأصح أنها تستحق مهر المثل تعليلًا بما ذكرنا من بطلان المسمى بما قابله من الشروط التي صار بها مجهولًا.
والثاني: وهو قول المزني إنها تستحق المسمى لأن لا يجتمع عليها بخسان: بخس بإسقاط الشروط، وبخس بنقصان المهر.

ولأنها لم ترض مع ما شرطت إلا بزيادة ما سمت فإذا منعت الشروط لم تمنع المسمى.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو ما يختلف حكمه باختلاف مشترطه فهو ما منع مقصود العقد في إحدى الجهتين دون الأخرى فمثل أن يتزوجها على أن لا يطأها فان كان الشرط من جهتها فتزوجته على أن لا يطأها فالنكاح باطل لأنها منعته ما استحقه عليها من مقصود العقد.
وإن كان الشرط من جهته فتزوجها على أن لا يطأها فالنكاح على مذهب الشافعي صحيح لأن له الامتناع من وطئها بغير شرط فلم يكن في الشرط مع من موجب العقد.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: على الزوج أن يطأها في النكاح مرة واحدة على قوله إذا شرط عليها أن لا يطأها يبطل النكاح كما لو شرطت عليه أن لا يطأها.
وليس هذا بصحيح لما ذكره في باب العنين.
فأما إذا كان الشرط أن يطأها ليلًا دون النهار، فقد حكي أبو الطيب بن سلمة عن أبى القاسم الأنماطى أنه إذا شرط الزوج عليها ذلك صح الشرط لأنه له أن يفعل ذلك من غير شرط وإن شرطت الزوجة ذلك بطل النكاح لأنه يمنع مقصود العقد وهنا صحيح ولا يخالف فيه أبو علي بن أبي هريرة.
فأما إن كان الشرط أن لا يقسم لها: فإن كان من جهتها صح النكاح لأن لها العفو عن القسم.
وإن كان من جهته بطل النكاح إن كان معها غيرها وصح إن انفرد بنفسها لأنها تستحق القسم مع غيرها ولا تستحقه بانفرادها.
وأما إن كان الشرط أن لا يدخل عليها سفه: فقد قال الربيع: إن كان الشرط من جهته صح النكاح لأن له أن يمنع من الدخول بغير شرط وإن كان من جهتها بطل النكاح لأنه ليس لها أن تمنعه من غير شرط فصار الشرط مانعًا من مقصود العقد.
وعلى هذا التقدير لو تزوجها على أن يطلقها بعد شهر فإن كان الشرط من جهة الزوج صح العقد لأن له أن يطلقها من غير شرط وإن كان من جهة الزوجة بطل العقد لأنه منع من استدامة العقد.
ولو تزوجها على أن يخالعها بعد شهر.
فإن كان الشرط من جهتها يطل العقد وإن كان من جهته ففي بطلانه وجهان: أحدهما: أن العقد باطل لأنه قد أوجب عليها بالخلع بذل ما لا يلزمها.
والثاني: أن العقد صحيح لأنه شرط لم يمنع من مقصود العقد فصار عائدًا إلى الصداق فبطل به الصداق وكان لها مهر المثل.

فصل: وأما القسم الرابع: وهو ما اختلف أصحابنا فيه فهو ما رفع يدل المقصود بالعقد وذلك شأن الصداق والنفقة.
فإذا تزوجها على أن لا نفقة لها أبدًا.
فإن كان الشرط من جهتها توجه إلى الصداق دون النكاح لأنه حق لها إن تركته جاز فلذلك توجه إلى الصداق دون النكاح فيبطل الصداق ببطلان الشرط في النفقة وهو باطل باشتراط سقوطه والنكاح جائز ولها مهر المثل والنفقة.
وإن كان الشرط من جهة الزوج فهل يقدح في صحة النكاح أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أنه قادح في صحة النكاح فيكون باطلًا لأن ذلك مقصود العقد من جهة الزوجة فصار كالولي الذي هو مقصود العقد من جهة الزوج.
والثاني: أنه غير قادح في صحة النكاح لجواز خلو النكاح من صداق ونفقة فعلى هذا يختص هذا للشرط بفساد الصداق دون النكاح ويحكم لها بمهر المثل والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أصدقها دارًا واشترط له أو لهما الخيار فيها كان المهر فاسدًا".
قال في الحاوي: اعلم أن عقد النكاح لا يدخله خيار المجلس ولا خيار الثلاث لأنه ينعقد ناجزًا لا تقصد فيه المغابنة والخيار موضوع الاستدراك المغابنة.
فإن شرط فيه أحد الخيارين فهذا على ضربين: أحدهما: أن يشترطاه أو أحدهما في عقد النكاح فالنكاح بعطل باشتراطه فيه لمنافاته له في اللزوم.
والثاني: أن يكون مشروطًا في الصداق دون النكاح فقد قال الشافعي في الأم ونقله المزني هاهنا: أن الصداق باطل والنكاح جائز.
وقال في الإملاء: النكاح باطل.
فاختلف أصحابنا في اختلاف نصه في هذين الموضعين: فخرجه أبو علي بن أبي هريرة على قولين: أحدهما: أن الصداق باطل والنكاح جائز، لأن بطلان الصداق لا يقدح في صحة النكاح.
والثاني: أن النكاح باطل لبطلان الصداق ولم يحك عن الشافعي أنه أبطل النكاح لبطلان الصداق إلا في هذا الموقع لأن دخول الخيار في البدل كدخوله في المبدل.

وقال سائر أصحابنا: ليس ذلك على اختلاف قولين وإنما هو على اختلاف حالين.
فالموضع الذي أبطل فيه النكاح إذا كان الخيار مشروطًا في النكاح.
والموضع الذي أبطل فيه الصداق وأجاز النكاح إذا كان للخيار مشروطًا في الصداق دون النكاح لأن الصداق عقد يصح إفراده عن النكاح كما يصح إفراد النكاح عنه فلم يوجب بطلان الصداق بطلان النكاح.
فإذا قيل ببطلان النكاح فلا مهر فإن أصابها فعليه مهر مثلها وإذا قيل بصحة النكاح، فقد حكي أبو حامد الإسفراييني في الصداق والخيار لأصحابنا ثلاثة أوجه: ولم أر غيره يحكيه لأن نص الشافعي لا يقتضيه: أحدهما: وهو أن الخيار باطل والصداق باطل ولها مهر مثلها لأنه لما امتنع دخول الخيار في النكاح امتنع دخوله في بدله والخيار إذا دخل فيما ينافيه أبطله.
والثاني: وهو خلاف نصه: أن الصداق جائز والخيار ثابت لأن الصداق عقد معاوضة يصح إفراده فجرى حكمه حكم الخيار فيه مجراه في عقود المعارضات.
والثالث: أن الخيار باطل والصداق جائز لأن الصداق تبع للنكاح فيثبت ثبوته ولم يقدح فيه بطلان الشرط.
فصل: فأما إذا تزوجها على صداق ألف على أنه إن جاءها بالألف في يوم كذا وإلا فلا نكاح بينهما فهذا نكاح باطل وصداق باطل وشرط باطل.
وحكي عن طاوس وسفيان الثوري: أن الشرط باطل والنكاح جائز.
وحكي عن ابن عباس والاوزاعي: أن النكاح جائز والشرط ثابت وهذا قول فاسد بما قدمناه في كتاب البيوع.
مسألة: قال الشافعي: "ولو ضمن نفقتها أبو الزوج عشر سنين في كل سنة كذا لم يجز ضمان ما لم وأنه مرة أقل ومرة أكثر".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا كان الزوج ملكًا بنفقة زوجته وضمنها عنه أبوه أو غير أبيه من جميع الناس فسواء.
وهو على ضربين: أحدهما: أن يضمن نفقة ما مضى من الزمان فهذا ضمان مال قد وجب واستقر فيصح ضمانه إذا كان معلوم القدر ومن جنس يستقر ثبوته في الذمة.
والثاني: أن يضمن نفقة المستقبل فهذا على ضربين:

أحدهما: أن يكون مجهول المدة مثل أن يضمن لها نفقتها أبدًا فهذا ضمان باطل لأن ضمان المجهول باطل.
والثاني: أن يكون معلوم المدة مثل أن يضمن لها نفقتها عشر سنين ففي الضمان قولان بناء على اختلاف قولي الشافعي في نفقة الزوجة بماذا وجبت.
فأحد قوليه وهو في القديم وهو قول مالك: أنها وجبت بالعقد وحده وتستحق قبضها بالتمكين الحادث بعده كالصداق الواجب بالعقد والمستحق بالتمكين.
والثاني: وهو قوله في الجديد: أنها تجب بالتمكين الحادث بعد العقد وبه قال أبو حنيفة بخلاف الصداق لأن الصداق في مقابلة العقد فصار واجبًا بالعقد والنفقة في مقابلة الاستمتاع فصارت واجبة الاستمتاع.
فإذا تقرر هذان القولان في وجوب النفقة كان ضمانها مبنيًا عليهما.
فإن قلنا: إنها لا تجب إلا بالتمكين يومًا بيوم فضمانها باطل لأنه ضمان ما لم يجب وقد يجب بالتمكين وقد لا يجب بعده.
وإذا قلنا: إنها قد وجبت بالعقد جملة وتستحق قبضها بالتمكين يومًا بيوم صح ضمانها بشرطين: أحدهما: أن يكون ضمانه للقوت الذي هو الحب والحنطة أو الشعير بحسب قوت بلدهم دون الأدم والكسوة لأنهما لا يضبطانه بصفة ولا يتقدران بقيمة فإن قدرهما الحاكم بقيمة جعلهما دراهم معلومة لم يصح ضمانها أيضًا لأنه وإن قومها فهي مقومة لوقتها دون المستقبل وقد تزيد القيمة في المستقبل فيكون للزوجة المطالبة بفضل القيمة وقد ينقص فيكون للزوج أن ينقصها من القيمة.
والثاني: أن يكون ضمانه لنفقة المعسر التي لا تسقط عن الزوج باختلاف أحواله وهي مدّ واحد من كل يوم فإن ضمن لها نفقة موسر وهي مدان أو نفقة متوسط وهي مد ونصف فالزيادة على نفقة المعسر قد تجب إن أيسر وقد لا تجب إن أعسر فصار ضمانها ضمان ما لم يجب فعلى هذا يكون الضمان فيما زاد عن المدّ في نفقة المعسر باطلًا وهل يبطل في المدّ الذي هو نفقة المعمر أم لا؟ على قولين من تفريق الصفة، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "وكذلك لو قال ضمنت لك ما داينت به فلانًا أو ما وجب لك عليه لأنه ضمن ما لم يكن وما يجهل".
قال في الحاوي: وهذه مسألة من الضمان أوردها المزني هاهنا لأنه أصل يبني عليه ضمان النفقة.

وضمان الأموال على ضربين: أحدهما: ضمان ما وجب.
والثاني: ضمان ما لم يجب.
فأما ضمان ما وجب فضربان: معلوم ومجهول.
فإن كان معلومًا صح وإن كان مجهولًا بطل.
وأما ضمان ما لم يجب كقوله: من عامل فلانًا وادينه فعلى ضمان دينه.
فمذهب الشافعي: أنه ضمان باطل سواء عين المداين أو لم يعينه وسواء ذكر للدين قدرًا أو لم يذكره لأن الضمان لازم إن صح وما لم يجب فليس بلازم فلم يصح ضمانه.
فإن قيل: أفليس ضمان الدرك صحيح وهو ضمان ما لم يجب؟ قيل: الدرك إذا استحق فوجوبه قبل الضمان وهو معلوم القدر فصار ضمانه ضمانًا واجبًا معلومًا.
فهذا مذهب الشافعي في ضمان ما لم يجب وليس بواجب في الحال أنه باطل.
وقال أبو إسحاق المروزي: يصح ضمان ما لم يجب بشرطين: أحدهما: أن يكون لإنسان معين فإن كان لغير معين لم يصح.
والثاني: أن يكون في معلوم مقدر فإن كان في مقدر لم يصح اعتبارًا بضمان الدرك.
وليس لهذا الجمع وجه والفرق بينهما: أن استحقاق الدرك يقتضي وجوبه قبل الضمان فصح وما تعامل به مستحق بعد الضمان فلم يصح، والله أعلم.

باب عفو المهر وغير ذلك

قال الشافعي رحمه الله تعالي: قال الله تعالى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] قال: والذي بيده عقدة النكاح الزوج وذلك أنه إنما يعفو من ملك فجعل لها مما وجب لها من نصف المهر أن تعفو وجعل له أن يعفو بأن يتم لهم الصداق وبلغنا عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أن الذي بيده عقده النكاح الزوج وهو قول شريح وسعيد بن جبير وروى عن ابن المسيب وهو قول مجاهد.
قال الشافعي رحمه الله تعالي: فأما أبو البكر وأبو المحجور عليه فلا يجوز عقدهما كما لا تجوز لهما هبة أموالها".
قال في الحاوي: وأصل هذا قوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] وهذا خطاب للأزواج في طلاق النساء قبل الدخول وهو أولى الطلاقين لمن كان قبل للدخول كارهًا.

ثم قال: ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] يعني: سميتم لهن صديقًا: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فيه تأويلان: أحدهما: فنصف ما فرضتم لكم تسترجعون منهن.
والثاني: فنصف ما فرضتم لهن ليس عليكم غيره لهن.
ثم قال: ﴿إلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237] وهذا خطاب للزوجات عدل به بعد ذكر الأزواج إليهن وندبهن فيه إلى العفو عن حقهن من نصف الصداق ليكون عفو الزوجة أدعى إلى خطبتها وترغيب الأزواج فيها.
ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] وفيه قولان للشافعي: أحدهما: وهو قوله في القديم: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي أبو البكر الصغيرة أو جدها لأنه لما ندب الكبيرة إلى للعفو ندب ولي الصغيرة إلى مثله ليتساويا في ترغيب الأزواج فيهما.
وهو في الصحابة قول ابن عباس وفي التابعين قول الحسن ومجاهد وعكرمة وطاوس وفي الفقهاء قول ربيعة ومالك وأحمد بن حنبل.
والثاني: وهو قول في الجديد: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج ندبه الله تعالى إلى العفو كما ندبها ليكون عفوه ترغيبًا للنساء فيه كما كان عفوها ترغيبًا للرجال فيها.
وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب وجبير بن مطعم.
ومن التابعين: شريح وسعيد بن جبير وسعيد بن المسبب والشعبي.
ومن الفقهاء: قول سفيان الثوري وابن أبي ليلى وأبي حنيفة.
ثم قال: ﴿وأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237] وفي المقصود بهذا الخطاب قولان لأهل التأويل: أحدهما: أنه خطاب للزوج والزوجة وهو قول ابن عباس.
فيكون العفو الأول خطابًا للزوجة والعفو الثاني خطابًا للزوج والعفو الثالث خطابًا لهما.
والثاني: أنه خطاب للزوج وحده وهذا قول الشعبي فيكون العفو الأول خطابًا للكبيرة والعفو الثاني خطابًا الولي الصغيرة والعفو الثالث خطابًا للزوج وحده.
وفي قوله: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237] تأويلان: أحدهما: أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظلم صاحبه.
والثاني: أقرب إلى اتقاء أوامر الله تعالى في ندبه.
ثم قال: ﴿ولا تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237] أي تفضل كل واحد من الزوجين على صاحبه، بما ندب إليه من العفو ونبه على استعمال مثله في كل حق بين متخاصمين.
فهذا تأويل الآية.

فصل: فأما توجيه القولين في الذي بيده عقدة النكاح: فاستدل من نص قوله في للقديم أنه ولي الصغيرة وهو ذهب مالك من الآية بأربعة دلائل: أحدها: أنه افتتحها بخطاب الأزواج مواجهة ثم عدل بقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] خطابًا المكنى عنه غير مواجه والخطاب إذا عدل به عن المواجهة إلى الكناية اقتضى ظاهرة أن يتوجه إلى غير المواجه والزوج مواجه فلم تعد إليه الكناية والزوجة قد تقدم حكمها ولفظ الكناية مذكر فلم يجز أن نعود إليها فلم يبق من يتوجه الخطاب إليه غير الولي.
والدليل الثاني: من الآية قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] وليس أحد بعد الطلاق بيده عقدة النكاح إلا الولي لأنه يملك أن يزوجها فاقتضى أن يتوجه الخطاب إليه ولا يتوجه إلى الزوج الذي ليس العقد إليه ليكون للخطاب محمولًا على الحقيقة من غير إضمار ولا يحمل على مجاز وإضمار.
والدليل الثالث من الآية: أن الذي يختص به الولي من النكاح أن يملك عقده والذي يختص به الزوج أن يملك الاستمتاع بعده فكان حمل الذي بيده عقدة النكاح على الولي الذي يملك عقده أولى من حمله على الزوج الذي يملك الاستمتاع بعده.
والدليل الرابع من الآية: أن الزوج غارم للباقي من نصف الصداق في حق الزوجة تقبضه الكبيرة وولي الصغيرة فكان توجه العفو إلى مستحق الغرم أولى من توجهه إلى ملتزم الغرم ولأن الله تعالى إنما ندب الزوجة إلى العفو لما تحظى به رغبة الأزواج فيها فاقتضى أن يكون ولي الصغيرة مندوبة إلى مثل ما ندبت إليه الكبيرة ليتساويا في عود الحظ إليهما بترغيب الأزواج فيهما.
فصل: والدليل على صحة قوله في الجديد: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج دون الولي الآية ومنها خمسة أدلة: أحدهما: قوله تعالى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] والعقدة عبارة عن الأمر المنعقد ومنه حبل معقود وعهد معقود لما قد استقر عقده ونجز والنكاح بعد العقد يكون بيد الزوج دون الولي.
والثاني: أنه أمر بالعفو قال الشافعي: وإنما يعفو من ملك والزوج هو المالك دون الولي فاقتضى أن يتوجه الخطاب بالعفو إليه لا إلى الولي.
والثالث: أن حقيقة العفو هو الترك وذلك لا يصح إلا من الزوج لأنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق فإذا ترك أن يتملك لم يملك فأما الولي فعفوه إما أن يكون هبة إن كان عينًا أو إبراءًا إن كان في الذمة فصار حقيقة العفو أخمر بالزوج من حمله على المجاز في الولي.

والرابع: أنه إذا توجه بالعفو إلى الزوج كان محمولًا على عمومه في كل زوج مطلق وإذا توجه إلى الولي كان محمولًا على بعض الأولياء في بعض الزوجات هو الأب والجد من بين سائر الأولياء مع الصغيرة البكر التي لم يدخل بها دون سائر الزوجات فكان حمل الخطاب على ما يوجب العموم أولى من حمله على ما يوجب الخصوص.
والخامس: قوله: ﴿وأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237] وهذا الخطاب غير متوجه إلى الولي لأن قربه من التقوى أن يحفظ مال من يلي عليه لا أن يعفو عنه ويبرأ منه فدل على أنه الزوج دون الولي وهو راجع على ما تقدمه فاقتضى أن يكون المتقدم قبله الذي بيده عقده النكاح هو الزوج ويدل عليه من طريق السنة: ما رواه ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولي عقد النكاح الزوج".
وهذا نص.
ولأنه إجماع الصحابة روى شريح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج.
وروى أبو سلمة عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة من بني فهر فطلقها قبل الدخول بها وأرسل إليها صداقها كاملًا وقال: أنا أحق بالعفو منها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] وهذا قول صحابيين فإن قيل: خالفهما ابن عباس.
قيل: قد اختلفت عنه الرواية فتعارضتا وثبت خلافه فصار الإجماع بغيره منعقدًا.
ومن طريق الاستدلال أن الزوجين متكافئان فيما أمرا به وندبا إليه فلما ندبت الزوجة إلى العفو ترغيبًا للرجال فيها اقتضى أن يكون الزوج مندوبًا إلى مثله ترغيبًا للنساء فيه ولأنه لو ملك الأب العفو لملكه غيره من الأولياء ولو ملكه في البكر لملكه في الثيب ولو ملكه قبل الدخول لملكه يعد الطلاق لملكه قبله ولو ملكه في المهر لملكه في الدين.
وتحريره قياسًا: أن من لم يملك العفو عن مهرها إذا كانت ثيبًا لم يملكه إذا كانت بكرًا كالإخوة والأعمام طردًا وكالسيد في أمته عكسًا فإن قيل: فإنما اختص به الأب في البكر لاختصاصه بإجبارها على النكاح قيل: قد يملك إجبار المجنونة والبكر ولا يملك العفو عن صداقها ولأن من لم يملك العفو عن المهر بعد الدخول لم يملكه قبله كالصغيرة طردًا والكبيرة عكسًا.
فإن قيل: إنما لم يملكه بعد للدخول لاستهلاك بعضها بالدخول.
قيل: لا فرق في رد عفوه بين ما كان في مقابلة رد بدل كالثمن وبين ما كان بغير بدل كالميراث.

ولأنه مال للمولى عليه فلم يكن لوليه العفو عنه كالثمن.
فإن قيل: إنما عفا عن المهر لأنه أفادها إياه.
فصل: فإذا تقرر توجيه القولين.
فإن قلنا بالقديم: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي صح عفوه باجتماع خمسة شرائط: أحدها: أن يكون الولي أبا أو جدًا ممن يلي على بضعها ومالها فإن عفا غيرهما من العصبات لم يصح.
والثاني: أن تكون المرأة بكرًا يصح إجبار الأب لها على النكاح فإن كانت ثيبًا لم يصح.
والثالث: أن تكون صغيرة ثبتت الولاية على مالها فإن كانت كبيرة تملك النظر في مالها لم يصح.
والرابع: أن يكون عفوه بعد الطلاق الذي تملك به نفسها فإن عفا قبله لم يصح.
والخامس: أن يكون الطلاق قبل الدخول لأن لا يستهلك عليها بضعها فإن كان بعد الدخول لم يصح.
فإذا اجتمعت هذه الشروط الخمسة صح حينئٍذ عفوه.
وإذا قلنا: إن الزوج إن صح عفوه لجواز أمره بالبلد والعقل والحرية والرشد.
فأما الصغير: فلا تبين زوجته منه بالطلاق ولأن طلاقه لا يقع وتبين منه بالردة أو بالرضاع فإن كان ذلك قبل الدخول عاد جميع صداقها إليه لوقوع الفرقة من جهتها قبل الدخول.
وإن كان مجنونًا وقعت الفرقة بردتها لا غير فإن كان ذلك قبل الدخول فلا صداق لها.
وإن كان عبدًا وقعت الفرقة بطلاقه فيكون في وقوعه كالحر وتقع الفرقة بردتها.
وإن كان محجورًا عليه بسفه وقعت الفرقة بطلاقه وبردتها فلا يصح عفو واحد من هؤلاء.
ويصح عفو سيد العبد فأما عفو ولي الصغير والمجنون والسفيه فلا يصح قولًا واحدًا وإن كان عفو ولي الزوجة على قولين: والفرق بينهما من وجهين: أحدها: أن ولي الزوجة هو الذي أكسبها الصداق يعقده فصح منه إسقاطه بعقده وولي الزوج ما أكسبه ما عاد من الصداق إليه فلم يصح عفوه عنه.
والثاني: أن ما عاد من الزوج قد كان ماله فلم يجز أن يعفو عنه بعد عوده وصداق الزوجة ملك مستفاد فصح عفوه بعد استحقاقه والله أعلم.

مسألة: قال الشافعي: "وأي الزوجين عفا عما في يدبه قلة الرجوع قبل الدفع أو الرد والتمام أفضل".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا طلق الرجل الرشيد زوجته الرشيدة قبل الدخول تنصف الصداق بينهما فكان لها نصفه بالعقد وصار للزوج نصفه وفيما يصير به مالكًا لنصفه قولان مضيا: أحدهما: أنه يصير مالكًا لنصفه بنفس الطلاق.
والثاني: أنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق.
فإن لم يعف واحد منهما عن حقه تقاسماه عينًا كان أو في الذمة وإن عفا واحد منهما فلا يخلو حال الصداق من أن يكون عينًا أو في الذمة.
فإن كان الصداق في الذمة فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون في ذمة الزوج وذلك من أحد وجهين:

  • إما أن يكون قد أصدقها مالًا في الذمة.
  • أو أصدقها عينًا تلفت في يده فصار غرمها في الذمة.
    فلا يخلو العاني من أن يكون هو الزوج أو الزوجة.
  • فإن كان العافي هي الزوجة فعفوها يكون إيراءًا محضًا ويصح بأحد ستة ألفاظ: إما أن تقول: قد عفوت، أو قد أبرأت، أو قد تركت، أو قد سقطت، أو قد ملكت أو قد وهبت.
    فبأي هذه الألفاظ الستة أبرأته صح ولم تفتقر إلى قبوله على مذهب الشافعي وأكثر أصحابنا.
    وقال بعض أصحابه منهم أبو العباس بن رجاء البصري: الإبراء لا يتم إلا بالقبول كالهبة وهذا قول أبي حنيفة.
    وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه إسقاط ملك فأشبه العنق.
    والثاني: أنه عفو فأشبه العفو عن القصاص والشفعة.
    وإن كان العافي هو الزوج: فعفوه هبة محضة لا يصح من الألفاظ الستة إلا بإحدى لفظين: إما الهبة وإما التمليك ولا يتم إلا بثلاثة أشياء: ببذل الزوج وقبول الزوجة وقبض من الزوج أو وكيله فيه إلى الزوجة أو وكيلها فيه.
    فإن لم تقبض فله الرجوع وهو معنى قول الشافعي: فله الرجوع قبل الدفع.

فصل: والضرب الثاني: أن يكون الصداق في ذمة الزوجة وذلك بأن تستهلكه بعد قبضه فيصير نصفه المستحق: بالطلاق في أحد الوجهين أو باختيار تملكه بعد الطلاق في الوجه الثاني ملكًا للزوج فلا يخلو أن يكون العاني منهما هو الزوج أو الزوجة: فإن كان العافي هو الزوج ترتب عفوه على اختلاف القولين فيما ملك بالطلاق.
فإن قيل: إنه ملك بالطلاق نصف الصداق كان عفوه إبراء محضًا يصح بأحد الألفاظ الستة: إما بالعفو أو بالإبراء أو بالترك أو الإسقاط أو التمليك أو الهبة وفي اعتبار قبولها وجهان على ما مضى.
وإن قيل: إنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق كان عفوه إبطالًا لتملك الصداق فيصح بالألفاظ الستة التي يصح بها الإبراء أو يصح بزيادة لفظتين وهما: الإحلال والإباحة فيصير عفوه بأحد ثمانية ألفاظ ولا يفتقر إلى القبول وجها واحدًا لا يختلف أصحابنا فيه كما لا يفتقر العفو عن الشفعة والقصاص إلى قبول.
وإن كان العافي منهما هي الزوجة فعفوها هبة محضة تصح بإحدى لفظتين: إما الهبة أو التمليك ولا تنم إلا بثلاثة أشياء: بالبذل والقبول والقبض فإن عفا الزوجان جميعًا نظر.

  • فإن كان في ذمة الزوج غلب عفو الزوجة على عفو الزوج لأن عفو الزوجة إبراء وعفو الزوج هبة.
  • وإن كان في ذمة الزوجة غلب عفو الزوج على عفو الزوجة لأن عضو الزوج إبراء وعفو الزوجة هبة.
    فصل: وإن كان الصداق عينًا قائمة فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون في يد الزوج فلا يخلو العاني من أن يكون هو الزوج أو الزوجة.
  • فإن كان العافي هي الزوجة فعفوها هبة محضة لنصف عين مشتركة في يد الموهوب له فلا تصح إلا بإحدى لفظتين: الهبة أو التمليك ولا تتم إلا بثلاثة أشياء ورابع مختلف فيه: وهو البذل والقبول والقبض وأن يمضي عليهما بعده زمان القبض وهل يفتقر إلى إذن الزوجة له بالقبض أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا يفتقر إلى إذن بالقبض لأنه في قبضه.
    والثاني: لا بد من إذن بالقبض لأنه كان في يده مالكًا لها فلم يزل حكم يده إلا بإذنها.
  • وإن كان العافي هو الزوج: ترتب عفوه على اختلاف قوليه فيما ملكه بطلاقه فإن قلنا: إنه ملك به نصف الصداق كان عفوه هبة محضة لمشاع في يده فيصح بإحدى لفظتين
جارٍ التحميل